النص المفهرس

صفحات 261-280

...
صلاة المريض ٦ - ٨
لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس (١).
الثاني : لا يجوز له ترك القيام ، وهو وجه
عند الشافعية لما روي أن ابن عباس - رضي
الله عنهما - لما وقع فى عينيه الماء حمل إليه عبد
الملك الأطباء فقيل له : إنك تمكث سبعة
أيام لاتصلي إلا مستلقيا فسأل عائشة ، وأم
سلمة - رضي الله عنهما - فنهتاه (٢).
عدم القدرة على رفع الیدین في التكبير عند
القيام أو غيره :
٧ - يستحب رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام
حذو منكبيه ، لما ورد عن ابن عمر- رضي
الله عنهما - ((أن النبي ◌َّليو كان إذا افتتح
الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا كبر
للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع)» (٣) فإن
لم یمکنه رفعهما ، أو أمكنه رفع إحداهما ، أو
رفعهما إلى مادون المنكب رفع ما أمكنه لقوله
: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
استطعتم)) (٤).
(١) المهذب ١٠٨/١، الشرح الصغير ٤٩٠/١، حاشية
الطحطاوي ٢٣٥، شرح المنتهى ٢٧٢/١.
(٢) المهذب ١٠٨/١.
(٣) حديث ابن عمر: ((كان النبي 8* اذا افتتح الصلاة رفع
يديه حذو منكبيه)» .
أخرجه البخاري (الفتح ٢١٩/٢ - ط. السلفية).
(٤) حديث: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).
أخرجه البخاري (الفتح ١٣ /٢٥١ - ط. السلفية) ومسلم
(٩٧٥/٢ ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة - رضي اللّه
عنه - .
فإن کان به علة إذا رفع اليد جاوز المنكب
رفع ، لأنه يأتي بالمأمور به وزيادة هو مغلوب
عليها (١).
ويجوز للمريض غير القادر على أداء رکن
من أركان الصلاة الاتكاء على شيء ، ويرجع
في ذلك إلى مصطلح : (اتكاء ، استناد) .
عدم القدرة على الركوع :
٨ - الركوع في الصلاة ركن ، لقوله تعالى :
﴿اركعوا راسجدوا﴾ (٢) والجمهور على أن مَنْ
لم يمكنه الركوع أومأ إليه ، وقرَّب وجهه إلى
الأرض على قدر طاقته ، ويجعل الإيماء
للسجود أخفض من إيماء الركوع ، لكن
الخلاف في كيفية أداء ذلك مع عدم القدرة
على الركوع دون القيام (٣).
اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين :-
الأول : وهو الذى عليه الجمهور (٤) أن
القادر على القيام دون الركوع يومى من
القيام ، لأن الراكع كالقائم في نصب
رجليه ، وذلك لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله
قانتين﴾ (٥) وقول النبي وقطر لعمران
(١) المهذب ٧٨/١ .
(٢) سورة الحج / ٧٧ .
(٣) المهذب ٨١/١، الهداية الشرح الصغير ٤٩٣/١،
المنتهى ٢٧٢/١ .
(٤) المهذب ٨١/١، الهداية ٧٧/١، الشرح الصغير
٤٩٣/١، والمنتهى ٢٧٢/١.
(٥) سورة البقرة /٢٣٨.
- ٢٦١ -

صلاة المريض ٨ - ١٠
ابن حصین : ((صل قائم))(١) ولأنه رکن قدر
عليه ، على أن يكون هناك فرق واضح بين
الإِيماءين إذا عجز عن السجود أيضا .
الثاني : عند الحنفية أن القيام يسقط عن
المريض حال الركوع ، ولو قدر على القيام مع
عدم القدرة على الركوع فيصلي قاعدا يومىء
إيماءً ، لأن ركنية القيام للتوصل به إلى
السجدة ، لما فيها من نهاية التعظيم ، فإذا
کان لا یتعقبه السجود لایکون ركنا فیتخیر ،
والأفضل عندهم هو الإِيماء قاعدا ، لأنه
أشبه بالسجود (٢) .
عدم القدرة على السجود :
٩ - السجود ركن في الصلاة لقوله تعالى :
﴿واركعوا واسجدوا﴾ ، واختلفوا في عدم
القدرة على السجود والجلوس مع القدرة على
القيام على اتجاهين :-
الأول : يرى المالكية والشافعية أن القادر
على القيام فقط دون السجود والجلوس یومیء
لهما من القيام ، ولا يجوز له أن يضطجع
ويومى لهما من اضطجاعه ، فإن اضطجع
تبطل الصلاة عندهم (٣) .
الثاني : يرى الحنفية والحنابلة أن القادر
(١) حديث عمران بن حصين - تقدم ف ٥ .
(٢) الهداية ٧٧/١، الطحطاوي ٢٣٥ .
(٣) المهذب ١٠٨/١، الشرح الصغير ٤٩٣/١.
على القيام فقط دون السجود والجلوس یومئ
لهما وهو قائم لأن الساجد عندهم كالجالس
في جمع رجليه على أن يحصل فرق بين
الإيماءين (١).
عدم القدرة على وضع الجبهة والأنف :
١٠ - السجود على الجبهة واجب (٢)، حيث
((كان النبى سلم إذا سجد أمكن أنفه وجبهته
من الأرض)) (٣) وإن سجد على محدة أجزأه ،
لأن أم سلمة - رضي الله عنها - سجدت على
فحدة لرمد بها بلا رفع ، واحتج بفعل ابن
عباس - رضي الله عنهما - وغيرهما (٤).
فإن رفع شيئا كالوسادة أو الخشبة
أو الحجر إلى جبهته فإن الحنفية يرون أنه
لا يجزئه، لانعدام السجود لقوله وَله: إن
استطعت أن تسجد على الأرض وإلا فأومىء
إيماء ، واجعل سجودك أخفض من ركوعك
(١) المنتهى ٢٧٢/١، الهداية ٧٧/١، الطحطاوي ٢٣٥،
العدة شرح العمدة ص ١٠٠ .
(٢) المهذب ٨٣/١، الشرح الصغير ٤٩٣/١، الهداية
٧٧/١ شرح المنتهى ٢٧١/١.
(٣) حديث: ((كان النبي ◌َّ اذا سجد أمكن أنفه وجبهته
من الأرض)).
أخرجه الترمذي (٥٩/٢ - ط. الحلبي) من حديث
أبي حميد الساعدي وفي إسناده راو متكلم فیه، کما في
الميزان للذهبي (٣٦٥/٣ - ط. الحلبي).
(٤) المهذب ١٠٨/١، شرح المنتهى ٢٧١/١، الهداية
٧٧/١، الشرح الصغير ٤٩٣/١ .
- ٢٦٢ -

صلاة المريض ١٠ - ١٣
برأسك»(١) فإن فعل ذلك وهو يخفض رأسه
أجزأه ، لوجود الإيماء ، وإن وضع ذلك على
جبهته لايجزئه (٢).
ویکره عند بعض الحنابلة ويجزئه عند
آخرين نصا لأنه أتى بما أمكنه منه أشبه
الإِيماء (٣).
وإذا لم يستطع المصلي تمكين جبهته من
الأرض لعلة بها ، اقتصر على الأنف عند
الحنفية والمالكية والحنابلة ، وزاد الشافعية :
إن كان بجبهته جراحة عصبها بعصابة
وسجد عليها ، ولا إعادة عليه على
المذهب (٤).
عدم القدرة على استقبال المريض للقبلة :
١١ - المريض العاجز عن استقبال القبلة ولا
يجد من يحوله إليها - لامتبرعا ولا بأجرة مثله
وهو واجدها ۔ فإنه يصلي على حسب حالته.
وللتفصيل راجع مصطلح : (استقبال) .
(١) حديث: ((إن استطعت أن تسجد على الأرض ،
وإلا فأومیء)» .
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٧٠/١٢ - ط. وزارة الأوقاف
العراقیة) من حديث ابن عمر ، وضعف إسناده ابن حجر
في التلخيص (٢٢٧/١ - ط. شركة الطباعة الفنية) .
(٢) الهداية ٧٧/١، مراقي الفلاح ٢٣٥ .
(٣) شرح المنتهى ٢٧١/١.
(٤) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه ص ١٦٢
بولاق . والشرح الصغير ٤٩٣/١، والمجموع ٤٢٤/٣،
والفروع ٤٣٥،٤٣٤/١، وكشاف القناع ٣٥٢/١،
والمغني ١ / ٥١٦ .
صلاة المريض جماعة :
١٢ - المريض إن قدر على الصلاة وحده
قائما ، ولايقدر على ذلك مع الإِمام لتطويله
صلى منفردا ، لأن القيام آكد ، لكونه ركنا في
الصلاة لاتتم إلا به . والجماعة تصح الصلاة
بدونها ، ولأن العجز يتضاعف بالجماعة أكثر
من تضاعفه بالقيام ، بدليل أن صلاة
القاعد على النصف من صلاة القائم ،
وصلاة الجماعة تفضل صلاة الرجل وحده
سبعا وعشرين درجة (١).
العجز عن القيام والجلوس :
١٣ - إن تعذر على المريض القيام والجلوس
في آن واحد صلی علی جنبه دون تحدید للشق
الأيمن أو الأيسر، وهذا هو مذهب
المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وذهب
المالكية ، والحنابلة إلى أنه من الأفضل أن
يصلي على جنبه الأيمن ثم الأيسر، فإن لم
يستطع على جنبه يصلي مستلقيا على قفاه
ورجلاه إلى القبلة وأومأ بطرفه . والدليل على
ماسبق قول النبي - 3 14 - لعمران بن
حصين : ((صل قائما، فإن لم تستطع
فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب)) (٢) .
(١) المهذب ١٠٨/١، الهداية ٥٥/١، شرح المنتهى
٢٧٢/١، والشرح الصغير ١ /٥٧٨، والمغني ١٤٥/٢.
(٢) حدیث عمران بن حصین تقدم تخريجه ف ٥ .
- ٢٦٣ -

صلاة المريض ١٣ - ١٥
وقال المالكية : إن لم يستطع أن يصلي
مستلقيا على ظهره صلى على بطنه ورأسه إلى
القبلة ، فإن قدمها على الظهر بطلت .
وذهب الحنفية إلى أنه إن تعسر القعود أوما
مستلقيا على قفاه ، أو على أحد جنبيه
والأيمن أفضل من الأيسر، والاستلقاء على
قفاه أولى من الجنب إن تيسر، والمستلقي
يجعل تحت رأسه شيئا كالوسادة ، ليصير
وجهه إلى القبلة لا إلى السماء ، ولیتمکن من
الإيماء (١) .
وصلاة المريض بالهيئة التي ذكرها الفقهاء
فيما سبق لاينقص من أجره شيئا ، لحديث
أبي موسى - رضي الله عنه - مرفوعا: ((إذا
مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان
يعمل مقيما صحيحا)) (٢)
كيفية الإِيماء :
١٤ - إن لم يستطع المريض القيام والقعود
أو الركوع أو الجلوس أو جميعها فاحتاج إلى
الإِيماء فهل يومىء برأسه لها أم بعينه أم
بقلبه ؟
فالجمهور أن المريض يومىء بما
(١) المهذب ١٠٨/١، الهداية ٧٧/١، بداية المجتهد لابن
رشد ١٩٢/١، ١٩٩، العدة ص ٩٩ - ١٠٠.
(٢) حديث: ((اذا مرض العبد ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ١٣٦/٦ - ط. السلفية).
يستطيعه (١) وذلك لحديث: ((إذا أمرتكم
بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٢) والأصل أن
المريض إذا لم يستطع إلا الإيماء فيومىء
برأسه ، فإن عجز عن الإِيماء برأسه أومأ
بطرفه (عينه) ناويا مستحضرا تيسيرا له
للفعل عند إيمائه ، وناويا القول إذا أومأ له .
فإن عجز عن القول فبقلبه مستحضرا له ،
كالأسير، والخائف من آخرين إن علموا
بصلاته يؤذونه .
أما الحنفية - ما عدا زفر - فإن الذي
لا يستطيع الإيماء برأسه فعليه أن يؤخر
الصلاة، ولا یومیء بعينه ولا بقلبه ولا بحاجبه
وعندهم لاقیاس على الرأس لأنه یتأدی به
ركن الصلاة دون العين وغيرها وإن كان العجز
أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقا ، لأنه يفهم
مضمون الخطاب بخلاف المغمى عليه (٣).
العجز المؤقت :
١٥ - قد يعجز المريض بعض الوقت عن
قیام ، أو قعود ، أو رکوع ، أو سجود ، ثم
يستطيعه بعد ذلك . فالجمهور على أنه يجوز
أن يؤدي صلاته بقدر طاقته ، ويرجع إلى
(١) المهذب ١٠٨/١، شرح منتهى الإرادات ٢٧١/١،
الشرح الصغير ٤٩٢ - ٤٩٣، والهداية ٧٧/١ .
(٢) حديث ١ / ((إذا أمرتكم بأمر ... )) تقدم ف ٧ .
(٣) الهداية ٧٧/١، وشرح المنتهى ٢٧١/١.
- ٢٦٤ -

صلاة المريض ١٥ - ١٨
مايستطيعه بعد ذلك ، فلو افتتح الصلاة
قائما ثم عجز فقعد وأتم صلاته جاز له
ذلك . وإن افتتحها قاعدا ثم قدر على
القیام قام وأتم صلاته ؛ لأنه يجوز أن يؤدي
جميع صلاته قاعدا عند العجز، وجميعها
قائما عند القدرة ، فجاز أن يؤدي بعضها
قاعدا عند العجز وبعضها قائما عند القدرة .
وإن افتتح الصلاة قاعدا ثم عجز
اضطجع ، وإن افتتحها مضطجعا ثم قدر
على القيام أو القعود قام أو قعد (١)
الطمأنينة للمريض في صلاته :
١٦ - قال النووي (٢): لايلزم المريض
الطمأنينة عند القيام لأنه ليس مقصودا
لنفسه . واختلف الحنفية (٣) هل هو سنة أم
واجب ؟ وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى
مصطلح : (صلاة) .
إمامة المريض :
١٧ - المريض تختلف حاله من واحد لآخر
فقد يكون المرض سلس بول ، أو انفلات
ريح ، أو جرحاً سائلا أو رعافاً ، ولكل حالة
من هذه الحالات أحكام خاصة بالنسبة
(١) نفس المراجع السابقة .
(٢) المجموع للنووي ١٨٧/٢ .
(٣) الهداية ١ /٥٠ .
٠
للإِمامة تنظر في مصطلح : (اقتداء ،
إمامة) .
الجمع بين الصلاتين للمريض :
١٨ - للفقهاء في مسألة الجمع بين الصلاتين
للمريض رأيان . فذهب الحنفية ،
والشافعية ، وبعض المالكية إلى أنه لا يجوز
للمريض الجمع بين الصلاتين لأجل
المرض، وذلك لأنه لم ينقل عن النبي - وَله -
أنه جمع لأجل المرض (١).
وذهب الحنابلة وبعض المالكية إلى جواز
الجمع للمريض بين الصلاتين ، ويخير بين
التقديم والتأخير، وسواء كان ذلك المرض
دوخة أو حمى أو غيرهما(٢).
(١) حاشية ابن عابدين ٢٥٥/١ - ٢٥٦، والمهذب
١١٢/١، والشرح الصغير ١ /٦٧٣ - ٦٧٤.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٨٠/١، والشرح الصغير
٦٧٣/١ .
- ٢٦٥ -

صلاة المسافر ١ - ٣
صَلَّةُ الْمُسَافِرِ
التعريف :
١ - السفر لغة : قطع المسافة ، وخلاف
الحضر (أى الإِقامة) ، والجمع : أسفار،
ورجل سفر، وقوم سفر : ذوو سفر (١).
والفقهاء يقصدون بالسفر: السفر الذى
تتغير به الأحكام الشرعية وهو: أن يخرج
الإِنسان من وطنه قاصداً مكانا يستغرق
المسير إليه مسافة مقدرة عندهم ، على
اختلاف بينهم في هذا التقدير كما سيأتي
بیانها.
والمراد بالقصد : الإِرادة المقارنة لما عزم
عليه ، فلو طاف الإِنسان جميع العالم بلا
قصد الوصول إلى مكان معين فلا يصير
مسافرا .
ولو أنه قصد السفر، ولم يقترن قصده
بالخروج فعلا فلا یصیر مسافرا كذلك ؛ لأن
المعتبر في حق تغيير الأحكام الشرعية هو
السفر الذي اجتمع فيه القصد والفعل (٢).
(١) لسان العرب ومختار الصحاح .
(٢) الهداية وشروحها فتح القدير والعناية ٣٩٢/١ ط. المطبعة
الكبرى بمصر سنة ١٣٢٥ هـ، والشرح الكبير للدردير =
خصائص السفر :
٢ - يختص السفر بأحكام تتعلق به ، وتتغير
بوجوده ، ومن أهمها : قصر الصلاة
الرباعية ، وإباحة الفطر للصائم ، وامتداد
مدة المسح على الخفين إلى ثلاثة أيام،
والجمع بين الظهر والعصر، والجمع بين
المغرب والعشاء ، وحرمة السفر على الحرة
بغير محرم ، وولاية الأبعد .
ويقتصر هذا البحث على مايتصل بالسفر
من حيث قصر الصلاة . أما ما يختص
بغيرها من أحكام شرعية ففيها تفصيل كثير
ينظر في مصطلح ( سفر، صوم ، المسح
على الخفين ، أوقات الصلاة ، نكاح ،
وولاية ) .
تقسيم الوطن :
ينقسم الوطن إلى : وطن أصلي ، ووطن
إقامة ، ووطن سكنى .
الوطن الأصلي :
٣ - هو المكان الذى يستقر فيه الإنسان
بأهله ، سواء أكان موطن ولادته أم بلدة
أخرى ، اتخذها دارا وتوطن بها مع أهله
وولده ، ولا يقصد الارتحال عنها ، بل
التعيش بها .
= وحاشية الدسوقي عليه (٣٦٢/١ ط. مصطفى محمد)،
ومغني المحتاج ٢٦٤/١، وكشاف القناع ٣٢٦/١ .
- ٢٦٦ -

صلاة المسافر ٣ - ٦
ويأخذ حكم الوطن : المكان الذى تأهل
به ، أى تزوج به ، ولا يحتاج الوطن الأصلي
إلى نية الإِقامة . لكن المالكية يشترطون : أن
تکون الزوجة مدخولا بها غير ناشز .
ومما تقدم يتبين : أن الوطن الأصلي
يتحقق عند أغلب الفقهاء بالإِقامة الدائمة
على نية التأبيد ، سواء أكان في مكان ولادته
أم في مكان آخر، ويلحق بذلك مكان
الزوجة (١)
٤ - والوطن الأصلي يجوز أن یکون واحدا أو
أکثر، وذلك مثل أن یکون له أهل ودار في
بلدتين أو أكثر، ولم يكن من نية أهله الخروج
منها ، وإن كان ينتقل من أهل إلى أهل في
السّنة ، حتى إنه لو خرج مسافرا من بلدة
فيها أهله ، ودخل بلدة أخرى فيها أهله ،
فإنه يصير مقيما من غير نية الإقامة (٢).
ماينتقض به الوطن الأصلي :
٥ - الوطن الأصلي ينتقض بمثله لاغير ، وهو
أن يتوطن الإِنسان في بلدة أخرى وينقل
الأهل إليها من بلدته مضربا عن الوطن
الأول ، ورافضا سكناه ، فإن الوطن الأول
يخرج بذلك عن أن يكون وطنا أصليا له ،
(١) ابن عابدين ٥٥٥/١، ٥٥٦، والبدائع ١٠٢/١،
١٠٤، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي
٣٦٢/١، ٣٦٤، ومغنى المحتاج ٢٦٢/١، وکشاف
القناع ٣٣٥،٣٢٧/١ .
(٢) المراجع السابقة .
حتى لو دخل فيه مسافرا لاتصير صلاته
أربعا .
والأصل فيه: أن رسول الله (واله
والمهاجرين من أصحابه - رضي الله عنهم -
كانوا من أهل مكة ، وكان لهم بها أوطان
أصلية ، ثم لما هاجروا وتوطنوا بالمدينة ،
وجعلوها دارا لأنفسهم انتقض وطنهم الأصلي
بمكة ، حتى كانوا إذا أتوا مكة يصلون
صلاة المسافرين .
ولذلك قال النبي ◌ّطاهر حين صلى بهم:
((أتموا يا أهل مكة صلاتكم فإنا قوم
سفر)) (١).
ولا ينتقض الوطن الأصلي بوطن الإقامة ،
ولا بوطن السكنى ؛ لأنهما دونه ، والشيء
لاينسخ بما هو دونه ، وكذا لاينتقض بنية
السفر والخروج من وطنه حتى يصير مقيما
بالعودة من غير نية الإقامة .
وطن الإقامة :
٦ - هو المكان الذى يقصد الإِنسان أن يقيم
به مدة قاطعة لحكم السفر فأكثر على نية أن
يسافر بعد ذلك ، مع اختلاف بين المذاهب
في مقدار هذه المده تما سیأتی بيانها .
(١) حديث: ((أتموا يا أهل مكة صلاتكم)) أخرجه الطحاوي
(شرح معاني الآثار ٤١٧/١ نشر مطبعة الأنوار المحمدية)
من حديث عمران ابن حصين بلفظ : ((يا أهل مكة قوموا
فصلوا ركعتين أخراوين فإنا قوم سفر» وأخرجه أبو داود
(٢٣/٢ - ٢٤) بهذا المعني، وصححه الترمذي=
:
- ٢٦٧ -

صلاة المسافر ٦ - ٨
أما شرائطه : فقد ذکر الکرخي في جامعه
عن محمد روايتين :
الرواية الأولى : إنما يصير الوطن وطن
إقامة بشريطتين :
إحداهما : أن يتقدمه سفر.
والثانية : أن يكون بين وطنه الأصلي وبين
هذا الموضع (الذى توطن فيه بنية إقامة هذه
المدة) مسافة القصر .
وبدون هذين الشرطين لايصير وطن
إقامة ، وإن نوى الإقامة مدة قاطعة للسفر
في مکان صالح للإقامة ، حتى إن الرجل
المقيم لو خرج من مصره إلى قرية لالقصد
السفر، ونوى أن يتوطن بها المدة القاطعة
للسفر فلا تصير تلك القرية وطن إقامة له
وإن كان بينهما مسافة القصر؛ لانعدام تقدم
السفر. وكذا إذا قصد مسيرة سفر، وخرج
حتى وصل إلى قرية بينها وبين وطنه الأصلي
أقل من مسافة القصر، ونوی أن یقیم بها
المدة القاطعة للسفر لا تصير تلك القرية
وطن إقامة له .
والرواية الثانية - وهي رواية ابن سماعة
عن محمد بن الحسن - أنه يصير مقيما من غير
هاتين الشريطتين كما هو ظاهر الرواية .
والمالكية يشترطون مسافة القصر إن كانت
= (٤٣٠/٢ ط الحلبي) وتعقبه (مختصر سنن أبي داود
٦١/٢) بما يشير إلى تضعيفه .
نية الإِقامة في ابتداء السير، فإن كانت في
أثنائه فلا تشترط المسافة على المعتمد (١).
ماينتقض به وطن الإقامة :
٧ - وطن الإقامة ينتقض بالوطن الأصلي ،
لأنه فوقه ، وبوطن الإقامة ، لأنه مثله
والشيء يجوز أن ينسخ بمثله ، وينتقض
بالسفر - أيضا - لأن توطنه في هذا المقام ليس
للقرار، ولکن حاجة ، فإذا سافر منه يستدل
به على قضاء حاجته ، فصار معرضا عن
التوطن به ، فصار ناقضا له ، ولا ينتقض
وطن الإقامة بوطن السكنى ؛ لأنه دونه فلا
ينسخه .
وطن السكنى :
٨ - هو المكان الذى يقصد الإِنسان المقام به
أقل من المدة القاطعة للسفر .
وشرطه : نية عدم الإِقامة المدة القاطعة
للسفر، ولذلك يعتبر مسافرا بهذه النية وإن
طال مقامه، لما روي أن النبي وَلي ((أقام
بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة)) (٢)،
(١) البدائع ١٠٣/١، ١٠٤، الدسوقي على الشرح الكبير
٣٦٢/١، ٣٦٤.
(٢) حديث: ((أنه ﴿ أقام بتبوك عشرين يوما يقصر
الصلاة ... »
أخرجه أبو داود (٢ /٢٧ - تحقیق عزت عبيد دعاس)
والبيهقي (١٥٢/٣ - ط. دائرة المعارف العثمانية) من
حديث جابر بن عبدالله . وأعله أبوداود بكونه روی
مرسلا، وأما البيهقي فقال: ((لا أراه محفوظا)).
- ٢٦٨ -

٠٠
صلاة المسافر ٨ - ٩
وروي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله
عنه - أنه أقام بقرية من قری نیسابور شهرین
وكان يقصر الصلاة (١).
إلا أن هذا الحكم ليس متفقا عليه بين
المذاهب على تفصيل سيأتي بيانه .
ماینتقض به وطن السكنى :
٩ - وطن السكنى ينتقض بالوطن الأصلي
وبوطن الإِقامة ، لأنهما فوقه ، وينتقض
بوطن السكنى ، لأنه مثله ، وينتقض
بالسفر، لأن توطنه في هذا المقام ليس
للقرار، ولكن حاجة ، فإذا سافر منه يستدل
به على انقضاء حاجته ، فصار معرضا عن
التوطن به ، فصار ناقضا له .
هذا ، والفقيه الجليل أبو أحمد العياضي
قسم الوطن إلى قسمين : أحدهما : وطن
قرار والآخر : مستعار .
صيرورة المقيم مسافرا وشرائطها :
١٠ - يصير المقيم مسافرا إذا تحققت الشرائط
الآتية :
الشريطة الأولى : الخروج من المقام ،
أي موطن إقامته ، وهو أن يجاوز عمران بلدته
ويفارق بيوتها ، ويدخل في ذلك مايعد منه
عرفا كالأبنية المتصلة ، والبساتين المسكونة ،
(١) الاختيار لتعليل المختار ١ / ١١ طبعة دار الشعب بالقاهرة
سنة ١٣٨٦ هـ البدائع ١٠٣/١، ١٠٤ .
والمزارع ، والأسوار، وذلك على تفصيل بين
المذاهب سيأتي بيانه .
ولابد من اقتران النية بالفعل ؛ لأن السفر
الشرعي لابد فيه من نية السفر كما تقدم ،
ولا تعتبر النية إلا اذا كانت مقارنة للفعل ،
وهو الخروج ؛ لأن مجرد قصد الشيء من غير
اقتران بالفعل يسمى عزما ، ولايسمى نية ،
وفعل السفر لايتحقق إلا بعد الخروج من
المصر، فما لم يخرج لا يتحقق قران النية
بالفعل ، فلا يصير مسافرا .
الشريطة الثانية : نية مسافة السفر،
فلكي یصیر المقيم مسافرا لا بد أن ينوي سیر
مسافة السفر الشرعي ؛ لأن السیر قد یکون
سفرا وقد لايكون ، فالإنسان قد يخرج من
موطن إقامته إلى موضع لإصلاح ضيعة ، ثم
تبدو له حاجة أخرى إلى المجاوزة عنه إلى
موضع آخر، وليس بينهما مدة سفر، ثم
يتجاوز ذلك إلى مكان آخر، وهكذا إلى أن
يقطع مسافة بعيدة أكثر من مدة السفر،
ولذلك لابد من نية مدة السفر للتمييز .
وعلى هذا قالوا : أمير خرج مع جيشه في
طلب العدو، ولم يعلم أين يدركهم فإنهم
يصلون صلاة المقيم في الذهاب ، وإن
طالت المدة ، وكذلك لو طاف الدنیا من غير
- ٢٦٩ -

صلاة المسافر ١٠ - ١١
قصد إلى قطع المسافة فلا يعد مسافرا ، ولا
يترخص (١)
تحديد أقل مسافة السفر بالأيام :
١١ - أقل هذه المسافة مقدر عند عامة
العلماء ، ولكنهم اختلفوا في التقدير (٢)
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة
والليث والأوزاعي : إلى أن أقل مدة السفر
مسيرة يومين معتدلين بلا ليلة ، أو مسيرة
ليلتين معتدلتين بلا يوم ، أو مسيرة يوم
وليلة .
وذلك لأنهم قدروا السفر بالأميال ،
واعتبروا ذلك ثمانية وأربعين ميلا ، وذلك
أربعة برد ، وتقدر بسير يومين معتدلين .
واستدلوا بأن النبي وسلم قال: ((يا أهل
مكة : لاتقصروا الصلاة في أدنى من أربعة
برد ، من مكة إلى عسفان))(٣) ولأن ابن عمر
وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة
برد فما فوقها ، ولا يعرف لهما مخالف ، وأسنده
البيهقي بسند صحيح ، ومثل هذا لايكون
(١) البدائع ٩٤/١، ٩٥، وفتح القدير ٣٩٣/١ والمراجع
السابقة .
(٢) البدائع ٩٣/١، وبداية المجتهد ١٦٢/١.
(٣) حديث: ((يا أهل مكة لاتقصروا في أقل من أربعة برد)).
أخرجه الدارقطني (٣٨٧/١ - ط. دار المحاسن) من
حديث ابن عباس ، وضعف إسناده ابن حجر في
التلخيص (٤٦/٢ - ط. شركة الطباعة الفنية) .
إلا عن توقيف ، وعلقه البخاري بصيغة
الجزم ، وقال الأثرم : قيل لأبي عبدالله : في
كم تقصر الصلاة ؟ قال : في أربعة برد ،
قيل له : مسيرة يوم تام ؟ قال : لا ،
أربعة برد : ستة عشر فرسخا : مسيرة
يومين . وقد قدره ابن عباس من عسفان إلى
مكة مستدلا بالحديث السابق (١) .
وذهب الحنفية إلى أن أقل مسافة السفر
مسيرة ثلاثة أيام ولياليها ، لما روي عن علي بن
أبي طالب - رضي الله عنه - أنه سئل عن
المسح على الخفين فقال: ((جعل رسول الله
مقتل ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة
للمقيم)) (٢)، فقد جعل النبي ◌َل لكل
مسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليها ، ولن
يتصور أن يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها ،
ومدة السفر أقل من هذه المدة . وكذلك قال
النبي ◌ّله: ((لايحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها
محرم)) (٣)، فلو لم تكن المدة مقدرة بالثلاث لم
يكن لتخصيص الثلاث معنى .
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ٥٩١/٣، ومغني المحتاج
٢٦٤/١، وكشاف القناع ٣٢٥/١ .
(٢) حديث : ((جعل رسول الله وَّر ثلاثة أيام ولياليهن
للمسافر، ويوما وليلة للمقيم)) .
أخرجه مسلم (٢٣٢/١ - ط. الحلبي) .
(٣) حديث: ((لايحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ... ))
أخرجه مسلم (٢ /٩٧٥ - ط. الحلبي) من حديث ابن
عمر .
- ٢٧٠ -

صلاة المسافر ١١ - ١٣
وقد استحب ذلك الإمام الشافعي
للخروج من الخلاف (١).
والعبرة بالسير هو السير الوسط ، وهو سير
الإِبل المثقلة بالأحمال ، ومشي الأقدام على
مايعتاد من ذلك ، مع مايتخلله من نزول
واستراحة وأكل وصلاة .
ويحترز بالسير الوسط عن السير الأسرع ،
كسير الفرس والبريد ، وعن السير الأبطأ ،
كسير البقر يجر العجلة ، فاعتبر الوسط لأنه
الغالب .
والسير في البحر يراعى فيه اعتدال
الرياح ؛ لأنه هو الوسط ، وهو ألا تكون
الرياح غالبة ولا ساكنة ، ويعتبر في الجبل
مايليق به ، فينظر كم يسير في مثل هذا
مسافة القصر فيجعل أصلا ، وذلك معلوم
عند الناس فيرجع إليهم عند الاشتباه (٢).
سلوك أحد طريقين مختلفين لغاية واحدة :
١٢ - إذا كان لمكان واحد طريقان مختلفان،
أحدهما يقطعه في ثلاثة أيام ، والآخر يمكن
أن يصل إليه في يوم واحد ، فقد قال
أبو حنيفة: يقصر لو سلك الطريق الأقرب ،
لأنه يعتبر مسافرا ، هكذا ذكر الكاساني في
البدائع ، وجاء في العناية : إذا كان لموضع
(١) البدائع ٩٤،٩٣/١، والمهذب ١٠٢/١.
(٢) المراجع السابقة .
طريقان : أحدهما في الماء يقطع بثلاثة أيام
ولياليها إذا كانت الريح متوسطة ، والطريق
الثاني في البر يقطع بيوم أو يومين ، فلا يعتبر
أحدهما بالآخر، فإن ذهب إلى طريق الماء
قصر، وإن ذهب إلى طريق البر أتم ، ولو
انعكس انعكس الحكم (١).
وقال المالكية : لايقصر عادل عن طريق
قصير، وهو مادون مسافة القصر إلى طريق
طويل فيه المسافة بدون عذر، بل لمجرد
قصد القصر، أو لا قصد له ، فإن عدل
لعذر أو لأمر، ولو مباحا فيما يظهر قصر (٢)
وبمثل ذلك يقول الشافعية (٣).
والحنابلة يجيزون القصر لمن سلك الطريق
الأبعد مع وجود الأقرب ، ولو لغير عذر (٤).
الحكم بالنسبة لوسائل السفر الحديثة :
١٣ - معلوم مما سبق : أن الفقهاء حددوا
أقل المسافة التي تشترط لقصر الصلاة ،
وأنهم اعتبروا السير الوسط (مشي الأقدام
وسير الإِبل) هو الأساس في التقدير،
والمقصود - هنا - هو معرفة الحكم إذا استعملت
وسائل السفر الحديثة كالقطار والطائرة ،
(١) بدائع الصنائع ٩٤/١، والعناية شرح الهداية ، بهامش
فتح القدير ٣٩٤/١ .
(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ٣٦٢/١ .
(٣) مغني المحتاج ٢٦٥/١.
(٤) كشاف القناع ٣٣٠/١.
- ٢٧١ -

صلاة المسافر ١٣ - ١٤
حيث الراحة وقصر المدة .
وقد تحدث الفقهاء في ذلك :
فعند المالكية والشافعية والحنابلة - كما
يتضح من أقوالهم - أن المسافر لو قطع مسافة
السفر المحددة في زمن أقل ؛ لاستعماله
وسائل أسرع فإنه يقصر الصلاة ؛ لأنه
يصدق عليه أنه سافر مسافة القصر .
فقد قال الدسوقي : من كان يقطع
المسافة بسفره قصر، ولو كان يقطعها في
لحظة بطيران ونحوه .
وقال النووي : يقصر المسافر، ولو قطع
المسافة في ساعة .
وقال الخطيب الشربيني : يقصر
المسافر، لو قطع المسافة في بعض یوم كما لو
قطعها على فرس جواد .
وقال البهوتي : يقصر المسافر الرباعية إلى
ركعتين إجماعا ، ولو قطع المسافة في ساعة
واحدة ؛ لأنه صدق عليه أنه يسافر أربعة برد
(مسافة القصر) (١) .
وقد اختلف النقل عند الحنفية ، فنقل
الكاساني في بدائعه ماروي عن أبي حنيفة :
من أن المسافر لو سار إلى موضع فى يوم أو
يومين ، وأنه بسير الإِبل ، والمشي المعتاد
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٥٨/١، ومغنى
المحتاج ٢٦٤/١، وكشاف القناع ٣٢٥/١ .
ثلاثة أيام فإنه يقصر ، اعتبارا للسير المعتاد .
وهذا القول يوافق المذاهب السابقة ، لأن
أبا حنيفة اعتبر أن العلة هي قطع المسافة .
لكن الكمال بن الهمام : اعتبر أن العلة
لقصر الصلاة في السفر هي المشقة التي
تلحق بالمسافر، ولذلك يذكر : أن المسافر
لو قطع المسافة في ساعة فإنه لايقصر
الصلاة ، وإن كان يصدق عليه أنه قطع
مسافة ثلاثة أيام بسير الإِبل ، لانتفاء مظنة
المشقة ، وهي العلة (١) .
العبرة بنية الأصل دون التبع :
١٤ - المعتبر في نية السفر الشرعي نية
الأصل دون التابع ، فمن كان سفره تابعا
لغيره فإنه يصير مسافرا بنية ذلك الغير،
وذلك كالزوجة التابعة لزوجها ؛ فإنها تصير
مسافرة بنية زوجها ، وكذلك من لزمه طاعة
غيره كالسلطان وأمير الجيش ، فإنه يصير
مسافرا بنية من لزمته طاعته ، لأن حكم التبع
حكم الأصل .
أما الغريم الذي يلازمه صاحب الدين ،
فإن کان مليئا ، فالنية له ؛ لأنه يمكنه قضاء
الدين ، والخروج من يده ، وإن كان الغريم
مفلسا ، فالنية لصاحب الدين ، لأنه
(١) بدائع الصنائع ٣٩٢/١ وما بعدها وفتح القدير ٥/٢ نشر
دار إحياء التراث .
- ٢٧٢ -

صلاة المسافر ١٤ - ١٥
لایمکنه الخروج من یده ، فكان تابعا له .
هذا مذهب الحنفية والحنابلة (١).
ويقول الشافعية : لو تبعت الزوجة
زوجها ، أو الجندي قائده في السفر، ولا
یعرف کل واحد منهم مقصده فلا قصر لهم؛
لأن الشرط - وهو قصد موضع معين - لم
يتحقق ، وهذا قبل بلوغهم مسافة القصر،
فإن قطعوها قصروا .
فلو نوت الزوجة دون زوجها ، أو الجندي
دون قائده مسافة القصر، أو جهلا الحال
قصر الجندي غير المثبت في الدیوان ، دون
الزوجة ؛ لأن الجندي حينئذ لیس تحت ید
الأمير وقهره ، بخلاف الزوجة ، فنيتها
کالعدم . أما الجندي المثبت في الدیوان فلا
یقصر؛ لأنه تحت يد الأمير ، ومثله الجیش ،
إذ لو قیل : بأنه ليس تحت يد الأمیر وقهره
كالآحاد لعظم الفساد (٢).
أحكام القصر :
مشروعية القصر :
١٥ - القصر معناه : أن تصير الصلاة
الرباعية ركعتين في السفر، سواء في حالة
الخوف ، أو في حالة الأمن .
(١) البدائع ٩٤/١، وكشاف القناع ٣٢٥/١.
(٢) مغنى المحتاج ٢٦٥/١.
وقد شرع القصر في السنة الرابعة من
الهجرة .
ومشروعية القصر ثابتة بالكتاب والسنة
والإجماع .
أما الكتاب فقوله تعالى : ﴿وإذا ضربتم
في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من
الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين
كفروا﴾ (١).
وأما السنة : فما ورد عن يعلى بن أمية
قال: ((قلت لعمر بن الخطاب : ليس
عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن
خفتم أن يفتنكم الذين كفروا))، فقد أمن
الناس . قال : عجبت مما عجبت منه ،
فسألت رسول الله ### عن ذلك فقال :
((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا
صدقته» (٢).
وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - :
((صحبت النبي ◌َّلاير ، فكان لايزيد في السفر
على ركعتين ، وأبا بكر وعمر وعثمان
كذلك» (٣).
(١) سورة النساء / ١٠١ .
(٢) حديث عمر بن الخطاب : ((صدقة تصدق الله بها
علیکم ... ))
أخرجه مسلم (٤٧٨/١ - ط. الحلبي).
(٣) حديث ابن عمر: ((صحبت النبي ◌َّ فكان لايزيد في
السفر على ركعتين)).
أخرجه البخاري (الفتح ٢ /٥٧٧ - ط. السلفية) ومسلم
(٤٨٠/١ - ط. الحلبي) واللفظ للبخاري .
- ٢٧٣ -

صلاة المسافر ١٥ - ١٧
وغير ذلك من الأحاديث والآثار .
فالآية الكريمة دلت على مشروعية القصر
في حالة الخوف ، ودلت الأحاديث على
مشروعيته في حالتي الخوف والأمن .
وقد أجمعت الأمة على مشروعية القصر .
الحكم التكليفي للقصر :
١٦ - ذهب الشافعية والحنابلة : إلى أن
القصر جائز، تخفيفا على المسافر، لما يلحقه
من مشقة السفر غالبا ، واستدلوا بالآية
الكريمة : ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس
عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن
خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ (١) فقد
علق القصر على الخوف ، لأن غالب أسفار
النبي ◌َّه لم تخل منه. ونفي الجناح في الآية
يدل على جواز القصر، لا على وجوبه .
واستدلوا كذلك بحديث يعلى بن أمية
السابق: ((صدقة تصدق الله بها عليكم)) (٢).
وذهب الحنفية : إلى أن فرض المسافر من
ذوات الأربع ركعتان لاغیر، فليس للمسافر
عندهم أن يتم الصلاة أربعا ، لقول عائشة
- رضي الله عنها -: ((فرضت الصلاة
رکعتین رکعتین ، فأقرت صلاة السفر، وزید
(١) سورة النساء / ١٠١، وانظر المهذب ١٠١/١ وكشاف
القناع ٣٢٤/١ .
(٢) حديث: ((صدقة ... )) تقدم تخريجة ف ١٣.
في صلاة الحضر))(١) ولا يعلم ذلك إلا
توقيفا (٢)، وقول ابن عباس - رضي الله
عنهما -: ((إن الله عز وجل فرض الصلاة على
لسان نبيكم ◌َلر على المسافر ركعتين وعلى
المقيم أربعا ، وفي الخوف ركعة)) (٣)
والراجح المشهور عند المالكية : أن
القصر سنة مؤكدة ؛ فإنه لم يصح عن النبي
** أنه أتم الصلاة ، بل المنقول عنه القصر
في كل أسفاره ، وما كان هذا شأنه فهو سنة
مؤكدة .
وهناك أقوال أخرى في المذهب فقيل : إنه
فرض ، وقيل : إنه مستحب ، وقيل : إنه
مباح (٤).
هل الأصل القصر أو الإِتمام ؟
١٧ - قال المالكية والشافعية والحنابلة : إن
الأصل هو الإِتمام وأن القصر رخصة ،
واستدلوا بحديث مسلم السابق : ((صدقة
(١) حديث عائشة - رضي الله عنه -: ((فرضت ..... )).
أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٦٤ - ط . السلفية) ومسلم
(٤٧٨/١ - ط. الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ١٩٨/١ طبع مطابع الشعب
بالقاهرة سنة ١٣٨٦ هـ وفتح القدير ٣٩٥/١.
(٣) قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((إن الله فرض الصلاة
على لسان نبیکم . .»
أخرجه مسلم (١ / ٤٧٩ - ط. الحلبي) .
(٤) بداية المجتهد ١٦١/١، والشرح الكبير للدردير
٣٥٨/١ .
- ٢٧٤ -

صلاة المسافر ١٧ - ١٨
تصدق الله بها عليكم)) .
إلا أن المشهور من مذهب الشافعية : أن
القصر أفضل من الإتمام ، إذا بلغ السفر
ثلاثة أيام ، اقتداء برسول الله وَالر ، وخروجا
من خلاف مَنْ أوجبه ، كأبى حنيفة ، إلا
الملّح الذي يسافر في البحر بأهله ، ومن.
لايزال مسافرا بلا وطن ، فالإتمام لهما أفضل
خروجا من خلاف مَنْ أوجبه عليهما ،
كالإِمام أحمد . ومقابل المشهور: أن الإِتمام
أفضل مطلقا ، لأنه الأصل ، والأكثر
عملا ، أما إذا لم يبلغ السفر ثلاثة أيام
فالإِتمام أفضل لأنه الأصل .
وعند الحنابلة : القصر أفضل من الإِتمام
نصا ، لمداومة النبي ◌َّ والخلفاء عليه .
لكن إن أتم من يباح له القصر لم
یکره(١) .
وعند الحنفية : القصر هو الأصل في
الصلاة ؛ إذ الصلاة في الأصل فرضت
ركعتين ، في حق المقيم والمسافر جميعا ،
لحديث عائشة المتقدم ذكره ، ثم زیدت
ركعتان في حق المقيم . وأقرت الركعتان في
حق المسافر كما كانتا فى الأصل ، فالركعتان
من ذوات الأربع فى حق المسافر ليستا قصرا
(١) بداية المجتهد ١ / ١٦٢،١٦١، والشرح الكبير ٣٥٨/١
ومغنى المحتاج ١ /٢٦٨، وكشاف القناع ٣٢٨/١ .
حقيقة ، بل هو تمام فرض المسافر، والإِكمال
ليس رخصة في حقه ، بل هو إساءة ومخالفة
للسنة . والقصر عزيمة ، لما روي عن
عمران بن حصين - رضي الله عنه - أنه قال :
«ما سافر رسول الله ټپڼ إلا صلى ركعتين إلا
المغرب))(١) ولو كان القصر رخصة والإكمال
هو العزيمة لما ترك العزيمة إلا أحيانا ، إذ
العزيمة أفضل، وكان رسول الله وَ له لا يختار
من الأعمال إلا أفضلها ، وكان لايترك
الأفضل إلا مرة أو مرتين تعليما للرخصة في
حق الأمة، ولقد قصر النبي وَعليه وقال لأهل
مكة : ((أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سَفْر)) (٢) فلو
جاز الأربع لما اقتصر على ركعتين (٣).
شرائط القصر :
يقصر المسافر الصلاة الرباعية إلى ركعتين
إذا توفرت الشرائط الآتية :
الأولى : نية السفر :
١٨ - وهي شريطة عند جميع الفقهاء كما
سبق .
والمعتبر فيها : نية الأصل دون التابع على
(١) حديث عمران بن حصين: ((ماسافر رسول اللّه ◌ُل إلا
صلى ركعتين إلا المغرب)).
يأتى مطولا في الفقرة (٢٤) دون قوله: ((المغرب)).
(٢) حديث: ((أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) تقدم تخريجه ف ٤ .
(٣) البدائع ١ / ٩١ .
- ٢٧٥ -

صلاة المسافر ١٨ - ١٩
ماسبق بيانه ، وأن تكون من بالغ عند
الحنفية ، ولذلك لو خرج الصبي قاصدا
السفر وسار مسافة حتى بقي إلى مقصده أقل
من مدة السفر فبلغ حينذاك ، فإنه لايقصر
الصلاة ، بل يصلى أربعا ؛ لأن قصده السفر
لم يصح ابتداء ، وحين بلغ لم يبق إلى مقصده
مدة السفر فلا يصير مسافرا عندهم (١).
ويشترط عند المالكية والشافعية والحنابلة
في السفر الذى تقصر فيه الصلاة : ألا يكون
لمعصية ، فلا يقصر عاص بسفره ، كآبق
وقاطع طريق ؛ لأن الرخص لايجوز أن تتعلق
بالمعاصي ، وجواز الرخص في سفر المعصية
إعانة على المعصية وهذا لايجوز.
فإن قصر العاصي بسفره فعند المالكية
لايعيد الصلاة على الأصوب ، وإن أُثم
بعصيانه .
ومن أنشأ السفر عاصیا به ، ثم تاب في
أثنائه ، فعند المالكية والشافعية والحنابلة :
يقصر إن كان مابقي من سفر مسافة
القصر، ولو سافر سفرا مباحا ثم قصد بسفره
المعصية قبل تمام سفره ، انقطع الترخص ،
فلا يقصر عند المالكية ، وهو الأصح
للشافعية . وذهب الحنابلة - وهو القول
الثاني للشافعية -.. إلى أنه يقصر (٢).
(١) البدائع ٩٣/١، ٩٤، ١٠٣، وفتح القدير ٣٠٢/١ .
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣٥٨/١، والمهذب=
ولم يشترط الحنفية أن يكون السفر
مباحا ، بل أجازوا القصر في سفر المعصية
- أيضا-، فإنه يستوى في المقدار المفروض
على المسافر من الصلاة سفر الطاعة من
الحج والجهاد وطلب العلم ، وسفر المباح
كسفر التجارة ونحوه ، وسفر المعصية كقطع
الطريق والبغي ؛ لأن الدلائل التى وردت
لاتوجب الفصل بين مسافر ومسافر. ومن
هذه الدلائل قوله تعالى : ﴿فمن كان منكم
مريضا أو على سفر ... ﴾ (١)، وقوله
تعالى : ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ (٢)
وقول علي - رضي الله عنه - : ((جعل رسول
الله ◌َليز ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما
وليلة للمقيم)) (٣) من غير فصل بين سفر
وسفر، فوجب العمل بعموم النصوص
وإطلاقها (٤).
الثانية : مسافة السفر :
١٩ - وهو أن يقصد الإِنسان مسيرة مسافة
السفر المقدرة عند الفقهاء ، حتى إنه لو
طاف الدنيا من غير قصد مسيرة المسافة
= ١٠٢/١، ومغني المحتاج ٢٦٦/١، وكشاف القناع
٣٢٤/١، ٢٣٧.
(١) سورة البقرة / ١٨٤ .
(٢) سورة البقرة / ١٣٩.
(٣) حديث: ((جعل رسول الله صل *... ))
تقدم تخريجه ف ١١ .
(٤) البدائع ٩٣/١، والاختيار لتعليل المختار ١/ ١١١.
- ٢٧٦ -

......
صلاة المسافر ١٩ - ٢٠
المحددة لايجوز له القصر؛ لأنه لايعتبر
مسافرا ، وقد مر بیان ذلك .
الثالثة : الخروج من عمران بلدته :
٢٠ - فالقصر لا يجوز إلا أن يجاوز المسافر محل
إقامته ، وما يتبعه على التفصيل الذى سيأتي
بيانه .
لكن هل يشترط الخروج للسفر قبل مضي
وقت يسع الإتمام ؟ اختلف الفقهاء في
ذلك :
يقول الكاساني الحنفي : وسواء خرج في
أول الوقت أو في وسطه أو في آخره ، حتى لو
بقي من الوقت مقدار مايتسع لأداء ركعتين ،
فإنه يقصر في ظاهر قول أصحابنا . وقال
إبراهيم النخعي ، ومحمد بن شجاع
الثلجي : إنما يقصر إذا خرج قبل الزوال ،
فأما إذا خرج بعد الزوال فإنه يكمل الظهر
ويقصر العصر. والكلام في ذلك مبني على
أن الصلاة هل تجب في أول الوقت أوفي
آخره ؟
فعند المحققين من الحنفية : لاتجب في
أول الوقت على التعيين ، وإنما تجب في جزء
من الوقت غير معين ، وإنما التعيين إلى
المصلي من حيث الفعل ، حتى إنه إذا شرع
في أول الوقت تجب في ذلك الوقت ، وكذلك
إذا شرع في وسطه أو في آخره . وثمة أصل
آخر، وهو مقدار مايتعلق به الوجوب في آخر
الوقت ، فقال الكرخي وأكثر المحققين من
الحنفية : إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت
بمقدار التحريمة وهو المختار، وعليه فإن
الأداء یتغیر وإن بقی مقدار مايسع التحريمة
فقط ، وقال زفر واختاره القدوري : لايجب
إلا إذا بقي من الوقت مقدار مايؤدى فيه
الفرض. وعلى ذلك القول فلا يتغير الفرض إلا
إذا بقي من الوقت مايمكن فيه الأداء (١).
وعند المالكية : تقصر الصلاة التي يسافر
في وقتها ولو الضروري ، فيقصر الظهرين
قبل الغروب بثلاث ركعات فأکثر ولو اخرهما
عمدا ، فإذا لم يبق إلا بمقدار ركعتين أو
ركعة صلى العصر فقط سفرية (٢)
وقال الشافعية : إن سافر وقد بقي من
الوقت أقل من قدر الصلاة ، فإن قلنا : إنه
مؤد لجميع الصلاة جاز له القصر، وإن
قلنا : إنه مؤد لما فعل في الوقت قاض لما فعل
بعد الوقت لم يجز له القصر (٣) .
وقال الحنابلة : إن دخل عليه وقت
الصلاة في الحضر ، ثم سافر، لزمه أن یتم ،
لوجوبها عليه تامة بدخول وقتها (٤)
(١) البدائع ١ /٩٥ .
(٢) الشرح الكبير ٣٦٠/١.
(٣) المجموع ٣٦٨/٤.
(٤) كشاف القناع ٣٢٨/١ .
- ٢٧٧ -

صلاة المسافر ٢١
الرابعة : اشتراط نية القصر عند كل
صلاة :
٢١ - يشترط للقصر نيته في التحريمة ، ومثل
نية القصر ما لو نوى الظهر مثلا ركعتين ، ولم
ينو ترخصا ، كما قاله الشافعي ، ومثل النية
- أيضا - مالو قال : أؤدى صلاة السفر، كما
قاله المتولي من الشافعية ، فلو لم ينوماذكر،
بأن نوى الإتمام أو أطلق أتم ، وهذا عند
الشافعية والحنابلة .
أما الحنفية : فإن نية السفر تجعل فرض
المسافر ركعتين ، وهذا يكفي .
وعند المالكية : تكفي نية القصر في أول
صلاة يقصرها في السفر، ولايلزم تجديدها
فيما بعدها من الصلوات ، وقيل : إنه لابد
من نية القصر عند كل صلاة ولو حكما (١).
واشترط الشافعية التحرز عما ينافي نية
القصر في دوام الصلاة ، وذلك مثل نية
الإِتمام ، فلو نوى الإِتمام بعد نية القصر
أتم ، ولو أحرم قاصرا ثم تردد في أنه یقصر أم
يتم ؟ أتم . أوشك في أنه نوى القصر أم
لا؟ أتم . وإن تذكر في الحال أنه نواه ، لأنه
أدی جزءًا من صلاته حال التردد على التمام ،
ولو قام القاصر لثالثة عمدا بلا موجب
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣٦٧/١، والمهذب
١٠٣/١، وكشاف القناع ٣٢٩/١ .
لإتمام ، كنِيّته أو نية إقامة بطلت صلاته (١).
ونحوهم الحنابلة : فعندهم : إن عزم
المسافر في صلاته على مايلزمه به الإتمام من
الإقامة وسفر المعصية لزمه أن يتم تغليبا
لكونه الأصل ، أو تاب من سفر المعصية في
الصلاة التي أحرم بها سفرية لزمه أن يتم ،
ولا تنفعه نية القصر، وكمن نوى خلف مقيم
عالما بأن إمامه مقيم ، وأنه لايباح له القصر،
فلم تنعقد (٢).
واشترط الشافعية - أيضا - : العلم بجواز
القصر، فلو قصر جاهلا به لم تصح
صلاته ؛ لتلاعبه (٣) .
وعند الحنفية : لو اختار الأربع لايقع
الكل فرضا ، بل المفروض ركعتان ، والشطر
الثاني : يقع تطوعا ، حتى إنه لو لم يقعد على
رأس الرکعتین قدر التشهد فسدت صلاته ؛
لأنها القعدة الأخيرة في حقه ، وإذا أتم ساهيا
صحت صلاته ، ووجب عليه سجود
السهو. وإن کان عمدا وجلس على رأس
الركعتين صحت صلاته وأساء لتأخيره
السلام عن مكانه (٤).
ويقول المالكية : إن نوى المسافر الإقامة
(١) مغنى المحتاج ٢٦٧/١، ٢٦٨.
(٢) كشاف القناع ٣٢٩/١ .
(٣) مغنى المحتاج ٦٨/١.
(٤) بدائع الصنائع ٩٢/١، ٩٣.
- ٢٧٨ -

صلاة المسافر ٢١ - ٢٢
القاطعة لحكم السفر، وهو في الصلاة التي
أحرم بها سفریة شفع بأخری ندبا إن عقد
ركعة وجعلها نافلة ، ولا تجزيء حضرية إن
أتمها أربعا ، لعدم دخوله عليها ولا تجزىء
سفرية ، لتغير نيته في أثنائها (١).
المكان الذى يبدأ منه القصر :
٢٢ - قال الفقهاء : يبدأ المسافر القصر إذا
فارق بيوت المصر، فحينئذ يصلي ركعتين .
وأصله ماروی أنس - رضي الله عنه - قال
((صليت الظهر مع رسول الله (وَلاير بالمدينة
أربعا ، وصليت معه العصر بذي الحليفة
ركعتين)) (٢)، وما روي عن علي - رضي الله
عنه - : أنه لما خرج من البصرة يريد الكوفة
صلى الظهر أربعا ثم نظر إلى خُصّ أمامه
وقال : لو جاوزنا هذا الخص صلينا
ركعتين ..
والمعتبر مفارقة البيوت من الجانب الذي
يخرج منه ، وإن كان في غيره من الجوانب
بيوت . ويدخل في بيوت المصر المباني
المحيطة به ، والنبي ◌َّه لم يقصر في سفره إلا
بعد الخروج من المدينة (٣).
(١) الشرح الكبير ٣٦٤/١، ٣٦٥ .
(٢) حديث أنس: ((صليت الظهر مع رسول اللّه مهر بالمدينة
أربعا)» .
أخرجه البخاري (الفتح ٢ /٥٦٩ - ط. السلفية) ومسلم
(٤٨٠/١ - ط. الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٣) الهداية وشروحها ١ /٣٩٦، ٣٩٧.
والقريتان المتدانيتان المتصل بناء إحداهما
بالأخرى ، أو التى يرتفق أهل إحداهما
بالأخرى فهما كالقرية الواحدة ، وإلا فلكل
قریة حکم نفسها بقصر إذا جاوز بيوتها
والأبنية التي في طرفها .
وساکن الخیام یقصر إذا فارق خيام قومه
ومرافقها ، كملعب الصبيان ، والبساتين
المسكونة المتصلة بالبلد ، ولو حكما لا يقصر
إلا إذا فارقها إن سافر من ناحيتها ، أو من
غير ناحيتها ، وكان محاذيا لها عند المالكية .
ويقصر سكان القصور والبساتين وأهل
العزب إذا فارقوا مانسبوا إليه بما يعد مفارقة
عرفا .
والبلدة التى لها سور، لايقصر إلا إذا
جاوزه وإن تعدد ، كما قال الشافعية .
وقالوا أيضا : يعتبر مجاوزة عرض الوادي
إن سافر في عرضه ، والهبوط إن كان في
ربوة ، والصعود إن كان في وهدة ، . وهذا إن
سافر في البر، ويعتبر في سفر البحر المتصل
ساحله بالبلد جري السفينة أو الزورق ،
فيقصر بمجرد تحركها ، أما إذا كان البحر
بعيدا عن المدينة فالعبرة بمجاوزة سور
المدينة (١).
(١) فتح القدير ٣٩٦/١، ٣٩٧، ومغنى المحتاج ٢٦٤/١
- ٢٧٩ -

٠٠
صلاة المسافر ٢٣ - ٢٤
..
٠٠٠
الصلوات التي تقصر، ومقدار القصر :
٢٣ - الصلوات التى تقصر هي : الصلاة
الرباعية ، وهي : الظهر، والعصر،
والعشاء إجماعا ، ولا قصر في الفجر والمغرب
لحديث عائشة - رضي الله عنها -: ((فرض
صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين . فلما
أقام رسول الله مصر بالمدينة زيد في صلاة
الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر
لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر
النهار)) (١) ولأن القصر هو : سقوط شطر
الصلاة ، وبعد سقوط الشطر من الفجر
والمغرب لايبقى نصفٌ مشروعٌ ، بخلاف
الصلاة الرباعية فإنها هي التى تقصر.
وذلك في جميع المذاهب .
ومقدار القصر : أن تصير الرباعية ركعتين
لاغير .
ولا قصر في السنن عند الحنفية .
ولاقصر في المنذورة عند الشافعية (٢).
اقتداء المسافر بالمقيم ، وعكسه :
٢٤ - يقول الحنفية : يصح اقتداء المسافر
١٫٠٠
(١) حديث عائشة رضي الله عنها: ((فرض صلاة السفر
والحضر ركعتين ركعتين)»
أخرجه ابن خزيمة (١٥٧/١ - ط. المكتب الإسلامي)
وأشار إلى انقطاع في سنده .
(٢) البدائع ١ /٩٣،٩٢، والشرح الكبير ٣٦٠/١، ومغنى
المحتاج ٢٦٠/١، وكشاف القناع ٣٢٥/١ .
بالمقيم في الوقت ، وينقلب فرض المسافر
أربعا عند عامة الفقهاء من الحنفية لأنه لما
اقتدى به صار تبعا له ، لأن متابعته واجبة
عليه ، لقول النبي وَّر: ((إنما جعل الإِمام
ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)) (١) وأداء الصلاة في
الوقت مما يحتمل التغيير، وهو التبعية ،
فيتغيرّ فرضه أربعا ، فصار صلاة المقتدى
مثل صلاة الإِمام ، فصح اقتداؤه به ...
ولايصح اقتداء المسافر بالمقيم خارج
الوقت عند الحنفية ؛ لأن الصلاة خارج
الوقت من باب القضاء ، وهو خلف عن
الأداء ، والأداء لم يتغير فلا يتغير القضاء
بالاقتداء بالمقيم ، فبقيت صلاته ركعتين
وصارت القعدة الأولى للتشهد ، فرضا في
حقه ، وهي نفل في حق الإِمام فيكون هذا
اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة ، وكما
لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل في جميع
الصلاة ، فلا يجوز في رکن منها .
ولو أن مقيما صلى ركعتين بقراءة ، فلما قام
إلى الثالثة جاء مسافر واقتدى به بعد خروج
الوقت لايصح ، لما سبق بيانه من أن فرض
المسافر تقرر ركعتين بخروج الوقت ، والقراءة
فرض عليه في الركعتين ، وهي نفل في حق
(١) حديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))
أخرجه مسلم (١ /٣٠٩ - ٣١٠ -ط. الحلبي) من حديث
أبي هريرة .
- ٢٨٠ -