النص المفهرس
صفحات 341-360
صلح ١٩ والفرق بين الصورة الثانية والثالثة : هو أنّ الفضولي في الثانية قد أضاف الصلح إلى ماله الذي نسبه إلى نفسه ، أمّا في الثالثة فبدل الصلح مع کونه ماله إلا أنه لم ينسبه إلى نفسه عند العقد . الصورة الرابعة : إذا أطلق بقوله : صالحت على كذا ، ولم یکن ضامنا ولامضيفا إلى ماله ولا مشیرا إلى شىء ، وسلّم المبلغ فيصحّ الصلح ؛ لأنّ تسليم بدل الصلح يوجب بقاء البدل المذكور سالما للمدعي ، ويستلزم حصول المقصود بتمام العقد ، فصار فوق الضمان والإِضافة إلى نفسه . وعلى ذلك : إذا حصل للمدعي عوض في هذه الصور وتمّ رضاؤه به بريء المدعى عليه ، ولاشيء للفضولي المصالح من المصالح عنه . ويستفاد من حصر لزوم التسليم في الصورة الرابعة أنّ تسليم بدل الصلح في الصورتين الثانية والثالثة ليس شرطا لصحة الصلح ، فيصحّ فيهما ولو لم يحصل التسليم ، ويجبر الفضولي على التسليم . هذا وحيث صحّ الصلح في هذه الصور الأربع ، فإنّ الفضولي المصالح يكون متبرعا بالبدل ؛ لأنه أجرى هذا العقد بلا أمر المدعى عليه . الصورة الخامسة : أن يطلق الفضولي بقوله للمدعي : أصالحك عن دعواك هذه مع فلان على ألف درهم ، ولايكون ضامنا ، ولامضيفا إلى ماله ولامشيرا إلى شيء ، ثم لایسلّم بدل الصلح ، فصلحه هذا موقوف على إجازة المدعى عليه ؛ لأن المصالح ههنا - وهو الفضولي - لا ولاية له على المطلوب المدعى عليه ، فلاينفذ تصرفه عليه ، فيتوقف على إجازته . وعلى ذلك : فإن أجاز المدعى عليه صلحه صحّ ؛ لأن إجازته اللاحقة بمنزلة ابتداء التوكيل ، ويلزم بدل الصلح المدعى عليه دون المصالح ، لأنه التزم هذا البدل باختياره ، ويخرج الأجنبي الفضولي من بينهما ، ولا يلزمه شىء . وإن لم يجز المدعى عليه الصلح فإنه يبطل ؛ لأنه لايجب المال عليه والمدعى به لايسقط . ولا فرق في هذه الصورة بین أن یکون المدعی علیه مقرًا أو منکرا ، وبین أن یکون بدل الصلح عينا أو دينا ؛ لأن المصالح الفضولي لم يضف بدل الصلح لنفسه أو ماله ، كما أنه لم يضمنه ؛ فلا يلزمه البدل المذكور (١). (١) انظر تحفة الفقهاء ٤٣٤/٣، البحر الرائق ٢٥٩/٧، مجمع الأنهر ٣١٤/٢ تبيين الحقائق ٤٠/٥، رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٤ / ٤٧٧، الفتاوى الخانية ٨٣/٣ وما= - ٣٤١ - صلح ٢٠ - ٢١ ثانيا : مذهب المالكية : ٢٠ - ذهب المالكية إلى أنه يجوز للرجل أن يصالح عن غيره بوكالة أو بغير وكالة ، وذلك مثل أن يصالح رجل علی دین له على رجل ، ويلزم المصالح ماصالح به . جاء في (المدونة) في باب الصلح : ومن قال لرجل : هلّم أصالحك من دينك الذي على فلان بكذا ، ففعل، أو أتى رجل رجلا فصالحه عن امرأته بشيء مسمّى لزم الزوج الصلح ، ولزم المصالح ماصالح به وإن لم يقل:أنا ضامن ؛ لأنه إنما قضى عن الذي عليه الحق مما يحق عليه (١). ثالثا : مذهب الشافعية : ٢١ - ذهب الشافعية إلى أنّ للصلح الجاري بين المدعي والأجنبي حالتين : (٢) الأولى : مع إقرار المدعى عليه : وفي هذه الحال فرّقوا بین ما إذا كان المدعى عينا أو دينا . = بعدها ، وانظر م (١٥٤٤) من مجلة الأحكام العدلية ، ودرر الحكام لعلي حيدر ١٩/٤ - ٢٢، شرح المجلة للأناسي ٥٤٣/٤، بدائع الصنائع ٥٢/٦، الفتاوى البزازية ٣٠/٦ . (١) مواهب الجليل للخطاب ٨١/٥، المدونة ٣٨٠/٤. (٢) نهاية المحتاج ٣٧٧/٤، ٣٧٨، أسنى المطالب ٢١٧/٢، روضة الطالبين ١٩٩/٤، ٢٠٠، المهذب ٠٣٤٠/١ أ - فإن كان المدّعى عينا ، وقال الأجنبي للمدعي : إنّ المدعى عليه وكلني في مصالحتك له عن بعض العين المدعاة ، أو عن كلها بعين من مال المدعى عليه ، أو بعشرة في ذمته ، فتصالحا عليه ، صحّ الصلح ؛ لأن دعوى الإِنسان الوكالة فى المعاملات مقبولة . ثم ينظر: فإن كان الأجنبي صادقا في الوكالة ، صار المصالح عنه ملكا للمدعى عليه . وإلا كان فضوليا ولم يصحّ صلحه ، لعدم الإِذن فيه ، كشراء الفضولي . ولو صالحه الوكيل على عين مملوكة للوكيل ، أو على دين في ذمته صحّ العقد ، ویکون کشرائه لغيره بإذنه بمال نفسه ، ويقع للآذن ، فيرجع المأذون عليه بالمثل إنّ كان مثليا، وبالقيمة إن كان قيميا ؛ لأن المدفوع قرض لاهبة . أما لو صالح عن العين المدعاة لنفسه بعین من ماله أو بدین في ذمته فيصحّ الصلح للأجنبي ، وكأنه اشتراه بلفظ الشراء ، ولو لم يجر مع الأجنبي خصومه ، لأنّ الصلح ترتب على دعوى وجواب . ب - وإن كان المدّعى دينا ، فينظر: فإن صالحه عن المدعى عليه ، كما لو قال الأجنبي للمدعي : صالحني على الألف - ٣٤٢ - صلح ٢١ الذي لك على فلان بخمسمائة صح الصلح ؛ لأنه إن كان قد وكله المدعى عليه بذلك فقد قضى دينه بإذنه ، وإن لم يوكله فقد قضی دینه بغير إذنه وذلك جائز . ومثل ذلك مالو قال له الأجنبي : وكلني المدعى عليه بمصالحتك على نصفه ، أو على ثوبه هذا ، فصالحه فإنه يصح ، وإن صالحه عن نفسه فقال : صالحني عن هذا الدین ليكون لي في ذمة المدعی علیه ففیه وجهان - بناء على الوجهین في بیع الدین من غیر من علیه - . أحدهما : لايصح . لأنه لايقدر على تسليم مافي ذمة المدعى عليه . والثاني : یصحّ کما لو اشترى وديعة في يد غيره . والثانية : مع إنكار المدّعى عليه : وفي هذه الحال - أيضا - فرّقوا بين ما إذا كان المدعى عينا أو دينا . أ - فإن كان عينا ، وصالحه الأجنبي عن المنكر ظاهرا بقوله : أقرّ المدعى عليه عندي ووكلني في مصالحتك له ، إلّ أنه لايظهر إقراره لئلا تنتزعه منه ، فصاحه صحّ ذلك ؛ لأن دعوى الإِنسان الوكالة في المعاملات مقبولة (١). قال الشيرازي : لأن الاعتبار (١) ومحلّه - كما قال الإِمام الغزالي - إذا لم يعد المدعى عليه الإِنكار بعد دعوى الوكالة ، فلو أعاده كان عزلا ، فلا= بالمتعاقدين ، وقد اتفقا على ما يجوز العقد عليه فجاز، ثم ينظر فيه : فإن كان قد أذن له في الصلح ملك المدعى عليه العين ؛ لأنه ابتاعه له وكيله ، وإن لم يكن أذن له في الصلح لم يملك المدّعى عليه العين ؛ لأنه ابتاع له عينا بغير إذنه ، فلم يملكه (١). ولو قال الأجنبي للمدّعي : هو منكر، غير أنه مبطل ، فصالحني له على داري هذه لتنقطع الخصومة بينكما فلايصح على الأصحّ ، لأنه صلح إنكار (٢) . وإن صالح لنفسه فقال : هو مبطل في إنكاره ، لأنك صادق عندي ، فصالحني لنفسي بداري هذه أو بعشرة في ذمتي فهو كشراء المغصوب ، فيفرّق بين ما إذا كان قادرا على انتزاعہ فیصحّ ، وبین ما إذا كان عاجزا عن انتزاعه فلايصح (٣) . ب - وإن كان المدّعى دينا : وقال الأجنبي : أنكر الخصم وهو مبطل ، فصالحني له بدابتي هذه لتنقطع الخصومة بينكما ، فقبل صحّ الصلح ، إذ لايتعذر قضاء دين الغير بدون إذنه ، بخلاف تمليك = يصحّ الصلح عنه. (أسنى المطالب ٢١٧/٢، ونهاية المحتاج ٣٧٧/٤) . (١) المهذب ٣٤٠/١. (٢) والوجه الثاني: يصح ، لأنّ الاعتبار في شروط العقد بمن يباشر، وهما متفقان. (روضة الطالبين ٢٠١/٤) . (٣) نهاية المحتاج ٣٧٨/٤ . - ٣٤٣ - ٠٠ صلح ٢١ - ٢٢ الغير عين ماله بغير إذنه فإنه لايمكن . وإن صالحه عن الدين لنفسه فقال : هو منكر، ولكنه مبطل ، فصالحني لنفسي بدابتي هذه أو بعشرة في ذمتي لآخذه منه فلا يصح ؛ لأنه ابتياع دين في ذمة غيره (١). رابعا: مذهب الحنابلة : ٢٢ - تكلم الحنابلة عن صلح الأجنبي مع المدّعي في حالة الإِنكار فقط ، ولم يتعرضوا لصلحه في حالة الإِقرار، وقالوا : أ - إنّ صلح الأجنبي عن المنكر، إمّا أن یکون عن عین أو دین : فإن صالح عن منكر لعين بإذنه ، أو بدون إذنه صحّ الصلح ، سواء اعترف الأجنبي للمدّعي بصحة دعواه على المنكر، أو لم يعترف له بصحتها ، ولو لم يذكر الأجنبي أنّ المنكر وكّله في الصلح عنه ؛ لأنه افتداء للمنكر من الخصومة وإبراء له من الدعوى ؛ ولا يرجع الأجنبي بشيء مما صالح به علی المنکر إن دفع بدون إذنه ؛ لأنه أدّی عنه مالا يلزمه فکان متبرعا ، كما لو تصدّق عنه . أمّا إذا صالح عنه بإذنه فهو وکیله ، والتوكيل في ذلك جائز؛ ویرجع علیه بما دفع عنه بإذنه إن نوی الرجوع علیه بما دفع عنه . (١) الروضة ٢٠١/٤، أسنى المطالب ٢١٧/٢. وإن صالح عن منكر لدین بإذنه أو بدون إذنه ، صحّ الصلح ، سواء اعترف الأجنبي للمدعي لصحة دعواه على المطلوب ، أو لم يعترف ؛ لأن قضاء الدين عن غيره جائز بإذنه وبغير إذنه ، فإنّ عليّا وأبا قتادة - رضي الله عنهما - ((قضيا الدين عن الميت ، وأقرّهما النبي وَّ)) (١)، ولو لم يقل الأجنبي إنّ المنكر وگّله في الصلح عنه ؛ لأنه افتداء للمنكر من الخصومة ، وإبراء له من الدعوى، ولا يرجع الأجنبي على المنکر بشيء مما صالح به إن دفع بدون إذنه ؛ لأنه أدّی عنه مالا يلزمه فكان متبرعا ، كما لو تصدّق عنه . فإن أذن المنكر للأجنبي في الصلح ، أو الأداء عنه رجع علیه بما ادعی عنه إن نوى الرجوع بما دفع عنه (٢). ب - وإن صالح الأجنبي المدعي لنفسه ، لتكون المطالبة له فلا يخلو: إمّا أن يعترف للمدعي بصحة دعواه ، أو لايعترف له : (١) حديث: ((أنّ عليًا وأبا قتادة قضيا الدين عن الميت)). ۔ الذي ورد عن أبي قتادة - أخرجه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع (الفتح ٤ /٤٦٧ - ط. السلفية). وحديث (علي) أخرجه الدارقطني (٤٧/٣ - ط. دار المحاسن) . (٢) شرح منتهى الإرادات ٢٦٤/٢، كشاف القناع ٣٨٦/٣، المغني لابن قدامة (ط. مكتبة الرياض الحديثة) ٥٣١/٤، المبدع ٢٨٧/٤. - ٣٤٤ - صلح ٢٢ فإن لم يعترف له كان الصلح باطلا ؛ لأنه اشترى من المدعي مالم يثبت له ، ولم تتوجّه إليه خصومة يفتدي منها ، أشبه ما لو اشترى منه ملك غيره . وإن اعترف له بصحة دعواه وصالح المدعي، والمدّعى به دين لم يصحّ ؛ لأنه اشترى مالا يقدر البائع على تسليمه ، ولأنه بیع للدین من غیر من هو في ذمته . وإذا كان بيع الدین المقرّ به من غیر من هو في ذمته لایصحّ ؛ فبيع دين في ذمة منکر معجوز عن قبضه منه أولى وإن كان المدّعي به عينا ، وعلم الأجنبي عجزه عن استنقاذها من مدعى عليه لم يصح الصلح ؛ لأنه اشترى ما لا يقدر البائع على تسليمه كشراء الشارد . وإن ظنّ الأجنبي القدرة على استنقاذها صحّ ؛ لأنه اشترى من مالك ملكه القادر على أخذه منه في اعتقاده ، أو ظنّ عدم المقدرة ثم تبينت قدرته على استنقاذها صحّ الصلح ؛ لأن البيع تناول مايمكن تسليمه فلم يؤثّر ظنّ عدمه . ثم إن عجز الأجنبي بعد الصلح ظانا القدرة على استنقاذها خُيّر الأجنبي بین فسخ الصلح - ولأنه لم يسلم له المعقود عليه ؛ فكان له الرجوع إلى بدله - وبين إمضاء الصلح ؛ لأن الحق له كخيار العيب . وإن قدر على انتزاعه استقرّ الصلح(١). ج - وإن قال الأجنبي للمدّعي : أنا وکیل المدعى عليه في مصالحتك عن العین ، وهو مقرّ لك بها في الباطن ، وإنما يجحدك في الظاهر فظاهر كلام الخرقي : لايصح الصلح ؛ لأنه يجحدها في الظاهر لينتقص المدّعي بعض حقّه ، أو يشتريه بأقل من ثمنه ؛ فهو هاضم للحقّ يتوصل إلى أخذ المصالح عنه بالظلم والعدوان ، فهو بمنزلة مالو شافهه بذلك فقال : أنا أعلم صحة دعواك ، وأنّ هذا لك ، ولكن لاأسلّمه إليك ولا أقرّ لك به عند الحاكم حتى تصالحني منه على بعضه أو عوض عنه ، وهو غير جائز. وقال القاضي : يصح . ثم ينظر إلى المدعی علیه : فإن صدّقه على ذلك ملك العين ، ولزمه ما أدى عنه ورجع الأجنبي علیہ بما أدّی عنه إن كان أذن له في الدفع . وإن أنكر المدعى عليه الإِذن في الدفع فالقول قوله بیمینه ، ویکون حکمه کمن أدّی عن غيره دینا بلا إذنه . وإن أنکر الوكالة فالقول قوله بيمينه، ولارجوع للأجنبي علیه ولایحکم له بملکها ؛ ثمّ إن كان الأجنبي قد وكّل في الشراء ، فقد ملكها (١) المبدع ٢٨٧/٤ وما بعدها، كشاف القناع ٣٨٦/٣، شرح منتهى الإرادات ٢٦٥/٢، المغني ٥٣٢/٤. - ٣٤٥ - صلح ٢٢ - ٢٥ المدعى عليه باطنا ، لأنه اشتراها بإذنه فلا يقدح إنکاره في ملکها ؛ لأن ملکه ثبت قبل إنكاره ، وإنما هو ظالم بالإنكار للأجنبي . وإن لم یوکله لم يملكها ، لأنه اشتری له عینا بغير إذنه . ولو قال الأجنبي للمدعي : قد عرف المدعى عليه صحة دعواك ، ويسألك الصلح عنه ، ووكلني فیه فصاحه صحّ ؛ لأنه ههنا لم يمتنع من أدائه ، بل اعترف به وصالحه عليه مع بذله فأشبه مالو لم يجحده (١) . أركان الصلح : ٢٣ - ذهب الحنفية إلى أنّ للصلح ركنا واحدا : وهو الصيغة المؤلفة من الإيجاب والقبول الدالّة على التراضي . وخالفهم في ذلك جمهور الفقهاء - من المالكية والشافعية والحنابلة - حيث عدّوا أركان الصلح ثلاثة : ١ - الصيغة . ٢ - والعاقدان . ٣ - والمحل . (وهو المصالح به والمصالح عنه) . انظر مصطلح (عقد) . شروط الصلح : ٢٤ - للصلح شروط يلزم تحققها لوجوده ، (١) المغني ٥٣٢/٤ وما بعدها، المبدع ٢٨٨/٤، شرح منتهى الإرادات ٢٦٥/٢، كشاف القناع ٣٨٧/٣. وهي خارجة عن ماهيته ، منها مايرجع إلى الصيغة ، ومنها مايرجع إلى العاقدين ، ومنها مايرجع إلى المصالح عنه ، وهو الشيء المتنازع فيه ، ومنها مايرجع إلى المصالح عليه ، وهو بدل الصلح . وبيان ذلك فيما يأتي : الشروط المتعلقة بالصيغة : ٢٥ - المراد بالصيغة : الإيجاب والقبول الدّالين على التراضي . مثل أن يقول المدعى علیه : صالحتك من کذا علی کذا ، أو من دعواك كذا على كذا ، ويقول الآخر: قبلت ، أو رضيت أو مايدلّ على قبوله ورضاه . فإذا وجد الإِيجاب والقبول فقد تمّ الصلح (١). هذا ، ولم يتعرض فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في باب الصلح لبيان الشروط المتعلقة بصيغته ، نظرا لاعتبارهم عقد الصلح غیر قائم بذاته ، بل تابعا لأقرب العقود به في الشرائط والأحكام ، بحيث يعدّ بيعا إذا كان مبادلة مال بمال ، وهبة إذا كان على بعض العين المدعاة ، وإبراء إذا كان على بعض الدين المدّعي ، اكتفاء منهم بذكر مايتعلق بالصيغة من شروط وأحكام في (١) بدائع الصنائع ٤٠/٥ . - ٣٤٦ - صلح ٢٥ تلك العقود التي يلحق بها الصلح ، بحسب محلّه وماتصالحا عليه . أمّا الحنفية : فقد تكلموا على صيغة الصلح بصورة مستقلة في بابه ، وأتوا على ذكر بعض شروطها وأحكامها ، وسكتوا عن البعض الآخر، اكتفاء بما أوردوه من تفصيلات تتعلق بالصيغة في أبواب البيع والإِجارة والهبة والإِبراء ، التي يأخذ الصلح أحكامها بحسب أحواله وصوره . أما كلامهم في باب الصلح عن صيغته وشروطها : فهو أنه يشترط في الصلح حصول الإِيجاب من المدعي على كل حال ، سواء أكان المدعى به مما يتعيّن بالتعيين أم لم یکن . ولذلك لایصحّ الصلح بدون إيجاب مطلقا . أمّا القبول ، فيشترط في كلّ صلح يتضمن المبادلة بعد الإيجاب . ثم قالوا : تستعمل صيغة الماضي في الإِيجاب والقبول ، ولا ينعقد الصلح بصيغة الأمر، وعلى ذلك لو قال المدعي للمدعى عليه : صالحني على الدار التي تدعيها بخمسمائة درهم ، فلاينعقد الصلح بقول المدعى عليه : صالحت . لأن طرف الإِيجاب كان عبارة عن طلب الصلح ، وهو غير صالح للإِيجاب ، فقول الطرف الآخر : قبلت ، لا يقوم مقام الإِيجاب . أمّا إذا قال المدعي ثانيا : قبلت . ففي تلك الحالة ينعقد الصلح وبناء على ما تقدم : إذا كان المدّعى به مما يتعيّن بالتعيين : كالعقارات ، والأراضي ، وعروض التجارة ، ونحوها فيشترط القبول بعد الإيجاب لصحة الصلح ؛ لأن الصلح في هذه الحالة لايكون إسقاطا حتى يتمّ بإرادة المسقط وحدها ، وسبب عدم كونه إسقاطا مبني على عدم جريان الإسقاط في الأعيان . وإذا كان الصلح واقعا على جنس آخر، فيشترط القبول - أيضا - سواء أكان المدعى به مما يتعيّن بالتعيين أو كان مما لايتعين بالتعیین : کالنقدین ، وما في حكمهما . وسبب اشتراط القبول في هاتين المسألتين : أنّ الصلح فيهما مبادلة ، وفي المبادلة يجب القبول ، ولايصح العقد بدونه . أمّا الصلح الذي ينعقد بالإيجاب وحده ، فهو الذي يتضمن إسقاط بعض الحقوق ، فيكتفى فيه بالإيجاب ، ولايشترط القبول . وعلى ذلك : فإذا وقع الصلح على بعض الدين الثابت في الذمة ، بمعنى أن يكون كلّ من المصالح عنه والمصالح به من النقدين، وهما لايتعينان بالتعيين، فههنا ينعقد الصلح - ٣٤٧ - صلح ٢٥ - ٢٧ ......... بمجرد إيجاب الدائن ، ولايشترط قبول المدين ؛ لأن هذا الصلح عبارة عن إسقاط بعض الحقّ ، والإسقاط لايتوقف على القبول ، بل يتّم بمجرد إيجاب المسقط . فمثلا : لو قال الدائن للمدين : صالحتك على مافي ذمتك لي من الخمسمائة دينار على مائتي دينار فينعقد الصلح بمجرد الإِيجاب ، ولا يشترط قبول المدين ، ويلزم الصلح مالم يردّه المدين . إلا أنه يشترط في ذلك أن يكون الموجب المدعي ؛ لأنه لو كان المدعى عليه هو الموجب ، فيشترط قبول المدعي ؛ سواء أكان الصلح عمّا يتعين بالتعيين ، أم عما لا يتعين بالتعيين ، وذلك لأن هذا الصلح إمّا أن يكون إسقاطا ، فيجب أن يكون المسقط المدعي أو الدائن ، إذ لایمکن سقوط حقّه بدون قبوله ورضاه ، وإمّا أن يكون معاوضة ، وفي المعاوضة يشترط وجود الإِيجاب والقبول معا . أمّا في الصلح عمّا لايتعين بالتعيين الذى يقع على عين الجنس ، فيقوم طلب المدعى عليه الصلح مقام القبول (١). (١) انظر البحر الرائق ٢٥٥/٧، مجمع الأنهر ٣٠٨/٢، درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر ٣/٤ - ٥، قرة عيون الأخيار تكملة رد المحتار (المطبعة الميمنية ١٣٢١هـ) ١٥٣/٢، ١٥٦، الفتاوى الهندية ٢٢٨/٤، ٢٢٩ . الصلح بالتعاطي : ٢٦ - ذهب الحنفية إلى انعقاد الصلح بالتعاطي إذا كانت قرائن الحال دالّة على تراضيهما به ، كما لو أعطى المدعى عليه مالا للمدعي لا يحقّ له أخذه وقبض المدعي ذلك المال . وبيان ذلك : أنه لو ادعى شخص على آخر بألف درهم ، وأنكر المدعى عليه الدّين ، وأعطى المدّعي شاة وقبضها المدعي منه فإنه ينعقد الصلح بالتعاطي ، وليس للمدعي بعد ذلك الادعاء بالألف درهم ، كما أنه ليس للمدعى عليه استرداد تلك الشاة . أمّا إذا أعطى المدّعى عليه للمدعي بعض المال الذى كان للمدعي حقّ أخذه وقبضه المدعي ، ولم يجر بينهما کلام يدلّ على الصلح فلا ينعقد الصلح بالتعاطى، وللمدعي طلب باقي الدّين ؛ لأن أخذ المدعي بعضا من المال الذى له حق أخذه ، يحتمل أنه قصد به استيفاء بعض حقّه على أن يأخذ البعض الباقي بعد ذلك ، كما أنه يحتمل أنه اكتفى بالمقدار الذى أخذه وعدل عن المطالبة بالباقي، والحقّ لايسقط بالشك (١). الشروط المتعلقة بالعاقدين : ٢٧ - وهي على ثلاثة أقسام : منها مايرجع (١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية ٤/٤ - ٥ . - ٣٤٨ - صلح ٢٧ - ٣٠ إلى الأهلية ، ومنها مایرجع إلى الولاية ، ومنها مايرجع للتراضي . انظر مصطلحات : (أهلية ، تراضي ، عقد ، ولاية) . الشروط المتعلقة بالمصالح عنه : المصالح عنه : هو الشىء المتنازع فيه ، وهو نوعان : حقّ الله ، وحقّ العبد . ١ ٢٨ - أما حقّ الله : فلا خلاف بين الفقهاء في عدم صحة الصلح عنه . وعلى ذلك ، فلا يصحّ الصلح عن حدّ الزنا والسرقة وشرب الخمر، بأن صالح زانیا أو سارقا من غيره أو شارب خمر على مال على أن لایرفعه إلى وليّ الأمر، لأنه حقّ الله تعالى فلا يجوز، ويقع باطلا ، لأنّ المصالح بالصلح متصرف في حقّ نفسه ، إما باستيفاء کلّ حقه ، أو باستيفاء البعض وإسقاط الباقي ، أو بالمعاوضة، وكلّ ذلك لايجوز في غير حقّه . وكذا إذا صالح من حدّ القذف ، بأن قذف رجلا ، فصالحه على مال علی أن يعفو عنه ؛ لأنه وإن كان للعبد فيه حقّ ، فالمغلّب فيه حقّ الله تعالى، والمغلوب ملحق بالعدم شرعا ، فكان في حكم الحقوق المتمحضة حقا لله عز وجل ، وهي لاتحتمل الصلح ، فكذلك ما كان في حكمها . (انظر مصطلح : قذف) . وكذلك لو صالح شاهدا يريد أن يشهد عليه على مال ليكتم شهادته فهو باطل ؛ لأنّ الشاهد في إقامة الشهادة محتسب حقا لله عز وجل لقوله سبحانه : ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ (١) والصلح عن حقوق الله باطل (٢). وإذا بطل الصلح في حقوق الله تعالى وجب عليه ردّ ما أخذ ؛ لأنه أخذه بغير حق ، ولا يحلّ لأحد أخذ مال أحد إلا بسبب شرعي (٣). ٢٩ - وأما حق العبد: فهو الذى يصح الصلح عنه عند تحقّق شروطه الشرعية ، وشروطه عند الفقهاء ثلاثة : (٤). أحدها : أن يكون المصالح عنه حقًّا ثابتا للمصالح في المحل : ٣٠ - وعلى ذلك:فما لايكون حقا له ، أو لا يكون حقا ثابتا له في المحل لا يجوز الصلح عنه ، حتى لو أنّ امرأة طلقها زوجها ادعت (١) سورة الطلاق آية /٢ . (٢) بدائع الصنائع ٤٨/٦، المبدع ٢٩٠/٤، المغنى لابن قدامة ٤ / ٥٥٠، شرح منتهى الإرادات ٢٦٦/٢، قرة عيون الأخيار ١٥٥/٢، كشاف القناع ٣٨٨/٣ وما بعدها (٣) أعلام الموقعين (مطبعة السعادة بمصر) ١٠٨/١. (٤) جاء في م (١٠٢٨) من مرشد الحيران : يشترط أن يكون المصالح عنه حقا للمصالح ثابتا في المحل يجوز أخذ البدل في مقابلته ، سواء كان مالا : كالعين والدين ، أو غير مال : كالمنفعة وحق القصاص والتعزير، ويشترط أن يكون معلوما إن كان مما يحتاج إلى التسليم . وانظر قرة عيون الأخيار ٢ /١٥٥ . - ٣٤٩ - صلح ٣٠ - ٣١ علیه صبيا في يده أنه ابنهمنها، وجحدالرجل، فصالحت عن النسب على شىء فالصلح باطل ؛ لأن النسب حقّ الصبي لاحقها ، فلا تملك الاعتياض عن حقّ غيرها . ولأن الصلح إمّا إسقاط أو معاوضة ، والنسب لايحتملهما . وكذا لو صالح الشفيع من الشفعة التي وجبت له على شىء ، على أن يسلّم الدار للمشترى فالصلح باطل ؛ لأنه لاحقٌ للشفيع في المحلّ ، إنّما الثابت له حق التملك ، وهو ليس لمعنى في المحلّ ، بل هو عبارة عن الولاية ، وأنها صفة الوالي فلا يحتمل الصلح عنه ، وهو قول الجمهور- خلافا للمالكية - فيجوز عندهم الصلح عن الشفعة . (ر: شفعة - إسقاط.) وكذلك لو صالح الكفيل بالنفس المكفول له على مال ، على أن يبرئه من الكفالة فالصلح باطل ؛ لأن الثابت للطالب قبل الكفيل بالنفس حقّ المطالبة بتسليم نفس المكفول بنفسه ، وذلك عبارة عن ولاية المطالبة ، وأنها صفة الوالي فلا يجوز الصلح عنها كالشفعة (١). أمّا لو ادعى على رجل مالا وأنكر المدعى عليه، ولا بينة للمدعي ، فطلب منه اليمين (١) بدائع الصنائع ٤٩/٦، تحفة الفقهاء ٤٢٧/٣. فصالح عن اليمين على أن لايستحلفه جاز الصلح وبرىء من اليمين ، بحيث لا يجوز للمدعي أن يعود إلى استحلافه . وكذا لو قال المدعى عليه : صالحتك من اليمين التي وجبت لك عليّ . أو قال : افتديت منك يمينك بكذا وكذا صحّ الصلح ؛ لأن هذا صلح عن حقّ ثابت للمدعي ؛ لأن اليمين حقّ للمدعي قبل المدعى عليه، وهو ثابت في المحلّ - وهو الملك في المدعى في زعمه - فكان الصلح في جانب المدعى عن حقّ ثابت في المحل ، وهو المدعى ، وفي جانب المدعى عليه بذل المال لإسقاط الخصومة والافتداء عن اليمين (١). قاله الكاساني . ونص الحنفية والحنابلة : على أنه لو ادعى رجل على المرأة نكاحا فحجدته، وصاحتهعلى مال بذلته حتى يترك الدعوى جاز هذا الصلح ؛ لأن النكاح حقّ ثابت في جانب المدعي حسب زعمه ، فكان الصلح على حق ثابت له ، والدافع يقطع به الخصومة عن نفسه، فكان في معنى الخلع (٢) . والثاني : أن یکون مما يصح الاعتیاض عنه : ٣١ - أي : أن يكون مما يجوز أخذ العوض (١) البدائع ٥٠/٦. (٢) كشاف القناع ٣٨١/٣، شرح منتهى الإرادات ٢٦١/٢، المغني ٤٤٩/٤، بدائع الصنائع ٥٠/٦، المبدع ٤ /٢٨١ . - ٣٥٠ - صلح ٣١ عنه ، سواء أکان مما يجوز بيعه أو لا يجوز، وسواء أكان مالا أو غير مال . وعلى ذلك : فيجوز الصلح عن قود نفس ودونها ، وعن سكنى دار ونحوها ، وعن عيب في عوض أو معوّض ، قطعا للخصومة والمنازعة (١) ومتى صالح عمّا يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل جاز(٢). لقوله تعالى : ﴿فمن عُفِىَ له من أخيه شىء فاتّباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ (٣) فقوله عز وجل ﴿فمن عُفِى له﴾ أي: أعطى له . كذا روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -. وقوله عز شأنه ﴿فاتباع بالمعروف ﴾ أي: فليتّبع ((مصدر بمعنى الأمر)) فقد أمر الله تعالى الوليّ بالاتباع بالمعروف إذا أعطي له شىء ، واسم الشيء يتناول القليل والكثير، فدلّت الآية على جواز الصلح عن القصاص على القليل والكثير (٤) . وقال الزيلعي : ولأن القصاص (١) شرح منتهى الإرادات ٢٦٥/٢، ٢٦٦، المغني ٤ /٥٤٥، المبدع ٤ /٢٨٩، قرة عيون الأخبار ١٥٥/٢، وم (١٠٢٨) من مرشد الحيران. (٢) شرح منتهى الإرادات ٢٦٥/٢، المغني ٥٤٥/٤، بدائع الصنائع ٤٩/٦، تبيين الحقائق ١١٣/٦، مواهب الجليل للحطاب ٨٥/٥، التاج والإِكليل للمواق ٥ /٨٥، تحفة الفقهاء ٤٢٥/٣. (٣) سورة البقرة آية /١٧٨. (٤) بدائع الصنائع ٤٩/٦. حقّ ثابت في المحلّ ، ويجرى فيه العفو مجانا ، فكذا تعويضا ؛ لاشتماله على الأوصاف الجميلة من إحسان الولي ، وإحياء القاتل ... والكثير والقليل سواء في الصلح عن القصاص ؛ لأنه ليس فيه شىء مقدّر، فيفوض إلى اصطلاحهما ، كالخلع على مال (١). أمّا إذا صالح عن قتل الخطأ بأكثر من ديته من جنسها لم يجز. وكذلك لو أتلف شيئا غير مثلي لغيره ، فصالح عنه بأکثر من قيمته من جنسها لم يجز أيضا ، وذلك لأن الدية والقيمة ثبتت في الذمة مقّدرة ، فلم يجز أن يصالح عنها بأكثر من جنسها الثابتة عن قرض أو ثمن مبيع . ولأنه إذا أخذ أكثر منها فقد أخذ حقّه وزيادة لا مقابل لها ، فيكون أكل مال بالباطل (٢). فأمّا إذا صالحه على غير جنسها بأكثر من قيمتها ، فيجوز؛ لأنه بيع ، ويجوز للمرء أن يشتري الشىء بأكثر من قيمته أو أقلّ ، ولأنه لارِبا بين العوض والمعوض عنه فصح (٣). (١) تبيين الحقائق ١١٣/٦. (٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٦١، المغني ٤ / ٥٤٥، بدائع الصنائع ٤٩/٦، تبيين الحقائق ١١٣/٦، كشاف القناع ٣٨٠/٣، وانظر قرة عيون الأخيار. ١٦٨/٢ . (٣) المغني ٥٤٥/٤، شرح منتهى الإرادات ٢٦١/٢، كشاف القناع ٣٨٠/٣ وانظر قرة عيون الأخيار ٠١٦٨/٢ - ٣٥١ - صلح ٣١ - ٣٢ وبناء على ماتقدم : لا يجوز الصلح على مالا يجوز أخذ العوض عنه ، مثل أن يصالح امرأة على مال لتقرّ له بالزوجية ، لأنه صلح يحلّ حراما ، ولأنها لو أرادت بذل نفسها بعوض لم يجز (١). الثالث: أن يكون معلوما : ٣٢ - وقد اختلف الفقهاء في اشتراطه أو في مداه على ثلاثة أقوال : أحدها للشافعية : وهو عدم صحة الصلح عن المجهول (٢). قال الإِمام الشافعي في ((الأم)) (٣): أصل الصلح أنه بمنزلة البيع ، فما جاز في البيع جاز في الصلح ، وما لم يجز في البيع لم يجز في الصلح ، ثم يتشعب ... ولا يجوز الصلح عندى إلّ على أمر معروف ، كما لايجوز البيع إلاّ على أمر معروف ، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه -: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحلّ حراما أو حرمٌ حلالا)) (٤). ومن الحرام االذي يقع في الصلح أن يقع عندي على المجهول الذي لو كان بیعا كان حراما . (١) شرح منتهى الإِرادات ٢٦١/٢، والمغني ٥٥٠/٤، المبدع ٤ / ٢٨١. (٢) روضة الطالبين ٢٠٣/٤. (٣) الأم (بعناية محمد زهرى النجار) ٢٢١/٣. (٤) حديث: ((الصلح جائز .. )) سبق تخريجه (ف ٥). هذا ، وقد نصّ الشافعية على صحة الصلح عن المجمل عندهم ، فلو ادّعى عليه شيئا مجملا فاقّ له به وصالحه عنه على عوض ، صحّ الصلح . قال الشيخ أبو حامد وغيره : هذا إذا كان المعقود عليه معلوماً لهما فيصحّ الصلح وإن لم يسمّياه ، كما لو قال : بعتك الشىء الذي نعرفه أنا وأنت بكذا فقال : اشتريت صحّ (١). والثاني للحنفية : وهو أنه يشترط كون المصالح عنه معلوما إن كان مما يحتاج إلى التسليم ، فإنه لما كان مطلوب التسليم اشترط كونه معلوماً لئلا يفضي إلى المنازعة . جاء في فتاوى قاضيخان : إذا ادّعى حقا في دار رجل ولم يسمّ ، فاصطلحا على مال معلوم یعطیه المدعي ليسلّم المدعى عليه ما ادعاه المدعي لا يصحّ هذا الصلح ، لأنّ المدعى عليه يحتاج إلى تسليم ما ادّعاه المدعي ، فإذا لم يعلم مقدار ذلك لايدرى ماذا يسلّم إليه، فلا يجوز (٢). أما إذا كان مما لا يحتاج التسليم - كترك الدعوی مثلا - فلا يشترط كونه معلوما ؛ لأن جهالة الساقط لاتفضي إلى المنازعة ، (١) أسنى المطالب ٢١٨/٢، وروضة الطالبين ٢٠٣/٤. (٢) فتاوى قاضيخان (بهامش الفتاوى الهندية) ١٠٤/٣. - ٣٥٢ - صلح ٣٢ والمصالح عنه ههنا ساقط ، فهو بمنزلة الإِبراء عن المجهول ، وهو جائز(١). قال الإِسبيجابى: لأن الجهالة لاتبطل العقود لعينها، وإنما تبطل العقود لمعنى فيها ، وهو وقوع المنازعة . فإن كان مما يستغنى عن قبضه ولا تقع المنازعة في ثاني الحال فيه جاز، وإن كان مما يحتاج إلى قبضه ، وتقع المنازعة في ثاني الحال عند القبض والتسليم لم يجز (٢). والثالث المالكية والحنابلة : وهو التفريق بين ما إذا كان المصالح عنه مما يتعذر علمه (٣). وبين ما إذا كان مما لايتعذر . فإن كان مما يتعذر علمه، فقد نصّ المالكية والحنابلة على صحة الصلح عنه (٤). (١) رد المحتار ٤ /٤٧٣، قرة عيون الأخيار ١٥٥/٢، بدائع الصنائع ٤٩/٦، الفتاوى الخانية ١٠٤،٨٨/٣، وانظر م (١٠٢٨) من مرشد الحيران وم (١٥٤٧) من مجلة الأحكام العدلية، وشرح المجلة للأناسي ٥٤٧/٤، درر الحكام لعلي حيدر ٢٤/٤ وما بعدها . (٢) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٣٢/٥ . (٣) أى لاسبيل إلى معرفته، ومثل ذلك في الأعيان: كقفيز حنطة وقفيز شعير اختلطا وطحنا فلا يمكن التمييز بينهما . ومثله في الديون ، کمن بينهما معاملة أو حساب مضى عليه زمن طويل ولا علم لكل منهما بما عليه لصاحبه (شرح منتهى الإرادات ٢٦٣/٢، كشاف القناع ٣٨٤/٣) . (٤) مواهب الجليل ٨٠/٥، حاشية البناني على الزرقاني على خليل ٣/٦، المغني ٥٤٣/٤، كشاف القناع ٣٨٤/٣، شرح منتهى الإرادات ٢٦٣/٢ ، وقد اختار ابن قدامة في هذه الحالة صحة الصلح إذا كان = قال الحنابلة : سواء أكان عينا أم دينا ، وسواء جهلاه أو جهله من عليه الحق ، وسواء أکان المصالح به حالا أو نسئية ، واستدلوا على ذلك . أ - بما ورد عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت : جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ړ في مواریث بینهما قد درست ، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله اصليه : ((إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعلّ بعضكم ألحن بحجته أو قد قال : لحجته من بعض ، فإني أقضي بینکم على نحو مما أسمع ، فمن قضیت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها أسطاما في عنقه يوم القيامة . فبكى الرجلان ، وقال كل واحد منهما حقّي لأخي. فقال رسول الله وَله: أما إذا قلتما ، فاذهبا ، فاقتسما ثم توخيا الحق ، ثم استهما ، ثم ليحلل كلّ واحد منكما صاحبه)) (١) . = مما لا يحتاج إلى تسليمه . أما إذا كان مما يحتاج إلى تسليمه، فلا يجوز مع الجهالة، لأن تسليمه واجب ، والجهالة تمنع التسليم، وتفضي إلى التنازع، فلا يحصل مقصود الصلح . (المغنى ٤ /٥٤٤) . (١) نيل الأوطار ٢٥٣/٥ - الإِسطام بالكسر المسعار: وهو حديدة مفطوحة تقلب بها النار - القاموس (سطم) النهاية في غريب الحديث مادة (سطم)، والحديث لأم سلمة : والحديث لأم سلمة: ((جاء رجلان من الأنصار يختصمان .. )) = - ٣٥٣ - صلح ٣٢ - ٣٣ ب - ولأنه إسقاط حقّ ، فصحّ في المجهول كالطلاق للحاجة ، ج - ولأنه إذا صحّ الصلح مع العلم وإمكان أداء الحق بعينه فلأن يصحّ مع الجهل أولى . وذلك لأنه إذا كان معلوما فلهما طريق إلى التخلص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه ، ومع الجهل لایمکن ذلك ، فلو لم يجز الصلح لأفضى ذلك إلى ضياع الحق ، أو بقاء شغل الذمة على تقدير أن یکون بینہما مال لایعرف کلّ واحد منهما قدر حقّه منه . أما إذا كان مما لايتعذر علمه ، كتركة باقية ، صالح الورثة الزوجة عن حصتها منها مع الجهل بها . فقال المالكية، وأحمد في قول له : لا يجوز الصلح إلا بعد المعرفة بذلك (١). وقال الحنابلة في المشهور عندهم : يصح لقطع النزاع (٢). = أخرجه أحمد (٣٢٠/٦ - ط. الميمنية)، وإسناده صحيح . (١) مواهب الجليل ٥ /٨٠، حاشية البناني على الزرقاني على خليل ٣/٦، وهذا القول للإِمام أحمد هو ظاهر نصوصه ، وهو ظاهر ماجزم به في الإِرشاد ، وقطع به الشيخان والشرح ، لعدم الحاجة إليه ، ولأن الأعيان لاتقبل الإِبراء . (المبدع ٢٨٥/٤، شرح منتهى الإرادات ٢٦٣/٢، وكشاف القناع ٣٨٤/٣، المغني ٥٤٤/٤) . (٢) شرح منتهى الإرادات ٢٦٣/٢، كشاف القناع ٣٨٥/٣ . الشروط المتعلقة بالمصالح به : ٣٣ - المصالح به ، أو المصالح عليه : هو بدل الصلح . وشروطه عند الفقهاء اثنان (١) أحدهما: أن يكون مالا متقوما : وعلى ذلك ، فلا يصح الصلح على الخمر، والخنزير، والميتة ، والدم ، وصيد الإِحرام والحرم ، وذلك لأنّ في الصلح معنى المعاوضة ، فما لايصح عوضا في البياعات لايصح جعله بدل صلح ، ولا فرق بين أن يكون المال دينا أو عينا أو منفعة . فلو صالحه على مقدار من الدراهم ، أو على سكنى دار أو ركوب دابة وقتا معلوما صحّ ذلك (٢). قال الكاساني : الأصل أنّ كلّ ما يجوز بيعه وشراؤه يجوز الصلح عليه ، ومالا فلا (٣) . والثاني: أن يكون معلوما : وعلى ذلك قال الحنابلة : فإن وقع الصلح بمجهول لم يصحّ ؛ تسليمه واجب (١) انظرم (١٠٢٩) من مرشد الحيران. (٢) بدائع الصنائع ٤٨،٤٢/٦، قرة عيون الأخيار ١٥٤/٢، وانظر شرح منتهى الإرادات ٢٦٦/٢، وجاء في م(١٥٤٥) من مجلة الأحكام العدلية : إن كان المصالح عليه عينا فهو في حکم المبيع ، وإن كان دينا فهو في حكم الثمن ، فالشىء الذى يصلح أن يكون مبيعا أو ثمنا في البيع يصلح لأن يكون بدلا في الصلح أيضا . (٣) البدائع ٤٨/٦ . - ٣٥٤ - صلح ٣٣ - ٣٤ والجهل يمنعه (١). أما الحنفية ، فقد فصّلوا في المسألة وقالوا : يشترط كون المصالح به معلوما إن كان مما يحتاج إلى القبض والتسليم ، لأن جهالة البدل تؤدى إلى المنازعة ، فتوجب فساد العقد ، أمّا إذا كان شيئا لايفتقر إلى القبض والتسليم فلا يشترط معلوميته ، مثل أن يدعي حقا في دار رجل ، وادعى المدعى عليه حقا في أرض بيد المدعي فاصطلحا على ترك الدعوى جاز، وإن لم يبين كل منهما مقدار حقّه ؛ لأن جهالة الساقط لاتفضي إلى المنازعة (٢). قال الكاساني : لأن جهالة البدل لاتمنع جواز العقد لعينها ، بل لإِفضائها إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلّم ، فإذا كان مالاً يستغنى عن التسليم والتسلم فيه ، لا يفضى إلى المنازعة فلا يمنع الجواز (٣). آثار الصلح : ٣٤ - قال الفقهاء : إنّ الآثار المترتبة على انعقاد الصلح هو حصول البراءة عن (١) شرح منتهى الإرادات ٢٦٣/٢، المبدع ٢٨٤/٤، كشاف القناع ٣٨٤/٣ . (٢) قرة عيون الأخيار ١٥٤/٢، البدائع ٤٨/٦، وانظر م (١٠٢٩) من مرشد الحيران، وم (١٥٤٧) من المجلة العدلية . (٣) البدائع ٤٨/٦ . الدعوى ووقوع الملك في بدل الصلح للمدعي ، وفي المصالح به للمدعی علیه إن كان مما يحتمل التمليك ، وأنّ الصلح يعتبر بأقرب العقود إليه - إذ العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمبانى - فما كان في معنى البيع أو الإِجارة أو الإسقاط أخذ حکمه . وعلى ذلك قالوا : إذا تمّ الصلح على الوجه المطلوب دخل بدل الصلح في ملك المدّعي ، وسقطت دعواه المصالح عنها، فلا يقبل منه الادعاء بها ثانيا ، ولا يملك المدعى عليه استرداد بدل الصلح الذى دفعه للمدعي (١) . وجاء في م (١٥٥٦) من مجلة الأحكام العدلية : إذا تمّ الصلح فليس لواحد من الطرفين - فقط - الرجوع ، ويملك المدعي بالصلح بدله ، ولا يبقى له حقّ في الدعوى ، ولیس للمدعی علیه - أيضا - استرداد بدل الصلح . وأصل ذلك : أنّ الصلح من العقود اللازمة ، فلذلك لايملك أحد العاقدين فسخه ، أو الرجوع عنه بعد تمامه . أما إذا لم یتمّ فلا حکم له ولا أثر يترتب عليه . فلو (١) قرة عيون الأخيار ١٥٧/٢، وم (١٠٤٥) من مرشد الحيران، بدائع الصنائع ٥٣/٦ . - ٣٥٥ - . ۔ صلح ٣٤ - ٣٥ ادعى أحد على آخر حقا وتصالح مع المدعى عليه على شىء ، ثم ظهر بأنّ ذلك الحق أو المال لا يلزم المدّعى عليه فلا يتمّ ولا حكم له ، وللمدعى عليه استرداد بدل الصلح . وكذلك لو تصالح البائع مع المشتري عن خيار العيب ، ثم ظهر عدم وجود العيب ، أو زال العيب من نفسه وبدون معالجة أو كلفة بطل الصلح ، ويجب على المشتري ردّ بدل الصلح الذى أخذه للبائع . وکذا إذا كان المدعي مبطلا وغير محقّ في دعواه ، فلا يحلّ له ديانة بدل الصلح في جمع أنواع الصلح ، ولا يطيب له ، مالم يسلّم المدعى عليه للمدعي بدل الصلح عن طيب نفس ، وفي تلك الحالة يصبح التمليك بطريق الهبة (١). وعلى أساس ما تقدم نصّ الفقهاء على : أنه إذا مات أحد المتصالحين بعد تمام الصلح ، فليس لورثته فسخه (٢). (١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر ٤ /٤٧، وانظر شرح المجلة للأناسي ٤ /٥٧٠ وما بعدها، مجمع الأنهر ٣١٢/٢، شرح منتهى الإرادات ٢٦٣/٢. (٢) درر الحكام ٤٩/٤، وانظر م (١٠٤٦) من مرشد الحيران . وقد استثنى الحنفية من ذلك مالوكان الصلح في معنى الإجارة ، ومات أحدهما قبل مضي المدة ، وقالوا ببطلانه فيما بقي . (انظر الفتاوى الهندية ٤ /٢٨٠) قرة عيون الأخيار ١٥٩/٢ . وخالفهم في ذلك الإِمام الشافعي فقال: ((وإن ادعى رجل حقا في دار أو أرض ، = وقال المالكية : من ادعى على آخر حقا ، فأنكره ، فصالحه ، ثم ثبت الحق بعد الصلح باعتراف أو بيّنة فله الرجوع في الصلح ، إلا إذا كان عالما بالبينة وهي حاضرة ولم يقم بها ، فالصلح له لازم . أما إذا كان أحد المتصالحین قد أشهد قبل الصلح إشهاد تقيّة : أن صلحه إنما هو لما يتوقعه من إنكار صاحبه أو غير ذلك ، فإنّ الصلح لايلزمه إذا ثبت أصل حقّه (١). مایترتب على انحلال الصلح : ٣٥ - إذا بطل الصلح بعد صحته ، أو لم يصح أصلا فيرجع المدعي إلى أصل دعواه إن كان الصلح عن إنكار. وإن كان عن إقرار فيرجع على المدعى عليه بالمدّعى لاغيره، إلّ في الصلح عن القصاص إذا لم يصحّ فإنّ لولي الدم أن يرجع على القاتل بالدية دون القصاص ، إلاّ أن يصير مغرورا من جهة المدعى عليه ، فيرجع عليه بضمان الغرور أيضا (٢) . = فأقرّ له المدعى عليه ، وصالحه من دعواه على خدمة عبد أو ركوب دابة أو زراعة أرض أو سكنى دار أو شىء مما تكون فيه الإِجارات، ثم مات المدعي والمدعى عليه أو أحدهما ، فالصلح جائز ولورثة المدعي السكنى والركوب والزراعة والخدمة وما صالحهم عليه المصالح ( الأم ٢٢٢/٣). (١) القوانين الفقهية (ط. الدار العربية للكتاب) ص ٣٤٣ . (٢) بدائع الصنائع ٦ /٥٥، ٥٦ . - ٣٥٦ - صِلَة ١ - ٢ صِلَة التعريف : ١ - الصلة في اللغة : الضم والجمع ، يقال : وصل الشىء بالشىء وصلاً ووصلة وصلة : ضمه به وجمعه ولأمه . وعن ابن سيده : الوصل خلاف الفصل . كما تطلق على العطية والجائزة ، وعلى الانتهاء والبلوغ ، وعلى ضد الهجران (١). وفي الاصطلاح : تطلق على صلة الرحم ، وصلة السلطان . قال العينى في شرح البخاري : الصلة هي صلة الأرحام ، وهي كناية عن الإِحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم ، وكذلك إن بعدوا وأساؤا ، وقطع الرحم قطع ذلك كله . وقال النووي في شرح مسلم : قال العلماء : وحقيقة الصلة العطف والرحمة . ففي حديث أبي هريرة أن رسول الله وَليل (١) لسان العرب ومتن اللغة والنهاية في غريب الحديث . مادة (وصل) . قال: ((إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ من القطيعة . قال : نعم . أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ، قالت: بلى. قال: فذاك لك)) (١). وذكر النووى : أن صلة الله سبحانه وتعالى لعباده عبارة عن لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمه . ويعتبر الفقهاء الصلة سببا من أسباب الهبات والعطايا والصدقات . كما يطلق بعض الفقهاء على عطايا السلاطين : صلات السلاطين (٢). الألفاظ ذات الصلة : أ - قطيعة : ٢ - من معاني القطيعة في اللغة : الهجران ، يقال : قطعت الصديق قطيعة : هجرته . (١) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٤٦٥ - ٤٦٦ - ط . السلفية) ومسلم (صحيح مسلم ٤ /١٩٨٠ - ١٩٨١ ط. عيسى الحلبي) (٢) عمدة القاري شرح البخاري (٨١/٢٢ ط. المنيرية)، صحيح مسلم بشرح النووي (١١٣/١٦ ط. المطبعة المصرية بالأزهر. ١٩٣٠)، فتح العلي المالك (٢٧٠/٢ ط. مصطفى الحلبي ١٩٥٨) تحرير الكلام في مسائل الالتزام (١٦٦ ط. دار الغرب الإسلامي ١٩٨٤ م) - ٣٥٧ - صِلَة ٢ - ٥ .. وقطيعة الرحم ضد صلة الرحم . وهي : قطع ما ألف القريب منه من سابق الوصلة والإِحسان لغير عذر شرعي (١). ب - عطية : ٣ - العطيّة والعطاء : اسم لما يعطى ، والجمع عطايا وأعطية، وجمع الجمع: أعطيات. والعطية اصطلاحا: هي ما تفرض للمقاتلة . ويستعمل الفقهاء العطية - أيضا - بالمعنى اللغوى نفسه (٢). ج - هبة : ٤ - الهبة لغة : العطية الخالية عن الأعواض والأغراض . وفي الكليات : الهبة معناها : إيصال الشىء إلى الغیر بما ينفعه ، سواء كان مالا أو غير مال ، ويقال : وهب له مالا وهبا وهبة ، ووهب الله فلانا ولدا صالحا . والهبة اصطلاحا : هي تمليك العين بلا شرط العوض (٣) . (١) المصباح المنير مادة (قطع)، الزواجر عن اقتراف الكبائر (٦٥/٢ ط. المطبعة الأزهرية المصرية ١٣٢٥هـ). (٢) لسان العرب مادة (عطا)، والكليات ٢٧٩/٣، والفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي ٣٧١/٣ . (٣) لسان العرب مادة (وهب)، والكليات ٧٩/٥، ٨٠، وحاشية ابن عابدين ٥٠٨/٤ . الحكم الإجمالى : أولا : في صلة الرحم : ٥ - لاخلاف في أن صلة الرحم واجبة في الجملة ، وقطعيتها معصية كبيرة ، لقوله تعالى : ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ (١). وقول النبي وَلاير: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه)) (٢). والصلة درجات بعضها أرفع من بعض ، وأدناه ترك المهاجرة، وصلتها بالكلام ولو بالسلام . ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة : فمنها واجب ، ومنها مستحب . واختلف الفقهاء في حد الرحم التى تجب صلتها فقيل : هي کل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما، وعلى هذا لايدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال . وقيل : الرحم عام في كل من ذوي الأرحام في الميراث يستوى المحرم وغیرہ (٣). قال النووي : والقول الثاني هو الصواب ، ومما يدل عليه حديث : ((إن أبر (١) سورة النساء آية /١ . (٢) حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه)) أخرجه البخاري (فتح البارى ٥٣٢/١٠ ط. السلفية) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا . (٣) حاشية ابن عابدين ٢٦٤/٥، عمدة القاري ٩٠/٢٢، شرح النووي على صحيح مسلم ١١٣/١٦ . - ٣٥٨ - صِلَة ٥ - ٧ ، صلة الرحم البر صلة الرجل أهل ود أبيه)) (١). وتفصيل مسائل صلة الرحم في مصطلح (أرحام ٨١/٣) . الهبة لذي الرحم : ٦ - قال الحنفية : يمتنع الرجوع في الهبة إذا كانت لذي رحم محرم لقول النبي وله ((الواهب أحق بهبته مالم يثب منها)) (٢) أي مالم يعوض . وصلة الرحم عوض معنى ؛ لأن التواصل سبب التناصر والتعاون في الدنيا ، فيكون وسيلة إلى استيفاء النصرة ، وسبب الثواب في الدار الآخرة ، فكان أقوى من المال (٣). وتفصيل ذلك في مصطلح (هبة) . ثانيا : صلات السلطان : ٧ - اتفق الفقهاء على أنه لايجوز أخذ عطايا (١) حديث: ((إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه)). أخرجه مسلم (٤ /١٩٧٩) في حديث ابن عمر . (٢) حديث: ((الواهب أحق بهبته مالم يثب منها)) أخرجه ابن ماجه (سنن ابن ماجه ٧٩٨/٢ ط. الحلبي) والدارقطنى (سنن الدارقطنى ٤٤/٣ ط. دار المحاسن) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفي إسناده ابراهيم ابن اسماعيل بن مجمع ، وهو ضعيف . ورواه الدارقطنى (سنن الدارقطنى ٤٤/٣ ط. دار المحاسن) من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - بلفظ ((من وهب هبة فارتجع بها فهو أحق بها مالم يثب منها ، ولكنه كالكلب يعود في قیئه»وقال المناوي نقلا عن ابن حجر: إسناده صحيح (فيض القدير ٣٧١/٦ ط . المكتبة التجارية) . (٣) بدائع الصنائع ١٣٢/٦. السلطان إذا علم أنها حرام . وذهب المالكية والشافعية إلى جواز قبول عطايا السلطان إذا لم يعلم أنها حرام ، قال الشيخ عليش : الخلفاء ومن ألحق بهم فعطاياهم يجوز قبولها عند جميع السلف والخلف . وقال ابن حجر الهيتمى : ومع الجواز يكون الأخذ تحت خطر احتمال الوقوع في الحرام ، فيتأثر قلبه به ، بل ويطالب به في الآخرة إن كان المعطي غير مستقيم الحال . وفرق الحنفية بين أمراء الجور وغيرهم ، فلا يجوز قبول عطايا أمراء الجور لأن الغالب في مالهم الحرمة ، إلا إذا علم أن أكثر ماله حلال ، وأما أمراء غير الجور فيجوز الأخذ منهم . وذهب الإِمام أحمد إلى كراهة الأخذ . أما إذا علم أنها حرام فلا يجوز أخذها(١) . ويرجع فى تفصيل ذلك إلى مصطلح (جائزة) ف ٧ (٢٧٨/١٥) . صلة الرحم انظر : أرحام ، صلة (١) الفتاوى الهندية ٣٤٢/٥، فتح العلي المالك ٢٦٩/٢، الفتاوى الكبرى لابن حجر ٣٧٣/٣ ، المغني لابن قدامة ٤٤٣/٦ . - ٣٥٩ - صليب ، صمت ، صمعاء ، صِنَاعة ١ - ٣ صَلِیب انظر : تصليب صَمْت انظر : سكوت صَمْعَاءِ انظر : أضحية صَمَّاء انظر : أضحية صِنَاعة التعريف : ١ - الصناعة : اسم لحرفة الصانع ، وعمله الصنعة ، يقال : صنعه يصنعه صنعا . وصناعة : عمله والصنع إجادة الفعل ، وكل صنع فعل ، وليس كل فعل صنعا (١). الألفاظ ذات الصلة : حرفة : ٢ - الحرفة مصدر : حرف يحرف لعياله : كسب ، واكتسب لهم . والحرفة أعم من الصناعة عرفا ، لأنها تشمل مايستدعي عملا ، وغيره ، والصنعة تختص بما يستدعي عملا (٢) . كسب : ٣۔ الکسب مصدر : کسب مالاً یکسب كسبا : ربحه ، وكسب لأهله واكتسب : (١) لسان العرب والمصباح المنير، ومفردات الراغب الأصفهاني مادة : (صنع) . (٢) نهاية المحتاج ٥٠/٨، والمصباح المنير. - ٣٦٠ -