النص المفهرس
صفحات 161-180
ظَفَر بالحق ١٠ - ١٢ فأجاز الحنفية والمالكية والشافعية تحصيل الحقوق بغیر دعوی ولا حکم فی حالات معينة وبشروط خاصة . أما الحنابلة فالأصل عندهم اشتراط إذن الحاكم فى كل مرة يريد صاحب الحق أن یستوفى حقه بغير إذن المدين، ولهم على هذا الأصل استثناءات . وفيما يلى تفصيل ذلك: مذهب الحنفية : ١١ - ذهب فقهاء الحنفية إلى أن من كان له دین علی آخر، ولم یوفه إياه برضاه، فله أن يأخذ مقدار دينه من مال الغريم بشرط أن یکون هذا المال من جنس حقه، وأن یکون بنفس صفته، ولا يجوز لصاحب الدين أن یأخذ من دراهم غریمه بقدر حقه إن كان حقه دنانير، ولا أن يأخذ عينا من أعيان غريمه، ولا أن يستوفى منفعة من منافعه مقابل تلك الدنانیر التی له، وکذلك ليس له أن يأخذ الصحيح مقابل المنكسر، بل يأخذ مثل ماله من حيث الصفة أيضا(١) . ويروى عن أبى بكر الرازى من الحنفية أنه رأى جواز أخذ الدراهم بالدنانير استحسانا . (١) البحر الرائق ١٩٢/٧، قرة عيون الأخيار ٣٨٠/١. وظاهر قولهم أن لصاحب الحق أن يأخذ جنس حقه من المدین مقرا کان أو منکرا، وسواء أكان للدائن بينة أم لم یکن، کما يجوز له أن يتوصل إليه ليأخذه بنحو كسر الباب وثقب الجدار، بشرط أن لاتكون هناك وسيلة غير ذلك، وأن لايمكن تحصيل الحق بواسطة القضاء (١). قال ابن نجيم: إذا ظفر بمال مدیون مدیونه والجنس واحد فيهما ينبغى أنه يجوز أن یأخذ منه مقدار حقه (٢). ثم إذا أخذ الدائن من مال مدینه من غیر جنس حقه، وبغير إذنه وبغير قضاء، فتلف فی یده ، فإنه يضمن ما أخذ ضمان الرهن (٣). مذهب المالكية : ١٢ - ذهب المالكية إلی أن من كان له حق على غيره، وکان ممتنعا عن أدائه، فله أن یأخذ من مال المدین قدر حقه، إذا كان هذا المال من جنس حق الدائن، وكذا من غير جنسه، على المشهور من مذهب مالك (٤). (١) انظر المرجعين السابقين. (٢) البحر الرائق ١٩٢/٧، قرة عيون الأخيار ٣٨٠/١. (٣) انظر المرجعين السابقين .. (٤) الأحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام ص ٢٧، منح الجليل ٣٢١/٤. - ١٦١ - ظَفَر بالحق ١٢ وهناك أقوال أخری فی المذهب، منها: أن صاحب الحق ليس له أن يأخذ من مال الغريم غير جنس حقه، ومنها: أن له أن یأخذ مقدار حقه من مال غریمه من الجنس أو غيره، بشرط أن لا يكون المال المأخوذ وديعة عند الآخذ، لقول الرسول اله: ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك))(١) وقد ذكر فى منح الجليل أن هذا القول ضعيف غير معتمد، وأن المعتمد جواز أخذ الحق من الوديعة (٢). وقال المالكية إن جواز أخذ الحق من مال الغريم بغير إذن القاضى يشترط له أن لا يقدر صاحب الحق على أخذ حقه بطريق الشرع الظاهر، وذلك بأن لا یکون معه بينة، وأن يكون الذى عليه الحق منكِراً (٣). وأضاف صاحب تهذيب الفروق: إن جواز أخذ الحق بدون رفع إلى القاضى مقید بأن يكون الحق مجمعا علی ثبوته، وأن يتعين فيه بحيث لا يحتاج إلى الاجتهاد والتحرير فى تحقيق سببه ومقدار مسببه، وأن لايؤدى أخذه إلى فتنة وشحناء، وأن (١) حديث: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)» أخرجه أبو داود (٨٠٥/٣) والترمذى (٥٥٥/٣) من حدیث أبى هريرة وقال الترمذى: حديث حسن غريب . (٢) منح الجليل ٣٢١/٤ . (٣) تهذيب الفروق ١٢٣/٤، منح الجليل ٣٢١/٤. لايؤدى إلى فساد عرض أو عضو (١). واستدل المالكية على المعتمد من مذهبهم بما يلى : أ - قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَی عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢) ولا شك فى أن من كان عليه حق فأنكره وامتنع عن بذله فقد اعتدى، فيجوز أخذ الحق من ماله بغير إذنه وبغير حكم القضاء، فإن الشارع قد أذن بذلك . ب - حديث هند زوجة أبى سفيان، حيث أجاز لها رسول الله وال أخذ مايكفيها ویکفی بنیها بالمعروف من غیر إذن زوجها، وبدون رفع إلى الحاكم، (٣) وقالوا: إن هذا منه عليه الصلاة والسلام تشريع عام يجيز لكل ذی حق أن يأخذ حقه من غريمه بغیر إذن الحاكم إذا امتنع من عليه الحق من أدائه، لأنه عليه الصلاة والسلام قال ما قاله لهند على سبيل الفتيا والتشريع، وليس على سبيل القضاء (٤). ج - قول رسول الله ومثل: ((انصر أخاك (١) تهذيب الفروق ١٢٣/٤. (٢) سورة البقرة / ١٩٤. (٣) حديث هند زوجة أبى سفيان، تقدم تخريجه ف ٩ . (٤) الأحكام للقرافى ص ٢٧ . - ١٦٢ - ظَفَر بالحق ١٢ - ١٧ ظالما أو مظلوما)) (١)، وإن أخذ الحق من الظالم نصر له (٢) مذهب الشافعية : ١٣ - ذهب الشافعية: إلى أن مايستحقه الشخص على غيره إما أن یکون عينا وإما أن يكون دينا، والدين إما أن يكون على غير ممتنع من الأداء أولا، وكذلك إما أن يكون الدين على منكر أو على مقر، وإما أن تكون مع الدائن بينة أولا، وفى ذلك تفصيل على النحو التالى . أولا - إذا کان المستحق عينا: ١٤ - قال الشافعية إذا استحق شخص عينا تحت ید عادیة فلہ أو ولیہ ۔ إن لم یکن کامل الأهلية - أخذ العين المستحقة بلا رفع للقاضى وبلا علم من هى تحت يده للضرورة إن لم يخف من أخذها فتنة أو ضررا، وإلا رفع الأمر إلى قاض أو نحوه ممن له إلزام الحقوق كمحتسب وأمير لاسيما إن علم أن الحق لايتخلص إلا عنده . (١) حديث: ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)) أخرجه البخاری (فتح البارى ٩٨/٥) ومسلم (١٩٩٨/٤) من حديث أنس واللفظ للبخارى . وانظر موارد الظمان ص ٤٥٧، وحلية العلماء ٩٤/٣. (٢) تفسير القرطبى ص ٧٣٠ طبعة الشعب. ثانيا - إذا كان المستحق دينا على غير ممتنع من الأداء: ١٥ - قال الشافعية: إذا كان المستحق دينا حالا على غير ممتنع من الأداء طالبه به ليؤدى ماعليه ولا يحل أخذ شىء للمدين لأنه مخیر فی الدفع من أی مال شاء فلیس للمستحق أخذ مال معین له جبرا عنه، فإن أخذه لم يملكه ولزمه رده، فإن تلف عنده ضمنه . ثالثا - إذا كان المستحق على منكر ولا بينة : ١٦ - ذهب الشافعية إلى أن من استحق دينا على منكر له ولا بينة للمستحق للدين فإنه يجوز له أخذ جنس حقه من مال المدین أو من مال من عليه الحق إن ظفر به استقلالا ؛ لعجزه عن أخذه إلا بهذه الطريقة، وكذلك يجوز أخذ غیر جنسه إن فقد جنس حقه على المذهب وذلك للضرورة، وفی قول يمتنع، لأنه لایتمکن من تملكه . رابعا - إذا كان المستحق على مقر ممتنع أو علی منکر وله عليه بينة : ١٧ - قال الشافعية: إن كان المستحق دينا على مقر ممتنع من الأداء أو على منكر وللدائن - ١٦٣ - ظَفَر بالحق ١٧ - ٢١ عليه بينة فإنه يجوز له أن يأخذ حقه استقلالا من جنس ذلك الدین إن وجده ومن غيره إن فقده على الأصح فى الصورتين . وقيل يرفع الأمر فيهما إلى قاض كما لو أمكنه تخليص الحق بالمطالبة والتقاضى . خامسا - إذا کان المستحق دینا لله تعالى: ١٨ - قال الشافعية: إن كان المستحق دينا لله تعالی کالزکاة إذا امتنع المالك من أدائها وظفر المستحق بجنسها من مال المالك فليس له الأخذ . سادسا - كسر الباب ونحوه للوصول إلى المستحق : ١٩ - قال الشافعية: إذا جاز للمستحق الأخذ من غیر رفع لقاض فله حينئذ کسر باب ونقب جدار لايصل إلى المستحق إلا به؛ لأن من استحق شيئا استحق الوصول إلیه ولا یضمن مافوتهُ کمن لم يقدر على دفع الصائل إلا بإتلاف ماله فأتلفه لا يضمن، وأضافوا: محل ذلك إذا كان الحرز للدين، وغیر مرهون، لتعلق حق المرتهن به وألا يكون محجوزا عليه بفلس، وألا يتعلق به حق الغیر، وقید بعضهم جواز الکسر ونحوه بأن لا یوگّل غيره فإن فعل ضمن . سابعا - تملك مايظفر به صاحب الحق : ٢٠ - ذهب الشافعية: إلى أن ما يأخذه المستحق ظفرا بحقه إن كان من جنس الحق يتملكه بدلا عن حقه، أما المأخوذ من غير جنس الحق أو أعلى من صفته فإِنه يبيعه للحاجة، وقيل يجب رفعه إلى قاض يبيعه، لأنه لايتصرف فى مال غيره لنفسه، وقالوا: المأخوذ مضمون علیه فی الأصح إن تلف قبل تملكه وبيعه . وقال الشافعية: لايأخذ المستحق فوق حقه إن أمكنه الاقتصار على قدر حقه حصول المقصود به فإن أخذه ضمن الزائد، لتعديه بأخذه، وإن لم يمكنه بأن لم يظفر إلا بما تزید قیمته على حقه أخذه ولا یضمن الزيادة، ثم إن تعذر بيع قدر حقه فقط باع الجمیع وأخذ من ثمنه قدر حقه ورد مازاد علیه علی غريمه، وإن لم يتعذر باع منه بقدر حقه ورد مازاد . ثامنا - الظفر بمال غريم الغريم: ٢١ - قال الشافعية: للمستحق أخذ مال غريم غريمه بشروط هى: ألا يظفر بمال الغريم، وأن يكون غريم الغريم جاحدا أو ممتنعا، وأن يعلم المستحق الغريم أنه أخذ - ١٦٤ - ظَفَر بالحق ٢١ - ٢٢ حقه من مال غريمه، وأن يعلم غريم الغريم (١) . مذهب الحنابلة : ٢٢ - ذهب الحنابلة - كما قال ابن قدامة - إلى أنه إذا كان لرجل على غيره حق وهو مقر به باذل له لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا مایعطیه، فإن أخذ من ماله شيئا بغیر إذنه لزمه رده إليه وإن كان قدر حقه، لأنه لا يجوز أن يملك عليه عينا من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورة، وإن كانت من جنس حقه، لأنه قد يكون للإنسان غرض فى العين، فإِن أتلفها أو تلفت فصارت دينا فى ذمته وكان الثابت فى ذمته من جنس حقه تقاصا فی قیاس المذهب، وإن كان مانعا له لأمر يبيح المنع كالتأجيل والإعسار لم يجز أخذ شىء من ماله، وإن أخذ شيئا لزمه رده إن كان باقيا أو عوضه إن كان تالفا، ولا يحصل التقاص ههنا لأن الدين الذى له لايستحق أخذه فى الحال، وإن کان مانعا له بغير حق وقدر على استخلاصه بالحاكم أو السلطان لم يجز له الأخذ أيضا بغيره، لأنه قدر على استيفاء حقه بمن يقوم مقامه، فأشبه مالو قدر على استيفائه من وکیله وإن لم يقدر على (١) مغنى المحتاج ٤ / ٤٦١ - ٤٦٤. ذلك لكونه جاحدا له ولا بینة له به، أو لكونه لايجيبه إلى المحاكمة ولا يمكنه إجباره على ذلك، أو نحو هذا، فالمشهور فی المذهب أنه لیس له أخذ قدر حقه، وقال ابن عقيل: جعل أصحابنا المحدثون لجواز الأخذ وجها فى المذهب من حديث هند حين قال لها النبى وَل#: ((خذى مايكفيك وولدك بالمعروف)) (١). وقال أبو الحطاب: ويتخرج لنا جواز الأخذ فإن كان المقدور عليه من جنس حقه أخذ بقدره وإن کان من غیر جنسه تحری واجتهد فى تقويمه . قال ابن قدامة: ولنا قول النبى مَّدٍ : ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)) (٢) ومتی أخذ منه قدر حقه من ماله بغير علمه فقد خانه فيدخل فى عموم الخبر، وقال مَّه: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه)) (٣) ولأنه إِن أخذ من غير جنس حقه كان معاوضة بغير تراض، وإن أخذ من جنس حقه فليس له تعيين الحق (١) حديث: ((خذى مايكفيك وولدك بالمعروف)) تقدم ف ٩ . (٢) حديث: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك .. )) تقدم ف (١٢) . (٣) حديث: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه)) أخرجه أحمد (٤٢٥/٥)، والبيهقى (١٠٠/٦) من حديث أبى حميد الساعدى، وقال ابن حجر فى التلخيص (٤٦/٣): وحديث أبى حميد أصح ما فى الباب . - ١٦٥ - ظَفَر بالحق ٢٢ ، ظِلّ ١ - ٢ بغير رضا صاحبه، فإِن التعيين إليه (١). وأباح أحمد: فى رواية عنه أخذ الضيف من مال من نزل به ولم يُقْرِهِ بقدر قِرَآه، لظهور سبب الأخذ، ومتى ظهر السبب لم ينسب الآخذ إلى الخيانة، لما ورد عن عقبة بن عامر رضی الله عنه أنه قال: قلنا يارسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلايُقروننا، فما ترى ؟ فقال لنا رسول الله مثل: ((إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى (٢) لهم)) (٢). وقال طائفة من الحنابلة: إذا ظهر السبب لم يجز الأخذ بغير إذن لإِمكان البينة عليه، بخلاف ما إذا خفی علیه فإنه يتعذر وصول حقه إليه حينئذ بدون الأخذ خفية (٣). (١) المغنى لابن قدامة ٣٢٥/٩ - ٣٢٧. (٢) حديث: ((إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغى للضيف ... )) أخرجه البخارى (فتح البارى ٥٣٢/١٠) ومسلم (١٣٥٣/٣) من حديث عقبة بن عامر . (٣) القواعد والفوائد الأصولية ص ٣٠٩، والقواعد لابن رجب ص ٣١ . ظِلّ التعريف : ١ - الظل فى اللغة: نقيض الضح (الشمس أو ضوؤها)، قال الفيومى : كل ماکانت علیه الشمس فزالت عنه فهو ظل، ومثله مافى اللسان، وقال بعضهم: الظل ضوء شعاع الشمس إذا استترت عنك بحاجز(١). وفى الاصطلاح، قال الشربينى: الظل أصله الستر، ومنه: أنا فى ظل فلان، وظل الليل : سواده، وهو يشمل ماقبل الزوال ومابعده، (٢) ومثله ما ذكره ابن عابدين (٣). الألفاظ ذات الصلة : أ - الفيء : ٢ - الفىء: هو الرجوع. ويطلق على الظل من الزوال إلى الغروب (٤)، ويقال للفىء (١) المصباح المنير ولسان العرب. (٢) مغنى المحتاج ١٢٢/١. (٣) ابن عابدين على الدر المختار ٢٤٠/١. (٤) المصباح المنير، وابن عابدين ٢٤٠/١، ومغنى المحتاج ١٢٢/١. -١٦٦ - ظِلّ ٢ - ٥ التبع، لأنه يتبع الشمس (١) . ويفرق بعضهم بين الظل والفىء: بأن کل ماكانت عليه الشمس فزالت عنه فهو ظل وفىء، ومالم يكن عليه الشمس فهو ظل (٢)، وهذا قريب مما ذكره أبو هلال العسکری فی الفروق: بأن الظل یکون ليلا ونهارا، ولا يكون الفىء إلا بالنهار (٣). وقيل: الظل بالغداة، والفىء بالعشى (٤) . ويفرق الفقهاء بينهما بأن الظل: يشمل ما قبل الزوال وما بعده، والفىء: مختص بما بعده (٥) ب - الزوال : ٣ - الزوال لغة: التنحية، وفى الاصطلاح الفقهى : هو ميل الشمس عن كبد السماء أى وسطها، ويعرف بعد توقف الظل من الانتقاص، وإذا أخذ الظل فى الزيادة فالشمس قد زالت (٦)، وعلى هذا فالزوال سبب لطول الظل والفىء . (١) الفروق فى اللغة لأبى هلال العسكرى . (٢) المصباح المنير مادة (ظلل) . (٣) الفروق لأبى هلال العسكرى . (٤) لسان العرب (ظلل). (٥) ابن عابدين ٢٤٠/١، ومغنى المحتاج ١ / ١٢٢. (٦) ابن عابدين ٢٣٨/١، وبداية المجتهد ١ / ٤٨ ومغنى المحتاج ١٢١/١، والمغنى لابن قدامة ٣٧١/١ الحكم الإجمالى: أولا - الظل وأوقات الصلاة: ٤ - لاخلاف بين الفقهاء فى أن وقت صلاة الظهر يدخل بزوال الشمس ، واختلفوا فى آخر وقت الظهر وأوَّل وقت العصر . فقال جمهور الفقهاء : إن آخر وقت الظهر هو بلوغ ظل كل شىء مثله غير ظل الزوال، وهذا هو أول وقت العصر أيضا (١). والمشهور عن أبى حنيفة أن آخر وقت الظهر إذا صار ظل کل شیء مثلیه، سوی ظل الزوال، کما أن وقت العصر يدخل بهذا المقدار من الظل عنده (٢). وتفصيل الموضوع فى مصطلح: (أوقات الصلاة ف ٨، ٩) . ثانيا - التبول والتخلى فى الظل: ٥ - اتفق الفقهاء على أنه لايجوز التبول والتخلی فی ظل ینتفع به الناس، (٣) وذلك لما روی معاذ رضی الله عنه قال قال رسول وَال *: ((اتقوا الملاعن الثلاث: البراز فى (١) فتح القدير ١٩٢/١، وجواهر الإكليل ٣٢/١، ومواهب الجليل ٣٨٢/١، ومغنى المحتاج ١٢١/١، والمغنى لابن قدامة ٣٧١/١_٣٧٥. (٢) البدائع ١٢٣/١، والهداية مع فتح القدير ١٩٢/١ (٣) ابن عابدين ٢٢٩/١، وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير ١٠٧/١، ومغنى المحتاج ٤١/١، والمغنى لابن قدامة ١٦٥/١ ٠ - ١٦٧ - ظِلّ ٥ - ٧ الموارد، وقارعة الطريق، والظل)) (١) وفى حديث آخر قال رسول الله صلاته: ((اتقوا اللَّعَانَيْن ، قالوا وما اللَّعَّنانِ يارسول الله؟ قال: الذى يتخلى فى طريق الناس أو فى ظلهم)) (٢). والظاهر من كلام الفقهاء أن النهى للكراهة واستظهر الدسوقى التحريم حيث قال: والظاهر أن قضاء الحاجة فى المورد والطريق والظل وما ألحق به حرام (٣). ومثله مانقله الشربینی من کلام النووی فی المجموع من أنه ينبغى حرمته للأخبار الصحيحة، ولإيذاء المسلمين (٤). ويلحق بالظل فى الصيف محل الاجتماع فى الشمس فى الشتاء، كما صرح به الفقهاء (٥) . قال ابن عابدين: وينبغى تقييده بما إذا لم يكن محلا للاجتماع على محرم أو مكروه (٦). (١) حديث معاذ: ((اتقوا الملاعن الثلاث ... )). أخرجه أبو داود (٢٩/١) والحاكم (١٦٧/١) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. والمورد : الطريق، وقارعة الطريق: أعلاه، وقیل: صدره، وقيل: مابرز منه . (٢) حديث: ((اتقوا اللّعانین ؟ قالوا : وما اللعانان)) أخرجه مسلم (٢٢٦/١) من حديث أبى هريرة . (٣) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ١٠٧/١. (٤) مغنى المحتاج ٤١/١. (٥) ابن عابدين ٢٢٩/١، والدسوقى ١٠٧/١ ومغنى المحتاج ٤١/١ . (٦) ابن عابدين ٢٢٩/١. ثالثا: استظلال المُحْرِمِ : ٦ - لاخلاف بين الفقهاء فى جواز استظلال المُحْرِمِ بما لايلامس الوجه، كبناء من حائط وسقف وقبو وخيمة ونحوها کالمحمل فيجوز الاستظلال بظله الخارج، كما يستظل بالحائط، نازلا أو سائرا، سواء بجانبه أو تحته عند الجمهور . وجواز الاستظلال بما إذا كان ما يتظلل به ثابتا فى أصل تابع له متفق عليه بين الفقهاء، ودلیل الجواز هو ماورد فی حدیث جابر رضی الله عنه حیث قال فی حدیث حجة النبى وَله: ((وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس .. ))(١). أما إذا لم يكن المظل ثابتا فى أصل يتبعه ففيه خلاف وتفصيل ينظر فى مصطلح: (إحرام ف ٦٣) . رابعا: الجلوس بين الضح والظل : ٧ - يكره الجلوس بين الضح والظل، لحديث أن النبى وَلقوله ((نهى أن يجلس بين الضح (١) المغنى ٣٨/٣، وابن عابدين ١٦٤/٢، حاشية الدسوقى ٥٦/٢، ٥٧ وحديث: ((وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة .. )) أخرجه مسلم (٨٨٩/٢) من حديث جابر بن عبدالله . - ١٦٨ - ظِلّ ٧، ظلم ١ - ٣ والظل وقال: مجلس الشيطان)) (١) وقال ابن منصور لأبى عبدالله: يكره الجلوس بين الظل والشمس ؟ قال: هذا مكروه، أليس قد نهى عن ذا ؟ قال إسحاق بن راهويه : صح النهی فیه عن النبى مَلهم . قال سعید: حدثنا سفيان عن إسماعيل ابن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال: ((رأى رسول الله ◌َ لتر أبى فى الشمس فأمره أن يتحول إلى الظل)). وفى رواية عن قيس عن أبيه أنه جاء ورسول الله وَ لا يخطب، فقام فى الشمس، فأمر به فحول إلى الظل (٢). (١) حديث: ((نهى أن يجلس بين الضح والظل)) أخرجه أحمد بن حنبل (٤١٤،٤١٣/٣) وحسن إسناده البوصيرى فى الزوائد (٢٥١/٢) . (٢) الآداب الشرعية ١٦٠/٣ طبعة أولى - المنار. وحديث قيس بن أبى حازم «رأى رسول الله ◌َلا أبى فى الشمس .. ))عزاه ابن مفلح فى الآداب الشرعية (١٦٠/٣) إلى سعيد بن منصور، ونقل عن إسحاق بن راهويه أنه قال: صح النهی فیه عن النبی گۇ، ورواية قیس عن أبيه أنه جاء ورسول الله # يخطب . أخرجه أبو داود (١٦٣/٥) وجود إسناده ابن مفلح فى الآداب الشرعية (١٦٠/٣٣) . ظُلم التعريف : ١ - أصل الظلم فى اللغة: وضع الشىء فى غير موضعه، والجور ومجاوزة الحد والميل عن القصد، ثم کثر استعماله حتی سمی کل عسف ظلما (١). ولا يخرج فى الاصطلاح عن معناه اللغوى (٢). الألفاظ ذات الصلة : أ - البغى: ٢ - من معانى البغى فى اللغة: الظلم والفساد والاستطالة على الناس .. ولا يخرج المعنى الاصطلاحى فى الجملة عن المعنى اللغوى (٣) . ب - الإكراه : ٣ - الإكراه لغة: من الكُرہ ۔ بالضم - (١) لسان العرب، والمصباح المنير، وجمهرة اللغة مادة: (ظلم). (٢) فتح القدير ٤٣٣/٥. (٣) المصباح المنير، ولسان العرب مادة (بغى) والموسوعة الفقهية (بغاة) ١٣٠/٨. - ١٦٩ - ظلم ٣ - ٤ بمعنی القهر، أو من الگره ۔ بالفتح - بمعنی المشقة، وأكرهته على الأمر إكراها : حملته عليه قهرا (١) . وعرفه الفقهاء: بأنه فعل يفعله المرء بغيره فینتفی به رضاه أو يفسد به اختياره . انظر مصطلح : (إكراه ف/٩٨) . والصلة بين الظلم والإِكراه: أن الإِكراه يكون صورة من صور الظلم إذا كان بغير حق (٢). الحكم التكليفى : ٤ - الظلم محرم، دل على حرمته الكتاب والسنة والإِجماع . أما الكتاب فمنه قوله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا. إِلَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ﴾ (٤). وأما السنة فمنها: حديث أبى ذَرِّ رضى الله عنه عن النبى صل فيما روى عن الله (١) المصباح المنير. (٢) الفروق لأبى هلال العسكرى ص ١٩٢ . (٣) سورة النساء/ ١٦٨، ١٦٩. (٤) سورة هود/ ١١٣ . تعالى أنه قال: «یاعبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .. )) الحديث، (١) وعن أبى هريرة رضی الله عنه قال قال رسول الله وَالتر: ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شىء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا یکون دینار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تکن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) (٢). وأجمع الفقهاء على تحريم الظلم، قال ابن الجوزى: الظلم يشتمل على معصيتين : أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة، والمعصیة فیه أشد من غيرها، لأنه لايقع غالبا إلا بالضعيف الذى لايقدر على الانتصار، وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب، لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذى حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم، حيث لايغنى عنه ظلمه شيئا (٣). (١) حديث: ((قال الله: ياعبادى إنى حرمت الظلم على نفسی .. » أخرجه مسلم (٤ /١٩٩٤) من حديث أبى ذر. (٢) حديث :: ((من كانت له مظلمة لأخيه .. )). أخرجه البخارى (فتح البارى ١٠١/٥) من حديث أبى هريرة . (٣) فتح البارى ١٠٠/٥ . - ١٧٠ - ظلم ٥ - ٦ أثر الظلم فى ترك الجمعة والجماعة: ٥ - ذهب الفقهاء إلى اعتبار الخوف من الظالم عذرا من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجمعة والجماعة، لأن الأمن من الظالم شرط فیھما، فکل من خاف على نفسه أو عرضه أو ماله، أو مال غيره ممن يلزمه الذب عنه، أو خاف على دينه كخوفه إلزام قتل رجل أو ضربه، أو أن يحبس بحق لاوفاء له عنده - لأن حبس المعسر ظلم - فكل من كان هذا حاله يعذر فى تخلفه عن الجمعة والجماعة . ولاعذر لمن يطالب بحق هو ظالم فى منعه، بل عليه الحضور للجمعة، وعليه توفيق ذلك الحق، ولاعذر لمن وجب علیه حد لجناية ارتكبها (١). أخذ المال ظلما من الحاج : ٦ - اعتبر بعض الفقهاء أمن الطريق من شروط وجوب الحج، واعتبره آخرون شرطا للأداء، لا شرطا لنفس الوجوب . انظر التفصيل فى مصطلح : (أمن ف /٩، ومصطلح حج ف٢١) . واختلفوا فى وجوب دفع الرصدی بالمال، (١) حاشية الطحطاوى على مراقى الفلاح ص ٢٧٥، حاشية ابن عابدين ٥٤٨/١، الزرقانى شرح خليل ٦٧/٢، حاشية القليوبى وعميرة ٢٢٧/١ و ٢٦٨، كشاف القناع ٤٩٥/١، ٤٩٦ و٢٣/٢. وأثر ذلك فى تحقق شرط وجوب الحج وهو(أمن الطريق))، على اعتبار أن ترصد الحاج لأخذ ماله أو التعدى على نفسه وحمله على دفع رشوة أو مكس أو خفارة من الظلم المانع من تحقق هذا الشرط . فذهب الحنفية فى المعتمد، والمالكية فى الأظهر، والشافعية فى الوجه المعتمد، والحنابلة فى مقابل الصحيح من المذهب: إلى عدم سقوط الوجوب إذا اندفع شر الرصدى بدفع الرشوة أو المكس أو الخفارة، وهذا من حيث الجملة، ولكل منهم تفصيل فى مذهبه . فذهب الحنفية إلى أنه لايسقط وجوب أداء الحج إذا اندفع الشر بدفع الرشوة، فيتحقق بذلك شرط الأمن، والإِثم على الآخذ لا على المعطى، لأن المعطى مضطر للدفع ضرورة الدفع عن نفسه أو ماله، كما أنه مضطر لإسقاط الفرض عن نفسه . وعند المالكية: يستثنى من شرط أمن الطريق الظالم الذى يأخذ المكوس على الحجاج، فإن الحج لايسقط وجوبه بأخذ المکس بشرطين: الأول: أن لاينكث، والثانى: أن يكون المكس قليلا لا يجحف . ووجه جواز الدفع للمكاس: أن الرجل - ١٧١ - ظلم ٦ بإجماع الأمة يجوز له أن یمنع عرضه ممن بهتكه بماله، وقالوا: كل ماوقى به المرء عرضه فهو صدقة، فكذلك ینبغی أن یشتری دینه ممن يمنعه إياه ولو كان ظالما، كما لو قال الرجل لآخر: لا أمكنك من الوضوء والصلاة إلا بجُعل لوجب عليه أن يعطيه إياه . وحاصل مذهب المالكية: أن وجوب الحج يسقط بأخذ الظالم مالا من الحاج فى صورتين: الأولى أن يأخذ قليلا غیر مجحف، وکان ینکث . والثانية: أن يأخذ کثیرا مجحفا، نکث أم لم ینکث . وعند الشافعية أن وجوب الحج لا يسقط إذا كان من يدفع المال للرصدى هو الإِمام أو نائبه، بخلاف الأجنبى، وذلك للمنّة . كما يسقط الوجوب إذا تعين على الحاج أن يعطى مالا للرصدى ولو كان يسيرا، إذا لم يكن له طريق سوى طريق الرصدى، ويكره له إعطاء المال للرصدی، لأنه يحرضه على التعرض للناس، سواء آکان مسلما ام کافرا ومحل الكراهة إذا كان قبل الإِحرام، إذ لاحاجة لارتكاب الذل حينئذ، أما بعد الإِحرام فلايكره، لأنه أسهل من القتال أو التحلل . وعند الحنابلة أن الحاج يلزمه السعى للحج وإن كان مضطرا لدفع الظالم عن نفسه بالرشوة أو المكس أو الخفارة، بشرط أن تکون یسیرة لاتجحف بماله، لأنها غرامة يقف إمكان الحج على بذلها، فلم يمنع وجوب الحج مع إمكان بذلها، كثمن الماء وعلف البهائم، وبشرط أن یأمن غدر المبذول له . ومذهب الحنابلة متفق مع مذهب المالكية فى اشتراط عدم الإِجحاف وعدم النكث والغدر . وذهب الحنفية فى قول آخر، والمالكية فى مقابل الأظهر، والحنابلة فى الصحيح من المذهب إلى أنه لا يجوز إعطاء الرصدى الظالم مالا، ويسقط وجوب الحج والسعى إليه إذا اضطر الحاج لدفع الرشوة لمنع الظلم عن ماله ونفسه، وذلك لفقده شرط الأمن، وحتى لا تكون الطاعة سببا للمعصية، ويأثم بالدفع، لأنه هو الذى ألزم نفسه بالإِعطاء، ولأن مايعطيه خسران لدفع الظلم، فمايؤخذ منه فى ذلك بمنزلة مازاد عن ثمن المثل وأجرته . ويستوى فى ذلك كثير الرشوة ويسيرها (١). (١) حاشية ابن عابدين ١٤٤/٢، وبدائع الصنائع ٢١٣/٣، وفتح القدير ٣٢٨/٢، ومواهب الجليل ٤٩٥/٢، وحاشية الدسوقى ٦/٢، ونهاية المحتاج ٢٤٠/٣ - ٢٤٢، وحاشية القليوبى وعميرة ٨٨/٢، والمغنى ٢١٨/٣، والإنصاف ٤٠٧/٣، وكشاف القناع ٣٩٢/٢. - ١٧٢ - ٠٠ ... ظلم ٧ - ٩ الظلم فى القسم بين الزوجات: ٧ - ذهب الفقهاء إلى وجوب العدل بين الزوجات فى المبيت . واختلفوا فى لزوم القضاء إذا جار الزوج فلم يقسم لإحدى زوجاته، أو قسم لإِحداهن أكثر من الأخرى . وفى تفصيل ذلك ينظر مصطلح: (قسم بين الزوجات) . أخذ الظالم الوديعة قهرا: ٨ - ذهب الفقهاء إلى أن الظالم إذا أخذ الوديعة قهرا من المودَع فإنه لايضمن . وفى ذلك تفصيل ينظر فى: (ضمان، غصب، وديعة) . الامتناع عن دفع مال فرِضَ ظلما: ٩ - لم نجد للحنفية نصا صريحا فى المسألة، لكن يفهم من كلامهم أن الإمام إذا فرض على الناس مالا ظلما لاشبهة فيه لايجب عليهم الدفع . قال الكمال بن الهمام: يجب علی کلّ من أطاق أن يقاتل مع الإِمام، إلا إن أبدى من يقاتلهم الإِمام ما يجوّز لهم القتال، كأن ظلمهم أو ظلم غیرهم ظلما لا شبهة فيه، بل يجب أن یعینوهم حتی ینصفهم ويرجع عن جوره، بخلاف ما إذا كان الحال مشتبها أنه ظلم، مثل تحميل بعض الجبايات التى للإِمام أخذها وإلحاق الضرر بها لدفع ضرر أعم منه (١). وعند المالكية: إذا كلف الإِمام أو نائبه الناس بمال ظلما فامتنعوا عن إعطائه، فاستظهر البنانى منهم أن تعريف ابن عرفة للبغى يقتضى أنهم بغاة لأنه لم يأمرهم بمعصية، وإن حرم عليه قتالهم لأنه جائر . أما تعريف خليل للبغاة فيقتضى أنهم غير بغاة لأنهم لم يمنعوا حقا ولا أرادوا خلعه (٢). وذهب الشافعية إلى أن ماكلفهم به من مال ظلما لم يتوجه عليهم، فلا يعتبر امتناعهم عن دفعه بغيا، لكن يتوجه عليهم وجوب دفعه فيما إذا ترتب على عدمه ضرر أعظم مماطلبه، فإن الإِمام إذا أكره أحدا من الرعية على حرام أو مكروه - مجمع عليه، أو عند المأمور فقط - فلا لوم على فاعله، وإن كانت مفسدة ما أكره عليه أقل امتنعت المخالفة. ويدل على وجوب الدفع فى هذه الحالة حديث أبى داود: ((سيأتيكم ركيب مبغضون، فإن جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا ٠ (١) فتح القدير٤ / ٤١١ . (٢) الزرقانى شرح مختصر خليل مع حاشية البنانى ٦٠/٨. - ١٧٣ - ظلم ٩ - ١٢ بينهم وبين مايبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زکاتکم رضاهم، ولیدعولكم» (١)فدل علی وجوب الدفع، وعدم منازعتهم، وكف ألسنتنا عنهم (٢) . عزل الحاكم بسب ظلمه : ١٠ - ذهب الفقهاء إلى أن الإِمام لايعزل بالجوْر والظلم، ولهم فى ذلك خلاف وتفصيل ينظر فى مصطلح : (الإِمامة الكبرى) ف ١٢، ٢٣ ومصطلح: (عزل) . أثر القتل ظلما فى شهادة المقتول: ١١ - ذهب الفقهاء إلى أن للظلم أثرا فى الحكم على المقتول بأنه شهيد، ويقصد به غير شهيد المعركة مع الكفار، ومن صور القتل ظلما: قتيل اللصوص والبغاة وقطاع الطرق، أو من قتل مدافعا عن نفسه أو ماله أو دمه أو دينه أو أهله أو المسلمين أو أهل الذمة، أو من قتل دون مظلمة، أو مات فى السجن وقد حبس ظلما . (١) حديث: ((((سيأتيكم ركيب مبغضون ... )) أخرجه ابو داود (٢٤٥/٢) من حديث جابر بن عتيك، وذکر الذهبى فى ميزان الاعتدال (١ /٣٦٦) تضعيف أحد رواته . (٢) حاشية الشرقاوى على تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب ٣٩٨/٢ ط البابى الحلبى . الباب الحلبى . واختلفوا فى اعتباره شهيد الدنيا والآخرة، أو شهيد الآخرة فقط؟ فذهب جمهور الفقهاء: إلى أن من قتل ظلما یعتبر شهید الآخرة فقط، له حکم شهید المعركة مع الكفارفى الآخرة من الثواب، ولیس له حكمه فى الدنيا، فيغسل ويصلى عليه (١). وذهب الحنابلة فى المذهب: إلى أن من قتل ظلما فهو شهيد يلحق بشهيد المعركة فى أنه لایغسل ولایصلی علیه، لقول سعيد بن زيد رضى الله عنه: سمعت النبى وَلِ ر: يقول ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دینه شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)(٢) ولأنهم مقتولون بغير حق فأشبهوا من قتلهم الكفار (٣). أثر القتل ظلما فى إيجاب القصاص: ١٢ - اتفق الفقهاء على أن قتل المؤمن ظلما (١) حاشية ابن عابدين ٦٠٨/١، ٦١١، مواهب الجليل ٢٤٧/٢، ٢٤٨، المدونة ١٨٤/١، كشاف القناع ١٠٠/٢، الإنصاف ٥٠١/٢، ٥٠٢، ٥٠٣، مغنى المحتاج ٣٥٠/١. (٢) حديث: (من قتل دون ماله فهو شهيد .. )) أخرجه أبو داود (١٢٨/٥-١٢٩) والترمذى (٣٠/٤) من حدیث سعید بن زيد واللفظ للترمذی، وقال الترمذى حديث حسن صحيح . (٣) كشاف القناع ١٠٠/٢، والإنصاف ٥٠١/١، ٥٠٢، ٥٠٣ . - ١٧٤ - ظلم ١٢ - ١٤ من الكبائر، واتفقوا على أن القتل العمد ظلما عدوانا موجب للقصاص، وخرج بقيد الظلم: القتل بحق أو بشبهة من غير تقصير . واشترط الفقهاء لصحة القصاص أن يكون المقتول معصوما محقون الدم ليتحقق الظلم، لقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ (١) أى بغير سبب يوجب القتل، ولأن القصاص إنما شرع حفظا للدماء المعصومة وزجرا عن إتلاف البنية المطلوب بقاؤها، فلا يجب قصاص ولا دية ولا كفارة بقتل حربى، ولامرتد قبل التوبة، ولا بقتل زان محصن، ولا محارب قاطع طريق تحتم قتله ولا تارك الصلاة بعد أمر الإِمام له بها(٢). وللتفصيل انظر مصطلح: (قصاص) . نسبة الظلم إلى الله سبحانه وأثرها فى الردة : ١٣ - اتفق الفقهاء على أن نسبة الظلم إلى الله سبحانه وتعالى من موجبات الحكم بالردة فلو قال شخص لغيره : لا تترك الصلاة فإن (١) سورة الإسراء/ ٣٣. (٢) نهاية المحتاج ٢٣٥/٧، حاشية الجمل ٢/٥، ٥، كشاف القناع ٥٢١/٥، تفسير القرطبى ٢٥٤/١٠، حاشية الدسوقى ٢٣٧/٤، الخرشى على خليل ٥/٨، البحر الرائق ٣٢٧/٨، حاشية ابن عابدين ٣٤٢/٥ . الله تعالی یؤاخذك فقال: لو آخذنی الله بها مع مابى من المرض والشدة ظلمنى، فإنه يكون مرتدا . وينظر تفصيل ذلك فى مصطلح : (ردة ف ١٤) . الغيبة للشكوى من الظلم : ١٤ - لا تباح الغيبة إلا عند الضرورة ، ومن بينها التظلم عند الحاكم والقاضى وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه ممن ظلمه، فیقول: ظلمنی فلان، أو فعل بی كذا . وذلك لقوله تعالى: ﴿لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَولِ إِلَّ مَنْ ظُلِمَ﴾(١). ومن بين الضرورات المبيحة للغيبة الاستفتاء، بأن يقول للمفتى : ظلمنى فلان بكذا وكذا فما طريق الخلاص؟ والأسلم أن يقول: ماقولك فی رجل ظلمه أبوه أو ابنه أو أحد من الناس كذا وكذا، ولكن التصريح مباح بهذا القدر، لأن المفتى قد يدرك مع تعيينه مالا يدرك مع إبهامه، (٢) وقد جاء فى الحديث المتفق عليه، أن هند بنت عتبة رضى الله عنها قالت للنبي وسلم: ((إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطينى (١) سورة النساء /١٤٨. (٢) حاشية ابن عابدين ٢٦٢/٥، ٢٦٣، روضة الطالبين ٣٣/٧ . - ١٧٥ - ظلم ١٤ - ١٦ مایکفینی وولدی إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم؛ فقال: خذى مايكفيك وولدك بالمعروف)»(١). وانظر مصطلح: (غيبة) . الدعاء على الظالم: ١٥ - للمظلوم أن يدعو على ظالمه بقدر مايوجبه ألم ظلمه، ولايجوز له الدعاء على من شتمه أو أو أخذ ماله بالكفر لأنه فوق مایوجبه ألم الظلم، ولو كذب ظالم عليه فلا يجوز له أن یفتری علیه، بل یدعو الله فیمن یفتری عليه نظير افترائه عليه، وكذا إن أفسد عليه دینه فلا يفسد عليه دينه، بل يدعو الله عليه فيمن يفسد عليه دينه، هذا مقتضى التشبيه، والتورع عنه أفضل، قال الإِمام أحمد: الدعاء قصاص ومن دعا على من ظلمه فما صبر يريد أنه انتصر لنفسه (٢) لقوله وصلة: ((من دعا على من ظلمه فقد انتصر)) (٣) وذهب العلامة ابن قاسم من الشافعية (١) حديث: ((خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف .. )) أخرجه البخاری (فتح الباری ٥٠٧/٩) ومسلم (١٣٣٨/٣) من حديث عائشة . (٢) مطالب أولى النهى ٩٨/٤ . (٣) حديث: ((من دعا على من ظلمه فقد انتصر)) أخرجه الترمذى (٥٥٤/٥) من حديث عائشة، وذكر الذهبى فى ميزان الاعتدال (٢٣٤/٤) تضعيف أحد رواته . إلى جواز الدعاء على الظالم بسوء الخاتمة. (١) وللتفصيل انظر مصطلح (دعاء ف ١٨) . ولاية المظالم : ١٦ - ولاية المظالم هى إحدى وظائف الدولة، وتختص بالنظر فى المظالم وردها إلى أصحابها . قال الماوردى : ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة (٢) فمدار الأمر فى العمل بهذه الولاية قائم على قوة السلطان ومنعته، ولذا يشترط فى الناظر فى المظالم: أن يكون جليل القدر مهابا، نافذ الأمر، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع، لأنه يحتاج فى نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة، وإذا كان الناظر فى المظالم ممن يملك الأمور العامة كالوزراء والأمراء لم يحتج النظر فيها إلى تقليد وتولية، فإن كان ممن لم يفوض إليه النظر العام احتاج إلى تقليد وتولية . يقول ابن خلدون فى بيان هذه الوظيفة : النظر فى المظالم وظيفة ممتزجة من سطوة (١) حاشية الجمل على شرح المنهج ١٢٢/٥. (٢) الأحكام السلطانية للماوردى ص ٧٧ . - ١٧٦ - ظلم ١٦ - ١٧ السلطنة ونصفة القضاء، وتحتاج إلى عُلُوِ يَدٍ وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المعتدى، وكأنه يمضى ماعجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه (١). وقد تولى النبى ◌َ﴿ النظر فى المظالم بنفسه، وذلك فى الشرب الذى تنازع فيه الزبيربن العوام رضى الله عنه ورجل من الأنصار فقال ◌َله: ((اسق يازبير، ثم أرسل الماء إلى جارك)) فغضب الأنصارى، فقال: یارسول الله أن کان ابنَ عمتك؟ فتلون وجه النبى و 18 ثم قال: ((يازبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع الى الجدر)) (٢). وإنما قال له هذا أدبا له لجرأته عليه (٣). وللتفصيل ينظر مصطلح: (ولاية المظالم) تكريم الظالم وإعانته : ١٧ - يقصد بذلك التصرفات التى تدل على تكريم الظالم وإعانته على ظلمه، كإجابة (١) مقدمة ابن خلدون ص ٢٢٢. (٢) حديث: ((اسق يازبير ثم أرسل الماء إلى جارك .. )). أخرجه البخارى (فتح البارى ٣٩/٥) ومسلم (٤ /١٨٢٩ - ١٨٣٠) من حديث عروة بن الزبير، واللفظ لمسلم . (٣) الأحكام السلطانية ص ٧٧، ٨٠ - ٨٣، المنهج المسلوك فى سياسة الملوك ص ٥٦٢ - ٥٧٢، بدائع السلك فى الملك ٢٣٢/١- ٢٣٩. دعوته، وتقبيل يده، ودفع رشوة له، وإعانته على ظلمه، فتنظر أحكامها فى مصطلحاتها : (دعوة ف ٢٧، تقبيل ف ٨، رشوة ف ٧، إعانة ف ١١، ردء ف ٤-٧) . ٠٠٠ - ١٧٧ - ظَنّ ١ - ٢ ظَنّ التعريف : ١ - الظنّ فى اللغة: مصدر ظن، من باب قتل وهو خلاف اليقين، وقد يستعمل بمعنى اليقين، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مَّلَاقُوا رَبِهِمْ﴾ (١) ومنه المَظِنَّة بكسر الظاء للمَعْلم وهو حيث يعلم الشىء، والجمع المظان، قال ابن فارس مَظِنَّةُ الشىء موضعه ومألفه، والظِنة بالكسر: التهمة (٢). والظن فى الاصطلاح - كما عرفه الجرجانى - هو: الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل فى اليقين والشك، وقيل: الظن أحد طرفى الشك بصفة الرجحان ، (٣) وذكر صاحب الكليات: أن الظن من الأضداد، لأنه یکون یقینا ویکون شگّا، کالرجاء يكون أمنا (١) سورة البقرة / ٤٦ . (٢) الصحاح واللسان والمصباح . (٣) التعريفات للجرجانى . وخوفا، ثم ذكر أن الظن عند الفقهاء من قبیل الشك، لأنهم یریدون به التردد بين وجود الشىء وعدمه، سواء استويا أو ترجح أحدهما (١). ومثله ماقاله ابن نجيم (٢). ونقل أبو البقاء أن الزركشى أورد ضابطين للفرق بين الظن الوارد فى القرآن بمعنى اليقين، والظن الوارد فيه بمعنى الشك: أحدهما: أنه حیث وجد الظن محمودا مثابا علیه فهو الیقین، وحيث وجد مذموما متوعّدا عليه بالعذاب فهو الشك . الثانى : أن كل ظن يتصل به (أن) المخففة فهو شك نحو قوله تعالى : ﴿بَلْ ظَنَنْتُمِ أَن لَّن يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ (٣) وكل ظن يتصل به (إنّ) المشددة فهو يقين، كقوله تعالى: ﴿إِنِّی ظَنَنْتُ أَنِّى مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (٤) الألفاظ ذات الصلة : أ - الشّكَّ: ٢ - الشكّ فى اللغة: الارتياب . (١) الكليات لأبى البقاء الكفوى ١٧٤/٣ ط دمشق، ٠٠ الدسوقى على الشرح الكبير ١٢٤/١ ط. دار الفكر . (٢) حاشية الحموى على الأشباه والنظائر ١٠٤/١. (٣) سورة الفتح / ١٢ . (٤) سورة الحاقة / ٢٠، الكليات لأبى البقاء الكفوى ١٦٥/٣ ط. دمشق . - ١٧٨ - ظَنّ ٢ -٥ وفى الاصطلاح: هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك . والصلة بين الظن والشك: أن الشك مااستوی طرفاه، وهو الوقوف بین شیئین لايميل القلب إلى أحدهما، فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين (١). ب - الوهم: ٣ - الوهم فى اللغة: سبق القلب إلى الشىء مع إرادة غيره . وفى الاصطلاح: هو إدراك الطرف المرجوح، أى مايقابل الظن (٢). ج - اليقين: ٤ - اليقين فى اللغة: العلم الحاصل عن نظر واستدلال، ولهذا لا يسمى علم الله يقينا . وأما فى الاصطلاح فهو: جزم القلب بوقوع الشىء أو عدم وقوعه (٣). (١) التعريفات للجرجانى / ١١٣ ط ٠ حلبى. (٢) شرح البدخشى ٢٥/١ط . صبيح. (٣) شرح المجلة للأناسى ١٨/١. الحكم التكليفى : ٥ - الظن على أضرب : محظور، ومأمور به، ومندوب إليه، ومباح . فأما المحظور. فمنه سوء الظن بالله تعالی، لأن حسن الظن بالله تعالی فرض وواجب مأمور به، وسوء الظن به تعالى محظور منهى عنه، فعن جابر رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله ﴾ قبل موته بثلاث يقول: ((لايموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل)) (١) وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى وَلقر قال: ((حسن الظن من حسن العبادة)) (٢). ومن الظن المحظور المنهى عنه سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة، فعن صفية رضی الله عنها قالت: كان رسول الله ﴾ وسلم معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معى لیقلبنی، وکان سکنها فى دار أسامة بن زيد رضى الله عنهما، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبى ول أسرعا، فقال النبى عليه: (١) حديث: جابر: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن ... )) أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٠٦) . (٢) حديث ((حسن الظن من حسن العبادة)). أخرجه أحمد (٢ /٤٠٧) وأبو داود (٢٦٦/٥) من حدیث أبى هريرة، وفى إسناده راو قال عنه الذهبى فى الميزان (٢٣٤/٢): نكرة . - ١٧٩ - ظَنّ ٥ (علی رسلكما، إنها صفية بنت حيى، فقالا: سبحان الله یارسول الله، قال: إن الشيطان یجری من الإنسان مجرى الدم، وإنی خشیت أن يقذف فی قلوبكما سوءا أو قال: شيئا)»(!) ثم إن كل ظن فيما له سبيل إلى معرفته مما تعبد بعلمه فهو محظور؛ لأنه لما كان متعبدا بعلمه، ونصب له الدليل عليه، فلم يتبع الدليل وحصل على الظن كان تاركا للمأمور به . وأمّا ما لم ينصب له علیه دلیل یوصله إلى العلم به، وقد تعبد بتنفيذ الحكم فيه، فالاقتصار على غالب الظن وإجراء الحكم عليه واجب، وذلك نحو ماتُعُبِّدنا به من قبول شهادة العدول ، وتحرى القبلة، وتقويم المستهلكات وأروش الجنايات التى لم يرد بمقادیرها توقیف، فهذه وماکان من نظائرها قد تُعُبِّدنا فيها بتنفيذ أحكام غالب الظن . وأما الظن المندوب إليه فهو: حسن الظن بالأخ المسلم، وهو مندوب إلیه مثاب علیه، وإنما كان هذا الضرب من الظن مندوبا ولم یکن واجبا كما كان سوء الظن محظورا لوجود الواسطة بينهما، وهى احتمال أن لايظن به (١) حديث صفية: ((كان رسول الله # معتكفا فأتيته أزوره ليلا .. » . أخرجه البخارى (فتح البارى ٣٣٧،٣٣٦/٦) ومسلم (٤/ ١٧١٢) . شيئا فكان مندوبا . وأما الظن المباح، فمنه: ظن الشاك فى الصلاة، فإنه مأمور بالتحرى والعمل على مايغلب فى ظنه، فإن عمل بما غلب عليه ظنه كان مباحا، وإن عدل عنه إلى البناء على الیقین کان جائزا (١). وذكر الرملى من الشافعية: أن الظن ينقسم فى الشرع إلی واجب ومندوب وحرام ومباح، فالواجب حسن الظن بالله تعالى، والحرام سوء الظن به تعالى، وبكل مَنْ ظاهرُه العدالة من المسلمين، والمباح الظن بمن اشتهر بين المسلمين بمخالطة الريب والمجاهرة بالخبائث فلا محرم ظن السوء به؛ لأنه قد دل على نفسه، کما أن من ستر على نفسه لم یظن الناس به إلا خيرا، ومن دخل مدخل السوء اتّهم، ومن هتك نفسه ظنّا به السوء، ومن الظن الجائز بإجماع المسلمين مايظن الشاهدان فى التقويم وأروش الجنايات ، وما يحصل بخبر الواحد فى الأحكام بالإجماع (٢) . (١) أحكام القرآن للجصاص ٤٩٩/٣ - ٥٠٠ . (٢) نهاية المحتاج للرملى ٤٢٩/٢ ط. المكتبة الإسلامية، حاشية الرملى على أسنى المطالب ٢٩٦/١ ط. المكتبة الإِسلامية، حاشية القليوبى ٣٢١/١ ط٠ الحلبى. - ١٨٠ -