النص المفهرس
صفحات 81-100
: عيافة ٢ ، عيال، عيب ١ الکون. جاء في الأثر: ((العيافة، والطيرة، والطرق من الجبت))(١). (ر: تطير ف٥ وما بعدها). أما العيافة بمعنى كراهة الطعام والامتناع عن تناوله، فقد ورد من حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فقال بعض النسوة: أخبروا رسول الله بما يريد أن يأكل، فقالوا هو ضب يارسول الله، فرفع يده، فقلت: أحرام يارسول الله؟ فقال: ((لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد: فاجتزرته فأكلته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم (٢) ينظر». (٢) فقد أكل الضب بحضرته صلى الله عليه وسلم ولم ينه عنه فتبين حله وأن تركه له لعدم إلفه.(١) وتفصيل ذلك في مصطلح: (أطعمة ف/ ٥٤). (١) حديث: ((العيافة والطيرة والطرق)) أخرجه أبو داود (٢٩٩/٤) وفي إسناده اضطراب كما في التهذيب لابن حجر (٦٨/٣). (٢) حديث: ((لم يكن بأرض قومي)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٦٣/٩) من حديث خالد ابن الوليد. عيال انظر : أسرة . عَيْب التعريف: ١ - العيب لغة : الوصمة والنقيصة ، والجمع أعياب وعيوب ، ورجل عياب وعيابة وعيب : كثير العيب ، يقال : عيب الشيء فعاب : إذا صار ذا عيب فهو معيب ، أو هو: ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة .(٢) واصطلاحا يختلف تعريف العيب (١) نهاية المحتاج ١٤٤/٨ (٢) لسان العرب ، القاموس المحيط، وأحكام القرآن للقرطبي ٣٤/١١ - ٨١- عيب ١ - ٦ باختلاف أقسامه، قال النووى : حدودها مختلفة، فالعيب المؤثر في البيع الذى يثبت بسببه الخيار: هو مانقصت به الملكية أو الرغبة أو الغبن، والعيب في الكفارة : ما أضر بالعمل ضررا بينا، والعيب في الأضحية: هو مانقص به اللحم، والعيب في النكاح: ما ينفر عن الوطء ويكسر ثورة التواق، والعيب في الإجارة: مايؤثر في المنفعة تأثيرا يظهر به تفاوت الأجرة(١) الألفاظ ذات الصلة: أ - الغش : ٢ - الغش نقيض النصح ، يقال : غشه يغشه غشا اذا ترك نصحه وزيّن له غير المصلحة ، والغش يكون عيبا قد يؤثر في العقد .(٢) ب - الكذب : ٣ - الكذب : هو الإخبار عن الشىء على خلاف ماهو عليه، عمدا كان أو (٣) سهوا . والكذب أخص من العيب . (١) تهذيب الأسماء واللغات ٥٣/٤ (٢) لسان العرب ، بلغة السالك لأقرب المسالك ٨١/٢ (٣) لسان العرب، المصباح المنير، وصحيح مسلم بشرح النووى ٥٦/١ ج - الغبن : ٤ - الغبن : الوكس والخديعة، وأكثر ما يكون في البيع والشراء، قال الراغب: الغبن أن تبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء. (١) والغبن إذا كان فاحشا یکون عيباً يؤثر في عقود المعاوضات. د - العاهة : ٥ - العاهة : هي مايصيب الإنسان في نفسه أو ماله من البلايا والآفات. (٢) والعيب أعم من العاهة ، لأنه يكون بالعاهة أو بغيرها . الأحكام المتعلقة بالعيب : يتعلق بالعيب وما يترتب عليه أحكام ذكرها الفقهاء في أبواب متعددة ، حصرها النووى في ستة أقسام ، والقليوبي في ثمانية . العيب في المبيع : ٦ - ضابط العيب في المبيع عند (١) لسان العرب، تهذيب الأسماء واللغات ٥٨/٤ والمفردات للراغب . (٢) لسان العرب ، وسبل السلام ٤٦/٣ -٨٢- • عيب ٦ - ٩ الحنفية والحنابلة أنه ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار ،لأن التضرر بنقصان المالية، وذلك بانتقاص القيمة(١) وعند الشافعية: هو كل ماينقص العين أو القيمة نقصا يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمه ، سواء قارن العقد أم حدث بعده قبل القبض. (٢) وعند المالكية : هو وجود نقص في المبيع أو الثمن ، العادة السلامة منه (٣) العيوب التي يرد بها المبيع : ذكر الفقهاء جملة من العيوب التي يرد بها المبيع نذكر منها : أولا - العيوب الظاهرة: أ - عيوب الدواب : ٧ - عيوب الدواب هي التي تزهد فيها، وتنقص من أثمانها، وهي كالعور والحرد والرمص والدبر والفحج والمشش والدخس والعض والجفل (٤) والجماح (١) رد المحتار ٧١/٤، والمغني لابن قدامة ١٦٨/٤ (٢) حاشية القليوبي ١٩٨/٢، ١٩٩ (٣) الشرح الصغير ١٥٢/٣ (٤) الحرد: الغضب، والرمص: جمود الوسخ في موق العين، والدبر: قرحة الدابة والبعير، والفحج: تباعد ما بين أوساط ساقي الحيوان، والمشش: ورم يأخذ في مقدم عظم باطن الساق، والدخس: داء يأخذ في حافر الدابة، والجفل: شرود الدابة (لسان العرب) ومقطوعة الأذن للأضحية، وإن اشتراها لغير الأضحية فليس له الرد. ب - عيوب الأرض : ٨ - من عيوب الأرض وما اتصل بها كالبئر: مايضر بالزرع كغور ماء البئر أو زعاق مائها وفقدان المسيل وتعذر الإنبات فيها ، والخراج إذا كانت الأرض المجاورة ليس عليها خراج، وملح ماء البئر. (١) ج - عيوب الدور : ٩ - من عيوب الدور، تصدع الجدران أو انكسار الأخشاب أو سوء جارها أو شؤمها أو جنها، أو أنه لامرحاض لها أو عدم الطريق أو المسيل أو مجاورة موضع صنعة تضر بالبناء أو الساكن . واعتبر المالكية أن عيوب الدار ثلاثة أضرب . أحدها : أن تستغرق العيوب معظم الثمن فیرد به ویرجع بالثمن الثاني : أن لا ينقص من الثمن ، فهذا لايرد به ولا يرجع بقيمة العيب، كسقوط (١) الفتاوى الهندية ٧٢/٣، ٧٣، وفتاوى قاضي خان على الهندية ١٩٤/٢، حاشية الدسوقي١٠٤/٣ والمنتقى للباجي ١٨٨/٤، ومغني المحتاج ٥١/٢، وروضة الطالبين ٤٦٠/٣ -٨٣- عيب ٩ - ١٣ شرافة أو كسر عتبة أو رف أو خلع بلاطة من ثمنه، وثوب الأجرب ووجودالدهن بالثوب ونحوها . أرض . الثالث : أن ينقص من الثمن ، ولا ينقص معظمه ، فهذا يرجع بقيمة العيب ولا ترد به الدار - وعند بعض الأندلسیین أنه ترد به - وهو مادون الثلث، والثلث كثير، وهو الراجح . ووجه ذلك عند المالكية : أن الدار تخالف سائر المبيعات، بدليل أنه إذا استحق منها اليسير لزم الباقي بالثمن. ولو استحق من العبد اليسير لم يلزم الباقي. ووجه من سوّى بين الدار وغيرها : أن هذا مبيع وجد به عيب ينقص الثمن فيثبت فيه الرد بالعيب مالم يفت .(١) د - عيوب الكتب : ١٠ - من عيوب الكتب تلف الورق واختلافه وكثرة الخطأ فيه. (٢) هـ - عيوب الثياب : ١١ - من عيوب الثياب: الخرق واختلاف النسج، وتنجس مايفسده الغسل أو ينقص (١) المنتقى للباجي ١٩٠٠١٨٩/٤ ط بيروت، ومواهب الجليل ٤٣٤/٤، وحاشية الدسوقي ١٠٢/٣، ١٠٣ (٢) الفتاوى الهندية ٧٣/٣ ،٧٤، وروضة الطالبين ٤٦٣/٣ ثانيا - العيوب الخفية في المبيع: ١٢ - من العيوب الخفية ما يكون في جوف المبيع، وللفقهاء فيها التفصيل التالي: إذا اشترى إنسان ما مأكوله في جوفه كالرانج والبطيخ والرمان واللوز والبيض فوجده فاسدا، فإمّا أن لا يكون لفاسده قيمة ، أويكون له قيمة، أو وجد بعضه فاسدا والبعض صحيحا . ١٣ - فإن لم يكن لفاسده مكسورا قيمة، فذهب جمهور الفقهاء، وهو مقابل المشهور عند المالكية إلى أن المشترى يرجع على البائع بالثمن كله ، لأن هذا تبين به فساد العقد من أصله، لكونه وقع على مالا نفع فيه ، ولا يصح بيع مالا نفع فيه كالحشرات والميتات ، وليس عليه أن يرد المبيع إلى البائع ، لأنه لافائدة فيه، إذ لا قيمة له . (١) وذهب المالكية في المشهور : إلى أن ما لا يمكن الاطلاع على عيبه إلا بتغير (١) بدائع الصنائع ٢٨٤/٥، وروضة الطالبين ٤٨٤/٣ ، والمغني لابن قدامة ١٨٥/٤، ١٨٦، والخرشي ١٣١.١٣٠/٥ -٨٤- عيب ١٣ -١٤ في ذات المبيع كسوس الخشب والجوز واللوز والبطيخ والقثاء المر ، فإنه لايكون عيبا، ولا قيمة للمشترى على البائع في نظير ذلك ، إلا أن يشترط الرد فيعمل به ، لأنه شرط فيه غرض ومالية، والعادة في الرد كالشرط . (١). ١٤ - وإن كان لفاسده قيمة يمكن الانتفاع به في الجملة فذهب الحنفية، وهو القول الثاني للشافعي إلى أن هذا الفاسد مادام يمكن الانتفاع به في الجملة فليس للمشترى رده، لأن شرط الرد أن يكون المردود وقت الرد على الوصف الذى كان عليه وقت القبض، ولم يوجد، لأنه تعيب بعيب زائد بالكسر ، فلو رد لرد معيبا بعيبين ، فانعدم شرط الرد . (٢) وذهب المالكية: إلى أن العيب إن كان مما يمكن الاطلاع عليه قبل التغير كالبيض، فكسره ووجده فاسدا منتنا لا يؤكل فإنه يرجع على البائع بجميع الثمن، ولا شيء على المشترى في کسره، دلّس البائع أم لا. وكذلك إن كانت له قيمة كالبيض الممروق إن دلس البائع - كسره المشترى أم لا - أو لم يدلس البائع ولم يكسره المشترى رجع بجميع الثمن ، فإن كسره رده وما نقصه، مالم يفت بنحو قلي فلا رد، ورجع المشترى بما بين القيمتين ، فيقوّم سالما يوم البيع على أنه صحيح غير معيب وصحيح معيب، فإذا قيل : قيمته صحيحا غير معيب عشرة ، وصحيحا معيبا ثمانية، فإنه يرجع بنسبة ذلك من الثمن وهو الخمس، وهذا إن كان له قيمة يوم البيع بعد الكسر وإلا رجع بالثمن كله . قال ابن القاسم: هذا إذا کسره بحضرة البائع، وإن کان بعد أيام لم يرده ، إذ لا يدرى أفسد عند البائع أو المبتاع ، قاله مالك، قال ابن ناجى : ظاهرها ولو بيض النعام ، وقال بعضهم : لايرد بيض النعام لكثافة قشره ، فلا یعرف فسادہ وصحته.(١) وذهب الشافعية : في القول الأظهر عند الأكثرين إلى أن المشترى له الرد قهرا کالمصراة إن كان لا يوقف على ذلك الفساد إلا بكسره، ولا يغرم أرش الكسر على الأظهر ، لأنه معذور . ومقابل الأظهر : يغرم مابين قيمته (١) الخرشي ١٣١/٥ (٢) بدائع الصنائع ١٨٤/٥، وروضة الطالبين ٤٨٤/٣، ٤٨٥، والمغني لابن قدامة ١٨٦/٤ (١٠) الخرشي ١٣١/٥، حاشية الدسوقي ١١٤،١١٣/٣ -٨٥- عيب ١٤ - ١٥ صحيحا فاسد اللب ، ومكسورا فاسد اللب، ولا ينظر إلى الثمن . وإن كان يمكن الوقوف على ذلك الفساد بأقل من ذلك الكسرفلا رد على المذهب كسائر العيوب وقيل : يطرد القولان ، وعلى هذا فكسر الجوز ونحوه وثقب الرانج من صور الحال الأول ، وكسر الرانج وترضيض بيض النعام من صور الحال الثاني.(١) وذهب الحنابلة : إلى أنه إن كان لمعيبه قيمة مكسورا ، فإن كان لا يمكن استعلام المبيع بدون الكسر فالمشترى مخير بين رده ورد أرش الكسر وأخذ الثمن، وبين أخذ أرش عيبه وهو قسط مابين صحيحه ومعيبه، وهذا ظاهر كلام الخرقي، لأنه نقص لم يمنع الرد، فلزم رد أرشه، كلبن المصراة إذا حلبها، والبكر إذا وطئها . وقال القاضي: لا أرش عليه لكسره ، لأن ذلك حصل بطريق استعلام العيب، والبائع سلطه عليه ، حيث علم أنه لا تعلم صحته من فساده بغير ذلك . وإن كان كسرا يمكن استعلام المبيع بدونه إلا أنه لا يتلف بالكلية ، فالحكم فيه كالذى قبله في قول الخرقي وهو قول القاضي أيضا، فالمشترى مخير بين رده وأرش الكسر وأخذ الثمن ، وبين أخذ أرش العيب وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الثانية: ليس له رده وله أرش العيب. وإن كسره كسرا لا يبقى له قيمة فله أرش العيب لاغير هذا إذا كان كل المبيع فاسدا. (١) ١٥ - أما إن وجد المشترى بعض المبيع فاسدا دون البعض، فذهب الحنفية إلى أنه إن كان الفاسد كثيرا رجع على البائع بجميع الثمن، لأنه ظهر أن البيع وقع في القدر الفاسد باطلا، لأنه تبين أنه ليس بمال، وإذا بطل في ذلك القدر يفسد في الباقي. وإن كان الفاسد قليلا فكذلك في القياس، وفي الاستحسان صح البيع في الكل، وليس له أن يرد ولا أن يرجع فيه بشىء، لأن قليل الفساد فيه ممالا يمكن التحرز عنه . ومن الحنفية من فصل تفصيلا آخر فقال: إذا وجد المبيع كله فاسدا، فإن لم یکن لقشره قيمة فالبیع باطل لأنه تبين أنه باع ماليس بمال، وإن كان لقشره قيمة (١) المغني لابن قدامة ١٨٦/٤ (١) روضة الطالبين ٤٨٥/٣ -٨٦- عيب ١٥ - ١٦ کالرمان ونحوه، فالبیع لایبطل، لأنه إذا كان لقشره قيمة كان القشر مالا، ولكن البائع بالخيار إن شاء رضى به ناقصا وقبل قشره ورد جميع الثمن ، وإن شاء لم يقبل ، لأنه تعيب بعيب زائد ، ورد على المشترى حصة المعيب جبرا لحقه. وإن وجد بعضه فاسدا فعلى هذا التفصيل أيضا، لأنه إن لم يكن لقشره قيمة رجع على البائع بحصته من الثمن ، وإن كان لقشره قيمة رجع بحصة العيب دون القشر اعتبارا للبعض بالكل، إلا إذا كان الفاسد منه قليلاً قدر ما لا يخلو مثله عن مثله فلا يرد ولا يرجع (١) بشىء. وقال المالكية : إن كان لبعضه قيمة- كالبيض الممروق - فإن دلس بائعه رجع بجميع الثمن ، كسره المشترى أم لا، أو لم يدلس ولم يكسره . فإن كسره فله رده وما نقصه ، مالم يفت بنحو قلي، وإلا فلا رد ، ورجع المشترى بما بين القيمتين سالما ومعيبا، فيقوم على أنه صحيح غير معيب وصحيح معيب . (٢) (١) بدائع الصنائع ٢٨٤/٥ (٢) الدسوقي ١١٤،١١٣/٣ وقال الحنابلة: إن كان الفاسد من بيض وجوز ولوز ونحوه في بعضه دون کله رجع بقسط الفاسد من الثمن، فإن كان الفاسد النصف رجع بنصف الثمن، وإن كان الربع رجع بريعه . (١) أثر العيب في عقد البيع: ١٦ - اذا وجد العيب بشروطه ثبت حق الرد باتفاق الفقهاء(٢) ويرجع في معرفة العيب إلى أهل الخبرة والعرف ، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا إن تکون تجارةً عن تراضٍ منکم﴾(٣)وما روی عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا ابتاع غلاما فاستغله ، ثم وجد به عيبا فرده بالعيب ، فقال البائع : غلة عبدى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الغلة بالضمان))(٤) وفي رواية - ((الخراج بالضمان))(٥) وما ورد عن أبي هريرة (١) كشاف القناع ٢٢٤/٣ (٢) تبيين الحقائق ٢٣١/٤، ٢٣٢، الدسوقي ١٠٨/٣، مغني المحتاج ٦٣/٢، والمغني لابن قدامة ١٥٩/٤ (٣) سورة النساء / ٢٩ (٤) حديث: ((الغلة بالضمان)) أخرجه الحاكم (١٥/٢) من حديث عائشة ، وصححه ووافقه الذهبي. (٥) حديث: ((الخراج بالضمان)). أخرجه أبو داود (٣/ ٧٨٠) من حديث عائشة، وصححه ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٢٢/٣). -٨٧- عيب ١٦ - ١٧ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يبيع طعاما فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول ، فقال: ((من غش فليس منی)»(١) ولا خلاف بين الفقهاء في رد السلعة المباعة للعيب وكان العيب منقصا للقيمة أو مفوتا غرضاصحيحا شرعا . وقد قاس الفقهاء العيب على المصراة، لما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من اشترى شاة محفّلة فردها فليرد معها صاعا من تمر))(٢) وهذا يدل على ثبوت العيب والرد به ، ولأن المشترى بذل الثمن ليسلم له المبيع سلیما ولما لم یسلم له ذلك کان له الرد ، ولأن السلامة في المبيع مطلوبة المشترى عادة ، لأن غرض المشترى الانتفاع بالمبيع، ولا يتكامل الانتفاع إلا بسلامته، ولأنه لم يدفع جميع الثمن إلا ليسلم له جميع المبيع ، فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة ، فهي كالمشروطة نصا، فإذا فاتت المساواة كان له الخيار. (٣) (١) حديث: ((من غش فليس مني)) أخرجه مسلم (٩٩/١) (٢) حديث: ((من اشترى شاة محفلة فردها)» أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٦١/٤) (٣) المراجع السابقة . ونيل الأوطار ٢٤١/٥ إعلام المشترى بالعيب : ١٧ - ذهب الفقهاء إلى أنه يجب على البائع إذا علم شيئا بالمبيع يكرهه المشترى أن يبينه بيانا مفصلا ، وأن يصفه وصفا شافيا زيادة على البيان ، إن كان شأنه الخفاء ،لأنه قد يغتفر في شيء دون شيء، ويحرم عليه عدم البيان ويكون آثما عاصيا لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بَيْنَهُ له)) (١) ولما روى حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كَذَبًا وكتما مُحقتْ بركةُ بيعهما))(٢) وكتمان العيب غش والغش حرام لحديث أبي هريرة رضي الله عنه : ((من غشنا فليس منا)) (٣) (١) حديث: ((لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا ... )) أخرجه ابن ماجه (٧٥٥/٢) والحاكم (١٠/٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . (٢) حديث: ((البيعان بالخيار ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٢٨/٤) ومسلم (١١٦٤/٣) (٣) حديث: ((من غشنا فليس منا)). أخرجه مسلم (٩٩/١ ). -٨٨- عيب ١٨ - ١٩ ١٨ - ولا يقتصر الإعلام بالعيب على البائع، بل يمتد إلى كل من علم بالعيب، ويتأكد الوجوب في حقه إذا انفرد بعلم العيب دون البائع. ووقت الإعلام بالعيب في حق البائع والأجنبي قبل البيع، ليكون المشترى على علم وبيّنة ، فإن لم يكن الأجنبي حاضرا أو لم يتيسر له فبعد العقد ، ليتمكن المشترى من الرد بالعيب .(١) وإذا وقع البيع مع كتمان العيب فالبيع صحيح مع الإثم والمعصية عند جمهور الفقهاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التصرية (٢) وصحح البيع . وحكى عن أبي بكر بن عبد العزيز أن البيع باطل ، لأنه منهي عنه ، والنهي يقتضي الفساد.(٣) (١) تبيين الحقائق ٣١/٤، حاشية الدسوقي ٣/ ١١٩، والمغني لابن قدامة ١٥٩/٤، نيل الأوطار للشوكاني ٢٣٩/٥، ومغني المحتاج ٦٣/٢ (٢) حديث: ((نهى عن التصرية)) أخرجه مسلم (١١٥٥/٣) من حديث أبي هريرة. (٣) تبيين الحقائق ٣١/٢، حاشية الدسوقي ١١٩/٢، ١٢٠، وحاشية عميرة على المحلي ١٩٧/٢، والمغني لابن قدامة ١٥٩/٤ شروط الرد بالعيب : اتفق الفقهاء على أنه يشترط في العيب الذى يرد به المبيع ما يلي : أ - أن يكون العيب قديما : ١٩ - وذلك بمعنى : أنه حدث عند البائع سواء حدث قبل العقد أو معه، أو بعده قبل القبض وتسلم المبيع، فيكون للمشترى الرد إذا لم يتمكن من إزالته بلا مشقة، فإن تمكن من إزالته فلا رد. (١) وقال المالكية : إن کل عيب حدث عند المشترى في مدة لاحقة معينة فضمانه من البائع لا من المشترى ، ويسمى هذا عندهم بالعهدة . وقد عرفها الباجي وغيره بأنها : تعلق المبيع بضمان بائعه مدة معينة ، وهو بمثابة قيد على شريطة قدم العيب المتفق عليها بين الفقهاء، لأن العيب لم يبن بحسب الظاهر إلا بعد إبرام العقد وتمامه بالقبض، فكان الأصل أن يضمن المشترى ذلك العيب الحادث في ملکه وتحت يده، وقد ذكر ابن رشد أنه لاخلاف بين الفقهاء في أن المبيع من ضمان المشترى بعد القبض إلا في العهدة (٢) والجوائح. (٢) (١) رد المحتار ٧٢/٤، ترتيب الأشباه ص ٢٦٣، الفتاوى الهندية ٦٦/٣، الدسوقي ١٢٩/٣، المهذب ٤٢٥/١، والمغني لابن قدامة ٣١.٣٠/٦. (٢) بداية المجتهد ١٧٧/٢، ١٨٤، والدسوقي ١٤٢/٣، والخطاب ٤/ ٤٧٣ -٨٩- عيب ١٩ - ٢١ وتفصيل ذلك في مصطلح : ( عهدة ) ب - عدم اشتراط البراءة : ٢٠ - وصورة البراءة أن يقول : بعت على أنى برىء من كل عيب ، وفيها مذاهب . فذهب الحنفية ، والرواية الثالثة عن مالك، والقول الثاني للشافعية : أن البيع بشرط البراءة من كل عيب جائز ، ويبرأ من كل عيب، ولا يرد بحال ، وذلك لأن الرد بالعيب حق من حقوق المشترى قبل البائع ، فإذا أسقطه سقط كسائر الحقوق الواجبة . وذهب الحنابلة في رواية، وهو القول الثالث للشافعية إلى أنه لا يبرأ سواء علم به البائع أو لم يعلم، وذلك لأنه من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع، ومن باب الغبن والغش إذا علمه وذلك لأثر ابن عمر رضي الله عنهما، وقد باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه على البراءة، فقال الذى ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه، وقال عبد الله: بعته بالبراءة. فقضى عثمان رضي الله عنه على عبدالله ابن عمرأن يحلف له : لقد باعه العبد بالبراءة وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد، فصح العبد عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم . والقول الأظهر عند الشافعية، والأصح عند المالكية ، ورواية عند الحنابلة أنه يبرأ البائع من كل عيب في الحيوان لا يعلمه دون مالا يعلمه ، ولا يبرأ في غير الحيوان بحال (١) رضا البائع في الرد بالعيب : ٢١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الرد بالعيب لايحتاج إلى رضا البائع ولا إلى حكم حاكم ، سواء كان المبيع في يد المشتري أو البائع، وإنما يثبت بإرادة المشترى المنفردة (٢) وذلك بالقياس على الطلاق، فإنه لا يتوقف على رضا الزوجة، ولا يحتاج إلى حكم حاكم. وذهب الحنفية: إلى أنه يشترط للرد بالعيب رضا البائع أو حكم حاكم إذا كان المبيع في يد المشترى، أمّا إذا كان باقيا في يد البائع فهم مع الجمهور في حصول (١) بدائع الصنائع ١٧١/٥، ١٧٢، والقوانين الفقهية ص ٢٧٠، وبداية المجتهد ١٦٠/٢، وروضة الطالبين ٤٧٠/٣، ٤٧١، وشرح الروض ٦٣/٢، والمغني لابن قدامة ١٩٧/٤ (٢) حاشية الدسوقي ٩١/٣، والمهذب للشيرازى ٢٨٤/١، والمغني لابن قدامة ٢٧٣/٤ - ٩٠ - . عيب ٢١ - ٢٢ الرد بقول المشترى دون حاجة إلى قضاء قاض أو تراض . تمسك المشترى بالمبيع المعيب مع الأرش : ٢٢ - إذا تمسك المشترى بالمبيع المعيب والمطالبة بأرش العيب ، دون أن يطرأ على المبيع زيادة أو نقصان أو تصرف يمنع الرد ويعطي للمشترى الحق في المطالبة بالأرش فقد اختلف الفقهاء في هذا على ثلاثة مذاهب : أولا - ذهب الحنفية والشافعية إلى أن المشترى ليس له أن يتمسك بالمبيع المعيب ويأخذ نقصان العيب ،لأن الفائت وصف ، والأوصاف لا تقابل بشىء من الثمن في مجرد العقد ، ولأن البائع لم يرض بزوال المبيع عن ملكه بأقل من المسمى فيتضرر به ، ودفع الضرر عن المشترى أيضا ممكن بالرد بدون تضرره، ولأن التمسك بالمعيب دلالة على الرضا به ويمتنع الرجوع بالنقصان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لمشترى المصراة الخيار بين الإمساك من غير أرش أو الرد . (١) (١) فتح القدير ٤٠٣/٦، بدائع الصنائع ٢٨٨/٥، روضة الطالبين ٤٧٨/٣ . وحديث : ((جعل مشترى المصراة بالخيار» أخرجه البخاري ( فتح الباري ٣٦١/٤) ومسلم (١١٥٥/٣) من حديث أبي هريرة وقال الحنفية: إن وجد المشترى العيب ببعض المبيع قبل القبض لشىء منه فالمشترى بالخيار إن شاء رضي بالكل ولزمه جميع الثمن ، وإن شاء رد الكل وليس له أن يرد المعيب خاصة بحصته من الثمن ، لأن الصفقة لا تمام لها قبل القبض، وتفريق الصفقة قبل تمامها باطل. وإن كان العيب بعد القبض فإن كان المبيع شيئا واحدا حقيقة وتقديرا فإن المشترى إن شاء رضي بالكل بكل الثمن، وإن شاء رد الكل واسترد جميع الثمن ، وليس له أن يرد قدر المعيب خاصة بحصته من الثمن . وإن كان أشياء حقيقة وتقديرا فليس له أن يرد الكل إلا عند التراضي ، وله أن يرد المعيب خاصة بحصته من الثمن.(١) ومذهب الشافعية أنه ليس المشترى شيئين في صفقة واحدة رد البعض إن كان الباقي مازال ملكه ، لما فيه من التشقيص على البائع، فإن رضي به البائع جاز على الأصح ، وإن كان الباقي زال عن ملكه بأن عرف العيب بعد بيع بعض المبيع ، ففي رد الباقي طريقان أصحهما: القطع (١) بدائع الصنائع ٢٨٧/٥ -٩١- عیب ٢٢ بالمنع كما لو كان باقیا في ملکه.(١) ثانيا: ذهب المالكية إلى أن المشترى إذا وجد عيبا في المبيع، ولم يتغير بشىء من العيوب عنده ، فلا يخلو: إما أن يكون عقارا أو عروضا أو حيوانا فإن كان العيب في الحيوان فلا خلاف في أن المشتري يخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شيء له . وإن كان عقارا فمالك يفرق بين العيب اليسير والكثير ، فيقول : إن كان يسيرا لم يجب الرد ووجبت قيمة العيب وهو الأرش، وإن كان كثيرا وجب الرد بجميع الثمن أو يتمسك بإسقاط العيب بجميع الثمن . وأما العروض ،فالمشهور في المذهب أنها ليست في هذا الحكم بمنزلة الأصول، وقيل : إنها بمنزلة الأصول في المذهب، وهو الذى اختاره الفقیه أبو بكر ابن رزق، وكان يقول: إنه لافرق في هذا المعنى بين الأصول والعروض، وعلى هذا يلزم من يفرق بين العيب الكثير والقليل في الأصول أن يفرق في العروض. (٢) وإذا قلنا: إن المشترى يخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شيء له ، فإن اتفقا على أن يمسك المشترى سلعته (١) روضة الطالبين ٤٨٦/٣ (٢) حاشية الدسوقي ١٢١/٣ - ١٢٣، بداية المجتهد ١٥٥/٢، والشرح الصغير ١٨٢/٣، ١٨٣ ويعطيه البائع قيمة العيب فعامة الفقهاء يجيزون ذلك إلا ابن سريج من أصحاب الشافعي ، فإنه قال : ليس لهما ذلك، وعلى هذا فإذا كان المعيب الأكثر والسالم الأقل باقيا عندالمشترى لم يفت فالجميع يرده ، ويأخذ جميع الثمن ، وليس له التمسك بالأقل السالم ورد الأكثر المعيب، ولو فات عند المشترى لكان له رد المعيب مطلقا، قل أو كثر، ويأخذ حصته من الثمن إلى جميع المبيع من قيمة السلعة إن وقعت ثمنا، أو بنسبة قيمة المعيب من قيمة السلعة . وقال أشهب : يرجع شريكا في الثمن المقوم بما يقابل المعيب. وقال ابن القاسم : لا يرجع شريكا في الثمن الضرر الشركة، وإنما يرجع بالقيمة، وشبه في ردّ الجميع أوالتمسك بالجميع، أو يتمسك بالبعض السالم بجميع الثمن وإن لم يكن الأكثر كأحد مزدوجين من خفين ونعلين وسوارين وقرطين ومصراعي باب - من كل مالا يستغنى بأحدهما عن الآخر - فليس . له رد المعيب بحصته من الثمن إلا أن یتراضیا بذلك. ولو كان المعيب أمّا وولدها، فليس له رد المعيب منهما والتمسك بالسليم ولو -٩٢- عيب ٢٢ تراضيا على ذلك، لما فيه من التفريق بين الأم وولدها، مالم ترض الأم بذلك . كما لا يجوز التمسك بالأقل إن استحق الأكثر إن كان المبيع مقوما متعددا معينا في صفقة والباقي لم يفت عند المشترى، فإن فات فله التمسك به ، ويرجع بما يخص ما استحق من الثمن . وإذا منع التمسك بالأقل إذا استحق الأكثر تعين الفسخ برد الأقل والرجوع بجميع الثمن ، أو يتمسك بالبعض الباقي بجميع الثمن، وبه قال أبو ثور والأوزاعي، لأنه كإنشاء عقد بثمن مجهول ، لأن العقد الأول انحل من أصله حيث استحق الأكثر أو تعيب ، لأن استحقاق الأكثر کاستحقاق الکل، وإذا تعیب الأكثر ورده کان کرد الکل، فکان تمسك المشترى بالأقل السالم كإنشاء عقد بثمن مجهول الآن ، بخلاف رد غير الأكثر أو استحقاقه . وأجاز ابن حبیب رد الأكثر بحصته من الثمن بالتقدير قائلا: هذه جهالة طارئة (١) وهذا اذا لم يكن قد سمى لكل واحد من الأنواع قيمة، فإن كان قد سمى لكل واحد من تلك الأنواع قيمة فلا (١) حاشية الدسوقي ١٢١/٣، الشرح الصغير ١٨٢/٣، ١٨٣، بداية المجتهدلابن رشد ١٥٥/٢ خلاف في رد المعيب بعينه فقط وكل ما تقدم في المقوم المعين المتعدد . وأما المثلي والمقوم المتحد والموصوف فحكمه مغاير لذلك ، فلو اشترى رجل عشرة أثواب موصوفة أو عشرة أرطال أو أوسق من قمح فاستحق أكثرها أو أقلها أو وجد به عيبا فلا ينقض البيع، بل يرجع بمثل الموصوف أو المثلى، وله أن يتمسك بالباقي بحصته من الثمن في الاستحقاق، وبالسالم والمعيب في العيب . وأمّا إذا كان المبيع متحدا كدار وغيره فاستحق البعض قل أو كثر فالمشترى مخیر بین التمسك والرد .(١) وجاز رد أحد المشتريين غير الشركة نصيبه من بیع متحد أو متعدد، اشتریاه في صفقة واحدة واطلعا فيه على عيب ولو أبى البائع فقال: لا أقيل إلا جميعه، بناء على أن العقد يتعدد بتعدده . وأمّا الشريكان في التجارة إذا اشتريا معيبا في صفقة وأراد أحدهما الرد فلصاحبه منعه وقبول الجميع، لأن كل واحد منهما وكيل عن الآخر . وجاز لمشتر من بائعین غير شریکین رد نصيبه دون الرد على الآخر . (٢) (١) الشرح الصغير ١٨٤/٣ (٢) حاشية الدسوقي ١٢٣،١٢٢/٣ -٩٣ - عيب ٢٢ - ٢٣ ثالثا : ذهب الحنابلة إلى أنّ المشترى إذا أراد إمساك المعيب وأخذ أرش النقص فله ذلك ، ولو لم يتعذر الرد، رضي البائع بدفع الأرش أو سخط به ، لأنه ظھر علی عیب لم يعلم به، فكان له الأرش كما لو تعيب عنده. ولأنه فات عليه جزء من المبيع، فكانت له المطالبة بعوضه، كما لو اشترى عشرة أقفزة فبانت تسعة، ولأن المتبايعين تراضيا على أن العوض في مقابلة المعوض، فكل جزء من العوض يقابله جزء من المعوض، ومع العيب فات جزء منه فيرجع ببدله وهو الأرش مالم يفض إلى الربا، كشراء حلي بفضة بزنته.(١) وإن اشترى رجل معيبين صفقة واحدة ، أو اشترى طعاما أو نحوه في وعاءين صفقة واحدة ، فليس له إلا ردهما معا أو إمساكهما والمطالبة بالأرش ، لأن في رد أحدهما تفريقا للصفقة على البائع مع إمكان أن لا يفرقها - أشبه ردّ بعض المعيب الواحد - فإن تلف أحد المعيبين وبقي الآخر فللمشترى رد الباقي بقسطه من الثمن لتعذر رد التالف، والقول قول المشترى في قيمة التالف مع يمينه ، لأنه منكر لما يدعيه البائع من زيادة قیمته. واذا كان أحدهما معيبا والآخر سليما، وأبى المشترى أخذ الأرش عن العيب فله رده بقسطه من الثمن، لأنه رد للمبيع المعيب من غير ضرر على البائع ، ولا يملك المشترى رد السليم لعدم عيبه إلا أن ينقصه تفريق كمصراعي باب وزوجي خف، أو يحرم تفريق كجارية وولدها ونحوه کأخیها، فلیس للمشترى رد أحدهما وحده ، بل له ردهما معا أو الأرش دفعا لضرر البائع أو لتحريم التفريق .(١) وأما طرق إثبات العيب وموانع الرد به فتفصيل ذلك في مصطلح (خيار العيب ف ٦ وما بعدها) العيب في الصرف : ٢٣ - الصرف : إما أن يكون معينا بمعين أو في الذمة. والعیب إما أن يكون من نفس الجنس أو من غير الجنس ، والعوضان إمّا أن (١) المغني ٠١٦٢/٤ ١٦٣، وكشاف القناع ٢١٨/٣، ٢٢٥ (١) المغني لابن قدامة ١٦٢/٤، ١٦٣، كشاف القناع ٢٢٥،٢١٨/٣ . -٩٤- عيب ٢٣ - ٢٤ يكونا من جنس واحد أو من جنسين، وفي كل: إمّا أن يظهر العيب قبل القبض أو بعده، فهذه ثمانية : أربعة في الصرف المعين، ومثلها في الصرف في الذمة . أولا - العيب من نفس الجنس، اتحد الجنس أو اختلف، قبل القبض أو بعده: ٢٤ - إذا كان الصرف معينا والعيب في جميع العوض، كأن يقول : بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم ، أو بهذه الدنانير، ويشير إلى العوضين . فهذا هو المعين بمعين، ولا خلاف في جواز هذا القسم بشروطه وهو الحلول والتقابض . ثم إذا ظهر أحد البدلين معيبا ، مثل كون الفضة سوداء أو خشنة تنفطر عند الضرب، أو كانت سكتها تخالف سكة السلطان، أو وجدت الدراهم زيوفا ، فهل يصح العقد ولا شيء لواجد العيب إذا رضي به، أم له البدل ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين : المذهب الأول لجمهور الفقهاء: من الحنفية ، والشافعية والحنابلة: وهو أنه متى كان العيب من نفس الجنس فالعقد صحيح، والمشترى بالخيار بين أن يمسك الجميع وبين أن يفسخ العقد ، وليس له البدل ، وإلى هذا ذهب الحنفية فيما يعيّن. عندهم من غير الدراهم والدنانير، ففي المبسوط: لو كانت الفضة سوداء أو حمراء فيها رصاص أو صفر - وهو الذى أفسدها - فهو بالخيار، إن شاء أخذها وإن شاء ردها، لأن المشار إليه من جنس المسمى ، فإن مثله يسمى إناء فضة في الناس، إلا أنه معيب لما فيه من الغش، فيجوز العقد على المشار إليه بالتسمية، ويتخير المشترى للعيب . وإن كانت رديئة من غيرغش فيها لم يكن له أن يردها ، لأن الرداءة ليست بعيب. وفي تكملة المجموع: وإن كان العيب من جنس المعقود عليه ، كخشونة الفضة ورداءة المعدن ، فالبيع صحيح، فإن ظهر العيب والمبيع باق فهو بالخيار بين أن يرد ويسترجع الثمن، وبين أن يرضى به، نص عليه الشافعي والأصحاب، وليس له أن يطالب ببدله ، سواء قبل التفرق أو بعده ، فإن مورد العقد معين، اتفقت كلمة الأصحاب على ذلك، ولا يأخذ أرش المعيب، لأن الأرش لا يستحق مع القدرة على الرد (١) (١) المبسوط ٦٨/١٤، والفتاوى الهندية ٢٣٨/٣، وتكملة المجموع٠ ١٢١/١، والمغني لابن قدامة ١٦٦/٤ - ١٦٧. -٩٥- عيب ٢٤ - ٢٥ المذهب الثاني للمالكية : فهم یرون أن المغشوش المعين من الجهتين كهذا الدينار بهذه العشرة الدراهم ، فيه طريقان: (١) الأول أن المذهب كله على إجازة البدل. والثاني أنه كغير المعين ، فيكون فيه قولان، والمشهور منهما النقض، (٢) وعلى هذا القول يكون متفقا مع المذهب الأول. والقول الثاني : جواز البدل وهو لابن وهب وهو قول عند الحنابلة، (٣) على أساس أن النقود لاتتعين بالتعيين، وذلك لأن المصطرفين لم يفترقا وفي ذمة أحدهما للآخر شىء ولم يزل المعين مقبوضا لوقت البدل، فلم يلزم على البدل صرف مؤخر بخلاف غير المعين فيفترقان وذمة أحدهما مشغولة لصاحبه ،ففي البدل صرف مؤخر. ثانيا - أخذ الأرش عن المعيب: أ - إذا كان العوضان من جنسين: ٢٥ - ذهب الحنفية إلى القول برجوعه بنقصان العيب إذا هلك في يده أو حدث (١) شرح الخرشي ٤٥/٥، والشرح الصغير ٧٢/٤ (٢) شرح الخرشي ٤٥/٥، حاشية الصاوى على الشرح الصغير ٧٢/٤ - ٧٣ (٣) المغني لابن قدامة ١٦٧/٤ فيه عيب آخر، مالم يقل البائع: أنا أقبله كذلك، وهو مذهب الحنابلة إذا كان أخذ الأرش قبل التفرق، أو كان الأرش من غير جنس الثمن. ففي الفتاوى الهندية : لو اشترى قلب فضة بذهب ، فوجد فيه عيبا فله أن يرده، فإن هلك في يده أو حدث فيه عيب آخر كان له أن يرجع بنقصان العيب، وللبائع أن يقول: أنا أقبله كذلك . وإن كان الثمن فضة لم يرجع بالنقصان. (١) وفي المغنى: وإن كان الصرف بغير جنسه فله أخذ الأرش في المجلس، لأن المماثلة غير معتبرة، وتخلف قبض بعض العوض عن بعض ماداما في المجلس لايضر، فجاز كما في سائر البيع، وإن كان بعد التفرق لم يجز، لأنه يفضي إلى حصول التفرق قبل القبض لأحد العوضين، إلا أن يجعلا الأرش من غير جنس الثمن، كأنه أخذ أرش عيب الفضة قفيز حنطة فیجوز. (٢) وذهب الشافعية: إلى القول بعدم (١) الفتاوى الهندية ٢٣٨/٣ (٢) المغني لابن قدامة ١٦٨/٤ -٩٦- عيب ٢٥ - ٢٧ جواز أخذ الأرش، (١) وهو مذهب الحنابلة إذا كان أخذ الأرش بعد التفرق. واستدل الشافعية على ذلك : بأنه لا يجوز له أخذ الأرش مع القدرة على الرد، بمعنى أنه إذا كان له أن يرد المعيب ويسترجع الثمن الذى دفعه فلا حاجة إلى القول بأخذ الأرش ،فإما أن يرضى به بجميع الثمن ، وإما أن يفسخ . ب - إذا كان العوضان من جنس واحد : ٢٦ - وذلك كدنانير بدنانير ، أو دراهم بدراهم ، أو فضة بفضة، أو ذهب بذهب فهل يجوز له أخذ الأرش في متحدى الجنس ؟ ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى القول بعدم أخذ الأرش عن المعيب فى متحدى الجنس، لأن الأرش يؤدى إلى حصول الزيادة في أحد العوضين، وهذا يؤدى إلى فوات المماثلة المشترطة في الجنس الواحد، فيتحقق ربا الفضل. وهو (٢) لا يجوز. (١) تكملة المجموع ١٢١/١٠، والمغني ١٦٨/٤ (٢) الفتاوي الهندية ٢٣٨/٣، تكملة المجموع ١٢٦/١٠-١٢٧، المغني لابن قدامة ١٦٨/٤ وذهب القاضى من الحنابلة إلى تخريج وجه بجواز أخذ الأرش في المجلس، لأن الزيادة طرأت بعد العقد (١)، وأما المالكية : فيجوز عندهم أخذ البدل فلا حاجة إلى القول بالأرش . ثالثا - الصرف معين والعيب من نفس الجنس والمعيب البعض: ٢٧ - لقد سبق الحكم فيما إذا كان العيب في جميع العوض، فليس له إلا الإمساك أو الرد . وكذلك الحكم في أخذ الأرش ، سواء كان في متحدى الجنس أومختلفيه . وأيضا إذا كان العيب في بعض العوض فله إما رد الكل أو إمساك الكل، وهنا نتناول الحكم في إمساك الجيد ورد المعيب فإذا وجد البعض معيبا ، فهل له إمساك الجيد ورد المعيب وحده ؟ أو يرد الجميع؟ أو يمسك الجميع وليس له شىء غير ذلك ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة مذاهب : الأول: ذهب الحنفية إلى أنه إذا وجد بالمبيع عيبا فله أن يرده كله أو يأخذه (١) المغني لابن قدامة ١٦٨/٤ -٩٧- عيب ٢٧ کله، وذلك فيما لو كان حلى ذهب فيه جوهر مفضض ، فوجد بالجوهر عيبا، فإن أراد أن يرده دون الحلى لم يكن له ذلك، لأن الكل كشىء واحد ، لما في تمييز البعض من البعض من الضرر . ومنع الحنفية رد البعض هنا، ليس على . أساس تفريق الصفقة وإنما على أصل آخر عندهم، وهو أن الذي یتعین بالتعیین غير الدراهم والدنانير كالحلي والتبر وغير ذلك فهو بمنزلة الشىء الواحد لا يمكن فصله.(١) وقد وافقهم المالكية فيما لو كانت الدنانير مختلفة الأجناس والقيم، ففي المنتقى: وإن كانت الدنانير مختلفة الأجناس والقيم ففى العتبية من رواية أبى زيد عن ابن القاسم فیمن اشترى حلیا مصوغا : أسورة وخلاخل وغير ذلك بدراهم فوجد بها درهما زائفا، أنه ينتقض الصرف کله . (٢) ثم قال : ولو وجد في جميع الحلي مسمار نحاس فقد روى أبو زید عن ابن القاسم أن ذلك إن كان في سوارين من الحلي انتقض الصرف في السوارين جميعا، لأن السوارين جميعا بمنزلة الشىء الواحد، فإذا انتقض الصرف في أحدهما (١) المبسوط ٦٧/١٤ (٢) المنتقى للباجي ٢٧٥/٤ انتقض فيهما ، لأنه لا يجوز أن يفترقا في الرد على من باعهما مجتمعين، لما في ذلك من الفساد، ولأن النقض لما طرأ من جهتهما والعوض الذى يقارب مساو لم يدخله التقسيط . المذهب الثاني ، وهو قول عند الشافعية والحنابلة : أنه إذا وجد بعض العوض معيبا فله إما إمساك الكل أو رد الكل ، وليس له رد المعيب وحده ، فإذا صرف الرجل من الرجل دينارا بعشرة دراهم ، أو دنانير بدراهم ، فوجد فيها درهما زائفا، فإن كان زاف من قبل السكة أو قبح الفضة فلا بأس على المشتری أن یقبله، وله رده، فإن رده رد البيع كله ، لأنها بيعة واحدة، وإن شرط عليه أن له رده فالبيع جائز ، وذلك له شرطه أو لم يشرطه . وإن شرط أنه لايرد الصرف ، فالبيع باطل إذا عقد على هذا عقدة البيع . واستدلوا أيضا بالقياس على عدم تفريق الصفقة، لأن الصفقة إذا لم يمكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بطلت في الكل، کالجمع بين الأختين وبيع درهم بدرهمين، وعليه فليس له إلا إمساك الكل أو فسخ الكل . (١) (١) الأم ٤٣/٣، الشرح الكبير لابن قدامة بذيل المغني ٣١/٤ -٩٨- عيب ٢٧ - ٢٨ ويقول السبكي : وهذا الكلام قد يوهم أنه ليس له التفريق ، وهو الذى جزم به أبو حامد في مسألة العبدين، وأكثر الأصحاب أطبقوا على تخريجه على قولى تفريق الصفقة في الدراهم . (١) وفي المغني: وهل له رد المعيب وإمساك الصحيح؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة.(٢) المذهب الثالث : للمالكية في المشهور- وهو قول عند الشافعية والحنابلة - أن الصرف ينقض في المعيب بقدره من الثمن ويمسك الجيد ،وقيل بالنقض بعد الطول، فإذا كان الصرف دنانير بدراهم ، فوجد بالدراهم زيفا فأصغر دينار ، مالم يكن الزيف يزيد عن أصغر دینار فأکبر دینار، وهكذا كلما زاد الزيف ينقض من الصرف مايقابله على الترتيب السابق. لأن كل دينار كأنه مفرد بنفسه، إذ لا تختلف قيمته عن قيمة مصاحبه . ومقابل المشهور عند المالكية ماروى عن ابن القاسم أنه ينتقض الجميع ، بناء على أن المجموع مقابل المجموع، ولكن يستوى في المشهور عند المالكية أن (١) تكملة المجموع ١٠ / ١٢١ (٢) المغني لابن قدامة ١٦٧/٤ يسموا عند العقد لكل دينار عددا من الدراهم أو لم يسموا لكل دينار عددا ، بل جعلوا كل الدراهم في مقابلة كل الدنانير. وإن تساوت الدنانير في الصغر والكبر والجودة والرداءة فواحد منها ينتقض ، مالم يزد موجب النقض فآخر وهكذا.(١) والقول بجواز رد المعيب وحده بناء على القول بجواز تفريق الصفقة، وذلك لأن لكل واحد منهما له حکم لو كان منفردا، فإذا جمع بينهما ثبت لكل واحد حكمه، كما لو باع شقصا وسيفا، ولأن البيع سبب اقتضى الحكم في محلين فامتنع حكمه في أحد المحلين فيصح في الآخر، كما لو وصى بشىء الآدمي وبهيمة. (٢) رابعا : إذا تلف العوض بعد العقد ثم علم عيبه: إذا تلف العوض بعد العقد ثم علم عيبه، والصرف معين والعيب من نفس الجنس ، ولم يعلم العيب إلا بعد تلف العوض المعيب، فهل يصح العقد أو (١) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٨، والشرح الصغير ٧٣/٤ - ٧٤ (٢) الشرح الكبير لابن قدامة بذيل المغني ٣٨/٤ -٩٩- عیب ٢٨ - ٢٩ يفسخ ويرد مثل التالف؟ ولو أمسك هل له أخذ الأرش ؟ بيان ذلك فيما يلي: أ - حكم العقد من حيث الإمضاء أو الفسخ ٢٨ - اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول للشافعية والحنابلة وأبي يوسف من الحنفية، وهو أن العوض في الصرف إذا تلف بعد القبض ثم علم عيبه فسخ العقد ورد الموجود، وتبقى قيمة المعيب في ذمة من تلف في يده ، سواء كان الصرف بجنسه أو بغير جنسه، كما إذا صارف ذهبا بذهب أو ورقا بورق . ولا يأخذ الأرش، لأنه يحصل معه في البيع تفاضل ، ولا يمكن الرد، لأن ذلك تالف لا یمکن رده، ولا یمکن أن يقال: إنه يقر العقد ولا شيء له ، لأنه قد علم بالعيب، فلا بد له من استدراك ظلامته ، فدعت الضرورة إلى فسخ العقد ورد الموجود ، وتبقى قيمة المعيب في ذمة من تلف في يده، فيرد مثلها أو عوضها .(١) وفي المغني : إن تلف العوض في الصرف بعد القبض ثم علم عيبه ، فسخ (١) تكملة المجموع شرح المهذب ١٢٥/١٠ العقد ورد الموجود ، وتبقى قيمة المعيب في ذمة من تلف في يده، فيرد مثلها أو عوضها إن اتفقا على ذلك، سواء كان الصرف بجنسه أو بغیر جنسه. ذكره ابن عقيل(١) المذهب الثاني لأبي حنيفة ومحمد، وهو أن البيع صحيح، وليس له شىء على البائع، فلو اشترى دينارا بعشرة دراهم وتقابضا والدراهم زيوف فأنفقها المشترى وهو لا يعلم ، فلا شىء له على البائع ، وقال أبو يوسف : يرد مثل ماقبض ويرجع بالجیاد. وذكر فخر الإسلام وغيره أن قولهما قياس، وقول أبي يوسف استحسان . (٢) وحيث إن الحنفية ذكروا الأمثلة في الدراهم والدنانير ، وهي لاتتعين عندهم ، والكلام في المعين، لم نجد لهم نصا صريحا في هذا، ولكن الحكم لا يختلف، لأنه سواء كان العوض معينا أو غير معين فبالتلف تساويا في عدم القدرة على الرد أو الاستبدال إن قيل به ، وليس هناك طريق آخر يمكن القول به غير هذا. (١) المغني لابن قدامة ١٦٩/٤ (٢) الفتاوى الهندية ٢٣٨/٣ ، الجامع الكبير لمحمد بن الحسن ص ٢٢٨ . - ١٠٠ -