النص المفهرس

صفحات 161-180

شفعة ٤٧ - ٤٨
وإذا ملك الشفيع الشقص بغير الطريق
الأول ، لم یکن له أن يتسلّمه حتى يؤدي
الثمن ، وأن يسلّمه المشتري قبل أداء الثمن
ولا يلزمه أن يؤخر حقه بتأخير البائع حقه .
وإذا لم يكن الثمن حاضرا وقت التملك ،
أمهل ثلاثة أيام . فإن انقضت ولم يحضره
فسخ الحاكم تملكه ، هكذا قاله ابن سریج
والجمهور. وقيل : إذا قصر في الأداء ، بطل
حقه . وإن لم يوجد ، رفع الأمر إلى الحاكم
وفسخ منه (١).
وذهب الحنابلة إلى أن الشفيع يملك
الشقص بأخذه بكل لفظ يدل على أخذه ،
بأن یقول قد أخذته بالثمن أو ملکته بالثمن
أو اخترت الأخذ بالشفعة ، ونحو ذلك إذا
كان الثمن والشقص معلومين ، ولا يفتقر إلى
حكم حاكم .
وقال القاضي وأبو الخطاب : يملكه
بالمطالبة ، لأن البيع السابق سبب ، فإذا
انضمت إليه المطالبة كان كالإيجاب في البيع
انضم إليه القبول .
واستدلوا بأن حق الشفعة ثبت بالنص
والإجماع فلم يفتقر إلى حكم حاكم كالرد
بالعيب .
وعلى هذا فإنه إذا قال قد أخذت الشقص
(١) روضة الطالبين ٥ / ٨٣ - ٨٥ .
بالثمن الذى تم عليه العقد ، وهو عالم بقدره
وبالمبيع صح الأخذ ، وملك الشقص ولا
خيار للشفيع ولا للمشتري ، لأن الشقص
یؤخذ قهرا والمقهور لا خيار له . والآخذ قهرا
لا خيار له أيضا .
وإن كان الثمن أو الشقص مجهولا لم
يملكه بذلك ، لأنه بيع في الحقيقة ، فيعتبر
العلم بالعوضين كسائر البيوع ، وله المطالبة
بالشفعة ، ثم يتعرف مقدار الثمن من
المشتري أو من غيره والمبيع فيأخذه بثمنه
ويحتمل أن له الأخذ مع جهالة الشقص بناء
على بيع الغائب (١).
البناء والغراس في المال المشفوع فيه :
٤٨ - اختلف الفقهاء فيما إذا بنى المشتري في
الأرض المشفوع فيها أو غرس فيها ، ثم
قضي للشفيع بالشفعة ، وسبب الاختلاف
على ما قال ابن رشد هو تردد تصرف المشفوع
عليه العالم بوجوب الشفعة عليه بين شبهة
تصرف الغاصب وتصرف المشتري الذى يطرأ
علیه الاستحقاق وقد بنى في الأرض وغرس
وذلك أنه وسط بينهما .
فمن غلب عليه شبه الاستحقاق لم یکن
له أن يأخذ القيمة ، ومن غلب عليه شبه
التعدي كان له أن يأخذه بنقضه أو يعطيه
(١) المغني ٥ / ٤٧٤، ٤٧٥ .
- ١٦١ -

شفعة ٤٨
قیمته منقوضا (١)
وذهب الحنفية إلى أنه إذا بنى المشتري في
الأرض المشفوع فيها أو غرس ، ثم قضي
للشفيع بالشفعة فهو بالخيار، إن شاء
أخذها بالثمن والبناء والغرس بقيمته
مقلوعا ، وإن شاء أجبر المشتري على
قلعهما ، فيأخذ الأرض فارغة . وهذا هو
جواب ظاهر الرواية .
ووجه ظاهر الرواية . أنه بنى في محل
تعلق به حق متأكد للغیر من غیر تسليط من
جهة من له الحق فينقض كالراهن إذا بنى في
المرهون ، وهذا لأن حقه أقوى من حق
المشتري ، لأنه يتقدم عليه ، ولهذا ينقض
بيعه وهبته وتصرفاته
وروي عن أبي يوسف ، أنه لا يجبر
المشتري على القلع ویخیر الشفیع بین أن يأخذ
بالثمن وقيمة البناء والغرس وبين أن يترك ،
ووجه ذلك عنده أنه محق في البناء ، لأنه بناه
على أن الدار ملكه ، والتكليف بالقلع من
أحكام العدوان وصار كالموهوب له والمشترى
شراء فاسدا ، وكما إذا زرع المشتري فإنه لا
يكلف القلع ، وهذا لأن في إيجاب القيمة
دفع أعلى الضررين بتحمل الأدنى فيصار
إليه (٢).
(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٦٠.
(٢) الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٩٨، البدائع=
أما الزرع فالقياس قلعه ولكن
الاستحسان عدم قلعه ، لأن له نهاية معلومة
ویبقی بالأجر وليس فيه کثیر ضرر (١).
وذهب المالكية إلى أنه إذا أحدث المشتري.
بناء أو غرسا أو ما يشبه ذلك في الشقص قبل
قيام الشفيع ، ثم قام الشفيع بطلب شفعته
فلا شفعة إلا أن يعطى المشتري قيمة ما بنى
وما غرس .
وللمشتري الغلة إلى وقت الأخذ بالشفعة
لأنه في ضمانه قبل الأخذ بها والغلة
بالضمان (٢).
وذهب الشافعية إلى أنه إذا بنى المشتري
أو غرس أو زرع في الشقص المشفوع ثم علم
الشفيع فله الأخذ بالشفعة وقلع بنائه وغرسه
وزرعه مجانا لا بحق الشفعة ، ولكن لأنه
شريك وأحد الشريكين إذا انفرد بهذه
التصرفات في الأرض المشتركة كان للآخر أن
يقلع مجانا .
وإن بنى المشتري وغرس في نصيبه بعد
القسمة والتمييز ثم علم الشفيع لم يكن له
قلعه مجانا ، لأنه بنی في ملکه الذی ینفذ
تصرفه فيه فلا يقلع مجانا .
= ٦ / ٢٧٣٩، ابن عابدين ٦ / ٢٣٢ - ٢٣٣.
(١) الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٩٩.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٦٠، الخرشي ٦ / ١٦٨، ١٦٩،
وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٩٣ .
- ١٦٢ -

شفعة ٤٨ - ٤٩
فإن اختار المشتري قلع البناء أو الغراس
فله ذلك ولا يكلف تسوية الأرض . لأنه كان
متصرفا في ملکه ، فإن حدث في الأرض
نقص فالشفیع إما أن يأخذه على صفته ،
وإما أن يترك ، فإن لم يختر المشتري القلع ،
فالشفيع الخيار بين إبقاء ملكه في الأرض
بأجرة وبين تملكه بقيمته يوم الأخذ ، وبين
أن ينقضه ويغرم أرش النقص .
ولو كان قد زرع فيبقى زرعه إلى أن يدرك
فيحصده ، وليس للشفيع أن يطالبه بالأجرة
على المشهور عندهم (١).
وذهب الحنابلة إلى أنه إذا بنى المشتري أو
غرس أعطاه الشفيع قيمة بنائه أو غرسه ، إلا
أن يشاء المشتري أن يأخذ بناءه وغراسه ، فله
ذلك إذا لم یکن في أخذه ضرر . لأنه ملکه ،
فإذا قلعه فليس عليه تسوية الحفر ولا نقص
الأرض ، ذكره القاضى ، لأنه غرس وبنی في
ملکه ، وما حدث من النقص إنما حدث في
ملكه ، وذلك لا يقابله ثمن .
وظاهر كلام الخرقي ، أن عليه ضمان
النقص الحاصل بالقلع ، لأنه اشترط في قلع
الغرس والبناء عدم الضرر، وذلك لأنه
نقص دخل على ملك غيره لأجل تخليص
ملكه فلزمه ضمانه ، لأن النقص الحاصل
(١) فتح العزيز ١١ / ٤٦٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٠٩ .
بالقلع إنما هو في ملك الشفيع . فأما نقص
الأرض الحاصل بالغرس والبناء فلا يضمنه .
فإن لم يختر المشتري القلع فالشفيع بالخيار
بين ثلاثة أشياء : -
أ - ترك الشفعة .
ب - دفع قيمة الغراس ، والبناء فيملكه
مع الأرض .
ج- قلع الغرس والبناء ویضمن له ما
نقص بالقلع (١).
وإن زرع في الأرض فللشفيع الأخذ
بالشفعة ويبقى زرع المشتري إلى أوان
الحصاد ، لأن ضرره لا يبقى ولا أجرة عليه
لأنه زرعه في ملكه ، ولأن الشفيع اشترى
الأرض وفيها زرع للبائع مبقى إلى الحصاد
بلا أجرة كغير المشفوع ، وإن كان في الشجر
ثمر ظاهر أثمر في ملك المشتري فهو له مبقى
إلى الجذاذ كالزرع (٢).
استحقاق المشفوع فيه للغير :
٤٩ - اختلف الفقهاء في عهدة الشفيع أهي
على المشتري أم على البائع . يعنى إذا أخذ
الشفيع الشقص فظهر مستحقا ، فعلى من
يرجع الثمن ؟
فذهب المالكية ، والشافعية والحنابلة إلى
(١) المغني ٥ / ٥٠٠ وما بعدها، ومنتهى الإرادات
١ / ٥٣٢ .
(٢) المغني ٥ / ٥٠٢، والمقنع ٢ / ٢٦٩.
- ١٦٣ -

شفعة ٤٩ - ٥٠
أنه إذا أخذ الشفيع الشقص فظهر مستحقا
فرجوعه بالثمن على المشتري ، ويرجع
المشتري على البائع به .
وإن وجده معيبا فله رده على المشتري أو
أخذ أرشه منه ، والمشتري يرد على البائع أو
يأخذ الأرش منه سواء قبض الشقص من
المشتري أو من البائع فالعهدة عندهم على
المشتري .
ووجه ذلك عندهم ، أن الشفعة
مستحقة بعد الشراء وحصول الملك
للمشتري ثم يزول الملك من المشتري إلى
الشفيع بالثمن فكانت العهدة عليه ، ولأنه
ملكه من جهة المشتري بالثمن فملك رده
عليه بالعيب كالمشتري في البيع الأول (١) .
وذهب الحنفية ، إلى أنه إذا قضي للشفيع
بالعقار المشفوع فیه فأدی ثمنه ثم استحق
المبيع ، فإن أداه للمشتري فعليه ضمانه سواء
استحق قبل تسلیمه إليه أو بعده ، وإن كان
أداه للبائع واستحق المبيع وهو في يده فعليه
ضمان الثمن للشفيع .
ويرجع الشفيع بالثمن فقط إن بنى أو
غرس ثم استحقت العين ، ولا يرجع بقيمة
(١) الخرشي ٦ / ١٨٠، حاشية الدسوقي ٣ / ٤٩٣، بداية
المجتهد ٢ / ٢٦٠، نهاية المحتاج ٥ / ٢١٧، والمغني
٥ / ٥٣٤، المقنع ٢ / ٢٧٤ .
البناء والغرس على أحد لأنه ليس مقررا
به (١)
وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي : العهدة
على البائع ، لأن الحق ثبت له بإيجاب البائع
فکان رجوعه عليه کالمشتري (٢).
تبعة الهلاك :
٥٠ - ذهب الحنفية ، إلى أنه إذا هدم
المشتري بناء الدار المشفوعة أو هدمه غيره أو
قلع الأشجار التي كانت مغروسة في الأرض
المشفوعة فإن الشفيع يأخذ العرصة أو الأرض
بحصتها من الثمن بأن يقسم الثمن على
قيمة العرصة أو الأرض وقيمة البناء أو الشجر
وما خص العرصة أو الأرض منه يدفعه
الشفيع وتكون الأنقاض والأخشاب
للمشتري . وإذا تخربت الدار المشفوعة أو
جفت أشجار البستان المشفوع بلا تعدي
أحد عليها يأخذها الشفيع بالثمن المسمى ،
فإن كان بها أنقاض أو خشب وأخذه المشتري
تسقط حصته من الثمن بأن يقسم الثمن
على قيمة الدار أو البستان يوم العقد وقيمة
الأنقاض والخشب يوم الأخذ ، وإذا تلف
بعض الأرض المشفوعة بغرق أو نحوه
سقطت حصة التالف من أصل الثمن ،
(١) الهداية ٨ / ٣٢٥، والزيلعي على الكنز ٥ / ٢٥١،
وابن عابدين ٦ / ٢٢٨ .
(٢) المغني ٥ / ٥٣٤ .
- ١٦٤ -

شفعة ٥٠
وللشفيع أن يأخذ الأرض مع الثمر والزرع
بالثمن الأول إذا كان متصلا ، فأما إذا زال
الاتصال ثم حضر الشفيع فلا سبيل للشفيع
علیه وإن كانت عينه قائمة سواء أكان الزوال
بآفة سماوية أم بصنع المشتري أو الأجنبي ،
لأن حق الشفعة في هذه الأشياء إنما ثبت
معدولا به عن القياس معلولا بالتبعية وقد
زالت التبعية بزوال الاتصال فيرد الحكم فيه
إلى أصل القياس (١).
وذهب المالكية ، إلى أنه لا يضمن
المشتري نقص الشقص إذا طرأ عليه بعد
الشراء بلا سبب منه وإنما بسبب سماوي أو
تغير سوق أو كان بسبب منه ولكنه فعله
لمصلحة كهدم لمصلحة من غير بناء ، وسواء
علم أن له شفيعا أم لا . فإن هدم لا
لمصلحة ضمن ، فإن هدم وبنى فله قيمته
على الشفیع قائما لعدم تعديه وتعتبر يوم
المطالبة وله قيمة النقص الأول منقوضا يوم
الشراء (٢) .
وذهب الشافعية إلى أنه إن تعيبت الدار
المشتري بعضها أخذ الشفيع بكل الثمن أو
(١) البدائع ٦ / ٢٧٣٦، ٢٧٣٩، المبسوط
١٤ / ١١٥٠، الهداية مع الفتح ٩ / ٤٠٢ ، وتبیین
الحقائق ٥ / ٢٥١ - ٢٥٢، وانظر ابن عابدين
٦ / ٢٣٣ وما بعدها .
(٢) الشرح الصغير بهامش بلغة السالك ٢ / ٢٣٦، حاشية
الدسوقي ٣ / ٤٩٤ .
ترك کتعیبھا بید البائع ، وکذا لو انهدمت بلا
تلف لشيء منها ، فإن وقع تلف لبعضها
فبالحصة من الثمن يأخذ الباقي (١) .
وذهب الحنابلة ، إلى أنه إن تلف
الشقص أو بعضه في يد المشتري فهو من
ضمانه . لأنه ملکه تلف في يده ، ثم إن أراد
الشفيع الأخذ بعد تلف بعضه أخذ الموجود
بحصته من الثمن سواء أكان التلف بفعل
الله تعالى أم بفعل آدمي ، وسواء أتلف
باختيار المشتري كنقضه للبناء أم بغير اختياره
مثل أن انهدم .
ثم إن كانت الأنقاض موجودة أخذها مع
العرصة بالحصة وإن كانت معدومة أخذ
العرصة وما بقي من البناء وهو قول الثوري
والعنبري ، ووجهه أنه تعذر على الشفيع
أخذ الجميع وقدر على أخذ البعض فكان له
بالحصة من الثمن كما لو تلف بفعل آدمي
سواه أو لو کان له شفیع آخر . أو نقول : أخذ
بعض ما دخل معه في العقد ، فأخذه
بالحصة كما لو كان معه سيف .
وأما الضرر فإنما حصل بالتلف ولا صنع
للشفیع فيه والذي يأخذه الشفيع يؤدي ثمنه
فلا يتضرر المشتري بأخذه .
وإنما قالوا بأخذ الأنقاض وإن كانت
(١) أسنى المطالب ٢ / ٣٧٠ .
- ١٦٥ -

شفعة ٥٠ - ٥٢
منفصلة لأن استحقاقه للشفعة كان حال
عقد ، البيع وفي تلك الحال کان متصلا اتصالا
ليس مآله إلى الانفصال وانفصاله بعد ذلك
لا يسقط حق الشفعة . وإن نقضت القيمة
مع بقاء صورة المبيع مثل انشقاق الحائط
وانهدام البناء ، وشعٹ الشجر فليس له إلا
الأخذ بجميع الثمن أو الترك : لأن هذه
المعاني لا يقابلها الثمن بخلاف الأعيان (١).
ميراث الشفعة :
٥١ - اختلف الفقهاء في ميراث حق
الشفعة .
فذهب المالكية ، والشافعية ،
والحنابلة ، إلى أن حق الشفعة يورث ، فإذا
مات الشفيع ينتقل حق الشفعة إلى ورثته .
وقيده الحنابلة بها إذا كان الشفيع قد طالب
بالشفعة قبل موته .
ووجه الانتقال عندهم أنه خیار ثابت
لدفع الضرر عن المال فورث
كالرد بالعيب (٢).
وذهب الحنفية ، إلى أنه إذا مات الشفيع
بعد البيع وقبل الأخذ بالشفعة لم يكن لورثته
حق الأخذ بها ، فتسقط الشفعة بموت
(١) المغني ٥ / ٥٠٣
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٦٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٢١٧ ،
والمغني ٥ / ٥٣٦ وما بعدها، منتهى الإرادات
٥٣٢/١.
الشفيع ولا تنتقل إلى الورثة لأن حق الشفعة
ليس بمال وإنما مجرد الرأى والمشيئة وهما لا
يبقيان بعد موت الشفيع ولأن ملك الشفيع
الذي هو سبب الأخذ بالشفعة قد زال
بموته . أما إذا مات الشفيع بعد قضاء
القاضي له بالشفعة أو بعد تسليم المشتري له
بها فلورثته أخذها بالشفعة (١).
وإذا مات المشتري والشفيع حيّ فله
الشفعة ، لأن المستحق باق ، وبموت
المستحق عليه لم يتغير الاستحقاق (٢).
مسقطات الشفعة :
٥٢ - تسقط الشفعة بما يلى :-
أولا : ترك أحد الطلبات الثلاثة فى وقته وهي
طلب المواثبة ، وطلب التقرير والإِشهاد ،
وطلب الخصومة والتملك إذا ترك على الوجه
المتقدم (٣) .
ثانيا : إذا طلب الشفيع بعض العقار
المبيع وكان قطعة واحدة والمشتري واحدا ،
(١) العناية على الهداية مع فتح القدير ٩ / ٤١٦، ٤١٧،
المبسوط ١٤ / ١١٦، البدائع ٦ / ٢٧٢١، الزيلعي
٥ / ٢٥٧، ابن عابدين ٦ / ٢٤١.
(٢) المبسوط ١٤ / ١١٦، والبدائع ٦ / ٢٧٢١.
(٣) الهداية مع الفتح ٩ / ٤١٧، والبدائع ٦ / ٢٧١٥،
المبسوط ١٤ / ٩٢، وشرح الكنز ٥ / ٢٥٧، ٢٥٨،
ابن عابدين ٦ / ٢٤٠، ٢٤٢، والخرشي ٦ / ١٧٢ ،
حاشية الدسوقي ٣ / ٤٨٤، ٤٨٦، ونهاية المحتاج
ومغني المحتاج ٢ / ٣٠٨، ٣٩٢، والمغني ٥ / ٤٧٧ .
- ١٦٦ -

شفعة ٥٢ - ٥٤
....
لأن الشفعة لا تقبل التجزئة (١).
ثالثا : موت الشفيع عند الحنفية قبل
الأخذ بها رضاء أو قضاء سواء أكانت الوفاة
قبل الطلب أم بعده . ولا تورث عنه
عندهم (٢).
رابعا : الإِبراء والتنازل عن الشفعة :
فالإِبراء العام من الشفيع يبطلها قضاء مطلقا
لا ديانة إن لم يعلم بها (٣).
وقد تكلم الفقهاء في التنازل عن الشفعة
بالتفصيل كالتالي :
٥٣ - إذا تنازل الشفيع عن حقه في طلب
الشفعة سقط حقه في طلبها ، والتنازل هذا
إما أن يكون صريحا وإما أن يكون ضمنيا .
فالتنازل الصريح نحو أن يقول الشفيع :
أبطلت الشفعة أو أسقطتها أو أبرأتك عنها
ونحو ذلك ، لأن الشفعة خالص حقه
فيملك التصرف فيها استيفاء وإسقاطا
كالإِبراء عن الدين والعفو عن القصاص
ونحو ذلك سواء علم الشفيع بالبيع أم لم
يعلم بشرط أن يكون بعد البيع .
أما التنازل الضمني فهو أن یوجد من
الشفيع ما يدل على رضاه بالبيع وثبوت الملك
(١) المبسوط ١٤ / ١٠٤، البدائع ٦ / ٢٧٢٩، حاشية
الدسوقي ٣ / ٤٩٠، والمغني ٥ / ٤٨٣، المقنع
٢ / ٢٦٣، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٩.
(٢) الكنز مع الزيلعي ٥ / ٢٥٧، ابن عابدين ٦ / ٢٤١ .
(٣) حاشية ابن عابدين ٦ / ٢٤٩ ط ٢.
للمشتري ، لأن حق الشفعة إنما يثبت له
دفعا لضرر المشتري فإذا رضي بالشراء أو
بحکمه فقد رضي بضرر جواره فلا يستحق
الدفع بالشفعة (١) . وانظر مصطلح
( إسقاط ) .
التنازل عن الشفعة قبل البيع :
٥٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا تنازل
الشفيع عن حقه في طلب الشفعة قبل بيع
العقار المشفوع فيه لم يسقط حقه في طلبها
بعد البيع ، لأن هذا التنازل إسقاط للحق ،
وإسقاط الحق قبل وجوبه ووجود سبب
وجوبه محال (٢).
وقد روي عن أحمد ما يدل على أن الشفعة
تسقط بالتنازل عنہا قبل البيع - فإن إسماعيل
ابن سعيد قال : قلت لأحمد : ما معنى قول
النبي قال: (( من كان بينه وبين أخيه ربعة
فأراد بيعها فليعرضها عليه )) (٣).
(١) البدائع ٦ / ٢٧٠٦، ٢٧١٥، وما بعدها ، شرح
العناية على الهداية ٩ / ٤١٧ ، والشرح الصغير
٢ / ٢٣١، والقليوبي ٣ / ٤٩ ومغني المحتاج
٢ / ٢١٩ والمغني ٥ / ٤٨٢.
(٢) البدائع ٦ / ٢٧١٥، والزيلعي ٥ / ٢٤٢ حاشية
الدسوقي ٣ / ٤٨٨، شرح منح الجليل ٣ / ٦٠٣ ،
ومغني المحتاج ٢ / ٣٠٩، المغني ٥ / ٥٤١ .
(٣) حديث: ((من كان بينه وبين أخيه .. )) ورد بلفظ :
(( أيما قوم كانت بينهم رباعة فأراد أحدهم أن يبيع نصيبه
فليعرضه على شركائه ، فإن أخذوه فهم أحق بالثمن)).
أخرجه أحمد (٣ / ٣١٠ - ط الميمنية ) من حديث جابر
ابن عبد الله ، وفى إسناده انقطاع .
- ١٦٧ -

شفعة ٥٤ - ٥٥
وقد جاء في الحديث : ( ولا يحل له إلا أن
يعرضها عليه)) (١) إذا كانت الشفعة ثابتة
له ؟ فقال : ما هو ببعید من أن یکون على
ذلك وألا تكون له الشفعة ، وهذا قول
الحکم والثوري وأبي عبيد وأبي خيثمة وطائفة
من أهل الحديث .
واحتجوا بقول النبي وَالر: ((من كان له
شريك في ربعة أو نخل فليس له أن يبيع
حتی یؤذن شریکه فإن رضي أخذ وإن کره
ترك )» (٢) وقوله پڼ: « فإذا باع ولم يؤذنه فهو
أحق به )) (٣)، فمفهومه أنه إذا باعه بإذنه لا
حق له .
ولأن الشفعة تثبت في موضع الوفاق على
خلاف الأصل لكونه يأخذ ملك المشتري من
غير رضائه، وجبره على المعاوضة به لدخوله مع
البائع في العقد الذي أساء فيه بإدخال
الضرر على شریکه، وتركه الإحسان إليه في
عرضه عليه وهذا المعني معدوم ههنا فإنه قد
عرضهعلیه، وامتناعه من أخذه دلیل على عدم
الضرر في حقه ببيعه وإن کان فيه ضرر فهو
(١) حديث : لايحل له إلا أن يعرضها عليه ، ورد بمعناه
حديث جابر المتقدم فى فقرة (٧) .
(٢) حديث: ((من كان له شريك في ربعة ... )) تقدم تخريجه
· ف ٤ .
(٣) حديث: ((فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به)). أخرجه
مسلم (٣ / ١٢٢٩ - ط الحلبي ) .
أُدخله على نفسه فلا يستحق الشفعة كما لو
أخر المطالبة بعد البيع (١).
التنازل عن الشفعة مقابل تعويض أو
صلح عنها :
٥٥ - اختلف الفقهاء في جواز التنازل عن
الشفعة مقابل تعويض يأخذه الشفيع .
فقال الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ،
لايصح الصلح عن الشفعة على مال ، فلو
صالح المشتري الشفيع عن الشفعة على مال
لم يجز الصلح ولم يثبت العوض ويبطل حق
الشفعة . قال الشافعية : تبطل شفعته إن
علم بفساده .
أما بطلان الصلح فلانعدام ثبوت الحق
في المحل لأن الثابت للشفيع حق التملك ،
وأنه عبارة عن ولاية التملك وأنها معنى قائم
بالشفيع فلم يصح الاعتياض عنه فبطل
الصلح ولم يجب العوض .
وأما بطلان حق الشفيع في الشفعة ،
فلأنه أسقطه بالصلح فالصلح وإن لم يصح
فإسقاط حق الشفعة صحيح ، لأن صحته
لا تقف على العوض بل هو شيء من الأموال
لا يصلح عوضا عنه فالتحق ذكر العوض
بالعدم فصار كأنه سلّم بلا عوض (٢).
(١) المغني ٥ / ٥٤١ ومابعدها .
(٢) البدائع ٦ / ٢٧١٩، الهداية مع فتح القدير =
- ١٦٨ -
1

شفعة ٥٥ - ٥٧
وذهب مالك إلى جواز الصلح عن
الشفعة بعوض ، لأنه عوض عن إزالة الملك
فجاز أخذ العوض عنه .
وقال القاضي : من الحنابلة. لا يصح
الصلح ولکن الشفعة لا تسقط. لأنه لم یرض
بإسقاطها وإنما رضي بالمعاوضة عنها ولم تثبت
المعاوضة فبقيت الشفعة (١).
التنازل عن الشفعة بعد طلبها :
٥٦ - يجوز للشفيع أن يتنازل عن حقه في
طلب الشفعة بعد أن طلبها وقبل رضى
المشتري أو حكم الحاكم له بها ، فإن ترك
الشفيع طلب الشفعة أو باع حصته التى
يشفع بها بعد طلب الشفعة وقبل تملكه
المشفوع فيه بالقضاء أو الرضا يسقط حقه في
الشفعة لأنه يعد تنازلا منه عن حقه في طلبها
قبل الحكم .
أما إذا کان التنازل بعد الحكم له بها أو
بعد رضاء المشتري بتسليم الشفعة فليس له
التنازل ، لأنه بذلك يكون ملك المشفوع فيه
والملك لا يقبل الإسقاط (٢).
= ٩ / ٤١٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٠٩، والمغني
٥ / ٠٤٨٢
(١) المغني ٥ / ٤٨٢.
(٢) الفتاوى الهندية ٢ / ١٨٢.
مساومة الشفيع للمشتري :
٥٧ - المساومة تعتبر تنازلا عن الشفعة فإذا
سام الشفيع الدار من المشتري سقط حقه في
الشفعة لأن المساومة طلب تمليك بعقد جديد
وهو دليل الرضا بملك المتملك .
ولأن حق الشفعة مما يبطل بصريح الرضا
فيبطل بدلالة الرضا أيضا ، والمساومة تعتبر
تنازلا بطريق الدلالة (١)
(١) البدائع ٦ / ٢٧٢٠، الشرح الصغير بهامش بلغة
السالك ٢ / ٢٣١ .
- ١٦٩ -

شفة ١ - ٣
شَفَة
التعريف :
١ - الشفة في اللغة واحدة الشفتين ، وهما
طبقا الفم من الإِنسان ، وأصلها شفهة ،
لأن تصغيرها شفيهة . وقيل: أصلها شفو.
قال الفيومي نقلا عن الأزهري : تجمع الشفة
على شفهات وشفوات ، والهاء أقیس ، والواو
أعم .
ولا تكون الشفة إلا من الإِنسان ، أما
سائر الحيوانات فتستعمل فيها كلمات
أخرى ، كالمشفر لذى الخف ، والجحفلة
الذي الحافر، والمنسر والمنقار لذي الجناح ،
وهكذا (١).
وفي الاصطلاح تطلق الشفة على
معنيين :
الأول : المعنى اللغوي ، أي : طبقة
الفم من الإِنسان ، وقد حدها بعض الفقهاء
بهذا المعنى أنها في عرض الوجه إلى
الشدقين ، وقيل ما يرتفع عند انطباق
(١) متن اللغة والمصباح المنير ولسان العرب .
الفم . وفي الطول إلى ما يستر اللثة (١).
والثاني : شرب بني آدم والبهائم بالشفاه
دون سقي الزرع (٢). قال ابن عابدين :
هذا أصله . والمراد استعمال بني آدم لدفع
العطش أو للطبخ أو الوضوء أو الغسل أو
غسل الثياب ، ونحوها ، والمراد به في حق
البهائم الاستعمال للعطش ونحوه مما
يناسبها (٣).
الألفاظ ذات الصلة :
الشرب :
٢ - الشرب لغة : نصيب من الماء،
وشرعا : نوبة الانتفاع بالماء سقيا للزراعة
والدواب ، قال الله تعالى : ﴿ لها شرب
ولكم شرب يوم معلوم ﴾ (٤).
وعلى ذلك فالشفة أخص من الشرب
لاختصاصها بالحيوان دونه (٥).
الحكم الإجمالي :
أولا : حكم الشفة بالمعنى الأول : ( عضو
الإِنسان ) :
٣ - ذكر الفقهاء أحكاما تتعلق بالشفة بهذا
(١) شرح المنهج مع حاشية الجمل ٦٦/٥، وانظر كشاف
القناع ٦ /٤٠ .
(٢) نتائج الأفكار والعناية على الهداية ١٤٤/٨، وابن
عابدين ٢٨١/٥ .
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٢٨١/٥.
(٤) سورة الشعراء / ١٥٥
(٥) الاختيار ٦٩/٣، وابن عابدين ٢٨١/٥ .
- ١٧٠ -

....
شفة ٣ - ٥
المعنى في موضوعين : غسلها حين الوضوء
والغسل : والجناية عليها بالقطع أو إذهاب
لمنافع.
أ - غسل الشفتين حين الوضوء والغسل :
٤ - اتفق الفقهاء على أن ظاهر الشفتين ،
أي ما يظهر عند انضمامهما ضما طبيعيا بغير
تكلف جزء من الوجه ، فيجب غسلهما في
الوضوء والغسل (١). لقوله تعالى :
فاغسلوا وجوهكم ﴾ (٢).
أما ما ينكتم عند الانضمام فهو تبع
للفم ، فلا يجب غسله في الوضوء عند جمهور
الفقهاء : ( الحنفية والمالكية والشافعية ) بل
يسن . وكذلك في الغسل عند المالكية
والشافعية . خلافا للحنفية ، حيث قالوا :
إن غسل الفم والأنف فرض في الغسل (٣) .
أما الحنابلة فقد صرحوا بأن الفم والأنف
من الوجه فتجب المضمضة والاستنشاق في
الطهارتين : الصغرى ( الوضوء )
والكبرى ( الغسل ) (٤).
وتفصيل الموضوع في مصطلحات :
( غسل ، مضمضة ، وضوء ) .
(١) الفتاوى الهندية ٤/١، جواهر الإكليل على مختصر خليل
١٤/١، والإقناع ٣٨/١، وكشاف القناع ٩٦/١.
(٢) سورة المائدة / ٦.
(٣) ابن عابدين ١٠٢/١، والهندية ٤/١، والدسوقي
٩٧/١، ١٣٦، ونهاية المحتاج ٢٨٠/١.
(٤) كشاف القناع ٩٦/١، والمغني ١١٨/١.
ب - الجناية على الشفتين :
٥ - الجناية على الشفتين إذا كانت عمدا
يجب فيها القصاص عند جمهور الفقهاء إذا
تحققت شروطه من المماثلة والمساواة . (ر:
قصاص ) .
أما إذا كانت خطأ ففي قطع كلتا الشفتين
دية كاملة باتفاق الفقهاء ، لحديث عمرو بن
حزم ((وفي الشفتين الدية)) (١).
والجمهور على أن في قطع كل واحدة منهما
نصف الدية من غير تفريق ، لأن العضوين
إذا وجبت فيهما دية ففي أحدهما نصف الدية
كاليدين والرجلين (٢).
وفي رواية عند الحنابلة يجب في الشفة
العليا ثلث الدية ، وفي السفلى الثلثان ، لأن
المنفعة بها أعظم ، لأنها هي التي تتحرك
وتحفظ الريق والطعام (٣).
وكما تجب الدية في قطع الشفتين تجب
كذلك في إذهاب منافعهما ، بأن ضرب
(١) حديث عمرو بن حزم: ((وفي الشفتين الدية))
أخرجه النسائي (٥٨/٨ - ٥٩ - ط المكتبة التجارية)
وخرجه ابن حجر في التلخيص (١٧/٤ - ١٨ - ط شركة
الطباعة الفنية ) . وتكلم على أسانيده . ونقل تصحيحه
عن جماعة من العلماء .
(٢) الاختيار ٣١/٥، والبدائع ٣٠٨/٧، وروضة الطالبين
١٨٢/٩، والزيلعي ١٢٩/٦ وكشاف القناع عن متن
الإقناع ٥٤٩/٥ .
(٣) المغني لابن قدامة ١٤/٨.
- ١٧١ -
٠٠

شفة ٥ - ٦ ، شَفِيع ، شَقّ
الشفتين فأشلهما ، أو تقلصتا فلم تنطبقا على
الأسنان (١).
وتفصيل الموضوع في : ( ديات ) .
ثانيا : الشفة بمعنى الشرب :
٦ - تعرض الفقهاء لحكم الشفة بمعنى
شرب الإِنسان والبهائم بالشفاه عند بيان
المنافع المشتركة ، وحقوق الارتفاق ،
وقد قسم أكثر الفقهاء المياه باعتبار
الشرب إلى أربعة أقسام ، قال الموصلي
الحنفي :
المياه أنواع: الأول ماء البحر، وهو عام
لجميع الخلق الانتفاع به بالشفة وسقي
الأراضي وشق الأنهار، لايمنع أحد من شيء
من ذلك كالانتفاع بالشمس والهواء .
والثاني : الأودية والأنهار العظام كجيحون
وسیحون والنيل والفرات ودجلة . فالناس
مشتركون فيه في الشفة وسقي الأراضي
ونصب الأرحية والدوالي إذا لم يضر بالعامة .
والثالث : ما يجري في نهر خاص لقرية ،
فلغيرهم فيه شركة في الشفة ، وهو الشرب
والسقي للدواب ، ولهم أخذ الماء للوضوء
وغسل الثياب والطبخ لا غير. والبئر
والحوض حكمهما حكم النهر الخاص .
(١) المراجع السابقة ، وكشاف القناع ٤٠/٦.
والرابع : ما أحرز في جب ونحوه ، فلیس
لأحد أن يأخذ منه شیئا بدون إذن صاحبه ،
وله بيعه ، لأنه ملکه بالإِحراز، ولو كانت
البئر أو العین أو النهر في ملك رجل كان له
منع من یرید الشرب من الدخول في ملكه إن
کان يجد غيره بقربه في أرض مباحة . فإن لم
يجد فإما أن يتركه يأخذ بنفسه ، أو يخرج الماء
إليه ، فإن منعه وهو يخاف العطش على نفسه
أو مطيته فله أن يقاتله بالسلاح . وفي المحرز
بالإِناء یقاتله بغير سلاح (١).
ومثله ما ذكره سائر الفقهاء مع تفصيل
وخلاف في بعض الفروع (٢). ينظر في
مصطلح ( شرب ، ومياه ) .
شفیع
انظر : شفعة
شقّ
انظر : قبر
(١) الاختيار للموصلي ٣/ ٧٠، ٧١ .
(٢) القوانين الفقهية ص ٣٣١، ومغني المحتاج ٣٧٣/٢ ،
٣٧٥، وكشاف القناع ١٨٩/٤، ١٩٠، ١٩٨،
والقليوبي ٩٥/٣ -٩٧، وابن عابدين ٢٨١/٥،
٢٨٢، والمغني ٥٨٣/٥ - ٥٩٠ .
- ١٧٢ -

٠٠٠٠٠٠٠
٠٠٠
شكر ١ - ٣
م
شُكْر
التعريف :
١ -الشكر: مصدر شكرته وشكرت له اشکر
شكرا وشكورا وشكرانا . وهو عند أهل اللغة:
الاعتراف بالمعروف المسدی إلیك ونشره
والثناء على فاعله . ولا يكون إلا في مقابلة
معروف ونعمة (١). وشكر النعمة مقابل
كفرها . قال الله تعالى في حكاية قول
لقمان : ﴿ ومن یشکر فإنما يشكر لنفسه ومن
کفر فإن الله غنی حميد ﴾ (٢).
والشكر: هو ظهور أثر النعمة على اللسان
والقلب والجوارح بأن يكون اللسان مقرا
بالمعروف مثنيا به ، ويكون القلب معترفا
بالنعمة ، وتكون الجوارح مستعملة فيما
يرضاه المشكور (٣). على حد قول الشاعر :
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا
(١) لسان العرب، ومدارج السالكين ٢٤٤/٢، ٢٤٦،
والمجموع للنووي ١ / ٧٤ المطبعة المنيرية ، ونهاية المحتاج
٢٢/١ ..
(٢) سورة لقمان / ١٢ .
(٣) تفسير القرطبي ١٣٣/١ ط . دار الكتب المصرية ،
ومدارج السالكين ٢/ ٢٤٤، ٢٤٦.
والشكر لله في الاصطلاح: صرف العبد
النعم التي أنعم الله بها عليه في طاعته (١).
أو فيما خلقت له . وشكر الله للعبد معناه أنه
يزكو عنده القليل من العمل فيضاعف
لعامله الجزاء (٢). وفي الحديث: (( أن رجلا
رأى كلبا يأكل الثرى من العطش ، فأخذ
الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه ،
فشكر الله له ، فأدخله الجنة )) (٣)، ولذا كان
من أوصافه تعالى: ( الشکور» كما في قوله
تعالى: ﴿والله شكور حليم﴾ (٤).
الألفاظ ذات الصلة :
أ- المدح :
٢ - المدح لغة: حسن الثناء. والمدح يكون
للحي وغيره حتى أن من رأى لؤلؤة ذات
حسن فوصفها بالحسن فقد مدحها ، والمدح
على الإِحسان یکون قبله أو بعده، ولا یکون
الشكر إلا بعده (٥).
٣ - الحمد: هو الثناء على المحمود بجميل
ب - الحمد :
(١) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٢٢/١، وأسنى
المطالب ٣/١ وشرح مسلم الثبوت ٤٧/١ .
(٢) فتح الباري ٢٧٨/١.
(٣) حديث: ((أن رجلا رأى كلبا يأكل الثرى .. ))
أخرجه البخاري ( الفتح ٢٧٨/١ - ط السلفية ) ومسلم
(١٧٦١/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، واللفظ
للبخارى .
(٤) سورة التغابن / ١٧ .
(٥) لسان العرب، وتفسير الرازى ٢١٩/١.
- ١٧٣ -

شكر ٣ - ٥
صفاته وأفعاله على قصد التعظيم ، ونقيض
الحمد الذم . فالحمد أعم من الشكر من
جهة أن الشكر لايكون إلا على نعمة أسداها
المشكور إلى الشاکر خاصة ، والحمد یکون
في مقابلة الإنعام على الشاكر أو غيره ،
ويكون في غير مقابلة نعمة أصلا بل لمجرد
اتصاف المحمود بالأوصاف الحسنة
والفضائل . فلا يقال : شكرنا الله على
حكمته وعلمه ، ويقال : حمدناه على
ذلك ، کما هو محمود على إحسانه وفضله ،
والشكر أعم من الحمد من جهة أن الشكر
يكون باللسان والقلب والجوارح ، والحمد
ليس إلا باللسان ، فيجتمع الحمد والشكر
في الثناء باللسان على النعمة ، وينفرد الحمد
في الثناء باللسان على الأوصاف الذاتية
ونحوها ، وينفرد الشكر فيما يكون بالقلب
والجوارح (١). وقد ورد في الحديث: ((الحمد
رأس الشكر فمن لم يحمد الله لم يشكره)) (٢).
(١) المجموع للنووي ٧٤/١، وتفسير الرازي ٢١٩/١،
ونهاية المحتاج ٢١/١، ومدارج السالكين ٢٤٦/٢ ،
وأسنى المطالب ٣/١ .
(٢) حديث: ((الحمد رأس الشكر .. ))
أخرجه البيهقي في الشعب كما في فيض القدير للمناوي
(٤١٨/٣ - ط المكتبة التجارية) من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص ، وأعل بالانقطاع بين عبد الله بن عمرو
والراوي عنه .
أحكام الشكر :
٤ - الشکر نوعان ، شكر لله تعالى ، وشكر
لعباد الله .
أولا : شكر الله تعالى :
الحكم التكليفي :
٥ - شکر الله تعالى على نعمه واجب شرعا
من حيث الجملة ، فلا يجوز تركه بالكلية .
وقد استدل الحليمي لذلك بالآيات التي فيها
الأمر ، نحو قوله تعالى :
فاذکرونی أُذکرکم واشكروا لي ولا
تكفرون ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ فاذكروا آلاء
الله لعلكم تفلحون ﴾(٢).
ثم قال الحليمي : فثبت بهاتين الآيتين
ونحوهما وجوب شكر الله تعالى على العباد
لنعمه السابغة عليهم (٣).
ثم احتج للوجوب أيضا بقول الله تعالى :
ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ (٤) قال :
ومعلوم أن المسألة عن النعيم هي المسألة عن
شکره(٥).
وقد اختلف في أن شكر الله تعالى على
نعمه هل وجب بالعقل ثم جاء الشرع مقررا
(١) سورة البقرة / ١٥٢.
(٢) سورة الأعراف / ٦٩ .
(٣) المنهاج في شعب الإيمان ٥٤٥/٢ ط بيروت ، دار الفكر
١٣٩٩ هـ .
(٤) سورة التكاثر / ٨.
(٥) المنهاج ٢ / ٥٥٥ .
- ١٧٤ -

شکر ٥ - ٦
لذلك أو لم يجب إلا بالشرع . ؟ .
فقد ذهب إلى الأول معظم مشايخ
الحنفية ونص صدر الشريعة على أنه مذهب
الحنفية ، وإليه ذهب المعتزلة أيضا .
وذهب الأشعرية إلى أنه لم يجب بمجرد
العقل ، لأن العقل لا مجال له في أمور الآخرة
من إثبات الثواب والعقاب (١). وتنظر المسألة
في الملحق الأصولي .
وقال الرازي عند قوله تعالى : ﴿ إنا
(٢)
هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
المراد من الشاكر الذي يكون مقرا معترفا
بوجوب الشكر عليه ، ومن الكفور الذی لا
يقرّ بذلك إما لأنه ينكر الخالق أو لأنه ينكر
وجوب شکره (٣).
والإِكثار من الشكر مستحب . وللشكر
مواضع يندب فيها كحمد الله على الطعام
والشراب والملبس . (وانظر: تحميد ) .
فضل الشكر :
٦ - وردت الشريعة بإثبات فضل الشكر من
أوجه كثيرة ، منها :
أ - أن الله تعالی أثنی في کتابه على أهل
الشكر ووصف بذلك بعض خواص خلقه ،
(١) المستصفي للغزالي ١ / ٦١، وشرح مسلم الثبوت ٤٧/١
مطبعة بولاق - ١٣٢٢ هـ .
(٢) سورة الإِنسان / ٣ .
(٣) تفسير الرازي ٢٣٩/٣٠.
فقال تعالي : ﴿ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله
حنيفا ولم يك من المشركين . شاكرا
لأنعمه﴾ (١) وقال عن نوح عليه السلام:
إنه كان عبدا شكورا ﴾ (٢).
ب - إنه تعالى جعله الهدف من تفضله
بالنعم ، قال تعالى : ﴿والله أخرجكم من
بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا وجعل لكم
السمع والأبصار والأفئدة لعلكم
تشكرون﴾ (٣) وقال في شأن تسخيره
الأنعام : ﴿ كذلك سخرناها لكم لعلكم
تشكرون ﴾ (٤).
ج - أنه تعالى وعد الشاکرین بأحسن
الجزاء فقال : ﴿وسنجزى الشاكرين) (٥)
وبيّن أنه تعالى وإن كان يحب الشاكرين إلا
أنه لايعود عليه شيء من نفع شکرهم بل
نفعه لهم ، قال تعالى : ﴿ ومن یشکر فإنما
يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غنى
حمید ﴾ (٦).
د - أنه جعله سببا للمزيد من النعم ،
فقال : ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم
(١) سورة النحل / ١٢٠، ١٢١.
(٢) سورة الإسراء /٣ .
(٣) سورة النحل / ٧٨ .
(٤) سورة الحج /٣٦ .
(٥) سورة آل عمران / ١٤٥.
(٦) سورة لقمان / ١٢ .
- ١٧٥ -

شكر ٦ - ٧
لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي
لشدید ﴾ (١)
هـ - أنه تعالى سمى نفسه شاکرا
شكورا ، بأن يقبل العمل القليل ويثني على
فاعله ، قال تعالى : ﴿ ومن تطوع خيرا فإن
الله شاكر عليم ﴾ (٢).
وقال : ﴿ ومن يقترف حسنة نزد له فيها
حسنا إن الله غفور شكور﴾ (٣).
و- قلة المتصفين بكثرة الشکر، كما قال
تعالی : ﴿ اعملوا آل داود شكرا وقليل من
عبادي الشكور﴾ (٤) قال ابن القيم : قلة
أهل الشکر في العالمین یدل على أنهم خواص
الله تعالى .
ز- ماورد من دعاء الصالحين أن يلهمهم
الله تعالى شكر نعمه عند رؤيتها كقول
سليمان : ﴿ رب أوزعنى أن أشكر نعمتك
التي أنعمت على وعلى والدى ﴾ (٥) وورد أن
النبي مق لي قال: ((رب اجعلني لك
شكارا )) (٦) وأوصى من يحبه أن يستعين بالله
على شكره فقال :
(١) سورة إبراهيم / ٧ .
(٢) سورة البقرة /١٥٨.
(٣) سورة الشورى / ٢٣ .
(٤) سورة سبأ /١٣ .
(٥) سورة النمل / ١٩.
(٦) حديث : « رب اجعلني لك شگًّارا)) ..
أخرجه الترمذي (٥٥٤/٥ - ط الحلبي ) من حديث ابن
عباس، وقال: ((حديث حسن صحيح)).
(( يامعاذ والله إني لأحبك .. أوصيك
يامعاذ ، لاتدعن في دبر كل صلاة تقول :
اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن
عبادتك ))(١).
حـ - أن الله تعالى قرن الشكر بالصبر
فقال : ﴿ إن في ذلك لآيات لکل صبّار
شكور﴾ (٢) في أربعة مواضع من القرآن ،
فالشكر على النعم أو زوال النقم ، والصبر
عند زوال النعم أو حلول البلاء . ولأن الصبر
على الطاعة عين الشكر عليها .(٣)
وقد روي في الحديث: (( الإِيمان نصفان
فنصف في الصبر ونصف في الشكر)) (٤)
وروي عن الشعبي موقوفا (٥).
مایکون علیه الشكر :
وهو ثلاثة أنواع :
٧ - الأول : الشكر لله تعالى على نعمه التي
. (١) حديث: يامعاذ والله إني لأحبك .. ))
أخرجه أبو داود (١٨١/٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
والحاكم (٢٧٣/٣ - ٢٧٤ - ط دائرة المعارف العثمانية)
وصححه ووافقه الذهبي .
(٢) سورة إبراهيم / ٥.
(٣) مدارج السالكين ٢٤٣/٢ .
(٤) حديث: (( الإِيمان نصفان ، فنصف في الصبر ونصف في
الشكر» .
أخرجه البيهقي في الشعب كما في الجامع الصغير
للسيوطي (١٨٨/٣ - بشرحه الفيض ، ط المكتبة
التجارية)، وقال المناوي: ((فيه يزيد الرقاشي ، قال
الذهبي وغيره: متروك )).
(٥) تفسير القرطبي عند الآية (٥) من سورة إبراهيم.
- ١٧٦ -

شكر ٧ -٨
أنعم بها على الشاكر، والعبد في كل أحواله
إنما هو في نعم الله تعالى ، وقد نبه إلى ذلك
بقوله: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ (١)
وكثير من آيات القرآن واردة في تعداد تلك
النعم بالتفصيل ، وفي لفت الأنظار إلى وجوه
اللطف فيها ، وإلى الاعتبار بها ، وبيان أن
الله تعالى إنما وضعها ليبتلي بها الإِنسان هل
یشکر أم يكفر .
فمن ذلك نعمة خلق الأرض فراشا
والسماء بناء والشمس ضياء والقمر نورا
وتقدير الأقوات في الأرض وإنزال المطر من
السماء شرابا وإنبات الزرع فيها وسائر
ما يصلح عليه بدن الإنسان ، وخلق الأنعام
وماجعله فيها للناس من منافع من لحمها
ولبنها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وركوبها
والتجمل بها .
ومن ذلك نعمة خلق الإِنسان في أحسن
تقويم وخلق الأسماع والأبصار والأفئدة
لتكون وسائل للإدراك ، وتعليم الإِنسان
البيان .
ومن ذلك نعمة إرسال الرسل وإنزال
الكتب والدلالة على طرق الإِيمان . وهذه
كلها نعم عامة لم يخص بها مؤمن من
کافر (٢).
(١) سورة النحل / ٥٣.
(٢) عقد كل من الحليمي والغزالي فصلا لبيان النعم وتعداد =
ومنها نعم خاصة وأعظمها التوفيق للإِيمان
والاهتداء للحق والتيسير للعمل الصالح ،
لأن ذلك سبب للخلاص من العذاب في
الآخرة والتحصيل لنعم الله فيها .
قال الحليمي : وأولى النعم بالشكر نعمة
الله تعالى على العبد بالإِيمان والإِرشاد إلى
الحق ، والتوفيق لقبوله ، لأنه هو الغرض
الذي لیس بتابع لما سواه ، وکل غرض سواه
فهو تابع له ، والتيسير له نعمة عظيمة
تقتضي الشكر لها بالانتهاء عن المعاصي
وإتباع الإِيمان حقوقه ، لأن الإِيمان بالله عهد
بینه وبین العبد ولكل عهد وفاء . وكل عبادة
تتلو الإِيمان من فعل شيء فهو شكر لنعم الله
تعالى ، والتيسير لكل شيء من ذلك نعمة
يجب شكرها بالقلب واللسان (١).
٨ - النوع الثاني : الشكر على دفع النقم
سواء اندفعت عنه أو عن نحو ولده أو عموم
المسلمين وذلك كذهاب مرض أو انحسار
طاعون أو عدو، ونحوهما مما يخشى ضرره
كغرق أو حريق ومنه قول أهل الجنة :
﴿ الحمد لله الذی أذهب عنا الحزن إن ربنا
لغفور شكور﴾ (٢).
= أصنافها ووجوهها كمقدمة لبيان أحكام الشكر، انظر
المنهاج ٥١٩/٢ - ٥٤٤، والإحياء ٩٦/٤ - ١١٩.
(١) المنهاج في شعب الإيمان ٥٥٤/٢ .
(٢) سورة فاطر / ٣٤
- ١٧٧ -

شكر ٨ - ٩
واحتج النووي لذلك بحديث ((أن النبي
** ليلة أسري به أتي بقدحین من خمر ولبن
فنظر إليهما ، فأخذ اللبن ، فقال له
جبريل : الحمد لله الذي هداك للفطرة ، لو
أخذت الخمر لغوت أمتك))(١).
وإذا رأى السليم مبتلى في عقله وبدنه ،
سُنَّ أن يحمد الله تعالى على العافية (٢)، لما
ورد أن النبي ﴾ سجد لرؤية زَمِن (٣).
وورد أن السليم يقول: ((الحمد لله
الذي عافاني مما ابتلاك به )) (٤) .
النوع الثالث :
الشكر عند المكروهات من البلوى
والمصائب والآلام :
٩ - وهو مشروع ، لحديث أبي موسى أن
النبي ◌َلو قال: ((إذا مات ولد العبد قال الله
لملائكته : قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون :
(١) حديث: ((أن النبي# ليلة أسري به أتي بقدحين من
خمر ولبن)) .
أخرجه البخاري (الفتح ٣٩١/٨ - ط السلفية) ومسلم
(١٥٩٢/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة .
(٢) نهاية المحتاج ٩٩/٢، وأسنى المطالب ١٩٩/١،
ومطالب أولي النهى ٥٩٠/١، والأذكار للنووي ص
١٠٤ .
(٣) حديث: ((أن النبي ◌َّي سجد لرؤية زمن)).
أخرجه البيهقي (٣٧١/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية)
وأعله بالإِرسال .
(٤) حديث: ((الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به)).
أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي ٣٩١/٩ -٣٩٢ ط
السلفية) من حديث أبي هريرة ، وقال: «حديث حسن
غريب )) .
نعم ، فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده ؟
فيقولون : نعم . فيقول : ماذا قال عبدي ؟
فيقولون : حمدك واسترجع ، فيقول الله :
ابنوا لعبدي بيتا في الجنة ، وسموه بيت
الحمد)) (١)
.
ووجه الشكر عليها مافيها من تكفير
الخطايا ورفع الدرجات ، وما في الصبر عليها
من الأجر .
وقال ابن القيم في توجيه ذلك : يكون
الشكر کظما للغیظ الذي أصابه ، وسترا
للشكوى ، ورعاية للأدب ، وسلوكا لمسلك
العلم ، لأنه شاكر لله شكر من رضي
بقضائه (٢).
ولذا صرح الحنابلة أنه یسن للمريض إن
سئل عن حاله أن يحمد الله تعالى إذا أراد
الشكوى إلى طبيب . قالوا : لحديث ابن
مسعود مرفوعا: ((إذا كان الشكر قبل
الشکوی فلیس بشاك »(٣) قال البهوتي : وكان
(١) حديث: ((إذا مات ولد العبد .. ))
أخرجه الترمذي (٣٣٢/٣ - ط الحلبي) وقال: ((حديث
حسن غريب » .
(٢) مدارج السالكين ٢٥٤/٢، وإحياء علوم الدين
١٢٥/٤- ٠١٢٩
(٣) حديث: ((إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس
بشاك » .
أورده القاضي ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١٥١/١
- ١٥٢ - ط مطبعة الاعتدال بدمشق) من طريق بشر بن
الحارث الذي ذكره بإسناده .
- ١٧٨ -

شكر ٩ - ١٠
أحمد أولا يحمد الله فقط فلما دخل عليه عبد
الرحمن طبيب السنة وحدّثه الحديث عن بشر
ابن الحارث صار إذا سأله قال : أحمد الله
إليك ، أجد كذا وكذا (١).
مايتحقق به شكر الله تعالى :
١٠ - يتحقق شكر الله تعالى على النعمة
بأمور :
أولها : معرفة النعمة ، بأن یعرف أنها
نعمة ، ویعرف قدرها ویعرف وجه كونها
نعمة ويستحضرها في الذهن ویمیزها ، إذ
کثیر من الناس تحسن إليه وهو لا يدري . وقد
نبه النبي 18 إلى معرفة قدر النعم بقوله :
(( انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا
إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لاتزدروا نعمة
الله عليكم )) (٢).
والثاني : معرفة أنها من الله تعالى ، فمن
لم يقرّ بالله ، أو لم يقر بأن النعم منه ، لم
يتصور شكره له ، وإذا عرف أنها من الله
أحبه عليها .
والثالث : قبول النعمة بإظهار الفقر
والحاجة إليها ، ومعرفة أن وصولها إليه بغير
استحقاق من العبد ولا بذل ثمن بل
(١) كشاف القناع ٧٩/٢ .
(٢) حديث: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم .. ))
أخرجه مسلم (٢٢٧٥/٤ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة .
بمحض فضل الله تعالى .
والرابع : الثناء على المنعم بها ، وعدم
كتمانها فإن كتمانها كفران لها ، والثناء إما عام
کوصفه تعالى بالجود والكرم والبر والإحسان ،
وإما خاص وهو التحدث بتلك النعمة
وإسناد التفضل بها إلى المنعم بها ، وحمده
عليها ، قال الله تعالي: ﴿ وأما بنعمة ربك
فحدّث﴾(١) وقال النبي ومليون: ((التحدث
بنعمة الله شكر وتركها كفر » (٢).
والخامس : ترك استعمالها فيما يكرهه
المنعم بها ، والعمل بما يرضيه فيها (٣).
والسادس : فعل الطاعات شكرا على
النعم ، کما یشیر اليه قوله تعالى : ﴿ يا أيها
الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين
من قبلكم لعلكم تتقون . الذى جعل لكم
الأرض فراشا والسماء بناء ... الآية) (٤)
وورد عن المغيرة بن شعبة أن النبي وَّ قام
حتى تفطرت قدماه . فقيل يارسول الله :
(١) سورة الضحى / ١١ .
(٢) حديث: ((التحدث بنعمة الله شكر)).
أخرجه أحمد (٢٧٨/٤ - ط الميمنية) من حديث النعمان
ابن بشير، وإسناده حسن .
(٣) مدارج السالكين ٢٤٤/٢ و٢٤٧ - ٢٥٨، والمنهاج في
شعب الإيمان ٥٤٥/٢، ٥٤٦، وإحياء علوم الدين
٧٩/٤ نشر مصطفى الحلبي ، ١٣٥٨ هـ .
(٤) سورة البقرة / ٢١، ٢٢ .
- ١٧٩ -

شكر ١٠ - ١٢
أتتكِّلفُ هذا وقد غفر لك ؟ قال :
(( أفلا أكون عبدا شكورا))؟ (١) .
١١ - وضد شكر النعم الكفران بها ، وهو
غير الكفر المخرج عن الملة ، ويسميه العلماء
((كفر النعمة)).
فمن وجوه الكفر بها أن لايعرف النعمة ،
أو أن يبخسها حقها من التقدير .
ومنها أن ينكر أنها من الله تعالى ، أو
ينسبها إلى غير المتفضل بها كما يفعل أهل
الشرك إذ يشكرون أندادهم وأصنامهم على
ما أنعم به الله عليهم ، وكما في الحديث
القدسي: ((من قال مُطِرنا بنوء كذا فذلك
کافر بي مؤمن بالكوكب)» (٢).
ومنها أن يعتقد أنه حصَّل ما حصَّل من
النعم بحوله وقوته ، أو كما قال قارون ((إنما
أوتیته علی علم عندي » (٣).
ومنها أن يعتقد أن ما حصل له من النعم
حصل باستحقاق له على الله ، لا من فضل
الله عليه .
ومنها : ترك الثناء بها على المنعم بها وترك
(١) حدیث: « أفلا أكون عبدا شكورا ))
أخرجه البخاري (الفتح ١٤/٣ - ط السلفية) ومسلم
(٢١٧١/٤ - ط الحلبي) .
(٢) الحديث القدسي: من قال: ((مطرنا بنوء كذا ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٥٢٢/٢ - ط السلفية) ومسلم
(٨٤/١- ط الحلبي) من حديث زيد بن خالد الجهني .
(٣) سورة القصص /٧٨ .
التحدث بها ، وكذلك كتمانها بحيث لايراها
الناس لحديث ((إن الله يحب أن يرى أثر
نعمته على عبده )» (١).
وقيَّد الحليمي هذا بأن لايكون فيه
احتياط لنفسه .
ومنها : التعالي بها على سائر عباد الله
والزهوِّ والمكاثرة والبغي والمفاخرة .
ومنها : استعمالها في معصية الله تعالى ،
ومنع الحقوق الشرعية الواجبة فيها (٢).
الشكر عند تجدد النعم :
١٢ - يستحب تجديد الشكر عند تجدد النعم
لفظا بالحمد والثناء ، لما في الحديث ((إن الله
ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده
عليها ، أويشرب الشربة فيحمده
عليها)) (٣) وفيه (( الطاعم الشاكر بمنزلة
الصائم الصابر)) (٤).
وقد ورد في السنة استحباب أذكار بصيغ
(١) حديث: (( أن الله يحب إن يرى أثر نعمته على عبده))
أخرجه الترمذي (١٢٤/٥ - ط الحلبي) من حديث
عبد الله بن عمرو، وقال: (( حدیث حسن)) .
(٢) المنهاج في شعب الإيمان ٥٤٦/٢ - ٥٤٧، وإحياء علوم
الدين ٤ /٨٧، ١٢٠.
(٣) حديث: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة .. ))
أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٩٥ - ط الحلبي) من حديث أنس
ابن مالك .
(٤) حديث: ((الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر)).
أخرجه الترمذي (٦٥٣/٤ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة ، وقال : ((حديث حسن غريب)).
- ١٨٠ -