النص المفهرس
صفحات 241-260
عَاهَةٌ ٩ -١٢
محل الفرض أو بغيره ولم تتميز (١).
الجلدة التى كشطت:
١٠ - إذا كشطت الجلدة وانفصلت عن
الجسم عومل ما ظهر من الجسم بعد كشطها
معاملة الظاهر مطلقا .
أما إذا كشطت وبقيت متعلقة ومتصلة
بالجسم، ففى الغسل يجب غسلها، وتعامل
كسائر البشرة .
أما فى الوضوء فإن تقلع الجلد من الذراع
وتدلى منها لزم المکلف غسله مع غسل الید،
لأنه فى محل الفرض فأشبه الأصبع
الزائدة .
وإن تقلع من الذراع وبلغ التقلع العضد
ثم تدلى منه، لم يلزمه غسله؛ لأنه صار من
العضد .
وإن تقلع من العضد، وبلغ التقلع إلى
الذراع ثم تدلى منه، لزمه؛ لأنه صار من
الذراع فهو فى محل الفرض .
وإن تقلع من أحدهما والتحم بالآخر،
لزمه غسل ماحاذى محل الفرض لأنه بمنزلة
الجلد الذی علی الذراع، فإن كان ذلك
متجافيا عن ذراعه لزمه غسل ماتحته مع
غسله (٢).
(١) شرح منتهى الإرادات ٥٣/١.
(٢) راجع المغنى ١٢٤/١، والمهذب ٢٤/١، والمبدع
١٢٥/١ .
رابعا: الأصابع الملتفة ونحوها :
١١ - إذا كانت هذه الأصابع الملتفة يصل
الماء إلى باطنها فجمهور الفقهاء من الحنفية
والشافعية والحنابلة يقولون: إن تخليل
الأصابع فى هذه الحالة يكون سنة سواء
أصابع اليدين أو أصابع الرجلين (١) .
وخالف المالكية فقالوا بوجوب تخليل
أصابع الیدین قولا واحدا، وبوجوب تخليل
أصابع الرجلين على الراجح، وإن كان
المشهور أن تخليل أصابع الرجلين سنة (٢).
أما إذا كانت الأصابع الملتفة لايصل الماء
إلى باطنها إلا بالتخليل وجب التخليل عند
الجميع .
فإن كانت هذه الأصابع ملتصقة
وملتحمة فلا يجوز فتقها لتخلل، بل يحرم
ذلك لأنه مضرة، وقد صارت كالأصبع
الواحدة (٣).
خامسا: سلس البول ونحوه :
١٢ - من عاهته سلس بول ونحوه
کاستحاضة وسلس مدی وخروج ربح دائم
وناصور وباسور وغيرها من الجروح الدائمة
(١) كفاية الأخيار ١ /٦، والمغنى ١٠٨/١.
(٢) راجع العدوى على الخرشى ١٢٦،١٢٣/١.
(٣) كفاية الأخيار ٢٥/١ ط. دار الإِيمان، والمغنى
١٠٨/١.
- ٢٤١ -
...
٠٠
عَامَةٌ ١٢ - ١٤
الفوران: فقد اختلف الفقهاء فی حکم هذه
المسائل، وينظر تفصيله فى مصطلح
(سلس ف ٥، واستحاضة ف ٣٠).
سادسا: الخارج من فتحة قامت مقام
السبیلین :
١٣ - إذا كانت العاهة تتمثل فى فتحة غير
السبيلين، يخرج منها ما يخرج من السبيلين
من بول أو غائط أو دم أو دود أو غير ذلك مما
هو معتاد أو غير معتاد فقد اختلف الفقهاء
فيه .
فالمالكية والشافعية: قصروا التعميم
بالقول بنقض الوضوء على صورة واحدة متفق
عليها بينهم وهى ما إذا انسد المخرج الأصلى
وكانت الفتحة تحت السرة، لأنه لابد
للإنسان من مخرج تخرج منه هذه الفضلات،
فأقيم المنفتح تحت السرة مكان المخرج وهو
القبل والدبر، فأخذ الخارج من هذا المخرج
حكم الخارج منهما فنقض الوضوء قولا
واحدا (١).
أما ماعدا هذه الصورة فلهم فيها خلاف
ينظر فى مصطلح: (نواقض الوضوء) .
والحنفية عمموا القول بنقض الوضوء من
(١) حاشية العدوى بشرح الخرشى ١٥٤/١، نهاية المحتاج
حاشية الشبراملسى ١١٢/١ .
كل خارج نجس، سواء خرج من السبيلين
أم من غيرهما بشروطه، وسواء كان منفذا
منفتحا كالأنف والفم أم لم يكن، كالفتحة
تحت السرة أم فوقها، حيث قاسوا ماخرج من
غير السبيلين على الخارج منهما (١).
والحنابلة يوافقون الحنفية فى نقض الوضوء
بما خرج من بول أو غائط من أى مكان فى
الجسم، سواء كانت الفتحة تحت السرة أو
فوقها، لأن الخارج بول وغائط بصرف النظر
عن المحل، ولكنهم فارقوهم فى غير البول
والغائط، كالريح والدم وغيرهما إذا خرج من
غير السبيلين .
فقالوا: إن كان الخارج من غير السبيلين
طاهرا فلا ينقض الوضوء بحال، وإن كان
نجسا ينقض الوضوء فى الجملة رواية واحدة
إن کان کثیرا دون الیسیر (٢).
سابعا: البول قائما لمن به عاهة :
١٤ - لاخلاف بين الفقهاء فی أن من به عاهة
تمنعه من القعود له أن یبول قائما، كمن به
عاهة فى رجله لايستطيع الجلوس أو به باسور
فإذا جلس مرات كثيرة ضايقه ذلك ونزف منه
(١) حاشية سعدى جلبى على الهداية ٤٢/١، ٤٣ .
(٢) المبدع شرح المقنع ١٥٦/١ - ١٥٧، المغنى
١٨٤/١، ١٨٥، مسائل الإِمام أحمد بتحقيق على المهنا
٦٧/١ .
- ٢٤٢ -
٠٫٠
عَامَةٌ ١٤ -١٦
باسوره أوغير ذلك من العاهات والعلل .
وقد فعل ذلك رسول الله ہے فبال قائما
فيما رواه حذيفة رضى الله عنه أن النبى واليوم
(انتھی الی سباطة قوم فبال قائما) (١) وما ورد
عن جابر رضی الله عنه أنه قال: نهى
رسول الله ﴿ ((أن يبول الرجل قائم))(١؟
وقد جمع العلماء المحدثون والفقهاء بين
الحديثين بأوجه كثيرة، منها: أنه ولد فعل
ذلك لجرح کان فی مأبضه کما رواه ابن
الأثير، (٣) فقد روى أبو هريرة رضى الله عنه:
أن رسول الله وَلاي بال قائما من جرح كان
بمأبضه) (٤) والمأبض ماتحت الركبة.
وقيل: إنما بال پے قائما لوجع فی صلبه،
روى ذلك عن الشافعى، (٥) أما غير صاحب
(١) نيل الأوطار ٨٩/١
وحديث: ((انتھی إلی سباطة قوم فبال قائم))
أخرجه البخارى (فتح البارى ٣٢٨/١) ومسلم
(٢٢٨/١) من حديث حذيفة، واللفظ لمسلم .
والسباطة: ملقى التراب والقمامة، وهى المزبلة .
(٢) حديث: «نہی رسول الله ﴾ ان یبول الرجل قائما)»
أخرجه ابن ماجه (١١٢/١) والبيهقى (١٠٢/١) من
حديث جابر وضعف إسناده البوصيرى فى الزوائد
(٩٣/١) .
(٣) نيل الأوطار ١ /٩٠.
(٤) حديث: ((أن الرسول ◌َ﴿ بال قائما من جرح كان بمأبضه))
أخرجه الحاكم (١٨٢/١) والبيهقى (١٠١/١) من
حديث أبى هريرة .
وأورده ابن حجر فی فتح الباری (١ /٣٣٠) وقال: ضعفه
الدار قطنى والبيهقى .
(٥) معالم السنن للخطابى ٢٩/١.
العاهة فالبول قائما مكروه له تنزيها .
ثامنا : من به عاهة تمنعه من استعمال الماء :
١٥ - ذهب الفقهاء إلى أن من به مرض
يمنعه من استعمال الماء فإنه يتيمم لقوله
سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوْا وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَاَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنْتُمْ جُنْبًا
فَاطَّهَّرُوْا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ
جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمِّمُوا صَعِيدًا طَيِّباً﴾ (١)قال
الشافعى: فدل حكم الله عزوجل على أنه
أباح التيمم فى حالتين، أحدهما: السفر
والإِعواز من الماء، والآخر: للمريض فى
حضر كان أو سفر (٢).
وقد اختلفوا بعد ذلك فى المرض المبيح
وغيره من الفروع (ر: تيمم ف ٢١ - ٢٢) .
العاهة وأثرها فى أحكام الصلاة:
أولا - أذان الأعمى:
١٦ - ذهب الفقهاء: إلى أن أذان الأعمى
جائز إذا علم دخول الوقت، وذلك على
التفصيل الآتى :
(١) سورة المائدة ٦ .
(٢) الأم ٣٩/١ .
- ٢٤٣ -
عَامَةٌ ١٦ - ١٨
قال الحنفية: إن أذان البصير أفضل من
أذان الأعمى، فيكره كراهة تنزيه أذان
الأعمى، إلا إذا كان معه بصیر یعلمه أوقات
الصلاة فلا كراهة (١)
وقال المالکیة: يجوز أذان الأعمی إن كان
تابعا لغيره فى أذانه أو قلد ثقة فى دخول
الوقت (٢).
وقال الشافعية: يكره أن يكون المؤذن
أعمى، لأنه ربما غلط فى الوقت، فإن كان
معه بصير لم يكره لأن ابن أم مكتوم وهو
أعمی کان یؤذن مع بلال (٣).
وقال الحنابلة: يستحب أن يكون المؤذن
بصيرا، لأن الأعمى لايعرف الوقت فربما
غلط، فإن أذن الأعمی صح أذانه، قال فى
المبدع: کره ابن مسعود وابن الزبير رضى الله
عنهما أذان الأعمى، وكره ابن عباس
إقامته (٤).
(١) رد المحتار ٢٦٠/١، وشروح الهداية والكفاية مع فتح
القدير ٢٢٠/١، بدائع الصنائع ١٥٠/١.
(٢) الدسوقى ١ /١٩٧ - ١٩٨.
(٣) المجموع ١٠٣/٣
وحديث: ((أذان ابن أم مكتوم مع بلال)»
أخرجه البخاری (فتح البارى ٩٩/٢) ومسلم (٢٨٧/١)
من حديث ابن عمر .
(٤) المغنى لابن قدامة ٤١٤/١، والمبدع ٣١٥/١.
ثانيا: استقبال الأعمى للقبلة :
١٧ - ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية
والشافعية والحنابلة إلى أن الأعمى عليه أن
يسأل عن القبلة، لأن معظم الأدلة تتعلق
بالمشاهدة، قال الحنفية: فإن لم يجد من
يسأله عنها تحرى، وللتفصيل ينظر
مصطلح: (استقبال ف ٣٦) .
وقال المالكية لا يجوز للأعمى المجتهد أن
يقلد غيره بل يسأل عن الأدلة ليهتدى بها إلى
القبلة .
أما غير المجتهد، وهو الجاهل بالأدلة أو
یکفیه الاستدلال بها، فيجب عليه أن يقلد
مكلفا عدلا عارفا بطریق الاجتهاد أو محرابا،
فإن لم يجد من يرشده إلى القبلة فإنه يتخير
جهة من الجهات الأربع ويصلى اليها مرة
واحدة (١).
١٨ - أمّا من به عاهة أخرى كالمشلول ومن
لايستطيع مفارقة سريره لعاهة فى عينيه، أو
لجرح فى جسده لو حرك لنزف، فإن هؤلاء
ونحوهم إذا وجدوا من يوجههم إلى القبلة
دون ضرر يلحق بهم وجب عليهم التوجه إلى
القبلة، فلو صلوا إلى غير القبلة فى هذه
الحالة بطلت صلاتهم وهذا باتفاق الفقهاء .
(١) الشرح الكبير بهامش الدسوقى ٢٢٦/١ - ٢٢٧ .
-
- ٢٤٤ -
عَاهَةٌ ١٨ - ١٩
أما من لم يجد من يوجهه إلى القبلة، أو
وجد ولكن لايمكن تحويله إلى القبلة لعاهة
تمنع من ذلك، ويخشى عليه من الضرر إن
تحرك سريره، فقد اختلف الفقهاء فيه على
ثلاثة أقوال :
أولها: أنه يصلى على حاله ویعید، وهو قول
الشافعية، ومحمد بن مقاتل الرازى من
الحنفية (١).
ودليلهم أن الله سبحانه أوجب التوجه
إلى القبلة على العموم بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ
مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) ولم يبح
للمريض أن يترك استقبال القبلة بحال من
الأحوال، فیلزمه أن يصلى على حسب حاله،
وإذا وجد من يحوله إلى القبلة أعاد (٣).
وثانيها: قول المالكية الذین یرون أن من هذه
حاله ولا يستطيع التوجه إلى القبلة لا بنفسه
ولا بمساعد صلی علی حسب حاله، ويعيد
إذا وجد من يحوله إلى جهة القبلة فى الوقت .
وجاء فى المدونة فى المريض الذى
لايستطاع تحويله إلى القبلة لمرض به أو جرح
أنه لا يصلى إلا إلى القبلة، ويحتال له فى
ذلك، فإن هو صلى إلى غير القبلة أعاد فى
(١). الأم ١/ ٨٥، والمبسوط ٢١٦/١.
(٢) سورة البقرة / ١٤٤، ١٥٠.
: (٣) الأم ١ / ٨٥ .
الوقت، وهو فى ذلك بمنزلة الصحيح (١).
ثالثها: قول الحنفية والحنابلة وهو: أن
العاجز عن استقبال القبلة يصلى على حسب
حاله، ولا يعيد صلاته مادام لايستطيع
التحول إلى القبلة ولا يجد من يحوله إليها،
نقله السرخسى عن ظاهر الرواية (٢).
واستدل لذلك بأن التوجه إلى القبلة شرط
جواز الصلاة، والقيام والقراءة والركوع
والسجود أركان، ثم ما سقط عنه من الأركان
بعذر المرض لايجب عليه إعادة الصلاة،
فكذلك ماسقط عنه من الشروط بعذر المرض
لا يجب عليه إعادة الصلاة (٣).
ولقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ
وُسْعَهَا﴾ (٤) ولقوله وَله: ((إذا أمرتكم بشىء
فأتوا منه ما استطعتم)).(٥)
ثالثا: من به عاهة تمنعه من الإِتيان بركن من
أركان الصلاة :
١٩ - من به عاهة تمنعه من الإِتيان بركن من
أركان الصلاة، كالعاجز عن القيام أو
(١) المدونة ١ /٧٦ .
(٢) السرخسى ٢١٦/١، والمبدع ١ /٤٠٠ .
(٣) المبسوط ٢١٦/١ .
(٤) سورة البقرة / ٢٨٦.
(٥) حديث: ((إذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم))
أخرجه البخارى (فتح البارى ٢٥١/١٣) ومسلم
(٢ /٩٧٥) من حديث أبى هريرة .
- ٢٤٥ -
عَامَةٌ ١٩ - ٢١
الجلوس أو السجود أو غيرها من الأركان صلى
کیف أمكنه، وهذا باتفاق الفقهاء، سواء فى
ذلك الفرض أو النفل .(١)
واختلفوا بعد ذلك فى مسائل .
المسألة الأولى: فى العاجز عن السجود:
٢٠ - إذا كان عاجزا عن السجود وأمكن رفع
وسادة ونحوها لیسجد علیھا :
فعند الحنفية والمالكية أنه یومیء بالركوع
والسجود، ولا یرفع إلى وجهه شيئا يسجد
علیه، واستدلوا بما رواه جابر رضى الله عنه:
(أن النبى ◌َل عاد مريضا فرأه يصلى على
وسادة، فأخذها فرمی بها، فأخذ عودا ليصلى
عليه، فأخذه فرمى به وقال: ((صل على
الأرض إن استطعت وإلا فأوم إيماء، واجعل
سجودك أخفض من ركوعك)) (٢).
(١) مسائل الإِمام أحمد بتحقيق د / على المهنا ٣٤٩/٢،
وسنن البيهقى ٢ / ٣٧،٣٦ ومصنف عبد الرزاق
٢ / ٤٧٥، ٤٧٨ ومصنف ابن أبى شيبة
١ / ٢٧١ - ٢٧٢ .
(٢) الهداية ٤/٢، وفتح القدير على الهداية ٤٥٨/١، المدونة
٧٨/١، والمواق ٤/٢.
وحديث جابر: ((صل على الأرض إن استطعت وإلا فأوم
إيماء .. »
أخرجه البزار (كشف الأستار ٢٧٤/١ - ٢٧٥) والبيهقى
فى المعرفة (٢٢٥/٣) وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد
(١٤٨/٢) وقال: رواه البزار وأبو يعلى بنحوه .. ورجال
البزار رجال الصحيح .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجوز له
ذلك، أو يومىء بالسجود، فهو بالخيار بين
هذا وذاك، لأن الكل مروى عن
رسول الله وَالر، (١) لقول عبد الله بن أحمد
ابن حنبل: سألت أبي عن المریض یومیء أو
يسجد على مرفقة؟ قال: کل ذلك قد روى،
لابأس به إن شاء الله .
والإيماء مروى عن ابن عمر وابن مسعود
رضى الله عنهم موقوفا وروى عن جابر
مرفوعا، والسجود على المرفقة مروى عن
(٢)
ابن عباس وأم سلمة رضى الله عنهم .
المسألة الثانية: كيفية قعود من عجز عن
القيام:
٢١ - ذهب الفقهاء إلى أن من عجز عن
القيام فى الصلاة المفروضة يؤديها قاعدا إن
استطاع، لأن رسول الله وَلل دخل على
عمران بن حصین رضى الله عنه يعودہ فی
مرضه فقال كيف أصلى؟ فقال له: ((صل قائما
(١) حديث: ((السجود على وسادة عند العجز عن السجود))
روى عن أم سلمة زوج النبى رَار .
أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٢ /٤٧٧ - ٤٧٨)
والبيهقى (٣٠٧/٢) .
(٢) حديث ((الإِيماء بالسجود عند العجز عن السجود))
تقدم من حديث جابر ف ٢٠ .
- ٢٤٦ -
عَامَةٌ ٢١ - ٢٢
فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى
جنب)) (١).
واختلف الفقهاء فى أفضلية القعود:
فذهب المالكية والحنابلة إلى أن القعود
على هيئة التربع مستحب، لأن القعود فى
حالة العجز بدل عن القيام والقيام يخالف
قعود الصلاة، فينبغى أن يكون بدله مخالفا
له .
وذهب الشافعية - فى الأظهر عندهم - إلى
أن الافتراش فى القعود أفضل من التربع لأن
الافتراش قعود عبادة بخلاف التربع (٢).
المسألة الثالثة: حكم من عجز عن القعود:
٢٢ - ذهب الجمهور إلى أن من عجز عن
القعود صلى على جنبه مستقبلا القبلة ونُدِبَ
على الجنب الأيمن واستدلوا بقوله وصل فى
حديث عمران السابق ((فإن لم تستطع فعلى
جنب)) .
وظاهر كلام مالك فى المدونة وأحمد أنه لو
صلى مستلقيا مع إمكان الصلاة على جنبه أنه
(١) حديث عمران بن حصين: ((صل قائما فإن لم تستطع
فقاعدا»
أخرجه البخاری (فتح البارى ٥٨٧/٢) .
(٢) المدونة ١ / ٧٦، والخرشى ١/ ٢٩٦، والقليوبى
١٤٥/١، المبسوط ٢١٢/١، والمغنى
١٤٢/٢ - ١٤٤.
يصح، (١) والدليل يقتضى ألا يصح، لأنه
خالف أمر النبى وَّر ((فعلى جنب)) ولأنه نقله
إلى الاستلقاء عند عجزه عن الصلاة على
جنب، فهى مرتبة كما جاء فى الحديث الذى
رواه عمران بن حصین رضى الله عنه قال:
كانت بى بواسير، فسألت النبى وَلقر فقال:
((صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم
تستطع فعلی جنب)» (٢).
وذهب الحنفية: إلى أن من لم يستطع
القعود استلقى على قفاه، ورجلاه إلى
القبلة، وأومأ بالركوع والسجود، لقوله زميلاته:
((یصلى المریض قائما، فإن لم يستطع فقاعدا،
فإن لم يستطع فعلى قفاه يومىء إيماء)) (٣).
وقد جوز المرغينانى أنه إذا استلقى على
جنبه ووجهه إلى القبلة جاز (٤).
فالأصل فى صلاة المريض كما يقول
السرخسي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٥) قال
(١) المدونة ٧٦/١، والمغنى ١٤٦/٢، والخرشى ٢٩٦/١.
(٢) حديث عمران بن حصين: ((صل قائما فإن لم تستطع
فقاعدا»
تقدم ف ٢١ .
(٣) الهداية ٤/٢ حديث: ((يصلى المريض قائما فإن لم يستطع
فقاعدا فإن لم يستطع فعلى قفاه يومى، إيماء ... )).
أورده الزیلعی فی نصب الراية(١٧٦/٢)وقال: حديث
غريب .
(٤) فتح القدير ٤٥٨/١ .
(٥) سورة آل عمران / ١٩١.
- ٢٤٧ -
عَامَةٌ ٢٢ - ٢٤
الضحاك فى تفسيره: هو بيان حال المريض
فى أداء الصلاة على حسب الطاقة (١).
المسألة الرابعة: من کان عاجزا فقدر أو كان
قادرا فعجز فى أثناء الصلاة:
٢٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من كان
عاجزا فاستطاع فى أثناء الصلاة، أو كان
مستطيعا فعجز، صلى كل حسب الحالة التى
صار إليها، والله أولى بعذره وأعلم، فمن
كان عاجزا عن القيام ثم استطاعه انتقل إليه
وبنى على ما مضى من صلاته،
ولایستأنفها، وکذلك من کان قادرا على
القيام ثم عجز عنه فى أثناء صلاته انتقل إلى
الجلوس، وبنى على ما مضى من صلاته،
والله أعلم به وبحاله التى صار إليها، (٢)
لأنه يجوز أن یؤدی صلاته کلها قاعدا عند
العجز، ويؤديها جميعا قائما عند القدرة،
فتأخذ كل حالة حكمها (٣).
وذهب الحنفية إلى التفرقة بین صور ثلاث
فى الحكم :
أولاها: إن صلى الصحيح بعض صلاته
(١) المبسوط ٢١٢/١.
(٢) مسائل الإِمام أحمد برواية ابنه عبد الله تحقيق الدكتور
على المهنا ٣٥٢/٢، والمغنى ١٤٩/٢ - ١٥٠،
والإنصاف ٣٠٩/٢، والمهذب ١٠١/١، والخرشى
٢٩٨/١ .
(٣) المهذب ١٠١/١ .
قائما، ثم حدث به مرض یتمها قاعدا، یرکع
ویسجد أو یومیء إن لم يقدر، أو مستلقيا إن
لم يقدر، لأنه بناء الأدنى على الأعلى، فصار
کالاقتداء، فیبنی علی مامضى من صلاته .
وثانیتها: من صلى قاعدا یرکع ويسجد
لمرض، ثم صح، بنی علی صلاته قائما عند
أبى حنيفة وأبى يوسف، وقال
محمد بن الحسن استقبل .
وثالثتھا: إن صلی بعض صلاته بإيماء، ثم قدر
على الركوع والسجود، استأنف عند الثلاثة،
لأنه لايجوز اقتداء الراكع بالمومىء، فكذا
البناء .
أما زفر فجوزه بناء على أصله من تجويز
اقتداء الراكع بالمومىء (١).
المسألة الخامسة: من عجز عن الإيماء برأسه:
٢٤ - من عجز عن الإيماء برأسه يومىء
بطرفه، فإن عجز أجرى أفعال الصلاة على
قلبه، ولا يترك الصلاة مادام عقله ثابتا،
وهذا هو قول الجمهور، (٢)مستدلين على
ذلك بما رواه الحسین بن علی رضی الله عنهما
أن النبى وَ ◌ّ قال: ((فإن لم يستطع أوما
(١). الهداية مع حاشية سعدى جلبى ٧/٢، وانظر فتح القدير
٤٥٧/١ .
(٢) الخرشى ٢٩٩/١، ونهاية المحتاج ١ /٤٧٠، والمبدع
١٠١/١ .
- ٢٤٨ -
عَامَةٌ ٢٤ - ٢٦
بطرفه)(١) ولا تسقط عنه الصلاة، لأنه مسلم
بالغ عاقل، أشبه القادر على الإيماء برأسه .
وفى رواية عن أحمد تسقط الصلاة فى هذه
الحالة، واختاره الشيخ تقى الدين (٢).
والراجح من مذهب الحنفية: أنه إن لم
يستطع الإيماء برأسه أخرت الصلاة عنه،
ولایومیء بعينه ولابقلبه ولا بحاجبيه، خلافا
لزفر وروایة عن أبی یوسف، وعن محمد قال:
لا أشك أن الإيماء برأسه يجزئه، ولا أشك أنه
بقلبه لايجزئه، وأشك فيه بالعين .
والمختار عند الحنفية أن الصلاة لاتسقط
عنه، حتى ولو زادت عن أکثر من يوم وليلة
إذا كان مفيقا، وصحح قاضيخان أنه لا
يلزمه القضاء إذا كثر، لأن مجرد العقل
لايكفى لتوجه الخطاب (٣).
رابعا - إمامة من به عاهة تمنعه من رکن من
الصلاة :
٢٥ - ذهب الفقهاء إلى صحة إمامة من به
عاهة تمنعه من رکن من الصلاة إذا كان إماما
بمثله فى هذه العاهة، واختلفوا فى إمامة ذى
(١) حديث الحسين بن على، أن النبى و 18 قال: («فإن لم
يستطع أوما بطرفه»
ذكره ابن مفلح فى الفروع (٢ /٤٧/٤٦) وأشار إلى عدم
ثبوته .
(٢) المبدع ١/ ١٠١.
(٣) الهداية مع فتح القدير ٥/٢ .
العاهة للصحيح، فجوزها بعضهم، ومنعها
آخرون، على تفصيل ينظر فى مصطلح :
(اقتداء ف ٤٠) .
خامسا: من به عاهة على صورة مبطل من
مبطلات الصلاة:
العاهة هنا تنقسم الى قسمين: عاهة عارضة
كالتنحنح والسعال ونحوهما، وعاهة خلقية
كالتأتأة والفافأة ونحوها .
٢٦ - أما القسم الأول: فقد اتفق الفقهاء
على أنه إذا لم يظهر بالسعال والتنحنح
ونحوهما حرفان فالصلاة صحیحة، وکذا إذا
ظهر حرفان أو أكثر، وكان مغلوبا عليه
بحيث لايستطيع دفعه .
أما إذا استطاع دفعه وفعله لتحسين
الصوت فقد وقع فيه الخلاف بين الفقهاء .
فجمهور الحنفية والشافعية يرون أنه
لابأس بذلك للتمكن من القراءة الواجبة لأن
ما كان لمصلحة القراءة يلحق بها (١).
أما الحنابلة ففرقوا بين التنحنح وغيره
كالسعال والتأوه مثلا، أما السعال ونحوه
فالأشبه بأصولهم - وهو ظاهر المدونة - أن من
فعله مختارا أفسد صلاته .. ولأن الحكم
لايثبت إلا بنص أو إجماع أو قياس
(١) فتح القدير ٣٩٨/١.
- ٢٤٩ -
عامةٌ ٢٦ - ٢٧
والنصوص العامة تمنع من الكلام كله، ولم
يرد مايخصصه، (١) ولهم فى التنحنح قولان،
وظاهر قول أحمد أنه لم يعتبر ذلك، لأن
النحنحة لاتسمی کلاما، وتدعو الحاجة إليها
فى الصلاة (٢).
وذهب إسماعيل الزاهد من الحنفية إلى أن
ذلك كله مبطل للصلاة إن لم يكن مغلوبا
عليه (٣).
٢٧ - وأما القسم الثانى وهو العاهة الخلقية
كصاحب التأتأة والفأفأة والألثغ ونحوهم
فهذه معفو عنها فى حال الصلاة منفردا،
ويعامل هؤلاء معاملة الأمى، فى أنه تصح
صلاتهم إذا لم يمكنهم إصلاح هذا المرض
وعلاجه، وصلاتهم صحیحة فرادی ومأمومین
لقاریء، وهذا محل اتفاق.
أما إمامة كل منهم للقارىء فهى محل
خلاف بين الفقهاء .
فالشافعية والحنابلة يفرقون بين التأتأة
ونحوها مما فيه زيادة حرف، فيكرهون الإِمامة
لصاحبها إلا لمثله، وذلك لأن فى قراءتهم
نقصا عن حال الكمال بالنسبة لمن لايفعل
ذلك، وصحت الصلاة بإمامتهم لأنهم يأتون
بالواجب ویزیدون علیه حركة أو حرفا،
وذلك غير مؤثر كتكرير الآية .
وأما الأرتّ، وهو الذى يدغم حرفا فى
غيره، والألثغ وهو الذى يبدل حرفا بغيره،
فهذان وأمثالهما لايصح اقتداء القارىء بهما،
لأنهم كالأمى، والأمى لايصح اقتداء
القارىء به (١) .
وأما المالكية فلم يفرقوا بين مافيه زيادة
حرف کالتأتأة، وما فيه تغییر حرف بحرف،
أو إدغامه به، ویسمی خلیل صاحب كل
هذا (ألكن)، ويعلق عليه الخرشى بقوله:
يعنى أنه يجوز الاقتداء بالکن، وظاهره ولو
كانت اللكنة فى الفاتحة، وهو الصحيح،
والألكن هو: من لايستطيع إخراج بعض
الحروف من مخارجها، سواء كان لاينطق
بالحرف ألبتة، أو ينطق به مغيّرا، فيشمل
التمتام، وهو الذی ینطق فی أول كلامه بتاء
مكررة، والأرت وهو الذى يجعل اللام تاء أو
من يدغم حرفا فى حرف، والألثغ وهو من
يحول اللسان من السين إلى الثاء، أو من
الراء إلى الغين، أو اللام أو الياء، أو من
حرف إلی حرف، أو من لايتم رفع لسانه لثقل
(١) المدونة ١٠٤/١، والمغنى ٥٢/٢ .
(٢) المغنى ٢/ ٥٢ .
(٣) العناية على الهداية ٣٩٩/١.
(١) راجع فى هذا فتح القدير ٣٧٥/١، والمبدع ٧٦/٢،
وشرح المحلى على المنهاج ٢٣٠/١، الموسوعة مصطلح:
(ألثغ ف ٢) .
- ٢٥٠ -
عَاهَةٌ ٢٧ - ٣٠
فيه، والطمطام وهو من يشبه كلامه كلام
العجم ونحوهم (١).
سادسا - أثر العاهة فى إسقاط فرض
الجمعة :
٢٨ - من العاهات التى تسقط عن المكلف
فرض الجمعة - عند جمهور الفقهاء - العاهة
التى تعجز عن حضور الصلاة كالشلل،
والعمى فيمن لايجد قائداً، وقطع اليد
والرجل من خلاف، وقطع الرجلين لمن لا يجد
من يحمله، وكذلك العاهة المنفرة كالجذام
والبرص ونحو ذلك (٢).
وللتفصيل انظر: (صلاة الجمعة ف ١٣
وما بعدها) .
أثر العاهة فى الزكاة :
أثر العاهة قد تكون مؤثرة فى الزكاة من
حيث الوجوب أو الإِجزاء على النحو التالى:
أولا ۔ من حیث الوجوب:
٢٩ - اختلف الفقهاء فیمن عاهته الجنون،
سواء كان جنونه مطبقا أو متقطعا، هل تجب
(١) انظر الخرشى على مختصر خليل بحاشية العدوى
٣٢/٢.
(٢) الهداية مع فتح القدير ٣٤٥/١، الخرشى ٢/ ٩٠ شرح
الجلال على المنهاج مع حاشية القليوبى وعميرة
١/ ٢٦٦ - ٢٦٨، شرح منتهى الإرادات ٢٩٢/١.
عليه الزكاة وتخرج لوقتها، ولو كان أثناء جنونه
أم لا ؟
وتفصيل ذلك فى مصطلح : (زكاة ف
١١) ومصطلح : (جنون فقره ١٤) .
ثانيا: أثر العاهة فى الإِجزاء فى الزكاة :
٣٠ - الحيوان الذى أصيب بعاهة، كالعمى
والعور والهرم وغيرها من العاهات، اختلف
الفقهاء فى أخذه فى الزكاة، بعد أن اتفقوا
على عده على رب المال .
فذهب الجمهور إلى أن حيوانات النصاب
إذا كانت كلها معوهة مئوفة، فإن فرض
الزكاة يؤخذ من المعيب، ويراعى الوسط،
ولا يكلف رب المال شراء صحيحة لإِخراجها
فى الزكاة .
واستدلوا على هذا بما رواه ابن عباس
رضى الله عنهما: أن النبى ◌َّل لما بعث معاذا
إلى اليمن قال له: (إياك وكرائم أموالهم) (١)
وقوله مَ له ((ولكن من وسط أموالكم، فإن الله
لم يسألكم خيرها، ولم يأمركم بشرها)) (٢)
(١) حديث ابن عباس: ((إياك وكرائم أموالهم))
أخرجه البخارى (فتح البارى ٣٥٧/٣) ومسلم
(٥٠/١) .
(٢) حديث: ((ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم
خيرها .. )) .
أخرجه أبو داود (٢/ ٢٤٠) من حديث غاضرة قيس ،
وفى إسناده انقطاع ولكن وصله الطبرانى فى معجمه
الصغير (٣٣٤/١) .
- ٢٥١ -
عَامَة ٣٠ - ٣١
وأيضا فإن تكليف الصحيحة عن المراض
إخلال بالمواساة، ومبنى الزكاة عليها (١)،
وهذا هو قول الشافعی وأبی یوسف ومحمد،
والصحيح من مذهب الحنابلة (٢).
وذهب أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال
إلى أنه لا تجزىء إلا صحيحة، لأن أحمد
قال: لا يؤخذ إلا ما يجوز فى الأضاحى،
وللنهى عن أخذ ذات العاهة فی حدیث:
((ولا يخرج فى الصدقة هرمة، ولا ذات
عوا)).(٣)
وعلى هذا، فيشترى شاة صحيحة يخرجها
عن غنمه المراض والمعوهات، وقد ذهب إلى
هذا مالك، فقد نقلت المدونة قوله: يحسب
علی رب الغنم کل ذات عوار، ولایأخذ منها،
والعمياء من ذوات العوار، ولاتؤخذ فيها، ولا
من ذوات العوار، وسئل مالك: إن كانت
الغنم کلها قد جربت ؟ فقال: على رب المال
أن يأتيه بشاة فيها وفاء من حقه، وسئل:
وكذلك ذوات العوار إذا كانت الغنم ذوات
عوار كلها ؟ قال: نعم .
واستثنى مالك ما استثناه الرسول اَله فى
(١) المغنى ٦٠٠/٢.
(٢) المرجع السابق، والأم ٢ /٥، وفتح القدير ١٨٢/٢.
(٣) سبل السلام ١٢٤/٢، والمبدع ٣١٩/٢
وحديث: ((ولا يخرج فى الصدقة هرمة ولا ذات عوار)).
أخرجه البخارى (فتح الباري ٣٢١/٣) من حديث
أبى بكر .
حديثه السابق فقال: لايأخذ المصدق من
ذوات العوار إلا إذا رأى فى ذلك خيرا
وأفضل (١).
هذا كله إذا كانت حيوانات النِّصاب
كلها مريضة معوهة، أما إذا كانت صحيحة
فقد اتفقوا على أنه لا يجوز إخراج المعيبة عن
الصحيحة للحديث السابق .
وإن كان بعضها معيبا، وبعضها
صحيحا، فلا يقبل عنها فى الزكاة إلا
الصحيح .
وقد روى ابن قدامة عن ابن عقيل: أنه
إذا كان نصف ماله صحيحا، ونصفه الآخر
معیبا، كان له إخراج صحيحة ومعيبة،
قال: والصحيح فى المذهب خلافه (٢).
ثالثا: أثر عاهة الزرع فى الزكاة :
٣١ - اختلف الفقهاء فى أثر عاهة الزرع فى
الزكاة، واختلافهم هذا مبنى على اختلافهم
فى وقت وجوب الزكاة .
فعند أبى حنيفة تجب الزكاة بنفس
الخروج، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم
مِّنَ الأَرْضِ﴾ (٣) وعند أبى يوسف رحمه الله
تعالى بالإدراك (٤).
(١) المدونة ٣١٢/١.
(٢) المغنى ٢ /٦٠٠.
(٣) سورة البقرة / ٢٦٧ .
(٤) المبسوط للسرخسى ٢٠٦/٢.
- ٢٥٢ -
عَامَةٌ ٣١
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ
حَصَادِهِ﴾.(١)
وعند مالك : تجب الزكاة فى الزرع إذا
أفرك واستغنى عن الماء إذا بلغ نصابا . (٢)
وعند الشافعية: لا يجب العشر إلا بعد
بدوّ الصلاح (٣)، وهو معنى قول مالك إذا
أفرك، وهو الصحيح عند الحنابلة خلافا
لابن أبى موسى الذى قال: تجب زكاة الحب
يوم حصاده (٤). لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ
٠٥٠
يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ .
فإذا هلكت الزروع والثمار بعاهة قبل
وقت الوجوب فلا شىء عليه من الزكاة (٥).
وإذا هلكت بعد وقت الوجوب، فالحنفية
لایوجبون الزكاة فیما هلك، سواء کان هلاکه
بعد حصاده أو قبله ولم يشترط أبو حنيفة
النصاب، واشترطه الصاحبان وقالوا بعدم
الوجوب، لأن الواجب يسقط بهلاك محله،
والقول ببقاء الواجب بعد هلاكه يحيله إلى
صفة العسر (٦).
وعند مالك إذا هلكت الثمار والزروع قبل
(١) سورة الأنعام / ١٤١.
(٢) المدونة ٣٤٨/١.
(٣) التنبيه ٥٨، والمنهاج بشرح الجلال ٢٠/٢.
(٤) انظر المغنى ٧٠٢/٢ .
(٥) انظر المراجع السابقة .
(٦) فتح القدير ٢٠٢/٢.
أن يدخلها بیته، سواء كان ذلك قبل حصاده
وبعد وقت الوجوب، أو بعد حصادها، فإنه
لاشىء عليه فى هذا كله، إلا إذا بقى بعد
الهلاك نصاب .
وإذا جمعه بعد حصاده فی مکان، وعزل
منه العشر ليفرقه على المساكين فتلف فلا
شىء عليه إذا لم يفرط فى حفظه (١)
وذهب الشافعى إلى اعتبار التفريط
مقياسا، فإذا حصل الهلاك بعد أن حلت
الزكاة فمن فرط فى الحفظ أو فى تأخير الدفع
يعامل بتفريطه، وما هلك من ماله يحسب
عليه، وتلزمه زكاته، ومن لم يفرط : فإن هلك
من ماله لايحسب عليه فى الزكاة ولا تلزمه
زكاته، كما لا يحسب عليه ماهلك من أمواله
قبل الحول (٢).
ولا يستقر الوجوب عند الحنابلة إلا بجعل
الثمار فى الجرين، وبجعل الزرع فى البيدر،
فإن تلفت قبل ذلك بغير تعدّ منه سقطت،
ولا يحاسب على ماهلك، لأن الزكاة لم
تستقر، فأشبه مالو لم تتعلق به الزكاة
ابتداء (٣).
وإذا كان الهلاك بفعله أو بتفريطه ضمن
حق الفقراء فيما هلك من الأموال، فيحاسب
(١) المدونة ٣٤٤/١.
(٢) الأم ٤٤/٢ .
(٣) المبدع لابن مفلح ٣٤٦/٢.
- ٢٥٣ -
عَاهَةٌ ٣١ - ٣٦
عليها ويخرج عنها زكاتها، سواء تلف الكل أم
البعض .
أما إذا كان التلف لبعضها بدون تفريط،
فالمذهب أنه إن كان التلف قبل الوجوب فلا
شىء عليه فيما تلف وتلزمه الزكاة فى الباقى
إذا کان نصابا، وإن کان بعد وقت الوجوب
وجب فى الباقى بقدره مطلقا، سواء خرص أو
لم يخرص .
أثر العاهة فى الحج :
أولا: من به عاهة تمنعه من الحج :
٣٢ - من أصيب بعاهة تمنعه من الحج
كالمشلول والمقطوع ونحوهما .
فقد ذهب الفقهاء إلى أنه إذا مات قبل
التمكن من الأداء سقط الحج عنه، أما إذا
مات بعد التمكن من الأداء ففيه تفصيل
ينظر فى مصطلح : (حج ف ١٩) .
ثانيا: مالا يقبل فى الهدى لعاهة فيه :
٣٣ - ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجزىء فى الهدى
مالا يجزىء فى الأضحية من ذوات
العاهات، على خلاف وتفصيل ينظر فى :
أضحية فقرة ٢٦ و (هدى).
أثر العاهة فى المعاملات:
٣٤ - قد يصاب العاقدان أو أحدهما ببعض
العاهات التى تسقط الأهلية للتعاقد
كالجنون، أو تقصرها على بعض أنواع
التعامل، وقد شرح الأصوليون هذه العاهات
وعبروا عنها بعوارض الأهلية (١). ر: (أهلية)
و(بيع) فقرة ٢٦، والملحق الأصولى.
ومن الفروع التى يبحث تأثير العاهات
فيها مايلى :
أولا - بيع الثمرة قبل بدو صلاحها أو بعده
فتصيبها العاهة :
٣٥ - اختلف الفقهاء فى الثمرة تصيبها عاهة
بسبب جائحة، فتتلف الثمرة كلها أو
بعضها، وتفصيل ذلك فى مصطلح : (ثمار-
فقرة ١٧ وجائحة ٦ - ١٠) .
ثانيا - أثر العاهة فى استحقاق المعقود عليه
من الأجرة فى المساقاة :
٣٦ - ذهب الفقهاء إلى أنه إذا أصيبت الثمرة
أو الزرع بآفة أو جائحة فأتت على المحصول
کله فلا شىء للعامل، وإذا أهلكت البعض
جرى فيه الشرط المتفق عليه بين العامل
وصاحب الأرض (٢).
(١) راجع فى عوارض الأهلية التقرير والتحبير ١٧٢/٢،
والتنقيح والتوضيح ١٦٧/٢ وغيرها، المجموع للنووى
١٧١/٩، والمغنى ٥٦٦/٣، شرح الخرشى وحاشية
العدوى عليه ٤/٥، بدائع الصنائع ١٣٥/٥.
(٢) راجع سبل السلام ٧٧/٣، والمغنى ٤١١/٥، وحاشية=
- ٢٥٤ -
عامة ٣٧ - ٣٩
ثالثا: أثر العاهة تصيب المسْلَم فيه :
٣٧ - إذا لم يوجد المسلم فيه عند حلول
الأجل، بأن أصابته عاهة أو جائحة فانقطع
جنس المسلم فيه عند المحل ولم يمكن
تحصيله، فالحنفية يرون أن العقد باطل،
لأنهم يشترطون لصحة عقد السلم وجود
المسلم فيه عند العقد، وعند حلول الأجل،
وفيما بينهما .
والجمهور يرجحون تخيير المسلم مع بقاء
العقد صحيحا، لأن المسلم فيه يتعلق
بالذمة، فأشبه ما إذا أفلس المشترى بالثمن
لا ينفسخ العقد، ولكن للبائع الخيار.
وأيضا فإن العقد ورد على مقدور فى
الظاهر، وهذا يستوجب صحة العقد
وعروض الانقطاع كإباق العبد، وذلك
لايقتضى إلا الخيار (١).
وقد وافق الحنفية۔۔ غیر زفر۔ الجمهور فيما
إذا كان الانقطاع بعد حلول الأجل وقبل
التسليم، فقالوا: لايبطل العقد، والخيار
لرب المال: إن شاء فسخ، وإن شاء صبر
وانتظر وجوده (٢).
= القليوبى على المنهاج ٦٧/٣، والهداية مع فتح القدير
٤٧٠/٩ .
(١) انظر فتح العزيز الرافعى بشرح الوجيز هامش المجموع
٢٤٥/٩، والمبدع لابن ملفح ١٩٣/٤.
(٢) فتح القدير ٨٢/٧، وتبيين الحقائق ١١٣/٤، والشرح =
والشافعية والحنابلة وجه آخر، وهو: أن
العقد ینفسخ، وبه قال زفر ورواية عن
الكرخى، وذلك قياسا على مالو هلك المبيع
المعین قبل التسليم، لعدم إمکان التسلیم فى
کل، فإن الشىء کما لايثبت فى غير محله
لایبقی عند فواته (١).
رابعا: أثر العاهة فى النكاح:
٣٨ - قد يصاب الزوج أو الزوجة بعاهة قبل
عقد الزواج أو بعده، وقبل الدخول أو بعده،
وقد تناول الفقهاء أثر العاهة فى هذه الأحوال
فى فسخ النكاح أو إمضائه .
وتفصيل ذلك فى مصطلح : (نكاح،
وفرق النكاح) .
خامسا: أثر العاهة فى أحكام الجهاد:
٣٩ - يشترط الفقهاء فيمن يفرض عليه
أحكام الجهاد أن يكون قادرا عليه، فمن
لاقدرة له لا جهاد عليه، لأن الجهاد بذل
الجهد - وهو الوسع والطاقة - فى قتال أعداء
الله، لإعلاء كلمة الله، ومن لاوسع له ولا
طاقة عنده لايكلف بالجهاد .
= الصغير ٣٧٠/٤، والمغنى ٢٦/٤.
(١) فتح العزيز ٢٤٥/٩، وفتح القدير ٨٢/٧، وكشاف
القناع ٢٤٥/٣
- ٢٥٥ -
عَاهَةٌ ٣٩ - ٤٠، عِبَادَةٌ ١
وللتفصيل ينظر مصطلح :
(جهاد ف ٢١) .
الفرار ممن ابتلى بعاهة :
٤٠ - اختلفت الروايات عن النبى بَلَه فى
حكم اجتناب من ابتلى بعاهة الجذام ونحوه
من الأمراض التى تنتقل من المريض إلى
السليم .
وتفصيل ذلك فى مصطلح :
(جذام ف ٥ وما بعدها) .
عِبَادَةٌ
التعريف :
١ - العبادة فى اللغة : الخضوع، والتذلل
للغير لقصد تعظيمه ولا يجوز فعل ذلك إلا
لله، وتستعمل بمعنى الطاعة (١).
وفى الاصطلاح: ذكروا لها عدة تعريفات
متقاربة: منها :
١) - هى أعلى مراتب الخضوع لله،
والتذلل له ..
فعل
٢) - هيّ المكلف على خلاف هوى نفسه
تعظيما لربه .
٣) - هى فعل لايراد به إلا تعظيم الله
بأمره .
٤) - هى اسم لما يحبه الله ويرضاه من
الأقوال، والأفعال، والأعمال الظاهرة
والباطنة (٢).
(١) لسان العرب، تفسير الخازن فى تفسير سورة الفاتحة،
وتفسير البيضاوى فى سورة الفاتحة، التعريفات
للجرجانى .
(٢) المصادر السابقة .
- ٢٥٦ -
عِبَادَةٌ ٢ - ٥
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القربة :
٢ - القربة هى: مايتقرب به إلى الله فقط،
أو مع الإحسان للناس كبناء الرباط
والمساجد، والوقف على الفقراء والمساكين .
ب - الطاعة :
٣ - الطاعة هى : موافقة الأمر بامتثاله سواء
أكان من الله أم من غيره (١)، قال تعالى:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِ الأمرِ
مِنگُم﴾ (٢)
٤ - قال ابن عابدين: بين هذه الألفاظ
(العبادة - القربة - الطاعة ) عموم
وخصوص مطلق .
فالعبادة : مایثاب على فعله، وتتوقف
صحته على نية، والقربة: مايثاب على فعله
بعد معرفة من یتقرب إليه به، ولم يتوقف على
نية، والطاعة: ما يثاب على فعله توقف على
نية أم لا، عرف من يفعله لأجله، أم لا (٢).
فالصلوات الخمس، والصوم، والزكاة،
وكل ماتتوقف صحته على نية: عبادة،
وطاعة، وقربة .
(١) حاشية ابن عابدين ٢٣٧/٢.
(٢) سورة النساء / ٥٩.
(٣) حاشية ابن عابدين ٧٢/١ .
وقراءة القرآن، والوقف، والعتق،
والصدقة، ونحو ذلك مما لاتتوقف على نية:
قربة، وطاعة، لاعبادة .
والنظر المؤدى إلى معرفة الله تعالى:
طاعة، لاقربة، لأن المعرفة تحصل بعدها،
ولاعبادة لعدم توقفه على نيّة (١)، وقال
الزركشى من الشافعية: إن العبادة مشتقة
من التعبّد، وعدم النيّة لايمنع كون العمل
عبادة، وقال: وعندى أن العبادة، والقربة،
والطاعة تكون فعلا وتركا، والعمل المطلوب
شرعا يسمى عبادة إذا فعله المكلف تعبدا،
أو تركه تعبدا أما إذا فعله لابقصد التعبد،
بل لغرض آخر، أو ترك شيئا من المحرمات
لغرض آخر غير التعبّد فلا يكون عبادة (٢)
لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ
اللَّهِ﴾ (٣)
الأحكام المتعلقة بالعبادة:
العبادة لاتصدر إلا عن وحى:
٥ - المقصود من العبادة: تهذيب النفس
بالتوجه إلى الله، والخضوع له، والانقياد
لأحكامه بالامتثال لأمره، فلا تصدر إلا عن
(١) ابن عابدين ٧٢/١و٢٣٧/٢، وعزاه إلى شيخ الإسلام
زكريا الأنصارى .
(٢): البحر المحيط ٢٩٣/١ - ٢٩٤.
(٣) سورة الروم / ٣٨ .
- ٢٥٧ -
عِبَادَةٌ ٥ -٧
طريق الوحى بنوعيه: الكتاب الكريم، وسنة
النبى المعصوم الذى لاينطق عن الهوى، قال
تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْخَوَى، إِن هُوَ إِلاّ
وَحْىٌ يُوحَى﴾ (١).
أو بما يقرّه الله من اجتهاده له فقد جاء
فی الصحیح «من أحدث فى أمرنا هذا ماليس
منه فهو ردّ)» (٢) أما الأمور العادية التى تجرى
بين الناس لتنظيم مصالحهم الدنيوية،
فالمقصود منها: التوجيه إلى إقامة العدل
بينهم، ودفع الضرر، فيجوز فيها الاجتهاد
فيما لم يرد فيه نصّ، لتحقيق العدل، ودفع
الضرر .
والتفصيل فى الملحق الأصولى .
اشتراط النية فى العبادات:
٦ - لاخلاف بين الفقهاء فى اشتراط النية فى
العبادات لخبر ((إنما الأعمال بالنيات)) (٣)
والحكمة فى إيجاب النية فيها: تمييز العبادة
عن العادة، وتمييز رتب بعض العبادات
بعضها عن بعض، ولهذا قالوا : تجب النية
(١) سورة النجم / ٣ -٤.
(٢) حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد)).
أخرجه البخارى (فتح البارى ٣٠١/٥) ومسلم
(١٣٤٣/٣) من حديث عائشة .
(٣) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات))
أخرجه البخارى (فتح البارى ٩/١) ومسلم (١٥١٥/٣)
من حديث عمر بن الخطاب .
فى العبادة التى تلتبس بعادة، فالوضوء
والغسل يترددان بين التنظيف والتبرد
والعبادة، والإمساك عن المفطرات قد يكون
للحمية والتداوى، وقد يكون لعدم الحاجة
إليه، وقد يكون للصوم الشرعى، والجلوس
فى المسجد يكون للاستراحة ويكون
للاعتكاف، ودفع المال للغیر قد یکون صدقة
تطوع وقد يكون فرض الزكاة، فشرعت النية
لتمييز العبادة عن غيرها، والصلاة قد تكون
فرضا، أو نفلا، فشرعت النية لتمييز الفرض
عن النفل .
أما التى لاتلتبس بعادة، كالإِيمان بالله
والخوف، والرجاء، والأذان، والإقامة،
وخطبة الجمعة، وقراءة القرآن والأذكار فلا
تجب فيها النية لأنها متميزة بصورتها (١).
النيابة فى العبادات:
٧ - قسم الفقهاء العبادة فى هذا الصدد إلى
أقسام ثلاثة :
١ - عبادة بدنية محضة .
٢ - عبادة مالية محضة .
٣ - عبادة مترددة بينهما .
فالعبادة البدنية المحضة: كالصلاة
(١) مغنى المحتاج ٤٧/١، نهاية المحتاج ١٥٨/١، الأشباه
والنظائر للسيوطى ص ١٢، حاشية ابن عابدين
٢٨٠/١ - ٣٠٤، كشاف القناع ٢٦٠/٢.
- ٢٥٨ -
عِبَادَةٌ ٧ - ٩
والصوم، والوضوء، والغسل .. فالأصل
فيها امتناع النیابة، إلا ما أخرج بدلیل،
كالصوم عن الميت، لأن المقصود من
التكاليف البدنية الابتلاء، والمشقة، وهى
تحصل بإتعاب النفس والجوارح بالأفعال
المخصوصة، وهو أمر لايتحقق بفعل نائبه،
فلم تجزىء النيابة، إلا فى ركعتى الطواف
تبعا للنسك، ولو استناب فيهما وحدهما لم
يصح .
أما الصوم عن المیت فقد أخرج عن هذه
القاعدة لدلیل ورد فيه: فقد قال ابن عباس
رضى الله عنهما: ((جاءت امرأة إلى
رسول الله {﴾ فقالت: يارسول الله إن أمی
ماتت، وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟
فقال: أرأيت لو كان على أمك دين
فقضيته أكان ذلك يؤدى عنها؟ قالت: نعم،
قال: فصومى عن أمك)) (١): (ر: صوم) .
العبادة المالية: أما العبادات المالية
المحضة كالصدقة، والزكاة، والكفارات،
والنذر، والأضحية، ونحو ذلك فتصح فيها
النيابة، لأن دفع الزكاة إلى الإِمام إما
واجب، أو مندوب، ومعلوم أنه لايفرقها على
المستحقين إلا عن طريق النيابة .
(١) حديث ابن عباس: (جاءت امرأة إلى النبى ◌َله.
أخرجه مسلم (٨٨٠/٢) .
وأما العبادة المترددة بين المالية والبدنية
فتصح فيها النيابة عند العجزالدائم إلى
الموت، أو بعد الموت، وذلك كالحج (١).
وصف العبادة بالأداء، أوالقضاء، أو الإعادة:
٨ - العبادة: إن كان لها وقت محدود
الطرفين، ووقعت فى الوقت، ولم يسبق
فعلها مرة أخری فی الوقت فأداء، وإن سبق
فعلها فيه فإعادة، وإن وقعت بعد الوقت
فقضاء، أو قبله فتعجيل، فالصلوات
الخمس، وصوم رمضان، والحج،
والعمرة، والنوافل المؤقتة كلها توصف
بالأداء، وبالقضاء، وإن لم یکن لها وقت
محدود الطرفین، کالأمر بالمعروف، والنھی
عن المنكر، والتوبة عن الذنوب، وردّ
المظالم، فلا توصف بأداء، ولا قضاء وكذا
الوضوء، والغسل لايوصفان بأداء ولا قضاء،
والزكاة إن أخرجها قبل الحول يسمى
تعجيلا .
والتفصيل فى الملحق الأصولى .
جعل ثواب مافعله من العبادات لغيره:
٩ - ذهب علماء أهل السنة والجماعة: إلى أن
(١) البجيرمى على الخطيب ١١٣/٣ شرح المحلى مع
القليوبى ٣٣٨/٢،١٧٣/٣، المغنى ٩١/٥، حاشية
ابن عابدين ٢٣٧/١ -٤٩٣، جواهر الإكليل
١٦٣/١.
- ٢٥٩ -
عِبَادَةٌ ٩
للإنسان أن يجعل ثواب مافعله من عبادة
لغيره، وهذا محل اتفاق فى العبادات غير
البدنية المحضة كالصدقة، والدعاء،
والاستغفار، والوقف عن الميت، وبناء المسجد
عنه ، والحج عنه، إذا فعلها وجعل ثوابها
للميت (١) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
سَبَقُونَا بِالإِيمانِ﴾ (٢) وقوله جل شأنه:
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) ودعاء النبى بَّر: لكل ميت
صلى عليه، وسأل رجل النبى وَله : فقال:
يارسول الله، إن أمى ماتت أفينفعها إن
تصدقت عنها؟ قال: ((نعم)) (٤).
واختلفوا فى العبادات البدنية المحضة :
فقال الحنفية، والحنابلة: له أن يجعل
ثواب عبادته لغيره، سواء صحت فيها
النيابة، أم لم تصح فيها، كالصلاة،
والتلاوة ونحوها مما لاتجوز فيها النيابة،
(١) المغنى ٥٦٧/٢ - ٥٦٨، ابن عابدين
٢٣٦/٢،٦٠٥/١، نهاية المحتاج ٩٢/٦، مغنى
المحتاج ٩٦/٣، القليوبى ١٧٥/٣.
(٢) سورة الحشر / ١٠.
(٣) سورة محمد / ١٩ .
(٤) حديث: ((سأل رجل النبى : يارسول الله، إن أمى
ماتت .. )) .
أخرجه أبو داود (٣٠١/٣) من حديث ابن عباس،
والترمذى (٤٨/٣)
قال الترمذى: ((هذا حديث حسن)) .
وقالوا: وردت أحاديث صحيحة، فى
الصوم، والحج، والدعاء، والاستغفار
وهى : عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها
إلى الميت، وكذلك ما سواها، مع ماروى
فى التلاوة (١).
وقال الإِمام الشافعى: ماعدا الصدقة،
ونحوها مما يقبل النيابة كالدعاء،
والاستغفار، لايفعل عن الميت كالصلاة عنه
قضاء، أو غيرها، وقراءة القرآن، لقوله
تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّ مَا
سَعَى﴾ (٢) هذا هو المشهور عن الإِمام وهو
مذهب المالكية .
ولكن المتأخرين من الشافعية ذهبوا إلى
أن ثواب القراءة يصل إلى الميت وحكى
النووى فى شرح مسلم والأذكار وجهًا أن
ثواب القراءة يصل إلى الميت .
واختاره جماعة من أصحاب الشافعى
منهم ابن الصلاح والمحب الطبرى،
وصاحب الذخائر، وعليه عمل الناس (٣)،
و«مارأى المسلمون حسنا فهو عند الله
حسن)) (٤).
(١) المصادر السابقة.
(٢) سورة النجم / ٣٩.
(٣) المصادر السابقة، مغنى المحتاج ٦٩/٣، القليوبى
١٧٦/١٧٥/٣، جواهر الاكليل ١٦٣/١.
(٤) حديث: ((ما رأى المسلمون حسنا ... ))
=
- ٢٦٠ -