النص المفهرس
صفحات 261-280
٠٠٠ شهر ١ - ٤ وفي الشرع: المراد بالشهر عند الإِطلاق : الشهر الهلالي . (١) قال الله تعالى: ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ﴾ (٢). ولم يختلف الناس في أن الأشهر الحرم معتبرة بالأهلة . قال القرطبي : هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها ، إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب ، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط ، وإن لم تزد (شهور سنواتهم) على اثني عشر شهرا لأنها مختلفة الأعداد : منها ما يزيد على ثلاثين يوما ، ومنها ما ينقص . وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين يوما ، وإن كان منها ما ينقص . والذي ینقص لیس یتعین له شهر، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج (٣). وورد في كتب الشافعية استثناء من هذا الأصل في بعض المسائل ، كالأشهر الستة المعتبرة في أقل الحمل ، يريدون بالشهر فيها (١) شرح التحرير بحاشية الشرقاوي ١٥٥/١، والمغني ٤٥٨/٧ . (٢) سورة التوبة / ٣٦ . (٣) القرطبي ١٣٣/٨. ثلاثين يوما ولا يعنون به الشهر الهلالي (١). الأحكام المتعلقة بالشهر : أشهر الحج : ٢ - يرى جمهور الفقهاء أن أشهر الحج هي : شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذي الحجة . وذهب المالكية إلى أن أشهر الحج هي : شوال وذو القعدة وذو الحجة . وللتفصیل ر: (أشهر الحج ف ١ - ٤ جـ ٤٩/٥) . الأشهر الحرم : ٣ - الأشهر الحرم : هي التي ورد ذكرها في قول الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ﴾ والمراد بها : رجب مضر، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم . وللتفصيل ينظر: (الأشهر الحرم ف ١ - ٦ / جـ ٥٠/٥). العدة بالشهور : ٤ - إذا لم تكن من وجبت عليها العدة ذات قرء لصغر أو یأس ، فإنها تعتد بالشهور، لقول الله تعالى: ﴿ واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة (١) شرح التحرير بحاشية الشرقاوي ١٥٤/١، وروضة الطالبين ١٥٣/١ . - ٢٦١ - شهر ٤ - ٥ أشهر واللائى لم يحضن﴾ (١). وذات القرء إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بالأشهر . والآيسة، وکل من توفي عنها زوجها ولا حمل بها قبل الدخول أو بعده حرة أو أمة عدتها بالشهور ؛ (٢) لقول الله تعالى : ﴿ والذین یتوفون منکم ویذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ﴾ (٣). وللفقهاء تفصيل في عدة المطلقة بالأشهر، وعدة المتوفى عنها زوجها ، وانتقال العدة من الأشهر إلى الأقراء ، وانتقالها من الأقراء إلى الأشهر: ينظر في (عدة) . الإِجارة مشاهرة : ٥ - إذا قال المؤجر : آجرتك داري عشرين شهرا كل شهر بدرهم مثلا جاز العقد بغير خلاف ؛ لأن المدة معلومة وأجرها معلوم وليس لواحد من المؤجر والمستأجر حق الفسخ بحال ، لأنها مدة واحدة فأشبه مالو قال : آجرتك عشرين شهرا بعشرين درهما (٤). (١) سورة الطلاق / ٤ . (٢) المغني ٤٤٩/٧ ط الرياض، وبدائع الصنائع ١٩٥/٣، وفتح القدير ٢٩/٣، والقوانين الفقهية ص ٢٣٥ نشر دار الكتاب العربي ، ومغني المحتاج ٣٨٦/٣، ٣٩٥، وروضة الطالبين ٣٧٠/٨. (٣) سورة البقرة / ٢٣٤. (٤) المغني مع الشرح الكبير ٦ / ١٩ - ٢٠، وتكملة فتح القدير ١٧٦/٧ ط بولاق ، والتاج والإكليل ٤٤٠/٥ . أما إذا قال المؤجر : آجرتك هذا کل شهر بدرهم . فقد اختلف الفقهاء في صحة الإِجارة حسب الاتجاهات التالية : ذهب الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة وأبو ثور إلى : أن الإِجارة صحيحة إلا أن الشهر الأول تلزم الإِجارة فيه بإطلاق العقد ، وما بعده من الشهور يلزم العقد فیه بالتلبس به ، وهو السكنی في الدار. واستدلوا بأن عليا - رضي الله عنه - استقى لرجل من اليهود كل دلو بتمرة ، وجاء بالتمر إلى النبي * يأكل منه، (١) قال علي : كنت أدلو الدلو واشترطها جلدة . (٢) وعن أبي هريرة: أن رجلا من الأنصار قال ليهودي : أسقي نخلك ؟ قال : كل دلو بتمرة . واشترط الأنصاري أن لا يأخذها خدرة (عفنة) ولا تارزة (يابسة) ولا حشفة . ولا يأخذ إلا جلدة (١) حديث: ((أن عليا استقى لرجل من اليهود)). أخرجه ابن ماجه (٨١٨/٢ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس، وقال البوصيري: ((هذا إسناد ضعيف )) كذا في مصباح الزجاجة (٥٣/٢ - ط دار الجنان) وقال ابن حجر: ((رواه أحمد من طريق علي بإسناد جيد)) كذا في التلخيص الحبير (٦١/٣ - ط شركة الطباعة الفنية ). (٢) حديث علي: ((كنت أدلو الدلو .. )). أخرجه ابن ماجه (٨١٨/٢ - ط الحلبي) وقال البوصيري: ((هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات موقوفا)» . كذا في مصباح الزجاجة (٥٣/٢ - ط دار الجنان ) . - ٢٦٢ - شهر ٥ - ٦ فاستقى بنحو من صاعين، فجاء به إلى النبي ◌َ* (١). قال ابن قدامة : وهو نظير مسألتنا ، ولأن شروعه في کل شهر مع ما تقدم في العقد من الاتفاق على تقدير أجره والرضا ببذله به جری مجرى ابتداء العقد عليه وصار كالبيع بالمعاطاة (٢). والمالكية وإن كانوا يقولون بصحة الإِجارة في هذه الحالة إلا أنهم لا يعتبرون الإِجارة لازمة فلكل من المؤجر والمستأجر عندهم حل العقد عن نفسه متى شاء ، ولا كلام للآخر (٣). والقول الصحيح للشافعية ولأبي بكر عبد العزيز بن جعفر وأبي عبد الله بن حامد من الحنابلة : أن العقد باطل لأن ((كل)) اسم للعدد، فإذا لم يقدره کان مبهما مجهولا فيكون فاسدا كما لو قال : آجرتك مدة أو شهرا (٤). قال في الإِملاء - وهو القول المقابل الصحيح للشافعية - : تصح الإِجارة في (١) حديث أبي هريرة : أن رجلا من الأنصار قال ليهودي : أسقي نخلك . أخرجه ابن ماجه (٨١٨/٢ -٨١٩ - ط الحلبي) وضعف اسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٥٣/٢ - ط دار الجنان) . (٢) المغني مع الشرح الكبير ١٨/٦ - ١٩. (٣) الشرح الصغير ٦٠/٤. (٤) المهذب ٤٠٣/١ نشر دار المعرفة ، والمغني مع الشرح الكبير ١٨/٦ . الشهر الأول ، وتبطل فيما زاد ؛ لأن الشهر الأول معلوم وما زاد مجهول ، فصح في المعلوم وبطل في المجهول ، كما لو قال : آجرتك هذا الشهر بدینار وما زاد بحسابه (١). المراد بالشهر في الإِجارة : ٦ - لا خلاف بين الفقهاء أن عقد الإِجارة إذا انطبق على أول الشهر كان ذلك الشهر وما بعده بالأهلة (٢). وإن لم ينطبق العقد على أول الشهر ثُمم المنكسر بالعدد من الأخير، ويحسب الثاني بالأهلة . بهذا يقول الشافعية والصاحبان من الحنفية ، وهو المذهب عند الحنابلة، وهو ما يؤخذ من عبارات المالكية في باب العدة (٣). ويرى أبو حنيفة والشافعي في رواية - نقلها عنه ابن قدامة - وأحمد في رواية : أنه يستوفي الجميع بالعدد ؛ لأن الشهر الأول يكمل بالأيام من الثاني ، فيصير أول الثاني (١) المهذب ٤٠٣/١ . (٢) فتح القدير ٣٠/٣ ط بولاق، وابن عابدين ٣٢/٥ ، ومطالب أولى النهى ٦٢٢/٣، والمغني مع الشرح الكبير ٥/٦، والمهذب ٤٠٣/١ . (٣) المغنى مع الشرح الكبير ٥/٦ ، ومطالب أولي النهى ٦٢٢/٣، وفتح القدير ٣٠/٣، والمهذب ٤٠٣/١، وروضة الطالبين ١٩٧/٥، والقوانين الفقهية ص ٢٣٦، والشرح الصغير ٦٧٣/٢. - ٢٦٣ - ٠٠ الشهر الحرام ، شَهْرُ رمضان ، شُهْرَة ، شَهْوَةَ ١ بالأيام ، فيكمل بالثالث وهكذا (١). والظاهر أن هذا الخلاف يجري في كل ما يعتبر بالأشهر ، کعدة وفاة ، وصوم شهري كفارة ، ومدة خيار، وأجل ثمن وسلم لأن هذه المسائل تساوي ما تقدم معنى (٢). الشَّهْرُ الحرام انظر : الأشهر الحرم شَهْرٌ رمضان انظر : رمضان شُهْرَة انظر : تسامح ، ألبسة (١) ابن عابدين ٣٢/٥، وفتح القدير ٣٠/٣، والمغني مع الشرح الكبير ٥/٦ . (٢) مطالب أولي النهى ٦٢٢/٣، وفتح القدير ٣٠/٣ ط. بولاق . شَهْوَة التعريف : ١ - الشهوة لغة : اشتياق النفس إلى الشيء ، والجمع : شهوات . وشيء شهي ، مثل لذيذ ، وَزْنًا ومعنى . واشتهاه وتشهاه : أحبه ورغب فيه (١) وفي الاصطلاح : توقان النفس إلى المستلذات (٢). وقال القرطبي : الشهوات عبارة عما يوافق الإِنسان ويشتهيه ويلائمه ولايتقيه (٣). وفي إعطاء النفس حظها من الشهوات المباحة مذاهب حكاها الماوردي . أحدها : منعها وقهرها كي لاتطغى . والثاني : إعطاؤها تحيلا على نشاطها وبعثا لروحانيتها . والثالث : قال - وهو الأشبه - : (١) ترتيب القاموس المحيط والمصباح المنير. (٢) التعريفات وكشاف اصطلاح الفنون ٧٨٨/٣. (٣) تفيسر القرطبي ١١/ ١٢٥ . - ٢٦٤ - شھْوة ١ - ٣ التوسط ؛ لأن في إعطاء الكل سلاطة ، وفي المنع بلادة (١). والثالث : قال : وهو الأشبه : التوسط لأن في إعطاء الكل سلاطة ، وفي المنع بلادة (١) . الأحكام المتعلقة بالشهوة : نقض الوضوء باللمس بشهوة : ٢ - ذهب الحنفية إلى: أن لمس المرأة غير المحرم بشهوة أو بغير شهوة غير ناقض للوضوء ، وذهب أبو حنيفة وأبویوسف إلى : أنه ينتقض الوضوء بمباشرة فاحشة استحسانا . وهي مسّ فرج أو دبر بذکر منتصب بلا حائل یمنع حرارة الجسد ، أو مع وجود حائل رقيق لايمنع الحرارة . وكما ينتقض وضوء الرجل ينتقض وضوء المرأة كما في القنية . وقال محمد بن الحسن : لاينتقض الوضوء إلا بخروج المذي ، وهو القياس . ووجه الاستحسان : أن المباشرة الفاحشة لاتخلو عن خروج المذي غالبا ، والغالب كالمتحقق . وفي مجمع الأنهر : قوله : (أي محمد) : (١) عميرة علي شرح المنهاج ٢٦٤/٤، ونهاية المحتاج ١٥٤/٨، وحاشية الجمل ٢٧٩/٥ . أقيس ، وقولهما : أحوط (١). ٣ - وذهب المالكية إلى: أن لمس المتوضىء البالغ لشخص یلتذ بمثله عادة - من ذكر أو أنثى - ينقض الوضوء ولو كان الملموس غير بالغ ، أو كان اللمس لظفر أو شعر أو من فوق حائل کثوب ، وظاهر المدونة سواء كان الحائل خفيفا يحس اللامس معه بطراوة البدن ، أم كان كثيفا ، وتأولها بعض المالكية بالخفيف ، ومحل الخلاف بين الخفيف والكثيف مالم يقبض ، فإن قبض على شيء من الجسم نقض اتفاقا ومحل النقض : إن قصد التلذذ بلمسه ، وإن لم تحصل له لذة حال لمسه ، أو وجدها حال اللمس وإن لم يكن قاصدا لها ابتداء . فإن لم يقصد ولم تحصل له لذة فلا نقض ولو وجدها بعد اللمس . والملموس - إن بلغ ووجد اللذة أو قصدها ۔ بأن مالت نفسه لأن يلمسه غيره فَلَمَسَه : انتقض وضوؤه ؛ لأنه صار في الحقيقة لامسا وملموسا ، فإن لم یکن بالغا فلانقض ، ولو قصد ووجد . وأما القبلة في الفم فتنقض الوضوء مطلقا ، سواء قصد المقبل اللذة أو وجدها ، (١) حاشية الطحطاوي علي مراقبي الفلاح ص ٥١ ، وابن عابدين ٩٩/١، وتبيين الحقائق ١٢/١. - ٢٦٥ - شھْوة ٣ - ٥ أم لا ؛ لأنها مظنة اللذة بخلافها في غير الفم . وسواء في النقض: المقبِّل والمقبّل، ولو وقعت بإكراه أو استغفال . ولا ينتقض الوضوء بلذةٍ من نظر أو فكر ولو أنعظ ، ولابلمس صغيرة لاتشتهى أو بهيمة (١). ٤ - وذهب الشافعية إلى أن التقاء بشرتي الرجل والمرأة ينقض الوضوء ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بشهوة أو إكراه ، أو نسيان ، أو يكون الرجل ممسوح الذكر، أو خصيا ، أو عنينا ، أو المرأة عجوزا شوهاء أو كافرة . واللمس عندهم : الحس باليد ، والمعنى فيه أنه مظنة ثوران الشهوة ، ومثله في ذلك باقي صور الالتقاء فألحقت به ، بخلاف نقض الوضوء بمس الفرج ، فإنه يختص ببطن الكف لأن المس إنما يثير الشهوة ببطن الكف ، واللمس یثیرها به وبغيره . والمراد بالرجل : الذكر إذا بلغ حدا یشتھی لاالبالغ . وبالمرأة : الأنثى إذا صارت مشتهاة لا البالغة . ولا ينتقض الوضوء بلمس المْحَرم له بنسب أو رضاع أو مصاهرة ، ولو بشهوة في (١) الشرح الصغير ١٤٢/١ - ١٤٤. الأظهر، لأنها ليست مظنة الشهوة بالنسبة إليه ، كالرجل . ومقابل الأظهر ينتقض الوضوء لعموم قوله تعالى : ﴿أو لامستم النساء﴾ (١). والملموس رجلا كان أو امرأة کاللامس في نقض وضوئه في الأظهر، لاستوائهما في لذة اللمس . ولا نقض بلمس الصغيرة أو الصغير إذا لم يبلغ کلمنهما حدا یشتھی عرفا . ولابلمس الشعر أو السن أو الظفر في الأصح (٢). ٥ - وذهب الحنابلة إلي : أن من النواقض للوضوء مس بشرة الذكر بشرة أنثى لشهوة ، لقوله تعالى : ﴿أو لا مستم النساء﴾. وأما کون اللمس لاینقض إلا إذا كان لشهوة فللجمع بين الآية والأخبار . لأنه روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ((فقدت النبي صل﴾ ليلة من الفراش فَالْتَمَسْتُهُ ، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان)) (٣). ونصبهما دلیل علی أنه كان يصلي ، وروي عنها أيضا أنها قالت : ((كنت أنام بين يدي (١) سورة النساء / ٤٣ . (٢) مغني المحتاج ٣٤/١ - ٣٥ . (٣) حديث عائشة: ((فقدت النبي ﴿ ليلة من الفراش .. )) أخرجه مسلم (٣٥٢/١ - ط. الحلبي) . - ٢٦٦ - شھْوة ٥ -٦ النبي ◌َ ﴾ ، ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي» (١). والظاهر أن غمزه رجليها كان من غير حائل . ولأن المسَّ ليس بحدث في نفسه ، وإنما هو داع إلى الحدث ، فاعتبرت الحالة التي يدعو فيها إلى الحدث ، وهي حالة الشهوة . وينقض الوضوء مس بشرتها بشرته لشهوة ، لأنها ملامسة تنقض الوضوء فاستوى فيها الذكر والأنثى كالجماع . ويشترط في المس الناقض للوضوء: أن يكون من غير حائل ، لأنه مع الحائل لم يلمس بشرتها ، أشبه مالو لمس ثيابها لشهوة ، والشهوة لا توجب الوضوء بمجردها . ولاينقض مس الرجل الطفلة ، ولامس المرأة الطفل . أي : من دون سبع سنوات ، ولاينتقض وضوء ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة ، لأنه لانصَّ فيه . وقال ابن قدامة : وينتقض وضوء الملموس إذا وجدت منه الشهوة ؛ لأن ما ينتقض بالتقاء البشرتين لا فرق فيه بين اللامس والملموس (٢). (١) حديث عائشة: ((كنت أنام بين يدي النبي ◌َا ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٨٠/٣ ط . السلفية) ومسلم (٣٦٧/١ - ط. الحلبي) . (٢) المغني لابن قدامة ١٩٥/١ طبعة الرياض . ولا ينتقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر ، ولا بلمس شعر وظفر وسن ولا المس به ، لأنه في حکم المنفصل ، ولا مس عضو مقطوع لزوال حرمته ، ولا ينتقض وضوء رجل مسِّ أمرد (١). ولو بشهوة ، لعدم تناول الآية له . ولأنه ليس محلا للشهوة شرعا . ولا ينتقض الوضوء بمسِّ الرجل الرجل ، ولا بمس المرأة المرأة ولو بشهوة (٢). وتفصيل ما تقدم في مصطلح (وضوء) . الشهوة وأثرها في الصوم : أ - الإِنزال بنظر أو فكر : ٦ - ذهب الحنفية والشافعية إلى : أن إنزال المني أو المذي عن نظر وفكر لايبطل الصيام ، ومقابل الأصح عند الشافعية أنه : إذا اعتاد الإِنزال بالنظر، أو كرر النظر فأنزل يفسد الصيام . وذهب المالكية والحنابلة إلى : أن إنزال المني بالنظر المستديم يفسد الصوم ، لأنه إنزال بفعل يتلذذ به ، ويمكن التحرز منه . وأما الإِنزال عن فكر فيفسد الصوم عند المالكية ، وعند الحنابلة لايفسده لأنه لايمكنه التحرز عنه . (١) الأمرد : الشاب طرّ شاربه ولم تنبت لحيته . القاموس . (٢) كشاف القناع ١٢٨/١ - ١٢٩ . - ٢٦٧ - شَهْوَة ٧ - ١١ .. ..... ب - الإِنزال عن قبلة أومس أو معانقة . ٧ - لاخلاف بين الفقهاء في أن إنزال المني باللمس أو المعانقة أو القبلة يفسد الصوم ؛ لأنه إنزال بمباشرة فأشبه الإِنزال بالجماع دون الفرج . أما إذا حصل من القبلة والمعانقة واللمس إنزال مذي فلايفسد الصوم عند الحنفية والشافعية ، ويفسده عند المالكية والحنابلة ؛ لأنه خارج تخلّله الشهوة خرج بالمباشرة فأفسد الصوم كالمني (١). وتفصيله في مصطلح (صوم) . الشهوة وأثرها في الحج والعمرة : أ - الجماع : ٨ - إذا وقع الجماع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه بإجماع العلماء وإذا وقع الجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول فسد حجه وعليه بدنة عند جمهور الفقهاء ، (المالكية والشافعية والحنابلة) . وذهب الحنفية إلى عدم فساد الحج وعليه أن يهدی بدنه . واتفق الفقهاء على أن الجماع إذا وقع بعد التحلل الأول لايفسد الحج . وقد سبق تفصيله في مصطلح (إحرام : الموسوعة ١٩١/٢ - ١٩٣. (١) مراقي الفلاح ص ٣٦٢ ، وابن عابدين ١١٢/٢. والقوانين الفقهية ص ١١٨ ومغني المحتاج ٤٣٠/١ - ٤٣١ والمغني ١١١/٣ - ٣١٢ وما بعدها . ب - مقدمات الجماع : ٩ - اللمس بشهوة والتقبيل والمباشرة بغير جماع، يجب على من فعل شيئامنها الدم، سواء أنزل أم لم ينزل ، وحجه صحيح علي تفصيل وخلاف سبق في مصطلح (إحرام : الموسوعة ١٩٢/٢ - ١٩٣) . ج - النظر والتفكر : ١٠ - النظر أو التفكر بشهوة إذا أدى إلى الإنزال لايجب عليه شيء عند الحنفية والشافعية خلافا للمالكية والحنابلة . وتفصيل الخلاف فيه سبق في مصطلح (إحرام: الموسوعة ١٩٣/٢) . النظر بشهوة : نظر الرجل للمرأة : ١١ - أ- إذا كانت زوجة جاز للزوج النظر إلى جميع جسدها بشهوة : ب - إذا كانت المرأة ذات محرم فقد اختلف الفقهاء فيما يجوز نظر البالغ بلاشهوة من محرمه الأنثى . فذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز النظر إلى مايظهر غالبا كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ، ولم يجز الحنابلة النظر إلى مازاد على ذلك . وزاد الحنفية جواز النظر إلى الصدر والساقين والعضدين ، ولم يجيزوا النظر إلى ظهرها وبطنها ؛ لأنه أدعى للشهوة . - ٢٦٨ - شهوة ١١ ٥ وتوسع الشافعية فأجازوا النظر إلى جميع جسدها إلا مابين سرتها وركبتها ، وأجازوا النظر إلى السرة والركبة ، لأنهما ليستا بعورة بالنسبة لنظر المحرم . أما المالكية فلم يجيزوا النظر إلا إلى وجهها ويديها دون سائر جسدها . هذا وقد اتفقوا على حرمة النظر بشهوة إلى محرمه الأنثى . ج - إذا كانت المرأة أجنبية حرة فلايجوز النظر إليها بشهوة مطلقا ، أو مع خوف الفتنة بلا خلاف بين الفقهاء . وذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز نظر الأجنبي إلى سائر بدن الأجنبية الحرة إلا الوجه والكفين لقوله تبارك وتعالى : ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾(١). إلا أن النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهي الوجه والكفان رخص فيه بقوله تعالى : ﴿ولایبدین زينتهن إلا ماظهر منها﴾ (٢) والمراد من الزينة مواضعها ، ومواضع الزينة الظاهرة : الوجه والكفان ، فالكحلُ زينة الوجه والخاتم زينة الكف ، ولأنها تحتاج إلى البيع والشراء والأخذ والعطاء ، ولا يمكنها ذلك عادة إلا بكشف الوجه والكفين ، فيحل لها الكشف ، وهذا (١) سورة النور / ٣٠ . (٢) سورة النور / ٣١ . قول أبي حنيفة ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يحل النظر إلى القدمين . والمالكية كالحنفية في جواز النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها . أما النظر إلى القدمين فلا يجوز عندهم . وذهب الشافعية إلى أنه يحرم نظر بالغ عاقل مختار، ولو شيخا أو عاجزا عن الوطء أو مخنثا - وهو المتشبه بالنساء - إلى عورة أجنبية حرة كبيرة - وهي من بلغت حدا تشتهى فيه للناظر بلا خلاف لقوله تعالى : ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ والمراد بالعورة : ما عدا الوجه والكفين .. وكذا يحرم عندهم : النظر إلى الوجه والكفين عند خوف فتنة تدعو إلى الاختلاء بها جماع أو مقدماته بالإجماع كما قال إمام الحرمين . وكذا يحرم عند الشافعية النظر إلى الوجه والکفین عند الأمن من الفتنة فیما یظهر له من نفسه من غير شهوة على الصحيح ، كذا في المنهاج للنووي . ووجهه إمام الحرمين باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه ، وبأن النظر مظنة الفتنة ومحرك للشهوة ، وقد قال تعالى : ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ واللائق بمحاسن الشريعة سد - ٢٦٩ - شَهْوَةٍ ١١ - ١٣ الباب والإِعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية . والوجه الثاني عند الشافعية : أنه لا يحرم ، ونسبه إمام الحرمين لجمهور الشافعية ، ونسبه الشيخان للأکثرین ، وقال الإِسنوي في المهمات : إنه الصواب لكون الأكثرين عليه ، وقال البلقيني : الترجيح بقوة المدرك ، والفتوى علي ما في المنهاج . وذهب الحنابلة إلى تحريم نظر الرجل إلى جميع بدن الأجنبية من غير سبب في ظاهر كلام أحمد . وقال القاضي : يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين ، لأنه عورة ، ويباح له النظر إليهما مع الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة . هذا وقد اتفق الفقهاء على أن النظر إلى المرأة بشهوة حرام ، سواء أكانت محرماً أم أجنبية عدا زوجته ومن تحل له . وكذا يحرم نظر الأجنبية إلى الأجنبي إذا كان بشهوة (١) . اللمس بشهوة : ١٢ - متى حرم النظر حرم المس بشهوة ؛ لأن المسّ أبلغ من النظر في إثارة الشهوة ، وما (١) بدائع الصنائع ١١٩/٥ - ١٢٤، والشرح الكبير ٢١٥/٢، ومغني المحتاج ١٢٨/٣ - ١٢٩، والمغني ٦ / ٥٥٢ - ٥٦٠. حلّ نظره من ذكر أو أنثى حلّ لمسه إذا أمن الشهوة على نفسه وعليها ، وإن لم يأمن ذلك أو شك فلايحل له النظر واللمس . أما الأجنبية فلايحل مس وجهها وكفيها وإن أمن الشهوة ؛ لأنه أغلظ من النظر (١) وتفصيله في مصطلح (لمس ومسّ) . أثر الشهوة في النكاح : ١٣ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى : أن حرمة المصاهرة تثبت بالزنى . وزاد الحنابلة اللواط في رواية . والصحيح عندهم أن اللواط لاينشر الحرمة ، لأن المحرمات باللواط غير منصوص عليهن في التحريم ، فيدخلن في عموم قوله تعالى : ﴿وأحل لكم ماوراء ذلكم﴾ (٢). وذهب الحنفية إلى: أن حرمة المصاهرة كما تثبت بالزنى تثبت بالمسّ والنظر بشهوة . فيحرم أصل ممسوسة بشهوة ولو لشعر على الرأس بحائل لايمنع الحرارة ، وكذا يحرم أصل مامسَّته . ويحرم أيضا نكاح الناظرة بشهوة إلى ذكر ، والمنظور إلى فرجها بشهوة . وتفصيل ذلك في مصطلح (زنی، لواط، (١) ابن عابدين ٢٣٥/٥، ومغني المحتاج ١٣٢/٣ - ١٣٣، وكشاف القناع ١٥/٥ - (ط. دار الفكر.) (٢) سورة النساء / ٢٤ . - ٢٧٠ - ،% ٠٠ شَهْوَة ١٤ - ١٦ نظر، نكاح) والعبرة للشهوة عند المسّ والنظر لا بعدهما (١). حد الشهوة : ١٤ - حدّ الشهوة في النظر والمسّ تحرك الآلة أو زيادة التحرك إن كان موجودا قبلها ، وبه يفتى عند الحنفية (٢). والتفصيل في مصطلح (لواط ، ونكاح) . أثر الشهوة في الرجعة : ١٥ - ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية والحنابلة إلى: أن الرجعة تحصل بالقول والفعل ، ويقصدون بالفعل : الوطء ومقدماته ، ومقدمات الوطء لاتخلو عن مس بشهوة . وذهب الشافعية إلى أن الرجعة لاتحصل بالفعل کالوط ومقدماته (٣). بل لابد فيها من القول قياسا على عقد الزواج فإنه لايصح إلا بالقول الدال عليه . وتفصيل الخلاف فيه في مصلح (رجعة) . (١) البدائع ٢ / ٢٦٠ - ١٦١، والمغني ٦ / ٥٧٧ . (٢) ابن عابدين ٢٨٠/٢. (٣) ابن عابدين ٢/ ٥٣٠، والشرح الصغير ٦٠٦/٢، والقوانين الفقهية ص ٢٣٩ ومغني المحتاج ٣٣٧/٣ ، وكشاف القناع ٣٤٣/٥ . كسر الشهوة : ١٦ - من أراد الزواج ولم يستطع، يكسر شهوته بالصوم لقوله عليه الصلاة والسلام : ((يامعشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج ؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء)) (١). فمن لم يجد أهبة النكاح يكسرها بالصوم ، ولایکسرها بنحو کافور بل يكره له ذلك . ويكره أن يحتال في قطع شهوته ، لأنه نوع من الخصاء ، إن غلب على الظن أنه لا يقطع الشهوة بالكلية بل يفترها في الحال ، ولو أراد إعادتها باستعمال ضد الأدوية لأمكنه ذلك ، فان كان يقطع الشهوة حرم (٢). وتفصيله في مصطلح (نكاح) . (١) حديث: ((يا معشر الشباب من استطاع الباءة)). أخرجه البخاري (الفتح ١١٢/٩ - ط . السلفية) ومسلم (١٠١٨/٢ - ط. الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود . (٢) نهاية المحتاج ١٧٩/٦، ٤١٦/٨ - ٤١٧، والجمل ٤٩١/٥، وأسنى المطالب ١٠٧/٣، ومطالب أولي النهى ٥/٥ . - ٢٧١ - شهيد ١ - ٢ شَهِید 143 التعريف : ١ - الشهيد لغة: الحاضر. والشاهد، العالم الذي يبين ماعلمه ، ومنه قوله تعالي : ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ (١). والشهيد من أسماء الله تعالى - ومعناه الأمین في شهادته والحاضر . والشهيد المقتول في سبيل الله ، والجمع شهداء . قال ابن الأنباري سمي الشهيد شهيداً لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة (٢). وقيل : لأنه يكون شهيدا على الناس بأعمالهم (٣). والشهيد في اصطلاح الفقهاء : من مات من المسلمين في قتال الكفار وبسببه (٤). ويلحق به في أمور الآخرة أنواع يأتي بيانها . منزلة الشهيد : ٢ - الشهيد له منزلة عالية عند الله - سبحانه (١) سورة المائدة / ١٠٦. (٢) لسان العرب . (٣) القرطبي ٢١٨/٤ . (٤) مغني المحتاج ٣٥٠/١،. وانظر ابن عابدين ٠٦٠٨،٦٠٧/١ وتعالى - يشهد بها القرآن الكريم في عدد من الآيات منها : قوله تعالى : ﴿ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لايضيع أجر المؤمنين﴾ (١) . وقوله تعالي : ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ، ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نوتيه أجرا عظيما﴾ (٢). ويشهد بهذه المنزلة الأحاديث الصحيحة منها : ما روى أنس بن مالك عن النبي وَ ال قال : ((ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة)) (٣). وما روى أبو الدرداء - رضي الله عنه عن - (١) سورة آل عمران ١٧٠- ١٧١. (٢) سورة النساء / ٧٤ . (٣) حديث: ((ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع الى الدنيا . .)) أخرجه البخاري (الفتح ٣٢/٦ - ط السلفية) ومسلم (١٤٩٨/٣ - ط. الحلبي) . - ٢٧٢ - شهيد ٢ - ٣ النبي ◌َ ل﴾ قال: ((يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته)) (١) . وفي حديث آخر: ((للشهيد عند الله ست خصال ، يُغفر له في أول دفعة ، ویری مقعده من الجنة ، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ویوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ، ویزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور، ويشفع في سبعين من أقاربه)) (٢). أقسام الشهيد : ٣ - الشهيد على ثلاثة أقسام : الأول شهيد الدنيا والآخرة ، والثاني شهيد الدنيا ، والثالث شهيد الآخرة (٣). فشهيد الدنيا والآخرة هو الذي يقتل في قتال مع الكفار، مقبلا غير مدبر، لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا (١) حديث: ((يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته)) أخرجه أبو داود (٢ /٣٤ - تحقیق عزت عبید دعاس) وابن حبان (الإحسان ٨٤/٧ ط. دار الكتب العلمية) واللفظ لأبي داود، وصححه ابن حبان . (٢) حديث : ((للشهيد عند الله ست خصال)) أخرجه الترمذي (١٨٧/٤ - ١٨٨ ط. الحلبي) وقال: ((حديث حسن صحيح)) . (٣) مغنى المحتاج ٣٥٠/١، نشر المكتبة الاسلامية. حاشية رد المحتار ٢٥٢/٢ الطبعة الثانية. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٢٥/١ طبع دار إحياء الكتب العربية. المغني لابن قدامة ٣٩٣/٢-٣٩٩، نشر مكتبة القاهرة . هي السفلى ، دون غرض من أغراض الدنيا (١). ففي الحديث عن أبي موسي - رضي الله عنه - قال: (إن رجلا أتى النبي وَل فقال مستفهما : الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله ؟ قال عليه الصلاة والسلام : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله) (٢). أما شهيد الدنيا : فهو من قتل في قتال مع الكفار وقد غلَّ في الغنيمة ، أو قاتل رياء ، أو لغرض من أغراض الدنيا . وأما شهيد الآخرة: فهو المقتول ظلما من غير قتال ، وكالميت بداء البطن ، أو بالطاعون ، أو بالغرق ، وكالميت في الغربة ، وكطالب العلم إذا مات في طلبه ، والنفساء التي تموت في طلقها ، ونحو ذلك . واستثني من الغريب العاصي بغريته ، ومن الغريق العاصي بركوبه البحر كأن كان الغالب فيه عدم السلامة ، أو ركوبه لإِتيان معصية من (١) مغنى المحتاج ٣٥٠/١. (٢) حديث: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله .. ) أخرجه البخاري (الفتح ٢٨/٦ - ط السلفية) ومسلم (١٥١٢/٣-١٥١٣ ط. الحلبي) . - ٢٧٣ - شهيد ٣ - ٤ .... المعاصي ، ومن الطلق الحامل بزنى (١). فعن أبي هريرة - رضى الله عنه - أن رسول اللهِ وَل قال: ((الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون ، والغرِق ، وصاحب الهدم ، والشهيد في سبيل الله)) (٢). وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي وَ ير قال: ((الطاعون شهادة لكل مسلم)) (٣). وفي حديث أن رسول الله وَ لي قال: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)» (٤). غسل الشهيد والصلاة عليه : ٤ - ذهب جمهور الفقهاء : إلى أن شهيد المعترك لايغسل ، خلافا لما ذهب إليه الحسن البصري ، وسعيد بن المسيب ، إذ قالا بغسله (٥) . أما الصلاة عليه فيرى الحنفية وجوبها (٦) (١) مغني المحتاج ١ /٣٥٠ . (٢) حديث: ((الشهداء خمسة: المبطون ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٤٤/٦ ط : السلفية) ومسلم (١٥٢١/٣ ط. الحلبي). (٣) حديث: ((الطاعون شهادة لكل مسلم)) أخرجه البخاري (الفتح ١٨٠/١٠ - ط السلفية) ومسلم (١٥٢٢/٣- ط. الحلبي). (٤) حديث : «من قتل دون ماله فهو شهيد)) أخرجه البخاري (الفتح ١٢٣/٥- ط السلفية) ومسلم (١٢٥/١ - ط. الحلبي). (٥) المغني لابن قدامة ٣٩٣/٢، بداية المجتهد ٢٣٢/١، نشر مكتبة الكليات الأزهرية . (٦) تبيين الحقائق ٢٤٧/١. وهو ماقال به الخلال والثوري ، وروي عن أحمد بن حنبل القول باستحبابها (١). ويستدل الحنفية للزوم الصلاة بما روى ابن عباس وابن الزبير أنه عليه الصلاة والسلام على علي شهداء أحد ، وکان یوتی بتسعة تسعة ، وحمزة عاشرهم ، فيصلي علیهم . وقالوا : إنه صلى الله عليه وسلم صلى على غيرهم (٢). وعن شداد بن الهاد ، أن رجلا من الأعراب جاء إلي النبي پے فآمن به واتبعه ثم قال : أهاجر معك . فأوصى به النبي ◌َلآل بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة ، غنم النبي ◌َّ سبيا فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ماقسم له ، وكان يرعى ظهرهم . فلما جاء دفعوه إليه فقال : ماهذا ؟ قالوا : قسم قسمه لك النبي وَلاير، فأخذه فجاء به إلي النبي وَلّ فقال : ماهذا؟ قال : قسمته لك ، قال : ما على هذا اتبعتك ، ولكني اتبعتك على أن أُرمى إلى ههنا، وأشار إلى (١) المغني ٣٩٣/٢. (٢) حديث ابن عباس وابن الزبير أنه عليه الصلاة والسلام صلی علی شهداء أحد . أخرجهما الطحاوى في شرح المعاني (٥٠٣/١ - ط مطبعة الأنوار المحمدية) وإسناد حديث ابن الزبير حسن ، وحديث ابن عباس قال ابن حجر عن أحد رواته : ((فيه ضعف يسير) كذا في التلخيص (١١٧/٢ - ط شركة الطباعة الفنية) . - ٢٧٤ - ٠٠ شهيد ٤ حلقه ، بسهم فأموت فأدخل الجنة . فقال : إن تصدق الله يصدقك . فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به النبي ۴۴ يحمل قد اصابه سهم حيث أشار. فقال النبي صل : أهو هو؟ قالوا : نعم ، قال : صدق الله فصدقه. ثم كفنه النبي القر في جبة النبي ێ ، ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما ظهر من صلاته : اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا ، أنا شهيد علي ذلك (١). وبما روي عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال : أنه عليه الصلاة والسلام خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر (٢). وقالوا : إن الصلاة على الميت شرعت إكراما له ، والطاهر من الذنب لايستغني عنها ، كالنبي والصبي . أما المالكية فيرون عدم غسله والصلاة عليه ، ونص بعضهم على تحريمهما (٣). (١) حديث شداد بن الهاد : آن رجلا من الأعراب . أخرجه النسائي (٤ /٦٠-٦١ ط المكتبة التجارية) وإسناده صحيح . (٢) حديث عقبة بن عامر: أنه خرج يوما فصلى على أهل أحد. أخرجه البخاري (الفتح ٢٠٩/٣ - ط السلفية) ومسم (١٧٩٥/٤ - ط. الحلبي) . (٣) شرح الخرشي ٢ / ١٤٠، حاشية الدسوقي على الشرح الکبیر ٤٢٥/١، شرح منح الجليل على مختصر خليل للشيخ محمد عليش ٣١٢/١ . قال الشافعية (١): يحرم غسل الشهيد والصلاة عليه لأنه حي بنص القرآن ، ولما ورد عن جابر أن النبي ولي أمر في قتلى أحد بدفنهم ، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم (٢) . وجاء من وجوه متواترة أن النبي ◌َّ لم يصل عليهم وقال في قتلى أحد: ((زملوهم بدمائهم )» (٣). ولعل ترك الغسل والصلاة على من قتله جماعة المشركين إرادة أن يلقوا الله جل وعز بكلومهم لما جاء فيه عن النبي وَل18 أن ريح الكلم ريح المسك واللون لون الدم (٤) واستغنوا بكرامة الله جل وعز عن الصلاة لهم مع التخفيف على من بقي من المسلمين لما يكون فيمن قاتل بالزحف من المشركين من الجراح وخوف عودة العدو ورجاء طلبهم وهمهم بأهليهم وهم أهليهم بهم . والحكمة في ذلك إبقاء أثر الشهادة عليهم (١) مغنى المحتاج ٣٤٩/١. (٢) حديث جابر: أن النبي * أمر في قتلى أحد بدفنهم .. أخرجه البخاري (الفتح ٢٠٩/٣ - ط السلفية) . (٣) حديث: زملوهم بدمائهم .. )). أخرجه النسائي (٧٨/٤ - ط. المكتبة التجارية) من حديث عبد الله بن ثعلبة، وإسناده صحيح . (٤) ماورد أن ربح الكلم ريح المسك . أخرجه البخارى (الفتح ٢٠/٦ - ط السلفية) ومسلم (١٤٩٨/٣، ١٤٩٩، ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة . - ٢٧٥ - شهيد ٤ - ٥ والتعظیم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم (١) . وورد عن النبي ◌َلفر أنه قال: « ليس شىء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين قطرة من دموع في خشية الله ، وقطرة دم تهراق في سبيل الله ، أما الأثران فأثر في سبيل الله ، وأثر في فريضة من فرائض الله (٢) . وجمهور الحنابلة يرون حرمة غسله ، وهي رواية عن الإِمام أحمد ، غیر أُن منهم من یری کراهته ، أما الصلاة فلا يصلى عليه في اصح الروایتین لديهم . وفي رواية عندهم تجب الصلاة عليه ، ومال إلى هذا بعض علمائهم منهم الخلال ، وأبو الخطاب وأبو بكر بن عبد العزيز في التنبيه (٣) . ضابط الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه : ٥ - ذهب الفقهاء إلى أن : من قتله المشركون في القتال ، أو وجد ميتا في مكان المعركة وبه أثر جراحه أو دم، لايغسل لقوله وَلاخير في شهداء أحد: ((زملوهم بكُلُومهم ودمائهم (١) الأم ٢٣٧/١، ومغني المحتاج ٣٤٩/١، ٣٥٠. (٢) حديث: ((ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين .. )) أخرجه الترمذي (١٩٠/٤ - ط. الحلبي) من حديث أبي أمامة، وقال : ((حديث حسن غريب)). (٣) الإنصاف في مسائل الخلاف للمرداوى ٣٩٩/١، ٥٠٠ الطبعة الأولى، والمغني ٣٩٣/٢ . ولا تغسلوهم)) (١)، ولم ينقل خلاف في هذا إلا ماروي عن الحسن ، وسعيد ابن المسیب (٢). واختلفوا في غیر من ذکر ، فذهب المالكية والشافعية إلى : أن كل مسلم مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال لایغسل ، سواء قتله کافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأ ، أو عاد إليه سلاحه ، أو سقط عن دابته ، أو رمحته دابة فمات ، أو وجد قتيلا بعد المعركة ولم يعلم سبب موته ، سواء کان علیه أثر دم أم لا ، ولا فرق في ذلك بین الرجل والمرأة ، والحرّ والعبد، والبالغ والصبي (٣). وقال الحنفية : يغسل كل مسلم قتل بالحديد ظلما وهو طاهر بالغ ، ولم يجب عوض مالي في قتله ، فإن كان جنبا أو صبيا ، أو وجب في قتله قصاص ، فإنه يغسل ، وإن وجد قتيلا في مكان المعركة ، فإن ظهر فيه أثر لجراحة ، أو دم في موضع غير معتاد كالعين فلا يغسل . ولو خرج الدم من موضع يخرج الدم عادة (١) حديث: ((زملوهم ... )). سبق تخريجه ف ٤ . (٢) فتح القدير ١٠٢/٢، الفتاوى الهندية ١٦٧/١، مواهب الجليل ٢٤٦/٢، وروضة الطالبين ١١٨/٢، المجموع ٢٦٠/٥، المغني ٥٢٨/٢، الإنصاف ٤٩٨/٢ . (٣) المجموع ٢٦٠/٥، روضة الطالبين ١١٨/٢، مواهب الجليل ٢٤٦/٢ - ٢٤٧. - ٢٧٦ - شهید ٥ - ٦ منه بغير آفة في الغالب كالأنف ، والدبر والذكر فيغسل . والأصل عندهم في غسل الشهيد : أن كل من صار مقتولا في قتال أهل الحرب أو البغاة ، أو قطاع الطريق ، بمعنی مضاف إلی العدو کان شهیدا ، سواء بالمباشرة أو التسبب ، وكل من صار مقتولا بمعنى غير مضاف إلى العدو لايكون شهیدا . فإن سقط من دابته من غير تنفیر من العدو أو انفلتت دابة مشرك وليس عليها أحد فوطئت مسلما ، أو رمى مسلم الى العدو فأصاب مسلما ، أو هرب المسلمون فأجاهم العدو إلى خندق ، أو نار، أو جعل المسلمون الحسك (١) حولهم ، فمشوا عليها ، في فرارهم ، أو هجومهم على الكفار فماتوا یغسلون ، وكذا إن صعد مسلم حصنا للعدو لیفتح الباب للمسلمين ، فزلت رجله فمات ، يغسل (٢) . وقال الحنابلة : لايغسل الشهيد سواء كان مكلفا أو غيره إلا إن كان جنبا أو امرأة حائضا أو نفساء طهرت من حيضها ، أو نفاسها ، وإن سقط من دابته أو وجد میتا ولا أثر به ، أو سقط من شاهق في القتال أو رفسته دابة فمات منها ، أو عاد إليه سهمه (١) الحسك : مايعمل من الحديد على مثال الشوك ويلقى حول العسكر ويبث في ممرات الخيل فينشب في حوافرها . (٢) الفتاوى الهندية ١٦٧/١. فيها ، فالصحيح في المذهب في ذلك كله أنه : يغسل ، إذا لم يكن ذلك من فعل العدو، ومن قتل مظلوما ، بأي سلاح قتل ، كقتيل اللصوص ونحوه يلحق بشهيد المعركة ، فلا يغسل في أصح الروايتين عن أحمد (١). وقال الشافعية ، والمالكية : يغسل من قتله اللصوص ، أو البغاة . أما من مات في غیر ماذکر من الذین ورد فيهم أنهم شهداء : كالغريق ، والمبطون ، والمرأة التي ماتت في الولادة ، وغير ذلك فإنهم شهداء في الآخرة ، ولكنهم يغسلون باتفاق الفقهاء (٢). إزالة النجاسة عن الشهيد : ٦ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى: أنه إذا كان على الشهيد نجاسة غير دم الشهادة تغسل عنه ، وإن أدى ذلك إلى إزالة دم الشهادة ، لأنها ليست من أثر العبادة ، وفي قول عند الشافعية ، ولاتغسل النجاسة إذا كانت تؤدى إلى إزالة دم الشهادة . (٣) وسبق أن النجاسة تغسل عن الشهيد عند الحنفية . (١) الإنصاف ٥٠٢،٥٠١/٢ ومابعده . (٢) المجموع ٢٦٠/٥، وروضة الطالبين ١١٨/٢، ومواهب الجليل ٢٤٦/٢ . (٣) أسنى المطالب ٣١٥/١، روضة الطالبين ١٢٠/٢، الإنصاف ٤٩٩/٢، مواهب الجليل ٢٤٩/٢ . - ٢٧٧ - شهيد ٦ - ١٠ موت الشهيد بجراحه في المعركة : ٧ - الْرّتَثُّ : وهو من جرح في القتال ، وقد بقيت فيه حياة مستقرة ثم مات يغسل وإن قطع أن جراحته ستؤدي إلی موته(١) . وينظر التفصيل في : (ارتثاث ٩/٣. تكفين الشهيد : ٨- شھید القتال مع الكفار لایکفن کسائر الموتى بل يدفن في ثيابه التي كانت عليه في المعركة بعد نزع آلة الحرب عنه . لحديث : «زملوهم بدمائهم))، وفي رواية « في ثيابهم)). وتفصيل ذلك في مصطلح : ( تكفين ف ١٤ ) . دفن الشهيد : ٩ - من السنة أن يدفن الشهداء في مصارعهم ، ولا ينقلون إلى مكان آخر، فإن قوما من الصحابة نقلوا قتلاهم في واقعة أحد إلى المدينة، فنادى منادي رسول الله والتي بالأمر برد القتلى إلى مصارعهم (٢). فقد قال جابر: ((فبينما أنا فى النظارين إذ جاءت عمتى بأبي وخالي عادلتهما على ناضح ، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا ، إذ لحق رجل ينادي ، ألا (١) أسنى المطالب ٣١٥/١، الإنصاف ٥٠٢/٢، رد المحتار ٦١٠/١، مواهب الجليل ٢٤٨/٢ . (٢) البدائع ٣٤٤/١، ابن عابدين ٦١٠/١، وجواهر الإكليل ١١١/١، والقليوبي ١٣٩/١، وروضة الطالبين ١٣١،١٢٠/٢، والمغنى ٥٠٩/٢، ٥٣٢،٥٣١. إن النبي ◌َله يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حیث قتلت : فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا .. )) (١). دفن أكثر من شهيد في قبر واحد : ١٠ - يجوز دفن الرجلين أو الثلاثة في القبر الواحد، فإن رسول الله وهل كان يجمع بين الرجلین من قتلی أحد في ثوب واحد ، ثم يقول : أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشيرله إلى أحدهما قدمه في اللحد ، وقال : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ، وأمر بدفنهم في دمائهم ، ولم يصل عليهم ولم يغسلهم)) (٢). ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو ابن جموح في قبر واحد ، لما کان بينهما من المحبة ، إذ قال عليه الصلاة والسلام : (( ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد )) (٣). وتفصيله في مصطلح (دفن ف ١٤) . (١) حديث جابر: بينا أنا في النظارين أخرجه أحمد (٣٩٨/٣ - ط الميمنية) وإسناده حسن . (٢) حديث: ((أيهم أكثر أخذا في القرآن» أخرجه البخاري (الفتح ٢١٢/٣ - ٢١٧ - ط. السلفية) . (٣) زاد المعاد في هدي خير العباد ١٠٩/٢، طبع سنة ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م والبدائع ٣١٩/١، وابن عابدين ٥٩٨/١، والدسوقي ٤٢٢/١، وجواهر الإكليل ١١٤/١، والروضة ١٣٨/٢، وكشاف القناع ١٤٣/٢، والمغني ٥٦٣/٢، وحديث: ((ادفنوا هذين المتحابين في الدنیا» أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥٦٢/٣ - ط. بيروت) وإسناده حسن . - ٢٧٨ - ٠٠ شُورَی ١ - ٤ ......... شُورَی التعريف : ١ - الشورى لغة : يقال : شاورته في الأمر واستشرته : راجعته لأری رأيه فيه واستشاره : طلب منه المشورة . وأشار عليه بالرأى . وأشار یشیر إذا وجه الرأى، وأشار إليه باليد : أو ما (١). الألفاظ ذات الصلة : أ - الرأي : ٢ - الرأي: العقل والتدبير والاعتقاد ، ورجل ذو رأي أي: بصيرة وحذق بالأمور(٢). ب - النصيحة : ٣ - النصيحة : الإِخلاص والصدق والمشورة والعمل . نصحت لزيد ، أنصح نصحا ونصيحة ، هذه اللغة الفصيحة (٣). وفي الحديث : ((الدين النصيحة قالوا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )) (٤). (١) لسان العرب، والمصباح المنير - مادة (شور). (٢) لسان العرب مادة (رأى) والمصباح المنير مادة (روى). (٣) لسان العرب والمصباح المنير مادة (نصح) . (٤) حديث: ((الدين النصيحة .. )) = الحكم التكليفي : ٤ - للعلماء في حکم الشوری ۔ من حيث هي - رأيان : الأول : الوجوب : وينسب هذا القول للنووي ، وابن عطية ، وابن خويز منداد ، والرازي . واستدلوا بقوله تعالى : ﴿ وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾ (١) وظاهر الأمر في قوله تعالى: وشاورهم ﴾ يقتضي الوجوب . والأمر للنبي ﴾ بالمشاورة ، أمر لأمته لتقتدي به ولا تراها منقصة ، کما مدحهم سبحانه وتعالى في قوله : ﴿ وأمرهم شورى بينهم﴾ (٢). قال ابن خويز منداد : واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لايعلمون ، وما أُشكل عليهم من أمور الدين ، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال ، فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها . قال ابن عطية: (( والشورى من قواعد الشريعة ، وعزائم الأحكام ، ومن لايستشير = أخرجه مسلم (٧٤/١ - ط الحلبي) من حديث تميم الداري . (١) سورة آل عمران / ١٥٩. (٢) سورة الشورى /٣٨ . - ٢٧٩ - شُوری ٤ -٥ أهل العلم والدین فعزله واجب وهذا مما لا اختلاف فيه )) (١) ولا يصح اعتبار الأمر بالشورى لمجرد تطييب نفوس الصحابة ، ولرفع أقدارهم ، لأنه لو كان معلوما عندهم أن مشورتهم غير مقبولة ، وغير معمول عليها مع استفراغهم للجهد في استنباط ما شوروا فيه ، لم یکن في ذلك تطبیب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم ، بل فيه إيحاشهم وإعلامهم بعدم قبول مشورتهم (٢). الثاني : الندب . وينسب هذا القول لقتادة ، وابن اسحاق ، والشافعي ، والربيع . واستدلوا بأن المعنى الذي من أجله أمر النبي * أن بشاور أصحابه في مكائد الحروب ، وعند لقاء العدو، هو تطييب لنفوسهم ، ورفع لأقدارهم ، وتألفهم على دينهم ، - وإن كان الله قد أغناه عن رأيهم بوحیه . ولقد کانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، فأمر الله تعالى نبيه الآن أن يشاورهم ليعرفوا إكرامه لهم فتذهب أضغانهم . فالأمر في الآية محمول على الندب (١) تفسير القرطبي ٢٤٩/٤، أحكام القرآن للجصاص ٤٨/٢، تفسير الفخر الرازي ٦٧/٩، مواهب الجليل ٣٩٥/٣ - ٣٩٦، بدائع السلك في طبائع الملك ٢٩٥/١ . كما في قوله مثل: ((البكر تستأمر)»(١) ولو أجبرها الأب على النكاح جاز. لكن الأولى أن يستأمرها ، ويستشيرها تطييبا لنفسها ؛ فكذا ههنا (٢) حكم الشورى في حق النبي ◌َين : ٥ - ذكر الفقهاء في سياق عدهم لخصائص النبي ◌َس1 ، أن من الخصائص الواجبة في حقه المشاورة في الأمر مع أهله وأصحابه لقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (٣) ووجه اختصاصه * بوجوب المشاورة - مع کونها واجبة على غيره من أولى الأمر- ، أنه وجب علیه ذلك مع كمال علمه ومعرفته . والحكمة في مشورته ﴿ ﴿ لأصحابه : أن یستن بها الحكام بعده ، لا ليستفيد منهم علما أو حكما . فقد كان النبي ◌َّ غنيا عن مشورتهم بالوحي ، كما أن في استشارتهم تطييبا لقلوبهم ، ورفعا لأقدارهم ، وتألفا لهم على دينهم . قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: (( ما رأيت من الناس أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله وَلخير))(٤) . (١) حديث: ((البکر تستأمر)) أخرجه مسلم (١٠٣٧/٢ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس . (٢) تفسير الفخر الرازي ٦٧/٩، وتفسير القرطبي ٢٥٠/٤، وأحكام القرآن للجصاص ٤٨/٢ . (٣) سورة آل عمران / ١٥٩ . (٤) حديث أبي هريرة : مارأيت من الناس أحدا أكثر مشورة = (٢) أحكام القرآن للجصاص ٤٩/٢ . - ٢٨٠ -