النص المفهرس
صفحات 181-200
ضَررَ ٨ - ١١ وبعد الخروج منها لاينتفع بها وما فضل رد إلى الغنيمة (١). وللتفصيل: (ر: ضرورة) . الضرر لايزال بمثله . ٩ - هذه القاعدة مقيدة لقاعدة ((الضرر يزال)) بمعنى أن الضرر مهما كان واجب الإزالة، فإزالته إما بلا ضرر أصلا أو بضرر أخف منه، كما هو مقتضى قاعدة ((الضرر الأشد يزال بالأخف)) وأما إزالة الضرر بضرر مثله أو أشد فلا يجوز، وهذا غير جائز عقلا - أيضا - لأن السعى فى إزالته بمثله عبث. ومن فروع هذه القاعدة مالو أکره على قتل المسلم بالقتل مثلا لا يجوز؛ لأن هذا إزالة الضرر بضرر مثله، بخلاف أكل ماله فإنه إزالة الضرر بما هو أخف. ومنها لو ابتلعت دجاجة لؤلؤة، أو أدخل البقر رأسه فى قدر، أو أودع فصيلا فكبر فى بيت المودع ولم يمكن إخراجه إلا بهدم الجدار، أو كسر القدر، أو ذبح الدجاجة، يضمن صاحب الأكثر قيمة الأقل؛ لأن الأصل أن الضرر الأشد يزال بالأخف (٢). (١) الأشياء لابن نجيم ص ٣٤ (ط : المطبعة الحسينية المصرية)، والأشباء للسيوطي ٨٤, (٢) شرح المجلة للأناسى ٦٣/١ - ٦٤ المادة (٢٥) و (٩٠٦): يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام: ١٠ - هذه القاعدة مقيدة لقاعدة ((الضرر لا یزال بمثله» أی لایزال الضرر بالضرر إلا إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا، فيتحمل حينئذ الضرر الخاص لدفع الضرر العام. وهذه قاعدة مهمة من قواعد الشرع مبنية على المقاصد الشرعية فى مصالح العباد استخرجها المجتهدون من الإجماع ومعقول النصوص، قال الأ تاسى نقلا عن الغزالي: إن الشرع إنما جاء ليحفظ على الناس دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم، فكل مایکون بعکس هذا فهو مضرة يجب إزالتها ما أمكن وإلا فتأييدا لمقاصد الشرع يدفع فى هذا السبيل الضرر الأعم بالضرر (١) الأخص (١) إذا تعارض مفسدتان روعی أعظمهما ضررا بارتكاب اخفهما: ١١ - هذه القاعدة وقاعدة ((الضرر الأشد يزال بالأخف)) وقاعدة ((يختار أهون الشرّین)) متحدات والمسمى واحد وإن اختلف التعبير وما يتفرع عليها يتفرع على أختيها . ومن فروعها جواز شق بطن الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجی حیاته (٢). (١) شرح المجلة للأناسي ٦٦/١ المادة (٢٦). (٢) الأشياء لابن نجيم ص ٣٥ (ط: المطبعة الحسينية)، وشرح المجلة للأناسي ١/ ٠٦٩ - ١٨١ - ضَرَر ١٢ استعمال الحق بالنظر إلى مايؤول إليه من أضرار: ١٢ - يقول الشاطبى: جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا کان مأذونا فيه على ضربین: أحدهما: أن لا يلزم عنه إضرار الغير. والثانى: أن يلزم عنه ذلك، وهذا ضربان: أحدهما: أن يقصد الجالب أو الدافع ذلك الإضرار کالمرخّص فی سلعته قصدا لطلب معاشه، وصحبه قصد الإضرار بالغير . والثانى: أن لا يقصد إضرارا بأحد، وهو قسمان : أحدهما: أن يكون الإضرار عاما كتلقى السلع وبين الحاضر للبادي والامتناع عن بیع داره أو فدانه، وقد اضطر إلیه الناس لمسجد جامع أو غيره . والثانى: أن یکون خاصا وهو نوعان: أحدهما: أن يلحق الجالب أو الدافع بمنعه من ذلك ضرر، فهو محتاج إلى فعله، كالدافع عن نفسه مظلمة يعلم أنها تقع بغيره، أو يسبق إلى شراء طعام، أو ما يحتاج إليه، أو إلى صيد أو حطب أو ماء أو غيره عالما أنه إذا حازه تضرر غیره بعدمه، ولو أخذ من يده تضرر . والثانى: أن لايلحقه بذلك ضرر وهو على ثلاثة أنواع : الأول: مايكون أداؤه إلى المفسدة قطعيا،. أعنى القطع العادى كحفر البئر خلف الدار فى الظلام، بحيث يقع الداخل فيه، وشبه ذلك . والثانى : مايكون أداؤه إلى المفسدة نادرا کحفر البئر بموضع لا یؤدی غالبا إلى وقوع أحد فيه، وأكل الأغذية التى غالبا لاتضر أحدا وما أشبه ذلك. والثالث: مايكون أداؤه إلى المفسدة کثیرا لانادرا وهو علی وجھین: أحدهما: أن يكون غالبا كبيع السلاح من أهل الحرب، والعنب من الخّار، وما یغش به ممن شأنه الغش، ونحو ذلك . والثانى: أن یکون كثيرا لاغالبا كمسائل بيوع الآجال. فهذه ثمانية أقسام . القسم الأول: استعمال الحق بحيث لايلزم عنه مضرة : استعمال الحق إذا لم يلزم عنه مضرة بالغیر - حکمه أنه باق على أصله من الإِذن ولا إشكال فيه ولا حاجة إلى الاستدلال عليه لثبوت الدليل على الإذن ابتداء. القسم الثانى: استعمال الحق بقصد الإِضرار بالغير: لا إشکال فی منع القصد إلى الإضرار من - ١٨٢ - ضَررَ ١٢ - ١٣ حیث هو إضرار لثبوت الدلیل على أنه لاضرر ولا ضرار فى الإِسلام (١). والضابط الكلى فى استعمال الحق هو ماذكره الغزالي حيث يقول: أن لايحب لأخيه إلا مايحب لنفسه، فكل مالو عومل به شق عليه وثقل على قلبه فينبغى أن لايعامل به غيره (٢). وجاء فى معين الحكام فى شرح حديث ((لاضرر ولا ضرار) فنهى النبى صلير أن يتعمد أحدهما الإضرار بصاحبه وعن أن يقصدا ذلك جميعا (٣). وفيما يلى نذكر بعض الفروع الفقهية تطبيقا لهذا النوع من استعمال الحق : الإضرار فى الوصية : ١٣ - روی الدارقطنی من حديث ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا ((الإضرار فى الوصية من الكبائر)) (٤) وورد من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله وسلم قال: ((إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم (١) الموافقات للشاطبى ٣٤٨/٢ وما بعدها (نشر المكتبة التجارية الكبرى). (٢) إحياء علوم الدين ٧٦/٢. (٣) معين الحكام ص٢٤٤ (ط . الميمنية). (٤) تفسير القرطبى ٢٥٢/٢ وحديث: ((الإضرار فى الوصية من الكبائر» أخرجه الدارقطني (١٥١/٤) والبيهقى (٢٧١/٦) وصوب البيهقى وقفه على ابن عباس. يحضرهما الموت فيضارّان فى الوصية فتجب لهما النار) (١) قال شهر بن حوشب (٢) (راوى الحديث) ثم قرأ علىّ أبو هريرة ﴿من بعد وصية يوصى بها أودين غير مضار﴾ إلى قوله ﴿وذلك الفوز العظيم﴾(٣) والإِضرار فى الوصية تارة یکون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذى فرضه الله له فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه، ولهذا قال النبى وَله: ((إن الله قد أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث)) (٤) وتارة بأن يوصى لأجنبى بزيادة على الثلث فينقص حقوق الورثة، ولهذا قال النبى مل# ((الثلث، والثلث كثير)) (٥) ومتى أوصى لوارث أو لأجنبی بزيادة على الثلث لم ينفذ ما أوصى به إلا بإجازة الورثة (٦). وللفقهاء خلاف وتفصيل فى رد وصية الموصى إذا قصد بوصيته المضارة ينظر فى مصطلح: (وصية). (١) حديث: ((إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة .. )) أخرجه الترمذى (٤ /٤٣١) وأشار المناوى إلى تضعيفه فى فيض القدير (٣٣٥/٢). (٢) تفسير الجصاص ٢٠١/١ (المطبعة البهية المصرية). (٣) سورة النساء / ١٢ - ١٣. (٤) حديث: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ... )). أخرجه الترمذى (٤٣٣/٤) من حديث أبى أمامة، وحسنه ابن حجر فى التلخيص (٩٢/٣). (٥) حديث: (الثلث والثلث کثیر) أخرجه البخارى (٢٦٩/٧) ومسلم (١٢٥٠/٣). (٦) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلى ص ٢٨٨ . - ١٨٣ - ضَررَ ١٤ - ١٦ الإِضرار بالرجعة : ١٤ - من طلق زوجته ثم راجعها وكان قصده بالرجعة المضارّة فإنه آثم بذلك، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن هذا التصرف بقوله: ﴿ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾ (١) يقول الطبرى فى تفسير هذه الآية: ولا تراجعوهن إن راجعتموهن فى عددهن مضارة لهن لتطولوا عليهن مدة انقضاء عددهن، أو لتأخذوا منهن بعض ما آتيتموهن بطلبهن الخلع منكم لمضارتكم إياهن، بإمساككم إياهن ومراجعتکموهن ضرارا واعتداء (٢). وبهذا تبين أن الله سبحانه وتعالى نهى الأزواج أن يمسكوا زوجاتهم بقصد إضرارهن بتطويل العدة، أو أخذ بعض مالهن، والنهى يفيد التحريم فتكون الرجعة محرمة فى هذه الحالة (٣). وللفقهاء تفصيل وخلاف فى حكم الرجعية فى هذه الحالة . ينظر فى مصطلح: (رجعة ف ٤). ١٥ - ومن صور الإضرار: الإِيلاء، وغيبة (١) سورة البقرة / ٢٣١. (٢) تفسير الطبرى ٥/ ٧ - ٨ (نشر دار المعارف) (٣) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص ٢٨٨ . الزوج، والحبس، فیفرق بين الزوجين دفعا للضرر، بشروطه على تفصيل وخلاف فيه . وانظر مصطلح: (إيلاء، وطلاق، وفسخ، وغيبة، ومفقود) . الإضرار في الرضاع : ١٦ - إن رغبت الأم فى إرضاع ولدها أجيبت وجوبا سواء كانت مطلقة أم فى عصمة الأب على قول جمهور الفقهاء، لقوله تعالى : [لاتضارّ والدة بولدها﴾ (١) والمنع من إرضاع ولدها مضارّة لها (٢). وقيل: إن كانت الأم فى حبال الزوج فله منعها من إرضاع ولدها إلا أن لايمكن ارتضاعه من غیرها، ولکن إنما يجوز له ذلك إذا كان قصد الزوج به توفير الزوجة للاستمتاع، لا مجرد إدخال الضرر عليها (٣)، ويلزم الأب إجابة طلب المطلقة فى إرضاع ولدها مالم تطلب زيادة على أجرة مثلها، أما إن طلبت زيادة على أجرة مثلها زيادة كبيرة، ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل لم يلزم الأب إجابتها إلى ما طلبت، لأنها تقصد المضارّة (٤). (١) سورة البقرة / ٢٣٣. (٢) المغنى ٦٢٧/٧، وأسنى المطالب ٤٤٥/٣، والدسوقى ٥٢٦/٢، وابن عابدين ٦٧٥/٢ - ٦٧٦، وجامع العلوم والحكم ص ٢٨٩ . (٣) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص ٢٨٩. (٤) نفس المرجع. - ١٨٤ - ضَرَر ١٦ - ١٩ وللتفصيل: (ر: رضاع) . الإضرار فى البيع : ١٧ - من أمثلة الضرر فى البيوع بيع الرجل على بيع أخيه، والسوم والشراء على شراء أخيه، والنجش وتلقى الجلب أو الركبان ، وبيع الحاضر للبادى، وبيع المضطر (١) وينظر أحکام هذه البيوع فی (بيع منهی عنه : ف ١٠٠ - ١٣٢ . ١٨ - ومما يندرج فى القسم الثانى حسب تقسيمات الشاطبى : استعمال صاحب الحق حقه لتحقيق مصلحة مشروعة له على وجه یتضرر منه غيره . يقول الشاطبى: لكن يبقى النظر فى العمل الذى اجتمع فيه قصد نفع النفس، وقصد إضرار الغير هل يمنع منه فیصیر غیر مأذون فیه، أم یبقی علی حکمه الأصلى من الإذن ويكون عليه إثم ماقصد ؟ هذا مما يتصور فيه الخلاف على الجملة، وهو جار فى مسألة الصلاة فى الدار المغصوبة ، مع ذلك فيحتمل الاجتهاد فيه . وهو أنه إما أن يكون إذا رفع ذلك العمل وانتقل إلى وجه آخر فى استجلاب تلك (١) جامع العلوم والحكم ص ٢٨٩ - ٢٩٠. المصلحة، أودرء تلك المفسدة جعل له ما أراد أولا، فإن كان كذلك فلا إشكال فى منعه منه، لأنه لم يقصد غير الإِضرار، وإن لم یکن محيص عن تلك الجهة التى يستضر منها الغير، فحق الجالب أو الدافع مقدم وهو ممنوع من قصد الإِضرار، ولا یقال: إن هذا تكلیف بما لا يطاق، فإنه إنما كلف بنفى قصد الإضرار وهو داخل تحت الكسب لا بنفى الإِضرار بعینه (١) . ١٩ - ومن فروع هذا النوع ماذكره التسولى، فیمن أراد أن يحفر بئرا فى ملكه ویضر بجدار جاره، : وأما إن وجد عنه مندوحة ولم يتضرر بترك حفره فلا یمگّن من حفره لتمحض إضراره بجاره حينئذ (٢). ومذهب الحنابلة ومتأخری الحنفية قریب من مذهب المالكية فى هذا الصدد، إذ هم یقیدون حق المالك فى التصرف بملكه بما يمنع الإضرار الفاحش عن جاره فقد جاء فى المغنى: ليس للجار التصرف فى ملكه تصرفا یضر بجاره، نحو أن یبنی فیه حماما بین الدور، أو يفتح خبازا بين العطارين (٣). والزيلعى من الحنفية يقرر هذا المعنى ويقول : إن للإنسان أن يتصرف فى ملكه (١) الموافقات ٣٤٩/٢. (٢) البهجة فى شرح التحفة ٣٣٦/٢. (٣) المغنى لابن قدامة ٥٧٢/٤ .- ١٨٥ - ٠ ضَرر ١٩ - ٢١ ماشاء من التصرفات مالم يضر بغيره ضررا ظاهرا .... ولو أراد بناء تنّور فى داره للخبز الدائم، کما یکون فى الدکاکین، أورحا للطحن، أو مدقات للقصارين لم يجز، لأن ذلك يضر بالجیران ضررا ظاهرا فاحشا لايمكن التحرز منه، والقياس أنه يجوز لأنه تصرف فى ملكه، وترك ذلك استحسانا لأجل المصلحة (١). القسم الثالث : لحوق الضرر بجالب المصلحة أو دافع المفسدة عند منعه من استعمال حقه : ٢٠ - هذا لا يخلو أن يلزم من منعه الإضرار به بحيث لاينجبر أولا ، فإن لزم قدم حقه على الإطلاق (٢). ومن فروع هذا النوع ماذكره ابن قدامة من أنه إذا اشتدت المخمصة فى سنة المجاعة وأصابت خلقا کثیرا، وکان عند بعض الناس قدر كفايته وكفاية عياله، لم يلزمه بذله للمضطرين، وليس لهم أخذه منه لأن ذلك يفضى إلى وقوع الضرر به ولا بدفعه عنهم، وکذلك إن كانوا في سفر ومعه قدر کفایته من غیر فضلة، لم يلزمه بذل مامعه للمضطرين، لأن البذل فى هذه الحالة يفضى إلى هلاك (١) تبيين الحقائق للزيلعى ١٩٦/٤ . (٢) الموافقات ٣٤٩/٢. نفسه وهلاك عیاله فلم یلزمه، کما لو أمكنه إنجاء الغريق بتغريق نفسه، ولأن فى بذله إلقاء بيده إلى التهلكة، وقد نهى الله عن ذلك (١). أما إذا أمكن انجبار الإضرار ورفعه جملة فاعتبار الضرر العام أولى فيمنع الجالب أو الدافع مما همّ به، لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة بدلیل النهى عن تلقى السلع وعن بيع الحاضر للبادى، واتفاق السلف على تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة، وقد زادوا فى مسجد رسول الله ګ﴾ من غيره مما رضی أهله ومالا، وذلك يقضى بتقديم مصلحة العموم على مصلحة الخصوص لكن بحيث لايلحق الخصوص مضرة (لاتنجبر) (٢) وهو مفاد قاعدة ((يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)) (٣). القسم الرابع : دفع الضرر بالتمكين من المعصية : ٢١ - فمن ذلك الرشوة على دفع الظلم إذا لم يقدر على دفعه إلا بذلك، وإعطاء المال للمحاربين وللكفار فى فداء الأسرى، (١) المغنى ٦٠٣/٨. (٢) الموافقات ٢ / ٢٥٠ والذى بين القوسين من التعليقات على الموافقات . (٣) مجلة الأحكام العدلية المادة (٢٦)، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٩٦ نشر دار الفکر بدمشق .. - ١٨٦ - ضَرر ٢١ -٢٣ ولما نِعی الحاجّ حتی یؤدوا خراجا، كل ذلك انتفاع أو دفع ضرر بتمكين من المعصية، ومن ذلك طلب فضيلة الجهاد، مع أنه تعرض لموت الكافر على الكفر، أو قتل الكافر المسلم، بل قال عليه الصلاة والسلام: «والذی نفسی بیده لوددت أنی أقتل فی سبیل الله ثم أحيا ثم أقتل)) (١) ولازم ذلك دخول قاتله النار، وقول أحد ابنی آدم ﴿إنی أريد أن تبوء بإثمى وإثمك﴾ (٢) بل العقوبات كلها جلب مصلحة أو درء مفسدة يلزم عنها إضرار الغير، إلا أن ذلك كله إلغاء لجانب المفسدة لأنها غير مقصودة للشارع فى شرع هذه الأحكام، ولأن جانب الجالب والدافع أولی (٣). القسم الخامس : التصرف المفضى إلى المفسدة قطعًا : ٢٢ - المفروض فى هذا الوجه أنه لايلحق الجالب للمصلحة أو الدافع للمفسدة ضرر، ولكن أداءه إلى المفسدة قطعى عادة فله نظران : نظر من حيث كونه قاصدا لما يجوز أن (١) حديث: ((والذي نفسي بيده لوددت ... )) أخرجه البخاری (فتح البارى ١٦/٦ ط. السلفية) من حديث أبى هريرة. (٢) سورة المائدة / ٢٩. (٣) الموافقات ٢/ ٣٥٠ وما بعدها. يقصد شرعا من غير قصد إضرار بأحد، فهذا من هذه الجهة جائز لامحظور فيه. ونظر من حيث كونه عالماً بلزوم مضرة الغير لهذا العمل المقصود مع عدم استضراره بتركه، فإنه من هذا الوجه مظنة لقصد الإضرار، لأنه فى فعله إما فاعل لمباح صرف لا یتعلق بفعله مقصد ضروری ولا حاجی ولا تکمیلی فلا قصد للشارع فی إیقاعه من حیث يوقع، وإما فاعل لمأموربه على وجه يقع فيه مضرة مع إمكان فعله على وجه لايلحق فيه مضرة وليس للشارع قصد فى وقوعه على الوجه الذی یلحق به الضرر دون الآخر. وعلى كلا التقديرين فتوخيه لذلك الفعل على ذلك الوجه مع العلم بالمضرة لابد فيه من أحد أمرين: إما تقصير فى النظر المأمور به وذلك ممنوع، وإما قصد إلى نفس الإِضرار وهو ممنوع - أيضا - فيلزم أن يكون ممنوعا من ذلك الفعل، لكن إذا فعله يعد متعديا بفعله ويضمن ضمان المتعدى على الجملة (١) . القسم السادس : التصرف المفضى إلى المفسدة نادرا : ٢٣ - المفروض فى هذا الوجه أن الجالب أو (١) الموافقات للشاطبى ٣٥٠/٢، ٣٥٧، ٣٥٨. - ١٨٧ - . .. . ضَرَر ٢٣ - ٢٥ الدافع لايقصد الإضرار بأحد إلا أنه يلزم عن فعله مضرة بالغیر نادرا، فهو على أصله من الإِذن، لأن المصلحة إذا كانت غالبة فلا اعتبار بالندور فی انخرامها، إذ لاتوجد فى العادة مصلحة عربة عن المفسدة جملة ، إلا أن الشارع إنها اعتبر فى مجارى الشرع غلبة المصلحة ولم يعتبر ندور المفسدة إجراء للشرعيات مجرى العاديات فى الوجود، ولا يعد - هنا - قصد القاصد إلى جلب المصلحة أو دفع المفسدة - مع معرفته بندور المضرة عن ذلك - تقصيرا فى النظر ولا قصدا إلی وقوع الضرر، فالعمل إذن باق على أصل المشروعية، والدليل على ذلك أن ضوابط المشروعات هكذا وجدناها : كالقضاء والشهادة فى الدماء والأموال والفروج مع إمكان الكذب والوهم والغلط، وكذلك إعمال الخبر الواحد والأقيسة الجزئية فى التكاليف مع إمكان إخلافها والخطأ فيها من وجوه، لكن ذلك نادر فلم يعتبر واعتبرت المصلحة الغالبة (١). القسم السابع : التصرف المؤدى إلى المفسدة ظنا : ٢٤ - قد يكون التصرف وسيلة موضوعة للمباح إلا أنه يظن أداؤه إلى المفسدة فيحتمل (١) الموافقات ٣٥٨/٢. الخلاف، أما أن الأصل الإِباحة والإِذن فظاهر، وأما أن الضرر والمفسدة تلحق ظنا فهل يجرى الظن مجرى العلم فيمنع من الوجهین المذکورین أم لا؛ لجواز تخلفهما وإن كان التخلف نادرا ؟ لكن اعتبار الظن هو الأرجح، ولا يلتفت إلى أصل الإِذن والإِباحة لأمور : أحدها : أن الظن فى أبواب العملیات جار مجرى العلم فالظاهر جريانه هنا (١). والثانى : قوله تعالى : ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾ (٢) فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين مع كون السب غيظا وحمية الله وإهانة لآلهتهم، لكونه ذريعة إلى سبهم لله تعالى وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا کالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا فى فعل مالا يجوز (٣). القسم الثامن : التصرف المؤدى إلى المفسدة كثيرا : ٢٥ - إذا كان أداء التصرف إلى المفسدة كثيرا لا غالبا ولا نادرا، فهو موضع نظر والتباس (١) الموافقات ٣٥٩/٢، وإعلام الموقعين لابن القيم ١٣٦/٣. (٢) سورة الأنعام /١٠٨. (٣) إعلام الموقعين لابن القيم ١٣٧/٣ . - ١٨٨ - ضَرَر ٢٥ - ٢٧ واختلف الفقهاء فی حکمه. فيرى فريق من الفقهاء أن الأصل فيه الحمل على الأصل من صحة الإذن، لأن العلم والظن بوقوع المفسدة منتفیان، إذ لیس - هنا - إلا احتمال مجرد بین الوقوع وعدمه ولا قرينة ترجح أحد الجانبين على الآخر، واحتمال القصد للمفسدة، والإضرار لايقوم مقام نفس القصد ولا يقتضيه. وذهب الفريق الآخر إلى المنع من مثل هذا التصرف، لأن القصد لاينضبط فى نفسه لأنه من الأمور الباطنة لكن له مجال - هنا - وهو كثرة الوقوع فى الوجود أوهو مظنة ذلك، فكما اعتبرت المظنة وإن صح التخلف، كذلك نعتبر الكثرة لأنها مجال القصد (١) وللتفصيل: (ر: سد الذرائع). دفع الضرر بترك الواجب : ٢٦ - المعهود فى الشريعة دفع الضرر بترك الواجب إذا تعين طريقا لدفع الضرر كالفطر فى رمضان ، وترك ركعتين من الصلاة لدفع ضرورة السفر، وكذلك يستعمل المحرم لدفع الضرر كأكل الميتة لدفع ضرر التلف، وتساغ الغصة بشرب الخمر كذلك، وذلك كله لتعين الواجب أو المحرم طريقا لدفع الضرر. (١) الموافقات للشاطبى ٣٦١/٢. أما إذا أمكن تحصيل الواجب، أو ترك المحرم مع دفع الضرر بطريق آخر من المندوبات أو المكروهات فلا يتعين ترك الواجب ولا فعل المحرم ، ولذلك لايترك الغسل بالماء، ولا القيام فى الصلاة ولا السجود لدفع الضرر والألم والمرض، إلا لتعينه طريقا لدفع ذلك الضرر، وهذا كله ٠٠٠. قياس مطرد (١). وجوب دفع الضرر : ٢٧ - قال الحصكفى : يجب قطع الصلاة لإغاثة ملهوف وغريق وحريق (٢) ويقول ابن عابدين : المصلى متى سمع أحدًا يستغيث وإن لم يقصده بالنداء، أو كان أجنبيا وإن لم یعلم ماحل به، أو علم وكان له قدرة على إغاثته قطع الصلاة فرضا كانت أو غيره (٣) . وفى الجملة يجب إغاثة المضطر بإنقاذه من کل مایعرضه للهلاك من غرق أو حرق، فإن كان قادرا على ذلك دون غيره وجبت الإِعانة علیه وجوبا عینیا ، وإن کان ثم غيره كان ذلك واجبا كفائيا على القادرين، فإن قام به أحد سقط عن الباقين وإلا أثموا جميعا (٤) (١) الفروق للقرافي ١٢٣/٢. (٢) الدر المختار ٤٤٠/١. (٣) ابن عابدين ١ /٤٧٨. (٤) الموسوعة الفقهية إعانة ف ٥ - ١٨٩ - ضَرَر ٢٧ - ٢٩ وهذا محل اتفاق بين الفقهاء، وإنما اختلفوا فى تضمين من امتنع عن دفع الضرر عن المضطر مع قدرته على ذلك ، فیری أکثر الفقهاء أن كل من رأى إنسانا فى مهلكة فلم ينجه منها مع قدرته على ذلك لم يلزمه ضمانه، وقد أساء؛ لأنه لم يهلكه، ولم يكن سببا فى هلاکه كما لو لم يعلم بحاله . وذهب المالكية وأبو الخطاب من الحنابلة إلى أن الممتنع مع القدرة يلزمه الضمان، لأنه لم ينجه من الهلاك مع إمكانه، فيضمنه كما لو منعه الطعام والشراب (١). والتفصيل فى: (ضمان). الحجر لدفع الضرر: ٢٨ - يحجر على بعض الناس الذين تكون مضرتهم عامة، كالطبيب الجاهل، والمفتى الماجن، والمكارى المفلس، لأن الطبيب الجاهل يسقى الناس فى أمراضهم دواء مخالفا يفسد أبدانهم لعدم علمه، ومثله المفتى الماجن وهو الذى يعلم الحيل الباطلة، كتعليم المرأة الردة لتبين من زوجها، أو لتسقط عنها الزكاة، ثم تسلم، وکالذی یفتى عن جهل، وكذا المکاری المفلس، لأنه يأخذ (١) المغنى ٨٣٤/٨ - ٨٣٥، والدسوقى ٢٤٢/٤ و١١٢/٢، ومغنى المحتاج ٥/٤، والاختيار ١٧٥/٤، وبدائع الصنائع ٢٣٤/٧، ٢٣٥. الکراء أولا لیشتری بها الجمال والظهر ويدفعه إلی بعض دیونهمثلا ،فإن كل واحد من هؤلاء مضر بالعامة ، الطبيب الجاهل يهلك أبدانهم، والمفتى الماجن يفسد عليهم أديانهم، والمكارى المفلس يتلف أموالهم فيحجر على هؤلاء، لكن المراد من الحجر المنع من إجراء العمل لامنع التصرفات القولية، والمنع فى هذه الحالة من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (١). (ر: حجر ف ٢٢). التفريق لضرر عدم الإِنفاق . ٢٩ - ذهب المالكية والشافعية فى الأظهر والحنابلة فى قول إلى أن الزوج إذا أعسر بالنفقة فالزوجة بالخيار إن شاءت صبرت وأنفقت على نفسها من مالها أو مما اقترضته، وإن شاءت رفعت أمرها إلى القاضى وطلبت فسخ نكاحها (٢) . وروى نحو ذلك عن عمر وعلى وأبى هريرة، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وربيعة وحماد ويحيى (١) شرح المجلة للأناسى ٥٢٢/٣ المادة (٩٦٤)، وابن عابدين ٩٣/٥. (٢) الدسوقى ٥١٨/٢، ومغنى المحتاج ٤٤٢/٣، والمغنى ٠٥٧٣/٧ - ١٩٠ - ضَرَر ٢٩، ضَرّة، ضِرْس، ضَرُورَةَ ١ - ٢ القطان وعبد الرحمن بن مهدی وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور(١). ويرى الحنفية وعطاء والزهرى وابن شبرمة أن من أعسر بنفقة امرأته لم يفرق بينهما، ويقال لها: استدينى . ولمعرفة أحكام الفرقة بسبب ضرر فقد الزوج أوغيبته (ر: مفقود، غيبة، وفسخ، وطلاق) . ضَرّةٌ انظر: قسم بين الزوجات ضِرْس انظر: سن (٥) المغنى ٥٧٣/٧ . ضَرُورَةً التعريف : ١ - الضرورة فى اللغة: اسم من الاضطرار، والاضطرار: الاحتياج الشديد. تقول: حملتنى الضرورة على كذا وكذا، وقد اضطر فلان إلى كذا وكذا . وعرفها الجرجانى: بأنها النازل مما لامدفع له (٢) وهي عند الفقهاء: بلوغ الإِنسان حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للأکل واللبس بحیث لو بقی جائعا أو عریانا لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم (٣). الألفاظ ذات الصلة : أ - الحاجة : ٢ - الحاجة فى اللغة: تطلق على الافتقار، وعلى مايفتقر إليه . (١) لسان العرب، والمصباح المنير. (٢) التعريفات للجرجانى . (٣) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر (١ / ٢٧٧ ط. دار الكتب العلمية) والمنثور فى القواعد للزركشي ٢ / ٣١٩ . - ١٩١ - ضرورة ٢ - ٥ واصطلاحا : هی کما عرفها الشاطبی - ما يفتقر إليه من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدى - فى الغالب - إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة (١). قال الزركشي وغيره: والحاجة كالجائع الذى لو لم يجد ما يأكل لم يهلك، غير أنه يكون فى جهد ومشقة وهذا لايبيح المحرم (٢) . والفرق بين الحاجة والضرورة، أن الحاجة وإن كانت حالة جهد ومشقة فھی دون الضرورة، ومرتبتها أدنى منها ولايتأتى بفقدها الهلاك (٣). ب - الحرج : ٣ - الحرج فى اللغة: بمعنى الضيق، ويطلق عند الفقهاء على كل ماتسبب فى الضيق، سواء أكان واقعا على البدن أم على النفس أم عليهما معا (٤). والصلة بين الضرورة والحرج أن الضرورة (١) الموافقات ٢ / ١٠ - ١١، والموسوعة الفقهية ١٦ / ٢٤٧. (٢) المنثور فى القواعد للزركشي ٢/ ٣١٩، وغمز عيون البصائر ١/ ٢٧٧ . (٣) الموسوعة الفقهية ١٦ / ٢٤٧. (٤) الموسوعة الفقهية ١٧ / ٢٦٨. هى أعلى أنواع الحرج الموجبة للتخفيف (١). جـ - العذر : ٤ - العذر نوعان: عام، وخاص . والعذر العام: هو الذى يتعرض له الشخص غالبا في بعض الأحوال كفقد الماء للمسافر، فیسقط قضاء الصلاة، وقد يكون نادرا، وهو إما أن يدوم کالحدث الدائم والاستحاضة والسلس ونحوه، فيسقط القضاء أيضا ، أما النادر الذى لايدوم ولا بدل معه کفقد الطهورین ونحوه، فیوجب القضاء عند بعض الفقهاء . وأما العذر الخاص: فهو مايطرأ للإِنسان أحيانا، كالانشغال بأمرمًّا عن أداء الصلاة، فهذا يوجب القضاء (٢). والصلة بين الضرورة وبين العذر أن العذر نوع من المشقة المخففة للأحكام الشرعية، وهو أعم من الضرورة . د - الجائحة : ٥ - الجائحة فى اللغة: الشدة، تجتاح المال من سنة أو فتنة وهى مأخوذة من الجوح بمعنى الاستئصال والهلاك، يقال: جاحتهم (١) الموسوعة الفقهية ١٧ / ١٧٠. (٢) المنثور فى القواعد للزركشي ٢ / ٣٧٥ - ٣٧٦. - ١٩٢ - ضرورة ٥ - ٧ الجائحة واجتاحتهم، وجاح الله ماله وأجاحه بمعنى: أى أهلكه بالجائحة (١). والجائحة قد تكون سببا للضرورة . هـ - الإكراه : ٦ - الإكراه لغة: حمل الغير على شىء لايرضاه، يقال: أكرهت فلانا إكراها: حملته على مالا يحبه ويرضاه . وعرفه البزدوى بأنه: حمل الغير على أمر يمتنع عنه بتخویف یقدر الحامل على إيقاعه ويصير الغير خائفا به . (ر: إكراه ف١). وقد يؤدى الإكراه إلى الضرورة كالإكراه الملجىء . الأدلة الشرعية على اعتبار الضرورة فى الأحكام : ٧ - الأحكام الشرعية نوعان: أحكام كلية شرعت ابتداء، ولا تختص ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض، ولا ببعض الأحوال دون بعض . وأحكام شرعت لعذر شاق استثناء من أصل كلى يقتضى المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه (٢). (١) الصحاح والقاموس ولسان العرب والمصباح المنير مادة (جوح) والموسوعة الفقهية (مصطلح : جائحة ف ١) (٢) الموافقات للشاطبي ١/ ٣٠٠ - ٣٠١ وقد ورد فى الكتاب والسنة مايدل على مشروعية العمل بالأحكام الاستثنائية بمقتضى الضرورة، وتأيد ذلك بمبدأی اليسر وانتفاء الحرج اللذين هما صفتان أساسيتان فى دين الإِسلام وشريعته . أما القرآن الكريم ففيه عدة آيات تدل على مشروعية العمل بمقتضى الضرورة واعتبارها فى الأحكام . منها قوله تعالى: ﴿إنما حَرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله علیه وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ (٢). فهاتان الآيتان، وغيرهما تبین تحريم تناول مطعومات معينة كالميتة ونحوها، كما أنها تتضمن استثناء حالة الضرورة حفاظا على النفس من الهلاك، والاستثناء من التحريم - كما قال البزدوى - إباحة، إذ الكلام صار عبارة عما وراء المستثنی، وقد كان مباحا قبل التحريم، فيبقى على ماكان فى حالة الضرورة (٣) . (١) سورة البقرة / ١٧٣ (٢) سورة الأنعام / ١١٩ (٣) كشف الأسرار ٤ / ١٥١٨. - ١٩٣ - ضَرُورَة ٧ - ٨ وأما الأحاديث فكثيرة منها. ما رواه أحمد عن أبي واقد الليثى أنهم قالوا: «یا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى يحل لنا الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا، فشأنکم بها)» (١). وعن جابر بن سمرة أن أهل بيت كانوا بالْخَرَّة محتاجين قال: ((فماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم، فرخص لهم النبى 8 1 فى أكلها ، قال: فعصمتهم بقية شتائهم أو سنتهم» (٢). وقد دل الحديثان على أنه يجوز للمضطر أن يتناول من الميتة مايكفيه . ٨ - شروط تحقق الضرورة: يشترط للأخذ بمقتضى الضرورة مايلى : أ - أن تكون الضرورة قائمة لامنتظرة، وتظهر هذه القاعدة فى الفروع الفقهية المبنية (١) حديث أبي واقد الليثى: ((يارسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة)» . أخرجه أحمد (٥/ ٢١٨)، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد (٤ / ١٦٥): ((رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح)). والمعنى لم تجدوا ألبتة تصطبحونها، أو شربا تغتبقونه ولم تجدوا بعد عدم الصبوح والغبوق بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة . نيل الأوطار: (٤ / ١٥١ ط : دار القلم .) (٢) نيل الأوطار (٨/ ١٥٦، ١٥٨ الحلبى.) وحديث : ((جابر بن سمرة أن أهل بيت كانوا بالحرّ)». أخرجه أحمد (٥/ ٨٧) . علی الرخص منها : يشترط الفقهاء لتحقق الإكراه خوف المكره إيقاع ما هدد به فى الحال بغلبة ظنه (١) ، وبناء على هذا الشرط فقول المكره «لأقتلنك غدا)) لیس بإكراه (٢). قال الشيخ عميرة: لو كانت الحاجة غير ناجزة فهل يجوز الأخذ لما عساه يطرأ؟ الظاهر لا، کاقتناء الكلب لما عساه یکون من الزرع ونحوه (٣). يقول الشاطبى: الصواب الوقوف مع أصل العزيمة، إلا فى المشقة المخلة الفادحة فإن الصبر أولى، مالم يؤد ذلك إلى دخل فى عقل الإنسان أو دينه، وحقيقة ذلك أن لايقدر على الصبر، لأنه لايؤمر بالصبر إلا من يطيقه، فأنت ترى بالاستقراء أن المشقة الفادحة لايلحق بها توهمها، بل حكمها أخف بناء علی أن التوهم غير صادق فی کثیر من الأحوال فإذا: ليست المشقة بحقيقية، والمشقة الحقيقية هى العلة الموضوعة للرخصة فإذا لم توجد كان الحكم غير لازم (٤). ب - ألا يكون لدفع الضرورة وسيلة أخرى إلا مخالفة الأوامر والنواهى الشرعية قال (١) الدر المختار ٥/ ٨٠، ومغنى المحتاج ٣/ ٢٨٩ (٢) مغنى المحتاج ٣/ ٢٩٠ . (٣) حاشية عميرة ٢ / ١٤٢. (٤) الموافقات ١/ ٣٣٦. - ١٩٤ - ضَرُورَة ٨ - ٩ أبوبكر الجصاص عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ماحرم علیکم إلا ما اضطررتم إليه﴾ (١). معنى الضرورة - هنا -: هو خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل وقد انطوى تحته معنيان : أحدهما: أن يحصل فى موضع لايجد غير الميتة . والثانى: أن یکون غيرها موجودا، ولکنه أکره على أكلها بوعید يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه، وكلا المعنیین مراد بالآية عندنا (٢) . ج - يجب على المضطر مراعاة قدر الضرورة، لأن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، وتفريعا على هذا الأصل قرر جمهور الفقهاء أن المضطر لايأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق (٣) . د - يجب على المضطر أن يراعى عند دفع الضرورة مبدأ درء الأفسد فالأفسد، والأرذل فالأرذل، فمن أکره على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قتل يلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل، لأن صبره على القتل أقل (١) سورة الأنعام / ١١٩. (٢) أحكام القرآن للجصاص ١ / ١٥٠ ط . البهية. (٣) غمز عيون البصائر ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧ نشر دار الكتب العلمية - بيروت . مفسدة من إقدامه علیه، وإن قدر على دفع المكروه بسبب من الأسباب لزمه ذلك، لقدرته على درء المفسدة، وإنما قدم درء القتل بالصبر، لإِجماع العلماء على تحريم القتل، واختلافهم فى الاستسلام للقتل فوجب تقدیم درء المفسدة المجمع على وجوب درئها على درء المفسدة المختلف فى وجوب درئها (١). هـ - ألا يقدم المضطر على فعل لا يحتمل الرخصة بحال (٢) قال ابن عابدين: الإِكراه على المعاصى أنواع : نوع يرخص له فعله ويثاب على تركه، كإجراء كلمة الكفر، وشتم النبى بَله، وترك الصلاة، وكل مايثبت بالكتاب . ونوع محرم فعله ویأثم بإتیانه كالزنى وقتل مسلم، أو قطع عضوه، أو ضربه ضربا متلفا، أو شتمه أو أذيته (٣) . وللتفصيل فى أقسام الرخصة والأحكام المتعلقة بها (ر: مصطلح: رخصة) . ٩ - حالات الضرورة: بتتبع عبارات الفقهاء والمفسرين يتبين أن (١) قواعد الأحكام العز بن عبد السلام ١/ ٧٩ . (٢) بدائع الصنائع ٧/ ١٧٧. (٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٨٣ . - ١٩٥ - ضَرُورَة ٩ - ١٠ أهم حالات الضرورة عبارة عن :- ١ - الاضطرار إلى تناول المحرم من طعام أو شراب . ٢ - الاضطرار إلى النظر واللمس للتداوى . ٣ - الاضطرار إلى إتلاف نفس أو فعل فاحشة . ٤ - الاضطرار إلى أخذ مال الغير وإتلافه . ٥ - الاضطرار إلى قول الباطل (١). ١٠ - الحالة الأولى: الاضطرار إلى تناول المحرم من طعام أو شراب : لاخلاف بين الفقهاء فى إباحة أكل الميتة ونحوها للمضطر (٢). للأدلة السابقة . إلا أنهم اختلفوا فى المقصود بإباحة الميتة، ومقدار مايأكله المضطر من الميتة ونحوها، (١) انظر تفسير القرطبى ٢ / ٢٢٥، وأحكام القرآن لابن العربى ١/ ٥٥ ط. عيسى الحلبى. هذا وقد ذكر بعض المعاصرين المرض، والسفر، والنسيان والجهل، والعسر وعموم البلوى والنقص ضمن حالات الضرورة، والواقع أن هذه الحالات وما شابهها وإن كانت من الأعذار التی جعلت سببا للتخفيف عن العباد إلا أنها لا تنتهى فى جميع صورها إلى حد الضرورة . وللتفصيل فى الأحكام المتعلقة بهذه الأعذار ر: مصطلح تيسير ف ٣١ - ٤١ ورفع الحرج، ورخصة. (٢) المغني لابن قدامة ٨ / ٥٩٥ والقوانين الفقهية ص ١٧٨ نشر الدار العربية للكتاب، وأحكام القرآن لابن العربى ١ / ٥٥، ومغنى المحتاج ٤ / ٣٠٦، وأحكام القرآن للجصاص ١/ ١٤٧ ط . البهية . وتفصيل المحرمات التي تبيحها الضرورة وترتيبها عند التعدد، وأثر الضرورة فى رفع حرمة الميتة ونحوها، وفيما يلى تفصيل هذه المسائل الخلافية : أ - الميتة : إذا كان للمضطر أكل الميتة ونحوها فى حالة الاضطرار، سواء كان هذا الاضطرار بجوع أو عطش فی مخمصة، أو بإكراه من ظالم، فهل يجب عليه تناولها أم يجوز له الامتناع من الأکل حتى يموت؟. ذهب الحنفية - فى ظاهر الرواية - والمالكية والشافعية - فى أحد الوجهين - والحنابلة - على الصحيح من المذهب - إلى أن المضطر يجب عليه أكل الميتة (١) . وقالوا: إن الذى يخاف الهلاك من الجوع والعطش إذا وجد ميتة أو لحم خنزير أو دما فلم يأكل ولم یشرب حتى مات وهو يعلم أن ذلك يسعه كان آثما (٢)، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (٣)، ولاشك أن الذي يترك تناول الميتة ونحوها حتى يموت يعتبر قاتلاً لنفسه (١) ابن عابدين ٥/ ٢١٥، والدسوقى ٢ / ١١٥، والمغنى ٨/ ٥٩٦، واختيارات ابن تيمية ص ٣٢١، والمقنع ٣/ ٥٣١، والمهذب ١ / ٢٥٠. (٢) المبسوط للسرخسى ٢٤ / ١٥١، وابن عابدين ٢١٥/٥. (٣) سورة البقرة / ١٩٥. - ١٩٦ - ضَرُورَةٍ ١٠ ملقيا بها إلى التهلكة، لأن الكف عن التناول فعل منسوب إلى الإنسان، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له، فلزمه کما لو کان معه طعام حلال (١). وقال كل من الحنابلة والشافعية - في وجه ۔ وأبو يوسف - فى رواية عنه - إن المضطر يباح له أكل الميتة، ولايلزمه، فلو امتنع عن التناول فى حالة الضرورة ومات، فلا إثم ولا حرج عليه، لما روى عن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله# ((أن طاغية الروم حبسه في بیت، وجعل معه خمرا ممزوجا بماء ولحم خنزير مشوى ثلاثة أيام، فلم یأکل ولم یشرب، حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال: قد كان الله أحله لى لأني مضطر ولكن لم أكن لأشمتك بدین الإسلام» (٢). ولأن إباحة الأکل رخصة فلا تجب عليه، کسائر الرخص، ولأن له غرضا في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة، وفارق الحلال فى الأصل من هذه الوجوه (٣). (١) المغنى ٨ / ٥٩٦ . (٢) قصة عبد الله بن حذافة السهمي أخرجها ابن عساكر فى تاريخ دمشق (ترجمة عبد الله بن حذافة ص ١٣٤ - ١٣٥ ط . دار الفكر) وفى إسنادها انقطاع بين عبد الله بن حذافة والراوى عنه وهو الزهرى . (٣) تبين الحقائق ١٨٥/٥ والمغني ٥٩٦/٨ ط الرياض والمهذب ١/ ٢٥٠ مقدار ما يأكله المضطر من الميتة ونحوها : اتفق الفقهاء على أن المضطر یباح له أكل مايسد الرمق ويأمن معه الموت، كما اتفقوا على أنه يحرم مازاد على الشبع (١). واختلفوا فى الشبع . فذهب الحنفية والشافعية - فى الأظهر عندهم - والحنابلة - فى أظهر الروايتين - وابن الماجشون، وابن حبيب من المالكية : إلی أن المضطر لا یأکل من الميتة إلا قدر سد الرمق، ولا یباح له الشبع، لأن آية : ﴿فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا إثم عليه﴾ (٢) دلت على تحريم الميتة، واستثنت ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل للآية، محققه أن حاله بعد سد رمقه كحاله قبل أن یضطر، وثمّ لم یبح له الأکل کذا ههنا (٣). وقال المالكية على المعتمد عندهم، والشافعية فى قول، والحنابلة فى الرواية الثانية: إن المضطر يباح له الشبع لإطلاق الآية، ولما روی جابر بن سمرة أن رجلا نزل الخرّة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته: (١) المغنى ٨ / ٥٩٥، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٧ . (٢) سورة البقرة / ١٧٣ : (٣) غمز عيون البصائر ١/ ٢٧٧؛ ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٧، والأشياء للسيوطي ص ٨٤، والمغني ٨/ ٥٩٥، والقرطبي ٢ / ٢٢٨، والدسوقى ٢ / ١١٥ : - ١٩٧ - ٠٠٠٠ ضَرُورَةَ ١٠ اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله صل# فسأله فقال: ((هل عندك غنى يغنيك؟)) قال: لا ، قال: ((فكلوها) ولم يفرق ولأن ماجاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح، ولأن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحا، ومقدار الضرورة إنما هو من حالة عدم القوت إلى حالة وجوده حتى يجد (٢). قال ابن قدامة : يحتمل أن یفرق بین ما إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول الله (وَل# جاز الشبع، لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب، ولايتمكن من البعد مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه، بخلاف التى ليست مستمرة فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل (٣) . ب - ذبح الحيوان غير المأكول للضرورة: كل حيوان حى من الحيوانات التى (١) حديث جابر بن سمرة: ((أن رجلا نزل الحرّة .. )) أخرجه أبو داود (٤ / ١٦٦ - ١٦٧) . (٢) حاشية الدسوقى ٢ / ١١٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٥ -٥٦ ومغنى المحتاج ٤ / ٣٠٧، والمغني ٨/ ٥٩٥ . (٣) المغني ٨ / ٥٩٥ . لا تؤكل يحل للمضطر قتله بذبح أو بغير ذبح، للتوصل إلى أكله . قال الجصاص عند تفسيره لآيات الضرورة: ذكر الله تعالى الضرورة فى هذه الآيات، وأطلق الإِباحة فى بعضها، لوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة، وهو قوله تعالى ﴿وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ (١) فاقتضى ذلك وجود الإباحة بوجود الضرورة فى كل حال وجدت الضرورة فیھا (٢) . ج - تناول ماحرّم من غير الحيوان: تناول ماحرّم من غير الحيوان نوعان: أحدهما: ما حرّم لكونه يقتل الإِنسان إذا تناوله كالسموم، فإنه لا تبيحه الضرورة، لأن تناوله استعجال للموت، وقتل للنفس، وهو من أكبر الكبائر . والآخر: ما حرّم لنجاسته ويمثل له الفقهاء بالترياق المشتمل على خمر ولحوم حيات: (ر: سم). د - شرب الخمر لضرورة العطش والغَصَص: يجوز للمضطر شرب الخمر إن لم يجد (١) سورة الأنعام / ١١٩. (٢) أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٤٧ ط . المطبعة البهية، والمجموع ١ / ٤٣ - ٤٤ . - ١٩٨ - ضَرُورَةَ ١٠ - ١١ غيرها، لإِساغة لقمة غصّ بها عند جمهور الفقهاء . ويرى ابن عرفة من المالكية أن ضرورة الغَصَص تدرأ الحد ولا تمنع الحرمة (١). وأما شرب الخمر لدفع العطش فعند الحنفية والشافعية على القول المقابل للأصح أن من خاف على نفسه من العطش يباح له أن یشرب الخمر کما يباح للمضطر تناول الميتة والخنزير وقيد الحنفية جواز شرب الخمر لضرورة العطش بقولهم: إن كانت الخمر تردّ ذلك العطش (٢) . وذهب المالكية والشافعية - على الأصح عندهم - إلى تحريم شرب الخمر لدفع العطش (٣) . هـ - تناول المضطر لحم إنسان: اتفق الفقهاء على أَنَّ المضطر إن لم يجد إلا آدمیا حیا محقون الدم لم یبح له قتله، ولا إتلاف عضو منه، مسلما كان أو كافرا، لأنه مثله، فلا يجوز أن یبقی نفسه بإتلافه (٤). (١) الفتاوى الهندية ٥/ ٤١٢، والدسوقى ٤ / ٣٥٢، والفواكه الدوانى ٢ / ٢٨٩ وكشاف القناع ٦/ ١١٧، ومغنى المحتاج ٤ / ١٨٨. (٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٤١٢، ومغنى المحتاج ٤ / ١٨٨. (٣) الدسوقى ٤ / ٣٥٣، والفواكه الدواني ٢/ ٢٨٩، وتفسير ابن العربى ١ /٥٦ ومغنى المحتاج ٤/ ٢٢، والأم ٢ / ٢٥٣، وحلية العلماء ٣ / ٤١٦ . (٤) المغنى ٨ / ٦٠١، والمجموع ٩ / ٤٤ . واختلفوا فيما إذا وجد آدمیا معصوما، ميتا فأجاز بعض الحنفية والشافعية على أصح الطريقين وأشهرهما أكله، لأن حرمة الحى أعظم (١) . ويرى المالكية والحنابلة والشافعية - فى وجه ۔ أن المضطر ليس له أكل ابن آدم ولو مات (٢) لقول النبي وَليل: ((كسر عظم الميت ککسره حیا» (٣). قال الماوردي: فإن جوزنا الأکل من الآدمي الميت فلا يجوز أن یأکل منه إلا ما يسد الرمق بلا خلاف، حفظا للحرمتين . قال: ولیس للمضطر طبخه وشیه، بل یأكله نيئا، لأن الضرورة تندفع بذلك، وفي طبخه هتك لحرمته، فلا يجوز الإقدام عليه، بخلاف سائر الميتات، فإن للمضطر أكلها نيئة ومطبوخة (٤) ١١ - ترتيب المحرمات : إذا وجد المضطر ميتة - ونحوها - من محظورات الأطعمة والأشربة ووجد طعاما أوشرابا للغير فأيهما يأخذه ؟ (١) المجموع ٩ / ٤٤، والمغنى ٨/ ٦٠٢. (٢) المجموع ٩/ ٤٤، وتفسير القرطبى، ٢/ ٢٢٩، والمغنى ٨/ ٠٦٠٢ (٣) حديث: ((كسر عظم الميت ككسره حيا.)) أخرجه أبو داود (٣ / ٥٤٤) من حديث عائشة ، وحسنه ابن القطان كما فى التلخيص لابن حجر (٣/ ٥٤) .. (٤) المجموع ٩ / ٤٤ . - ١٩٩ - ضَرُورَةٍ ١١ - ١٢ ذهب أكثر الحنفية والشافعية فى المذهب والحنابلة، وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم إلى أنه ليس للمضطر تناول طعام الغير، وإنما له أكل الميتة، لأن إباحة الميتة بالنص، وإباحة مال الغير بالاجتهاد، والنص أقوى، ولأن حقوق اللّه تعالى مبنية على المسامحة وحقوق الأدمي مبنية على الشح والتضييق، ولأن حق الآدمى تلزمه غرامته وحق الله لا عوض له (١) . وقال بعض الحنفية والشافعية فی قول وعبد الله بن دينار: إن من وجد طعام الغير لاتباح له الميتة، لأنه قادر على الطعام الحلال، فلم يجز له أكل الميتة، كمالو بذله له صاحبه (٢). أما المالكية فيرون تقديم طعام الغير على الميتة ندبا إن لم يخف القطع أو الضرب أو الأذى وإلا قدم الميتة (٣). وروى أصبغ عن ابن القاسم أنه قال: يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل - وقاله ابن وهب - ويشرب البول ولا يشرب الخمر، لأن (١) غمز عيون البصائر ١ / ٢٨٨، ومغنى المحتاج ٤ / ٣٠٩، والمجموع ٩/ ٥٣، والمغني ٨/ ٦٠٠ : (٢) غمز عبون البصائر ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، والمغني ٨/ ٦٠٠، والمجموع ٩/ ٥٣ ٠ (٣) الدسوقى ٢ / ١١٦، والقرطبى ٢/ ٢٢٩: الخمر يلزم فيها الحدّ فهي أغلظ (١). والمضطر إذا كان مُخْرِما ووجد ميتة وصيدا حيًّا صاده مُحرِمٍ أو أعان على صيده، فإنه يقدم الميتة على الصيد الحي الذي صاده المُحرِمِ أو أعان عليه، بهذا يقول الحنفية على المعتمد والمالكية والشافعية فى المذهب والحنابلة (٢) . وقال الشافعية فى قول وبعض الحنفية والشعبي : إنه یأکل الصید ویفدیه، لأن الضرورة تبيحه، ومع القدرة عليه لا تحل الميتة لغناه عنها (٣). ١٢ - أثر الضرورة فى رفع حرمة الميتة ونحوها : قال شارح أصول البزدوى: اختلف العلماء فی حکم أكل الميتة ونحوها فى حال الضرورة، فهل تصير مباحة، أو تبقى على الحرمة ويرتفع الإثم ؟ فذهب بعضهم: إلى أنها لا تحل ولكن يرخص فى الفعل إبقاء للمهجة كما فى الإكراه على الكفر، وهو رواية عن أبى يوسف وأحد قولى الشافعى . (١) القرطبى ٢ / ٢٨٨ . (٢) غمز عيون البصائر ١ / ٢٨٩، والدسوقى ٢/ ١١٦، ومغنى. المحتاج ٤ / ٣٠٩ والمغنى ٨ / ٦٠١ (٣) مغنى المحتاج ٤ / ٣٠٩، والمغنى ٨/ ٦٠١، وغمز عيون البصائر ١ / ٢٨٩. - ٢٠٠ -