النص المفهرس

صفحات 61-80

-.- -..
صَوْم ٦٩ - ٧٠
شهوة البطن، يضاف إلى ذلك أنه مفتر
وحرام، لحديث أم سلمة - رضى الله تعالى
عنها - قالت: ((نهى رسول اللّه بَ ل عن كل
مسکر ومفتر(١) .))
ودليل وجوب الكفارة على من أكل أو
شرب عمدا، ما ورد في الصحيح عن
أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه -: ((أن رسول الله
* أمر رجلا أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة
أو يصوم شهرين متتابعين، أويطعم ستين
مسكينا)) (٢) فإنه علق الكفارة بالإِفطار، وهي
وإن كانت واقعة حال لاعموم لها، لكنها
علقت بالإِفطار، لا باعتبار خصوص الإِفطار
ولفظ الراوي عام، فاعتبر، كقوله: ((قضى
بالشفعة للجار)). (٣)
ومذهب الشافعية والحنابلة عدم وجوب
الكفارة علی من أكل أو شرب عمدا في نهار
رمضان أداء، وذلك لأن النص - وهو حدیث
الأعرابي الذي وقع على امرأته في رمضان - ورد
في الجماع، وما عداه ليس في معناه . ولأنه
(١) حدیث: ((نهى رسول الله {ُ﴾ عن كل مسكر ومفتره
أخرجه أبو داود (٤ /٩٠) وإسناده ضعيف.
وانظر مراقى الفلاح بحاشية الطحطاوى عليه ص ٣٦٤
(٢) حديث ((أنه أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة ... ))
تقدم في الفقرة رقم ٦٨ .
(٣) تبيين الحقائق وحاشية الشلبى عليه ٣٢٧/١و ٣٢٨، قوله:
وقضى بالشفعة للجار مستنبط من قوله : ((الجار أحق
بشفعته»
أخرجه الترمذي (٦٤٢/٣) من حديث جابر وقال: حديث
حسن غريب.
لانص في إيجاب الكفارة بهذا، ولا إجماع
ولايصح قياسه على الجماع؛ لأن الحاجة
إلى الزجر عنه أمسّ، والحكمة في التعدي به
آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرما (١).
ثالثا : رفع النية :
٧٠ - ومما يوجب الكفارة عند المالكية، ما لو
تعمد رفع النية نهارا، کأن يقول - وهو صائم :
رفعت نیة صومی، أو یقول رفعت نیتی.
وأولى من ذلك، رفع النية فى الليل، كأن
یکون غير ناوٍ للصوم، لأنه رفعها في محلها
فلم تقع النية فى محلها .
وكذلك تجب الكفارة عند المالكية
بالإِصباح بنية الفطر، ولو نوى الصيام بعده،
على الأصح كما يقول ابن جزى .
أما إن علق الفطر على شىء، كأن يقول:
إن وجدت طعاما أكلت فلم يجده، أو
وجده ولم يفطر فلا قضاء عليه .
أما عند الحنابلة- وفی وجه عند
الشافعية - فإنه يجب القضاء بترك النية دون
الكفارة .
وعند الحنفية، وفى الوجه الآخر عند
الشافعية: لا يجب القضاء (٢).
(١) فتح القدير شرح الهداية ٢٦٤/٢، وشرح المحلى بحاشية
القليوبى ٢ /٧٠ والمغني والشرح الكبير ٦٤/٣و ٦٥، وكشاف
القناع ٣٢٧/٢، وانظر الإنصاف ٣٢١/٢.
(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقى عليه ٥٢٨/١، =
- ٦١ -

صَوْم ٧١ - ٧٥
مالا يفسد الصوم:
أولا: الأكل والشرب فى حال النسيان:
٧١ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى
أن الأكل والشرب فى حال النسيان لايفسد
الصوم فرضا أو نفلا، خلافا للمالكية ، كما
تقدم فى ف/٣٨ .
ثانيا: الجماع فى حال النسيان:
٧٢ - ذهب الحنفية والشافعية فى المذهب،
والحسن البصرى ومجاهد وإسحاق وأبو ثور
وابن المنذر إلى أن الجماع فى حال النسيان
لايفطر قياسا على الأكل والشرب ناسيا .
وذهب المالكية فی المشهور- وهو ظاهر
مذهب الحنابلة - إلى أن من جامع ناسيا
فسد صومه، وعليه القضاء فقط عند
المالكية، والقضاء والكفارة عند الحنابلة (٢).
.
ثالثا: دخول الغبار ونحوه حلق الصائم :
٧٣ - إذا دخل حلق الصائم غبار أو ذباب أو
دخان بنفسه، بلا صنعه، ولو كان الصائم
= والقوانين الفقهية ص ٨٢ والدر المختار ورد المحتار عليه،
بتصرف ١٠٣/٢، ومراقى الفلاح وحاشية الطحطاوى عليه
ص ٣٦١ وشرح المحلى على المنهاج ٦٤/٢، وكشاف القناع
٣١٦/٢، وانظر المهذب مع المجموع ٢٩٧/٦.
(١) الهداية وشروحها ٢٥٤/٢ و٢٥٥، والمجموع ٣٢٤/٦، مراقى
الفلاح، ٣٦٠، والمغنى والشرح الكبير ٥٦/٣، كشاف القناع
٣٢٤/٢، الإنصاف ٣١١/٣ والشرح الكبير للدردير ٥٢٥/١
و ٥٢٧، وجواهر الإكليل ١٤٩/١، والقوانين الفقهية ص
١٢١.
ذاکراً لصومه، لم یفطر إجماعا ۔ كما قال ابن
جزی - لعدم قدرته على الامتناع عنه، ولا
يمكن الاحتراز منه .
وكذلك إذا دخل الدمع حلقه وکان قليلا
نحو القطرة أو القطرتین فإنه لايفسد صومه؛
لأن التحرز منه غیر ممكن . وإن کان کثیرا
حتى وجد ملوحته فى جميع فمه وابتلعه فسد
صومه (١).
رابعاً: الادهان:
٧٤ - لو دهن الصائم رأسه، أو شاربه
لايضره ذلك، وكذا لو اختضب بحنّاء،
فوجد الطعم فى حلقه لم يفسد صومه،
ولا يجب عليه القضاء، إذ لاعبرة بما يكون من
المسام، وهذا قول الجمهور . لكن صرح
الدردير من المالكية، بأن المعروف من
المذهب وجوب القضاء (٢)
خامساً: الاحتلام:
٧٥ - إذا نام الصائم فاحتلم لايفسد
صومه، بل يتمه إجماعا، إذا لم يفعل شيئا
يحرم عليه ويجب عليه الاغتسال (٣).
(١) الدر المختار ورد المختار ١٠٣/٢، ومراقى الفلاح وحاشية
الطحطاوی علیه ص ٣٦٨.
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٦١ وشرح المحلى على المنهاج ٥٦/٢،
وحاشية الدسوقى وشرح الدردير ٥٢٤/١.
(٣) الدر المختار ٩٨/٢، والقوانين الفقهية (٨١).
- ٦٢ -

صَوْم ٧٥ - ٧٧
وفى الحديث عن أبى سعيد - رضى الله
تعالى عنه - قال: قال رسول الله اليه :
((ثلاث لايفطرن الصائم: الحجامة
والقىء والاحتلام)).
ومن أجنب ليلا، ثم أصبح صائما،
فصومه صحيح، ولاقضاء عليه عند
الجمهور وقال الحنفية: وإن بقی جنبا کل
اليوم، وذلك: لحديث عائشة وأم سلمة -
رضى الله تعالى عنهما - قالتا : ((نشهد على
رسول الله وَّلو إن كان ليصبح جنبا، من
غير احتلام ثم يغتسل، ثم يصوم (١).
قال الشوکانی: وإليه ذهب الجمهور،
وجزم النووى بأنه استقر الإجماع على
ذلك ، وقال ابن دقيق العيد: إنه صار
إجماعا أو كالإجماع .
وقد أخرج الشيخان عن أبى هريرة - رضى
الله تعالى عنه - أنه وَ لّ قال: ((من أصبح
جنبا فلاصوم له» وحمل على النسخ أو الإِرشاد
إلى الأفضل، وهو: أنه يستحب أن يغتسل
(١) حديث أبى سعيد: ((ثلاث لايفطرن ... ))
أخرجه الترمذى (٨٨/٣) وقال: حديث أبي سعيد الخدرى
حديث غير محفوظ وأورده ابن حجر في التلخيص (١٩٤/٢)
وأفاض فى ذكر وجوه إعلاله .
(٢) حديث عائشة: ((وأم سلمة رضى الله عنهما: أخرجه البخارى
(الفتح ١٥٣/٤) ومسلم (٢/ ٧٨١) بألفاظ متقاربة .
قبل الفجر، ليكون على طهارة من أول
الصوم (١).
سادساً : البلل فى الفم :
٧٦ - مما لايفسد الصوم البلل الذي يبقى
فى الفم بعد المضمضة، إذا ابتلعه الصائم
مع الريق، بشرط أن يبصق بعد مج الماء،
لاختلاط الماء بالبصاق، فلا يخرج بمجرد
المج، ولا تشترط المبالغة فى البصق؛ لأن
الباقى بعده مجرد بلل ورطوبة، لا يمكن
التحرز عنه (٢).
سابعاً : ابتلاع ما بين الأسنان :
٧٧ - ابتلاع ما بين الأسنان، إذا كان
قليلا، لايفسد ولايفطر؛ لأنه تبع لريقه،
ولأنه لایمکن الاحتراز عنه، بخلاف الکثیر
فإنه لايبقى بين الأسنان، والاحتراز عنه
ممكن .
والقليل: هو مادون الحمصة، ولو كان
قدرها أفطر .
ومذهب زفر، وهو قول للشافعية : فساد
(١) شرح المحلى على المنهاج ٢/ ٦٢ .
وحديث أبى هريرة: ((من أصبح جنباً فلا صوم له)) .
أخرجه البخارى (الفتح ٤ /١٤٣) ومسلم (٢ / ٧٨٠) بمعناه،
وأخرجه النسائى فى الكبرى (٣٤٣/٢) بلفظ: ((من أدركه
الصبح وهو جنب فلا يصم)).
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٦١، والدر المختار ورد المحتار ٩٨/٢.
- ٦٣ -

صَوْم ٧٧ - ٧٨
الصوم مطلقا، بابتلاع القليل والكثير؛ لأن
الفم له حكم الظاهر، ولهذا لايفسد صومه
بالمضمضة - كما قال المرغينانى - ولو أكل
القليل من خارج فمه أفطر، فكذا إذا أكل
من فمه .
والشافعية قول آخر بعدم الإِفطار به
مطلقا .
وشرط الشافعية والحنابلة، لعدم
الإفطار بابتلاع ما بين الأسنان شرطين :
أولهما : أن لايقصد ابتلاعه .
والآخر: أن يعجز عن تمييزه ومجه؛ لأنه
معذور فيه غیر مفرط، فإن قدر عليهما
أفطر، ولو كان دون الحمصة، لأنه لامشقة
فى لفظه، والتحرز عنه ممكن .
ومذهب المالكية: عدم الإِفطار بما سبق
إلی جوفه من بین أسنانه، ولو عمدا؛ لأنه
أخذه فی وقت يجوز له أخذہ فیہ ۔ کما یقول
الدسوقى - وقيل: لايفطر، إلا إن تعمد
بلعه فيفطر، أما لو سبق إلى جوفه
فلا يفطر (١).
(١) الدر المختار ورد المحتار ٩٨/٢ و١١٢، وشروح الهداية
٢٥٨/٢ وفيها أقوال أخرى، وهذا اختيار المرغينانى، وانظر
المحلي على المنهاج ٥٧/٢، والإقناع ٣٢٩/٢، وكشاف القناع
٣٢١/٢، وروضة الطالبين ٣٦١/٢، والمغنى والشرح الكبير
٤٢/٣ و ٤٣، والقوانين الفقهية ص ٨٠.
ثامنا : دم اللثة والبصاق:
٧٨ - لو دميت لئته، فدخل ريقه حلقه
مخلوطا بالدم، ولم يصل إلى جوفه، لايفطر
عند الحنفية، وإن كان الدم غالبا على
الريق، لأنه لايمكن الاحتراز منه، فصار
بمنزلة مابين أسنانه أو مايبقى من أثر
المضمضة ، أما لو وصل إلى جوفه، فإن
غلب الدم فسد صومه، وعليه القضاء
ولا كفارة، وإن غلب البصاق فلا شيء
عليه، وإن تساويا، فالقياس أن لا يفسد
وفی الاستحسان يفسد احتياطا (١).
ولو خرج البصاق على شفتيه ثم ابتدعه،
فسد صومه، وفى الخانية: ترطبت شفتاه
بيزاقه، عند الكلام ونحوه، فابتلعه،
لايفسد صومه، وهذا ما ذهب إليه
الحنفية (٢).
ومذهب الشافعية والحنابلة : الإِفطار
بابتلاع الريق المختلط بالدم، لتغير الريق،
والدم نجس لايجوز ابتلاعه وإذا لم يتحقق
أنه بلع شيئا نجسا لايفطر، إذ لا فطر ببلع
ريقه الذي لم تخالطه النجاسة (٣).
(١) البدائع ٩٩/٢، والدر المختار ورد المحتار ٩٨/٢، وروضة
الطالبين ٣٥٩/٢ وكشاف القناع ٣٢٨/٢.
(٢) ومراقى الفلاح ص٣٦٢ .
(٣) روضة الطالبين ٣٥٩/٢، وكشاف القناع ٣٢٩/٢.
- ٦٤ -

صَوْم ٧٩
تاسعاً: ابتلاع النخامة :
٧٩ - النخامة هى: النخاعة، وهى
ما يخرجه الإِنسان من حلقه، من مخرج الخاء
المعجمة .
قال الفيومي : هکذا قیده ابن الأثير،
وهكذا قال المطرزي، وزاد: ما يخرج من
الخيشوم عند التنحنح (١).
ومذهب الحنفية، والمعتمد عند المالكية :
أن النخامة سواء أكانت محاطاً نازلا من
الرأس، أم بلغما صاعدا من الباطن،
بالسعال أو التنحنح ـ ما لم یفحش
البلغم - لايفطر مطلقا .
وفی نصوص المالكية: إن البلغم لايفطر
مطلقا، ولو وصل إلى طرف اللسان،
لمشقته ، خلافا لخليل ، الذى رأى
الفساد، فيما إذا أمكن طرحه، بأن جاوز
الحلق، ثم أرجعه وابتلعه، وأن عليه
القضاء .
وفى رواية عن أحمد أن ابتلاع
النخامة لايفطر، لأنه معتاد في الفم
غيرواصل من خارج، فأشبه الريق (٢).
(١) المصباح المنير، مادة: (نخم).
(٢) حاشية القليوب على شرح المحلى على المنهاج ٥٥/٢، والدر
المختار ورد المحتار ١٠١/٢و / ١١١، والمغنى والشرح الكبير
٤٣/٢، وجواهر الإكليل ١٤٩/١ والشرح الكبير للدردير
٥٢٥/١.
وعند الشافعية هذا التفصيل:
- إن اقتلع النخامة من الباطن، ولفظها
فلا بأس بذلك فى الأصح؛ لأن الحاجة
إليه مما يتكرر، وفى قول: يفطر بها
كالاستقاءة
- ولو صعدت بنفسها، أو بسعاله،
ولفظها لم يفطر جزما .
- ولو ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم،
أفطر جزما .
- وإذا حصلت فى ظاهر الفم، يجب
قطع مجراها إلى الحلق، ومجها، فإن تركها
مع القدرة على ذلك، فوصلت إلى الجوف،
أفطر فى الأصح، لتقصيره ، وفي قول:
لايفطر، لأنه لم يفعل شيئا، وإنما أمسك
عن الفعل .
- ولو ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم،
أفطر جزما (١) .
ونص الحنابلة على أنه يحرم على الصائم
بلغ نخامة، إذا حصلت في فمه، ويفطر
بها إذا بلعها، سواء أكانت فى جوفه أم
صدره، بعد أن تصل إلى فمه؛ لأنها من
غير الفم، فأشبه القيء، ولأنه أمكن
التحرز منها فأشبه الدم . (٢).
(١) شرح المحلى وحاشية القليوب ٥٥/٢، وانظر روضة الطالبين
٣٦٠/٢.
(٢) كشاف القناع ٣٢٩/٢، والروض المربع ١٤٣/١، والمغنى=
- ٦٥ -

صَوْم ٧٩ - ٨٠
من أجل هذا الخلاف، نبه ابن الشحنة
على أنه ينبغى إلقاء النخامة، حتى لايفسد
صومه على قول الإمام الشافعى، ولیکون
صومه صحيحا بالاتفاق لقدرته على
مجها (١).
عاشرًا: القىء:
٨٠ - يفرق بين ما إذا خرج القىء بنفسه،
وبين الاستقاءة .
وعبر الفقهاء عن الأول، بما: إذا ذرعه
القىء، أي غلب القىء الصائم .
فإذا غلب القىء، فلا خلاف بين
الفقهاء في عدم الإِفطار به، قلّ القىء أم
كثر، بأن ملأ الفم ، وهذا لحديث
أبي هريرة - رضى الله تعالى عنه - عن النبى
وَ ليّة أنه قال: ((من ذرعه القىء فليس عليه
قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض)) (٢).
أما لو عاد القىء بنفسه، فى هذه الحال،
بغير صنع الصائم، ولو كان ملء الفم، مع
تذکر الصائم للصوم، فلا يفسد صومه، عند
محمد - من الحنفية - وهو الصحيح عندهم،
لعدم وجود الصنع منه، ولأنه لم توجد صورة
الفطر، وهى الابتلاع، وكذا معناه، لأنه
= ٤٣/٣، والإنصاف ٣٢٦،٣٢٥/٢.
(١) مراقى الفلاح ص ٣٦٢.
(٢) حديث: (من ذرعه القىء فليس عليه قضاء)»
أخرجه الترمذى (٨٩/٣) وقال: حديث حسن غريب.
لا يتغذى به عادة، بل النفس تعافه .
وعند أبي يوسف : يفسد صومه؛ لأنه
خارج، حتى انتقضت به الطهارة، وقد
دخل .
وإن أعاده، أو عاد قدر حمصة منه فأكثر،
فسد صومه باتفاق الحنفية، لوجود الإدخال
بعد الخروج، فتتحقق صورة الفطر ولا كفارة
فيه .
وإن كان أقل من ملء الفم، فعاد، لم
يفسد صومه؛ لأنه غير خارج، ولا صنع له في
الإدخال .
وإن أعاده فكذلك عند أبى يوسف لعدم
الخروج، وعند محمد يفسد صومه، لوجود
الصنع منه فى الإدخال (١) .
ومذهب المالكية: أن المفطر فى القىء هو
رجوعه، سواء أكان القىء لعلة أو امتلاء
معدة، قَلّ أو كثر، تغير أولا، رجع عمدا أو
سهوا، فإنه مفطر وعليه القضاء (٢).
ومذهب الحنابلة: أنه لو عاد القىء
بنفسه، لا يفطر لأنه كالمكره، ولوأعاده أفطر،
كما لو أعاد بعد انفصاله عن الفم (٣).
(١) الهداية وشروحها ٢٥٩/٢ و ٢٦٠، والدر المختار ورد المختار
١١٠/٢ و١١١.
(٢) شرح الخرشى ٢٥٠/٢، والشرح الكبير للدردیر ٥٢٥/١،
والقوانين الفقهية ص ٨١.
(٣) كشاف القناع ٣٢١/٢، وانظر الروض المربع ١٤٠/١.
- ٦٦ -

ضَوْم ٨١ -٨٢
٨١ - أما الاستقاءة، وهى: استخراج ما في
الجوف عمدا، أو هي: تكلف القىء (١)
فإنها مفسدة للصوم موجبة للقضاء عند
جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة -
مع اختلافهم فى الكفارة (٢).
وروى عند الحنابلة، أنه لا يفطر
بالاستقاءة إلا بملء الفم، قال ابن عقيل:
ولا وجه لهذه الرواية عندى (٣).
وللحنفية تفصيل فى الاستقاءة:
أ- فإن كانت عمدا، والصائم متذكر
لصومه، غير ناس، والقىء ملء فمه، فعليه
القضاء للحديث المذكور، والقياس متروك
به، ولا كفارة فيه لعدم صورة الفطر .
ب - وإن كان أقل من ملء الفم،
فکذلك عند محمد، يفسد صومه، لإطلاق
الحديث، وهو ظاهر الرواية. وعند
أبی یوسف لا یفسد؛ لعدم الخروج حكما،
قالوا : وهو الصحيح، ثم إن عاد بنفسه لم
يفسد عنده، لعدم سبق الخروج، وإن أعاده
فعنه : أنه لايفسد لعدم الخروج، وهى
أصح الروايتين عنه . ونص الحنفية على أن
(١) المصباح المنير ومختار الصحاح والنهاية في غريب الحديث مادة:
قيء.
(٢) القوانين الفقهية ص ٨١. والإجماع لابن المنذر ص ٥٣، (طدار
طيبة الرياض) وانظر المجموع ٣٢٠/٦، والإنصاف
٣٠٠/٣، وشرح المحلى على المنهاج ٥٥/٢ .
(٣) الإنصاف ٣٠٠/٣.
هذا كله إذا كان القىء طعاما ، أو مرة فإن
کان الخارج بلغها، فغیر مفسد للصوم، عند
أبى حنيفة ومحمد، خلافا لأبى يوسف (١).
حادي عشر: طلوع الفجر فى حالة الأكل أو
الجماع:
٨٢ - اتفق الفقهاء على أنه إذا طلع الفجر
وفي فيه طعام أو شراب فليلفظه، ويصح
صومه . فإن ابتلعه أفطر، وكذا الحكم عند
الحنفية والشافعية والحنابلة فيمن أكل أو
شرب ناسيا ثم تذکر الصوم، صح صومه إن
بادر إلى لفظه . وإن سبق شيء إلى جوفه بغیر
اختياره، فلا يفطر عند الحنابلة، وهو
الصحيح عند الشافعية .
وأما المالكية فقالوا: إذا وصل شىء من
ذلك إلى جوفه - ولو غلَبه - أفطر (٢) .
وإذا نزع، وقطع الجماع عند طلوع الفجر
في الحال فمذهب الحنفية والشافعية - واحد
قولین للمالکیة - لا يفسد صومه، وقیده
القليوبى بأن لايقصد اللذة بالنزع، وإلا بطل
صومه، حتى لو أمنى بعد النزع، لاشيء
عليه، وصومه صحيح، لأنه كالاحتلام - كما
(١) الهداية وشروحها ٢ / ٢٦٠، وانظر الدر المختار ورد المحتار عليه
١١١/٢، ومراقى الفلاح ص ٣٦٢، وفتح القدير ٢٦٠/٢.
(٢) الإنصاف ٣٧٠/٣، وحاشية الدسوقى ٥٢٥/١، روضة
الطالبين ٠٣٦٤/٢ الدر المختار ورد المحتار عليه ٩٩/٢.
- ٦٧ -

صَوْم ٨٢ - ٨٣
یقول الحنفية - ولتولده من مباشرة مباحة -كما
(١)
يقول الشافعية
.
- ومشهور مذهب المالكية: أنه لو نزع
عند طلوع الفجر، وأمنى حال الطلوع
-لا قبلهولا بعده - فلاقضاء؛ لأن الذی بعده
من النهار والذى قبله من الليل، والنزع ليس
وطأ (٢) .
والقول الآخر للمالكية هو وجوب
القضاء .
وسبب هذا الاختلاف عند المالكية هو
أنه : هل يعد النزع جماعا، أولا يعد جماعا ؟
ولهذا قالوا: من طلع عليه الفجر- وهو
يجامع - فعليه القضاء، وقيل: والكفارة (٣) .
ومذهب الحنابلة: أن النزع جماع، فمن
طلع عليه الفجر وهو مجامع فنزع فى الحال،
مع أول طلوع الفجر، فعليه القضاء
والكفارة؛ لأنه يلتذ بالنزع، كما يلتذ
بالإِيلاج، كما لو استدام بعد طلوع
الفجر (٤) .
ولو مكث بعد طلوع الفجر مجامعا، بطل
صومه، ولو لم يعلم بطلوعه .
وفي وجوب الكفارة فى المكث والبقاء، في
(١) حاشية القليوبى على شرح المحلي ٥٩/٢، والدر المختار
٩٩/٢، والبدائع ٩٤/٢.
(٢) جواهر الإكليل ١٥٢/١.
(٣) القوانين الفقهية ص ٨١.
(٤) كشاف القناع ٣٢٥/٢.
هذه الحال، خلاف :
فظاهر الرواية، فى مذهب الحنفية،
والمذهب عند الشافعية عدم وجوب الكفارة؛
لأنها تجب بإفساد الصوم، والصوم منتف حال
الجماع فاستحال إفساده، فلم تجب الكفارة .
أو كما قال النووی : لأن مکثه مسبوق ببطلان
الصوم .
وروي عن أبى يوسف وجوب الكفارة (١).
مكروهات الصوم :
٨٣۔ یکرہ للصائم بوجه عام - مع الخلاف -
ما يلى:
أ - ذوق شيء بلا عذر، لما فيه من تعریض
الصوم للفساد، ولو كان الصوم نفلا، على
المذهب عند الحنفية؛ لأنه يحرم إبطال النفل
بعد الشروع فيه، وظاهر إطلاق الكراهة يفيد
أنها تحريمية .
ومن العذر مضغ الطعام للولد، إذا لم تجد
الأم منه بُدّا، فلا بأس به، ویکره إذا كان لها
منه بد .
وليس من العذر، ذوق اللبن والعسل
لمعرفة الجيد منه والردىء عند الشراء، فيكره
ذلك. وكذا ذوق الطعام، لينظر اعتداله،
(١) الدر المختار ورد المحتار عليه ٩٩/٢، وروضة الطالبين
٣٦٤/٢ و٣٦٥ وحاشية القليوبى على شرح المحلى على المنهاج
٥٩/٢.
- ٦٨ -

صَوْم ٨٣
ولو كان لصانع الطعام .
لكن نقل عن الإِمام أحمد قوله: أحب إلىّ
أن يجتنب ذوق الطعام، فإن فعل فلا بأس
به، بل قال بعض الحنابلة: إن المنصوص
عنه: أنه لا بأس به لحاجة ومصلحة،
واختاره ابن عقيل وغيره وإلا كره .
وإن وجد طعم المذوق فى حلقه أفطر (١).
ب- ويكره مضغ العلك، الذى لا يتحلل
منه أجزاء، فلا يصل منه شىء إلى الجوف .
ووجه الكراهة: اتهامه بالفطر، سواء أكان
رجلا أم امرأة، قال على رضى الله تعالى
عنه : إياك وما يسبق إلى العقول إنكاره،
وإن كان عندك اعتذاره .
أما ما يتحلل منه أجزاء، فیحرم مضغه،
ولو لم يبتلع ريقه، إقامة للمظنة مقام المئنة،
فإن تفتت فوصل شىء منه إلى جوفه عمدا
أفطر، وإن شك فى الوصول لم يفطر (٢).
ج۔ تكره القبلة إن لم یأمن على نفسه وقوع
مفسد من الإنزال أو الجماع
وللتفصيل ينظر مصطلح : (تقبيل) ف ١٧
(١) حاشية الطحطاوى على مراقي الفلاح ص ٣٧١ والهداية
بشروحها ٢٦٨/٢، والشرح الكبير للدردير ٥١٧/١،
والمجموع ٣٥٤/٦، وكشاف القناع ٣٢٩/٢.
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٧١. وانظر الدر المختار ١١٢/٢، وجواهر
الإكليل ١٤٧/١ وكشاف القناع ٣٢٩/٢، والمحلى على المنهاج
٦٢/٢.
د - ويرى جمهور الفقهاء أن المباشرة والمعانقة
ودواعي الوطء - كاللمس وتكرار النظر -
حكمها حكم القبلة فيما تقدم .
وخص الحنفية المباشرة الفاحشة،
بالكراهة التحريمية، وهي - عندهم - أن
يتعانقا، وهما متجردان، ويمس فرجه
فرجها . ونصوا على أن الصحيح أنها تكره،
وإن أمن على نفسه الإنزال والجماع . ونقل
الطحطاوي وابن عابدين عدم الخلاف فى
كراهتها، وكذلك القبلة الفاحشة، وهى:
أن يمص شفتها، فيكره على الإطلاق (١).
هـ- الحجامة، وهى أيضا مما يكره
للصائم ۔ فى الجملة - ، وهی استخراج الدم
المحقن من الجسم، مصا أو شَرْطا .
ومذهب الجمهور أنها لا تفطر الحاجم
ولا المحجوم، ولكنهم كرهوها بوجه عام .
وقال الحنفية: لا بأس بها، إن أمن
الصائم على نفسه الضعف، أما إذا خاف
الضعف، فإنها تكره، وشرط شيخ الإِسلام
الكراهة، إذا كانت تورث ضعفا يحتاج معه
إلى الفطر(٢).
(١) مراقى الفلاح ص ٣٧٢. والدر المختار ورد المحتار ١١٢/٢
و١١٣، والفتاوى الهندية ٢٠٠/١، والإقناع ٣٣١/٢،
وكشاف القناع ٣٣٠/٢، والمجموع ٣٢٢/٦، والمغنى والشرح
الكبير ٤٠/٣، والإنصاف للمرداوى ٣١٥/٣.
(٢) الفتاوى الهندية ١٩٩/١ و ٢٠٠.
- ٦٩ -

صَوْم ٨٣
٠٠
وقال المالكية: إن المريض والصحيح،
إذا علمت سلامتهما بالحجامة أو ظنت،
جازت الحجامة لهما، وإن علم أو ظن عدم
السلامة لهما حرمت لهما، وفى حالة الشك
تكره للمريض، وتجوز للصحيح .
قالوا: إن محل المنع إذا لم يخش بتأخيرها
عليل هلاكا أو شديد أذى، وإلا وجب فعلها
وإن أدت للفطر، ولا كفارة عليه (١).
- وقال الشافعية: يستحب الاحتراز من
الحجامة، من الحاجم والمحجوم؛ لأنها
تضعفه .
قال الشافعي فى الأم: لو ترك رجل
الحجامة صائما للتوقی، کان أحبّ إلىّ، ولو
احتجم لم أره يفطره .
ونقل النووى عن الخطابى، أن المحجوم
قد يضعف فتلحقه مشقة، فيعجز عن
الصوم فيفطر بسببها، والحاجم قد يصل إلى
جوفه شيء من الدم (٢).
ودليل عدم الإفطار بالحجامة، حديث:
ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ((أن النبى
(١) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ٥١٨/١.
(٢) شرح المحلى على المنهاج ٥٩/٢ و٦٢، والأم للشافعى (٩٧/٢)
(ط: دار المعرفة. بيروت)، والمهذب مع المجموع ٣٤٩/٦ -
٣٥٢.
ر4َ* احتجم وهو محرم، واحتجم وهو
صائم)) (١).
ودلیل کراهة الحجامة حدیث ثابت البناني
أنه قال لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون
الحجامة للصائم على عهد النبي (وَلِ *؟
قال : ((لا، إلا من أجل الضعف)) (٤).
وقالوا أيضا: إنه دم خارج من البدن،
فأشبه الفصد (٣) .
ومذهب الحنابلة أن الحجامة يفطر بها
الحاجم والمحجوم، حدیث رافع بن خديج -
رضى الله عنه -، أن النبى وَالله قال: ((أفطر
الحاجم والمحجوم)) (٤).
قال المرداوى : ولا نعلم أحدا من
الأصحاب، فرق - في الفطر وعدمه - بين
الحاجم والمحجوم .
قال الشوكانى : يجمع بين الأحاديث،
بأن الحجامة مكروهة فی حق من کان یضعف
بها، وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى
حد یکون سببا للإفطار، ولا تکره فی حق من
(١) حديث ابن عباس: ((احتجم وهو محرم، واحتجم وهو
صائم ... )
أخرجه البخارى (الفتح ٤/ ١٧٤).
(٢) حديث ثابت البنانى أنه قال لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون
الحجامة للصائم ... ؟)).
أخرجه البخارى (الفتح ٤/ ١٧٤).
(٣) المغنى والشرح الكبير ٤٠/٣ .
(٤) حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)).
أخرجه الترمذى (١٣٥/٣) وقال: حديث حسن صحيح.
- ٧٠ -

ضَوْم ٨٣ - ٨٤
کان لا یضعف بها، وعلی کل حال تجنب
الحجامة للصائم أولى (١).
أما الفصد، فقد نص الحنفية على
كراهته، کالحجامة، وكراهة كل عمل شاق،
وكل ما يظن أنه يضعف عن الصوم، وكذلك
صرح المالكية والشافعية بأن الفصادة
كالحجامة .
غير أن الحنابلة الذين قالوا، بالفطر في
الحجامة، قالوا: لا فطر بفصد وشرط،
ولا بإخراج دمه برعاف، لأنه لا نص فيه،
والقياس لا يقتضيه .
وفی قول لهم - اختاره الشیخ تقی الدین -
إفطار المفصود دون الفاصد، كما اختار إفطار
الصائم، بإخراج دمه، برعاف وغيره (٢) .
و- وتكره المبالغة فى المضمضة
والاستنشاق فى الصوم .
ففى المضمضة: بإيصال الماء إلى رأس
الحلق، وفى الاستنشاق: بإيصاله إلى فوق
المارن .
وذلك لحديث لقيط بن صبرة رضى الله
عنه أن النبي مَ﴾ قال له: ((بالغ في
(١) الإنصاف ٣٠٢/٣، ونيل الأوطار ٢٠٣/٤.
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٧٢. وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير
للدردير ٥١٨/١، والإقناع ٣٣٤/٢، وشرح المحلى على المنهاج
٦٢/٢، وكشاف القناع ٣٢٠/٢، والروض المربع
١٤٠/١، ١٤١، والإنصاف ٣٠٣/٣.
الاستنشاق إلا أن تكون صائما» (١)، وذلك
خشية فساد صومه .
ومن المكروهات التى عددها المالكية:
فضول القول والعمل، وإدخال كل رطب له
طعم (فى فمه) وإن مجه، والإِكثار من النوم
فى النهار (٢).
مالا يكره فى الصوم:
٨٤ - لا يكره للصائم - فى الجملة - مايلى،
مع الخلاف فى بعضها:
أ - الاكتحال غير مكروه عند الحنفية
والشافعية، بل أجازوه، ونصوا على أنه
لا يفطر به الصائم ولو وجد طعمه في حلقه،
قال النووی : لأن العین لیست بجوف، ولا
منفذَ منها إلى الحلق (٣).
واحتجوا بحديث عائشة رضى الله
تعالى عنها قالت: ((اكتحل رسول الله ولات.
وهو صائم)) (٤)، وحديث أنس رضى الله
(١) حديث لقيط بن صبرة: ((بالغ فى الاستنشاق إلا أن تكون
صائم)».
أخرجه الترمذى (١٤٦/٣) وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) القوانين الفقهية ص ٧٨ .
(٣) فتح القدير ٢٦٩/٢، ورد المحتار ١١٣/٢ و١١٤، والمهذب
٣٤٧/٦، وروضة الطالبين ٣٥٧/٢.
(٤) حديث عائشة: ((اكتحل النبى ◌َّ وهو صائم ... ))
أخرجه ابن ماجه (٥٣٦/١) وضعف إسناده البوصيرى فى
مصباح الزجاجة (٢٩٩/١).
- ٧١ -

صَوْم ٨٤
تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي وَل
فقال: «اشتكت عينى، أفأکتحل وأنا
صائم؟ قال: نعم)) (١).
وتردد المالكية فى الاكتحال، فقالوا: إن
كان لايتحلل منه شىء لم يفطر، وإن تحلل
منه شىء أفطر. وقال أبو مصعب:
لا يفطر. ومنعه ابن القاسم مطلقا .
وقال أبو الحسن: إن تحقق أنه يصل إلى
حلقه، لم یکن له أن يفعله، وإن شك کره،
ولْيَتَمَادَ (أى يستمر فى صومه) وعليه القضاء،
فإن علم أنه لا يصل، فلا شيء عليه .
وقال مالك فى المدونة: إذا دخل
حلقه، وعلم أنه قد وصل الكحل إلى
حلقه، فعليه القضاء ولا كفارة عليه . وإن
تحقق عدم وصوله للحلق لا شىء عليه،
کاکتحاله ليلا وهبوطه نهارا للحلق، لا شىء
عليه فى شىء من ذلك (٢)
وهذا أيضا مذهب الحنابلة، فقد قالوا:
إذا اكتحل بما يصل إلى حلقه ويتحقق
الوصول إليه فسد صومه، وهذا الصحيح من
(١) حديث أنس: جاء رجل إلى النبى ◌َه فقال: ((اشتكت
عینی ... ))
أخرجه الترمذى (٩٦/٣) وقال: ليس إسناده بالقوى، ولا
یصح عن النبی نگچ فى هذا الباب شىء.
(٢) حاشية العدوى على الخرشى ٢٤٩/٢، وجواهر الإِكليل
١٤٩/١، والقوانين الفقهية ص ٨٠، والمدونة ١ /١٩٧.
المذهب. واستدلوا بأن النبى رَ ﴾((أمر
بالإِتمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه
الصائم)) ولأن العين منفذ، لكنه غير معتاد،
وكالواصل من الأنف .
واختار الشيخ تقى الدين أنه لا يفطر
بذلك. (٢)
ب - التقطير فى العين، ودهن الأجفان،
أو وضع دواء مع الدهن فى العين لا يفسد
الصوم، لأنه لا ينافيه وإن وجد طعمه فى
حلقه، وهو الأصح عند الحنفية، والظاهر
من كلام الشافعية أنهم يوافقون الحنفية .
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن التقطير فى
العين مفسد للصوم إذا وصل إلى الحلق، لأن
العين منفذ وإن لم یکن معتادا (٣).
ج - دهن الشارب ونحوه، كالرأس
والبطن، لا يفطر بذلك عند الحنفية
والشافعية، ولو وصل إلى جوفه بشرب
المسام، لأنه لم يصل من منفذ مفتوح، ولأنه
ليس فيه شىء ينافى الصوم، ولأنه - كما يقول
(١) حديث: ((أمر النبى ◌َهير بالأثمد المروح عند النوم ... )).
أخرجه أبو داود (٢ /٧٧٦) ثم قال: قال لى يحيى بن معين: هو
حديث منكر ونقل الزيلعى فى نصب الراية (٢ /٤٥٧) عن ابن
عبد الهادي صاحب التنقيح أنه أعله بجهالة راویین فیه.
(٢) المغني ٣٨/٣، والإنصاف ٢٩٩/٣ و٣٠٠.
(٣) الفتاوى الهندية ٢٠٣/١ ومراقى الفلاح ص ٣٦١، والقوانين
٠
الفقهية ٨٠. والروضة ٣٥٧/٢ والروض المربع ١٤٠/١.
- ٧٢ -

صَوْم ٨٤
المرغينانى - : نوع ارتفاق، وليس من
محظورات الصوم (١).
لکن المالکیة قالوا: من دهن رأسه نهارا،
ووجد طعمه فى حلقه، أو وضع حناء فى رأسه
نهارا، فاستطعمها فى حلقه، فالمعروف فى
المذهب وجوب القضاء وإن قال الدردير:
لا قضاء عليه، والقاعدة عندهم: وصول
مائع للحلق ، ولوکان من غیر الفم، مع أنهم
قالوا: لاقضاء فى دهن جائفة ، وهى:
الجرح النافذ للجوف، لأنه لا يدخل مدخل
الطعام (٢).
د - الاستياك، لا يرى الفقهاء بالاستياك
بالعود الیابس أول النهار بأسا، ولا یکره عند
الحنفية والمالكية بعد الزوال ، وهو وجه عند
الشافعية فى النفل، لیکون أبعد من الرياء،
ورواية عند الحنابلة آخر النهار. بل صرح
الأولون بسنيته آخر النهار وأوله (٣)، وذلك :
لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها
قالت: قال رسول الله مثل: ((من خير خصال
الصائم السواك)) (٤).
(١) روضة الطالبين ٣٥٨٨/٢، ومراقى الفلاح ص ٣٧٢، والدر
المختار ١١٣/٢، والهداية بشروحها ٢٦٩/٢.
(٢) الشرح الكبير للدردير - بتصرف ٥٢٤/١، وجواهر الإكليل
١٥٢/١.
(٣) المغنى ٤٦/٣، وروضة الطالبين ٣٦٨/٢.
(٤) حديث: ((من خير خصال الصائم السواك))
أخرجه ابن ماجه (٥٣٦/١) والدارقطنى (٢٠٣/٢) والبيهقى=
ولقول عامر بن ربيعة رضى الله تعالى
عنه ((رأيت النبى وَلّ مالا أحصى، يتسوك
وهو صائم» (١) .
وقد أطلقت هذه الأحاديث السواك،
فيسن ولو كان رطبا، أو مبلولا بالماء، خلافا
لأبي يوسف فى رواية كراهة الرطب، ولأحمد فى
رواية كراهة المبلول بالماء، لاحتمال أن
يتحلل منه أجزاء إلى حلقه، فیفطره، وروى
عن أحمد أنه لا يكره .
وشرط المالكية لجوازه أن لا يتحلل منه
شيء، فإن تحلل منه شىء کره ، وإن وصل
إلى الحلق أفطر .
وذهب الشافعية إلى سنية ترك السواك بعد
الزوال، وإذا استاك فلا فرق بين الرطب
واليابس، بشرط أن يحترز عن ابتلاع شىء
منه أو من رطوبته (٢).
واستحب أحمد ترك السواك بالعشى،
وقال: قال رسول الله وَله: ((خلوف فم
= (٢٧٢/٤) واللفظ لابن ماجه، وأشار الدارقطنى والبيهقى إلى
تضعيفه .
(١) حديث عامر بن ربيعة: رأيت النبى ◌ُ ل# ((مالا أحصى يتسوك
وهو صائم.))
أخرجه الترمذي (٩٥/٣) ونقل ابن حجر في الفتح (١٥٨/٤)
عن غير واحد تضعيف أحد رواته.
(٢) مراقى الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه ص ٣٧٢و ٣٧٣،
والهداية وشروحها ٢/ ٢٧٠ و٢٧١، والدر المختار ورد المحتار
١١٤/٢، والمغنى ٤٦/٣، والقوانين الفقهية ص ٨٠، وحاشية
الدسوقى على الدردير ٥٣٤/١، وروضة الطالبين ٣٦٨/٢.
- ٧٣ -

صَوْم ٨٤
الصائم أطيب عند الله من ريح المسك
الأذفر)) (١) لتلك الرائحة لا يعجبنى للصائم
أن يستاك بالعشى (٢).
وعنه روايتان فى الاستياك بالعود الرطب :
إحداهما: الكراهة - كما تقدم - والأخرى:
أنه لا يكره، قال ابن قدامة: ولم ير أهل
العلم بالسواك أول النهار بأسا، إذا كان
العود يابسا (٣) .
هـ - المضمضة والاستنشاق في غير
الوضوء والغسل لا یکره ذلك ولا يفطر .
وقیده المالكية بما إذا كان لعطش ونحوه،
وکرهوه لغیر موجب، لأن فيه تغریرا ومخاطرة،
وذلك لاحتمال سبق شيء من الماء إلى الحلق،
فيفسد الصوم حينئذ (٤) .
وفي الحديث عن عمر رضى الله تعالى
عنه ((أنه سأل النبى وَ له عن القبلة
للصائم ؟ فقال: أرأيت لو مضمضت من
الماء وأنت صائم؟ قلت: لابأس! قال:
فمه)) (٥)
(١) المسك الأذفر: الجيد إلى الغاية أنظر القاموس المحيط (مادة:
ذفر) وحديث: ((خلوف فم الصائم ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ١٠٣/٤) ومسلم (٨٠٧/٢) من
حديث أبي هريرة دون قوله فيه: ((الأذفر)).
(٢) المغنى ٤٦/٣.
(٣) المغنى ٤٦/٣ وما بعدها .
(٤) لشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه ٥٣٤/١.
(٥) حديث عمر: ((أنه سأل النبي ◌ُ الز عن القبلة للصائم ... ))
أخرجه أبو داود (٧٧٩/٢ - ٧٨٠) والحاكم (٤٣١/١)
وصححه الحاكم ووافقه الذهبى .
ولأن الفم فى حكم الظاهر، لايبطل
الصوم بالواصل إليه كالأنف والعين .
ومع ذلك، فقد قال ابن قدامة : إن
المضمضة، إن كانت حاجة کغسل فمه عند
الحاجة إليه ونحوه، فحكمه حكم المضمضة
للطهارة، وإن كان عابثا، أو مضمض من
أجل العطش كره (١) .
ولا بأس أن يصب الماء على رأسه من الحر
والعطش، لما روى عن بعض أصحاب
رسول الله پے أنه قال: «لقد رأيت رسول الله
وَمليء بالعرج، يصب الماء على رأسه وهو
صائم، من العطش، أو من الحر)) (٢).
وكذا التلفف بثوب مبتل للتبرد ودفع الحر
على المفتى به - عند الحنفية - لهذا الحدیث،
ولأن بهذه عونا له على العبادة، ودفعا للضجر
والضيق .
وكرهها أبو حنيفة، لما فيها من إظهار
الضجر في إقامة العبادة (٣) .
و۔ اغتسال الصائم، فلا يكره، ولا بأس به
حتى للتبرد، عند الحنفية وذلك لما روى عن
(١) المغنى ٤٤/٣، ٤٥.
(٢) حديث بعض أصحاب النبى صل: ((لقد رأيت رسول اللّه اله
بالعرج ... .))
أخرجه أبو داود (٧٦٩/٢) والحاكم (٤٣٢/١) وأشار الحاكم
إلی تصحيحه ووافقه الذهبي .
(٣) مراقى الفلاح ص ٣٧٣، والدر المختار ورد المحتار عليه
٠١١٤/٢
- ٧٤ -

صَوْم ٨٤ - ٨٦
عائشة وأم سلمة رضى الله تعالى عنهما قالتا:
«نشهد علی رسول پټ إن کان ليصبح جنبا،
من غير احتلام، ثم يغتسل ثم يصوم)) (١).
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما
أنه دخل الحمام وهو صائم هو وأصحاب له
في شهر رمضان .
وأما الغوص في الماء، إذا لم يخف أن
يدخل في مسامعه،فلا بأس به، وکرهہ بعض
الفقهاء حال الإسراف والتجاوز أو العبث،
خوف فساد الصوم (٢).
الآثار المترتبة على الإفطار :
٨٥ - حصر الفقهاء الآثار المترتبة على الإفطار
فى أمور، منها : القضاء : والكفارة
الكبرى، والكفارة الصغرى (وهذه هي
الفدية) والإمساك بقية النهار، وقطع التتابع،
والعقوبة (٣).
أولا: القضاء :
٨٦ - من أفطر أياما من رمضان - كالمريض
(١) حديث عائشة وأم سلمة: ((نشهد على رسول الله﴾ إن كان
ليصبح جنبا .. .))
أخرجه البخارى (الفتح ١٥٣/٤) ومسلم (٧٨١/٢) بألفاظ
متقاربة .
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٧٣، والدر المختار ورد المحتار ١١٤/٢،
والمغنى ٤٥/٣، وروضة الطالبين ٣٦١/٢.
(٣) القوانين الفقهية ص ٨٣.
والمسافر- قضى بعدة مافاته، لأن القضاء
يجب أن يكون بعدة ما فاته، لقوله تعالى:
﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام
أُخر﴾ (١)
ومن فاته صوم رمضان کله، قضى الشهر
كله، سواء ابتدأه من أول الشهر أو من
أثنائه، كأعداد الصلوات الفائتة . قال
الآبى: القضاء لما فات من رمضان بالعدد:
فمن أفطر رمضان کله، وکان ثلاثین، وقضاه
فی شھر بالهلال، وکان تسعة وعشرين يوما،
صام يوما آخر. وإن فاته صوم رمضان وهو
تسعة وعشرون يوما، وقضاہ فی شھر۔ وکان
ثلاثين يوما - فلا يلزمه صوم اليوم الأخير،
لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ .
وقال ابن وهب : إن صام بالهلال، كفاه
ما صامه، ولو کان تسعة وعشرين، ورمضان
ثلاثين (٢)
وكذا قال القاضى من الحنابلة: إن قضى
شهرا هلاليا أجْزاه، سواء كان تاما أو ناقصا
وإن لم يقض شهرا، صام ثلاثين يوما . وهو
ظاهر كلام الخرقى .
قال المجد: وهو ظاهر كلام الإِمام أحمد
وقال: هو أشهر .
(١) سورة البقرة: / ١٨٥، وانظر كشاف القناع ٣٣٣/٢.
(٢) كشاف القناع ٣٣٣/٢، وجواهر الإكليل ١٥٣/١ و ١٥٤.
- ٧٥ -

صَوْم ٨٦ - ٨٧
ويجوز أن یقضی یوم شتاء عن يوم صيف،
ويجوز عكسه، بأن یقضی یوم صيف عن يوم
شتاء، وهذا لعموم الآية المذكورة
وإطلاقها (١) .
وقضاء رمضان يكون على التراخى .
لکن الجمهور قیدوه بما إذا لم يفت وقت
قضائه، بأن يهل رمضان آخر ، لقول عائشة
رضى الله تعالى عنها ((كان يكون عليَّ الصوم
من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا فى
شعبان، لمكان النبى وَل9)) (٢) كما لا يؤخر
الصلاة الأولى إلى الثانية .
ولا يجوز عند الجمهور تأخير قضاء رمضان
إلی رمضان آخر،من غير عذریأثم به، لحديث
عائشة هذا (٣)، فإن أخر فعليه الفدية:
إطعام مسكين لكل يوم، لما روي عن ابن
عباس وابن عمر وأبى هريرة رضى الله
عنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه
حتى أدركه رمضان آخر: عليه القضاء
وإطعام مسكين لكل يوم، وهذه الفدية
للتأخير، أما فدية المرضع ونحوها فلفضيلة
الوقت، وفدية الهرم لأصل الصوم، ويجوز
(١) الإنصاف للمرداوي ٣٣٣/٣، وكشاف القناع ٣٣٣/٢.
(٢) حديث عائشة: ((كان يكون على الصوم فى رمضان ... )).
أخرجه البخارى (الفتح ١٨٩/٤) ومسلم (٨٠٢/٢ -٨٠٣).
(٣) كشاف القناع ٣٣٣/٢، ٣٣٤.
الإِطعام قبل القضاء ومعه وبعده (١)
ومذهب الحنفية، وهو وجه محتمل عند
الحنابلة: إطلاق التراخي بلا قيد، فلو جاء
رمضان آخر، ولم يقض الفائت، قدم صوم
الأداء على القضاء، حتى لو نوى الصوم عن
القضاء لم يقع إلا عن الأداء، ولا فدية عليه
بالتأخير إليه، لإطلاق النص، وظاهر قوله
تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ (٢) .
وعند غير الحنفية يحرم التطوع بالصوم قبل
قضاء رمضان، ولا يصح تطوعه بالصوم قبل
قضاء ما عليه من رمضان، بل يبدأ بالفرض
حتی یقضیه، وإن کان علیه نذر صامه بعد
الفرض، لأن الصوم عبادة متكررة، فلم يجز
تأخير الأولى عن الثانية ، كالصلوات
المفروضة (٣)
مسائل تتعلق بالقضاء :
الأولى :
٨٧ - إن أخر قضاء رمضان - وكذا النذر
والكفارة - لعذر ، بأن استمر مرضه أو سفره
(١) الإنصاف ٣٣٣/٣، وانظر الشرح الكبير للدردير ٥٣٧/١
والقوانين الفقهية ص ٨٤، والإقناع ٣٤٣/٢ وشرح المحلى على
المنهاج ٦٨/٢و ٦٩ والمهذب ٣٦٣/٦ وكشاف القناع
٣٣٤/٢.
(٢) سورة البقرة: ١٨٥ وراجع مراقى الفلاح ص ٣٧٥ والفتاوى
الهندية ١ /٢٠٨، والإنصاف ٣٣٤/٣.
(٣) كشاف القناع ٣٣٤/٢، المغني مع الشرح الكبير ٨٣/٣.
- ٧٦ -
سي

صَوْم ٨٧ - ٨٨
المباح إلى موته، ولم يتمكن من القضاء ، فلا
شىء عليه ، ولا تدارك للغائب بالفدية ولا
بالقضاء ، لعدم تقصيره ، ولا إثم به ، لأنه
فرض لم يتمكن منه إلى الموت ، فسقط
حکمه ، کالحج، ولأنه يجوز تأخیر رمضان
بهذا العذر أداء ، فتأخير القضاء أولى - كما
يقول النووى
وسواء استمر العذر إلى الموت ، أم حصل
الموت في رمضان ، ولو بعد زوال العذر كما
قال الشربينى الخطيب .
وقال أبو الخطاب : يحتمل أن يجب
الصوم عنه أو التكفير (١)
الثانية :
٨٨ - لو أفطر بعذر واتصل العذر بالموت فقد
اتفق الفقهاء على أنه لايصام عنه ولاكفارة
فيه ، لأنه فرض لم يتمكن من فعله إلى الموت
فسقط حكمه ، كالحج .
أما إذا زال العذر وتمكن من القضاء ، ولم
يقض حتى مات ففيه تفصيل :
فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
والحنابلة فى المذهب ، وهو الأصح والجديد
عند الشافعية) إلى أنه لايصام عنه؛ لأن
(١) روضة الطالبين ٣٦٤/٢، وانظر شرح المحلى على المنهاج
٦٩/٢، وكشاف القناع ٣٣٤/٢، والإقناع ٣٤٣/٢،
والإنصاف ٣٣٤/٣.
الصوم واجب بأصل الشرع لايقضى عنه ،
لأنه لاتدخله النيابة فى الحياة فكذلك بعد
الممات كالصلاة .
وذهب الشافعية فى القديم ، وهو
المختار عند النووي ، وهو قول أبى الخطاب
من الحنابلة إلی أنه يجوز لولیه أن يصوم عنه،
زاد الشافعية: ويصح ذلك، ويجزئه عن
الإِطعام ، وتبرأ به ذمة الميت ولا يلزم الولى
الصوم بل هو إلى خيرته، لحديث عائشة
رضى الله عنها عن النبى وَله: ((من مات
وعلیه صیام صام عنه وليه)) (١)
أما فى وجوب الفدية فقد اختلفوا فيه
على النحو التالى :
قال الحنفية : لو أخر قضاء رمضان بغير
عذر، ثم مات قبل رمضان آخر أو بعده ،
ولم يقض لزمه الإيصاء بكفارة ما أفطره بقدر
الإقامة من السفر والصحة من المرض وزوال
العذر، ولا يجب الإيصاء بكفارة ما أفطره على
من مات قبل زوال العذر .
وذهب الشافعية - فى الجديد - إلى أنه
يجب في تركته لكل يوم مد من طعام . وذهب
الحنابلة فى المذهب إلى الإِطعام عنه لكل يوم
مسکینا (٢).
(١) حديث عائشة: ((من مات وعليه صيام صام ... )).
أخرجه البخارى (الفتح ١٩٢/٤) ومسلم (٨٠٣/٢).
(٢) مراقى الفلاح ص ٣٧٥، جواهر الإكليل ١٦٣/١، والمجموع=
- ٧٧ -

ضَوْم ٨٨ - ٨٩
.......
والظاهر من مذهب المالكية : وجوب
مد عن كل يوم أفطره إذا فرّط، بأن كان
صحيحا مقيما خاليا من الأعذار (١).
ثانيا : الكفارة الكبرى :
٨٩ - ثبتت الكفارة الكبرى بالنص فى
حديث الأعرابى الذى واقع زوجته فى نهار
رمضان .
ولا خلاف بين الفقهاء فی وجوبها بإفساد
الصوم بالوقاع فى الجملة ، وإنما الخلاف فى
وجوبها بإفساده بالطعام والشراب: فتجب -
في الجملة أیضا ۔ بإفساد صوم رمضان
خاصة ، طائعا متعمدا غیر مضطر، قاصدا
انتهاك حرمة الصوم ، من غير سبب مبيح
للفطر .
وقال الحنفية : إنما يكفّر إذا نوى الصيام
ليلا ، ولم يكن مكرها ، ولم يطرأ مسقط ،
کمرض وحیض .
فلا كفارة فى الإفطار في غير رمضان ، ولا
کفارة على الناسی والمکره ۔ عند الجمهور- ولا
على النفساء والحائض والمجنون ، ولا على
المريض والمسافر، ولا على المرهق بالجوع
والعطش ، ولا على الحامل ، لعذرهم ...
= ٣٦٨/٦، والإنصاف ٣٣٤/٣ - ٣٣٦، وكشاف القناع
٣٣٤/٢، ٣٣٥.
(١) الشرح الصغير ٧٢١/١.
ولا على المرتد ، لأنه هتك حرمة الإِسلام ،
لا حرمة الصيام خصوصا .
فتجب بالجماع عمدا ، لا ناسيا
- خلافا لأحمد وابن الماجشون من المالكية -
وتجب بالأكل والشرب عمدا ، خلافا
للشافعي وأحمد ، وتقدمت موجبات أخرى
مختلف فيها ، كالإِصباح بنية الفطر،
ورفض النية نهارا والاستقاء العامد ، وابتلاع
مالا يغذي عمدا (١).
أما خصال الكفارة فهي : العتق والصيام
والإِطعام، وهذا بالاتفاق بين الفقهاء ،
لحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه
قال: ((بينما نحن جلوس عند النبى وَليوم إذ
جاءه رجل ، فقال : يارسول الله !
هلكت ! قال: مالك؟ قال : وقعت على
امرأتى وأنا صائم، فقال رسول الله وَلل هل
تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا ، قال : فهل
تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال :
لا ، قال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟
قال: لا، قال: فمكث النبى وَ له فبينا
نحن على ذلك، أتى النبى وَلِّ بعَرَقٍ(٢) فيها
(١) الدر المختار ١١٠/٢، والقوانين الفقهية ص ٨٣، ومراقى
الفلاح ص ٣٦٦، وروضة الطالبين ٣٧٤/٢ وما بعدها،
وشرح المحلى على المنهاج ٦٩/٢ و ٧٠ وكشاف القناع ٣٢٤/٢
وما بعدها.
(٢) العرق: وهو مكتل من خوص النخل يسع خمسة عشر صاعا،
والصاع أربعة أمداد، فهى ستون مدا (حاشية القليوبى على=
- ٧٨ -

ضَوْم ٨٩ -٩١
تمر، قال : أين السائل ؟ فقال : أنا !
قال : خذ هذا فتصدق به ! فقال الرجل :
على أفقر مني يارسول الله ! فوالله مابين
لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من
أهل بیتی ! فضحك النبى څ# حتى بدت
أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك)) (١).
قال ابن تيمية الجد فى تعليقه على هذا
الحديث : وفيه دلالة قوية على الترتيب .
قالوا : فكفارته ككفارة الظهار، لكنها
ثابتة بالكتاب ، وأما هذه فبالسنة .
وقال الشوكانى : ظاهر الحديث أن
الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب . قال
ابن العربى : لأن النبي پڼ نقله من أمر بعد
عدمه إلى أمر آخر، وليس هذا شأن
التخيير (٢).
وقال البيضاوى : إن ترتيب الثانى على
الأول ، والثالث على الثاني ، بالفاء يدل على
عدم التخيير، مع كونها فى معرض البيان
وجواب السؤال ، فنزل منزلة الشرط وإلى
القول بالترتيب ذهب الجمهور . وأنها ككفارة
الظهار: فيعتق أولا ، فإن لم يجد صام
شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع أطعم
= شرح المحلى ٧٢/٢).
(١) حديث أبى هريرة: ((بينما نحن جلوس عند النبى (8# ... )).
تقدم فى فقرة رقم ٦٨ .
(٢) منتقى الأخبار ٢١٤/٤، والدر المختار ١٠٩/٢.
ستين مسكينا ، لهذا الحديث (١).
ثالثا : الكفارة الصغرى :
٩٠ - الكفارة الصغرى: هى الفدية ،
وتقدم أنها مدّ من طعام لمسكين إذا كان من
البرّ، أو نصف صاع إذا كان من غيره ،
وذلك عن كل يوم، وهى عند الحنفية
كالفطرة قدرا ، وتكفي فيها الإِباحة ، ولا
يشترط التمليك هنا ، بخلاف الفطرة (٢).
وتجب على من أخر قضاء رمضان حتى
دخل رمضان آخر، وعلى الحامل والمرضع
والشيخ الهرم .
وينظر التفصيل فى مصطلح : ( فدية) .
رابعا : الإمساك لحرمة شهر رمضان :
٩١ - من لوازم الإفطار فى رمضان : الإمساك
لحرمة الشهر، قال النووي : وهو من
خواص رمضان ، كالكفارة ، فلا إمساك على
متعد بالفطر ، وفى نذر أو قضاء (٣) وفيه
خلاف وتفصيل وتفريع فى المذاهب
الفقهية :
فالحنفية وضعوا أصلين لهذا الإمساك :
(١) نيل الأوطار ٢١٥/٤، وروضة الطالبين ٣٧٩/٢، وحاشية
القليوبي على شرح المحلى ٧٢/٢، والمغنى ٦٦/٣ .
(٢) حاشية البجيرمى على شرح الشربيني الخطيب ٣٤٦/٢، والدر
المختار ١١٧/٢.
(٣) روضة الطالبين ٣٧١/٢
- ٧٩ -

صَوْم ٩١
أولهما : أن کل من صار في آخر النهار
بصفة ، لو كان فى أول النهار عليها للزمه
الصوم ، فعليه الإِمساك .
ثانيهما : كل من وجب عليه الصوم ،
لوجود سبب الوجوب والأهليه ، ثم تعذر
عليه المضى ، بأن أفطر متعمدا ، أو أصبح
يوم الشك مفطرا ، ثم تبين أنه من رمضان ،
أو تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع ، ثم
تبين طلوعه ، فإنه يجب عليه الإمساك
تشبها على الأصح؛ لأن الفطر قبيح ،
وترك القبيح واجب شرعا ، وقيل :
يستحب .
وأجمع الحنفية على أنه لايجب على
الحائض والنفساء والمريض والمسافر هذا
الإمساك .
وأجمعوا على وجوبه على من أفطر عمدا ، أو
خطأ ، أو أفطر يوم الشك ثم تبين أنه من
رمضان، وكذا على مسافر أقام ، وحائض
ونفساء طهرتا ، ومجنون أفاق ، ومريض
صح، ومفطر ولو مكرها أو خطأ ، وصبي
بلغ ، وكافر أسلم (١).
وقال ابن جزى من المالكية : وأما إمساك
بقية اليوم ، فيؤمر به من أفطر في رمضان
خاصة ، عمدا أو نسيانا ، لا من أفطر لعذر
(١) رد المحتار على الدر المختار ١٠٦/٢.
مبيح ثم زال العذر مع العلم برمضان ، فإنه
لايندب له الإمساك ، كمن اضطر للفطر فى
رمضان ، من شدة جوع أو عطش فأفطر،
وکحائض ونفساء طهرتا نهارا ، ومریض صحّ
نهارا ، ومرضع مات ولدها ، ومسافر قدم ،
ومجنون أفاق ، وصبی بلغ نهارا، فلا يندب
الإِمساك منهم .
وقید العلم برمضان ، احتراز عمن أفطر
ناسيا ، وعمن أفطر يوم الشك ثم ثبت أنه
من رمضان ، فإنه يجب الإِمساك ، كصبي
بيّت الصوم ، واستمر صائما حتى بلغ ، فإنه
يجب عليه الإمساك ، لانعقاد صومه له
نافلة، أو أفطر ناسيا قبل بلوغه فيجب عليه
بعد الإِمساك، وإن لم يجب القضاء على
الصبي فى هاتين الصورتين .
ونصوا كذلك على أن من أكره على
الفطر، فإنه يجب عليه الإمساك ، بعد زوال
الإِكراه قالوا : لأن فعله قبل زوال العذر،
لايتصف بإباحة ولا غيرها .
ونصوا على أنه يندب إمساك بقية اليوم لمن
أسلم ، لتظهر عليه علامة الإِسلام بسرعة ،
ولم يجب، تأليفا له للإِسلام ، كما ندب
قضاؤه ، ولم يجب لذلك (١).
(١) القوانين الفقهية ص ٨٤، وجواهر الإكليل ١٤٦/١، والشرح
الكبير للدردیر وحاشية الدسوقى عليه ٥١٤/١، ٥١٥، ومنح
الجليل ٣٩٠/١ و٣٩١، وشرح الزرقانى بحاشية البنانى
١٩٧/٢ و١٩٨.
- ٨٠ -