النص المفهرس

صفحات 201-220

عَقْد ٦ - ٨
فالأصل أن كل ما يدل على الإيجاب
والقبول لغة أو عرفا ينعقد به العقد، فلا
يشترط فى انعقاد العقد فى الأصل لفظ
خاص، ولا صيغة خاصة.
٧ - واستثنى بعض الفقهاء من هذا الأصل
عقد النكاح، فلا يصح إلا بلفظ النكاح
والزواج ومشتقاتهما، كما ذهب إليه الشافعية
والحنابلة، قال الشربينى: ولا يصح إلا بلفظ
اشتق من لفظ التزويج أو الإِنكاح، دون
لفظ الهبة والتمليك ونحوهما كالإحلال
والإِباحة ... لأنه لم يذكر فى القرآن سواهما
فوجب الوقوف معهما تعبدا واحتياطا، لأن
النكاح ينزع إلى العبادات لورود الندب فیه،
والأذكار فى العبادات تتلقى من الشرع (١).
وقال الحجاوى من الحنابلة: ولا يصح
إيجاب إلا بلفظ أنكحت أو زوجت .. ولا
يصح قبول لمن يحسنها إلا بقبلت تزويجها أو
نکاحها، أو هذا التزويج أو هذا النكاح، أو
تزوجتها، أو رضيت هذا النكاح، أو قبلت
فقط أو تزوجت (٢).
أما الحنفية والمالكية فلا يشترطون فى عقد
النكاح هذين اللفظين، فيصح عندهما بكل
(١) مغنى المحتاج ١٤٠/٣.
(٢) الإِقناع ١٦٧/٣.
لفظ يدل على التأبيد مدة الحياة، كأنكحت
وزوجت وملکت وبعت ووهبت ونحوها، إذا
قرن بالمهر ودل اللفظ على الزواج (١).
وللتفصيل ر: (نكاح وصيغة) .
المراد بالإِيجاب والقبول:
٨ - المراد بالإيجاب فى العقود عند الحنفية هو:
ما صدر أولا من كلام أحد المتعاقدین، أو ما
يقوم مقام الكلام، سواء أكان من المملك أم
من المتملك، والقبول: ما صدر ثانيا عن
أحد المتعاقدين دَالاً على موافقته بما أوجبه
الأول (٢)، فالمعتبر عندهم أولية الصدور فى
الإِيجاب وثانويته فى القبول، سواء أكان من
المملك أم من المتملك.
ويرى غير الحنفية أن الإيجاب: ما صدر
ممن يكون منه التمليك كالبائع والمؤجر
والزوجة أو وليها، سواء صدر أولا أو آخرا،
والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك وإن
صدر أولا، فالمعتبر عندهم هو أن المملك هو
الموجب والمتملك هو القابل، ولا اعتبار لما
صدر أولا أو آخرا (٣).
(١) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار ٢٦٨/٢، ومواهب
الجليل للحطاب وبهامشه التاج والإكليل ٤١٩/٣
و ٤٢٠ .
(٢) الاختيار لتعليل المختار ٢ /٤، وفتح القدير ٢/ ٢٤٤ .
(٣) جواهر الإكليل ٢/٢، ومنح الجليل ٤٦٢/٢، وحاشية
القليوبى ١٥٣/٢، ومغنى المحتاج ٥/٢، وشرح =
- ٢٠١ -

عَقْد ٩ - ١٠
وسائل الإيجاب والقبول:
٩ - اتفق الفقهاء فى الجملة على أن الإيجاب
والقبول كما يحصلان بالألفاظ، كذلك
يحصلان بالكتابة والإِشارة والرسالة،
والمعاطاة، لكنهم اختلفوا فى حكم بعض
هذه الوسائل فى بعض العقود، وبيان ذلك
فیما یلی :
ـشدر
أ - العقد بالإِيجاب والقبول اللفظيين:
١٠ - الإِيجاب والقبول بالألفاظ هو الأصل فى
انعقاد العقود عند جميع الفقهاء، ولا خلاف
بين الفقهاء فى أن الإيجاب والقبول إذا كانا
بصيغة الماضي ينعقد بهما العقد كما إذا قال
البائع: بعت، وقال المشتری: اشتریت، ولا
حاجة فى هذه الحالة إلى النية، لأن هذه
الصيغة وإن كانت للماضى وضعاً لكنها
جعلت إيجابا للحال فى عرف أهل اللغة
والشرع، والعرف قاض على الوضع كما علله
الكاسانى (١)، ولأن هذه الألفاظ صريحة فى
عقد البيع فيلزمهما، كما قال الحطاب (٢).
ولا ينعقد بما يدل على الاستقبال كصيغة
= منتهى الإرادات ٢ / ١٤٠، والمغنى لابن قدامة ٥٦١/٣
ط الرياض .
(١) بدائع الصنائع ١٣٣/٥، وفتح القدير ٧٤/٥، ٧٥ .
(٢) مواهب الجليل ٢٢٩/٤، ٢٣٠.
الاستفهام، والمضارع المراد به الاستقبال (١).
واختلفوا فيما يدل على الحال كصيغة الأمر
مثلا، كقوله: بعنى، فإذا أجابه الآخر
بقوله: بعتك، قال الحنفية: كان هذا اللفظ
الثانى إيجابا واحتاج إلى قبول من الأول،
وهذا رواية عند الحنابلة ومقابل الأظهر عند
الشافعية أيضا (٢)
وقال المالكية - وهو الأظهر عند الشافعية
ورواية عند الحنابلة - ينعقد بهما البيع، ولا
يحتاج إلى قبول من الأول (٣).
أما صيغة المضارع فإذا أراد بها الحال
ينعقد العقد وإلا فلا، ففى الفتاوى
الهندية: إذا قال البائع: أبيع منك هذا
بألف أو أبذله أو أعطيكه، وقال المشترى:
أشتريه منك أو آخذه، ونويا الإيجاب
للحال، أو كان أحدهما بلفظ الماضى والآخر
بالمستقبل مع نية الإيجاب للحال فإنه ينعقد،
وإن لم ينولم ينعقد (٤).
(١) حاشية الدسوقى ٤،٣/٣ ومغنى المحتاج ٦،٥/٢
والمغنى لابن قدامة ٥٦٠/٣ - ٥٦١ ط. الرياض،
وشرح منتهى الإرادات ١٤٠/٢.
(٢) شرح المجلة للأناسى ٣٢/٢، والاختيار ٤/٢، ومغنى
المحتاج ٥/٢، والمغنى لابن قدامة ٥٦١/٣.
(٣) منح الجليل ٤٦٢/٢، ومغنى المحتاج ٥/٢، وشرح
منتهى الإرادات ١٤٠/٢ والمغنى لابن قدامة
٥٦١/٣ .
(٤) الفتاوى الهندية ٤/٣ .
- ٢٠٢ -

عَقْد ١٠ - ١١
ومثله ما نقله الحطاب عن ابن عبدالسلام
حيث قال: إن أتى بصيغة الماضى لم يقبل
منه رجوع، وإن أتى بصيغة المضارع فكلامه
محتمل، فيحلف على ما أراده (١).
وينظر التفصيل فى مصطلح: (صيغة
ف ٧) .
اعتبار اللفظ أو المعنى فى العقد :
١١ - من القواعد الفقهية عند بعض
الفقهاء: العبرة فى العقود للمقاصد والمعانى
لا للألفاظ والمبانى (٢)، ومعنى هذه
القاعدة ۔ کما یقول فى الدرر- أنه عند
حصول العقد لا ينظر للألفاظ التى
يستعملها العاقدان حین العقد، بل إنما ينظر
إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام الذى
يلفظ به حين العقد، لأن المقصود الحقيقى
هو المعنى وليس اللفظ، ولا الصيغة
المستعملة، وما الألفاظ إلا قوالب
للمعانى (٣).
وقد اختلف الفقهاء فى تطبيق هذه
القاعدة فى مختلف العقود، فطبقوها فى
بعضهاولم يطبقوها فى بعض، وذلك حسب
اختلاف طبيعة هذه العقود.
(١) الخطاب ٢٣٢/٤.
(٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (٣).
(٣) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١٨/١، ١٩.
والظاهر: أن هذه القاعدة مطبقة عند
الحنفية فى أكثر من عقد، ولها فروع كثيرة،
قال ابن نجيم: الاعتبار للمعنى لا
للألفاظ، صرحوا بذلك فى مواضع: منها
الكفالة، فهى بشرط براءة الأصيل حوالة،
وهى بشرط عدم براءته كفالة .. ولو وهب
الدين لمن عليه كان إبراء للمعنى، فلا
يتوقف على القبول على الصحيح .. ولو
راجعها بلفظ النكاح صحت الرجعة
للمعنى، وينعقد البيع بقوله: خذ هذا
بكذا، فقال: أخذت، وينعقد بلفظ الهبة
مع ذكر البدل، وبلفظ الإِعطاء والاشتراء.
وتنعقد الإِجارة بلفظ الهبة والتمليك، وبلفظ
الصلح عن المنافع، ويلفظ العارية، وينعقد
النكاح بما يدل على ملك العين للحال كالبيع
والشراء والهبة والتمليك، وينعقد السلم
بلفظ البيع كعكسه، ولو شرط رب المال
للمضارب کل الربح کان المال قرضا، ولو
شرط لرب المال كان إيضاعا .
ثم قال: وخرجت عن هذا الأصل
مسائل :
منها: لا تنعقد الهبة بالبيع بلا ثمن، ولا
العارية بالإِجارة بلا أجرة ولا البيع بلفظ
النكاح والتزويج، ولا يقع العتق بألفاظ
الطلاق وإن نوى، والطلاق والعتاق تراعى
- ٢٠٣ -

عَقْد ١١
فيهما الألفاظ لا المعنى فقط (١).
ومن أهم المسائل التى طبق الحنفية هذه
القاعدة فيها عقد بيع الوفاء . . فإذا قال
البائع : بعت هذه الدار بيع الوفاء بکذا وقبل
الآخر لايفيد تمليك عين الدار، على الرغم
من أن لفظ البيع يفيد تمليك المبيع
للمشترى، وذلك لأن التمليك لم يكن
مقصودًا من الفریقین، بل المقصود به إنما هو
تأمين دين المشترى المترتب فى ذمة البائع،
وإبقاء المبيع تحت يد المشترى لحين وفاء
الدین، ولهذا یجری علیه حكم الرهن دون
البيع اعتبارا للمقاصد والمعانى دون الألفاظ
والمبانى .
وبناء على ذلك للبائع فى بيع الوفاء أن
يعيد الثمن ويسترد المبيع، كما أنه يحق
للمشترى أن يعيد المبيع ويسترد الثمن (٢).
ولا يجوز للمشترى أن يبيع المبيع وفاء من
غير البائع لأنه كالرهن (٣). كما لا يحق
للمشترى فى بيع الوفاء حق الشفعة، وتبقى
الشفعة للبائع (٤).
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٠٧، ٢٠٨، والبحر
الرائق ٢٢٠/٦ .
(٢) درر الحكام شرح المجلة ١٩/١.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ /٢٤٧ .
(٤) الفتاوى الهندية ٢٠٩/٣ .
وللتفصيل ينظر مصطلح: (بيع الوفاء
ف ٧) .
أما المالكية: فالمعتمد عندهم أن العقود
كلها إنما هى بالنية والقصد مع اللفظ المشعر
بذلك أو ما يقوم مقامه من إشارة وشبهها،
وقد توسعوا بالأخذ بالمعنى فى بعض العقود
حتى أجازوا البيع بالمعاطاة وقالوا: كل ما
عده الناس بیعا فهو بيع، وشددوا فى عقد
النكاح واشترطوا فيه اللفظ الدال عليه ولكن
لم يشترطوا فيه لفظ النكاح أو الزواج، وقالوا:
ينعقد بكل لفظ يقتضى التمليك على التأبيد
كالنكاح والتزويج والتمليك والبيع والهبة
ونحوها، وقالوا: إن قصد باللفظ النكاح
صح(١).
أما الشافعية فلم يأخذوا بترجيح المعانى
على الألفاظ فى العقود کأصل متفق عليه، بل
ذكروا فى الأخذ به خلافا، قال السيوطى :
هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها؟
خلاف، والترجيح مختلف فى الفروع،
فمنها: إذا قال: اشتريت منك ثوبا صفته
كذا بهذه الدراهم، فقال: بعتك فرجح
الشيخان أنه ينعقد بيعا اعتبارا باللفظ،
والثانى - ورجحه السبكى - أنه ينعقد سَلَما
اعتبارا بالمعنى .
(١) الفروق للقرافى مع الهامش ١٤٣/٣،٣٩/١.
- ٢٠٤ -

عَقْد ١١
ومنها : إذا وهب بشرط الثواب فھل یکون
بيعا اعتبارا بالمعنى أو هبة باعتبار اللفظ؟
الأصح: الأول.
ومنها : إذا قال: بعتك ولم یذکر ثمنا، فإن
راعينا المعنى انعقد هبة، أو اللفظ فهو بيع
فاسد.
ومنها: لو قال: أسلمت إليك هذا الثوب
فى هذا العبد فليس بسلم قطعا، ولا ينعقد
بيعا على الأظهر لا ختلاف اللفظ، والثانى :
نعم. نظرا إلى المعنى .
ومنها: إذا قال لمن عليه الدين: وهبته
منك، ففى اشتراط القبول وجهان:
أحدهما: يشترط اعتبارا بلفظ الهبة،
والثانى: لا، اعتبارا بمعنى الإِبراء .
ومنها: الخلاف فى الرجعة بلفظ النكاح،
والإِجارة بلفظ المساقاة، والسلم بلفظ .
الإِجارة، والإِجارة بلفظ البيع، والبيع بلفظ
الإِقالة، والحوالة بلفظ الضمان ونحوها من
المسائل (١).
ومثله ما ذكره الزرکشی فی قواعده، ثم بیّن
ضابطا لهذه القاعدة فقال:
والضابط لهذه القاعدة أنه إن تهافت
(١) الأشباه والنظائر للسيوطى ص ١٨٣ - ١٨٥.
اللفظ حكم بالفساد على المشهور، كبعتك
بلا ثمن، وإن لم يتهافت فإما أن تكون
الصيغة أشهر فى مدلولها أو المعنى، فإن
كانت الصيغة أشهر کأسلمت إليك هذا
الثوب فى هذا العبد فالأصح اعتبار الصيغة
لاشتهار الصیغة فی بیع الذمم، وقيل : ينعقد
بيعا .. وإن لم يشتهر، بل كان المعنى هو
المقصود کوهبتك بکذا فالأصح انعقاده بیعا،
وإن استوى الأمران فوجهان، والأصح اعتبار
الصيغة لأنها الأصل والمعنى تابع لها (١).
وأما الحنابلة فقد أخذوا بهذه القاعدة
ورجحوا المقاصد والمعانى على الألفاظ
والمبانى فى أكثر العقود مع بعض الاستثناءات
والخلاف فى بعض المسائل.
يقول ابن القيم: من تدبر مصادر الشرع
وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التى
لم يقصد المتكلم بها معانيها بل جرت على غير
قصد منه، كالنائم والناسى والسكران
والجاهل والمكره والمخطىء من شدة الفرح أو
الغصب أو المرض، ونحوهم، ولم يكفر من
قال من شدة فرحه براحلته بعد یأسه منها:
(اللهم أنت عبدی وأنا ربك) (٢) فكيف
(١) المنثور فى القواعد ٣٧١/٢ -٣٧٤.
(٢) حديث: ((الذى قال من شدة فرحه ... ))
أخرجه مسلم (٢١٠٤/٤ -٢١٠٥) من حديث أنس بن
مالك .
- ٢٠٥ -

عَقْد ١١ - ١٢
يعتبر الألفاظ التى يقطع بأن مراد قائلها
خلافها؟ (١).
ويقول فى موضع آخر: المقصود أن
المتعاقدين وإن أظهرا خلاف ما اتفقا عليه فى
الباطن فالعبرة لما أضمراه واتفقا عليه وقصداه
بالعقد (٢).
ويقول: إن القصد روح العقد ومصححه
ومبطله، فاعتبار المقصود فى العقود أولى من
اعتبار الألفاظ، فإن الألفاظ مقصودة لغيرها،
ومقاصد العقود هى التى تراد لأجلها، فعلم
أن الاعتبار فى العقود والأفعال بحقائقها
ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها (٣).
وعلى الرغم من هذا النص الصريح فى
اعتبار المقاصد فى العقود دون الألفاظ فإن
الحنابلة ذكروا بعض المسائل التى يختلفون فى
اعتبار المقاصد أو الألفاظ فيها .
قال ابن رجب: إذا وصل بألفاظ العقود
ما يخرجها عن موضوعها فهل يفسد العقد
بذلك، أو يجعل كناية عما يمكن صحته على
ذلك الوجه؟ فيه خلاف يلتفت إلى أن
المغلب هل هو اللفظ أو المعنى؟ ويتخرج
على ذلك مسائل :
(١) إعلام الموقعين ١٠٧/٣.
(٢) إعلام الموقعين ١٠٦/٣.
(٣) المرجع السابق ١٠٦/٣، ١٠٧.
منها: لو أعاره شيئا وشرط عليه العوض
فهل يصح أم لا؟ على وجهين: أحدهما:
يصح ويكون كناية عن القرض فيملكه
بالقبض إذا کان مکیلا أو موزونا، والثانى :
أنها تفسد بذلك، لأن العوض يخرجها عن
موضعها .
ومنها: لو قال: خذ هذا المال مضاربة
والربح كله لك، أو لى، فقال القاضى وابن
عقيل: إنها مضاربة فاسدة يستحق فيها أجرة
المثل وكذلك قال فى المغنى، ونقل ابن رجب
عن المغنى أنه قال فى موضع آخر: إنه إيضاع
صحيح، فراعى الحكم دون اللفظ.
ومنها: لو أسلم فی شیء حالا فهل
يصح، ويكون بيعا؟ أو لا يصح؟ فيه
وجهان: أحدهما - وهو ظاهر كلام أحمد: لا
يصح البيع بلفظ السلم، والثانى: يصح،
قاله القاضى فى موضع من خلافه (١).
وهكذا نجد الفقهاء يختلفون فى تطبيق
قاعدة ترجيح المقاصد والمعانى على الألفاظ
والمبانى فى بعض الفروع مع أخذهم بها
کأصل.
الصريح والكناية فى الصيغة :
١٢ - من الصيغ ما هو صريح فى الدلالة على
(١) القواعد فى الفقه لابن رجب ص ٤٩، ٥٠ .
-٢٠٦ -

عَقْد ١٢
المراد فلا يحتاج إلى نية أو قرينة، لأن المعنى
مکشوف عند السامع کما يقول الكاسانی،
ومنها ما هو كناية، فلا يدل على المراد إلا
بالنية أو القرينة، لأنه كما يقول الشبراملسی
یحتمل المراد وغيره، فیحتاج فى الاعتداد به
لنية المراد لخفائه .
ويتفق الفقهاء على أن الطلاق والعتق
والأيمان والنذور تنعقد بالكناية كما تنعقد
بالصريح.
ولكنهم يختلفون فى انعقاد ماعدا ذلك من
التصرفات بالكنایات (١).
وأكثر الفقهاء تفصيلا فى بيان استعمال
صيغ الصريح والكناية فى العقود هم
الشافعية، ففى المجموع للنووى: قال
أصحابنا: كل تصرف يستقل به الشخص
كالطلاق والعتاق والإِبراء ينعقد بالكناية مع
النية بلا خلاف كما ينعقد بالصريح، وأما
مالا يستقل به بل يفتقر إلى إيجاب وقبول
فضربان :
أحدهما: ما يشترط فيه الإِشهاد كالنكاح
وبيع الوكيل إذا شرط الموكل الإِشهاد، فهذا
(١) بدائع الصنائع ١٥/٣، ١٠١ و٤٦/٤ و ٨٤/٥ وجواهر
الإكليل ٢٣١/٢، والأشباه والنظائر للسيوطى ص ٣١٨
وحاشية الشبراملسى على نهاية المحتاج ٨٤/٦،
والمنثور ١٠١/٣،٣١٠/٢، ١١٨ ومنتهى الإرادات
٤٢٧/٣ .
لا ينعقد بالكناية مع النية بلا خلاف، لأن
الشاهد لا يعلم النية .
والثانى : ما لا يشترط فيه الإِشهاد وهو
نوعان :
أحدهما: ما يقبل مقصوده التعليق بالغرر
كالكتابة والخلع فينعقد بالكناية مع النية بلا
خلاف .
والثانى: ما لايقبله كالبيع والإِجارة
والمساقاة وغيرها، وفى انعقاد هذه العقود
بالكناية مع النية وجهان مشهوران، أصحهما
الانعقاد کاخلع لحصول التراضی مع جریان
اللفظ وإرادة المعنى، ويدل على ذلك
حديث جابر رضى الله عنه وفيه: قال لى
النبى وَله: ((بعنى جملك))، فقلت: إن
لرجل علىّ أوقية ذهب فهو لك بها، قال:
«قد أخذته)) (١).
قال إمام الحرمين: والخلاف فى انعقاد
البيع ونحوه بالكناية مع النية هو فيما إذا
عدمت قرائن الأحوال، فإن توفرت وأفادت
التفاهم وجب القطع بالصحة، لكن النكاح
لا يصح بالكناية وإن توافرت القرائن (٢).
(١) حديث جابر: ((بعنى جملك .. ))
أخرجه مسلم (١٢٢٢/٣).
(٢) المجموع للنووى ١٥٣/٩ -١٥٤ تحقيق المطيعى،
وينظر المنثور ٣٠٦/٢،١١٨/٣، ٣٠٧ .
- ٢٠٧ -

عَقْد ١٢
واختلف فقهاء الحنابلة فى دخول الكناية
فى العقود، ففى القواعد لابن رجب: يختلف
الأصحاب فى انعقاد العقود بالكنایات،
فقال القاضى فى مواضع: لا كناية إلا فى
الطلاق والعتاق، وسائر العقود لاكنايات
فیها (١).
وأما المالكية فقد ذكر ابن رشد فى بداية
المجتهد: أن البيع عند الشافعى يقع
بالألفاظ الصريحة وبالكناية، ثم قال: ولا
أذكر لمالك فى ذلك قولا (٢)، إلا أن القرطبى فى
تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣).
قال: البيع قبول وإيجاب يقع باللفظ
المستقبل والماضى، فالماضى فيه حقيقة،
والمستقبل كناية، ثم قال: والبيع يقع
بالصريح والكناية المفهوم منها نقل
الملك (٤)، ونقل الحطاب عن ابن يونس
وغيره التفرقة بين أن تكون صيغة البيع بلفظ
الماضى فتلزم، أو بلفظ المضارع فيحلف،
ثم نقل قول القرطبى : البيع يقع بالصريح
والكناية المفهوم منها نقل الملك، وفى
الخطاب أيضا: إن أتى بصيغة المضارع فى
(١) القواعد لابن رجب ص ٥٠ القاعدة ٣٩ .
(٢) بداية المجتهد ٢/ ١٨٥ نشر مكتبة الكليات الأزهرية
(٣) سورة البقرة / ٢٧٥ .
(٤) القرطبى ٣٥٧/٣.
البيع فكلامه محتمل فيحلف على ما
أراده (١)
والذى يفهم من كلام الحنفية أن الكناية
تدخل فى العقود كذلك، قال الكاسانى فى
باب الهبة: لو قال: حملتك على هذه الدابة
فإنه يحتمل الهبة، ويحتمل العارية، فإنه ورد
أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه
قال: حملت على فَرَسٍ فى سبيل الله.
فأضاعه الذی کان عنده، فأردت أن أشتريه
وظننت أنه يبيعه برخص. فسألت النبى
وَالر : فقال: ((لا تعد فى صدقتك)) (٢).
فاحتمل تمليك العين واحتمل تمليك
المنافع، فلا بد من النية للتعيين (٣)، وقال
الكاسانى: لو قال البائع: أبيعه منك
بكذا، وقال المشترى: أشتريه، ونویا
الإِيجاب فإن الركن يتم وينعقد العقد، وإنما
اعتبرنا النية هنا - وإن كانت صيغة أفعل
للحال هو الصحيح - لأنه غلب استعمالها
للاستقبال إما حقيقة أو مجازا، فوقعت
الحاجة إلى التعيين بالنية (٤).
(١) الخطاب ٢٣٢/٤.
(٢) حديث: ((أن عمر قال: حملت على فرس فى سبيل
الله ... )
أخرجه البخارى (فتح البارى ٣٥٢/٣) ومسلم
(١٢٤٠/٣) واللفظ للبخارى .
(٣) بدائع الصنائع ١١٦/٦ .
(٤) بدائع الصنائع ١٣٣/٥.
- ٢٠٨ -

عَقْد ١٣
ب - العقد بالكتابة أو الرسالة :
١٣ - اتفق الفقهاء فى الجملة على صحة
العقود وانعقادها بالكتابة وإرسال رسول إذا
تم الإيجاب والقبول بهما، وهذا فى غير عقد
النكاح (١).
ثم اختلفوا فى بعض العقود وفصّلوا فى
بعض الشروط. قال المرغينانى: الكتاب
کالخطاب، وكذا الإِرسال حتى اعتبر مجلس
بلوغ الكتاب وأداء الرسالة (٢). وقال
الدسوقی فی باب البيع: يصح بقول من
الجانبين أو كتابة منهما، أو قول من أحدهما
وكتابة من الآخر (٣).
أما عقد النكاح فلا ينعقد بالكتابة عند
جمهور الفقهاء: المالكية، والشافعية
والحنابلة، سواء أكان العاقدان حاضرين أم
غائبين، قال الدردير: ولاتكفى فى النكاح
الإِشارة ولا الكتابة إلا لضرورة خرس (٤).
وقال فى موضع آخر: وفسخ مطلقا قبل
الدخول وبعده وإن طال، كما لو اختل شرط
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٤ /١٠، وحاشية
الدسوقى وبهامشه الشرح الكبير للدردير ٣/٣، ومغنى
المحتاج ٥/٢، وحاشية القلیوبی ١٥٤/٢، وکشاف
القناع ١٤٨/٣.
(٢) الهداية مع فتح القدير ٧٩/٥ .
(٣) حاشية الدسوقى وبهامشه الشرح الكبير للدردير ٣/٣ .
(٤) الشرح الصغير ٢ /٣٥٠ .
من شروط الولى أو الزوجين أو أحدهما، أو
اختل ركن، كما لو زوجت المرأة نفسها بلا ولى
أو لم تقع الصيغة بقول، بل بكتابة أو إشارة
أو بقول غير معتبر شرعا (١).
وقال الشربينى الخطيب: ولا ينعقد بكتابة
فى غيبة أو حضور، لأنها كناية، فلو قال
لغائب: زوجتك ابنتى أو قال: زوجتها من
فلان، ثم کتب فبلغه الكتاب فقال: قبلت
لم يصح (٢).
وقال البهوتى من الحنابلة: لايصح
النكاح من القادر على النطق بإشارة ولا كتابة
للاستغناء عنها (٣).
وفصّل الحنفية فى جواز عقد النكاح
بالكتابة فقالوا: لاينعقد بكتابة حاضر، فلو
كتب: تزوجتك، فكتبت: قبلت لم ينعقد،
وكذلك إذا قالت: قبلت، أما كتابة غائب
عن المجلس فينعقد بها النكاح بشروط وكيفية
خاصة، نقلها ابن عابدين عن الفتح فقال:
ینعقد النكاح بالكتابة كما ينعقد بالخطاب،
وصورته: أن يكتب إليها يخطبها، فإذا بلغها
الكتاب أحضرت الشهود وقرأته علیھم،
وقالت: زوجت نفسى منه، أوتقول: إن
فلانا کتب إلی یخطبنی فاشهدوا أنی زوجت
(١) الشرح الصغير ٣٨٧/٢ .
(٢) مغنى المحتاج ١٤١/٣.
(٣) كشاف القناع ٣٩/٥ .
- ٢٠٩ -

عَقْد ١٣ - ١٥
نفسی منه، أما لو لم تقل بحضرتهم سوى:
زوجت نفسی من فلان لاینعقد، لأن سماع
الشطرين شرط صحة النكاح، وبإسماعهم
الکتاب أو التعبير عنه منها یکونون قد سمعوا
الشطرين، بخلاف ما إذا انتفيا، ونقل ابن
عابدين عن الكامل: هذا الخلاف إذا كان
الكتاب بلفظ التزوج، أما إذا كان بلفظ
الأمر، كقوله: زوجى نفسك منى لايشترط
إعلامها الشهود بما فى الكتاب، لأنها تتولى
طرفى العقد بحكم الوكالة (١).
١٤ - ويشترط فى انعقاد العقد بالكتابة
- عموما - أن تكون مستبينة - أى تبقى
صورتها بعد الانتهاء منها، كالكتابة على
الصحيفة أو الورق، وأن تكون مرسومة
بالطريقة المعتادة بحسب العرف فتقرأ
وتفهم، أما إذا كانت غير مستبينة كالكتابة
على الماء أو الهواء، أو غير مرسومة بالطريقة
المعتادة فلا ينعقد بها أى عقد .
ووجه انعقاد العقود بالكتابة هو أن القلم
أحد اللسانین کما قال الفقهاء (٢)، بل ربما
تكون هى أقوى من الألفاظ، ولذلك حث
(١) حاشية رد المحتار على الدر المختار ٢٦٥/٢، وانظر
أيضا فتح القدير مع الهداية ٣٥٠/٢ ط. مصطفى
محمد .
(٢) بدائع الصنائع ٤ /٥٥، وابن عابدین ٤٥٥/٤ ، ٤٥٦،
وجواهر الإكليل ٣٤٨/١، ومغنى المحتاج ٥/٢ .
الله تعالى المؤمنین علی توثیق دیونهم بالكتابة
حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُم
بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله
سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ
لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً
حَاضِرَةً تُدِيْرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ
أَلَّ تَكْتُبُوهَا﴾ (١).
جـ ـ العقد بالإِشارة :
١٥ - اتفق الفقهاء على أن إشارة الأخرس
المعهودة والمفهومة معتبرة شرعا، فينعقد بها
جميع العقود، كالبيع والإِجارة والرهن والنكاح
ونحوها .
قال ابن نجيم: الإِشارة من الأخرس
معتبرة وقائمة مقام العبارة فى كل شىء (٢).
وقال النفراوى: ينعقد البيع بالكلام
وبغيره من كل مايدل على الرضا (٣)
وقال الخطيب: إشارة الأخرس وکتابته
بالعقد كالنطق للضرورة (٤). ومثله ماقاله
الحنابلة (٥).
واختلفوا فى إشارة غير الأخرس، فقال
(١) سورة البقرة / ٢٨٢ .
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٤٣، ٣٤٤ .
(٣) الفواكه الدوانى ٢ / ٥٧ .
(٤) مغنى المحتاج ١٧/٢، وانظر حاشية القليوبى مع عميرة
١٥٥/٢، والمنثور للزركشي ١/ ١٦٤.
(٥) المغنى لابن قدامة ٢٣٩/٧ .
- ٢١٠ -

عَقْد ١٥ - ١٧
جمهور الفقهاء: إذا كان الشخص قادرا على
النطق لاتعتبر إشارته، خلافا للمالکیة حیث
صرحوا باعتبار الإِشارة فى العقود ولو مع
القدرة على النطق (١)
وهل عدم القدرة على الكتابة شرط للعمل
بالإِشارة أم لا؟ اختلفوا فى ذلك أيضا .
وتفصيل الموضوع فى مصطلح:
(إشارة) .
د - العقد بالتعاطى (المعاطاة).
١٦ - التعاطى مصدر تعاطى، من العطو
بمعنی التناول، وصورته فی البيع: أن يأخذ
المشترى المبيع ويدفع للبائع الثمن، أو يدفع
البائع المبيع فیدفع الآخر الثمن من غیر تكلم
ولا إشارة، وکما یکون التعاطى فى البيع يكون
فى غيره من المعاوضات (٢).
وعقد الزواج لاينعقد بالتعاطى (٣).
أما سائر العقود فالأصل فيها أن تنعقد
بالأقوال، لأن الأفعال ليس لها دلالة بأصل
وضعها على الالتزام بالعقد، لكن إذا كان
التعاطى ينطوى على دلالة تشبه الدلالة
(١) المراجع السابقة، ومجلة الأحكام العدلية المادة
(٧٠) .
(٢) لسان العرب وحاشية الدسوقى ٣/٣ .
(٣) ابن عابدين ٣٦٥/٥، ومغنى المحتاج ١٤٠/٣،
وكشاف القناع ٤١/٥ .
اللفظية حسب العرف والعادة فذهب جمهور
الفقهاء إلى أنه ینعقد به العقد إذا وجدت
قرائن تدل على أنه یفید الرضا، وهذا فى عقود
المعاوضات كالبيع والإِجارة والاستصناع
ونحوها، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية
والحنابلة .
والمذهب عند الشافعية: عدم جواز
العقود بالتعاطى، وبعضهم أجاز العقد
بالتعاطى فى المحقرات دون غيرها، واختار
النووى وجماعة منهم المتولى والبغوى الانعقاد
بها فى كل مايعده الناس بيعا (١).
موافقة القبول للإيجاب :
١٧ - اتفق الفقهاء على أنه لابد لانعقاد
العقد من توافق الإيجاب والقبول، ففى عقد
البيع مثلا يشترط أن يقبل المشترى ما أوجبه
البائع بما أوجبه، فإن خالفه بأن قبل غیر ما
أوجبه أو بعض ما أوجبه، أو بغير ما أوجبه أو
ببعض ما أوجبه لاینعقد العقد من غیر إيجاب
مبتدأ موافق (٢).
قال فى البدائع: إذا أوجب البيع فى
(١) ابن عابدين ١٧/٤ ومابعدها، وشرح المجلة للأناسى
٣٦/٢، وحاشية الدسوقى ٣/٣، ومغنى المحتاج
٣/٢، وشرح منتهى الإرادات ١٤١/٢.
(٢) بدائع الصنائع ١٣٦/٥، ١٣٧، ومغنى المحتاج
٦/٢، وكشاف القناع ١٤٦/٣.
- ٢١١ -

عَقْد ١٧ - ١٨
الثوب فقبل فی ثوب آخر لاینعقد، وكذا إذا
أوجب فى الثوبين فقبل فى أحدهما .. لأن
القبول فى أحدهما تفريق الصفقة على البائع،
ولأن القبول فى أحدهما يكون إعراضا عن
الجواب بمنزلة القيام عن المجلس .
وكذا لو أوجب البيع فی کل الثوب فقبل
المشتری فی نصفه لاینعقد، لأن البائع يتضرر
بالتفريق. وكذا إذا أوجب البيع فى شىء
بألف فقبل فیه بخمسمائة لاينعقد، أو أوجب
بجنس ثمن فقبل بجنس آخر (١).
وقال البهوتي: ويشترط لانعقاد البيع أن
يكون القبول على وفق الإيجاب فى القدر، فلو
خالف كأن يقول: بعتك بعشرة فقال:
اشتريته بثمانية لم ينعقد (٢) وأن يكون على
وفقه فى النقد وصفته والحلول والأجل، فلو
قال: بعتك بألف درهم فقال: اشتريته بمائة
دينار، أو قال: بعتك بألف صحيحة فقال:
اشتریت بالف مکسرة ونحوه لم يصح البيع فی
ذلك کله، لأنه رد للإيجاب لاقبول له (٣).
ومثله فی کتب سائر المذاهب (٤).
ويشترط الفقهاء لانعقاد العقد توافق
الإِيجاب والقبول فى المعنى، ولهذا ذكروا أنه لو
(١) بدائع الصنائع ١٣٧،١٣٦/٥.
(٢) كشاف القناع ١٤٦/٣، ١٤٧ .
(٣) كشاف القناع ١٤٦/٣، ١٤٧ .
(٤) مغنى المحتاج ٧،٦/٢ .
قال: بعتكه بألف فقال: اشتريت بألفين
جاز، لأن القابل بالأكثر قابل بالأقل، وفى
هذه الحالة إن قبل البائع الزيادة تم العقد
بألفین، وإلا صح بألف فقط، إذ ليس
للقابل ولاية إدخال الزيادة فى ملك البائع بلا
رضاه كما علَّله ابن الهمام وغيره (١)
اتصال القبول بالإيجاب :
١٨ - يشترط لانعقاد العقد أن يكون القبول
متصلا بالإيجاب، ويحصل هذا الاتصال
باتحاد مجلس العقد، بأن يقع الإيجاب
والقبول معا فى مجلس واحد، فإذا كان
العاقدان حاضرين يشترط أن يحصل القبول
فى المجلس الذى صدر فيه الإِيجاب، وإذا
كان من وجّه إليه الإِيجاب غائبا يشترط أن
يحصل القبول فى مجلس العلم بالإيجاب،
وهذا فى الجملة مع استثناء بعض العقود من
هذا الشرط، كعقد الوكالة والوصية .
ومقتضى هذا الشرط: أن يكون الموجب
باقيا على إيجابه إلى أن يتصل به القبول فى
المجلس، ولايرجع عن الإِيجاب قبل اتصال
القبول به، ولايصدر عنه أو ممن وجّه إليه
الإِيجاب مايدل على الإِعراض ولا ينفض
مجلس العقد قبل تمام العقد ولا يعنى هذا
(١) فتح: القدير ٧٧/٥، ورد المحتار ١٩/٤.
- ٢١٢ -

عَقْد ١٨ - ٢٠
بالضرورة أن يحصل القبول فور صدور
الإِيجاب، فالجمهور من الفقهاء لايشترطون
الفورية فى القبول، وهذا فى الجملة،
وتفصيله فيما يلى :
أ - رجوع الموجب عن الإِيجاب :
١٩ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية
والشافعية والحنابلة) إلى أن الإيجاب غير
ملزم، وللموجب أن يرجع عن إيجابه قبل
قبول الطرف الآخر، سواء ذلك فى عقود
المعاوضات كالبيع والإِجارة ونحوهما، أم فى
عقود التبرعات، كالهبة والعارية ومثلهما، قال
فى الفتاوى الهندية: وللموجب أيا كان أن
يرجع قبل قبول الآخر (١)، وفى البدائع: لو
خاطب ثم رجع قبل قبول الآخر صح
رجوعه، وكذلك لو كتب شطر العقد ثم
رجع (٢)، ويستدلون على صحة الرجوع بأن
الموجب هو الذى أثبت للمخاطب ولاية
القبول، فله أن يرفعها كعزل الوكيل، ولأنه
لو لم يجز الرجوع لزم تعطيل حق الملك بحق
التملك، فالبائع مثلا مالك للسلعة،
والمشترى يتملكها بالعقد، ولايعارض حق
التملك حقيقة الملك (٣).
(١) الفتاوى الهندية ٨/٣.
(٢) بدائع الصنائع ليكاسانى ١٣٨/٥.
(٣) فتح القدير ٧٨/٥.
وعلى ذلك إذا رجع الموجب قبل القبول ثم
قبل المخاطب لاينعقد العقد، لبطلان
الإِيجاب بالرجوع وعدم اتصال القبول
بالإيجاب .
قال الشربينى الخطيب فى شروط
الانعقاد: وأن يصر البادى على ما أتى به من
الإِيجاب إلى القبول (١).
أما المالكية فقد نقل الحطاب عن ابن
رشد الجد: أنه لو رجع أحد المتبايعين عما
أوجبه لصاحبه قبل أن يجيبه الآخر لم يفده
رجوعه إذا أجابه صاحبه بعد بالقبول (٢)،
وهذا يدل على أن رجوع الموجب عن الإيجاب
لا يبطل الإيجاب، بل يبقى إلى أن يقبله
الطرف الآخر فيتصل به القبول، وينعقد
العقد، أو یرده فلا ینعقد، ویری الدسوقى
أن قول ابن رشد هذا إنما هو فيما تكون فيه
الصيغة ملزمة كصيغة الماضي (٣).
وهل للقابل أن يرجع عن قبوله فى مجلس
العقد؟ فيه خلاف وتفصيل يأتى بيانه .
ب - صدور مايدل على الإِعراض من قبل
العاقدين أو أحدهما :
٢٠ - يشترط لتحقق الاتصال بين الإيجاب
(١) مغنى المحتاج ٦/٢، والوجيز للغزالى ١٣٩/١، والشرح
الكبير مع المغنى ٤/٤.
(٢) مواهب الجليل ٤ / ٢٤٠، ٢٤١ .
(٣) حاشية الدسوقى مع الشرح الكبير ٤/٣.
- ٢١٣ -
١

عَقْد ٢٠ - ٢١
والقبول أن لايصدر من الموجب أو الطرف
الآخر أو كليهما مايدل على الإِعراض عن
انعقاد العقد، وذلك بأن يكون الكلام فى
موضوع العقد، ولايتخلله فصل يعد قرينة
على الانصراف عن العقد .
قال ابن عابدين نقلا عن البحر: الإيجاب
يبطل بما يدل على الإِعراض (١).
وقال الحطاب: لو حصل فاصل يقتضى
الإِعراض عما كانا فيه حتى لایکون كلامه
جوابا للكلام السابق فى العرف لم ينعقد
البيع، ومثّل للإِعراض بقوله: إذا أمسك
البائع السلعة التى نادى عليها وباع بعدها
أخرى لم يلزم المشترى البيع (٢).
وشدد الشافعية فقالوا: ويشترط أن
لا يتخلل الإيجاب والقبول لفظ لاتعلق له
بالعقد ولو يسيرا (٣).
وقال الحنابلة فى معرض شروط الانعقاد:
أن لایتشاغلا بما يقطعه عرفا، وإلا فلا ينعقد
العقد، لأن ذلك إعراض عن العقد فأشبه
مالو صرحا بالرد (٤).
وأساس التفرقة بين مايعتبر إقبالا على
(١) ابن عابدين ٤ /٢٠.
(٢) مواهب الجليل ٤ /٢٤٠، ٢٤١ .
(٣) نهاية المحتاج ٢٦٩/٣، ٢٧٠ .
(٤) كشاف القناع ١٤٧/٣، ١٤٨.
العقد أو إعراضا عنه هو العرف، كما هو
منصوص فى كلام الفقهاء (١) .
جـ- وفاة أحد العاقدين بين الإيجاب
والقبول :
٢١ - ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية
والشافعية والحنابلة إلى أن وفاة أحد العاقدين
بعد الإِيجاب وقبل القبول يبطل الإيجاب،
فلا ينعقد العقد بعد الوفاة بقبول من وجه
إليه الإِيجاب بعد موت الموجب، ولا بقبول
ورثة المخاطب بعد وفاته .
ودليل عدم انعقاد العقد فى هذه الحالة
هو: أن القبول بعد وفاة الموجب لايجد
مايلتقى معه من الإيجاب لبطلانه بالوفاة،
ولأن مجلس العقد انفض بالوفاة فلم يوجد
شرط الانعقاد؛ وهو اتصال القبول
بالإِيجاب (٢).
أما المالكية فالظاهر من نصوصهم أن
الإِيجاب لايبطل عندهم بموت المخاطب،
وأن حق القبول يورث بعد وفاة من وجّه إليه
الإِيجاب، يقول القرافى: إذا أوجب لزيد
فلوارثه القبول والرد (٣)، وهذا يعنى أن
(١) المراجع السابقة .
(٢) حاشية رد المحتار ٢٠/٤، والفتاوى الهندية ٧/٣، ومغنى
المحتاج ٦/٢ والمغنى لابن قدامة ٩/٤، ١٠.
(٣) الفروق ٢٧٧/٣ .
- ٢١٤ -

عَقْد ٢١ - ٢٣
المجلس لا ینفض بوفاة أحد العاقدین عند
المالکیة کما سیأتی، وقدمنا أن الموجب لیس
له الرجوع عندهم قبل قبول أو رد
المخاطب (١)، أما بقاء الإِيجاب بعد وفاة
الموجب أو بطلانه بوفاته فلم نعثر لهم على
نص فى الموضوع .
هذا، وقد ألحق بعض الفقهاء الجنون
والإِغماء بالوفاة فى بطلان الإِيجاب بهما (٢).
د - اتحاد مجلس العقد :
٢٢ - يشترط لانعقاد العقد أن يكون الإيجاب
والقبول فى مجلس واحد، فإن اختلف
المجلس لا ينعقد العقد، ويختلف مجلس العقد
باختلاف حالة المتعاقدين وطبيعة العقد
وكيفية التعاقد، فمجلس العقد فى حالة
حضور العاقدين غیر مجلس العقد فى حال
غيابهما، كما أن مجلس العقد فى حالة الإِيجاب
والقبول بالألفاظ والعبارة يختلف عنهما
بالكتابة والرسالة، وبيان ذلك فيما يلى :
١- مجلس العقد فى حالة حضور
العاقدين :
٢٣ - تدل نصوص الفقهاء على أن مجلس
العقد فى حالة حضور العاقدين يتكون من
(١) مواهب الجليل للخطاب ٤ /٢٤٠/، ٢٤١.
(٢) مغنى المحتاج ٦/٢ .
ثلاثة عناصر: أحدها: المكان، وثانيها :
الفترة الزمنية، وثالثها: حالة المتعاقدين من
الاجتماع والانصراف على العقد .
قال الكاسانى: وأما الذى يرجع إلى
مکان العقد فواحد، وهو اتحاد المجلس، بأن
كان الإِيجاب والقبول فى مجلس واحد، فإن
اختلف المجلس لاينعقد، حتى لو أوجب
أحدهما البيع، فقام الآخر عن المجلس قبل
القبول أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف
المجلس، ثم قبل، لا ينعقد(١).
وورد فى مجلة الأحكام العدلية أن مجلس
العقد: هو الاجتماع الواقع للعقد (٢).
والدليل على اعتبار المجلس جامعا
للإِيجاب والقبول هو: الضرورة دفعا للعسر
وتحقيقا لليسر، وإلا فالإيجاب يزول بزوال
الوقت الذى وقع فيه فلا يلحقه القبول
حقيقة، قال الكاسانى : القياس أن لايتأخر
أحد الشطرين عن الآخر فى مجلس واحد؛
لأنه كلما وجد أحدهما انعدم فى الثانى من
زمان وجوده، فوجد الثانی والأول منعدم فلا
ينتظم الركن، إلا أن اعتبار ذلك يؤدى إلى
انسداد باب التعاقد، فاعتبر المجلس جامعا
للشطرين حكما للضرورة (٣).
(١) بدائع الصنائع ١٣٧/٥ .
(٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (١٨١).
(٣) بدائع الصنائع ١٣٧/٥.
- ٢١٥ -
٠

عَقْد ٢٣ - ٢٤
وقال البابرتى: ولأن فى إبطال الإيجاب
قبل انقضاء المجلس عسرا بالمشترى، وفى
إبقائه فى ماوراء المجلس عسرا بالبائع، وفى
التوقف بالمجلس يسرا بهما جميعا، والمجلس
جامع للمتفرقات، فجعلت ساعاته ساعة
واحدة دفعا للعسر وتحقيقا لليسر (١).
هذه هى عبارات الحنفية، ولا تختلف
عنها كثيرا عبارات سائر الفقهاء، إلا ما قاله
الشافعية من اشتراط الفورية فى القبول كما
سیأتی .
يقول الحطاب: والذی تحصل عندی من
كلام أهل المذهب أنه إذا أجابه فى المجلس
بما يقتضى الإِمضاء والقبول من غير فاصل
لزمه البيع اتفاقا، وإن تراخى القبول عن
الإِيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزمه البيع
اتفاقا، وكذا لو حصل فاصل يقتضى
الإِعراض عما كانا فيه، حتى لايكون كلامه
جوابا للكلام السابق فى العرف لم ينعقد (٢).
وقريب منه ما قاله البهوتى من الحنابلة
حيث صرح بأنه: إن تراخى القبول عن
الإِيجاب صح ماداما فى المجلس ولم يتشاغلا
بما يقطعه، وإلا فلا، لأن حالة المجلس
(١) العناية بهامش الهداية ٧٨/٥ .
(٢) مواهب الجليل ٢٤٠/٤، ٢٤١ .
كحالة العقد، بدليل أنه يكتفى بالقبض فيه
لما يشترط قبضه (١).
والظاهر من كلام الشافعية أنهم
لا يخالفون جمهور الفقهاء فى اشتراط اتحاد
المجلس وأنه يحتاج إلى هذه العناصر الثلاثة،
لكنهم يخالفون الجمهور فى اشتراط الفورية
فى القبول .
التراخى أو الفورية فى القبول :
٢٤ - ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية
والحنابلة إلى أنه لايشترط الفورية فى القبول،
فما دام المتعاقدان فى المجلس، وصدر
الإِيجاب من أحدهما، ولم يصدر القبول إلا فى
آخر المجلس تم العقد عندهم، فلا يضر
التراخى بين الإِيجاب والقبول إذا صدرا فى
مجلس واحد .
قال الكاسانى : إن فى ترك الفور ضرورة،
لأن القابل يحتاج إلى التأمل، ولو اقتصر على
الفور لايمكنه التأمل (٢).
وقال الحطاب: ولا يشترط أن لايحصل بين
الإِيجاب والقبول فصل بكلام أجنبى عن
العقد ولو کان یسیرا، فإن أجابه صاحبه فی
المجلس صح (٣).
(١) الشرح الكبير مع المغنى ٤/٤، وكشاف القناع
١٤٧/٣، ١٤٨.
(٢) بدائع الصنائع ١٣٧/٥ .
(٣) مواهب الجليل ٢٤١/٤ .
- ٢١٦ -

عقد ٢٤ - ٢٦
وقال البهوتي: وإن تراخى القبول عن
الإِيجاب صح ماداما فى المجلس (١).
وهذا معنى قولهم: إن المجلس جامع
للمتفرقات (٢).
أما الشافعية: فقالوا: يشترط أن لايطول
الفصل بين الإيجاب والقبول بسكوت ولو
سهوا أو جهلا على المعتمد، لأن طول
الفصل يخرج الثانى أن يكون جوابا عن
الأول كما علله الشربينى الخطيب (٣)،
وقالوا: يضر تخلل كلام أجنبى عن العقد
- ولو يسيرا - بين الإِيجاب والقبول وإن لم
يتفرقا عن المجلس، والمراد بالأجنبى ماليس
من مقتضيات العقد ولا من مصالحه ولا من
مستحباته (٤).
علم الموجب بالقبول :
٢٥ - صرح أكثر الحنفية بأن سماع كلٍّ من
العاقدين كلام الآخر شرط لانعقاد العقد،
وهذا يعنى اشتراط علم الموجب بقبول القابل
فى حالة التعاقد بين الحاضرين .
وفى الفتاوى الهندية: سماع المتعاقدين
كلامهما شرط انعقاد البيع بالإِجماع (٥).
(١) كشاف القناع ١٤٧/٣، ١٤٨.
(٢) المراجع السابقة، والعناية على الهداية ٧٨/٥ .
(٣) مغنى المحتاج ٦،٥/٢ وحاشية القليوبى ١٥٤/٢.
(٤) المرجعان السابقان .
(٥) الفتاوى الهندية ٣/٣ .
أما الشافعية فيشترطون سماع من يقرب
من العاقد لاسماع نفس العاقد، قال
الأنصاری فی شرح المنهج : وأن يتلفظ بحیث
یسمعه من بقربه وإن لم يسمعه صاحبه (١).
وهذا فيما إذا كان العقد بين حاضرين،
بخلاف ما إذا أوجب لغائب، لأن الإيجاب
للغائب لفظا کالإيجاب له كتابة، وسیأتی
تفصيل العقد بين الغائبين .
٢ - مجلس العقد فى حالة غياب العاقدين :
٢٦ - لقد تقدم أن العقد كما يصح انعقاده
بين الحاضرين بالإِيجاب والقبول بالعبارة
كذلك يصح بين الغائبين بالكتابة أو إرسال
رسول أو نحوهما، فإذا کتب شخص لآخر
مثلا: بعتك دارى بكذا، فوصل الكتاب له
فقبل انعقد العقد .
والظاهر من نصوص الفقهاء: أن مجلس
العقد فى حالة غیاب العاقدين هو مجلس
قبول من وجه له الكتاب، أو أرسل إليه
الرسول .
قال المرغينانى: والكتاب كالخطاب،
وكذا الإِرسال، حتى اعتبر مجلس بلوغ
الكتاب وأداء الرسالة (٢).
(١) شرح المنهج بهامش الجمل ١٣/٣.
(٢) فتح القدير ٨١/٥ .
- ٢١٧ -

عَقْد ٢٦ - ٢٧
وقال الرملى من الشافعية: لوباع من
غائب، کبعت داری من فلان وهو غائب،
فلما بلغه الخبر قال: قبلت انعقد البيع، كما
لو كاتبه (١).
وقال البهوتی: وإن كان المشترى غائبا
عن المجلس، فكاتبه البائع أو راسله: إنى
بعتك دارى بكذا، فلما بلغه الخبر قبل البيع
صح العقد (٢).
وحيث إن مجلس العقد فى حالة التعاقد
بين الغائبين هو مجلس القبول كما قلنا،
فالمعتبر فى اتصال القبول بالإيجاب هو هذا
المجلس، فإذا وصل الإِيجاب إلى المخاطب،
فكأن الموجب حضر بنفسه وأوجب العقد،
فإذا قبله المخاطب فى مجلسه دون إعراض
انعقد العقد، وإذا انفض المجلس أو صدر
ممن وجه له الإيجاب مايدل على إعراضه عن
القبول عرفا لاينعقد، والمعتبر فى التراخى هو
مابين وصول الإِيجاب وصدور القبول فى هذا
المجلس .
٠٠٠
ولا يشترط فى حالة انعقاد العقد بين
الغائبين علم الموجب بقبول القابل،
فعبارات الفقهاء صريحة بأن العقد يحصل
بمجرد قبول القابل فى المجلس (٣).
(١) نهاية المحتاج ٣٦٩/٣.
(٢) كشاف القناع ١٤٨/٣ .
(٣) فتح القدير ٨١/٥ وما بعدها، وبدائع الصنائع =
عقود لايشترط فيها اتحاد المجلس :
٢٧ - طبيعة بعض العقود تقتضى أن
لايشترط فيها اتحاد المجلس فى الإِيجاب
والقبول، بل إن بعض هذه العقود لايصح
فيه القبول فى المجلس، ومن هذه العقود :
أ - عقد الوصية، فإنها تمليك مضاف إلى
ما بعد الموت، فيصدر الإيجاب فيها حال
حياة الموصى، لكن لايعتبر القبول من
الموصى له إلا بعد وفاة الموصى، فإذا قبلها
الموصى له فى مجلس الإيجاب أو بعده فى حياة
الموصى لاتنعقد به الوصية. ر: (وصية) .
ب - عقد الوصاية: (الإِيصاء) فهى إقامة
شخص عيره مقام نفسه بعد وفاته فى
التصرف أو فى تدبير شئون أولاده الصغار،
فلا يشترط فيها أن يكون القبول فى مجلس
الإِيجاب، بل يمتد زمنه إلى مابعد الموت،
فالوصاية خلافة تظهر آثارها بعد وفاة
الموصى .
جـ ـ عقد الوكالة، فإنها وإن كانت إقامة
الشخص الغير مقام نفسه فى تصرف من
التصرفات فى الحياة، لكنها مبنية على
التیسیر، فإذا قبلها الوکیل فی غیر مجلس
الإِيجاب صحت الوكالة، ولايتضرر بذلك
= ١٣٨/٥، ونهاية المحتاج ٣٩٦/٣، وكشاف القناع
١٤٨/٣.
:
- ٢١٨ -

عَقْد ٢٧ - ٣١
الوکیل بسبب غيابه، لأن له الرد فی أی وقت
شاء، حيث إن الوكالة من العقود غير
اللازمة. ر: (وكالة) .
ثانيا - العاقدان :
٢٨ - المراد بالعاقدين: كل من يتولى العقد،
إما أصالة كأن يبيع أويشترى لنفسه، أو
وكالة كأن يعقد نيابة عن الغير بتفويض منه
فی حیاته، أو وصایة کمن یتصرف خلافة عن
الغیر فی شئون صغاره بعد وفاته بإذن منه أو
من قبل الحاكم .
وحيث إن العقد لايتصور وجوده من غیر
عاقد فقد جعله جمهور الفقهاء من أركان
العقد كما تقدم .
ولكى ينعقد العقد صحيحا نافذا يشترط
فى العاقدين مايأتى :
الأول - الأهلية :
٢٩ - وهو أن يكون العاقد أهلا للتصرف،
وهو: البالغ الرشيد فلا يصح من صغير غير
مميز ومجنون ومبرسم .
أما الصبى المميز فتصح عقوده وتصرفاته
النافعة نفعا محضا، كقبول الهبة والصدقة
والوصية والوقف دون حاجة إلى إذن الولى،
ولاتصح عقوده وتصرفاته الضارة ضررا محضا،
كالهبة والوصية للغير والطلاق والكفالة بالدين
ونحوها، ولو أجاز هذه التصرفات وليه أو
وصيه. أما التصرفات الدائرة بين النفع
والضرر كالبيع والإِجارة ونحوهما فتصح من
الصبى المميز بإجازة الولى، ولاتصح بدونها
عند جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية
والحنابلة .
ويشترط عند الشافعية لصحة البيع فى
العاقد الرشد ر: (أهلية ف ١٨) .
الثانى - الولاية :
٣٠ - الولاية: مأخوذة من الولى، وهو فى
اللغة: بمعنى القرب، والولاية: النصرة (١)
وفى الاصطلاح: تنفيذ القول على الغير
شاء الغير أولا (٢).
ولکی ینعقد العقد صحيحا نافذا تظهر
آثاره شرعا لابد فى العاقد - بجانب أهلية
الأداء - أن تكون له ولاية التصرف ليعقد
العقد .
وتفصيل ذلك فى مصطلح: (ولاية) .
الثالث - الرضا والاختيار :
٣١ - اتفق الفقهاء على أن الرضا أساس
العقود، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
(١) المصباح المنير.
(٢) التعريفات للجرجانى، وقواعد الفقه للبركتى .
- ٢١٩ -

عقد ٣١ -٣٢
لاَتَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّ أَن تَكُونَ
تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١).
وقال ◌َله: ((إنما البيع عن تراض)) (٢).
والرضا: سرور القلب وطيب النفس،
وهو ضد السخط والكراهة .
وعرفه جمهور الفقهاء: بأنه قصد الفعل
دون أن يشوبه إكراه(٣)
وعرفه الحنفية: بأنه امتلاء الاختيار، أى
بلوغه نهايته، بحيث يفضى أثره إلى الظاهر
من البشاشة فى الوجه، أو إيثار الشىء
واستحسانه (٤). ر: (رضا ف ٢)
أما الاختيار: فهو القصد إلى أمر متردد
بين الوجود والعدم داخل فى قدرة الفاعل
بترجيح أحد الجانبين على الآخرْر: (اختيار
ف ١)
وبناء على هذه التفرقة قال الحنفية: إن
الرضا شرط لصحة العقود التى تقبل الفسخ
وهى العقود المالية من بيع وإجارة ونحوهما،
فهى لاتصح إلا مع التراضى، وقد تنعقد
(١) سورة النساء / ٢٩
(٢) حديث: ((إنما البيع عن تراض))
أخرجه ابن ماجه (٧٣٧/٢ ط . الحلبى) من حديث أبى
سعيد الخدرى ، وقال البوصيرى: هذا إسناد صحيح
(مصباح الزجاجة ١٠/٢).
(٣) الموسوعة الفقهية ٢٢٨/٢٢ .
(٤) التلويح على التوضيح ١٩٥/٢، وكشف الأسرار
٠١٥٠٣/٤
(٥) الموسوعة الفقهية ٣١٥/٢، ٢٢٩/٢٢.
العقود المالیة لکنها تکون فاسدة، کما فی بیع
المكره ونحوه، يقول المرغینانی : ... لأن من
شروط صحة هذه العقود التراضى (١).
فأصل العقود المالية تنعقد عندهم بدون
الرضا، لكنها لاتكون صحيحة، فينعقد بيع
المخطىء نظرا إلى أصل الاختيار، لأن الكلام
صدر عنه باختياره، أو بإقامة البلوغ مقام
القصد، لكن يكون فاسدا لعدم الرضا
حقيقة، أما العقود التى لاتقبل الفسخ عند
الحنفية فالرضا ليس شرطا لصحتها، فيصح
عندهم النكاح والطلاق والعتاق والرجعة
ونحوها حتى مع الإِكراه (٢).
أما جمهور الفقهاء فتدور عباراتهم بين
التصريح بأن الرضا أصل أو أساس أو شرط
للعقود كلها، فلا ينعقد العقد إذا لم يتحقق
الرضا سواء أكان ماليا أو غير مالى.
ر: (رضا ف ١٣).
عيوب الرضا :
٣٢ - ذكر الفقهاء فى عيوب الرضا: الإِكراه
والجهل، والغلط، والتدليس، والغبن، والتغرير،
والهزل، واخلابة ،ونحوها،فإذا وجد عیب من
هذه العيوب فى عقد من العقود يكون العقد
باطلا أو فاسدا فى بعض الحالات على
(١) تكملة فتح القدير ٢٩٣/٧، ٢٩٤.
(٢) تيسير التحرير ٣٠٠٦/٢، الموسوعة الفقهية ٢٣٣/٢٢.
- ٢٢٠ -