النص المفهرس
صفحات 261-280
ضَمَان ٧٠ - ٧١ يضمن ماتلف بغير تعد ولا تقصير، لأن ضمان الأمانات غير صحيح (١). ونص القليوبى على أن شرط الأمانة فى العارية - وهى مضمونة عند الشافعية إذا هلکت بغیر الاستعمال - هو شرط مفسد على المعتمد، وشرط أن لا ضمان فيها فاسد لا مفسد (٢). وجاء فى نصوص الحنابلة: كل ماكان أمانة لا یصیر مضمونا بشرطه، لأن مقتضى العقد كونه أمانة، فإذا شرط ضمانه، فقد التزم ضمان مالم يوجد سبب ضمانه، فلم يلزمه، كما لو اشترط ضمان الوديعة، أو ضمان مال فی ید مالكه. وما كان مضمونا لا ینتفی ضمانه بشرطه، لأن مقتضى العقد الضمان، فإذا شرط نفى ضمانه لا ينتفي مع وجود سببه، کما لو اشترط نفی ضمان مايتعدى فيه . وعن أحمد أنه ذكر له ذلك، فقال: المؤمنون على شروطهم، وهذا يدل على نفی الضمان بشرطه، والأول ظاهر المذهب، لما ذكرناه (٣). القواعد الفقهية فى الضمان : القواعد فى الضمان كثيرة، نشير إلى (١) كشاف القناع ٤ / ١٦٨ . (٢) حاشية القليوبى على شرح المحلى على المنهاج ٣/ ٢٠. (٣) الشرح الكبير فى ذيل المغنى ٥ / ٣٦٦ و٣٦٧ . أهمها، باختصار فى التعريف بها، والتمثيل ها، كلما دعت الحاجة، مرتبة بحسب أوائل حروفها : القاعدة الأولى: ((الأجر والضمان لا يجتمعان)): (١) ٧١ - الأجر هو: بدل المنفعة. والضمان - هنا - هو: الالتزام بقيمة العين المنتفع بها، هلكت أو لم تهلك، وهذه القاعدة من قواعد الحنفية، المتصلة برأيهم فى عدم ضمان منافع المغصوب، خلافا للجمهور. فلو استأجر دابة أو سيارة، لحمل شىء معين، فَحَمَّلها شيئا آخر أو أثقل منه بخلاف جنسه، كأن ◌َّل مكان القطن حديدا فتلفت، ضمن قيمتها، ولا أجر عليه، لأنها هلكت بغير المأذون فيه .. وكذا لو استأجرها، ليركبها إلى مكان معین، فذهب بها إلى مكان آخر فهلکت، ضمن قيمتها، ولا أجر عليه، لأن الأجر والضمان لا يجتمعان، عند الحنفية (٢). لكن القاعدة مشروطة عندهم، بعدم استقرار الأجر فى ذمة الضامن، كما لو استوفى منفعة الدابة - مثلا - فعلا، ثم تجاوز فصار غاصبا، وضمن، يلزمه أجر ماسمى (١) المادة ص ٨٥ من المجلة . (٢) تبيين الحقائق ٥/ ١١٨، والبدائع ٤/ ٢١٣. - ٢٦١ - ضَمَان ٧١ - ٧٣ عندهم، إذا سلمت الدابة ولم تهلك (١). والجمهور يوجبون الأجر كلما كان للمغصوب أجر، لأن المنافع متقومة كالأعيان، فإذا تلفت أو أتلفها فقد أتلف متقوما، فوجب ضمانه کالأعيان (٢) وإذا ذهب بعض أجزاء المغصوب فى مدة الغصب، وجب مع الأجرة أرش نقصه لانفراد كل بإيجاب (٣). وللمالكية أقوال: وافقوا فى بعضها الحنفية، وفى بعضهاالجمهور وانفردوا بتفصيل فى بعضها (٤). القاعدة الثانية : ((إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر)) (٥) . ٧٢ - المباشر للفعل: هو الفاعل له بالذات، والمتسبب هو المفضى والموصل إلى وقوعه، ویتخلل بین فعله وبين الأثر المترتب عليه فعل فاعل مختار، والمباشر يحصل الأثر بفعله من غير تخلل فعل فاعل مختار. وإنما قدم المباشر لأنه أقرب لإِضافة (١) جامع الفصولين ٢ / ١١٧ . (٢) شرح المحلى على المنهاج ٣/ ٣٣، والمغنى ٥ / ٤٣٥، وكشاف القناع ٤ / ١١١ . (٣) كشاف القناع ٤ / ١١١ بتصرف . (٤) القوانين الفقهية (٢١٧). (٥) المادة (٨٩) من المجلة . الحكم إليه من المتسبب، قال خليل: وقدّم عليه المردى (١) فلو حفر رجل بئرا فى الطريق العام، بغير إذن من ولى الأمر، فألقى شخص حيوان غيره فى تلك البشر، ضمن الذي ألقى الحيوان، لأنه العلة المؤثرة، دون حافر البئر، لأن التلف لم يحصل بفعله . ولو وقع الحيوان فيه بغير فعل أحد، ضمن الحافر، لتسببه بتعديه بالحفر بغير إذن. وكذلك لو دل سارقا على متاع، فسرقه المدلول، ضمن السارق لا الدال . ولذا لو دفع إلى صبى سكينا، فوجأ به نفسه، لا يضمن الدافع، لتخلل فعل فاعل مختار. ولو وقع السكين على رجل الصبى فجرحها ضمن الدافع (٢). القاعدة الثالثة: (( الاضطرار لا يبطل حق الغير)) (٣). ٧٣ - تطرد هذه القاعدة سواء أكان الاضطرار فطريا كالجوع، أم غير فطري كالإِكراه، فإنه يسقط الإثم، وعقوبة التجاوز، أما حق الآخرين فلا يتأثر بالاضطرار، ويبقى المال (١) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقى ٤٤٤/٣، (٢) جامع الفصولين ٨١/٢ ومجمع الضمانات (١٣٦) (٣) المادة (٣٣) من المجلة. - ٢٦٢ - ضمان ٧٣ - ٧٦ مضمونا بالمثل إن کان مثلیا، والقیمة إن كان قيميا. فلو اضطر في مخمصة إلى أكل طعام غيره، جاز له أكله، وضمن قيمته، لعدم إذن المالك، وإنما الذى وجد هو إذن الشرع الذي أسقط العقوبة فقط (١). القاعدة الرابعة: ((الأمر بالتصرف فى ملك الغیر باطل)» (٢). ٧٤ - الأمر: هو طلب الفعل جزما، فإذا أمر شخص غيره بأخذ مال شخص آخر أو بإتلافه عليه فلا عبرة بهذا الأمر، ويضمن الفاعل . وهذه القاعدة مقيدة : بأن يكون المأمور عاقلا بالغا، فإذا كان صغیرا، کان الضمان على الآمر. وأن لا يكون الآمر ذا ولاية وسلطان على المأمور . فلو كان الأمر هو السلطان أو الوالد، (٣) کان الضمان عليهما القاعدة الخامسة: ((جناية العجماء جبار)). ٧٥ - هذه القاعدة مقتبسة من حديث شريف عن أبى هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﴾ قال: ((العجماء جرحها (١) البدائع ٧ / ١٧٩، وشرح الزرقانى ٣/ ٢٩، والقواعد لابن رجب (٣٦ و٢٨٦) . (٢) المادة (٩٥) من المجلة. (٣) جامع الفصولين ٢ / ٧٨ . جبار)) (١) والعجماء: البهيمة، لأنها لا تفصح، ومعنی جبار: أنه هدر وباطل . والمراد أنها إذا كانت مسيّبة حيث تسیّب الحیوانات، ولا ید علیها، أما لو کان معها راکب فیضمن، فلو اصطادت هرته طائرا لغيره لم يضمن (٢). وفى المسألة تفصیل وخلاف یأتی فی ضمان جناية الحيوان. القاعدة السادسة: ((الجواز الشرعى ينافى الضمان)) (٣). ٧٦ - يعنى إذا ترتب على الفعل الجائز المباح شرعا، ضرر للآخرين ، لا يضمن الضرر. فلو حفر حفرة فى ملكه، أو فى الطريق، بإذن الحاكم، فتردی فیها حيوان أو إنسان، لا يضمن الحافر شيئا . وهذا مقید بشرطین: ١ - أن لا يكون المباح مقيدا بشرط السلامة، فيضمن - مثلا - راكب السيارة وقائد الدابة أو راكبها فى الطريق (٤). ٢ - أن لا يكون فى المباح إتلاف الآخرين وإلا كان مضمونا . (١) حديث: ((العجماء جرحها جبار)) أخرجه البخارى (١٢ / ٢٥٤) ومسلم (٣/ ١٣٣٤) (٢) مجمع الضمانات (١٨٥) وجامع الفصولين ٢ / ٨٥. (٣) المادة (٩٠) من المجلة. (٤) الدر المختار ٥ / ٣٨٦). - ٢٦٣ - ضَمَان ٧٦ - ٧٩ فيضمن مايتلفه من مال غيره للمخمصة، مع أن أکله لأجلها جائز، بل واجب (١) القاعدة السابعة: ((الخراج بالضمان(٢) ٧٧ - الخراج: هو غلة الشىء ومنفعته، إذا كانت منفصلة عنه، غير متولدة منه، كسكنى الدار، وأجرة الدابة . والضمان: هو التعويض المالى عن الضرر المادى . والمعنى : أن منافع الشىء يستحقها من يلزمه ضمانه لو هلك، فتكون المنفعة فى مقابل تحمل خسارة هلاكه، فما لم يدخل فى ضمانه لا يستحق منافعه (٣) وقد (نهى رسول الله وَلّر عن ربح مالم يضمن)) (٤). القاعدة الثامنة: ((الغرم بالغنم)) (٥) . ٧٨ - هذه القاعدة معناها أن التكلفات والغرامات التى تترتب على الشىء، تجب على من استفاد منه وانتفع به، مثال ذلك: (١) درر الحكام ٢ / ١٠٩ - ١١١، ومجمع الضمانات (١٤٩) وجامع الفصولين ٢ / ٨٨ .. (٢) المادة (٨٥) من المنجلة . (٣) القوانين الفقهية، ص ٢١٧ (والأشباه والنظائر لابن نجيم ١٥١، ١٥٢، وانظر فروعا أخرى مماثلة فى جامع الفصولین ٢ / ١١٨ - ٠١٢٠ (٤) حديث: ((نهى رسول الله ◌َ لا عن ربح ما لم يضمن)). أخرجه أحمد (٢/ ١٧٤ - ١٧٥) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده حسن . (٥) المادة (٨٧) من المجلة . ١ - نفقة رد العارية على المستعير، لأنه هو الذي انتفع بها . ٢ - ونفقة رد الوديعة على المودع، لأنه هو الذي استفاد من حفظها . ٣ - وأجرة كتابة عقد الملكية على المشترى، لأنها توثيق لانتقال الملكية إلیه، وهو المستفيد من ذلك. القاعدة التاسعة : ((لا يجوز لأحد أخذ مال أحد بلا سبب شرعى)) (١). ٧٩ - هذه القاعدة مأخوذة من حديث: «علی الید ماأخذت حتى تؤديه)) (٢). فيحرم أخذ أموال الآخرين بالباطل کالغصب والسرقة ونحوهما . أحكام الضمان: أحكام الضمان - بوجه عام - تقسم إلى هذه الأقسام . ١ - ضمان الدماء (الأنفس والجراح). ٢ - ضمان العقود. ٣ - ضمان الأفعال الضارة بالأموال، کالإِتلافات، والغصوب . وحيث تقدم القول فى ضمان العقود فى أنواع الضمان ومحله، فنقصر القول على (١) المادة (٨٧) من المجلة . (٢) حديث : ((علی الید ما أخذت حتى تؤديه)). تقدم تخريجه ف ٦ . - ٢٦٤ - ضَمَان ٧٩ - ٨٢ ضمان الدماء، وضمان الأفعال الضارة بالأموال . ضمان الدماء (الأنفس والجراح) ٨٠ - ضمان الدماء أو الأنفس هو: الجزاء المترتب على الضرر الواقع على النفس فما دونہا. ويشمل القصاص والحدود، وهى مقدَّرة، كما يشمل التعزير وحكومة العدل وهى غير مقدّرة من جهة الشارع . ويقسم الضمان - بحسب الجناية - إلى ثلاثة أقسام : ١ - ضمان الجناية على النفس. ٢ - ضمان الجنایة علی مادون النفس، من الأطراف والجراح. ٣ - ضمان الجناية على الجنين، وهى: الإجهاض. وبيان ذلك فيما يلى : أولا: ضمان الجناية على النفس : يتمثل فيما يلى، باعتبار أنواعها: القتل العمد : ٨١ - القتل العمد، إذا تحققت شروطه، فضمانه بالقصاص . (ر: مصطلح: قتل، قصاص). وأوجب الشافعية وآخرون الكفارة فيه أيضا (١) فإن امتنع القصاص، أو تعذر أو صالح عنه، كان الضمان بالدية أو بما صولح عنه (ر: مصطلح: ديات) . ويوجب المالكية حينئذ التعزير، كما يوجبون فى القتل غيلة - القتل على وجه المخادعة والحيلة - قتل القاتل تعزيرا، إن عفا عنه أولياء المقتول (٢). كما يحرم القاتل من ميراث المقتول ووصیته . القتل الشبيه بالعمد: ٨٢ - هو: القتل بما لا يقتل فى الغالب - عند الجمهور۔ وبالمثقلات کذلك - عند أبى حنيفة، من غير الحديد والمعدن - وإن كان المالكية يرون هذا من العمد (٣). وهو مضمون بالدية المغلظة فى الحدیث: ((ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد، ماكان بالسوط والعصا، مائة من الإِبل، أربعون فى بطونها أولادها)) (٤) (١) شرح المحلى على المنهاج ٤ / ١٦٢. (٢) القوانين الفقهية ص ٢٢٧ (٣) الهداية وشروحها ١٤٤/٨ و١٤٥، وشرح الخرشى ٨ / ٧ - (ط : دار صادر فى بيروت)، والقوانين الفقهية ص ٢٢٦ وكفاية الأخيار ٢ / ٩٨، وكشاف القناع ٥/ ٥١٢ . (٤) حديث: ((ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد)) - ٢٦٥ - ضَمَان ٨٣ - ٨٥ القتل الخطأ: ٨٣ - وهو مضمون بالدية على العاقلة اتفاقا بالنص الكريم، وفيه كذلك الكفارة والحرمان من الإِرث والوصية وهذا لعموم النص (١). والضمان كذلك فى القتل الشبيه بالخطأ فى اصطلاح الحنفية، ويتمثل بانقلاب النائم على شخص فيقتله، أو انقلاب الأم على رضیعھا فیموت بذلك القتل بسبب : ٨٤ - قال به الحنفية، ويتمثل بما لو حفر حفرة فى الطريق، فتردی فیها إنسان فمات. وهو مضمون بالدية فقط، عندهم، فلا كفارة فيه، ولا حرمان، لا نعدام القتل فيه حقيقة، وإنما أوجبوا الدية صونا للدماء عن الهدر (٢). والجمهور من الفقهاء، يلحقون هذا النوع من القتل بالخطأ فى أحكامه، دية، = أخرجه النسائى (٤١/٨) من حديث ابن مسعود، وصححه ابن القطان كما فى التلخيص لابن حجر (٤ / ١٥) (١) الهداية وشرح الكفاية ٩/ ١٤٨ والدر المختار ورد المحتار ٥/ ٣٤٢، وحاشية العدوى على شرح الخرشى ٨/ ٤٩، وانظر فى هذه الأحكام : القوانين الفقهية (٢٢٨) وبداية المجتهد ٢/ ٥١١، وكفاية الطالب شرح رسالة ابن أبى زيد القيروانى، بحاشية العدوى ٢ / ٢٨٦، وكفاية الأخيار ٢ / ٩٧، ٩٨، والروض المربع (٣٧٥). (٢) الكفاية شرح الهداية ٩ / ١٤٨، والدر المختار ورد المحتار ٥/ ٣٤٢، البدائع ٧/ ٢٧٤ . وكفارة، وحرمانا، لأن الشارع أنزله منزلة القاتل (١) . (وللتفصيل ر: مصطلح: قتل وديات وجناية). ثانيا: ضمان الجناية على مادون النفس: وتتحقق فى الأطراف، والجراح فى غير الرأس، وفى الشجاج . ٨٥ - أ- أما الأطراف: فحددت عقوبتها بالقصاص بالنص، فى قوله تعالى: ﴿وکتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن﴾ (٢). وزاد مالك على ذلك التعزير بالتأديب، ليتناهى الناس(٣). فإذا امتنع القصاص، بسبب العفو أو الصلح أو لتعذر المماثلة، كان الضمان بالدية والأرش، وهو: اسم للواجب من المال فيما دون النفس (٤) . (ر: جناية على مادون النفس). ٠٠ (١) القوانين الفقهية (٢٢٨) وشرح الخرشى ٨ /٤٩، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٥ / ١٠٢ وشرح المحلى على المنهاج بحاشية القليوبى ٤ /١٦٢، والمغنى بالشرح الكبير ١٠/ ٣٧ و ٧/ ١٦١ و١٦٢، والروض المربع (٣٨٢). (٢) سورة المائدة / ٤٥ . (٣) مواهب الجليل ٦/ ٢٤٧ . (٤) الدر المختار ٥/ ٣٦٨. - ٢٦٦ - ضمان ٨٦ - ٨٨ ٨٦ - ب- وأما الجراح فخاصة بما کان فی غیر الرأس، فإذا كانت جائفة، أى بالغة الجوف، فلا قصاص فيها اتفاقا، خشية الموت . وإذا كانت غير جائفة، ففيها القصاص عند جمهور الفقهاء فى الجملة خلافا للحنفية الذين منعوا القصاص فيها مطلقا لتعذر المماثلة (١). فإن امتنع القصاص فى الجراح، وجبت الدية : ففى الجائفة يجب ثلث الدية، لحديث: («فى الجائفة ثلث العقل» (٢). وفی غیر الجائفة حكومة عدل، وفسرت بأنها أجرة الطبيب وثمن الأدوية (٣). وللتفصيل راجع مصطلح: (جراح، وحكومة عدل). ٨٧ - ج - وأما الشجاج، وهی مایکون من الجراح فى الوجه والرأس (٤) فإن تعذر القصاص فيها: (١) بدائع الصنائع ٧/ ٢٩٦، والدر المختار ٥/ ٣٧٦، وتبيين الحقائق ٦/ ١١٧ والقوانين الفقهية (٢٣٠) وجواهر الإكليل ٢ / ٢٥٩، الإقناع بحاشية البجيرمى ٤ /١١٢، والوجيز ٢ / ١٤١، والمغنى بالشرح الكبير ٩/ ٤١٠، ٤١١ (٢) حديث: ((فى الجائفة ثلث العقل)) أخرجه أحمد (٢/ ٢١٧) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده حسن . (٣) الدر المختار ٥/ ٣٧٦. (٤) الدر المختار ٣٧٢/٥ . ففيه الأرش مقدرا، كما فى الموضحة، لحديث ((قضى رسول الله# فى الموضحة، خمس من الإبل)) (١). وقد يكون غير مقدر، فتجب الحكومة. ومذهب الجمهور: أن مادون الموضحة، ليس فيه أرش مقدر، لما روى ((أن النبي # لم يقض فيما دون الموضحة بشىء)) (٢). فتجب فيه الحكومة ومذهب أحمد أنه ورد التقدير فى أرش الموضحة، وفیما دونها، كما ورد فيما فوقها فيعمل به (٣). وللتفصيل: (ر: مصطلح: شَجاج، ديات، حكومة عدل) . ثالثا: ضمان الجناية على الجنين: ٨٨ - وهى الإجهاض، فإذا سقط الجنين ميتا بشروطه، فضمانه بالغرة اتفاقا، لحديث (١) حديث: ((قضى رسول الله ﴿ فى الموضحة خمس من الإبل)) أخرجه النسائى (٨/ ٥٨ -٥٩) ضمن حديث طويل، وخرجه ابن حجر فى التلخيص (٤/ ١٧ - ١٨) وتكلم على أسانيده، ونقل تصحيحه عن جمع من العلماء . (٢) حديث: ((أن النبى ) لم يقض فيما دون الموضحة بشىء). أخرجه عبد الرزاق (٩/ ٣٠٦) من حديث عمر بن عبد العزيز مرسلا (٣) البدائع ٧/ ٣٠٩، والدر المختار ورد المحتار ٥/ ٣٧٢، وتبيين الحقائق ٦/ ١٣٢ و١٣٣، والقوانين الفقهية (٢٣٠) وبداية المجتهد ٢ / ٥١٤،٥١٢، وشرح المحلى على المنهاج ٤ / ١٣٣ وما بعدها والشرح الكبير مع المغنى ٩/ ٤٦١ وما بعدها و ٦٢١ وما بعدها . - ٢٦٧ - ضَمَان ٨٨ - ٩٠ ((أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه - أن النبى ژ۔ ۔ قضی فی جنین امرأة من بنی حیان، بغرة، عبد أو أمة)) (١). وتجب عند الجمهور فى مال العاقلة، خلافا للمالكية والحنابلة الذين أوجبوها فى مال الجانى . ولا كفارة فيها عند الحنفية، وإنما تندب، وأوجبها الشافعية والحنابلة لأن الجنين آدمى معصوم، وإذا لم توجد الرقبة، انتقلت العقوبة إلى بدلها مالا، وهو: نصف عشر دية الرجل، وعشر دية المرأة (٢). (ر: جنين، غرة). ضمان الأفعال الضارة بالأموال: ٨٩ - تتمثل الأفعال الضارة بالأموال فى الإتلافات المالية، والغصوب، ونحوها. ولضمان هذا النوع من الأفعال الضارة، أحكام عامة، وأحكام خاصة : (١) حديث أبى هريرة: ((أن النبى # قضى فى جنين امرأة)). أخرجه البخاری (١٢/ ٢٥٢) ومسلم (٣/ ١٣٠٩) .. (٢) بدائع الصنائع ٧/ ٣٢٦ و٣٢٧، والدر المختار ورد المحتار ٥/ ٣٧٧ و٣٧٨، والقوانين الفقهية (٢٢٨) وبداية المجتهد ٢/ ٥٠٨ و٥٠٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٦ و٢٧٢، وشرح ابن أبى زيد القيروانى بحاشية العدوى ٢ / ٢٨٦، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٥/ ٩٩ وما بعدها، وشرح المحلى بحاشية القليوبى ٤ / ١٥٩ وما بعدها . والمغنى بالشرح الكبير ٩/ ٥٥٠ وما بعدها . أولا: الأحكام العامة فى ضمان الأفعال الضارة بالأموال : ٩٠ - تقوم فكرة هذا النوع من الضمان - خلافا لما تقدم فى ضمان الأفعال الضارة بالأنفس ـ على مبدأ جبر الضرر المادى الحائق بالآخرين ، أما فى تلك فهو قائم على مبدأ زجر الجناة، وردع غيرهم. والتعبير بالضمان عن جبر الضرر وإزالته، هو التعبير الشائع فى الفقه الإِسلامی، وعبر بعض الفقهاء من المتأخرين بالتعويض، كما فعل ابن عابدين (١). وتوسع الفقهاء فى هذا النوع فى أنواع الضمان وتفصيل أحكامه، حتى أفرده البغدادى بالتصنيف فى كتابه: (مجمع الضمانات). ومن أهم قواعد الضمان قاعدة: ((الضرر یزال)». وإزالة الضرر الواقع على الأموال يتحقق بالتعويض الذى يجبر فيه الضرر. وقد عرف الفقهاء الضمان بهذا المعنى، بأنه: رد مثل الهالك أو قيمته (٢). وعرفه الشوكانى بأنه: عبارة عن غرامة التالف (٣). (١) مجموعة رسائل ابن عابدين ٢ / ١٧٧ (ط: الأستانة) . (٢) غمز عيون البصائر فى شرح الأشباه والنظائر للحموى ٤ / ٦ (٣) نيل الأوطار ٥ / ٢٩٩ فى شرح أحاديث الوديعة والأمانة وضمان اليد، نقلا عن ضوء النهار. - ٢٦٨ - ضَمَان ٩٠ - ٩٢ وكلا التعريفين يستهدف إزالة الضرر، وإصلاح الخلل الذي طرأ على المضرور، وإعادة حالته المالية إلى ماكانت عليه قبل وقوع الضرر. طريقة التضمين: ٩١ - القاعدة العامة فى تضمين الماليات، هى: مراعاة المثلية التامة بين الضرر، وبين العوض، كلما أمكن، قال السرخسي: ((ضمان العدوان مقدر بالمثل بالنص)) (١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ماعوقبتم به﴾ (٢). والمثل وإن كان به يتحقق العدل، لكن الأصل أن يرد الشىء المالى المعتدى فيه نفسه، كلما أمكن، مادام قائما موجودا، لم يدخله عيب ينقص من منفعته، وهذا الحديث الحسن، عن سمرة - رضى الله تعالى عنهما - عن النبى ◌َ ﴾ قال: ((على اليد ماأخذت حتی تؤدى)» (٣) بل هذا هو الموجب الأصلى فى الغصب، الذى هو أول صور الضرر وأهمها. فإذا تعذر رد الشىء بعينه، لهلاكه أو استهلاكه أو فقده، وجب حينئذ رد مثله، (١) المبسوط ١١ / ٧٩. (٢) سورة النحل / ١٢٦ . (٣) حديث: ((علی الید ما أخذت حتى تؤدى)) تقدم تخريجه ف ٦ . إن کان مثلیا، أو قیمته إن كان قیمیا . والمثلى هو: ماله مثل فى الأسواق، أو نظیر، بغیر تفاوت يعتد به، كالمكيلات، والموزونات، والمذروعات، والعدديات المتقاربة . والقیمی هو: ماليس له مثل فى الأسواق، أو هو ماتتفاوت أفراده، كالكتب المخطوطة، والثياب المفصلة المخيطة لأشخاص بأعیانهم . والمثل أعدل فى دفع الضرر، لما فيه من اجتماع الجنس والمالية. والقيمة تقوم مقام المثل، فى المعنى والاعتبار المالى (١). ٤ وقت تقدیر التضمين: ٩٢ - تناول الفقهاء هذه المسألة، فى المغصوب - على التخصيص - إذا كان مثليا، وفقد من السوق، وقد اختلفت أنظارهم فيها على الوجه التالي : ذهب أبو يوسف: إلى اعتبار القيمة يوم الغصب، لأنه لما انقطع من السوق التحق بما لا مثل له، فتعتبر قیمته يوم انعقاد السبب، ـة (١) الهداية بشروحها ٨ / ٢٤٦ وما بعدها، ومجمع الأنهر ٢ / ٤٥٦ و ٤٥٧، والقوانين الفقهية ٢١٦ و٢١٧ والشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٤٥ وما بعدها، وشرح المحلى على المنهاج ٢/ ٢٥٩ وما بعدها. والمغنى بالشرح الكبير ٥/ ٣٧٦ و ٣٧٧ . - ٢٦٩ - ضَمَان ٩٢ وهو الغصب، كما أن القيمى تعتبر قيمته كذلك يوم الغصب . وذهب محمد: إلى اعتبار القيمة يوم الانقطاع، لأن الواجب هو المثل فى الذمة، وإنما ينتقل إلى القيمة بالانقطاع، فتعتبر قيمته يوم الانقطاع. ومذهب أبي حنيفة: اعتبار القيمة يوم القضاء، لأن الواجب هو المثل، ولا ينتقل إلى القيمة بمجرد الانقطاع، لأن للمغصوب منه أن ينتظر حتى يوجد المثل، بل إنها ينتقل بالقضاء، فتعتبر القيمة يوم القضاء (١). أما القيمى إذا تلف، فتجب قيمته يوم الغصب اتفاقا (٢) أما فى الاستهلاك: فكذلك عند الإِمام، وعندهما يوم الاستهلاك (٣) ومذهب المالكية: أن ضمان القيمة يعتبر يوم الغصب والاستيلاء على المغصوب سواء أكان عقارا، أم غيره، لا يوم حصول المفوت، ولا يوم الرد، وسواء أكان التلف بسماوى أم بجناية غيره عليه (٤). (١) الهداية وشروحها ٨/ ٢٤٦ و ٢٤٧، وتبيين الحقائق ٥/ ٢٢٣ و ٢٢٤، وبدائع الصنائع ٧/ ١٥١ (٢) جامع الفصولين ٢ / ٩٣ رامزا إلى فتاوى ظهير الدين المرغينانى والدر المختار ٥ / ١١٦ . (٣) رد المحتار ٥ / ١١٦. (٤) الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقى عليه ٣/ ٤٤٣، والقوانين الفقهية ٢١٧ . وفى الإتلاف والاستهلاك - فى غير المثليات - كالعروض والحيوان، تعتبر يوم الاستهلاك والإتلاف (١). والأصح عند الشافعية: أن المثلى إذا تعذر وجوده، في بلده وحوالیه تعتبر أقصی قیمة، من وقت الغصب إلى تعذر المثل، وفى قول إلى التلف، وفى قول إلى المطالبة (٢). وإذا كان المثل مفقودا عند التلف، فالأصح وجوب أكثر القيم من وقت الغصب إلى التلف، لا إلى وقت الفقد (٣). وأما المتقوم فيضمن فى الغصب بأقصى قيمة من الغصب إلى التلف (٤). وأما الإِتلاف بلا غصب، فتعتبر قيمته يوم التلف، لأنه لم يدخل فى ضمانه قبل ذلك، وتعتبر فى موضع الإتلاف، إلا إذا كان المكان لا يصلح لذلك كالمفازة، فتعتبر القيمة فى أقرب البلاد (٥) ومذهب الحنابلة: أنه يجب رد قيمة المغصوب، إن لم یکن مثلیا، يوم تلفه فی بلد غصبه من نقده، لأن ذلك زمن الضمان (١) بداية المجتهد ٢ / ٣٨٧ وفيه الأدلة . (٢) شرح المحلى على المنهاج ٣/ ٣١ و٣٢، وانظر الوجيز ٢٠٨/١ (٣) الإقناع وحاشية البجيرمى عليه ٣/ ١٤٣. (٤) الإقناع وحاشية البجيرمى عليه ٣/ ١٤٣ و١٤٤، وشرح المحلى على المنهاج ٣/ ٣١ و٣٢، والوجيز ١/ ٢٠٩. (٥) شرح المحلى على المنهاج ٣/ ٣٢، والإقناع ٣/ ١٤٤. - ٢٧٠ - ضَمَان ٩٢ - ٩٣ وموضع الضمان ومنصرف اللفظ عند الإطلاق (كالدينار) كما يقول البهوتى (١) إن لم تختلف قيمة التالف، من حين الغصب إلى حين الرد. فإن اختلفت لمعنى فى التالف من كبر وصغر وسمن وهزال ۔ ونحوها - مما يزيد فى القیمة وینقص منها، فالواجب رد أکثر ماتكون عليه القيمة من حين الغصب إلى حين الرد، لأنها مغصوبة فى الحال التى زادت فيها، والزيادة مضمونة لمالكها. وإن کان المغصوب مثلیا يجب رد مثله، فإن فقد المثل، فتجب القيمة يوم انقطاع المثل، لأن القيمة وجبت فى الذمة حين انقطاع المثل، فاعتبرت القيمة حينئذ، كتلف المتقوم . وقال القاضى: تجب قیمته يوم قبض البدل، لأن الواجب هو المثل، إلى حين قبض البدل، بدليل أنه لو وجد المثل بعد فقده، لکان الواجب هو المثل دون القيمة، لأنه الأصل، قدر عليه قبل أداء البدل، فأشبه القدرة على الماء بعد التيمم (٢). تقادم الحق فى التضمين: ٩٣ ۔ التقادم - أو مرور الزمان - هو: مضى (١) كشاف القناع ٤/ ١٠٨٪ (٢) المغنى بالشرح الكبير ٥/ ٤٢٠ -٤٢٢. زمن طويل، على حق أو عين فى ذمة إنسان، لغیره دون مطالبة بهما، مع قدرته عليها. والشريعة - بوجه عام - اعتبرت التقادم مانعا من سماع الدعوى، فى الملك وفى الحق، مع بقائهما على حالهما السابقة، ولم تعتبره مكسبا لملكية أو قاطعا لحق . فيقول الحصكفى: القضاء مظهر لا مثبت، ویتخصص بزمان ومكان وخصومة حتى لو أمر السلطان بعدم سماع الدعوى، بعد خمس عشرة سنة، فسمعها القاضى، لم ينفذ (١). ونقل ابن عابدين عن الأشباه وغيرها، أن الحق لا يسقط بتقادم الزمان (٢). فبناء على هذا يقال: إذا لم يرفع الشخص المضرور دعوى، يطالب فيها بالضمان أو التعويض عن الضرر، ممن ألحقه به، مدة خمسة عشر عاما، سقط حقه، قضاء فقط لا دیانة، فى إقامة الدعوى من جديد، إلا إذا کان المضرور غائبا، أو كان مجنونا أو صبيا وليس له ولی، أو كان المدعی علیه حاكما جائرا، أو كان ثابت الإِعسار خلال هذه المدة، ثم أيسر بعدها، فإنه يبقى حقه فى إقامة الدعوى قائما، مهما طال الزمن بسبب العذر، الذى ينفى شبهة التزوير . (١) رد المحتار ٤/ ٣٤٣. (٢) رد المحتار ٤/ ٣٤٣. - ٢٧١ - ضَمَان ٩٣ - ٩٦ وكذلك إذا أمر السلطان العادل نفسه بسماع هذه الدعوى، بعد مضى خمسة عشر عاماً أو سمعها بنفسه، ـ كما يقول ابن عابدين (١) - حفظا لحق المضرور، إذا لم یظهر منه مايدل على التزوير. وكذلك إذا أقر الخصم بحق المضرور فى الضمان، والتعويض عن الضرر، بعد مضى هذه المدة، فإنه يتلاشى بذلك مضى الزمن، ويسقط لظهور الحق بإقراره وهذا كما جاء فى كتب الحنفية. ثانيا : الأحكام الخاصة فى ضمان الأفعال الضارة بالأموال: ٩٤ - قد ذكرنا أن القاعدة فى الضمان، هى رد العین أصلا، وإذا تعذر رد العین، وجب الضمان برد المثل فى المثليات، ودفع القيمة فى القیمیات ونذكر- هنا - التضمين فى أحوال خاصة مستثناة من الأصل، إذ يحكم فيها بالتعويض المالى أحيانا، وبالتخيير بينه وبين ضمان المثل فى أحيان أخرى، وهى: قطع الشجر، وهدم المبانى، والبناء على الأرض المغصوبة، أو الغرس فيها، وقلع عين الحیوان، وتفصیل القول فیھا کما يلى : - (١) رد المحتار ٥/ ٣٤٣. أ - قطع الشجر: ٩٥ ۔ لو قطع شخص لآخر، شجر حديقته، ضمن قيمة الشجر، لأنه ليس بمثلى. وطريق معرفته: أن تقوم الحديقة مع الشجر القائم، وتقوم بدونه فالفضل هو قیمته، فالمالك مخير بين أن يضمنه تلك القيمة، ويدفع له الأشجار المقطوعة، وبين أن یمسکها، ویضمنه نقصان تلك القيمة (١). ولو كانت قيمة الأشجار مقطوعة وغير مقطوعة سواء، بریء (٢). ولو أتلف شجرة من ضيعة، ولم يتلف به شىء، قيل: تجب قيمة الشجرة المقطوعة، وقيل تجب قيمتهانابتة (٣) ، ولو أتلف شجرة، قومت مغروسة وقومت مقطوعة، ويغرم مابينهما . ولو أتلف ثمارها، أو نفضها لمّ نَوّرت، حتى تناثر نورها، قومت الشجرة مع ذلك، وقومت بدونها فيغرم مابينهما، وكذا الزرع (٤). ب -هدم المبانى: ٩٦ - إذا هدم إنسان بناء أو جدارا لغيره، (١) جامع الفصولين ٢ / ٩١ رامزا إلى أبى الليث. (٢) جامع الفصولين ٢ / ٩١ . (٣) جامع الفصولين ٢ / ٩١ رامزا إلى جامع الفتاوى . (٤) جامع الفصولين ٢ / ٩١ رامزا إلى فتاوى القاضى ظهير الدين . وانظر مجمع الضمانات (١٥٢) . - ٢٧٢ - ضَمَان ٩٦ يجب عليه بناء مثله، وهذا عند أبى حنيفة والشافعى، فإن تعذرت المماثلة رجع إلى القيمة (١) ، لحديث: ((أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﴿لا+: كان رجل فی بنی إسرائیل یقال له: جریج، یصلى، فجاءته أمه فدعته، فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلى؟ ثم أتته فقالت: اللهم لا تمته حتی تریه وجوه المومسات، وكان جريج فى صومعته فقالت امرأة: لأقتنن جریجا، فتعرضت له، فكلمته، فأبى. فأتت راعیا فأمكنته من نفسها. فولدت غلاما، فقالت: هو من جريج. فأتوه وكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى، ثم أتی الغلام فقال: من أبوك ياغلام؟ قال: الراعي. قالوا: نبنی صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين)) (٢). والأصل: أن الحائط والبناء من القيميات، فتضمن بالقيمة. وقد نقل الرملى الحنفی أنه لو هدم جدار غيره، تقوم داره مع جدرانها، وتقوم بدون هذا الجدار فيضمن فضل مابينهما (٣). (١) عمدة القارى شرح صحيح البخارى للعينى ١٣ / ٣٨ (ط: المطبعة المنيرية فى القاهرة : ١٣٤٨) هـ . (٢) حديث أبى هريرة : ((كان رجل فی بنی إسرائيل يقال له جريج)) أخرجه البخارى (٥/ ١٢٦ - ١٢٧). (٣) حاشية الرملى على جامع الفصولين ٢ / ٩٦ . وفى القنية عن محمد بن الفضل: إذا هدم حائطا متخذا من خشب أو عتيقا متخذا من رهص (طین) (١) یضمن قيمته، وإن كان حدیثا یؤمر بإعادته كما كان (٢) . وقال ابن نجيم: من هدم حائط غيره فإنه يضمن نقصانها (أى قيمتها مبنيّةٌ) (٣) ولا يؤمر بعمارتها، إلا فى حائط المسجد، كما فى كراهة الخانية (٤) . لكن المذهب، ماقاله العلامة قاسم فى شرحه للنقاية: وإذا هدم الرجل حائط جاره فللجار الخيار: إن شاء ضمنه قيمة الحائط، والنّقض للضامن، وإن شاء أخذ النّقض، وضمنه النقصان، لأن الحائط قائم من وجه، وهالك من وجه، فإن شاء مال إلى جهة القيام، وضمنه النقصان، وإن شاء مال إلى جهة الهلاك وضمنه قيمة الحائط، وليس له أن يجبره على البناء، كما كان، لأن الحائط لیس من ذوات الأمثال. وطريق تقويم النقصان: أن تقوم الدار مع حيطانها، وتقوم بدون هذا الحائط (١) الرّهص: هو الطين الذى يبنى به، يجعل بعضه على بعض، القاموس المحيط . مادة : (رهص) . (٢) حاشية الحموى على الأشباه ٣/ ٢٠٨، وحاشية الرملى على جامع الفصولين ٢ / ٩٦ وانظر عمدة القارى ١٣/ ٣٩. (٣) انظر حاشية الرملى على جامع الفصولين ٢ / ٩٠ و٩٢. (٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم بحاشية الحموى ٣/ ٢٠٨، وانظر الدر المختار ٥/ ١١٥ ولابن عابدين كلام فى التفرقة بين الحائطين فى الموضع نفسه . - ٢٧٣ - ضَمَان ٩٦ - ٩٧ فيضمن فضل مابينهما (١). ٠٠ والضمان فی هذه الحال مقید بما إذا لم یکن الهدم للضرورة، كمنع سريان الحريق، بإذن الحاكم، فإن كان كذلك فلا ضمان، وإن لم يكن بإذن الحاكم، ضمن الهادم قيمتها معرضة للحريق . جـ - البناء على الأرض المغصوبة أو الغرس فيها : ٩٧ - إذا غرس شخص شجرا، أو أقام بناء على أرض غصبها، فمذهب جمهور الفقهاء، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية (٢) أنه يؤمر بقلع الشجر، وهدم البناء، وتفريغ الأرض من کل ما أنشأ فيها، وإعادتها كما كانت. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا (٣) وذلك: لحديث ((عروة بن الزبير أن رسول الله ﴿ل﴾ قال: من أحيا أرضا ميتة فھی له، ولیس العرق ظالم حق، قال: فلقد أخبرنى الذى حدثنی هذا الحدیث، أن رجلين اختصما إلى رسول الله پ# غرس أحدهما نخلا فی أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: (١) حاشية الحموى على الأشباه والنظائر لابن نجيم، غمز عيون البصائر ٣ / ٢٠٨ ورد المحتار ٥ / ١١٥ . (٢) مجمع الأنهر ٢ / ٤٦٢. (٣) المغنى بالشرح الكبير ٥ / ٣٧٩ . فلقد رأيتها، وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عمّ)) (١) أى طويلة(٢). ولأنه شغل ملك غيره، فیؤمر بتفريغه، دفعا للظلم، وردا للحق إلى مستحقه (٣) . قال الشافعية والحنابلة: عليه أرش نقصها إن کان، وتسويتها، لأنه ضرر حصل بفعله، مع أجرة المثل إلى وقت التسليم (٤). وقال القلیوبی: وللغاصب قلعهما قهرا على المالك، ولا يلزمه إجابة المالك لو طلب الإِبقاء بالأجر، أو التملك بالقيمة ، وللمالك قلعهما جبرا على الغاصب، بلا أرش لعدم احترامهما عليه (٥). والمالكية خيروا المالك بين قلع الشجر وهدم البناء، وبين تركهما، على أن يعطى المالك الغاصب، قيمة أنقاض الشجر والبناء، مقلوعا، بعد طرح أجرة النقض والقلع، لكنهم قيدوا قلع الزرع بما إذا لم یفت، أی لم يمض وقت ماتراد الأرض له فله عندئذ أخذه بقيمته مقلوعا مطروحا منه أجرة (١) حديث : عروة بن الزبير: من أحيا أرضا ميتة فهى له . أخرجه أبو داود (٣ / ٤٥٤ - ٤٥٥) وفى إسناده انقطاع . (٢) بفتح العين من (عم) وضمها، جمع عميمة . كما فى نيل الأوطار ٣٢١/٥. (٣) الاختيار ٣/ ٦٣، والمغنى بالشرح الكبير ٥/ ٣٨٠. (٤) شرح المحلى على المنهاج ٣/ ٣٩، والروض المربع ٢/ ٢٤٩، والمغنى بالشرح الكبير ٥/ ٣٧٨ . (٥) حاشية القليوبى على شرح المحلى ٣/ ٣٩، والمغنى ٥ / ٣٧٩ و ٣٨٠، والروض المربع ٢/ ٢٤٩ . - ٢٧٤ - ضَمَان ٩٧ - ٩٨ القلع . فإن فات الوقت، بقى الزرع للزارع، ولزمه الكراء إلى انتهائه (١) . ونص على مثل هذا الحنفية (٢). (ر: غرس - غصب). د - قلع عين الحيوان : ٩٨ - الحيوان وإن كان من الأموال، وينبغى أن تطبق فى إتلافه - كليا أو جزئيا - القواعد العامة، إلا أنه ورد فى السمع تضمين ربع قیمته، بقلع عينه : ففى الحديث: ((قضى رسول اللّه وَالر فى عین الدابة ربع ثمنها)) (٢) وروى ذلك عن عمر وشريح - رضي الله تعالى عنهما ۔ وکتب عمر إلى شریح ، لما كتب إليه يسأله عن عين الدابة: ((إنا كنا ننزلها منزلة الآدمى، إلا أنه أجمع رأينا أن قيمتها ربع الثمن)) . قال ابن قدامة: هذا إجماع (٤) يقدم على القياس . وهذا مما جعل الحنفية - وهو رواية عند (١) القوانين الفقهية (٢١٧) وجواهر الإكليل ٢ / ١٥٤، والشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٦١ و ٤٦٢ . (٢) الدر المختار ورد المحتار عليه ٥ / ١٢٤، وتبيين الحقائق ٥/ ٢٢٩، والهداية وشروحها ٨ / ٢٦٩ و٢٧٠. (٣) حديث: ((قضى رسول اللّه ◌َثير فى عين الدابة ربع ثمنها)). أخرجه الطبرانى فى الكبير (٥ / ١٥٣) وأورده الهيثمى فى مجمع الزوائد (٦/ ٢٩٨) وقال: (فيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف) . (٤) المغنى بالشرح الكبير ٥ / ٣٨٦ و٣٨٧ . الحنابلة عن أحمد - يعدلون عن القياس، بالنظر إلى ضمان العين فقط (١) . فعملوا بالحدیث، وتركوا فيه القیاس، لكنهم خصوه بالحيوان الذى يقصد للحم، كما يقصد للركوب والحمل والزينة أيضا ، كما فى عين الفرس والبغل والحمار، وكذا فى عين البقرة والجزور . أما غيره، كشاة القصاب المعدة للذبح، مما يقصد منه اللحم فقط، فيعتبر مانقصت قيمته (٢). وطرد المالكية والشافعية والحنابلة القياس، فضمنوا مايتلف من سائر أجزاء الحيوان، بما ينقص من قيمته، بفقد عينه وغيرها، بالغا مابلغ النقص بلا تفرقة بين أنواع الحيوان (٣). قال المحلى: ويضمن ماتلف أو أتلف من أجزائه بمانقص من قيمته (٤) . وقال الغزالى: ولا يجب فى عين البقرة والفرس إلا أرش النقص (٥). وعلل ذلك ابن قدامة، بأنه ضمان مال من غير جناية، فكان الواجب ما نقص، (١) جامع الفصولين ٢ / ٨٧. (٢) رد المحتار ٥ / ١٢٣، ودرر الحكام ٢ / ١١٤. (٣) الشرح الكبير للدردير ٣/ ٤٥٤، والقوانين الفقهية (٢١٨) والمهذب ٢ / ٢٠١ . (٤) شرح المحلى على المنهاج ٣/ ٣١ . (٥) الوجيز ١/ ٢٠٨ - ٢٧٥ - ضَمَان ٩٨ - ١٠٠ كالثوب، ولأنه لو فات الجميع لوجبت قیمته، فإذا فات منه شىء، وجب قدره من القيمة، كغير الحيوان (١) . ضمان الشخص الضرر الناشىء عن فعل غيره ومایلتحق به : ٩٩ ۔ الأصل أن الشخص مسئول عن ضمان الضرر الذى ينشأ عن فعله لاعن فعل غيره لكن الفقهاء استثنوا من هذا الأصل ضمان أفعال القصّر الخاضعین لرقابته، وضمان أفعال تابعیه: کالخدم والعمال وکالموظفین، وضمان مايفسده الحيوان، وضمان الضرر الحادث بسبب سقوط الأبنية، وضمان التلف الحادث بالأشیاء الأخرى، وتفصیلہ فیما یلی: أولا: ضمان الإِنسان لأفعال الأشخاص الخاضعين لرقابته : ١٠٠ - ويتمثل هذا النوع من الضمان، فى الأفعال الضارة، الصادرة من الصغار القصّر، الذين هم فى ولاية الأب والوصى، والتلاميذ حينما يكونون فى المدرسة، تحت رقابة الناظر والمعلم، أوفى رعاية أی رقيب عليهم وهم صغار، ومثلهم المجانين والمعاتيه . ولما كان الأصل المقرر فى الشريعة، كما (١) المغنى بالشرح الكبير ٥/ ٣٨٧ . تقدم آنفا، هو ضمان الإِنسان لأفعاله کلها، دون تحمل غيره عنه لشىء من تبعاتها، مهما کان من الأمر (١) . فقد طرد الفقهاء قاعدة تضمين الصغار، وأوجبوا عليهم الضمان فى مالهم، ولم يوجبوا على أوليائهم والأوصياء عليهم ضمان ما أتلفوه، إلا فى أحوال مستثناة، منها: أ۔ إِذا کان إتلاف الصغار للمال، ناشئا من تقصير الأولياء ونحوهم، فى حفظهم، كما لو دفع إلی صبی سکینا لیمسکه له، فوقع السكين من يده عليه أو على شخص آخر، أو عثر به، فإن الدافع يضمن (4) . ب - إذا كان بسبب إغراء الآباء والأوصياء الصغار بإتلاف المال، كما لو أمر الأب ابنه بإتلاف مال أو إيقاد نار، فأوقدها، وتعدت النار إلى أرض جاره، فأتلفت شيئا، يضمن الأب، لأن الأمر صح، فانتقل الفعل إليه، كما لو باشره الأب (٣) . فلو أمر أجنبی صبيا بإتلاف مال آخر، ضمن الصبى، ثم رجع على آمره (٤) . ج - إذا كان بسبب تسليطهم على المال، كما (١) تغيير التنقيح لابن كمال باشا (٢٥٧) ط : (الأستانة : ١٣٠٨ هـ). والتوضيح مع التلويح ٢/ ١٦٣. (٢) يؤخذ من جامع الفصولين ٢ / ٨١ . (٣) الدر المختار ورد المحتار بتصرف ٥/ ١٣٦. (٤) جامع الفصولين ٢ / ٨٠ . - ٢٧٦ - ضَمَان ١٠٠ - ١٠٢ لو أودع صبيا وديعة بلا إذن وليه فأتلفها، لم يضمن الصبى ، وكذا إذا أتلف ما أعیر له، وما اقترضه وما بيع منه بلا إذن، للتسلیط من مالكها (١) . ثانیا : ضمان الشخص لأفعال التابعين له: ١٠١ - ويتمثل هذا فى الخادم فى المنزل، والطاهى فى المطعم، والمستخدم فى المحل، والعامل فى المصنع، والموظف فى الحكومة، وفى سائق السيارة لمالکھا کل فى دائرة عمله . والعلاقة هنا عقدية، وفيما تقدم من الرقابة على عديمى التمييز: هى: دينية أو أدبية . والفقهاء بحثوا هذا فى باب الإِجارة، فى أحكام الأجير الخاص، وفى تلميذ الأجير المشترك عند الحنفية، وهو الذی یعمل لواحد عملا مؤقتا بالتخصيص، ويستحق أجره بتسليم نفسه فى المدة، وإن لم يعمل . والمعقود علیه هو منفعته، ولا یضمن ماهلك فى يده بغير صنعه، لأن العين أمانة فی یده، لأنه قبض بإذنه، ولا یضمن ماهلك من عمله المأذون فیه، لأن المنافع متی صارت مملوكة للمستأجر، فإذا أمره بالتصرف فى ملكه، صح، ويصير نائبا منابه، فيصير فعله منقولا إلیه، كأنه فعله بنفسه، فلهذا لا (١) مجمع الضمانات (٤٢٣) والدر المختار ورد المحتار ٥/ ٩٢، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقى عليه ٣/ ٢٩٦ . يضمنه وإنما الضمان فى ذلك على مخدومه (١) . وينظر تفصيل ذلك فى: (إجارة) . ثالثا: ضمان الشخص فعل الحيوان : هناك نوعان من الحيوان: أحدهما الحيوان العادى، والآخر الحيوان الخطر، وفى تضمين جناية كل منهما، خلاف بين الفقهاء، ونوضحه فيما يلى: أ - ضمان جناية الحيوان العادى غير الخطر: ١٠٢ - اختلف الفقهاء فى ضمان مايتلفه الحيوان العادى، غير الخطر: فذهب جمهورهم إلى ضمان ماتفسده الدابة من الزرع والشجر، إذا وقع فى الليل، وكانت وحدها إذا لم تكن يد لأحد عليها . وأما إذا وقع ذلك فى النهار، ولم تکن ید لأحد علیھا ۔ أی الدابة - فلا ضمان فيه . واستدلوا بحديث: ((البراء بن عازب - رضى الله تعالى عنه - أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله وسلم أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشيه بالليل على أهلها،وأن (١) الدر المختار ٥/ ٤٣ ٤٤، وجواهر الإكليل ٢ / ١٩١، وانظر شرح المحلى على المنهاج بحاشية القليوبى عليه ٣/ ٨١ . - ٢٧٧ - ضَمَان ١٠٢ ما أصابت الماشية بالليل فهو على أهلها)) (١). قال ابن قدامة: ولأن العادة من أهل المواشى إرسالها فى النهار للرعى، وحفظها ليلا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا دون الليل، فإذا ذهبت ليلا كان التفريط من أهلها، بتركهم حفظها فى وقت عادة الحفظ . وإن أتلفت نهارا، كان التفريط من أهل الزرع، فكان عليهم، وقد فرق النبى وآچآدم بينهما، وقضى على كل إنسان بالحفظ فى وقت عادته . وقال ۔ أیضا ۔: قال بعض أصحابنا: إنما يضمن مالكها ما أتلفته ليلا، إذا فرط بإرسالها ليلا أونهارا أولم يضمها بالليل، أو ضمها بحيث يمكنها الخروج، أمالو ضمها فأخرجها غيره بغير إذنه، أو فتح علیھا بابها، فالضمان على مخرجها، أو فاتح بابها، لأنه المتلف (٢). وقید المالكية عدم ضمان الإِتلاف نهارا بشرطين : أولهما: أن لا يكون معها راع . والآخر: أن تسرح بعيدا عن المزارع، وإلا (١) حديث البراء بن عازب تقدم تخريجه ف ٦ . (٢) الشرح الكبير مع المغنی فی ذیله ٥/ ٤٥٤ و ٤٥٥، وانظر القوانين الفقهية (٢١٩). فعلى الراعى الضمان (١) . وإن أتلفت البهيمة غير الزرع والشجر من الأنفس والأموال، لم يضمنه مالكها، ليلا كان أو نهارا، مالم تكن يده عليها (٢) ، واستدلوا بحديث أبى هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله وَ الله قال: (( العجماء جبار)» ويروى (( العجماء جرحها جبار)) (٣) ومعنى جبار: هدر. وقید المالكية، عدم ضمان ذلك ليلا، بما إذا لم يقصر فى حفظها، ولم يكن من فعل من معها ، ففى المدونة: من قاد قطارا فهو ضامن لما وطىء البعير، فى أول القطارأو آخره، وإن نفحت رجلا بيدها أو رجلها، لم يضمن القائد إلا أن يكون ذلك من شىء فعله بها (٤) . وذهب الحنفية إلى أن الحيوان إذا أتلف مالا أو نفسا، فلا ضمان على صاحبه مطلقا، سواء أوقع ذلك فى ليل أم فى نهار (٥). (١) شرح الزرقانى على مختصر سيدى خليل ١١٩/٨، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٣٥٨، وقارن بالقوانين الفقهية (٢١٩). (٢) الشرح الكبير للمقدسى ٥ / ٤٥٥، والقوانين الفقهية (٢١٩) وحاشية البجيرمى على شرح الشربينى الخطيب ١٤٥/٣ . (٣) حديث: ((العجماء جبار)) أخرجه البخارى (٣/ ٣٦٤) وحديث ((العجماء جرحها جبار)) أخرجه البخارى (١٢ / ٢٥٤) ومسلم (٣ / ١٣٣٤) تقدم تخريجه ف (٧٥) . (٤) شرح الزرقانى ١١٩/٨، والقطار من الإبل: عدد على نسق واحد .. المصباح المنير. (٥) الدر المختار ٥ / ٣٩٠، وانظر الاختيار ٥ / ٤٧. - ٢٧٨ - ضَمَان ١٠٢ - ١٠٣ وذلك لحديث ((العجماء جبار)) المتقدم آنفا . لكن قيدها محمد بن الحسن، بالمنفلتة المسيّبة حيث تسيّب الأنعام، كما هو الشأن فى البرارى، فهذه التى جرحها هدر، وهذا ماذكره الطحاوی فقد فرق بین ما إذا كان معها حافظ فيضمن، وبين ما إذا لم يكن معها حافظ، فلا یضمن، وروی فی ذلك آثارا (١). ولأنه لاصنع له فی نفارها وانفلاتها، ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها، فالمتولد منه لایکون مضمونا(٢) . وأثار المالكية - هنا - مسألة ما لو كان الحيوان مما لا يمكن الاحتراز منه، ولا حراسته کحمام، ونحل، ودجاج يطير . فذهب ابن حبیب، - وهو رواية مطرف عن مالك - إلى أنه يمنع أربابها من اتخاذه، إن آذى الناس . وذهب ابن القاسم وابن كنانة وأصبغ إلى أنهم لا يمنعون من اتخاذه، ولا ضمان عليهم فيما أتلفته من الزرع ، وعلى أرباب الزرع والشجر حفظها . وصوب ابن عرفة الأول، لإِمكان استغناء (١) شرح معاني الآثار للطحاوى ٣/ ٢٠٤ و٢٠٥ (ط: بيروت). (٢) البدائع ٧/ ٢٧٣ . ربها عنها، وضرورة الناس للزرع والشجر. ويؤيده- كما قال الدسوقى - قاعدة ارتكاب، أخف الضررين عند التقابل، لکن قال: ولکن المعتمد۔۔ کما قال شيخنا - قول ابن قاسم والاتجاهان كذلك عند الحنفية والشافعية (١) . شروط ضمان جناية الحيوان : بدا مما تقدم اتفاق الفقهاء على تضمين جناية الحيوان، كلما كان معها راكب أو حافظ، أو ذو يد ، ولا بد حينئذ من توفر شروط الضمان العامة المتقدمة: من الضرر والتعدى والإِفضاء . ١٠٣ - فالضرر يستوى فيه الواقع على النفوس أو الأموال، (٢) وصرح العينى بأن حديث ((العجماء جبار)) المتقدم، محتمل لأن تكون الجناية على الأبدان أو الأموال، وذکر أن الأول أقرب إلى الحقيقة، (٣) لما ورد فى الصحيحين بلفظ ((العجماء جرحها جبار)) (٤). (١) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٤/ ٣٥٨، قبيل باب العتق، وانظر أيضا- شرح الزرقانى ١١٩/٨، والدر المختار ٥/ ٣٩٢، وحاشية القليوبى على شرح المحلى ٤/ ٢١٣ . (٢) رد المحتار ٥ / ٣٨٦. (٣) عمدة القارى ٩/ ١٠٢. (٤) الحديث تقدم فى ف (١٠٢) . : - ٢٧٩ - ضَمَان ١٠٤ - ١٠٥ ١٠٤ - والتعدى بمجاوزة ذى اليد فى استعمال الدابة، فحيث استعملها فى حدود حقه، فى ملكه، أو المحل المعد للدواب أو أدخلها ملك غيره بإذنه، فأتلفت نفسا أو مالا، لاضمان علیه إذ لاضمان مع الإِذن، بخلاف مالو كان ذلك بغير إذن المالك أو أوقفها فى محل لم يعد لوقوف الحيوانات، أو فى طريق المسلمين، فإنه يكون ضامنا لما تتلفه حينئذ إذ كل من فعل فعلا لم يؤذن له فيه ضمن ما تولد منه (١). والأصل فى هذا حديث النعمان بن بشیر رضی الله تعالىعنهما قال: «قال رسول الله له : من أوقف دابة فی سبیل من سبل المسلمين أو فى سوق من أسواقهم، فأوطأت بید أو رجل، فهو ضامن)) (٢). ونصت المجلة فى المادة ٩٣٠ على أنه ((لايضمن صاحب الدابة التى أضرت بيدها أو ذیلها أو رجلها، حال کونها فى ملكه، راكبا كان أو لم يكن))، كما نصت (المادة: ٩٣١) على أنه إذا أدخل أحد دابته فى ملك غيره بإذنه، لايضمن جنايتها، فى الصور التي ذكرت فى المادة آنفا حیث إنها تعد کالكائنة فى ملکه ، وإن کان أدخلها بدون إذن صاحبه (١) جامع الفصولين ٢ / ٨٨ . (٢) حديث: تقدم فی ف (٦) يضمن ضرر تلك الدابة وخسارها على كل حال . كما نصت فى (المادة: ٩٣٩) على أنه إذا ربط شخصان دابتيهما فى محل لهما حق الربط فيه، فأتلفت إحدى الدابتين الأخرى، لايلزم الضمان . وفى النصوص: ((لو أوقفها على باب المسجد الأعظم، أو مسجد آخر، يضمن إلا إذا جعل الإِمام للمسلمين موضعا يوقفون دوابهم فلايضمن)) (١). ولو ربط دابته فى مكان، ثم ربط آخر فيه دابته، فعضت إحداهما الأخرى، لاضمان لو كان لهما فى المربط ولاية الربط (٢). وعلله الرملى، نقلا عن القاضى، بأن الربط جنایة، فما تولد منه ضمنه (٣). ١٠٥ - وأما الإِفضاء، وهو وصول الضرر مباشرة أو تسبيا، فإن فعل الحيوان لايوصف بمباشرة أو تسبيب، لأنه ليس مما يصح إضافة الحكم إليه، وإنما يوصف بذلك صاحبه، فتطبق القاعدة العامة: أن المباشر ضامن وإن لم يتعد، والمتسبب لايضمن إلا بالتعدى (٤) (١) جامع الفصولين٨٦/٢، (٢) جامع الفصولين ٨٧/٢ (٣) حاشية الرملى علي جامع الفصولین٢ /٨٧ (٤) مجمع الضمانات (١٦٥) - ٢٨٠ -