النص المفهرس

صفحات 201-220

صلاة الجمعة ١٨ - ١٩
١٨ - فمن توفرت فيه هذه الشروط ، حرم
عليه صلاة الظهر قبل فوات الجمعة ، لما في
ذلك من مخالفة الأمر بإسقاط صلاة الظهر
وأداء الجمعة في مكانها . أما بعد فواتها عليه
فلا مناص حينئذ من أداء الظهر، بل يجب
علیه ذلك ، غير أنه يعتبر آثما بسبب تفویت
الجمعة بدون عذر .
فإن سعى إليها بعد أدائه الظهر والإِمام
في الصلاة بطلت صلاته التی کان قد أداها
بمجرد انفصاله عن داره واتجاهه إليها سواء
أدركها أم لا . وذلك لأن السعي إلى صلاة
الجمعة معدود من مقدماتها وخصائصها
المأمور بها بنص كتاب الله تعالى ، والاشتغال
بفرائض الجمعة الخاصة بها يبطل الظهر
وهذا عند أبي حنيفة ، أما عند الصاحبين فلا
يبطل ظهره بمجرد السعي ، بل لابد لذلك
من إدراكه الجمعة وشروعه فيها (١) .
وقال المالكية والحنابلة : من وجبت عليه
الجمعة إذا صلى الظهر قبل أن يصلي الإِمام
الجمعة لم يصح ويلزمه السعي إلى الجمعة إن
ظن أنه يدركها (٢).
(١) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٥٧٢/١، ومجمع الأنهر
١٦٥/١ .
(٢) الدسوقي ٣٨٤/١، والمغني ٣٤٢/٢.
النوع الثالث : شروط الصحة فقط :
وهي أربعة شروط :
١٩ - الأول الخطبة: ويشترط تقدمها على
الصلاة ، وهي كل ذِكْر يسمى في عرف
الناس خطبة ، فمتى جاء الإِمام بذلك بعد
دخول الوقت ، فقد تأدى الشرط وصحت
الخطبة ، سواء كان قائما ، أو قاعدا أتى
بخطبتين أو خطبة واحدة ، تلا فيها قرآنا أم
لا ، عربية كانت أو عجمية ، إلا أنها ينبغي
أن تكون قبل الصلاة ، إذ هي شرط ، وشرط
الشىء لابد أن يكون سابقا عليه وهذا عند
الحنفية (١).
واشترط لها المالكية والشافعية والحنابلة
خطبتين مستدلين على ذلك بمواظبة النبي
وَالخير (٢) .
واعتبر الشافعية للخطبة أركانا خمسة لابد
من توافرها وهي : حمد الله ، والصلاة على
رسوله ، والوصية بالتقوى . وهذه الثلاثة
أركان في كل من الخطبتين ، والرابع : قراءة آية
(١) بدائع الصنائع ٢٦٢/١، وحاشية ابن عابدين
٥٦٧/١، ومجمع الأنهر ١٦٣/١.
(٢) انظر الجواهر الزكية ١٢٢، والمغني لابن قدامة ٢٥١/٢،
والمحلي على المنهاج ٢٧٧/١ .
وحديث: ((مواظبة النبي محطة على خطبتين)).
ورد من حديث ابن عمر، أخرجه البخارى (الفتح
٤٠٦/٢ - ط. السلفية) ومسلم (٥٨٩/٢ -
ط. الحلبي) .
- ٢٠١ -

صلاة الجمعة ١٩ - ٢٢
من القرآن في إحداهما ، والخامس : مايقع
عليه اسم الدعاء للمؤمنين في الخطبة
الثانية (١).
واشترط الحنابلة من هذه الأركان قراءة آية
من القرآن . قال ابن قدامة ... قال
أصحابنا : ولا يكفي في القراءة أقل من آية
لأن النبي وَله لم يقتصر على أقل من ذلك
وماعدا ذلك مستحب (٢)
وتفصيله في مصطلح (خطبة) .
٢٠ - الثاني : الجماعة :
قال في البدائع : ودليل شرطيتها ، أن هذه
الصلاة تسمى جمعة ، فلا بد من لزوم معنى
الجمعة فيها ، اعتبارا للمعنى الذى أخذ
اللفظ منه ... ولهذا لم يؤد رسول الله والأهلي
الجمعة إلا جماعة ، وعليه إجماع العلماء (٣).
ويتعلق ببيان كيفية هذا الشرط ثلاثة
أبحاث :
٢١ - أولها : حضور واحد سوى الإِمام
- على الصحيح من مذهب الحنفية - وقيل :
ثلاثة سوى الإِمام ، قال في مجمع الأنهر :
لأنها أقل الجمع ، وقد ورد الخطاب
سلجمع ، وهو قوله تعالى : ﴿فاسعوا إلى ذكر
(١) المحلي على المنهاج ٢٧٧/١، ٢٧٨ .
(٢) المغني لابن قدامة ٢/ ٢٥٢ .
(٣) بدائع الصنائع ٢٦٦/١.
الله﴾ (١) فإنه يقتضي ثلاثة سوى الخطيب ،
هذا مذهب أبي حنيفة ومحمد (٢).
واشترط الشافعية والحنابلة أن لايقل
المجمّعون عن أربعین رجلا تجب في حقهم
الجمعة . قال صاحب المغني : أما
الأربعون فالمشهور في المذهب أنه شرط
لوجوب الجمعة وصحتها .. ويشترط
حضورهم الخطبتين (٣).
وقال المالكية : يشترط حضور اثني عشر
من أهل الجمعة (٤) .
٢٢ - ثانيها : يجب حضور ما لايقل عن هذا
العدد من أول الخطبة . قال في البدائع :
لو نفروا قبل أن يخطب الإمام فخطب
وحده ، ثم حضروا فصلى بهم الجمعة
لا يجوز؛ لأن الجماعة كما هي شرط انعقاد
الجمعة حال الشروع في الصلاة ، فهي شرطٌ
حال سماع الخطبة ، لأن الخطبة بمنزلة شفع
من الصلاة ، قالت عائشة - رضي الله
عنها - : إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة ،
وجاء مثله عن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد
فتشترط الجماعة حال سماع الخطبة ، كما
(١) سورة الجمعة / ٩ .
(٢) مجمع الأنهر ١٦٤/١، وبدائع الصنائع ٢٦٦/١.
(٣) المغني لابن قدامة ٢٧٢/٢، والروض المربع ٤٣٦/٢،
وحلية العلماء ٢٣٨/٢ .
(٤) الدسوقي ٣٧٨/١، الشرح الصغير ٤٩٩/١.
- ٢٠٢ -

صلاة الجمعة ٢٢ - ٢٥
تشترط حال الشروع في الصلاة (١).
٢٣ - ثالثها : الجماعة في صلاة الجمعة شرط
أداء عند الحنفية، وهو الصحيح عند المالكية
والشافعية ، ولا يتحقق الأداء إلا بوجود تمام
الأركان ، وهي : القيام ، والقراءة ،
والركوع ، والسجود . وعلى هذا فلو تفرقت
الجماعة قبل سجود الإِمام بطلت الجمعة
ويستأنف الظهر، والجماعة شرط انعقاد عند
الصاحبين ، والانعقاد يتم بدخول صحيح
في الصلاة ، وعلى هذا فلو تفرقت الجماعة
عن الإِمام قبل السجود وبعد الانعقاد
صحت جمعة کل منهم وقد صحح صاحب
(تنوير الأنصار) ماذهب إليه أبوحنيفة .
أما الحنابلة : فظاهر كلام أحمد أنهم إن
انفضوا قبل كمالها لم يجز إتمامها جمعة ،
وقياس قول الخرقي أنهم إن انفضوا بعد
ركعة أتموها جمعة (٢).
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد
ابن الحسن إلى أن من أدرك مع الإمام أقل من
ركعة ، فإنه لايكون مدركا للجمعة ويصليها
ظهرا . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : صلاة
(١) بدائع الصنائع ٢٦٦/١، والمراجع السابقة.
(٢) راجع تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار، وحاشية ابن
عابدين ٥٦٩/١ المغني لابن قدامة ٢٥٨/٢ - ٢٧٦،
والدسوقي ٣٨٣/١، ونهاية المحتاج ٣٣٤/٢، والقليوبي
٢٩٠/١ .
المقتدي صحيحة على أنها جمعة إذا أدرك
جزءا منها مع الإِمام ، وإن قل . قال في
المبسوط : ومن أدرك الإمام في التشهد في
الجمعة أو في سجدتي السهو فاقتدی به فقد
أدركها ويصليها ركعتين(١).
٢٤ - الثالث من شروط الصحة : واشترط
الحنفية أن تؤدى بإذن عام يستلزم الاشتهار،
وهو يحصل بإقامة الجمعة في مكان بارز معلوم
لمختلف فئات الناس ، مع فتح الأبواب
للقادمين إليه ، قال في تنوير الأبصار:
فلو دخل أمیر حصنا أو قصره وأغلق بابه ،
وصلى بأصحابه لم تنعقد (٢).
والحكمة من هذا الشرط ماقاله صاحب
البدائع : وإنماكان هذا شرطا لأن الله تعالى
شرع النداء لصلاة الجمعة بقوله : ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة
(٣
فاسعوا إلى ذكر الله
والنداء للاشتهار؛ ولذا يسمى جمعة ،
لاجتماع الجماعات فيها فاقتضى أن تكون
الجماعات کلها مأذونین بالحضور إذنا عاما
تحقيقا لمعنى الاسم (٤).
٢٥ - الشرط الرابع : أن لاتتعدد الجمعة في
(١) المبسوط السرخسي ٣٥/٢، والمراجع السابقة.
(٢) تنوير الأبصار بهامش ابن عابدين ٥٧٠/١ .
(٣) سورة الجمعة / ٩ .
(٤) البدائع ٢٦٩/١.
- ٢٠٣ -

صلاة الجمعة ٢٥ - ٢٧
المصر الواحد مطلقا .
ذهب الجمهور إلى منع التعدد في أعم
الأحوال على اختلاف يسير بينهم في ضابط
المكان الذي لا يجوز التعدد فيه .
فمذهب الشافعي وأحمد والمشهور من
مذهب مالك هو منع التعدد في البلدة
الواحدة كبيرة كانت أو صغيره إلا لحاجة (١)
وهذا - أيضا - مذهب أبي حنيفة ،
وصححه ابن عابدين وذكر أنه اختيار
الطحاوي والتمرتاشي ، ونقل عن شرح المنية
أنه أظهر الروايتين عن الإِمام ، ونقل عن
النهر والتكملة : أن الفتوى عليه . قالوا :
لأن الحكمة من مشروعيتها هي الاجتماع
والتلاقي ، وينافيه التفرق بدون حاجة في
عدة مساجد ، ولأنه لم يحفظ عن صحابي
ولا تابعي تجويز تعددها .
ومقابله ما رواه في البدائع عن الكرخي :
أنه لا بأس بأن يجمعوا في موضعین أو ثلاثة
عند محمد ، وعن أبي يوسف روايتان :
إحداهما : لا يجوز إلا إذا كان بين موضعي
الإقامة نهر عظيم كدجلة ونحوها فيصير
بمنزلة مصرين .
(١) انظر المحلي على المنهاج ٢٧٢/١، والمغني لابن قدامة
٢٧٧/٢، ٢٧٨، والدسوقي ٣٧٤/١.
والثانية : يجوز في موضعين إذا كان المصر
عظيما (١).
٢٦ - فهذه الشروط الأربعة إذا فقد واحد
منها ، بطلت الصلاة ، مع استمرار تعلق
الوجوب بها ، حتى إنه يجب إعادتها إذا بقي
وقت وأمكن تدارك الشرط الفائت . وهذا
معنى أنها شروط للصحة فقط ، إلا مايتعلق
بفقد الشرط الأخير، فسنذكر حكم ذلك
عند البحث عن مفسدات صلاة الجمعة وما
يترتب على فسادها .
الإِنصات للخطبة :
٢٧ - إذا صعد الإمام المنبر للخطبة ، يجب
على الحاضرين أن لايشتغلوا عندئذ بصلاة
ولا كلام إلى أن يفرغ من الخطبة . فإذا بدأ
الخطيب بالخطبة تأكد وجوب ذلك أكثر .
قال في تنوير الأبصار: وكل ماحرم في
الصلاة حرم في الخطبة ، وسواء أكان الجالس
في المسجد يسمع الخطبة أم لا ، اللّهم إلا
أن يشتغل بقضاء فائتة لم يسقط الترتيب
بينها وبين الصلاة الوقتية فلا تكره ، بل يجب
فعلها (٢) .
(١) مجمع الأنهر ٢٦٢/١، ورد المحتار ٥٦٥/١، وبدائع
الصنائع ٢٦٠/١.
(٢) انظر حاشية ابن عابدين ١ /٥٧٤، المغني ٣٢٠/٢،
مغني المحتاج ٢٨٨/١، حاشية الدسوقى ٣٨٦/١،
٣٨٧ .
- ٢٠٤ -

صلاة الجمعة ٢٧ - ٢٩
فلو خرج الخطيب ، وقد بدأ المصلي
بصلاة نافلة ، كان عليه أن يخففها ويسلم
على رأس ركعتين ، وهذا محل اتفاق بين
الأئمة الأربعة (١)
غير أنه جرى الخلاف فيما إذا دخل الرجل
والخطيب يخطب فقد ذهب الحنفية ،
والمالكية ، إلى أنه يجلس ولا يصلي ، شأنه في
ذلك كالجالسين دون أي فرق . وذهب
الشافعي وأحمد إلى أنه يصلي ركعتين خفيفتين
مالم يجلس ، تحية للمسجد (٢) وقال
الشافعية : إن غلب على ظنه أنه إن صلاها
فاتته تكبيرة الإحرام مع الإِمام لم يصلها .
الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة :
٢٨ - ذهب الجمهور إلى أنه يسن للإِمام
الجهر في قراءة صلاة الجمعة ، وعند الحنفية
يجب الجهر فيها بالقراءة ، قال في البدائع :
وذلك لورود الأثر فيها بالجهر وهو ماروي
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال:
(( سمعت النبي ◌َّي يقرأ في صلاة الجمعة في
الركعة الأولى سورة الجمعة وفي الثانية سورة
المنافقين)) (٣) ولو لم يجهر لما سمع ؛ ولأن
(١) انظر حاشية ابن عابدين ٥٧٤/١، المغني ٣١٩/٢،
حاشية الدسوقي ٣٨٦/١، مغني المحتاج ٨٨/١.
(٢) المراجع السابقة .
(٣) حديث ابن عباس: ((سمعت النبي لم يقرأ في صلاة
الجمعة)»
=
الناس يوم الجمعة فرّغوا قلوبهم ، عن
الاهتمام بأمور التجارة لعظم ذلك الجمع
فيتأملون قراءة الإِمام فتحصل لهم ثمرات
القراءة ، فيجهر بها كما في صلاة الليل ،
وخالف بقية الأئمة في وجوب الجهر فذهبوا
إلى استحبابه (١).
السعي لصلاة الجمعة :
٢٩ - من الواجبات المتعلقة بهذه الشعيرة :
وجوب السعي إليها ، وترك معاملات البيع
والشراء عند الأذان الثاني ، وهو قول
الجمهور، لقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى
ذكر الله وذروا البيع﴾ (٢)، وقال الحنفية - في
الأصح عندهم - إنما يجب ذلك عند الأذان
الأول (٣)، ويترتب على تأخير هذا السعي
الواجب عند سماع النداء ما يترتب على ترك
الواجبات من الحرمة بسبب المعصية . أما
حكم العقد الذى يباشره من بيع ، ونحوه
بدلا من المبادرة إلى السعي ففي بطلانه ، أو
كراهته اختلاف الفقهاء ويعرف ذلك
= أخرجه مسلم (٥٩٩/٢ - ط. الحلبي) .
(١) بدائع الصنائع ٢٦٩/١، الروض المربع شرح زاد
المستقنع ٤٦٠/٢، الشرح الصغير ١٢٦/١، المجموع
٣٨٩/٣.
(٢) سورة الجمعة الآية ٩ .
(٣) مجمع الأنهر ١٦٦/١ .
- ٢٠٥ -

صلاة الجمعة ٢٩ - ٣٢
بالرجوع إلى أحكام البيع (ر: بيع منهي
عنه جـ ٩ ف ١٣٣) .
المستحبات من كيفية أداء الجمعة :
٣٠ - (١) الأذان بين يدي المنبر قبل البدء
بالخطبة إذا جلس الخطيب على المنبر ، وهذا
الأذان هو الذي کان یؤذن لكل من الوقت
والخطبة على عهد رسول الله ياټ ، وفي زمن
أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما ۔ ثم رأی عثمان
- رضي الله عنه - أن يؤذن أذانا أول للإعلام
بدخول الوقت ، وذلك بسبب كثرة الناس .
وأبقى الأذان الثاني بين يدي المنبر التزاما
للسنة (١).
(٢) - أن يخطب الخطيب خطبتين قائما،
يفصل بينهما بجلسة خفيفة يفتتحها بحمد
الله والثناء عليه ، والتشهد ، والصلاة على
النبي مَلّ ، ويزيد على ذلك في الخطبة
الثانية الدعاء للمؤمنين والمؤمنات (٢).
٣١ - وقد اختلف الفقهاء في حكم الطهارة
في الخطبة ، فذهب - الحنفية والمالكية
والحنابلة - إلى أن الطهارة سنة في الخطبة (٣)،
وذهبت الشافعية إلى اعتبارها شرطا فيها .
ودليل الذين لم يشترطوا الطهارة فيها : أن
(١) انظر حاشية ابن عابدين ١ /٥٧٦ .
(٢) انظر البدائع ٢٦٣/١، والدر المختار وحاشية ابن عابدين
عليه ١ / ٥٦٧ .
(٣) انظر المغني لابن قدامة ٢٥٣/٢، وشرح الجواهر الزكية
١٢٣ ٠
الخطبة من باب الذكر، والمحدث والجنب
لايمنعان من ذكر الله تعالى ، أما دليل
الآخرين : فهو مواظبة السلف على الطهارة
فيها ، والقياس على الصلاة(١).
استحباب كون الخطيب والإِمام واحدا :
٣٢ - يستحب أن لايؤم القوم إلا من خطب
فيهم ، لأن الصلاة والخطبة كشىء
واحد (٢)، قال في تنوير الأبصار: فإن
فعل بأن خطب صبي بإذن السلطان وصلى
بالغ جاز (٣)، غير أنه يشترط في الإِمام
حينئذ أن يكون ممن قد شهد الخطبة . قال
في البدائع : ولو أحدث الإِمام بعد
الخطبة قبل الشروع في الصلاة فقدم رجلا
يصلي بالناس : إن كان ممن شهد الخطبة أو
شيئا منها جاز، وإن لم يشهد شيئا من الخطبة
لم يجز، ويصلي بهم الظهر، وهو ماذهب
إليه جمهور الفقهاء (٤)
.
وخالف في ذلك المالكية ، فذهبوا إلى
وجوب كون الخطيب والإِمام واحدا إلا لعذر
كمرض ، وكأن لايقدر الإِمام على الخطبة ،
أو لا يحسنها (٥).
(١) البدائع ٢٦٣/١، ونهاية المحتاج للرملي ٣١١/٢.
(٢) منية المصلي ص ٢٤٦، والدر المختار ١ /٥٧٦ .
(٣) الدر المختار على هامش ابن عابدين ١ /٥٧٦ .
(٤) البدائع ٢٦٥/١، المغني ٣٠٧/٢، حاشية الجمل
٥٨/٢، كشاف القناع ٣٤/٢ .
(٥) راجع شرح الجواهر الزكية ١٢٣ .
-٢٠٦.

صلاة الجمعة ٣٣
ما يقرأ في صلاة الجمعة :
٣٣ - اتفق الفقهاء على أنه : يستحب
للإِمام أن يقرأ في الركعة الأولى (سورة
الجمعة) ، وفي الركعة الثانية (سورة
المنافقين) . لما روى عبيدالله بن أبي رافع
قال : ((صلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ (سورة
الجمعة) في الركعة الأولى ، وفي الركعة الآخرة
(إذا جاءك المنافقون) فلما قضى أبو هريرة
الصلاة أدركته فقلت : يا أبا هريرة إنك
قرأت بسورتين ، كان عليّ بن أبي طالب يقرأ
بهما بالكوفة فقال أبو هريرة : إني سمعت
رسول الله وَلا يقرأ بهما يوم الجمعة)) (١).
كما استحب جمهور الفقهاء - الحنفية
والشافعية والحنابلة - أيضا قراءة سورة (سبح
اسم ربك الأعلى) في الركعة الأولى و (هل
أتاك) في الركعة الثانية . لما روى النعمان بن
بشير قال: ((كان رسول الله وَله يقرأ في
العيدين وفي الجمعة (سبح اسم ربك
الأعلى) و(هل أتاك حديث الغاشية)) (٢).
قال الكاساني : لكن لايواظب على
قراءتها بل يقرأ غيرها في بعض الأوقات حتى
(١) حديث أبي هريرة: ((قرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى)).
أخرجه مسلم (٥٩٧/٢ - ٥٩٨ - ط. الحلبي).
(٢) حديث النعمان بن بشير: ((كان رسول الله له يقرأ في
العيدين .. ))
أخرجه مسلم (٥٩٨/٢ - ط. الحلبي) .
لايؤدي إلى هجر بعض القرآن ، ولئلا تظنه
العامة حتما .
وصرح الماوردي من الشافعية بأن قراءة
(الجمعة ، والمنافقين) أولى .
قال النووي : كان ◌َله يقرأ بهاتين في
وقت ، وهاتین في آخر فهما سنتان .
وصرح المحلي من الشافعية : بأنه لو ترك
قراءة (سورة الجمعة) في الأولى قرأها مع
(المنافقين) في الثانية ، ولو قرأ (المنافقين) في
الأولى قرأ (الجمعة) في الثانية . كي لا تخلو
صلاته عن هاتين السورتين .
ويندب عند المالكية أن يقرأ في الركعة
الثانية - أيضا - بسورة (هل أتاك) ، أو
(سبح اسم ربك الأعلى) .
قال الدسوقي : إنه مخير في القراءة في
الركعة الثانية بين الثلاث - (هل أتاك) أو
(سبح) أو (المنافقون) - وأن كلا يحصل به
الندب ، لكن (هل أتاك) أقوى في الندب ،
وهذا ما اعتمده مصطفى الرماصي . وفي
كلام بعضهم مايفيد أن المسألة ذات قولين ،
وأن الاقتصار على (هل أتاك) مذهب
المدونة ، وأن التخيير بين الثلاث قول
الكافي (١) .
(١) بدائع الصنائع ٢٦٩/١، وحاشية الدسوقي ٣٨٣/١،
نهاية المحتاج ٣١٦/٢، المحلي على المنهاج بهامش
القليوبي وعميرة ٢٨٣/١، كشاف القناع ٣٨/٢،=
- ٢٠٧ -

صلاة الجمعة ٣٤ - ٣٦
مفسدات الجمعة :
تنقسم إلى نوعين :
مفسدات مشتركة ، ومفسدات خاصة :
٣٤ - فأما المفسدات المشتركة : فهي كل
مايفسد سائر الصلوات (ر: صلاة)
٣٥ - وأما مفسداتها الخاصة بها فتنحصر في
الأمور التالية :
أولها : خروج وقت الظهر قبل الفراغ منها
فیصلیها ظهرا ، ويستوي في الفساد خروج
الوقت قبل المباشرة بها ، وخروجه بعد المباشرة
بها وقبل الانتهاء منها (١) هذا عند الحنفية ،
ونحوه للشافعية فإنها تنقلب ظهرا ولا تكون
جمعة ، وقال الحنابلة : إن أحرموا بها في
الوقت فهي جمعة .
وهذا يعنى : أن اشتراط وقت الظهر لها
مستمر في الاعتبار إلى لحظة الفراغ منها قال
في تنوير الأبصار : لأن الوقت شرط الأداء
لاشرط الافتتاح .
وقال المالكية : شرط الجمعة وقوع كلها
بالخطبة وقت الظهر للغروب (٢).
= الإنصاف ٣٩٩/٢، المغني لابن قدامة ٣١١/٢ .
(١) انظر البدائع ٢٦٩/١، والدر المختار ١ /٥٦٦، شرح
الروض المربع للبهوتي ٢ /٤٣٥ .
(٢) تنوير الأبصار بهامش ابن عابدين ٥٦٦/١، حاشية
الدسوقي ٣٧٢/١.
ثانيها : انفضاض الجماعة أثناء أدائها ،
قبل أن تقيد الركعة الأولى بالسجدة فيصليها
ظهرا . وذلك على ماذهب إليه الأئمة
القائلون : بأن الجماعة شرط أداء ، وأما على
مارجحه الآخرون ، فلا أثر لانفساخها بعد
الانعقاد وإن لم تقيد الركعة الأولى جماعة .
وللشافعية ثلاثة أقوال : الأظهر : يتمها
ظهرا ، والثاني : إن بقي معه اثنان يتمها
جمعة ، والثالث : إن بقي معه واحد يتمها
جمعة (١)
وسبب هذا الخلاف : أن الجماعة شرط
أداء لصحة الجمعة عند بعض الأئمة ، وهي
عند بعضهم شرط انعقاد .
قضاء صلاة الجمعة :
٣٦ - صلاة الجمعة لاتقضى بالفوات ، وإنما
تعاد الظهر في مكانها . قال في البدائع :
وأما إذا فاتت عن وقتها ، وهو وقت الظهر ،
سقطت عند عامة العلماء ، لأن صلاة
الجمعة لاتقضى ؛ لأن القضاء على حسب
الأداء ، والأداء فات بشرائط مخصوصة يتعذر
تحصيلها على كل فرد ، فتسقط ، بخلاف
سائر المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها (٢) وهذا
محل اتفاق .
(١) حلية العلماء ٢٣٠/٢، حاشية الدسوقي
٣٧٧،٣٧٦/١ .
.
(٢) البدائع ٢٦٩/١ .
- ٢٠٨ -

٠٠ .....
صلاة الجمعة ٣٧
اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد :
٣٧ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه إذا وافق
العيد يوم الجمعة فلا يباح لمن شهد العيد
التخلف عن الجمعة . قال الدسوقي :
وسواء من شهد العيد بمنزله في البلد ، أو
خارجها . وذهب الحنابلة إلى أنه إذا اجتمع
العيد والجمعة في يوم واحد فصلّوا العيد
والظهر جاز وسقطت الجمعة عمّن حضر
العيد؛ لأن النبي وَله ((صلى العيد، وقال :
من شاء أن يجمع فليجمع)) (١) وصرحوا بأن
إسقاط الجمعة حينئذ إسقاط حضور لا
إسقاط وجوب ، فیکون حکمه کمریض
ونحوه ممن له عذر أو شغل يبيح ترك
الجمعة ، ولا يسقط عنه وجوبها فتنعقد به
الجمعة ويصح أن يؤم فيها . والأفضل له
حضورها خروجا من الخلاف . ويستثنى من
ذلك الإِمام فلا يسقط عنه حضور الجمعة ،
لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي
حَ لثر قال: ((قد اجتمع في يومكم هذا
عيدان ، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا
(١) حديث: ((من يشاء أن يجمع فليجمع)).
أخرجه أحمد (٣٧٢/٤ - ط. الميمنية) من حديث زيد بن
أرقم، ونقل ابن حجر في التلخيص (٨٨/٢ - ط. شركة
الطباعة الفنية) عن ابن المنذر أنه أعله بجهالة راويه عن
زيد بن أرقم ، ثم ذكر شواهد له منها الحديث الآتي
ذكره .
مجمعون)) (١)
ولأنه لو تركها لامتنع فعلها في حق من
تجب عليه ، ومن يريدها ممن سقطت عنه ،
وقالوا : إن قدم الجمعة فصلاها في وقت
العيد ، فقد روي عن أحمد قال : تجزىء
الأولى منهما . فعلى هذا : تجزيه عن العيد
والظهر، ولا يلزمه شىء إلى العصر عند من
جوز الجمعة في وقت العيد .
وأجاز الشافعية في اليوم الذي يوافق فيه
العيد يوم الجمعة لأهل القرية الذين يبلغهم
النداء لصلاة العيد : الرجوع وترك الجمعة ،
وذلك فيما لو حضروا لصلاة العيد ولو رجعوا
إلى أهليهم فاتتهم الجمعة ؛ فيرخص لهم في
ترك الجمعة تخفيفا عليهم . ومن ثم لو تركوا
المجىء للعيد وجب عليهم الحضور
للجمعة ، ويشترط - أيضا - لترك الجمعة أن
ينصرفوا قبل دخول وقت الجمعة (٢).
آداب صلاة الجمعة ويومها :
اختص يوم الجمعة واختصت صلاتها
(١) حديث: ((اجتمع في يومكم هذا عيدان من شاء أجزأه
من الجمعة وإنا مجمعون)»
أخرجه أبوداود (٦٤٧/١ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
وصحح الدارقطني ارساله ، كذا في التلخيص لابن حجر
(٨٨/٢)، ولكنه ذکر شواهد تقويه .
(٢) تبيين الحقائق ٢٢٤/١، حاشية الدسوقي ٣٩١/١،
البجيرمي على الخطيب (١٦٧/٢ ط. مصطفى الحلبي
١٩٥١م)، كشاف القناع ٤٠/٢، والمغني ٣٥٨/٢ -
٣٥٩ .
- ٢٠٩ -

صلاة الجمعة ٣٧ - ٤١
بآداب تشمل مجموعة أفعال وتروك ، مجملها
فيما يلي :-
أولا : مايسنّ فعله :
٣٨ - یسن له أن يغتسل ، وأن یمس طیبا
ویتجمل ، ويلبس أحسن ثيابه ، حدیث
عائشة - رضي الله عنها - مرفوعا: ((لو أنكم
تطهرتم ليومكم هذا)) (١) ، وفي رواية عن
أحمد : الغسلَ لها واجب .
قال صاحب البدائع في بيان علة ذلك :
لأن الجمعة من أعظم شعائر الإِسلام ،
فيستحب أن يكون المقيم لها على أحسن
وصف (٢) كما يسن التبكير في الخروج إلى
الجامع والاشتغال بالعبادة إلى أن يخرج
الخطيب (٣).
وهذا كله مما اتفقت الأئمة على ندبه .
وانفرد المالكية - أيضا - فاشترطوا في الغسل
أن يكون متصلا بوقت الذهاب إلى الجامع ،
قال في الجواهر الزكية : فإن اغتسل واشتغل
بغذاء أو نوم أعاد الغسل على المشهور، فإذا
خف الأكل ، أو النوم فلا شىء عليه في
ذلك (٤) .
(١) حديث: ((لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا))
أخرجه البخاري (الفتح ٣٨٥/٢ - ط. السلفية) ومسلم
(٥٨١/٢ - ط. الحلبي).
(٢) بدائع الصنائع ١ /٢٧٢، شرح الروض المربع ٤٧٠/٢.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ /٥٧٨ والمرجع السابق .
(٤) الجواهر الزكية ص ١٢٤ .
ثانيا : مايسنّ تركه :
٣٩ - أولا : أكل كل ذي ريح كريهة : كثوم
وبصل ونحوهما .
٤٠ - ثانيا : تخطي الرقاب في المسجد ، وهو
محرم إذا كان الخطيب قد أخذ في الخطبة ،
إلا أن لايجد إلا فرجة أمامه ولا سبيل إليها إلا
بتخطي الرقاب ، فيرخص في ذلك
للضرورة (١).
٤١ - ثالثا : تجنب الاحتباء والإِمام يخطب .
وهذا ماذهب إليه الشافعية ، حيث صرحوا
بكراهته . قال النووي : والصحيح أنه
مكروه ؛ فقد صح أن رسول الله وقالآ ((نهى
عن الحبوة يوم الجمعة والإِمام يخطب)) (٢)
وقال الخطابي من أصحابنا : نهي عنه لأنه
يجلب النوم ، فيعرض طهارته للنقض
ويمنعه من استماع الخطبة. ولم ير جمهور الفقهاء
به بأسا حيث صرحوا بجوازه (٣) (ر: احتباء)
كما صرح الشافعية بكراهة تشبيك
الأصابع . قال النووي : يكره أن يشبك بين
(١) راجع الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٥٧٨/١
وحاشية الدسوقي ٣٩٠/١ .
(٢) حديث: ((نهى عن الحبوة يوم الجمعة))
أخرجه الترمذي (٣٩٠/٢ - ط. الحلبي) من حديث معاذ
ابن أنس، وقال : حديث حسن .
(٣) الفتاوى الهندية ١٤٨/١، حاشية الدسوقي ٣٨٥/١،
روضة الطالبين ٣٣/٢، كشاف القناع ٣٧/٢.
- ٢١٠ -

صلاة الجمعة ٤١، ٤٢ ، صلاة الجنازة ، صلاة الحاجة: ١ - ٢
أصابعه أو يعبث حال ذهابه إلى الجمعة
وانتظاره لها (١).
٤٢ - يحرم عند الجمهور إنشاء سفر بعد
الزوال (وهو أول وقت الجمعة) من المصر
الذي هو فيه ، إذا كان ممن تجب عليه
الجمعة ، وعلم أنه لن يدرك أداءها في مصر
آخر. فإن فعل ذلك فهو آثم على الراجح
مالم يتضرر بتخلفه عن رفقته . وهذا ماذهب
إليه جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية
والحنابلة - حيث صرحوا بحرمة السفر بعد
الزوال . كما صرح المالكية والحنابلة بكراهة
السفر بعد طلوع فجر يوم الجمعة (٢).
وذهب الشافعي في الجديد : إلى أن
حرمة السفر تبدأ من وقت الفجر وهو المفتى
به في المذهب ، ودليله : أن مشروعية
الجمعة مضافة إلی الیوم کلہ لا إلی خصوص
وقت الظهر، بدلیل وجوب السعي إليها قبل
الزوال علی بعيد الدار (٣).
صَلَاةُ الْجْنَازة
انظر : جنائز
(١) روضة الطالبين ٤٧/٢.
(٢) انظر الدر المختار وحاشية ابن عابدين علیه ٥٥٣/١،
حاشية الدسوقي ٣٨٧/١، كشاف القناع ٢٥/٢ .
(٣) القليوبي وعميرة ٢٧٠/١.
صَلاَةُ الْحَاجَة
التعريف :
١ - الصلاة ينظر تعريفها في مصطلح
(صلاة)
والحاجة في اللغة : المأربة ، والتَّحوّج :
طلب الحاجة بعد الحاجة ، والحّوْج :
الطلب، والحوج : الفقر (١).
ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ الحاجة
عن المعنى اللغوى (٢).
وللأصوليين تعريف خاص للحاجة :
فقد عرفها الشاطبي فقال : هي ما يفتقر إليه
من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في
الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت
المصلحة ، فإذا لم تراع دخل على المكلفين -
على الجملة - الحرج والمشقة (ر: حاجة
ف ١ من الموسوعة ج ١٦)
الحكم التكليفي :
٢ - اتفق الفقهاء على أن صلاة الحاجة
مستحبة .
(١) لسان العرب والمعجم الوسيط .
(٢) ابن عابدين ٦/٢
- ٢١١ -

صلاة الحاجة ٢ - ٥
واستدلوا بما أخرجه الترمذي عن عبد الله
ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله وَلـ: ((من
كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني
آدم فليتوضأ فليحسنْ الوضوء ، ثم ليصلّ
ركعتين ، ثم ليثْنِ على الله ، وليصلّ على
النبي ◌َليه، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم
الكريم ، سبحان الله رب العرش العظيم ،
الحمد لله رب العالمين ، أسألك موجبات
رحمتك ، وعزائم مغفرتك والغنيمة من كلّ
بر، والسلامة من کل إثم ، لا تدع لي ذنبا
إلا غفرته ، ولا همّا إلا فرجته ، ولا حاجة
هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم
الراحمين)) (١).
رواه ابن ماجه وزاد بعد قوله : ((يا أرحم
الراحمين : ثم يسأل من أمر الدنيا والآخرة
ما شاء فإنه يقدّر)) (٢)
كيفية صلاة الحاجة (عدد الركعات وصيغ
الدعاء) :
٣ - اختلف في عدد ركعات صلاة الحاجة ،
فذهب المالكية والحنابلة ، وهو المشهور عند
(١) حديث: ((من كانت له إلى الله حاجة ... )) أخرجه
الترمذي (٣٤٤/٢ - ط الحلبي) وابن ماجه (٤٤١/١ -
ط الحلبي) وقال الترمذي: ((حديث غريب، وفي إسناده
مقال ، فائد بن عبد الرحمن يضعف في الحديث)) .
(٢) أسنى المطالب ١ / ٢٠٥ وكشاف القناع ١ /٤٤٣، وابن
عابدين ٤٦٢/١، والترغيب والترهيب ٤٧٦/١،
والدسوقي ٣١٤/١
الشافعية ، وقول عند الحنفية إلى أنها
ركعتان ، والمذهب عند الحنفية أنها : أربع
ركعات ، وفي قول عندهم وهو قول
الغزالي : إنها اثنتا عشرة ركعة وذلك
لاختلاف الروايات الواردة في ذلك ، کما
تنوعت صيغ الدعاء لتعدد الروايات (١) .
وبيان ذلك فيما يأتي :
أولا : روايات الركعتين وفيها اختلاف
الدعاء :
٤ - رواية عبد اللّه بن أبي أوفى ، وفيها أن
صلاة الحاجة ركعتان مع ذكر الدعاء الذي
أرشد إليه النبي وَّر، وهي الرواية التي سبق
ذكرها في الحكم (ف ٢).
٥ - حديث أنس - رضي الله عنه -
ولفظه أن النبي بَ لّ قال: ((يا علي: ألا
أعلمك دعاء إذا أصابك غم أو هم تدعو به
ربك فيستجاب لك بإذن الله ويفرج عنك :
توضأ وصل ركعتين ، واحمد الله واثن عليه
وصل على نبيك واستغفر لنفسك وللمؤمنين
والمؤمنات ثم قل : اللهم أنت تحكم بين
عبادك فيما كانوا فيه يختلفون لا إله إلا الله
العلي العظيم ، لا إله إلا الله الحليم
الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ،
(١) حاشية ابن عابدين ٤٦٢/١، والترغيب والترهيب
٤٧٣/١ - ٤٧٨، والمراجع السابقة
- ٢١٢ -

صلاة الحاجة ٥ - ٧ ، صلاة الخسوف
ورب العرش العظيم، والحمد لله رب
العالمين ، اللهم كاشف الغم ، مفرج الهم
مجيب دعوة المضطرين إذا دعوك ، رحمن
الدنيا والآخرة ورحیمهما ، فارحمني في حاجتي
هذه بقضائها ونجاحها رحمة تغنيني بها عن
رحمة مَنْ سِوَاك)) (١).
ثانيا : رواية الأربع :
٦ - وهي مروية عن الحنفية قال ابن عابدين
نقلا عن التجنيس وغيره : إن صلاة الحاجة
أربع ركعات بعد العشاء ، وأن في الحديث
المرفوع: ((يقرأ في الأولى الفاتحة مرة وآية
الكرسي ثلاثا، وفي كل من الثلاث الباقية يقرأ
الفاتحة والإِخلاص والمعوذتين مرة مرة كنّ له
مثلهن من ليلة القدر)).
قال ابن عابدين : قال مشايخنا : صلينا
هذه الصلاة فقضيت حوائجنا (٢).
ثالثا : رواية الاثنتي عشرة ركعة والدعاء
الوارد فيها :
٧ - روي عن وهیب بن الورد أنه قال : إن
من الدعاء الذي لا يرد أن يصلي العبد ثنتي
عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بأم الكتاب وآية
(١) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٤٧٧/١ وعزاه إلى
الأصفهاني في الترغيب له كذلك
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٢
الكرسي وقل هو الله أحد ، فإن فرغ خر
ساجدا ، ثم قال : سبحان الذي لبس العز
وقال به ، سبحان الذي تعطف بالمجد وتکرم
به ، سبحان الذي أحصى كل شيء
بعلمه ، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا
له ، سبحان ذي المن والفضل ، سبحان
ذي العز والكرم ، سبحان ذي الطول ،
أسألك بمعاقد العز من عرشك ، ومنتهى
الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك
الأعلى ، وكلماتك التامات العامات التي
لا يجاوزهن برّ ولا فاجر أن تصلي على محمد
وعلى آل محمد : ثم يسأل حاجته التي لا
معصية فيها ، فیجاب إن شاء الله (١).
صَلَةُ الْخُسُوف
انظر : صلاة الكسوف
(١) إحياء علوم الدين ١ /٢٠٦ - ٢٠٧
- ٢١٣ -

صلاة الخوف ١ - ٢
صَلَّةُ الخَوْف
التعريف :
١ - تعريف الصلاة ينظر في مصطلح
( صلاة ).
أما الخوف : فهو توقع مكروه عن أمارة
مظنونة أو متحققة . وهو مصدر بمعنى
الخائف ، أو بحذف مضاف : الصلاة في
حالة الخوف (١) ويطلق على القتال ، وبه
فسّر اللحياني قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء
من الخوف والجوع﴾ (٢) الآية. كما فسّر قوله
تعالى : ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن
أو الخوف أذاعوا به﴾ (٣).
وليس المراد من إضافة الصلاة إلى
الخوف أن الخوف يقتضي صلاة مستقلة
کقولنا : صلاة العيد ، ولا أنه يؤثر في قدر
الصلاة ووقتها كالسفر، فشروط الصلاة ،
وأركانها ، وسننها ، وعدد ركعاتها في الخوف
كما في الأمن ، وإنما المراد أن الخوف يؤثر في
كيفية إقامة الفرائض إذا صلّيت جماعة ، وأن
(١) البجيرمي على الخطيب ٢٢٢/٢، ولسان العرب.
(٢) سورة البقرة / ١٥٥
(٣) سورة النساء / ٨٣
الصلاة في حالة الخوف تحتمل أمورا لم تكن
تحتملها في الأمن ، وصلاة الخوف هي :
الصلاة المكتوبة يحضر وقتها والمسلمون في
مقاتلة العدو أو في حراستهم (١) .
الحكم التكليفي :
٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعية صلاة
الخوف في حياة النبي ◌َّ، وبعد وفاته ،
وإلى أنها لا تزال مشروعة إلى يوم القيامة ،
وقد ثبت ذلك بالكتاب ، قال تعالى :
﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم
طائفة منهم معك﴾ (٢) الآية .
وخطاب النبي وَل# خطاب لأمته ، مالم
يقم دليل على اختصاصه ، لأن الله أمرنا
باتباعه ، وتخصيصه بالخطاب لا يقتضي
تخصيصه بالحكم ، كما ثبت بالسنة القولية ،
كقوله چير: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٣)
وهو عام .
والسنة الفعلية فقد صح أنه - صلى الله
عليه وسلم - صلاها . وبإجماع الصحابة،
(١) البدائع ٢٤٣/١ وكفاية الطالب الرباني وشرحه بحاشية
العدوي ٢٩٦/١، روضة الطالبين ٤٩/٢، المجموع
٤٠٤/٤، بجيرمي على الخطيب ٢٢٢/٢، المغني
٤٠٢/٢، كشاف القناع ١٥/٢
(٢) سورة النساء / ١٠٢
(٣) حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) أخرجه البخاري
(الفتح ١١١/٢ - ط السلفية) من حديث مالك بن
الحويرث
- ٢١٤ -

صلاة الخوف ٢ - ٣
فقد ثبت بالآثار الصحيحة عن جماعة من
الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم صلّوها
في مواطن بعد وفاة الرسول صل18 في مجامع
بحضرة كبار من الصحابة ، وممن صلاها
علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في حروبه
بصفين وغيرها ، وحضرها من الصحبة
خلائق کثیرون منهم : سعيد بن العاص ،
وسعد بن أبي وقاص وأبو موسى الأشعري
وغيرهم من كبار الصحابة - رضي الله عنهم -
وقد روى أحاديثهم البيهقي وبعضها في سنن
أبي داود .
ولم يقل أحد من هؤلاء الصحابة الذين
رأوا صلاة النبي رَليّ في الخوف بتخصيصها
بالنبي ◌َّة .
وقال أبو يوسف من الحنفية : كانت
مختصة بالنبي ◌َّ واحتج بالآية السابقة (١)
وذهب المزني من الشافعية إلى أن صلاة
الخوف كانت مشروعة ثم نسخت واحتج بأن
النبي مدير فاتته صلوات يوم الخندق ، ولو
كانت صلاة الخوف جائزة لفعلها .(٢)
مواطن جواز صلاة الخوف :
٣ - تجوز صلاة الخوف عند شدة الخوف في
(١) المجموع ٤٠٤/٤، ٤٠٥، روضة الطالبين ٤٩/٢،
كشاف القناع ١٠/٢، المغني ٤٠٠/٢، بدائع
٢٤٢/١ - ٢٤٣، الفروع ٧٥/٢، بلغة السالك على
الشرح الصغير ١٨٥/١
(٢) المصادر السابقة .
قتال الحربيين ، لقوله تعالى : ﴿وإذا كنت
فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم
معك ، وليأخذوا أسلحتهم ، فإذا سجدوا
فليكونوا من ورائكم﴾ (١) الآية ، وكذلك
تجوز في كل قتال مباح ، كقتال أهل البغي ،
وقُطّاع الطرق ، وقتال من قصد إلى نفس
شخص ، أو أهله أو ماله ، قياسا على قتال
الحربيين ، وجاء في الأثر: ((من قتل دون
ماله فهو شهيد . ومن قتل دون دينه فهو
شهيد . ومن قتل دون دمه فهو شهيد . ومن
قتل دون أهله فهو شهيد)) (٢) .
والرخصة في هذا النوع لا تختص
بالقتال ، بل متعلق بالخوف مطلقا (٣). فلو
هرب مِن سيل ، أو حريق ولم يجد معدلاً عنه،
أو هرب من سبع فله أن يصلي صلاة شدة
الخوف ، إذا ضاق الوقت وخاف فوت
الصلاة ، وكذا المديون المعسر العاجز عن
إثبات إعساره ، ولا يصدقه المستحق ،
وعلم أنه لو ظفر به حبسه (٤).
(١) سورة النساء / ١٠٢
(٢) حديث: ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن ... ))
أخرجه الترمذي (٣٠/٤ - ط الحلبي) من حديث سعيد
ابن زيد، وقال : حديث حسن صحيح .
(٣) المصادر السابقة، ورضة الطالبين ٦٢/٢
(٤) روضة الطالبين ٦٢/٢، المغني ٢ /٤١٧ ط الرياض،
والشرح الصغير ٢٢٣/١ مطبعة المدني ، روض الطالب
٢٧٤/١
- ٢١٥ -

صلاة الخوف ٣ - ٦
ولا تجوز في القتال المحرّم كقتال أهل
العدل ، وقتال أهل الأموال لأخذ أموالهم ،
وقتال القبائل عصبية ، ونحو ذلك لأنها
رخصة وتخفيف ، فلا يجوز أن يتمتع بها
العصاة ، لأن في ذلك إعانة على المعصية ،
وهو غير جائز، وتجوز في السفر والحضر،
والفرض ، والنفل غير المطلق ، والأداء ،
والقضاء (١).
كيفية صلاة الخوف :
٤ - اختلف الفقهاء في كيفية صلاة الخوف ،
لتعدد الروايات عن النبي ◌ّية في كيفيتها ،
وأخذ كلّ صفة من الصفات الواردة عن
النبي وسلم طائفة من أهل العلم . كما
اختلفوا في عدد الأنواع الواردة عن النبي
وَله . فقال الشافعية : إن الأنواع التي
جاءت في الأخبار ستة عشر نوعا ، كما ذكر
النووي ، وبعضها في صحيح مسلم ،
وبعضها في سنن أبي داود ، وفي ابن حبان
منها تسعة .
وقال ابن القصار من المالكية : إن النبي
وَيّ صلاها في عشرة مواطن ، وقال أحمد :
إنها وردت في ستة أوجه أو سبعة ، ومنهم من
أوصل أنواعها إلى أربعة وعشرين نوعا ،
وكلها جائز، فقال أحمد : كل حديث يروى
(١) المصادر السابقة .
في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز. لأن
النبي - وَلّ - صلّها في مرات، وأيام مختلفة
وأشكال متباينة ، يتحرى في كلّها ما هو
أحوط للصلاة ، وأبلغ في الحراسة ، فهي
على اختلاف صورها متفقة في المعنى (١).
عدد ركعات صلاة الخوف :
٥ - لاينتقص عدد ركعات الصلاة بسبب
الخوف ، فيصلي الإِمام بهم ركعتين ، إن
كانوا مسافرين وأرادوا قصر الصلاة ، أو
كانت الصلاة من ذوات ركعتين ، كصلاة
الفجر، أو الجمعة ، ويصلي بهم ثلاثا أو
أربعا إن كانت الصلاة من ذوات الثلاث ،
أو الأربع وكانوا مقيمين ، أو مسافرين أرادوا
الإتمام .
وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء ، وهو قول
عامة الصحابة .
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
أنه كان يقول: ((إن صلاة الخوف
ركعة)) (٢).
بعض الأنواع المروية في صلاة الخوف :
٦ - الأول: صلاته وَّ: بذات الرقاع،
(١) بدائع الصنائع ٢٤٢/١، نيل الأوطار جـ ٤ في باب
صلاة الخوف، مغني المحتاج ١ / ٣٠١ المغني ٤١٢/٢
(٢) نيل الأوطار ٤/٤، روضة الطالبين ٤٩/٢، بدائع
الصنائع ٢٤٣/١، المغني ٤٠١/٢ .
- ٢١٦ -

صلاة الخوف ٦ - ٧
فيفرق الإِمام الجيش إلى فرقتين : فرقة تجعل
في وجه العدو، وفرقة ینحاز بها إلی حیث لا
تبلغهم سهام العدو، فيفتتح بهم الصلاة ،
ويصلي بهم ركعة في الثنائية : الصبح
والمقصورة ، وركعتين في الثلاثية والرباعية ،
هذا القدر من هذه الكيفية اتفقت المذاهب
الأربعة عليه .
واختلفوا فيما يفعل بعد ذلك ، فذهب
المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إذا قام إلى
الثانية في الثنائية ، وإلى الثالثة في الثلاثية
والرباعية خرج المقتدون عن متابعته ، وأتموا
الصلاة لأنفسهم ، وذهبوا إلى وجه العدو،
وتأتي الطائفة الحارسة . ويطيل الإِمام إلى
لحوقهم ، فإذا لحقوه صلى بهم الركعة الثانية
في الثنائية ، والثالثة في الثلاثية ، والثالثة
والرابعة في الرباعية من صلاته ، فإذا جلس
للتشهد قاموا وأتموا الصلاة ، والإِمام
ينتظرهم ، فإذا لحقوه سلم بهم .
إلا أن مالكا قال : يسلم الإِمام ولا
ينتظرهم ، فإذا سلم قضوا ما فاتهم من
الصلاة من ركعة ، أو ركعتين بفاتحة وسورة
جهرا في الجهرية .
وقد اختار الشافعي وأصحابه هذه الصفة
لسلامتها من كثرة المخالفة ولأنها أحوط لأمر
الحرب ، وأقل مخالفة لقاعدة الصلاة (١).
وقال أبو حنيفة : إذا قام إلى الثانية لم يتم
المقتدون به الصلاة بل يذهبون إلى مكان
الفرقة الحارسة وهم في الصلاة فيقفون
سكوتا ، وتأتي تلك الطائفة وتصلي مع الإِمام
ركعته الثانية فإذا سلم ذهبت إلى وجه
العدو، وجاء الأولون إلى مكان الصلاة وأتموا
أفذاذا ، وجاءت الطائفة الأخرى ، وصلوا
ما بقي لهم من الصلاة وتشهدوا وسلموا (٢).
وهو قول عند الشافعية .
٧ - الثاني : أن يجعل الإِمام الجيش فرقتين :
فرقة في وجه العدو ، وفرقة محرم بها ، ويصلي
بهم جميع الصلاة ، ركعتين كانت ، أم
ثلاثا ، أم أربعا ، فإذا سلّم بهم ذهبوا إلى
وجه العدو وجاءت الفرقة الأخری فیصلي بهم
تلك الصلاة مرة ثانية ، وتكون له نافلة ،
ولهم فريضة، وهذه صلاته وَلَه ببطن
نخل ، وتندب هذه الكيفية إذا كان العدو في
غير جهة القبلة ، وكان في المسلمين كثرة
والعدو قليل وخيف هجومهم على
المسلمين (٣) ولا يقول بهذه الكيفية من الأئمة
(١) روضة الطالبين ٥٢/٢، المغني ٤٠٢/٢، الشرح
الصغير ٢/٢ ط : عيسى البابي الحلبي .
(٢) البدائع ١ /٢٤٢، الهداية ٨٥/١، فتح القدير ٦٤/٢
(٣) روضة الطالبين ٤٩/٢، المجموع ٤٠٧/٤، المحلي على
المنهاج ٢٩٧/١، أسنى المطالب ٢٧٠/١، المغني
٤١٢/٢
- ٢١٧ -

صلاة الخوف ٧ - ٨
من لايجيز اقتداء المفترض بالمنتفل (١).
٨ - الثالث : أن يرتبهم الإِمام صفين ،
ويحرم بالجميع فيصلون معا ، يقرأ ويركع ،
ويعتدل بهم جميعا ، ثم يسجد بأحدهما ،
وتحرس الأخرى حتى يقوم الإِمام من
سجوده ، ثم يسجد الآخرون ، ويلحقونه
في قيامه ، ويفعل في الركعة الثانية كذلك ،
ولكن يحرس فيها من سجد معه أولا ،
ویتشهد ، ويسلم بهم جميعا . وهذه صلاته
بعسفان .
ويشترط في استحباب هذه الكيفية :
كثرة المسلمين ، وكون العدو في جهة القبلة
غير مستتر بشيء يمنع رؤيته .
وله أن یرتبهم صفوفا ، ثم يحرس
صفان ، فإن حرس بعض كل صف بالمناوبة
جاز، وكذا لو حرست طائفة في الركعتين ،
لحصول الغرض بكل ذلك ، والمناوبة
أفضل ، لأنها الثابتة في الخبر، ولو تأخر
الصف الثاني الذي حرس في الركعة الثانية
ليسجدوا ، وتأخر الصف الأول الذي سجد
أولا لیحرس ولم یمشوا أكثر من خطوتین کان
أفضل ، لأنه الثابت في خبر مسلم (٢) .
هذه الصفة رواها جابر، قال : ((شهدت
(١) البدائع ٢٤٤/١
(٢) البدائع ٢٤٤/١ روض الطالب ٢٧٠/١، روضة
الطالبين ٥٠/٢، المغني ٤١٢/٢
مع رسول الله صل* صلاة الخوف ، فصفّنا
صفَّين: صف خلف رسول الله القادر ،
والعدو بيننا وبين القبلة، فكّرّ النبي وَل،
وکبرنا جمیعا ، ثم ركع ورکعنا جميعاً ، ثم رفع
رأسه من الركوع ، ورفعنا جميعا . ثم انحدر
بالسجود والصف الذي يليه ، وقام الصف
المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ◌َّة
السجود وقام الصف الذي يليه ، انحدر
الصف المؤخر بالسجود وقاموا ، ثم تقدم
الصف المؤخر وتأخر الصف المتقدم ، ثم
ركع النبي ◌َّ وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه
من الركوع ، ورفعنا جميعا ، ثم انحدر
بالسجود ، والصف الذي يليه الذي كان
مؤخرا في الركعة الأولى ، وقام الصف المؤخر
في نحور العدو، فلما قضى النبي (وَلّ
السجود والصف الذي يليه ، انحدر الصف
المؤخر بالسجود فسجدوا ، ثم سلّم النبي
﴿﴿ وسلمنا جميعا))(١).
وهذه الأنواع الثلاثة مستحبة لا واجبة ،
فلو صلوا فرادى أو انفردت طائفة من
الإِمام ، أو صلى الإِمام ببعضهم كل
الصلاة ، وبالباقين غيره جاز، ولكن تفوت
(١) حديث: جابر بن عبد الله: ((شهدت مع رسول اللّه ◌َل﴾
صلاة الخوف»
أخرجه مسلم (١ / ٥٧٤ - ٥٧٥ - ط الحلبي) .
- ٢١٨ -

صلاة الخوف ٨ - ٩
فضيلة الجماعة على المنفرد (١)
٩ - الرابع : صلاة شدة الخوف : إذا اشتد
الخوف فمنعهم من صلاة الجماعة على
الصفة المتقدمة ولم يمكن قسم الجماعة ،
لكثرة العدو، ورجوا انكشافه قبل خروج
الوقت المختار، بحيث يدركون الصلاة
فيه ، أخروا استحبابا .
فإذا بقي من الوقت ما يسع الصلاة صلوا
إيماء ، وإلا صلوا فرادى بقدر طاقتهم ، فإن
قدروا على الركوع والسجود فعلوا ذلك ،
أوصلوا مشاة أو ركبانا ، مستقبلي القبلة وغير
مستقبليها ، ثم لا إعادة عليهم إذا أمنوا ،
لا في الوقت ولا بعده .
والأصل فيما ذكر قوله تعالى: ﴿فإن
خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ (٢). وقال ابن
عمر- رضي الله عنهما - : ((فإن كان خوف
أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على
أقدامهم ، أو ركبانا مستقبلي القبلة ، أو غير
مستقبليها)) متفق عليه .
وزاد البخاري قال نافع : لا أرى
عبد الله ابن عمر قال ذلك إلا عن رسول
وَلَى (٣)
(١) روض الطالب ٢٧٢/١، روضة الطالبين ٥٠/٢،
كشاف القناع ١١/٢ - ١٢ حاشية الدسوقي ٣٩٣/١
(٢) سورة البقرة / ٢٣٩
(٣) حديث ابن عمر: ((فإن كان خوف أشد من ذلك)) أخرجه=
وإن عجزوا عن الركوع والسجود أومأوا
بهما ، وأتوا بالسجود أخفض من الركوع .
وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء (١).
١٠ - واختلفوا في جواز القتال في الصلاة ،
فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز القتال في
هذه الحالة الشديدة في الصلاة ، ويعفى عما
فيه من الحركات ، من الضربات والطعنات
المتواليات ، والإمساك بسلاح ملطخ بالدم ،
للحاجة ، وقوله تعالى: ﴿وليأخذوا
أسلحتهم﴾ (٢) وأخذ السلاح لا يكون إلا
للقتال ، وقياسا على المشي والركوب اللذين
جاءا في الآية (٣).
وقال الحنفية : يشترط لجواز الصلاة بهذه
الكيفية : ألا يقاتل ، فإن قاتل فسدت
صلاته ، وقالوا : لأنَّ النبي ◌َّ شغل عن
أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن في
الليل (٤) وقال: ((شغلونا عن الصلاة
= البخاري (الفتح ١٩٩/٨ - ط السلفية) ومسلم
(٥٧٤/١ - ط الحلبي) .
(١) روضة الطالبين ٦٠/٢، روض الطالب ٢٧٣/٢،
كشاف القناع ١٨/٢، المغني ٤١٦/٢، بلغة السالك
على الشرح الصغير ١٨٦/١، بدائع الصنائع ٢٤٤/١
(٢) سورة النساء / ١٠٢
(٣) القليوبي ٣٠٠/١، روضة الطالبين ٦٠/٢، المغني
٤١٦/٢، بلغة السالك ١٨٦/١
(٤) حديث:)) أن النبي لة شغل عَنْ أربع صلوات يوم
الخندق . ((أخرجه النسائي (١٧/٢ - ط المكتبة
التجارية)، من حديث أبي سعيد الخدري ، وإِسناده
صحیح
- ٢١٩ -

صلاة الخوف ١٠ - ١٣
الوسطى حتى آبت الشمس ملأ الله قبورهم
ناراً أو بيوتهم أو بطونهم)) (١) فلو جاز القتال
في الصلاة لما أخرها ، ولأن إدخال عمل کثیر
- ليس من أعمال الصلاة - في الصلاة مفسد في
الأصل ، فلا يترك هذا الأصل إلا في مورد
النص ، وهو المشي لا القتال (٢).
صلاة الجمعة في الخوف :
١١ - إذا حصل الخوف في بلد وحضرت
صلاة الجمعة فلهم أن يصلوها على هيئة
ذات الرقاع ، وعسفان ، ويشترط في الصلاة
على هيئة صلاة ذات الرقاع :
(١) أن يخطب بجميعهم ، ثم يفرقهم
فرقتين ، أو يخطب بفرقة ، ويجعل منها مع
كل من الفرقتين أربعين فصاعدا ، فلو
خطب بفرقة وصلى بأخرى لم تصح .
(٢) أن تكون الفرقة الأولى أربعين
فصاعدا ، فلو نقصت عن أربعين لم تنعقد
الجمعة ، وإن نقصت الفرقة الثانية لم يضر
للحاجة ، والمسامحة في صلاة الخوف .
ولو خطب بهم وصلى بهم على هيئة صلاة
الخوف بعسفان فهي أولى بالجواز ، ولا تجوز
(١) حديث: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله
قبورهم ... » أخرجه البخاري (الفتح ١٩٥/٨ - ط
السلفية) ومسلم (٤٣٦/١ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٢) البدائع ٢٤٤/١
على هيئة صلاة بطن نخل ، إذ لا تقام جمعة
بعد جمعة (١)
انسهو في صلاة الخوف :
١٢ - يتحمل الإِمام سهو المأمومين إذا صلى
بهم صلاة ذات الرقاع على الهيئة التي ذهب
إليها جمهور الفقهاء ، إلا سهو الطائفة الأولى
في الركعة الثانية فلا يتحمله ، لانقطاع
قدوتها بالمفارقة ، وسهو الإِمام في الركعة
الأولى يلحق الكل ، فيسجدون للسهو في
آخر صلاتهم ، وإن لم يسجد الإِمام .
وسهوه في الثانية لا يلحق الأولين لمفارقتهم
قبل السهو، ويلحق الآخرين (٢).
حمل السلاح في هذه الصلوات :
١٣ - حمل السلاح في هذه الصلوات
مستحب ، يكره تركه لمن لا عذر له من
مرض ، أو أذى من مطر أو غيره احتياطا
لقوله تعالى : ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم
الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ، وليأخذوا
أسلحتهم﴾ إلى أن قال جل شأنه :
﴿ولا جناح علیکم إن کان بکم أذی من مطر
أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا
(١) المجموع ٤١٩/٤، أسنى المطالب ٢٧٢/١، روضة
الطالبين ٥٧/٢، المغني لابن قدامة ٤٠٥/٢
(٢) روض الطالب ٢٧٢/١، روضة الطالبين ٥٨/٢، المغني
٤٠٦/٢، بلغة السالك على شرح الصغير ١ / ٦٨
- ٢٢٠ -