النص المفهرس

صفحات 281-300

...
ضمان ١٠٥
ويعتبر ذو اليد على الحيوان، وصاحبه
مباشرا إذا کان راکبا فى ملكه أو فى ملك
غيره، ولو بإذنه أو فى طريق العامة، فيضمن
مايحدثه بتلفه، وإن لم يتعد .
فراکب الدابة یضمن ما وطئته برجلها، أو
يدها - كما يقول الكاساني - أى ومات لوجود
الخطأ فى هذا القتل، وحصوله على سبيل
المباشرة لأن ثقل الراكب على الدابة، والدابة
آلة له، فكان القتل الحاصل بثقلها مضافا
إلى الراكب، والرديف والراكب سواء،
وعليهما الكفارة، ويحرمان من الميراث
والوصية، لأن ثقلهما على الدابة، والدابة آلة
لهما، فكانا قاتلين على طريق المباشرة (١) .
ولو کدمت أو صدمت، فهو ضامن،
ولا كفارة ولاحرمان، لأنه قتل بسبب .
ولو أصابت ومعها سائق وقائد، فلاكفارة
ولاحرمان، لأنه قتل تسبيبا لامباشرة،
بخلاف الراكب والرديف (٢) .
وهذا خلاف ما فى مجمع الأنهر، حيث
نص على أن الراکب فی ملکه لایضمن شیئا،
لأنه غير متعد، بخلاف ما إذا كان فى طريق
العامة، فيضمن للتعدى (٣) .
ومثال مالو أتلفت شيئا بتسبيب
(١) البدائع ٢٧٢/٧
(٢) البدائع ٢٧٢/٧
(٣) مجمع الأنهر ٦٥٩/٢، وانظر الدر المختار ورد المحتاره / ٣٨٧
صاحبها: مالو أوقفها فى ملك غيره، فجالت
فی رباطها، حیث طال الرسن فأتلفت شیئا،
ضمن، لأنه ممسکها فی أی موضع ذهبت،
مادامت فى موضع رباطها (١) .
فقد وجد شرط الضمان بالتسبيب
بالتعدى، وهو الربط فى ملك غيره .
ومثال اجتماع المباشرة والتسبيب،
حيث تقدم المباشرة، مالو ربط بعيرا إلى
قطار، والقائد لايعلم، فوطىء البعير المربوط
إنسانا، فقتله، فعلى عاقلة القائد الدية،
لعدم صيانة القطار عن ربط غيره، فكان
متعديا (مقصرا) لكن يرجع على عاقلة
الرابط، لأنه هو الذى أوقعه فى هذه
العهدة .
وإنما لم يجب الضمان عليه ابتداء، وكل
منهما متسبب، لأن الربط، من القود، بمنزلة
التسبيب من المباشرة، لاتصال التلف بالقود
دون الربط (٢) .
ومثال ماإذا لم یکن مباشرا ولامتسببا،
حيث لايضمن، ما إذا قتل سنوره حمامة فإنه
لايضمن، لحديث: ((العجماء جرحها جبار))
المتقدم آنفا (٣) .
(١) جامع الفصولين ٨٦/٢، وانظر حاشية الرملى فى الموضع
نفسه، والرّسَن: الحبل .. المصباح المنير
(٢) الهداية وشروحها ٢٦٣/٩
(٣) جامع الفصولين ٨٥/٢
- ٢٨١ -

ضَمَان ١٠٥ - ١٠٧
والأصح عند الشافعية أن الهرة إن أتلفت
طيرا أو طعاما ليلا أونهارا ضمن مالكها إن
عهد ذلك منها، وإلا فلايضمن فى
الأصح (١).
١٠٦ - ومن مشمولات الإِفضاء: التعمد،
كما لو ألقى هرة على حمامة أو دجاجة،
فأكلتها ضمن لو أخذتها برميه وإلقائه، لالو
بعده ... ويضمن بإشلاء كلبه، لأنه
بإغرائه يصير آلة لعقره، فكأنه ضربه
بسیفه (٢) .
ومن مشمولاته التسبب بعدم الاحتراز :
فالأصل: أن المرور بطريق المسلمين
مباح، بشرط السلامة، فيما يمكن الاحتراز
منه، لافيما لايمكن الاحتراز منه (٣):
فلو أوقف دابته فى الطریق ضمن ما
نفحته، لأن بإمكانه الاحتراز من الإِيقاف،
وإن لم يمكن الاحتراز من النفحة، فصار
متعديا بالإِيقاف وشغل الطريق به (٤) .
بخلاف ما لو أصابت بيدها أو رجلها
حصاة، أو أثارت غبارا، ففقأت الحصاة عين
إنسان، أو أفسد الغبار ثوب إنسان فإنه
لایضمن لأنه لایمکن الاحتراز منه، لأن سیر
(١) شرح المحلى على المنهاج ٢١٣/٤
(٢) جامع الفصولين ٨٥/٢، وانظر الهداية وشروحها ٢٦٤/٩ و
٢٦٥، والمبسوط ٥/٢٧
(٣) الهداية وشروحها ٢٥٨/٩ و ٢٥٩، ودرر الحكام ١١١/٢
(٤) الهداية بشروحها ٢٥٩/٩
الدواب لايخلو عنه (١).
وللحنابلة والشافعية تفصيل وخلاف فى
الطريق الواسع (٢).
وجاء فى المجلة (المادة: ٩٣٤): ليس
لأحد حق توقيف دابته أو ربطها فى الطريق
العام .
ومن مشمولاته التسبب بالتقصير، ومن
الفروع: مالو رأى دابته تأكل حنطة غيره،
فلم يمنعها، حتى أكلتها، فالصحيح أنه
يضمن (٣).
وبهذا أخذت المجلة، حيث نصت على
أنه ((لو استهلك حيوان مال أحد، ورآه
صاحبه، فلم يمنعه يضمن)). (المادة:
٩٢٩) .
١٠٧ - والضامن لجناية الحيوان، لم يقيد فى
النصوص الفقهية، بكونه مالكا أو غيره، بل
هو ذو اليد، القابض على زمامه، القائم على
تصريفه، ولو لم يكن مالكا، ولو لم يحل له
الانتفاع به، ويشمل هذا السائس والخادم .
قال النووى: إن الضمان يجب فى مال
الذی هو معها، سواء کان مالكا أو مستأجرا
(١) نفسه، ومجمع الضمانات (١٨٥)
(٢) المغنى ٣٥٩/١٠
(٣) الدر المختار ٣٩٢/٥
- ٢٨٢ -

ضَمَان ١٠٧ - ١٠٩
أو مستعیرا، أو غاصبا أو مودعا، أو وكيلا أو
غيره (١).
ويقول الشرقاوى فى جناية الدابة:
لاتتعلق برقبتها، بل بذى اليد عليها (٢) .
١٠٨ - ولو تعدد واضعو اليد على الحيوان،
فالضمان - فيما يبدو من النصوص - على
الأقوى يدا، والأكثر قدرة على التصرف،
وعند الاستواء يكون الضمان عليهما .
قال الکاسانی: وإن کان أحدهما سائقا،
والآخر قائدا، فالضمان علیھما لأنهما اشتركا فى
التسبيب، فيشتركان فى الضمان، وكذلك
إذا کان أحدهما سائقا والآخر راكبا أو كان
أحدهما قائدا والآخر راکبا، فالضمان علیھما،
لوجود سبب الضمان من کل واحد منهما، إلا
أن الكفارة تجب على الراکب وحده، فيما لو
وطئت دابته إنسانا فقتلته، لوجود القتل منه
وحده مباشرة (٣) ، وإن كان الحصكفى
صحح عدم تضمين السائق، لأن الإِضافة
إلى المباشر أولى، لكن السبب - هنا - مما
یعمل بانفراده، فیشترکان کما حققه ونقله ابن
عابدين (٤) .
(١) شرح صحيح مسلم للنووى ٢٢٥/١١ (ط: المطبعة المصرية
فى القاهرة: ١٣٤٩ هـ .)
(٢) حاشية الشرقاوى على شرح التحرير ٤٥٩/٢
(٣) البدائع ٢٨٠/٧
(٤) الدر المختار ورد المحتار عليه ٣٨٨/٥
وقال ابن قدامة: فإن كان على الدابة
راکبان، فالضمان على الأول منهما، لأنه
المتصرف فيها، القادر على كفها، إلا أن
یکون الأول منهما صغيراً أومريضا أو نحوهما،
ويكون الثانى المتولى لتدبيرها، فيكون
الضمان عليه .
وإن كان مع الدابة قائد وسائق،
فالضمان علیهما، لأن كل واحد منهما لو انفرد
ضمن، فإذا اجتمعا ضمنا: وإن كان معهما
أو مع أحدهما راكب ، ففيه وجهان :
أحدهما: أن الضمان عليهما جميعا،
لذلك .
والآخر : أنه على الراكب، لأنه أقوی یدا
وتصرفا .
ويحتمل أن يكون على القائد لأنه لاحكم
للراكب على القائد (١).
ب - ضمان جناية الحيوان الخطر:
١٠٩ - ويتمثل فى الكبش النطوح، والجمل
العضوض، والفرس الكدوم، والكلب
العقور، كما يتمثل فى الحشرات المؤذية،
والحية والعقرب، والحيوانات الوحشية
المفترسة، وسباع البهائم، کالأسد والذئب،
وسباع الطير كالحدأة والغراب، وفيها
مذاهب للفقهاء :
(١) المغنى بالشرح الكبير ٣٥٩/١٠
- ٢٨٣ -

ضمان ١٠٩
مذهب الحنفية هو ضمان مايتلفه الحيوان
الخطر، من مال أو نفس إذا وجد من مالكه
إشلاء أو إغراء أو إرسال، وهو قول
أبى يوسف، الذى أوجب الضمان فى هذا
كله، احتياطا لأموال الناس (١) خلافا
لأبى حنيفة (٢)، والذى أفتوا به هو: الضمان
بعد الإِشلاء كالحائط المائل ، فى النفس
والمال (٣) كما فى الإِغراء (٤).
وعلل الضمان بالإشلاء، بأنه بالإِغراء
يصير الكلب آلة لعقره، فكأنه ضربه بحد
سيفه (٥) .
وفى مذهب مالك تفصيل ذكره
الدسوقى، وهو :
إذا اتخذ الكلب العقور، بقصد قتل
إنسان معين وقتله فالقود، أنذر عن اتخاذه
أولا .
وإن قتل غير المعين فالدیة ، وكذلك إن
اتخذه لقتل غير المعين، وقتل شخصا
فالدیة، أنذر أم لا .
وإن اتخذه لوجه جائز فالدية إن تقدم
(١) الهداية بشروحها والعناية منها ٢٦٤/٩، والدر المنتقى بهامش
مجمع الأنهر ٦٦٢/٢
(٢) البدائع ٢٧٣/٧
(٣) الدر المختار ورد المحتار ٣٩٢/٥، وانظر مجمع الضمانات
(١٩٠) وجامع الفصولين ٨٥/٢
(٤) جامع الفصولين ٨٥/٢
(٥) جامع الفصولين ٢ / ٨٥ عن فوائد الرستغنى
...
:
له إنذار قبل القتل، وإلا فلا شىء عليه .
وإن اتخذه لالوجه جائز ضمن ما أتلف،
تقدم له فيه إنذار أم لا ، حيث عرف أنه
عقور، وإلا لم يضمن، لأن فعله حينئذ
كفعل العجماء (١) .
وذهب الحنابلة إلى أن الحيوان الخطر
ینبغی أن يربط ویکف شره، کالكلب
العقور، وكالسنور إذا عهد منه إتلاف الطير
أو الطعام، فإذا أطلق الكلب العقور أو
السنور، فعقر إنسانا، أو أتلف طعاما أو
ثوبا، ليلا أو نهارا، ضمن ما أتلفه، لأنه مفرط
باقتنائه وإطلاقه إلا إذا دخل داره إنسان بغیر
إذنه، فعقره، فلا ضمان عليه، لأنه متعد
بالدخول، متسبب بعدم الاستئذان لعقر
الكلب له ، فإن دخل بإذن المالك فعليه
ضمانه، لأنه تسبب إلى إتلافه .
وكذلك إذا اقتنى سنورا، يأكل أفراخ
الناس، ضمن ما أتلفه كالكلب العقور (٢) ،
وهذا - هو الأصح - عند الشافعية، كلما عهد
ذلك منه ليلا أو نهارا، قال المحلى: لأن هذه
(١) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٢٤٤/٤ و٣٥٧
وعلله هنا بأنه فرط فى حفظها، وانظر جواهر الإكليل ٢٥٧/٢،
والعقد المنظم للأحكام لابن سلمون الكنانى بهامش تبصرة
الحكام لابن فرحون ٨٧/٢ (ط: المطبعة البهية فى القاهرة:
١٣٠٢ هـ .)
(٢) المغنى بالشرح الكبير٣٥٨/١٠، وكشاف القناع ١١٩/٤ و
١٢٠
- ٢٨٤ -

ضَمَان ١٠٩ - ١١١
(الهرة) ينبغى أن تربط ويكف شرها (١) .
أما ما يتلفه الكلب العقور لغير العقر، كما
لو ولغ فى إناء، أو بال، فلايضمن، لأن هذا
لا يختص به الكلب العقور (٢) .
رابعا : ضمان سقوط المبانى :
١١٠ - بحث الفقهاء موضوع سقوط المبانى
وضمانها بعنوان: الحائط المائل. ويتناول
القول فى ضمان الحائط، مايلحق به، من
الشرفات والمصاعد والمیازیب والأجنحة، إذا
شيدت مطلة على ملك الآخرين أو الطريق
العام ومايتصل بها من أحكام .
وقد ميز الفقهاء، بين ما إذا كان البناء،
أو الحائط أو نحوه، مبنيا من الأصل متداعيا
ذا خلل، أو مائلا، وبين ما إذا كان الخلل
طارئا، فهما حالتان :
الحالة الأولى: الخلل الأصلى فى البناء :
١١١ - هو الخلل الموجود فى البناء، منذ
الإِنشاء، كأن أنشىء مائلا إلى الطريق العام
أو أشرع الجناح أو الميزاب أو الشرفة، بغير
إذن، أو أُشرعه فی غیر ملكه .
قال الحنفية والمالكية إن سقط البناء فى
(١) شرح المحلى على المنهاج ٢١٣/٤، وانظر فتح الوهاب بشرح
منهج الطلاب، وحاشية البجيرمى عليه المسماة: التجريد لنفع
العبيد ٢٢٦/٤ (ط: بولاق: ١٣٠٩ هـ). وحاشية البجيرمى
على الخطيب ١٩١/٤
(٢) المغنى بالشرح الكبير٣٥٨/١٠، وكشاف القناع ١٢٠/٤
هذه الحال، فأتلف إنسانا أو حيوانا أو مالا،
كان ذلك مضمونا على صاحبه، مطلقا من
غير تفصيل (١)، ومن غير إشهاد ولا طلب،
لأن فى البناء تعديا ظاهرا ثابتا منذ الابتداء
وذلك بشغل هواء الطريق بالبناء، وهواء
الطريق كأصل الطريق حق المارة، فمن
أحدث فيه شيئا، كان متعدیا ضامنا (٢).
والشافعية لايفرقون فى الضمان، بين أن
يأذن الإِمام فى الإِشراع أولا، لأن الانتفاع
بالشارع مشروط بسلامة العاقبة، بأن لايضر
بالمارة، وماتولد منه مضمون، وإن كان
إشراعا جائزا .
لکن ما تولد من الجناح، فی درب منسد،
بغير إذن أهله، مضمون، وبإذنهم لاضمان
فيه (٢) .
وقال الحنابلة: وإذا بنی فی ملکه حائطا
مائلا إلى الطريق، أو إلى ملك غيره، فتلف
به شىء أو سقط على شىء فأتلفه ضمنه،
لأنه متعد بذلك، فإنه ليس له الانتفاع
(١) جواهر الإكليل ٢٩٧/٢، وشرح الزرقانى ١١٧/٨، والشرح
الكبیر للدردیر ٣٥٦/٤، ومنح الجلیل ٥٥٩/٤
(٢) المبسوط ٩/٢٧، والهداية بشروحها ٢٥٤/٩، ومجمع
الضمانات ١٨٣ ودرر الحكام١١١/٢، والدر المختار ٣٨٥/٥،
وشرح التحرير بحاشية الشرقاوى ٤٦٠/٢، وروضة الطالبين
٣٢١/٩
(٣) شرح المحلى وحاشية القليوبى عليه ١٤٨/٤، وروضة الطالبين
٣١٩/٩
- ٢٨٥ -

ضَمَان ١١١ - ١١٢
بالبناء فى هواء ملك غيره، أو هواء مشترك،
ولأنه یعرضه للوقوع على غيره فی غیر ملكه،
فأشبه مالو نصب فيه منجلا يصيد به (١).
الحالة الثانية: الخلل الطارىء :
١١٢ - إذا أنشىء البناء مستقيما ثم مال، أو
سلیما ثم تشقق ووقع، وحدث بسبب وقوعه
تلف، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية -
استحسانا - والمالكية، وهو المختار عند
الحنابلة (٢)، والمروى عن على - رضى الله
عنه - وشريح والنخعى والشعبى وغيرهم من
التابعین (٣) إلى أنه یضمن ماتلف به، من
نفس أو حيوان أو مال، إذا طولب صاحبه
بالنقض، وأشهد عليه، ومضت مدة يقدر
على النقض خلالها، ولم يفعل .
وهذا قول عند الشافعية، فقد قالوا: إن
أمکنه هدمه أو إصلاحه، ضمن، لتقصيره
بترك النقض والإصلاح (٤).
والقياس عند الحنفية عدم الضمان، لأنه
لم يوجد من المالك صُنْعٌ هو تعد، لأن البناء
كان فى ملكه مستقيما، والميلان وشغل الهواء
ليس من فعله، فلايضمن، كما إذا لم يشهد
(١) المغنى بالشرح الكبير ٥٧٢،٥٧١/٩
(٢) المغنى ٥٧٢/٩ والشرح الكبير معه ٤٥٠/٥، والدسوقى
٣٥٦/٤
(٣) المبسوط ٢٧ /٥ وتبيين الحقائق ١٤٧/٦
(٤) شرح المحلى على المنهاج بحاشية القليوبى وعميرة ١٤٨/٤
عليه (١)، ولما قالوه فى هذه المسألة: ومن قتله
الحجر، بغير فعل البشر، فهو بالإجماع
هدر (٢) .
ووجه الاستحسان: ما روى عن الأئمة
من الصحابة والتابعين المذكورين، وأن الحائط
لما مال فقد شغل هواء الطريق بملكه،
ورفعه بقدرة صاحبه، فإذا تقدم إليه وطولب
بتفریغه لزمه ذلك، فإذا امتنع مع تمکنه صار
متعديا .
ولأنه لو لم يضمن يمتنع من الهدم،
فينقطع المارة خوفا على أنفسهم، فيتضررون
به، ودفع الضرر العام من الواجب، وكم من
ضرر خاص يتحمل لدفع العام (٣).
ومع ذلك فقد نص الحنفية على أن الشرط
هو التقدم، دون الإِشهاد، لأن المطالبة
تتحقق، وینعدم به معنى العذر فی حقه،
وهو الجهل بميل الحائط (٤).
أما الإِشهاد فللتمكن من إثباته عند
الإِنكار، فكان من باب الاحتياط (٥).
(١) تبيين الحقائق ١٤٧/٦ والفتاوى الخيرية لنفع البرية، لخير
الدين الأيوبى العليمى ١٨٣/٢ (ط بولاق ١٢٧٣ هـ)
(٢) تبيين الحقائق ١٤٧/٦
(٣) الهداية بشروحها ٢٥٣/٩ وتكملة البحر الرائق للطورى
٤٠٣/٨ والمبسوط ١٢/٢٧ وانظر الدر المختار ورد المحتار
٣٨٥،٣٨٤/٥
(٤) المبسوط ٢٧ /٩.
(٥) البدائع ٢٨٦/٧ والهداية بشروحها ٢٥٤/٩ ودررالحكام
١١٠/٢
- ٢٨٦ -

ضَمَان ١١٢ - ١١٣
والمالكية يشترطون الإشهاد مع الإنذار،
فإذا انتفى الإنذار والإِشهاد فلاضمان، إلا أن
یعترف بذلك مع تفریطه فیضمن (١)، کما أن
الإشهاد المعتبر عندهم یکون عند الحاكم،
أو جماعة المسلمين ولو مع إمكان الإِشهاد
عند الحاكم (٢).
١١٣ - وشروط التقدم أو الإنذار هى :
ومعنى التقدم : طلب النقض ممن
يملكه (٣)، وذلك بأن يقول المتقدم : إن
حائطك هذا مخوف، أو يقول : مائل
فانقضه أو اهد مه ، حتى لا يسقط ولا
يتلف شيئا ، ولو قال: ينبغى أن تهدمه،
فذلك مشورة (٤) .
أ - أن يكون التقدم ممن له حق ومصلحة
فى الطلب .
وفرقوا فى هذا: بين ما إذا كان الحائط
مائلا إلى الطريق العام، وبين ما إذا كان
مائلا إلى ملك إنسان :
ففى الصورة الأولى: يصح التقدم من
کل مکلف، مسلم أو غيره، وليس للمتقدم
ولاللقاضى حق إبراء صاحب الحائط، ولا
تأخيره بعد المطالبة، لأنه حق العامة،
(١) الشرح الكبير للدردير٣٥٦/٤.
(٢) المرجع السابق، وانظر منح الجليل ٥٥٩/٤ .
(٣) رد المحتار ٣٨٥/٥ وتكملة البحر الرائق للطورى ٤٠٣/٨ .
(٤) رد المحتاره/ ٣٨٤ .
وتصرفه فى حق العامة نافذ - كما يقول
الحصكفى نقلا عن الذخيرة - فيما ينفعهم،
لافیما يضرهم (١).
وفى الصورة الثانية: لايصح التقدم إلا
من المالك الذى شغل الحائط هواء ملكه،
كما أن له حق الإِبراء والتأخير (٢).
بل نصت المجلة (فى المادة: ٩٢٨) على
أنه لو كان الحائط مائلا إلى الطريق الخاص،
يلزم أن يكون الذى تقدم ممن له حق المرور
فى ذلك الطريق .
ب - أن يكون الطلب قبل السقوط بمدة
يقدر على النقض خلالها ، لأن مدة التمكن
من إحضار الأجراء مستثناه فى الشرع (٣).
ج - أن يكون التقدم بعد ميل الحائط،
فلو طلب قبل الميل لم يصح، لعدم
التعدى .
د - أن یکون التقدم إلى من يملك
النقض، كالمالك وولى الصغير، ووصيه
ووصى المجنون، والراهن، وكذا الواقف
والقيم على الوقف وأحد الشركاء (٤)،
بخلاف المرتهن والمستأجر والمودع، لأنهم
(١) الدر المختار ٣٨٥/٥
(٢) المبسوط ١٣/٢٧ وتكملة البحر الرائق ٤٠٤/٨ ومجمع الأنهر
٦٥٨/٢، ٦٥٩ وانظر المغنى بالشرح الكبير ٥٧٣/٩، ٥٧٤ .
(٣) رد المحتار ٣٨٤/٥ نقلا عن القهستانى.
(٤) الدر المختار ٣٨٤/٥ ومجمع الأنهر ٦٥٨/٢ ومجمع الضمانات
ص ١٨٢
- ٢٨٧ -

ضَمَان ١١٣ - ١١٤
ليست لهم قدرة على التصرف، فلایفید طلب
النقض منهم، ولایعتبر فیھم الإنذار كما قال
الدردير (١)، ولهذا لا يضمنون ما تلف من
سقوطه، بل قال الحصکفی : لا ضمان أصلا
على ساكن ولا مالك (٢)
ومحل هذه الشروط - كما قال الدسوقى -
إذا كان منكرا للميلان، أما إذا كان مقراً به
فلايشترط ذلك (٣) .
١١٤ - وذهب الشافعية إلى عدم الضمان
مطلقا بسقوط البناء، إذا مال بعد بنائه
مستقيماً ولو تقدم إليه، وأشهد عليه .
قال النووى: إن لم يتمكن من هدمه
وإصلاحه، فلاضمان قطعا، وکذا إن تمكن
على الأصح .. ولافرق بين أن يطالبه الوالى
أو غيره بالنقض، وبين أن لايطالب (٤)، وهذا
هو القیاس، كما تقدم، ووجهه: أنه بنی فی
ملكه، والهلاك حصل بغير فعله (٥) ، وأن
الميل نفسه لم يحصل بفعله (٦) ، وأن ما كان
(١) الشرح الكبير للدردير ٣٥٦/٤ .
(٢) الدر المختار ٣٨٥/٥
(٣) حاشية الدسوقى ٣٥٦/٤ .
(٤) روضة الطالبين ٣٢١/٩.
(٥) روضة الطالبين ٣٢١/٩.
(٦) شرح المحلى على المنهاج ١٤٨/٤، وشرح التحرير وحاشية
الشرقاوى عليه ٤٥٩/٢ .
أوله غير مضمون، لاينقلب مضمونا بتغيير
الحال (١).
وذهب بعض الحنابلة، وهو قول ابن
أبی لیلی وأبی ثور وإسحاق، إلى أنه یضمن
ما تلف به وإن لم يطالب بالنقض، وذلك
لأنه متعد بتركه مائلا، فضمن ماتلف به، کما
لو بناه مائلا إلى ذلك ابتداء، ولأنه لو طولب
بنقضه فلم يفعل ضمن ماتلف، ولو لم
يكن ذلك موجبا للضمان لم يضمن
بالمطالبة، كما لو لم يكن مائلا، أو كان مائلا
إلی ملکه (٢).
لکن نص أحمد، هو عدم الضمان - كما
يقول ابن قدامة - أما لو طولب بالنقض،
فقد توقف فيه أحمد، وذهب بعض
الأصحاب إلى الضمان فیه (٣).
أما الضمان الواجب بسقوط الأبنية، عند
القائلین به، فھو:
أ - أن ماتلف به من النفوس، ففيه الدية
على عاقلة مالك البناء .
ب - وما تلف به من الأموال فعلى مالك
البناء، لأن العاقلة لاتعقل المال (٤).
(١) حاشية الشرقاوى على شرح التحرير ٤٥٩/٢ .
(٢) المغنى ٥٧٢/٩، والشرح الكبير مع المغنى ٤٥١/٥ .
(٣) المغنى بالشرح الكبير ٥٧٢/٩ .
(٤) الدر المختار ورد المحتار ٣٨٥/٥ .
- ٢٨٨ -

ضَمَان ١١٤ - ١١٦
ج - ولا تجب على المالك الكفارة - عند
الحنفية - ولا يحرم من الميراث والوصية، لأنه
قتل بسبب، وذلك لعدم القتل مباشرة، وإنما
ألحق بالمباشر فى الضمان، صيانة للدم عن
الهدر، على خلاف الأصل، فبقى فى الكفارة
وحرمان الميراث على الأصل (١).
وعند الشافعية والجمهور: هو ملحق
بالخطأ فی أحکامه، إذ لاقتل بسبب عندهم،
ففيه الكفارة، وفيه الحرمان من الميراث
والوصية، لأن الشارع أنزله منزلة القاتل (٢).
خامساً : ضمان التلف بالأشياء:
١١٥ - أكثر ما يعرض التلف بالأشياء،
بسبب إلقائها فى الطرقات والشوارع، أو
بسبب وضعها فى غير مواضعها المخصصة
لها .
ويمكن تقسيم الأشياء إلى خطرة، وغير
خطرة، أى عادية .
القسم الأول :
ضمان التلف الحاصل بالأشياء العادية غير
الخطرة :
١١٦ - يرد الفقهاء مسائل التلف الحاصل
(١) الدر المختار ورد المحتار ٣٤٢/٥ر٣٨١ وتبيين الحقائق وحاشية
الشلبى عليه ١٤٣/٦، ١٤٤، والكفاية شرح الهداية بتصرف
١٤٨/٩، وبدائع الصنائع ٢٧٤/٧ .
(٢) الهداية بشروحها ١٤٨/٩، والقوانين الفقهية ٢٨٨، وشرح
الخرشى ٤٩/٨، وشرح المنهج بحاشية الجمل ١٠٢/٥ وشرح
المحلى بحاشيتى القليوبى وعميرة ١٦٢/٤، والمغنى بالشرح
الكبير ٣٧/١٠ و١٦١/٧، ١٦٢.
بالأشياء العادية، غير الخطرة، إلى هذه
القواعد والأصول:
الأول: كل موضع يجوز للواضع أن يضع
فيه أشياءه لايضمن مايترتب على وضعها فيه
من ضرر، لأن الجواز الشرعى ينافى الضمان .
الثانى: كل موضع لا يجوز له أن يضع فيه
أشیاءه يضمن ما ينشأ عن وضعها فيه من
أضرار، مادامت فى ذلك الموضع، فإن زالت
عنه لم يضمن (١).
الثالث: كل من فعل فعلا لم يؤذن له
فیه، ضمن ما تولد عنه من ضرر (٢) .
الرابع: أن المرور فى طريق المسلمين
مباح، بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز
عنه (٣) .
الخامس: أن المتسبب ضامن إذا كان
متعديا، وإلا لايضمن، والمباشر ضامن
مطلقا (٤) .
ومن الفروع التى انبثقت منها هذه
الأصول :
أ - من وضع جرة أو شيئا فى طريق
لايملكه فتلف به شىء ضمن، ولو زال
(١) جامع الفصولين ٨٨/٢ نقلا عن فتاوى القاضى ظهير الدین،
ببعض تصرف .
(٢) نفسه، بتصرف .
(٣) الدر المختار ٣٨٦/٥. وانظر شرح المحلى على المنهاج بحاشيتى
القليوبى وعميرة ١٤٨/٤.
(٤) رد المحتار ٣٨٦/٥
- ٢٨٩ -

ضَمَان ١١٦ - ١١٧
ذلك الشىء الموضوع أولا إلى موضع آخر،
(غير الطريق) فتلف به شىء، برىء واضعه
ولم یضمن (١) .
ب - لو قعد فى الطريق ليبيع، فتلف
بقعدته شىء: فإن كان قعد بإذن الإِمام
لایضمنه، وإن کان بغير إذنه یضمنه (٢) .
وللحنابلة قولان فى الضمان (٣).
ج۔ ولو وضع جرة علی حائط، فأهوت بها
الريح، وتلف بوقوعها شىء، لم يضمن، إذ
انقطع أثر فعله بوضعه، وهو غير متعد فى
هذا الوضع بأن وضعت الجرة وضعا مأمونا،
فلايضاف إليه التلف (٤) .
د - لو حمل فى الطريق شيئا على دابته أو
سيارته، فسقط المحمول على شىء فأتلفه أو
اصطدم بشىء فکسره، ضمن الحامل، لأن
الحمل فى الطريق مباح بشرط السلامة، ولأنه
أثر فعله .
ولو عثر أحد بالحمل ضمن، لأنه هو
الواضع، فلم ينقطع أثر فعله (٥) .
هـ - لو ألقى فى الطريق قشرا، فزلقت به
(١) جامع الفصولين ٨٨/٢
(٢) جامع الفصولين ٨٨/٢
(٣) الشرح الكبير مع المغني ٤٤٩/٥
(٤) جامع الفصولين ٨٨/٢ رامزا إلى الزيادات . وانظر الفتاوى
الخانية بهامش الفتاوى الهندية ٤٥٨/٣ (ط دار إحياء التراث
العربى فى بيروت) .
(٥) مجميع الأنهر والدر المنتقى بهامشه ٦٥٣/٢ والدر المختار
٣٨٢/٥، والفتاوى الخانية ٤٥٨/٣ .
دابة، ضمن، لأنه غير مأذون فيه (١)، وهو
الصحيح عند الشافعية، ومقابل الصحيح
عندهم: أنه غير مضمون، لجريان العادة
بالمسامحة فى طرح ماذكر (٢) .
وكذا لو رش فى الطريق ماء، فتلفت به
دابة، ضمن (٣) ، وقال القليوبى: إنه غير
مضمون إذا كان لمصلحة عامة، ولم يجاوز
العادة، وإلا فهو مضمون عل الراش، لأنه
المباشر (٤) .
القسم الثانى :
ضمان التلف بالأشياء الخطرة :
١١٧ - روى أبو موسى الأشعرى - رضى الله
تعالى عنه - عن النبى وَل ـ ـ ((إذا مر أحدكم
فى مسجدنا أو فى سوقنا، ومعه نبل،
فليمسك على نصالها - أو قال: فليقبض
بكفه - أن يصيب أحدا من المسلمين منها
بشيء)) (٥) .
وفی الفروع: لو انفلتت فأس من ید
قصاب، كان يكسر العظم، فأتلف عضو
(١) جامع الفصولين ٨٨/٢
(٢) شرح المحلى على المنهاج ١٤٩/٤، وروضة الطالبين ٣٢٢/٩ .
(٣) رد المحتار ٣٨١/٥، وقارن بالفتاوى الخانیة ٤٥٨/٣ فقد فصل
القول فيها بعض الشىء .
(٤) حاشية القليوبى على شرح المحلى ١٤٩/٤، وروضة الطالبين
٣٢٣/٩.
(٥) حديث: ((إذا مر أحدكم في مسجدنا)) أخرجه البخارى الفتح
٢٤/١٢، ومسلم ٢٠١٩/٤ .
- ٢٩٠ -

ضَمَان ١١٧ - ١١٨
٠٠٠
إنسان، يضمن، وهو خطأ (١). ولا تعليل
للضمان فى هذه المسألة إلا التقصير فى رعاية
هذه الآلة الحادة، وعدم الاحتراز أثناء
الاستعمال، فاستدل بوقوع الضرر على
التعدى، وأقيم مقامه .
وقال الحنفية: إن ذا اليد على الأشياء
الخطرة يضمن من الأضرار المترتبة عليها
ماکان بفعله، ولایضمن ماكان بغير فعله .
ومن نصوصهم :
أ - لو خرج البارود من البندقية بفعله،
فأصاب آدميا أو مالا ضمن، قياسا على مالو
طارت شرارة من ضرب الحداد، فأصابت
ثوب مار فى الطريق، ضمن الحداد (٢).
ب- ولو هبت الريح فحملت نارا،
وألقتها على البندقية، فخرج البارود،
لاضمان (٣) .
ج - ولو وقع الزند المتصل بالبندقية
المجربة، التى تستعمل في زماننا، على البارود
بنفسه، فخرجت رصاصتها، أو مابجوفها ،
فأتلف مالا أو آدميا، فإنه لاضمان (٤) .
(١) واقعات المفتين لقدرى أفندى الشيخ عبد القادربن يوسف
ص ٦٤ (ط الأولى، فى بولاق: ١٣٠٠ هـ) وانظر فروعا أخرى
فى مجمع الأشهر ٦٦١/٢ ولسان الحكام لابن الشحنة ص ١٠٨
(٢) جامع الفصولين وحاشية خير الدين الرملى عليه ٢ / ٤٩، ٩٠.
:
(٣) حاشية الرملى على جامع الفصولين ٨٩ السطر الأخير .
(٤) الحاشية نفسها ٢ / ٩٠ .
ضمان الاصطدام:
تناول الفقهاء حوادث الاصطدام، ومیزوا
بين اصطدام الإِنسان والحيوان، وبين
اصطدام الأشياء كالسفن ونحوها .
أولا: اصطدام الإِنسان :
١١٨ - ذهب الحنفية إلى أنه إذا اصطدم
الفارسان خطأ وماتامنه ضمنت عاقلة كل
فارس دية الآخر إذا وقعا على القفا، وإذا وقعا
على وجوهھما بهدر دمهما .
ولو كانا عامدين فعلى عاقلة كلٍ نصف
الدیة، ولو وقع أحدهما على وجهه هدر دمه
فقط .
وإذا تجاذب رجلان حبلا فانقطع الحبل،
فسقطا على القفا وماتا هدر دمهما، لموت كل
بقوة نفسه، فإن وقعا على الوجه وجب دیة کل
واحد منهما على الآخر، لموته بقوة صاحبه (١).
وعند المالكية: إن تصادم مكلفان عمدا،
أو تجاذبا حبلا فماتا معا، فلا قصاص
ولا دية وإن مات أحدهما فقط فالقود .
وإن تصادما خطأ فماتا، فدیة كل واحد
منهما على عاقلة الآخر، وإن مات أحدهما
فدیته على من بقی منها .
(١) ابن عابدين والدر المختار ٣٨٨/٥ - ٣٨٩.
- ٢٩١ -

ضَمَان ١١٨
وإن كان التجاذب لمصلحة فلاقصاص
ولادية، کما يقع بين صناع الحبال فإذا تجاذب
صانعان حبلا لإصلاحه فماتا أو أحدهما فهو
هدر .
ولو تصادم الصبیان فماتا، فدیة کل واحد
منهما على عاقلة الآخر، سواء حصل التصادم
أو التجاذب بقصد أوبغير قصد، لأن فعل
الصبيان عمدا حكمه كالخطأ(١).
وذهب الشافعية: إلى أنه إذا اصطدم
شخصان ۔ راکبان أو ماشیان، أو راكب
وماش طويل - بلاقصد، فعلى عاقلة كل
منهما نصف دیة مخففة، لأن كل واحد منهما
هلك بفعله، وفعل صاحبه، فيهدر
النصف، ولأنه خطأ محض، ولافرق بين أن
يقعا منكبّين أو مستلقيين، أو أحدهما
منكبًا والآخر مستلقيا .
وإن قصدا الاصطدام فنصف الدية
مغلظة على عاقلة كل منهما لورثة الآخر، لأن
كل واحد منهما هلك بفعله وفعل صاحبه،
فیهدر النصف، ولأن القتل حينئذ شبه عمد
فتكون الدیة مغلظة، ولاقصاص إذا مات
أحدهما دون الآخر، لأن الغالب أن
الاصطدام لايفضى إلى الموت .
والصحيح أن على كل منهما فى تركته
(١) حاشية الدسوقى ٢٤٧/٤
كفارتين: إحداهما لقتل نفسه، والأخرى
لقتل صاحبه، لاشتراکهما فى إهلاك نفسین،
بناء على أن الكفارة لاتتجزأ .
وفى تركة كل منهما نصف قيمة دية الآخر،
لاشتراکھما فی الإِتلاف، مع هدر فعل کل
منهما فی حق نفسه .
ولو تجاذبا حبلا فانقطع وسقطا وماتا،
فعلی عاقلة كل منهما نصف دية الآخر، سواء
أسقطا منكبَّيْن أم مستلقيين، أم أحدهما
منكبًا والآخر مستلقيا، وإن قطعه غيرهما
فدیتهما على عاقلته (١).
وذهب الحنابلة إلى أنه إذا اصطدم
الفارسان، فعلى كل واحد من المصطدمين
ضمان ماتلف من الآخر من نفس أو دابة أو
مال، سواء كانا مقبلین أم مدبرین، لأن کل
واحد منهما مات من صدمة صاحبه وإنما هو
قربها إلی محل الجناية، فلزم الآخر ضمانها كما
لو كانت واقفة إذا ثبت هذا، فإن قيمة
الدابتين إن تساوتا تقاصا وسقطتا، وإن
كانت إحداهما أكثر من الأخرى فلصاحبها
الزيادة، وإن ماتت إحدى الدابتين فعلى
الآخر قيمتها، وإن نقصت فعليه نقصها .
فإن کان أحدهما یسیر بین یدی الآخر،
فأدركه الثانی فصدمه فماتت الدابتان، أو
(١) مغنى المحتاج ٤ /٨٩ - ٩٠ .
- ٢٩٢ -

ضَمَان ١١٨ - ١١٩
إحداهما فالضمان على اللاحق، لأنه الصادم
والآخر مصدوم، فهو بمنزلة الواقف .
وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفا، فعلى
السائر قيمة دابة الواقف، نص أحمد على
هذا لأن السائر هو الصادم المتلف، فكان
الضمان علیه وإن مات هو أودابته فهو هدر،
لأنه أتلف نفسه ودابته، وإن انحرف الواقف
فصادفت الصدمة انحرافه فهما کالسائرين،
لأن التلف حصل من فعلهما، وإن كان
الواقف متعديا بوقوفه، مثل أن يقف فى
طريق ضيق فالضمان عليه دون السائر، لأن
التلف حصل بتعدیه فكان الضمان عليه،
كما لو وضع حجرا فى الطريق، أو جلس فى
طريق ضيق فعثر به إنسان .
وإن تصادم نفسان يمشيان فماتا، فعلى
عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، روى هذا
عن على - رضى الله عنه - والخلاف - ههنا -
فى الضمان كالخلاف فيما إذا اصطدم
الفارسان، إلا أنه لاتقاصّ ــ ههنا - فى
الضمان، لأنه على غير من له الحق، لكون
الضمان على عاقلة كل واحد منهما، وإن اتفق
أن يكون الضمان على من له الحق مثل أن
تكون العاقلة هى الوارثة، أويكون الضمان
على المتصادمين تقاصًا، ولا يجب القصاص
سواء كان اصطدامهما عمدا أو خطأ، لأن
الصدمة لاتقتل غالبا، فالقتل الحاصل بها
مع العمد عمد الخطأ(١).
ثانيا: اصطدام الأشياء: السفن
والسيارات :
١١٩ - قال الفقهاء: إذا كان الاصطدام
بسبب قاهر أو مفاجىء، كهبوب الريح أو
العواصف، فلاضمان على أحد .
وإذا كان الاصطدام بسبب تفريط أحد
ربانی السفینتین - أو قائدی السیارتین - كان
الضمان عليه وحده .
ومعیار التفريط ۔۔ کما یقول ابن قدامة - أن
یکون الربان ۔ وکذلك القائد - قادرا على
ضبط سفينته - أو سيارته - أو ردّها عن
الأخرى، فلم يفعل، أو أمكنه أن يعدها إلى
ناحية أخرى فلم يفعل، أو لم يكمل آلتها من
الحبال والرجال وغيرها (٢).
وإذا كانت إحدى السفينتين واقفة،
والأخرى سائرة، فلا شىء على الواقفة، وعلى
السائرة ضمان الواقفة، إن كان القيم مفرطا .
وإذا كانتا ماشيتين متساويتين، بأن كانتا
في بحر أو ماء راكد، ضمن المفرط سفينة
الآخر، بما فيها من مال أو نفس .
أما إذا كانتا غير متساويتين، بأن كانت
(١) المغنى بالشرح الكبير ٣٥٩/١٠ - ٣٦٠.
(٢) المغنى بالشرح الكبير ٣٦١/١٠.
- ٢٩٣ -

ضَمَان ١١٩ - ١٢٠
إحداهما منحدرة، والأخرى صاعدة فعلى
المنحدر ضمان الصاعدة، لأنها تنحدر عليها
من علو، فيكون ذلك سببا فى غرقها، فتنزل
المنحدرة منزلة السائرة، والصاعدة منزلة
الواقفة، إلا أن يكون التفريط من المصعد
فيكون، الضمان عليه، لأنه المفرط (١) .
وقال الشافعية فى اصطدام السفن:
السفینتان کالدابتین، والملاحان کالراکبین إن
كانتا لهما (٢).
وأطلق ابن جزى قوله: إذا اصطدم
مركبان فى جريهما، فانكسر أحدهما أو
كلاهما، فلاضمان فى ذلك (٣).
انتفاء الضمان :
ينتفى الضمان - بوجه عام - بأسباب كثيرة،
من أهمها:
أ - دفع الصائل :
١٢٠ - يشترط فى دفع الصائل، لانتفاء الإِثم
وانتفاء الضمان - بوجه عام - مايلى:
١ - أن يكون الصول حالا، والصائل
شاهرا سلاحه أو سيفه، ويخاف منه
الهلاك (٤) ، بحيث لايمكن المصول عليه،
(١) الشرح الكبير مع المغنى ٤٥٦/٥، ٤٥٧ .
(٢) شرح المحلى على المنهاج بحاشيتى القليوبى وعميرة
١٥٢،١٥١/٤ .
(٣) القوانين الفقهية ٢١٨.
(٤) الوجيز ٢ /١٨٥ .
أن يلجأ إلى السلطة ليدفعه عنه (١) .
٢ - أن يسبقه إنذار وإعلام للصائل، إذا
کان ممن یفهم الخطاب کالآدمی (٢) ،وذلك
بأن يناشده الله، فيقول: ناشدتك الله إلا
ماخلیت سبیلی، ثلاث مرات، أو يعظه، أو
يزجره لعله ينكف، فأما غيره، كالصبى
والمجنون ۔ وفی حكمهما البهيمة - فإن
إنذارهم غير مفيد، وهذا مالم يعاجل
بالقتال، وإلا فلا إنذار، قال الخرشى:
والظاهر أن الإنذار مستحب (٣)، وهو الذى
قاله الدردير: بعد الإنذار ندبا (٤).
وقال الغزالى: ويجب تقديم الإنذار، فى
كل دفع، إِلا فى مسألة النظر إلى حرم
الإِنسان من كوة (٣).
٣ - کما یشترط أن يكون الدفع على سبيل
التدرج: فما أمكن دفعه بالقول لا يدفع
بالضرب، وما أمكن دفعه بالضرب لا يدفع
بالقتل، (١) وذلك تطبيقا للقواعد الفقهية
المقررة فى نحو هذا:
(١) الدر المختار ٣٥١/٥.
(٢) جواهر الإكليل ٢٩٧/٢ .
(٣) شرح الخرشى على مختصر خليل ١١٢/٨ .
(٤) الشرح الكبير بحاشية الدسوقى عليه ٣٥٧/٤ .
(٥) الوجيز ٢ / ١٨٥ بتصرف .
(٦) انظر الدر المختار ٣٥١/٥، ومنح الجليل ٤ /٥٦٩ .
- ٢٩٤ -

٠٠٠
ضَمَان ١٢٠ - ١٢٣
كقاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف .
٤ - وشرط المالكية أن لا يقدر المصول
عليه على الهروب، من غير مضرة تحصل له،
فإن كان يقدر على ذلك بلا مضرة ولا مشقة
تلحقه، لم يجز له قتل الصائل، بل
ولا جرحه (٥)، ويجب هربه منه ارتكابا لأخف
الضررين (٢).
الضمان فى دفع الصائل :
١٢١ - ذهب الجمهور إلى أنه إن أدى دفع
الصائل إلى قتله، فلا شىء على الدافع (١) .
وللتفصيل . ر. مصطلح: (صيال) .
ب - حال الضرورة :
١٢٢ - الضرورة: نازلة لا مدفع لها ، أو كما
يقول أهل الأصول: نازلة لا مدفع لها إلا
بارتكاب محظور يباح فعله لأجلها .
ومن النصوص الواردة فى أحوال الضرورة:
١ - حريق وقع فى محلة، فهدم رجل دار
غيره، بغير أمر صاحبه، وبغير إذن من
السلطان، حتى ينقطع عن داره، ضمن ولم
يأثم .
قال الرملی: وفيه دليل على أنه لو کان بأمر
(١) شرح الخرشى ١١٢/٨.
(٢) جواهرالإكليل ٢٩٧/٢، ومنح الجليل ٥٦٢/٤ .
(٣) شرح المحلى على المنهاج ٢٠٦/٤ وانظر جواهر الإكليل
٢٩٧/٢، والمغنى بالشرح الكبير ٣٥١/١٠.
السلطان لا يضمن، ووجهه: أن له ولاية
عامة، يصح أمره لدفع الضرر العام .
وبه صرح فى الخانية (١).
٢ - يجوز أكل الميتة كما يجوز أكل مال
الغير مع ضمان البدل إذا اضطر (٢).
٣ - لو ابتلعت دجاجة لؤلؤة، ينظر إلى
أكثرهما قيمة، فيضمن صاحب الأكثر قيمة
الأقل (٣) .
٤ - إذا مضت مدة الإِجارة، والزرع
بقل، لم يحصد بعد، فإنه يترك بالقضاء أو
الرضى، بأجر المثل إلى إدراكه رعاية
للجانبين، لأن له نهاية (٤) .
ج - حال تنفيذ الأمر:
١٢٣ - يشترط لانتفاء الضمان عن المأمور
وثبوته علی الآمر ،مایلی:
١ - أن يكون المأمور به جائز الفعل، فلو لم
يكن جائزا فعله ضمن الفاعل لا الآمر، فلو
أمر غيره بتخريق ثوبٍ ثالثٍ ضمن المخرق
لا الآمر (٥) .
٢ - أن تكون للآمر ولاية على المأمور، فإن لم
(١) حاشية الرملى على جامع الفصولين ٤٩/٢ عن التتارخانية.
(٢) الأشباه للسيوطى ص ٨٤ وما بعدها، ومنافع الرقائق للكوز
الحصارى مصطفى بن محمد، شرح مجامع الحقائق للخادمى
ص٣١٢. (ط الآستانة: ١٣٠٨ هـ).
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨٨ .
(٤) الدر المختار ورد المحتار عليه ٢١/٥.
(٥) جامع الفصولين ٧٨/٢ رامزا إلى عدة المفتين للنسفى.
- ٢٩٥ -

ضَمَان ١٢٣ - ١٢٤
تکن له ولایة علیه، وأمره بأخذ مال غيره
فأخذه، ضمن الآخذ لا الآمر، لعدم الولاية
عليه أصلاً، (١) فلم يصح الأمر، وفى كل
موضع لم يصح الأمر كان الضمان على
المأمور، ولم يضمن الآمر (٢).
وإذا صح الأمر بالشرطين السابقين، وقع
الضمان على الآمر، وانتفى عن المأمور ولو کان
مباشراً، لأنه معذور لوجوب طاعته لمن هو فى
ولايته، كالولد إذا أمره أبوه، والموظف إذا أمره
رئيسه .
قال الحصكفى: الآمر لا ضمان عليه
بالأمر، إلا إذا كان الآمرسلطانا أو أبًا أو
سيداً، أو كان المأمور صبيا أو عبدا (٣).
وكذا إذا كان مجنونا، أو كان أجيراً
للآمر (٤).
د - حال تنفيذ إذن المالك وغيره :
١٢٤ - الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يتصرف
فی ملك الغیر بلا إذنه، فإن أذن وترتب على
الفعل المأذون به ضرر انتفی الضمان، لكن
ذلك مشروط: بأن يكون الشىء المأذون
(١) حاشية الرملى على جامع الفصولين ٧٨/٢ :
(٢) جامع الفصولين فى الموضع نفسه، رامزا إلى الفتاوى الصغرى
للصدر الشهيد .
(٣) الدر المختاره / ١٣٦ .
(٤) رد المحتار ١٣٦/٥، وجامع الفصولين ٧٨/٢ ومجمع الضمانات
ص ١٥٧ .
بإتلافه، مملوكا للآذن، أو له ولایة علیه .
وأن يكون الآذن بحيث يملك هو
التصرف فيه، وإتلافه، لكونه مباحا له .
وعبر المالكية عن ذلك بأن يكون الإِذن
معتبرا شرعاً (٥).
وقال الشافعية: ممن يعتبر إذنه (١) ، فلو
انتفى الإذن أصلاً، كما لو استخدم سيارة
غيره بغير إذنه، أو قاد دابته، أو ساقها، أو
حمل عليها شيئاً، أو ركبها فعطبت، فهو
ضامن (٣) .
أو انتفی الملك ۔ كما لو أذن شخص لآخر
بفعل ترتب علیه إتلاف ملك غيره - ضمن
المأذون له، لأنه لا يجوز التصرف فى مال غيره
بلا إذنه ولا ولايته (٤).
ولو أذن الآخر بإتلاف ماله؛ فأتلفه فلا
ضمان، کما لو قال له: أحرق ثویی ففعل،
فلا يغرم (٥) ، إلا الوديعة إذا أذن له بإتلافها
يضمنها، لالتزامه حفظها (٦) ، ولو داوى
الطبیب صبیا بإذن من الصبی نفسه، فمات
أو عطب، ضمن الطبيب، ولو كان الطبيب
عالماً، ولو لم يقصر، ولو أصاب وجه العلم
(١) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقى ٣٥٥/٤ .
(٢) شرح المحلى على المنهاج ٤ /٢١٠.
(٣) مجمع الضمانات ١٤٥ و١٤٦ .
(٤) الدر المختار ١٢٧/٥ وانظر جامع الفصولين ٧٨/٢ .
(٥) منح الجليل ٣٤٧/٤ .
(٦) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير٣٥٥/٤ .
- ٢٩٦ -

ضَمَان ١٢٤ - ١٢٥
والصنعة لأن إذن الصبى غير معتبر
شرعاً (١).
وكذا لو أذن الرشيد لطبيب فى قتله
ففعل، لأن هذا الإذن غير معتبر شرعا، وهذا
عند المالكية (٢) .
وقال الحنفية: لو قال له اقتلنی فقتله،
ضمن ديته، لأن الإِباحة لا تجرى فى
النفس، لأن الإنسان لا يملك إتلاف نفسه،
لأنه محرم شرعا، لكن يسقط القصاص،
لشبهة الإذن ، كما يقول الحصكفى (٣)، وهو
قول للشافعية (٤) .
وفى قول للحنفية: لا تجب الدية
أيضاً (٥)، وهو قول سحنون من المالكية (٦)،
وهو الأظهر عند الشافعية، فهو هدر
للإِذن (٧)، وفى قول ابن قاسم: يقتل (٨)،
وهو قول الحنفية (٩).
(١) الشرح الكبير للدردير ٣٥٥/٤ وشرح الخرشى وحاشية العدوى
١١١/٨ .
(٢) يؤخذ من حاشية الدسوقى بتصرف ٣٥٥/٤.
(٣) الدر المختار ٣٥٢/٥، وانظر البدائع ٢٣٦/٧.
(٤) مغنى المحتاج ٤ /٥٠، وانظر كشاف القناع ٥/٦ .
(٥) الدر المختار ٣٥٢/٥، والبدائع ٢٣٦/٧.
(٦) منح الجليل ٣٤٦/٤ .
(٧) مغنى المحتاج ٤/ ٥٠ .
(٨) منح الجليل ٣٤٦/٤. وانظر جواهر الإكليل ٢٥٥/٢
والقوانين الفقهية ص ٢٦٦ .
(٩) مجمع الضمانات ١٦٠.
هـ ـ حال تنفيذ أمر الحاكم أو إذنه :
١٢٥ - إذا ترتب على تنفيذ أمر الحاكم، أو
إذنه بالفعل ضرر، ففيه خلاف وتفصيل .
فلو حفر حفرة فى طريق المسلمين العام،
أو فى مكان عام لهم، كالسوق والمنتدى
والمحتطب والمقبرة، أو أنشأ بناء، أو شق
ترعة، أو نصب خيمة، فعطب بها رجل، أو
تلف بها إنسان، فدیته على عاقلة الحافر، وإن
تلف بها حيوان، فضمانه فی ماله، لأن ذلك
تعد وتجاوز، وهو محظور فى الشرع صيانة لحق
العامة لا خلاف فى ذلك .
فإن كان ذلك بإذن الحاكم أو أمره أو أمر
نائبه: فذهب الحنفية إلى أنه لا يضمن، لأنه
غير متعد حينئذ، فإن للإِمام ولاية عامة على
الطريق، إذ ناب عن العامة، فكان كمن
فعله فی ملکه (١).
وقال المالكية: لو حفر بئراً فى طريق
المسلمين فتلف فيها آدمى أو غيره ضمن
الحافر لتسببه فى تلفه، أذن السلطان أو لم
يأذن ويمنع من ذلك البناء (٢).
وقال الشافعية : لو حفر بطريق ضيق
(١) الهداية بشروحها ٢٤٦/٩، والمبسوط ٢٥/٢٧، والبدائع
٢٧٨/٧ ومجمع الأنهر ٦٥١/٢، و٦٥٢، ومجمع الضمانات
ص ١٧٨ والدر المختار ٥/ ٣٨٠، ٣٨١
(٢) جواهر الإكليل ١٤٨/٢، والدسوقى ٤٤٤/٣ والقوانين
الفقهية ص٢٢٤ .
- ٢٩٧ -

ضمان ١٢٥ - ١٢٧
يضر المارة فهو مضمون وإن أذن فيه الإِمام،
إذ لیس له الإذن فیما یضر ، ولو حفر فى طريق
لا يضر المارة وأذن فیه الإمام فلا ضمان، سواء
حفر لمصلحة نفسه أو لمصلحة المسلمين،
وإن لم يأذن فإن حفر لمصلحته فقط فالضمان
فيه، أو لمصلحة عامة فلا ضمان فى الأظهر
لجوازه، ومقابل الأظهر: فيه الضمان، لأن
الجواز مشروط بسلامة العاقبة (١).
وفصل الحنابلة ناظرين إلى الطريق :-
فإن كان الطريق ضيقا، فعليه ضمان من
هلك به، لأنه متعد، سواء أذن الإِمام أو لم
يأذن، فإنه ليس للإِمام الإِذن فيما يضر
بالمسلمین، ولو فعل ذلك الإِمام، یضمن ما
تلف به، التعدية .
وإن كان الطريق واسعا، فحفر فى مكان
يضر بالمسلمين، فعليه الضمان كذلك .
وإن حفر فی مکان لا ضرر فيه، نظرنا : فإن
حفر لنفسه، ضمن ما تلف بها، سواء حفرها
بإذن الإمام، أو بغير إذنه وإن حفرها لنفع
المسلمين - كما لو حفرها لينزل فيها ماء المطر،
أو لتشرب منه المارة - فلا يضمن، إذا كان
بإذن الإِمام ، وإن كان بغير إذنه، ففيه
روايتان :
(١) شرح المنهج بحاشية الجمل ٨٢/٥ وما بعدها. وشرح المحلى
على المنهاج بحاشية القلیوب ١٤٧/٤ و ١٤٨.
إحداهما : أنه لا يضمن .
والأخرى : أنه يضمن، لأنه افتات على
الإِمام (١) .
الضمان فی الزكاة :
فى ضمان زكاة المال، إذا هلك النصاب
حالتان :
الحالة الأولى :
١٢٦ - لو هلك المال بعد تمام الحول،
والتمكن من الأداء : فذهب الجمهور، أن
الزكاة تضمن بالتأخير، وعليه الفتوى عند
الحنفية (٢).
وذهب بعض الحنفية كأبى بكر الرازى،
إلى عدم الضمان فى هذه الحال، لأن وجوب
الزكاة على التراخى، وذلك لإطلاق الأمر
بالزكاة، ومطلق الأمر لا يقتضى الفور،
فيجوز للمكلف تأخيره، كما يقول
الكمال (٣)
الحالة الثانية :
١٢٧ - لو أتلف المالك المال بعد الحول، قبل
التمكن من إخراج الزكاة، فإنها مضمونة عند
(١) المغنى بالشرح الكبير ٥٦٦/٩ و ٥٦٧ وانظر كشاف القناع
٠٨,٦/٦
(٢) الدر المختار بهامش رد المحتار عليه ١٢/٢ و١٣ والقوانين
الفقهية ص ٦٨ وروضة الطالبين ٢٢٣/٢ وكشاف القناع
١٨٢/٢ وانظر المغني مع الشرح الكبير ٥٤٢/٢ و ٥٤٣.
(٣) فتح القدير ١١٤/٢ . ن٢.
- ٢٩٨ -

ضمان ١٢٧ - ١٢٩
الجمهور أيضا، وهو الذى أطلقه
النووى (١) ، وأحد قولين عند الحنفية (٢)،
لأنها كما قال البهوتی استقرت بمضى
الحول (٣)، وعلله الحنفية بوجود التعدى
منه .
والقول الآخر عند الحنفية : أنه
لا يضمن (٢) .
١٢٨ - لو دفع المزكّى زكاته بتحرّ، إلى من
ظن أنه مصرفها، فبان غير ذلك ففى الإِجزاء
أو عدمه أى الضمان خلاف ينظر فى (زكاة) .
الضمان فى الحج عن الغير :.
١٢٩ - ذهب جمهور الفقهاء، إلى جواز
الاستئجار على الحج (٥)، وفى تضمين من يحج
عن غيره التفصيل التالى :
أ - إذا أفسد الحاج عن غيره حجه
متعمدا، بأن بدا له فرجع من بعض الطريق
أو جامع قبل الوقوف، فإنه يغرم ما أنفق على
نفسه من المال، لإفساده الحج، ويعيده من
مال نفسه عند الحنفية (٦) .
(١) روضة الطالبين ٢٢٣/٢ .
(٢) رد المحتار ٢/ ٢١.
. (٣) كشاف القناع ١٨٢/٢.
(٤) الدر المختار ورد المحتار ٢١/٢ وانظر بدائع الصنائع ٦٣/٢
ومجمع الضمانات ص ٧.
(٥) القوانين الفقهية ص ٨٧ وحاشية الجمل على شرح المنهج
٣٨٨/٢ والمغنى ١٨٠/٣ .
(٦) الدر المختار ٢٤٧/٢ ومجمع الضمانات ص ٨ .
وقال النووى : إذا جامع الأجير فسد
حجه، وانقلب له، فتلزمه الكفارة، والمضى
فی فاسده، هذا هو المشهور .
وصرح الجمل بأنه لاشىء له على
المستأجر، لأنه لم ينتفع بها فعله، وأنه
مقصر .
وقال المقدسى : ويرد ما أخذ من المال،
لأن الحجة لم تجزئ عن المستنيب، لتفريطه
وجنابته (١) .
ب - إذا أحصر الحاج عن غيره، فله
التحلل (٢)، وفى دم الإِحصار خلاف:
فعند أبى حنيفة ومحمد، وهو أحد وجھین
عند الشافعية ورواية عند الحنابلة : أنه على
الآمر، لأنه للتخلص من مشقة السفر، فهو
كنفقة الرجوع ولوقوع النسك له، مع عدم
إساءة الأجير (٣).
وعند أبی یوسف، وهو الوجه الثانى عند
الشافعية ورواية عند الحنابلة أنه فى ضمان
الأجير، كما لو أفسده (٤) .
ج - إذا فاته الحج، بغير تقصير منه بنوم،
"(١) روضة الطالبين ٢٩/٣ وحاشية الجمل على شرح المنهج
٣٩٥/٢ والمغنى - بالشرح الكبير- ١٨٢/٣ و١٨٣ وكشاف
القناع ٣٩٨/٢.
(٢) روضة الطالبين ٣٢/٣.
(٣) الدر المختار ورد المحتار ٢٤٦/٢ وحاشية الجمل ٣٩٥/٣
والمغنی ١٨٢/٣.
(٤) روضة الطالبين ٣٢/٣ والمغنى ١٨٢/٣ وانظر رد المحتار
٢٤٦/٢.
- ٢٩٩ -

ضَمَان ١٢٩ - ١٣٣
أو تأخر عن القافلة، أو غيرهما، من غير
إحصار، بل بآفة سماوية - لايضمن عند
الحنفية النفقة، لأنه فاته بغير صنعه، وعليه
الحج من قابل، لأن الحجة وجبت عليه
بالشروع، فلزمه قضاؤها (١) .
قال النووى : ولا شىء للأجير فى
المذهب (٢).
دم القِرَآن والتمتع :
١٣٠ - اختلف الفقهاء فیمن یجب علیه دم
القرآن والتمتع فى الحج عن الغير :
قال الحنفية : دم القِرَان والتمتع على
الحاج - أى المأمور بالحج عن غيره - إن أذن
له الآمر بالقران والتمتع، وإلا فیصیر مخالفا،
فيضمن النفقة (٣)
وللشافعية تفصیل وتفرقة بین ما إذا كانت
الإِجارة على الذمة أو العين، وكان قد أمره
بالحج، فقرن أو تمتع (٤).
وقال الحنابلة : دم التمتع والقران على
المستنيب ، إن أذن له فيهما، وإن لم يؤذن
فعليه (٥) (ر: قران وتمتع) .
(١) الدر المختار ورد المحتار ٢٤٦/٢ وروضة الطالبين ٣٢/٣.
(٢) روضة الطالبين ٣٢/٣.
(٣) الدر المختار ٢٤٧/٢ .
(٤) روضة الطالبين ٢٨/٣ .
(٥) المغني مع الشرح الكبير ١٨٢/٣. والإنصاف ٣/ ٤٢٠ وكشاف
القناع ٣٩٨/٢.
١٣١ - أما ما يلزم من الدماء بفعل
المحظورات فعلى الحاج وهو المأمور لأنه لم
يؤذن له فى الجنایة، فکان موجبها علیه، كما
لو لم يكن نائبًا (١).
وكل ما لزمه بمخالفته، فضمانه منه كما
یقول البهوتی (٢).
الضمان فى الأضحية :
١٣٢ - لو مضت أيام الأضحية، ولم يذبح أو
ذبح شخص أضحية غيره بغير إذنه، ففى
ذلك تفصيل ينظر فى (أضحية) .
ضمان صيد الحرم :
١٣٣ - نهى الشارع عن صيد المحرم، بحج
أو عمرة، حيوانا بريا، إذا كان مأكول
اللحم - عند الجمهور- من طير أو دابة ،
سواء أصید من حرم أم من غيره، وذلك بقوله
تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم
حرماً﴾ (٣).
وأطلق المالكية عدم جواز قتل شىء من
صید البر، ما أكل لحمه وما لم يؤكل، لكنهم
أجازوا - كالجمهور - قتل الحيوانات المضرة :
كالأسد، والذئب، والحية، والفأرة،
(١) الدر المختار ٢٤٧/٢ وروضة الطالبين ٢٩/٣ والمغنى مع
الشرح الكبير ١٨٢/٣.
(٢) كشاف القناع ٣٩٨/٢.
(٣) سورة المائدة ٩٦.
- ٣٠٠ -