النص المفهرس
صفحات 321-340
صَدَاقة ١ - ٥ صَدَاقة التعريف : ١ - الصداقة في اللغة : مشتقة من الصدق في الود والنصح ، يقال : صادقته مصادقة وصداقا ، والاسم الصّداقة أي : خاللته (١). وفي الاصطلاح : اتفاق الضمائر على المودة ، فإذا أضمر كل واحد من الرجلين مودة صاحبه فصار باطنه فيها کظاهره سمیا صديقين (٢). الألفاظ ذات الصلة : أ - الصحبة : ٢ - الصحبة هي في اللغة: العشرة الطويلة . ب - الرفقة : ٣- الرفقة هي: الصحبة في السفر خاصة (٣). (١) لسان العرب، تفسير الماوردى في تفسير آية ٦١ من سورة النور في قوله تعالى: ﴿أو صديقكم﴾، الفروق اللغوية لأبي هلال . (٢) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري . (٣) لسان العرب . الأحكام المتعلقة بالصداقة : الترغيب في الصداقة : ٤ - رغبت الشريعة في الصداقة بين المسلمين ، وعبرت عنها في الغالب بالأخوة في الله (١) . قال تعالى : ﴿ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ أو صديقكم ﴾ (٢). وجاء في الأثر: ((المرء كثير بأخيه)) (٣). الأكل في بيت الصديق : ٥ - صرح الشافعية : أن للصديق الأكل في بیت صديقه وبستانه ، ونحوهما في حال غيبته ، إذا علم من حاله أنه لايكره ذلك منه (٤). وقال الزمخشري : يحكى عن الحسن البصري : أنه دخل داره فإذا فيها حلقة من أصدقائه ، وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها أطايب الأطعمة ، وهم مكبّون عليها (١) تفسير الماوردى في تفسير الآية ٦١ من سورة النور، وتفسير القاسمي عند تفسير الآية نفسها . (٢) سورة النور / ٦١ . (٣) حديث: ((المرء كثير بأخيه)) أخرجه ابن عدي في الكامل (١٠٩٩/٣ - ط الفكر)، واتهم أحد رواته بالوضع . (٤) روضة الطالبين ٣٣٨/٧ . - ٣٢١ - صداقة ٥ -٦ یأکلون منها ، فتهللت أسارير وجهه سرورا ، وضحك يقول : هكذا وجدناهم ، يريد أكابر الصحابة ومن لقيهم من البدريين وقال الماوردي : فى جواز ذلك قولان للعلماء : (١). أحدهما : أن الصدیق یأکل من منزل صديقه فى الوليمة بلا دعوة دون غيرها . والثاني : أنه يأكل في الوليمة ، وغيرها ، إذا كان الطعام حاضرا غير محرز، ثم اختلفوا في نسخ ماتقدم بعد ثبوت حكمه على قولين . أحدهما : أنه على ثبوته لم ينسخ شيء منه ، وبه قال قتادة . والقول الثاني : أنه منسوخ (٢) بقوله تعالى: ﴿ لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم﴾ (٣) الآية، وقول النبي وَل: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه)) (٤) وجاء في (١) تفسير الماوردي في تفسير الآية ٦١ من سورة النور، تفسير القاسمي، تفسير الخازن . (٢) تفسير الماوردي في آية: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ .. الخ من سورة النور / ٦١ . (٣) سورة النور /٢٧ . (٤) حديث : ((لايحل مال امریء مسلم الا بطيب نفس منه)) أخرجه الدارقطني (٢٦/٣ - ذ. دار المحاسن) من حديث أنس بن مالك، وفي إسناده جهالة، لکن أورد له ابن حجر شواهد تقويه في التلخيص (٤٥/٣ - ٤٦ ط. شركة الطباعة الفنية) . تفسير قوله تعالى : ﴿ أو صديقكم ﴾ (١) أنه إذا دل ظاهر الحال على ، رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح (٢). شهادة الصديق لصديقه : ٦ - تقبل شهادة الصديق لصديقه في قول عامة العلماء . إلا أن الحنفية والمالكية قالوا : يشترط لقبول شهادة الصديق لصديقه : ألا تكون الصداقة بينهما متناهية ، بحيث يتصرف كل منهما في مال الآخر ، وأن يبرّز في العدالة ، وزاد المالكية : اشتراط ألا يكون في عیاله ، یأکل معهم ویسکن عندهم كأنه من أفرادهم (٣). (ر: مصطلح شهادة) . (١) سورة النور / ٦١ . (٢) تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل في تفسير ﴿أو صدیقكم﴾ الآية ٦١ من سورة النور . (٣) ابن عابدين ٣٧٦/٤، المغني ١٩٤/٩، حاشية الدسوقي ١٦٩/٤، نهاية المحتاج ٣٠٤/٨، القليوبي ٣٢٢/٤ ٠ - ٣٢٢ - صَدَقة ١ - ٢ صَدَقة التعريف : ١ - الصدقة بفتح الدال لغة : مايعطى على وجه التقرب إلى الله تعالى لاعلى وجه المكرمة . (أ) ويشمل هذا المعنى الزكاة وصدقة التطوع . وفى الاصطلاح : تمليك في الحياة بغير عوض على وجه القربة إلى الله تعالى ، وهي تستعمل بالمعنى اللغوي الشامل ، فيقال للزكاة : صدقة ، كما ورد في القرآن الكريم : ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ﴾ (٢) الآية. ويقال للتطوع : صدقة كما ورد في كلام الفقهاء وتحل لغني ، أي صدقة التطوع (٣). يقول الراغب الأصفهاني : الصدقة : ما يخرجه الإِنسان من ماله على وجه القربة (١) المعجم الوسيط في اللغة مادة (صدق)، وهذا معنى ماقيل: إنها ما أعطيته فی ذات الله، کما ورد فى لسان العرب وتاج العروس، ومتن اللغة - مادة (صدق) . (٢) سورة التوبة الآية (٦٠). (٣) مغنى المحتاج ١٢٠/٣، والمغنى لابن قدامة ٦٤٩/٥. كالزكاة . لكن الصدقة في الأصل تقال : للمتطوع به ، والزكاة تقال: للواجب (١). والغالب عند الفقهاء : استعمال هذه الكلمة في صدقة التطوع خاصة . يقول الشربيني : صدقة التطوع هي المرادة عند الإطلاق غالبا (٢). ويفهم هذا من كلام سائر الفقهاء أيضا ، يقول الحطاب : الهبة ان تمحضت لثواب الآخرة فهي الصدقة (٣)، ومثله ماقاله البعلي الحنبلي في المطلع على أبواب المقنع (٤). وفى وجه تسميتها صدقة يقول القليوبي : سميت بذلك لإشعارها بصدق نية باذلها ، (٥) وهذا المعنى الأخير أي صدقة التطوع هو المقصود في هذا البحث عند الإِطلاق . ٢ - وقد تطلق الصدقة على الوقف ، ومن ذلك مارواه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - : من حديث طويل : أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله الخير ، وكان يقال له : ثمغ ... فقال النبي ◌َّي: («تصدق بأصله ، لايباع ولا يوهب ، ولا ---- (١) المفردات للأصفهاني، وتاج العروس مادة (صدق) . (٢) مغنى المحتاج ١٢٠/٣. (٣) مواهب الجليل للخطاب ٤٩/٦. (٤) المطّلع ص ٢٩١ . (٥) القليوبي على شرح المنهاج ١٩٥/٣. - ٣٢٣ - صَدَقة ٢ - ٦ یورث ، ولکن ینفق ثمره))(١). ٣ - وقد تطلق الصدقة : على كل نوع من المعروف ، ومن ذلك قول النبي ◌َّ ر: ((كل معروف صدقة)) (٢) . الألفاظ ذات الصلة : أ - الهبة ، الهدية ، العطبة : ٤ - الهبة ، والهدية ، والعطية ، كل منها تمليك بلا عوض ، إلا أنه إذا كان هذا التمليك لثواب الآخرة فصدقة ، وإذا كان للمواصلة والوداد فهبة ، وإن قصد به الإِكرام فهدية . فكل واحد من هذه الألفاظ قسيم للآخر . والعطية شاملة للجميع (٣). ب - العارية : ٥ - العارية : إباحة أو تمليك منفعة عين مع بقاء العين لصاحبها بشروط مخصوصة (٤). (١) حديث ابن عمر: ((تصدق بأصله، لا يباع ولايوهب ولایورث )» . أخرجه البخارى : (الفتح ٣٩٢/٥ - ط. السلفية). (٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٩١/٧ وحديث : ((كل معروف صدقة)). أخرجه البخاري: (الفتح ٤٤٧/١٠ - ط. السلفية) من حديث جابر بن عبد الله وأخرجه مسلم (٦٩٧/٢ - ط. الحلبي) من حديث حذيفة . (٣) البدائع ١١٦/٦، وحاشية العدوي ٢٣٣/٢، ومنتهى الإرادات ٥١٨/٢، والقليوبي ١١١،١١٠/٣، والمغني لابن قدامة ٦٤٩/٥، والمطلع على أبواب المقنع ص ٢٩١ . (٤) ابن عابدين ٥٠٢/٤، والشرح الصغير للدردير ٥٧٠/٣، والزرقاني ١٢٦/٦، وشرح المنهاج وحواشيه = وعلى هذا فكل من الصدقة والعارية تبرع لكن الصدقة تمليك عين ، والعارية إباحة أو تمليك منفعة ، على خلاف وتفصيل عند الفقهاء ، والصدقة يمتنع الرجوع فيها . كما سيأتى . والعارية لابد فيها من رد العين لمالكها بعد استيفاء منافعها ، كما هو مفصل فى مصطلح : (إعارة) (١) . حكمة مشروعية الصدقة وفضلها : ٦ - إن أداء الصدقة من باب إعانة الضعيف ، وإغاثة اللهيف ، وإقدار العاجز، وتقويته على أداء ما افترض الله عليه من التوحيد والعبادات . والصدقة شكر لله تعالى على نعمه ، وهي دليل لصحة إيمان مؤديها وتصديقه ، ولهذا سمیت صدقة (٢). وقد ورد في فضل الصدقة أحاديث منها : ١ - مارواه أبو هريرة عن النبي ◌َلفر قال: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله ... )) فذكر منهم : ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ماتنفق یمینه» (٣). = ١١٥/٥، والمغني لابن قدامه ٢٢٠/٥ . (١) الموسوعة الفقهية ج ١٨١/٥ . (٢) بدائع الصنائع للكاساني ٣/٢، وفتح القدير ١٥٣/٢، وشرح الترمذي لابن العربي ٩٠/٣، الفروع لابن مفلح ٢٨٨/٢ . (٣) حديث: ((سبعة يظلهم الله في ظله ... )) = - ٣٢٤ - : صَدَقة ٦ - ٨ ٢ - مارواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال رسول وقال: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيّب ولا يقبل الله إلا الطيب ، إلا أخذها الرحمن بيمينه ، وإن كانت تمرة تربو في کف الرحمن حتی تکون أعظم من الجبل کما يربي أحدكم فَلوّه أو فصيله)) (١). أقسام الصدقة : ٧ - الصدقة أنواع : أ - صدقة مفروضة من جهة الشرع على الأموال ، وهي زكاة المال ، وتنظر أحكامها في مصطلح : (زكاة) . ب - صدقة على الأبدان ، وتنظر أحكامها في مصطلح : (زكاة الفطر) . ج - صدقة يفرضها الشخص على نفسه ، وهي الصدقة الواجبة بالنذر، وتنظر أحكامها في ( نذر) . د - الصدقات المفروضة حقا لله تعالى ، كالفدية ، والكفارة ، وتنظر أحكامها في مصطلح : (فدية وكفارة) . هـ- صدقة التطوع ، ونبين أحكامها فيما يلى : = أخرجه البخاري (الفتح ١٤٣/٢ - ط السلفية). (١) حديث: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيب .. )) أخرجه الترمذي (٤٠/٣ - ط الحلبي) وأصله في البخاري (الفتح ٢٧٨/٣ - ط السلفية) ومسلم (٧٠٢/٢ - ط الحلبي) . الحكم التكليفي : ٨ - الصدقة مسنونة ، ورد الندب إليها في كثير من آيات القرآن الكريم ، وكثير من الأحاديث النبوية الشريفة . أما من القرآن الكريم فقوله تعالى : ﴿ من ذا الذی یقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ، والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ﴾ (١). يقول ابن العربي : جاء هذا الكلام في معرض الندب والتحضيض على إنفاق المال في ذات الله تعالى على الفقراء والمحتاجين ، وفي سبيل الله بنصرة الدين (٢). وقوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا﴾ (٣). وأما من الأحاديث فقد روي من حديث عبد الله بن مسعود ، أن أبا الدحداح لما جاء إلى النبي ◌َّر ، وقال: يانبي الله، ألا أرى ربنا يستقرض مما أعطانا لأنفسنا ، ولي أرضان : أرض بالعالية وأرض بالسافلة ، وقد جعلت خيرهما صدقة . فقال النبي وَالحجر: ((كم عَذْق(٤) مذلل لأبي الدحداح في (١) سورة البقرة الآية (٢٤٥). (٢) أحكام القرآن ٢٣٠/١. (٣) سورة المزمل الآية (٢٠). (٤) العذق بالفتح النخلة ، وبالكسر العرجون بما فيه من الشماريخ . - ٣٢٥ - صَدَقة ٨ - ١٠ الجنة)) (١) ومنها قوله ويلي: ((أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة ، وأیما مؤمن سقی مؤمنا على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم ، وأيما مؤمن کسا مؤمنا على عري ، كساه الله من خضر الجنة)) (٢). قال النووي : الصدقة مستحبة ، وفي شهر رمضان آكد ، وكذا عند الأمور المهمة ، وعند الكسوف ، وعند المرض ، والسفر، وبمكة ، والمدينة ، وفي الغزو والحج ، والأوقات الفاضلة ، كعشر ذي الحجة ، وأيام العيد ، ومثل ذلك ما قاله البهوتي وغيره من الفقهاء (٣). ما يتعلق بالصدقة من أحكام : ٩ - الكلام عن الصدقة يستوجب التطرق للأمور التالية : (١) - المتصدق: وهو، من يدفع الصدقة (١) حديث عبد الله بن مسعود: في قصة أبي الدحداح. أخرجه القرطبي بإسناده في ((الجامع لأحكام القرآن)) (٢٣٧/٣ - ٢٣٨ - ط. دار الكتب المصرية) . (٢) حديث: ((أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع ... )) ٣ أخرجه الترمذي (٦٣٣/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: «هذا حديث غريب، وقد روي هذا عن عطية ، عن أبي سعيد مرفوعا، وهو أصح عندنا وأشبه» . (٣) روضة الطالبين ٣٤١/٢، المجموع ٢٣٧/٦، والمبسوط للسرخسي ٩٢/١٢، والمغني لابن قدامة ٨٢/٣، وکشاف القناع ٢٩٥/٢، ط. بیروت ويخرجها من ماله . (٢) - المتصدق عليه . وهو من يأخذ الصدقة من الغير . (٣) - المتصدق به : وهو المال الذي يتطوع بالتصدق به . (٤) - النية . وتفصيل ذلك فيما يلي : أولا : المتصدق : ١٠ - صدقة التطوع : تبرع ، فيشترط فيها : أ - أن يكون المتصدق من أهل التبرع ، أي : عاقلا بالغا رشيدا ، ذا ولاية في التصرف . وعلى ذلك فلا تصح صدقة التطوع من الصغير، والمجنون ، والمحجور عليه بسفه أو دين أو غيرهما من أسباب الحجر، أما الصغير غير المميز (١) فإنه ليس من أهل التصرف أصلا، كما صرح به الفقهاء والأصوليون (٢) ١ (١) الصبي المميز عند الفقهاء : هو الذي يفرق بين الخير والشر، ويدرك نتائج تصرفه، وقد حدده الفقهاء حسب الأغلبية أن یکون عمره سبع سنين فما فوق، والصبي غير المميز: هو من لايدرك نتائج تصرفه، فلم يبلغ السابع من عمره. (ابن عابدين ٤٢١/٥، جواهر الإكليل ٢٢/١، ومجلة الأحكام العدلية م (٩٤٣). (٢) مجلة الأحكام العدلية : م (٩٥٧، ٩٦٦)، والمنثور للزركشي ٣٠١/٢، والتوضيح والتلويح ١٥٩/٣، والفواكه الدواني ٢١٦/٢ . - ٣٢٦ - صَدَقة ١٠ - ١١ وأما الصغير المميز: فإن الصدقة منه تعتبر من التصرفات الضارة ضررا محضا ، وقد ذهب الفقهاء إلى أن التصرفات الضارة ضررا دنيويا ، والتي يترتب عليها خروج شيء من ملكه من غير مقابل ، كالهبة ، والصدقة ، والوقف ، وسائر التبرعات لاتصح ، بل تقع باطلة ، حتى لو أذن الولي أو الوصي ، لأن إجازتهما في التصرفات الضارة لاغية ، وقد استثنى المالكية ، والحنابلة ، وصية الصبي المميز الذي يعقل الوصية (١). وأما المحجور عليهم للسفه ، أو الإفلاس ، أو غيرهما فهم ممنوعون من التصرف فلا تصح منهم الصدقة (٢) وهذا في الجملة ، وللتفصيل ينظر مصطلح : (حجر) . وكما لا تصح صدقة التطوع من الصبي ، والمجنون ، والمحجور عليه ، لاتصح الصدقة من أموالهم من قبل أوليائهم نيابة عنهم ، لأنهم لايملكون التبرع من (١) ابن عابدين ١١٠/٥،٥٠٨/٤، ومجلة الأحكام العدلية م /٩٦٧، والتوضيح مع التلويح ١٥٩/٣، والمنثور للزركشي ٣٠١/٢، والمغني لابن قدامة ٦٦٣/٥، وجواهر الإكليل ٩٨،٩٧/٢ وشرح منتهى الإرادات ٥٣٩/٢ والخرشي ١٦٧/٨. (٢) ابن عابدين ٨٩/٥ - ٩٢، ومجلة الأحكام العدلية م (٩٩٨) والمغني لابن قدامة ٦٦٣/٥ ٥٢٠/٤، وجواهر الإكليل ٩٧/٢، ٩٨ . أموال من تحت ولايتهم (١). ب- أن يكون مالکا للمال المتصدق به ، أو وکیلا عنه ، فلا تصح الصدقة من مال الغير بلا وکالة . ومن فعل ذلك يضمن ما تصدق به ؛ لأنه ضیع مال الغیر علی صاحبه بغیر إذنه ، يقول التمرتاشي: شرائط صحة الهبة في الواهب : العقل ، والبلوغ ، والملك (٢). ثم قال: والصدقة كالهبة بجامع التبرع (٣). ولأن الصدقة من القربات فتشترط فيها النية ، وهي منتفية فيما إذا تصدق من مال الغیر دون إذنه صدقة المرأة من مال زوجها : ١١ - اتفق الفقهاء على أنه يجوز للمرأة أن تتصدق من بیت زوجها للسائل وغیره بما أذن فیه الزوج صريحا . کما يجوز التصدق من مال الزوج بما لم يأذن فيه ، ولم ینه عنه إذا كان يسيرا عند جمهور الفقهاء : (الحنفية والمالكية والشافعية وهو الراجح عند الحنابلة) (٤). ويستدل الفقهاء على الجواز بما روت عائشة - رضي الله عنہا ۔ قالت : قال رسول (١) التوضيح والتلويح ١٥٩/٣، ١٦٠. (٢) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٥٠٨/٤. (٣) نفس المرجع ٥٢٢/٤، وانظر المغني ٥١٦/٤. (٤) الهداية مع فتح القدير ٣٤١/٧، وشرح الترمذي لابن العربي ١٧٧/٣، ١٧٨، وشرح النووي على صحيح مسلم ١١٢/٧، والمغني ٥١٦/٤ . - ٣٢٧ - صَدَقة ١١ الله وَله: ((إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غیر مفسدة ، کان لها أجرها وله مثله بما اكتسب ، ولها بما أنفقت ، وللخازن مثل ذلك ، من غير أن ينتقص من أجورهم شیئا» (١) ولم یذکر إذنا . وعن أسماء - رضي الله عنها - أنها جاءت النبي ﴿ فقالت : يانبي الله ، ليس لي شيء إلا ما أدخل عَلَىَّ الزبير فهل علىّ جناح أن أرضخ (٢) مما يدخل علىّ ؟ فقال : ((ارضخى ما استطعت ، ولا توعى فيوعى الله علیك)) (٣). ولأن الشيء اليسير غير ممنوع عنه في العادة كما علله المرغيناني والنووي وابن العربي (٤) . قال في الهداية : يجوز للمرأة أن تتصدق من منزل زوجها بالشيء الیسیر، کالرغيف ونحوه ؛ لأن ذلك غير ممنوع عنه في العادة(٥) ومثله ماذكره الحصکفي (٦). ويقول النووي في شرحه لصحيح (١) حديث: ((إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها ... )) أخرجه مسلم (٧١٠/٢ - ط. الحلبي) . (٢) الرضخ العطية القليلة، يقال : (رضخت له رضخا) أعطيته ليس بالكثير (المصباح المنير والمطلع على أبواب المقنع ص ٢١٦ . (٣) حديث أسماء : ارضخي ما استطعت. أخرجه مسلم (٧١٤/٢ - ط الحلبي) . (٤) نفس المراجع . (٥) الهداية مع فتح القدير ٣٤١/٧ . (٦) الدر المختار بهامش ابن عابدين ١٠٣/٥ . مسلم : الإِذن ضربان : أحدهما : الإِذن الصريح في النفقة والصدقة ، والثاني : الإذن المفهوم من اطراد العرف والعادة ، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به ، واطرد العرف فیه ، وعلم بالعرف رضا الزوج والمالك به ، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم (١). ومثله ماحرره ابن العربي حيث قال : ويحتمل عندي أن يكون محمولا على العادة . وأنها إذا علمت منه ، أنه لا يكره العطاء والصدقة فعلت من ذلك مالم يجحف ، وعلى ذلك عادة الناس ، وهذا معنى قوله ◌َلي: (٢) «غیر مفسدة)» ويقول ابن قدامة : الإذن العرفي يقوم مقام الإِذن الحقيقي ، فصار كأنه قال لها : افعلي هذا (٣) وفي الرواية الثانية عند الحنابلة : لا يجوز للمرأة التصدق من مال زوجها ولوكان يسيرا ، لما روى أبو أمامة الباهلي قال : سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها ، قيل : يارسول الله : ولا الطعام ؟ قال : ذاك (١) صحيح مسلم بشرح النووي ١١٢/٧ . (٢) شرح الترمذي لابن العربي ١٧٨،١٧٧/٣. (٣) المغني لابن قدامة ٥١٦/٤. - ٣٢٨ - ...... صَدَقة ١١ - ١٣ أفضل أموالنا)) (١). قال ابن قدامة : والأول - أي الجواز بالشيء الیسیر - أصح ، لأن الأحاديث فيها خاصة صحيحة ، والخاص يقدم على العام (٢). أما إذا منعها من الصدقة من ماله ، ولم یکن العرف جاریا بذلك ، أو اضطرب العرف ، أو شكت في رضاه ، أو كان شخصا يشح بذلك ، لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصریح إِذنه، كما حققه النووی وغيره (٣) . ١٢ - وما ذکر من حكم تصدق المرأة من مال زوجها يطبق على تصدق الخازن من مال المالك ، فقد ورد في حديث الترمذي : ((وللخازن مثل ذلك)) أي: من الأجر (٤) ، أي : أنهما سواء في المثوبة ، كل واحد منهما له أجر كامل ، كما قال ابن العربي ، أو معناه المشاركة في الأجر مطلقا ، لأن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، وإن كان أحدهما (١) حديث: ((لاتنفق المرأة شيئا من بيتها .. )) أخرجه الترمذي (٤٨/٣ - ٤٩ ط. الحلبي) وقال : (حدیث حسن)) . (٢) نفس المراجع . (٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١١٢/٧، وابن عابدين ١٠٣/٥، والمغني لابن قدامة ٥١٦/٤ . (٤) شرح الترمدي لابن العربي ١٧٧/٣ . أكثر من الآخر ، کما حققه النووي (١). تصدق الزوجة من مالها بأكثر من الثلث : ١٣ - ذهب جمهور الفقهاء : (الحنفية والشافعية وهو الراجح عند الحنابلة) إلى أن المرأة البالغة الرشيدة لها حق التصرف في مالها ، بالتبرع ، أو المعاوضة ، سواء أكانت متزوجة ، أم غير متزوجة . وعلى ذلك فالزوجة لاتحتاج إلى إذن زوجها في التصدق من مالها ولو كان بأكثر من الثلث (٢) والدليل على ذلك ماثبت عن النبي ◌َ﴾ أنه قال للنساء : «تصدقن ولو من حليكن ، فتصدقن من حليهن)) (٣) ولم يسأل ولم يستفصل ، فلو كان لاينفذ تصرفهن بغير إذن أزواجهن لما أمرهن النبي ولا بالصدقة ، ولا محالة أنه كان فيهن من لها زوج ومن لازوج لها ، كما حرره السبكي (٤). ولأن المرأة من أهل التصرف ، ولا حق لزوجها في مالها ، فلم يملك الحجر عليها في التصرف بجميعه ، كما علله ابن قدامة (٥) (١) شرح صحيح مسلم للنووي ١١٢/٧، وشرح الترمذي لابن العربي ١٧٨/٧ . (٢) الاختيار ٩١/٣، والمجموع (التكملة للسبكي) ٢٧٢/١٢، والمغني لابن قدامة ٥١٣/٤ . (٣) حديث: ((تصدقن ولو من حليكن .. )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٢٨/٣ - ط السلفية) ومسلم (٦٩٥/٢ - ط. الحلبي). (٤) تكملة المجموع للسبكي ٢٧٢/١٣، ٢٧٣. (٥) المغني لابن قدامة ٥١٤/٤ . - ٣٢٩ - صَدَقة ١٣ - ١٥ وقال المالكية : وهو رواية عند الحنابلة : يحجر على الزوجة الحرة الرشيدة لزوجها البالغ الرشيد في تبرع زاد على الثلث ، وذلك لما ورد أن امرأة كعب بن مالك، أتت النبي وقال أو بحلي لها، فقال لها النبي ◌َير: ((لا يجوز للمرأة عطية حتى يأذن زوجها ، فهل استأذنت كعبا ؟ فقالت : نعم ، فبعث النبي صل﴿ إلى كعب، فقال: هل أذنت لها أن تتصدق بحليها ؟ قال : نعم . فقبله رسول الله (ليزر)) (١). ولأن المقصود من مالها التجمل به لزوجها ، والمال مقصود في زواجها، حيث قال النبي ◌َله: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدینها)» (٢). والعادة أن الزوج يزيد في مهرها من أجل مالها ويتبسط فيه ، وينتفع به ، فتعلق حق الزوج في مالها(٣) . (١) حديث: ((أن امرأة كعب بن مالك أتت النبي (1 .. )). أخرجه ابن ماجه (٧٩٨/٢ - ط. الحلبي) والطحاوي في شرح المعاني (٤ / ٣٥١ - ط مطبعة الأنوار المحمدية) وقال الطحاوي: ((حدیث شاذ لایثبت)) ولکن ورد الحدیث دون القصة المذكورة بلفظ: ((لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها، أخرجه أبو داود (٨١٦/٣ - تحقیق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده حسن . (٢) حديث: ((تنكح المرأة لأربع)) أخرجه البخاري (الفتح ١٣٢/٩ - ط السلفية) ومسلم (١٠٨٦/٢ - ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة . (٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣٠٨/٣، وشرح = ومحل الحجر عليها في تبرعها بزائد عن الثلث من مالها إذا كان التبرع لغير زوجها . وأما له فلها أن تهب جميع مالها له ، ولا اعتراض عليها في ذلك لأحد (١). هذا ، واتفق الفقهاء على أن المريض مرض الموت ليس له أن يتصدق من ماله بأكثر من الثلث (ر: مرض الموت). ثانيا : المتصدق عليه : ١٤ - لا يشترط في المتصدق عليه ما يشترط في المتصدق ، من العقل ، والبلوغ ، والرشد ، وأهلية التبرع ، فيصح التصدق على الصغير، والمجنون ، والمحجور عليه بسفه ، أو إفلاس أو غيرهما ، لأن الصدقة علیھم نفع محض هم ، فلا تحتاج إلى إذن الأولياء (٢). وحیث إن الصدقة تملیك بلا عوض لثواب الآخرة ، فهناك أشخاص لاتصح عليهم الصدقة ، وأخرى تصح عليهم ، وقد فصل الفقهاء هذا الموضوع كالتالي : أ- الصدقة على النبي *: ١٥ - يرى جمهور الفقهاء من المالكية ، وهو = الزرقاني ٣٠٦/٥، وجواهر الإكليل ١٠٢/٢، والمغني لابن قدامة ٥١٤،٥١٣/٤. (١) الدسوقي على الشرح الكبير ٣٠٨/٣. (٢) التوضيح مع التلويح ١٥٩/٣، وابن عابدين ١١٠،٩١/٥، ومجلة الأحكام العدلية م (٩٦٧) والمغني لابن قدامة ٦٦٠/٥ . - ٣٣٠ - صَدَقة ١٥ -١٧ الأظهر عند الشافعية ، والصحيح عند الحنابلة : أن صدقة التطوع كانت محرمة على النبي * مثل صدقة الفريضة المتفق على حرمتها ، وذلك صيانة لمنصبه الشريف (١). وقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: ((كان النبي ول# إذا أتي بطعام سأل عنه ، فإن قيل : صدقة قال لأصحابه : کلوا ، ولم یأکل ، وإن قيل له : هدية ضرب بيده فأكل معهم)) (٢). وعلى ذلك : فالصدقة بالمعنى المعروف كانت محرمة على النبي وَله . وقد أبدل الله تعالى رسوله بها الفيء الذي یؤخذ علی سبیل الغلبة والقهر، المبني على عز الآخذ، وذل المأخوذ منه (٣). ب - الصدقة على آل النبي وَلّ : ١٦ - اتفق الفقهاء : على عدم جواز صدقة الفريضة على آل محمد وآله، لقوله عليه الصلاة والسلام : ((إن الصدقة لاتنبغى لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس)) (٤) (١) الدسوقي مع الشرح الكبير ٢١٢/٢، وجواهر الإكليل ٢٧٣/١، والحطاب ٣٩٧/٣، ومغني المحتاج ١٢٠/٣، والمغني لابن قدامة ٢٦٠/٢. (٢) حديث أبي هريرة: ((كان النبي 8# إذا أتي بطعام سأل عنه .) أخرجه البخاري (الفتح ٢٠٣/٥ - ط السلفية) ومسلم (٧٥٦/٢ - ط. الحلبي) . (٣) المغني ٢٦٠/٢، وعمدة القاري ١٣٥/١٣. (٤) حديث: ((إن الصدقة لاتنبغي لآل محمد)» أما صدقة التطوع ، فالجمهور على جوازها عليهم . والبعض يقولون : بعدم الجواز (١) وتفصيل الموضوع ينظر في مصطلح : (آل ف ٤, ١٠) ج - التصدق على ذوي القرابة والأزواج : ١٧ - لاخلاف بين الفقهاء في جواز التصدق على الأقرباء ، والأزواج صدقة التطوع ، بل صرح بعضهم : بأنه يسن التصدق علیهم ، ولهم أخذها ، ولو کانوا ممن تجب نفقته على المتصدق (٢)، فعن أبي مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله وَل: ((إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهوله صدقة)) (٣) وقال ◌َله: ((الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم ثنتان : صدقة وصلة)) (٤). قال الشافعية : دفع الصدقة لقريب أقرب فأقرب رحما ولو كان ممن تجب عليه نفقته = أخرجه مسلم (٧٥٣/٢ - ط الحلبي) من حديث عبد المطلب بن ربيعة . (١) الاختيار ١٢٢/١ وجواهر، الإكليل ١٣٨/١ والمغني ٦٥٥/٢ - ٠٦٥٦ (٢) فتح القدير مع الهداية (٢٢/٢، ٢٣، ط. بولاق) ، والمجموع للنووي ٢٣٨/٦، والمغني لابن قدامة ٦٥٩/٢، وكشاف القناع ٣٣٦/٢ . (٣) حديث: ((إذا أنفق الرجل على أهله ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٣٦/١ ط. السلفية) . (٤) حديث: ((الصدقة على المسكين صدقة)) أخرجه الترمذي (٣٨/٣ - ط الحلبي) من حديث سلمان ابن عامر، وقال: ((حدیث حسن)) . - ٣٣١ - صَدَقة ١٧ - ١٨ أفضل من دفعها لغير القريب ، وللقريب غير الأقرب للحديث المتقدم ، ولخبر الصحيحين: ((أن امرأتين أتيتا رسول الله * فقالتا لبلال : سل لنا رسول الله وهلآ هل يجزىء أن نتصدق على أزواجنا ويتامى في حجورنا ؟ فقال : نعم لهما أجران : أجر القرابة، وأجر الصدقة)) (١) . هذا وقد رتب الشافعية من يفضل عليهم الصدقة فقالوا : هي في الأقرب فالأقرب ، وفي الأشد منهم عداوة أفضل منها في غيره ، وذلك ليتألف قلبه ، ولما فيه من مجانبة الرياء وكسر النفس ، وألحق بهم الأزواج من الذكور والإناث ، ثم الرحم غير المحرم ، كأولاد العم والخال . ثم في الأقرب فالأقرب رضاعا ، ثم مصاهرة ، ثم ولاء ، ثم جوارا ، وقدم الجار الأجنبي علی قریب بعيد عن دار المتصدق ، بحيث لاتنقل إليه الزكاة ، ولو كان ببادية (٢). ومثله ماعند الحنابلة (٣). (١) مغني المحتاج ١٢١/٣، وأسنى المطالب شرح روضة الطالب ٤٠٦/١ وحديث: ((ان امرأتين أتيتا رسول الله ... 醬 أخرجه البخاري (الفتح ٣٢٨/٣ - ط. السلفية) ومسلم (١٩٥/٢ - ط. الحلبي). (٢) أسنى المطالب ٤٠٧/١، ومغنى المحتاج ١٢١/٣. (٣) كشاف القناع ٢٩٦/٢. د - التصدق على الفقراء والأغنياء: ١٨ - الأصل أن الصدقة تعطى للفقراء والمحتاجين ، وهذا هو الأفضل ، كما صرح به الفقهاء (١). وذلك لقوله تعالي : ﴿ أو مسكينا ذا متربة ﴾ (٢) واتفقوا على أنها تحل للغني ؛ (٣) لأن صدقة التطوع كالهبة فتصح للغني والفقير. (٤) قال السرخسي : ثم التصدق على الغني یکون قربة یستحق بها الثواب ، فقد يكون غنياً يملك النصاب ، وله عیال کثیرة ، والناس یتصدقون علی مثل هذا لنيل الثواب (٥). لكن يستحب للغني التنزه عنها ، ویکره له التعرض لأخذها ؛ لأن الله تعالى مدح المتعففين عن السؤال مع وجود حاجتهم ، فقال: ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ ویکره له أخذها وإن لم يتعرض لها . ويحرم عليه أخذها إن أظهر الفاقة ، كما يحرم أن يسأل ، ويستوى في ذلك الغني بالمال ، والغني بالکسب ، لحديث : ((من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما. (١) شرح الروض ٤٠٧/١، ومغنى المحتاج ١٢١/٣. (٢) سورة البلد الآية: ١٦ . (٣) المراد بالغني هنا : هو الذي يحرم عليه الزكاة (مغني المحتاج ١٢٠/٣) . (٤) المبسوط ٩٢/١٢، ومغني المحتاج ١٢٠/٣، وكشاف القناع ٢٩٨/٢ . (٥) المبسوط ١٢/ ٩٢. (٦) سورة البقرة الآية ٢٧٣ . - ٣٣٢ - صَدَقة ١٨ - ١٩ يسأل جمرا ، فليستقل أو ليستكثر)) (١) أي: يعذب به يوم القيامة . لكن نقل الرملي عن ابن عبد السلام أن الصحيح من مذهب الشافعي : جواز طلبها للغني ، ويحمل الذم الوارد في الأخبار على الطلب من الزكاة الواجبة (٢). هـ- الصدقة على الكافر : ١٩ - اختلف الفقهاء في جواز صدقة التطوع على الكافر، وسبب الخلاف : هو أن الصدقة تمليك لأجل الثواب ، وهل يثاب الشخص بالإنفاق على الكفار؟ . فقال الحنابلة : وهو المشهور عند الشافعية ، والمنقول عن محمد في السير الكبير : إنه يجوز دفع صدقة التطوع للكفار مطلقا ، سواء أكانوا من أهل الذمة أم من الحربيين ؟ مستأمنين أم غير مستأمنين ، وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ﴾ . قال ابن قدامة : ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافرا (٣)، ولقوله وَالقر: ((في كل كبد رطبة (١) مغني المحتاج ١٢٠/٣، وشرح الروض ٤٠٦/١، وابن عابدين ٦٩/٢ وحديث: ((من سأل الناس أموالهم تکٹرا .. )) أخرجه مسلم (٧٢٠/٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة . (٢) حاشية الرملي على شرح الروض ٤٠٦/١. أجر)) (١) وقد ورد فى حديث أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما - قالت: ((قدمت علىّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله وَلاير ، فاستفتيت رسول الله وَلتر قلت: إن أمّي قدمت وهي راغبة ، أفأصل أمي ؟ قال : نعم ، صلي أمك)) (٢) ولأن صلة الرحم محمودة في كل دين ، والإِهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق(٣) . وفرق الحصكفي في الدُرِّبين الذمي وغيره فقال : وجاز دفع غير الزكاة وغير العشر والخراج إلى الذمي - ولو واجبا - كنذر وكفارة وفطرة خلافا لأبي يوسف . وأما الحربي ولو مستأمنا فجميع الصدقات لاتجوز له (٤) ويقرب منه ماذكره الشربيني من الشافعية حيث قال : قضية إطلاق حل الصدقة للكافر : أنه لا فرق بين الحربي وغيره ، وهو مافي البيان عن الصيمري والأوجه ماقاله الأذرعي من أن : هذا فیمن له عهد ، أو " = الروض ٤٠٦/١، والمغني لابن قدامة ٦٥٩/٢. (١) حديث : ((في كل كبد رطبة أجر). أخرجه البخاري (الفتح ٤١/٥ - ط السلفية) ومسلم (١٧٦١/٤ - ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة . (٢) حديث أسماء بنت أبي بكر: ((قدمت عليّ أمي وهي مشركة .. )) أخرجه البخاري (الفتح ٢٣٣/٥ - ط السلفية) . (٣) ابن عابدين ٦٧/٢. (٣) ابن عابدين ٦٧/٢، ومغني المحتاج ١٢١/٣، وشرح = (٤) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٢ /٦٧. - ٣٣٣ - صَدَقة ١٩ - ٢١ ذمة أو قرابة أو یرجی إسلامه ، أو كان بأيدينا بأسر ونحوه . فإن کان حربیا ليس فيه شيء مما ذكر فلا (١). ثالثا : المتصدق به : ٢٠ - المتصدق به هو: المال الذي يعطى للفقير وذي الحاجة ، وحيث إن الصدقة تمليك بلا عوض لأجل ثواب الآخرة ، فينبغي في المال المتصدق به أن یکون من الحلال الطيب ، ولا يكون من الحرام أو مما فيه شبهة ، كما ينبغي أن يكون المتصدق به مالا جیدا ، لا ردیئا ، حتی یحصل علی خیر البر وجزيل الثواب (٢). وقد بحث الفقهاء هذه الأحكام ، وحكم التصدق من الأموال الرديئة والحرام كالتالي : التصدق بالمال الحلال والحرام والمال المشتبه فيه : ٢١ - لقد حث الإِسلام أن تكون الصدقة من المال الحلال والطيب ، وأن تكون مما يحبه المتصدق . فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله * : ((ماتصدق أحد بصدقة من طيب ، ولا يقبل الله إلا الطيب ، إلا أخذها الرحمن (١) مغنى المحتاج ١٢١/٣. (٢) ابن عابدين ٢٦/٢، والمجموع ٢٤/٦، وكشاف القناع ٢٩٥/٢ - ٢٩٨، والاختيار ٥٤/٣، وشرح الترمذي ١٦٤/٣. بيمينه ، وإن كانت تمرة فتريو في كف الرحمن حتی تکون أعظم من الجبل ، کما يربي أحدكم فلوه أو فصیله)» (١) والمراد بالطيب هنا الحلال ، كما قال النووي (٢) . وعنه أيضا: قال رسول الله وَل: («أيها الناس إن الله طيب لايقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : یا أيها الرسل كلوا من الطيبات ، واعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم ﴾ (٣). وقال : ﴿ يا أيها الذين امنوا كلوا من طيبات مارزقناكم ﴾ (٤). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك )»(٥) . قال النووي : وهذا الحديث أحد الأحاديث التي هي من قواعد الإِسلام ومباني الأحكام ... وفيه الحث على الإنفاق من الحلال ، والنهي عن الإِنفاق من غيره . وفيه أن المشروب والمأکول والملبوس ونحو ذلك (١) حديث: ((ماتصدق أحد بصدقة)) سبق تخريجه ف ٦ . (٢) شرح صحيح مسلم للنووي ٨٨/٧-١٠٠، والمجموع ٢٤١/٦ . (٣) سورة المؤمنون آية : ٥١ . (٤) سورة البقرة / ١٧٢. (٥) حديث: ((أيها الناس ان الله طيب ... )) أخرجه مسلم (صحيح مسلم ٧٠٣/٢ ط. عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا - ٣٣٤ - صَدَقة ٢١ ينبغي أن يكون حلالا خالصا لاشبهة فیه (١). وحذر الحسيني في كفاية الأخيار من أخذ مال فيه شبهة للتصدق به ، ونقل عن ابن عمر قوله : لأن أُرُدَّ درهما من حرام أحب إلىّ أن أتصدق بمائة ألف درهم ثم بمائة ألف درهم حتى بلغ ستمائة ألف (٢). وعلى هذا فيستحب أن يختار الرجل أحلّ ماله ، وأبعده عن الحرام والشبهة فيتصدق به ، کما حرره النووي (٣). وإذا كان في عهدة المكلف مال حرام ، فإن علم أصحابه وجب رده إليهم ، وإن لم یعلم أصحابه يتصدق به . أما الآخذ أي : المتصدق عليه فإن عرف أن المال المتصدق به من النجس أو الحرام كالغصب ، أو السرقة ، أو الغدر، فيستحب له أن لا يأخذه ولايأكل منه . ومع ذلك فقد أجاز أكثر الفقهاء أخذه له مع الكراهة (٤). یقول ابن عابدين : إذا کان علیه دیون ومظالم لايعرف أربابها ، وأيس من (١) شرح صحيح مسلم للنووي ٧/ ١٠٠ . (٢) كفاية الأخيار للحسيني ١٢٤/١. (٣) المجموع ٦/ ٢٤١ . (٤) ابن عابدين ٣٢٣/٣، والمجموع ٢٤١/٦، فتح القدير مع الهداية ٣٤٨/٤، ومطالب أولي النهى ٤ / ٦٥، ٦٦، ١٣٥/٥، والجمل ٢٣/٣ . معرفتهم ، فعليه التصدق بقدرها من ماله ، وإن استغرقت جميع ماله (١). وقال ابن الهمام : يؤمر بالتصدق بالأموال التي حصلت بالغدر ، كالمال المغصوب (٢). قال الجمل من الشافعية : لو تصدق أو وهب أو أوصی بالنجس صح على معنی نقل اليد ، لا التمليك (٣). وصرح الحنابلة : بأن من بيده نحو غصوب ، أو رهون ، أو أمانات ، لايعرفُ أربابها ، وأيس من معرفتهم ، فله الصدقة بها منهم ــ أي : من قبلهم . وقال بعضهم : يجب عليه التصدق (٤) . وكذلك الحكم في الديون التي جهل أربابها عند الحنابلة (٥) أما الأموال التي فيها شبهة فالأولى الابتعاد عنها ، ولهذا قال النووي في التصدق بما فيه شبهة : إنه مکروه (٦) . وقد ورد في الحديث من قوله أل * : ((الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشبهات لايعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن (١) ابن عابدين ٢٢٣/٣. (٢) فتح القدير ٣٤٨/٤ . (٣) الجمل ٢٣/٣ . (٤) مطالب أولي النهى ١ /٦٥، ٦٦ . (٥) نفس المرجع ٦٨/٤. (٦) المجموع ٢٤١/٦. - ٣٣٥ - صَدَقة ٢١ - ٢٢ وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى یوشك أن یواقعه)) (١). التصدق بالجيد والردىء : ٢٢ - يستحب في الصدقة أن يكون المتصدق به أي : المال المعطى من أجود مال المتصدق وأحبه إليه ، قال الله تعالى : ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شىء فإن الله به عليم ﴾ (٢) قال القرطبي: والمعنى لن تكونوا أبرارا حتى تنفقوا مماتحبون ، أي : نفائس الأموال وكرائمها ، وكان السلف - رضي الله عنهم - إذا أحبوا شيئا جعلوه لله تعالى . فقد ورد في حدیث متفق علیه (( أن أبا طلحة كان أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ◌َّ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس (راوي الحديث) فلما أنزلت هذه الآية : ﴿لن تنالوا البرحتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله وَله فقال: يارسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول : ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا ما تحبون ) وإن أحب أموالي إلىّ بيرحاء ، وإنها صدقة لله ، أرجو برها وذخرها (١) حديث: ((الحلال بين والحرام بين ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢٦/١ ط. السلفية) من حديث النعمان بن بشير مرفوعا . (٢) سورة آل عمران - الآية ٩٢ . عند الله فضعها يارسول الله حيث أراك الله قال: فقال رسول الله وَلفر: ((بخ ذلك مال رابح))(١) . وكان عمر بن عبد العزيز يشتري أعدالا من سكر ويتصدق بها ، فقيل له : هلا تصدقت بقيمتها ؟ قال : لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحب (٢) . والمراد بالآية حصول كثرة الثواب بالتصدق مما يحبه . ولايلزم أن يكون المال المتصدق به کثیرا ، ويستحب التصدق ولو بشيء نزر، قال الله تعالى : ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ﴾ (٣) وفي الحديث الصحيح : ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) (٤). ونهى الله سبحانه وتعالى عن التصدق بالردیء من المال . قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم ومما (١) تفسير روح المعاني ٢٢٢/٣، ٢٢٣ وحديث ((أن أبا طلحة كان أكثر الأنصار مالا من نخل)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٢٥/٣ ط. السلفية) واللفظ له، ومسلم (صحيح مسلم ٦٩٣/٢ ط. عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - . (٢) تفسير القرطبي ١٣٣/٤، وانظر في الموضوع كشاف القناع ٢٩٩/٢ . (٣) سورة الزلزلة / ٨. (٤) كفاية الأخيار ١٢٥/١ وحديث: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٤٨/١٠ ط. السلفية) ومسلم (صحيح مسلم ٧٠٤/٣ ط. عيسى الحلبي) مرفوعا من حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه - . - ٣٣٦ - صَدَقة ٢٢ - ٢٣ أخرجنا لکم من الأرض ولا تیمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غنى حميد ﴾ (١) أي: لاتتصدقوا بالصدقة من المال الخبيث ، ولا تفعلوا مع الله مالا ترضونه لأنفسكم . ورجح ابن العربى : أن الآية في صدقة التطوع حيث قال : لو كانت في الفريضة لما قال : (ولستم بآخذیه) لأن الردىء والخبيث لا يجوز أخذه في الفرض بحال ، لا مع تقدیر الإغماض ولا مع عدمه ، وإنما یؤخذ مع عدم الإغماض في النفل (٢) وقال القرطبي : والظاهر من قول براء ، والحسن ، وقتادة ، أن الآية في التطوع ، ندبوا إليه أن لايتطوعوا إلا بممتاز جيد (٣) وقد قال النبي آلټ في رجل علق قنوحشف في المسجد : ((لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها)) وقال: ((إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة (٤). (١) سورة البقرة الآية (٢٦٧). (٢) القرطبي ٣٢٦/٣ . (٣) القرطبي ٣٢١،٣٢٠/٣. (٤) مختصر سنن أبي داود ٢١٣/٢. وحديث: ((لو شاء رب هذه الصدقة)) أخرجه النسائي (سنن النسائي ٤٣/٥ - ٤٤ نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب) وأبو داود (سنن أبي داود ٢٦١/٢ ط. استانبول) واللفظ له من حديث عوف بن مالك - رضي الله عنه - . وفي سنده صالح بن أبي عریب، لم یوثقه غير ابن حبان ، وباقي رجاله ثقات = التصدق بكل ماله : ٢٣ -یستحب أن تكون الصدقة بفاضل عن كفايته ، وكفاية من يمونه ، وإن تصدق بماینقص مؤنة من يمونه أثم . ومن أراد التصرف بماله كله ، وهو يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك ، وإلا فلا يجوز . ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفقة نفسه عن الكفاية التامة . وهذا ماصرح به فقهاء الحنفية (١) وقال المالكية : إن الإِنسان مادام صحيحا رشيدا له التبرع بجميع ماله على كل من أحب . قال في الرسالة : ولابأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله . لكن قال النفراوي : محل ندب التصدق بجميع المال أن يكون المتصدق طيب النفس بعد الصدقة بجميع ماله ، لايندم على البقاء بلا مال . وأن مايرجوه في المستقبل مماثل لما تصدق به في الحال ، وأن لا يكون يحتاج إليه في المستقبل لنفسه ، أو لمن تلزمه نفقته ، أو يندب الإنفاق عليه ، وإلا لم يندب له ذلك (٢) . بل يحرم عليه إن تحقق الحاجة لمن تلزمه = (جامع الأصول في أحاديث الرسول بتحقيق الأرناؤوط ٤٥٦/٦ نشر مكتبة الحلواني) . (١) حاشية عابدين على الدر المختار ٧١/٢، والاختيار لتعليل المختار ٥٤/٣ . (٢) الفواكه الدواني ٣٢٣/٢ . - ٣٣٧ - صَدَقة ٢٣ نفقته ، أو یکره إن تیقن الحاجة لمن يندب الإنفاق عليه ، لأن الأفضل أن يتصدق بما يفضل عن حاجته ومؤنته ، ومؤنة من ينفق علیه (١) . ویقول ابن قدامة (٢): الأولى أن يتصدق من الفاضل عن کفایته وکفایة من یمونه على الدوام لقوله عليه الصلاة والسلام: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول)) (٣) ولأن نفقة من يمونه واجبة والتطوع نافلة ، وتقديم النفل على الفرض غير جائز . فإن كان الرجل لاعيال له ، فأراد الصدقة بجمیع ماله وکان ذا مکسب ، أو کان واثقا من نفسه يحسن التوكل والصبر على الفقر والتعفف عن المسألة فحسن ، وروی عن عمر - رضي الله عنه - قال: (( أمرنا رسول الله عليّ أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما ، (١) نفس المرجع . (٢) المغنى لابن قدامة ٨٣/٣، ٨٤ (٣) حديث: ((خير الصدقة ماكان عن ظهر عنى، وابدأ بمن تعول». أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٩٤/٣ ط. السلفية) بهذا اللفظ من حديث أبى هريرة - رضى الله عنه - وأخرجه مسلم (صحيح مسلم ٧١٧/٢ ط. عيسى الحلبي) من حديث حكيم بن حزام بلفظ )) أفضل الصدقة (أو خير الصدقة) عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)) . فجئت بنصف مالي ، فقال رسول الله الطيار: ((ماأبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله . قال : وأتى أبو بكر بکل ماعنده فقال له رسول الله وَله: ((ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله ،. فقلت لا أسابقك إلى شيء بعده أبدا)) (١) قال ابن قدامة : فهذا كان فضيلة في حق أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ۔ لقوة یقینه ، وکمال إيمانه ، وكان أيضا تاجرا ذا مكسب ، فإن لم يوجد في المتصدق أحد هذين كره له التصدق بجميع ماله . فقد قال النبي قال: ((یأتی أحدكم بما يملك ، ويقول هذه صدقة ، ثم يقعد يستكف الناس ، خير الصدقة ماكان عن ظهر غنى))؛ (٢) ولأن الإِنسان إذا أخرج جميع ماله لايأمن فتنة الفقر، وشدة نزاع النفس إلى ماخرج منه فيندم ، فيذهب ماله ، ويبطل أجره ، ويصير كلا على الناس (٣). (١) حديث عمر - رضي الله عنه - قال: ((أمرنا رسول الله والله أن نتصدق ... )) أخرجه (أبو داود ٣١٢/٢ -٣١٣ ط. استانبول) واللفظ له، (والترمذي ٥٧٤/٥ نشر دار الكتب العلمية - بیروت). وقال: هذا حديث حسن صحيح . (٢) حديث: (یأتی أحدكم بما يملك)» أخرجه أبو داود من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - مرفوعا (سنن أبي داود ٣١٠/٢ - ٣١١ ط. استانبول) وفيه عنعنة ابن إسحاق (جامع الأصول في أحاديث الرسول ٤٦٥/٦ بتحقيق الأرناؤوط) . (٣) المغنى لابن قدامة ٨٣/٣، ٨٤. - ٣٣٨ - صَدَقة ٢٣ - ٢٥ واتفق قول الشافعية مع سائر الفقهاء في : أن مايحتاج إليه لعیاله ودینه لايجوز له أن يتصدق به ، وإن فضل عن ذلك شيء ، فهل يستحب أن يتصدق بجميع الفاضل ؟ فيه عندهم أوجه ، أصحها : إن صبر على الضيق فنعم ، وإلا فلا بل يكره ذلك ، قالوا : وعليه تحمل الأخبار المختلفة الظاهر (١). رابعا - النية : ٢٤ - الصدقة قربة ؛ لأنها تمليك بلا عوض ، لأجل ثواب الآخرة ، فلابد فيها من النية، وقد ورد في الحديث أن النبي ◌َّر قال : ((إنما الأعمال بالنيات)) (٢) ويستحب في الصدقة أن ينوي المتصدق ثوابها لجميع المؤمنين والمؤمنات . وقد ذكر بعض الفقهاء أن كل من أتي بعبادة ما سواء أكانت صلاة أم صوما أم صدقة أم قراءة ، له أن يجعل ثوابه لغيره وإن نواها لنفسه (٣). قال ابن عابدين : «والأفضل لمن يتصدق (١) كفاية الأخيار للحسينى ١٢٤/١، وأسنى المطالب ٤٠٧/١. (٢) حديث: (إنما الأعمال بالنيات .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/١ ط. السلفية) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - . (٣) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٢٣٦/٢، والبدائع ٢١٨/٦، والخرشي على مختصر خليل ١٠٢/٧، والمغني لابن قدامة ٦٤٩/٥، و٨٢/٣، وأشباه ابن نجيم ص ٢٩، وأشباه السيوطي ص ١٢ نفلا أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات ، لأنها تصل إليهم ، ولا ينقص من أجره شيء (١) . وتفصيل أحكام النية في مصطلح : (نية) . إخفاء صدقة التطوع : ٢٥ - الأفضل في صدقة التطوع أن تكون سرا ، وهذا عند أكثر الفقهاء من الحنفية والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وإن كانت تصح ويثاب عليها في العلن ، قال الله تعالى : ﴿ إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتوتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم سيئاتكم ، والله بما تعملون خبير﴾ (٢). وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا : ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)» وذكر منهم رجلا «تصدق أخفی حتی لاتعلم شماله ماتنفق يمينه)) (٣) ولما روي أن رسول الله وَالر قال: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء ، وصدقة السر (١) ابن عابدين ٧١/٢ . (٢) سورة البقرة الآية ٢٧٢ . (٣) حديث: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله .. )) ((رجل تصدق أخفى حتى لاتعلم شماله ماتنفق یمینه» سبق تخريجه ف ٦ . - ٣٣٩ - صَدَقە ٢٥ -٢٦ تطفئ غضب الرب ، وصلة الرحم تزيد في العمر» (١). ولأن الإِسرار بالتطوع يخلو عن الرياء والمن ، وإعطاء الصدقة سرا يراد به رضا الله سبحانه وتعالى وحده . ونقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله : صدقة السر في التطوع أفضل من صدقة العلانية بسبعين ضعفا (٢). قال ابن العربي : والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة يختلف بحال المعطي لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها . أما المعطي فله فائدة إظهار السنة وثواب القدوة ، وآفتها الرياء ، والمن ، والأذى . وأما المعطى إياها فإن السر أسلم له من احتقار الناس له ، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى وترك التعفف . وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم ، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطى لها بالرياء ، وعلى الآخذ لها (١) تفسير القرطبي ٢٣٢/٢، ٢٣٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٣٦/١، وحاشية القلیوبي ٢٠٤/٣، ٢٠٥، والمهذب ١٨٣/١، وكشاف القناع ٢٦٦/٢ . وحديث: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء ... )) . أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - واسناده حسن (مجمع الزوائد ١١٥/٣ نشر مكتبة القدسي) . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢٣٦/١. بالاستغناء ، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة . لكن هذا اليوم قليل (١) ويقول الخطيب : إن كان المتصدق ممن يقتدى به ، وأظهرها لیقتدى به من غير رياء ولا سمعة ، فهو أفضل (٢). أما صدقة الفرض فلا خلاف أن إظهارها أفضل كصلاة الفرض وسائر الفرائض . ترك المن والأذى : ٢٦ - يحرم المن والأذى بالصدقة ، ويبطل الثواب بذلك ، فقد نهى الله تعالى عن المن والأذى ، وجعلهما مبطلین للصدقات حيث قال : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ، كالذى ينفق ماله رثاء الناس ﴾ (٣) وحث سبحانه وتعالى المنفقين في سبيل الله بعدم إتباع ما أنفقوا منا ولا أذى فقال : ﴿ الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لايتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ (٤). ولا خلاف بين الفقهاء ، في أن المن والأذى في الصدقة حرام يبطل الثواب . قال القرطبي : عبر تعالى عن عدم القبول (١) نفس المرجع. (٢) مغني المحتاج ١٢١/٣ . (٣) سورة البقرة الآية ٢٦٤ . (٤) سورة البقرة الآية ٢٦٢ . - ٣٤٠ -