النص المفهرس
صفحات 141-160
شفعة ١٢ - ١٣ أعطى بها خمسمائة دينار فأعطاها إياه)) (١). ففي هذا الحديث دليل على أن الشفعة تستحق بسبب الجوار، واستدلوا بحديث جابر قال: قال النبي صل فر: (( الجار أحق بشفعته ینتظر به وإن کان غائبا ، إذا كان . طريقهما واحدا )) (٢) وعن الشرید بن سويد قال : قلت يا رسول الله : أرضي لیس لأحد فيها شرکة ولا قسمة إلا الجوار، فقال: ((الجار أحق بسقبه )) (٣). واستدلوا من المعقول بأنه إذا كان الحكم بالشفعة ثبت في الشركة لإِفضائها إلى ضرر المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها ، وهذا لأن المقصود دفع ضرر المتأذي بسوء المجاورة على الدوام وضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام باتصال أحد الملكين بالآخر على وجه لا يتأتى الفصل فيه . والناس يتفاوتون في المجاورة حتی یرغب في مجاورة بعض الناس لحسن خلقه ویرغب (١) حديث عمرو بن الشريد: ((وقفت على سعد بن أبي وقاص .... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٣٧ - ط السلفية ) . (٢) حديث: ((الجار أحق بشفعته ... )) أخرجه الترمذي (٣ / ٦٤٢ - ط. الحلبي) وقال: ((حديث حسن غريب)). (٣) حديث الشريد بن سويد: ((أرضى ليس لأحد فيها .... )) أخرجه النسائي (٧ / ٣٢٠ - ط المكتبة التجارية ) وإسناده حسن . عن جوار البعض لسوء خلقه ، فلما كان الجار القديم يتأذى بالجار الحادث على هذا الوجه ثبت له حق الملك بالشفعة دفعا لهذا الضرر (١). شروط الشفعة بالجوار : ١٣ - يرى الحنفية أن الجوار سبب للشفعة ولكنهم لم یأخذوا بالجوار على عمومه،بل اشترطوا لذلك أن تتحقق الملاصقة في أي جزء من أي حد منالحدود، سواء امتد مكان الملاصقة حتى عم الحد أم قصر حتى لو لم یتجاوز شبرا . فالملاصق للمنزل والملاصق لأقصى الدار سواء في استحقاق الشفعة لأن ملك كل واحد منهم متصل بالبيع . أما الجار المحاذي فلا شفعة له بالمجاورة سواء أكان أقرب بابا أم أبعد، لأن المعتبر في الشفعة هو القرب واتصال أحد الملكين بالآخر وذلك في الجار الملاصق دون الجار المحاذي فإن بين الملكين طريقا نافذا (٢) وقال شريح: (٣) الشفعة بالأبواب ، فأقرب الأبواب إلى الدار أحق بالشفعة . لما (١) المبسوط السرخسي ١٤ / ٩٥، والبدائع للكاساني ٦ / ٢٦٨٢ ٠ (٢) المبسوط ١٤ / ٩٣، ٩٤، البدائع ٦ / ٢٦٩١، ابن عابدين ٥ / ١٦٥، وشرح الكنز للزيلعي ٥ / ٢٤١، الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٧٦ . (٣) المبسوط ١٤ / ٩٣ . - ١٤١ - شفعة ١٣ - ١٣ م ورد أن عائشة رضي الله عنها قالت: يارسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال : (( إلى أقربهما منك بابا)) (١). ولا تثبت الشفعة أيضا عند الحنفية للجار المقابل . لأن سوء المجاورة لا يتحقق إذا لم یکن ملك أحدهما متصلا بملك الآخر ولا شركة بينهما في حقوق الملك . وحق الشفعة يثبت للجار الملاصق ليترفق به من حيث توسع الملك والمرافق ، وهذا في الجار الملاصق يتحقق لامكان جعل إحدى الدارين من مرافق الدار الأخرى . ولا يتحقق ذلك في الجار المقابل لعدم إمکان جعل إحدی الدارین من مرافق الدار الأخری بطريق نافذ بينهما . ولكن تثبت الشفعة للجار المقابل إذا كانت الدور كلها في سكة غير نافذة، لإِمکان جعل بعضها من مرافق البعض بأن تجعل الدور كلها دارا واحدة . ولا تثبت الشفعة إلا للجار المالك، فلا تثبت لجار السكنى، كالمستأجر والمستعير،لأن المقصود دفع ضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام وجوار السكنى ليس بمستدام ، وضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام، باتصال أحد الملكين بالآخر على وجه لا (١) حديث عائشة: ((إن لي جارين .... )) أخرجه البخاري ( الفتح ٤ / ٤٣٨ - ط . السلفية ) . يتأتى الفصل فيه (١). الشفعة بين ملاك الطبقات : ١٣م - ملاك الطبقات عند الحنفية متجاورون فيحق لهم الأخذ بالشفعة بسبب الجوار (٢). وإن لم يأخذ صاحب العلو السفل بالشفعة حتى انهدم العلو فعلى قول أبي يوسف بطلت الشفعة - لأن الاتصال بالجوار قد زال ، كما لو باع التي يشفع بها قبل الأخذ . وعلى قول محمد تجب الشفعة ، لأنها ليست بسبب البناء بل بالقرار وحق القرار باق . وإن كانت ثلاثة أبيات بعضها فوق بعض وباب كل إلى السكة فبيع الأوسط تثبت الشفعة للأعلى والأسفل وإن بيع الأسفل أو الأعلى ، فالأوسط أولی ، بما له من حق القرار، لأن حق التعلي يبقى على الدوام ، وهو غير منقول فتستحق به الشفعة كالعقار (٣). ولو كان سفل بين رجلين عليه علو لأحدهما مشترك بينه وبين آخر فباع هو السفل والعلو كان العلو لشريكه في العلو (١) المبسوط ١٤ / ٩٥ ، ٩٦. (٢) مرشد الحيران محمد قدري باشا م ١٠١، والمجلة م ١٠١١ . (٣) ابن عابدين ٥ / ١٤٣ . - ١٤٢ - .... شفعة ١٣ م - ١٧ والسفل لشريكه في السفل ، لأن كل واحد منهما شريك في نفس المبيع في حقه وجار في حق الآخر أو شريك في الحق إذا كان طريقهما واحدا . ولو کان السفل لرجل والعلو لآخر فبیعت دار بجنبها فالشفعة لهما (١). أركان الشفعة : ١٤ - أركان الشفعة ثلاثة: (٢) (١) الشفيع : وهو الآخذ . (٢) والمأخوذ منه : وهو المشتري الذي یکون العقار في حیارته . (٣) المشفوع فيه : وهو العقار المأخوذ أي محل الشفعة . ولكل ركن من هذه الأركان شروط وأحكام تتعلق بها كما سيأتي . الشروط الواجب توافرها في الشفيع : الشرط الأول : ملكية الشفيع لما يشفع به : ١٥ - اشترط الفقهاء للأخذ بالشفعة أن يكون الشفیع مالكا للعقار المشفوع به وقت شراء العقار المشفوع فيه . لأن سبب الاستحقاق جواز الملك ، والسبب إنما ينعقدسببا عند وجود الشرط ، والانعقاد أمر (١) شرح الكنز للزيلعي ٥ / ٢٤١، والفتاوى الهندية ٥ / ٠١٦٤ (٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٩٦ . زائد على الوجود (١). قال الكاساني : لا شفعة له بدار یسکنها بالإِجارة والإِعارة ولا بدار باعها قبل الشراء ولا بدار جعلها مسجدا ولا بدار جعلها وقفا (٢) . وقد روي عن مالك جواز الشفعة في الكراء كما سبق . الشرط الثاني : بقاء الملكية لحين الأخذ بالشفعة : ١٦ - يجب أن يبقى الشفيع مالكا للعقار المشفوع به حتى يمتلك العقار المشفوع فيه بالرضاء أو بحكم القضاء ليتحقق الاتصال وقت البيع (٣). الشفعة للوقف : ١٧ - لا شفعة للوقف لا بشركة ولا بجوار. فإذا بيع عقار مجاور لوقف ، أو كان المبيع بعضه ملك وبعضه وقف وبيع الملك فلا شفعة للوقف ، لا لقيّمه ولا للموقوف عليه (٤). (١) البدائع ٦ / ٢٧٠٣، المبسوط ١٤ / ٩٥ وشرح الكنز للزيلعي ٥ / ٢٥٢، حاشية الدسوقي ٣ / ٤٧٦، مغني المحتاج ٢ / ٢٩٨، نهاية المحتاج ٥ / ١٩٨، منتهي الإرادات ١ / ٥٣٠ . (٢) البدائع ٦ / ٢٧٠٣ . (٣) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي مع حاشية الشلبي ٥ / ٢٢٥، ط ١ سنة ١٣١٥ هـ. (٤) البدائع ٦ / ٢٧٠٣، حاشية ابن عابدين ٦ / ٢٣٣، الخرشي ٦ / ١٦٣، مغني المحتاج ٢ / ٢٩٧، فتح = - ١٤٣ - شفعة ١٧ - ١٩ ... واشترط الفقهاء جميعا ألا يتضمن التملك بالشفعة تفريق الصفقة لأن الشفعة لا تقبل التجزئة . وينبني على ذلك أنه إذا كان المبيع قطعة واحدة والمشتري واحدا فلا يجوز للشفيع أن يطلب بعض المبيع ويترك البعض الآخر، أما إذا كانت القطعة واحدة ، وكان المشتري متعددا فيجوز للشفیع أن يطلب نصيب واحد أو أكثر أو يطلب الكل ، ولا يعتبر هذا تجزئة للشفعة ، لأن كل واحد من الشركاء مستقل بملكية نصيبه تمام الاستقلال . وإذا كانت القطع متعددة والمشتري واحدا أخذ كل شفيع القطعة التي يشفع فيها ، فإن تعدد المشترون أيضا فلكل شفيع أن يأخذ نصيب بعضهم أو يأخذ الكل ويقدر لكل قطعة ما يناسبها من الثمن إن لم يكن مقدرا في العقد (١). المشفوع منه : ١٨ - وتجوز الشفعة على أي مشتر للعقار المبيع سواء أكان قریبا للبائع أم كان أجنبيا عنه . لعموم النصوص المثبتة للشفعة . التصرفات التى تجوز فيها الشفعة : ١٩ - اتفق الفقهاء على أن التصرف المجيز = العزيز ١١ / ٣٩٢، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٤١. (١) المبسوط ١٤ / ١٠٤، البدائع ٦ / ٢٧٢٩، حاشية الدسوقي ٣ / ٤٩٠، القليوبي ٣ / ٤٩، ٥٠، المغني ٥ / ٤٨٣، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٩، المقنع ٢ / ٢٦٣ . للشفعة هو عقد المعاوضة ، وهو البيع وما في معناه . فلا تثبت الشفعة في الهبة والصدقة والميراث والوصية لأن الأخذ بالشفعة يكون بمثل ما ملك فإذا انعدمت المعاوضة تعذر الأخذ بالشفعة . وحكي عن مالك في رواية أن الشفعة تثبت في كل ملك انتقل بعوض أو بغير عوض كالهبة لغير الثواب ، والصدقة ، ما عدا الميراث فإنه لا شفعة فيه باتفاق . ووجه هذه الرواية أنها اعتبرت الضرر فقط . واختلف الفقهاء في المهر وأرش الجنايات والصلح وبدل الخلع وما في معناها فذهب الحنفية والحنابلة في رواية صححها المرداوي إلى عدم ثبوت الشفعة في هذه الأموال لأن النص ورد في البيع فقط وليست هذه التصرفات بمعنى البيع ، ولاستحالة أن يتملك الشفيع بمثل ما تملك به هؤلاء . وذهب المالكية والشافعية والحنابلة في رواية أخرى إلى ثبوت الشفعة في هذه التصرفات قياسا على البيع بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوق الضرر ثم نص الحنابلة على أن الصحيح عندهم أنه إذا ثبتت الشفعة في هذه الحال فيأخذه الشفيع بقيمته وفي قول : بقيمة مقابله (١). (١) الهداية مع الفتح ٩/ ٣٧٩، ٣٨١، ٤٠٥، الزيلعي = - ١٤٤ - شفعة ٢٠ - ٢١ الهبة بشرط العوض : ٢٠ - ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية والحنابلة وهو الأصح عند الشافعية ) إلى أنه إذا كانت الهبة بشرط العوض ، فإن تقابضا وجبت الشفعة، لوجود معنى المعاوضة عند التقابض عند الحنفية ورأى للشافعية، وإن قبض أحدهما دون الآخر فلا شفعة عند أبي حنيفة وأبی یوسف ومحمد ، وعند زفر تجب الشفعة بنفس العقد وهو الأظهر عند الشافعية (١). الشفعة مع شرط الخيار : ٢١ - اتفق الفقهاء على أنه إن كان الخيار للبائع وحده أو البائع والمشتري معا فلا شفعة حتى يجب البيع ، لأنهم اشترطوا لجواز = ٢٥٢/٥، ٢٥٣، ابن عابدين ٦ / ٢٣١، ٢٣٦، والبدائع ٦ / ٢٦٩٦، ٢٦٩٨، ٢٦٩٩، والمبسوط ١٤ / ١٤١، ١٤٥ وبداية المجتهد ٢ / ٢٥٥، والدسوقي ٣ / ٤٧٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٩٦، ونهاية المحتاج ٥ / ١٩٩، وفتح العزيز ١١ / ٤٢٥، والمغني ٥ / ٤٦٧، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٧، والمقنع ٢ / ٢٥٨، وتصحيح الفروع ٤ / ٥٣٧.٥٣٦ (١) البدائع ٦ / ٢٦٩٦، ٢٧٠١، المبسوط ١٤ / ١٤١، الهداية ٩ / ٤٠٧، وشرح الكنز ٥ / ٢٥٣، ابن عابدين ٦ / ٢٣٧، ٢٣٨، والدسوقي ٢ / ٤٧٥ ، ٤٨٢، وما بعدها، بداية المجتهد ٢ / ٢٥٦، والخرشي ٦ / ١٧٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٩٨، ٢٩٩، وفتح العزيز ١١ / ٤٠٨، ٤٢٥، ونهاية المحتاج ٥ / ١٩٨، والمغني ٥ / ٤٦٨، ٤٧١، والمقنع ٢ / ٢٥٨ و٢٧٢ - ٢٧٤. الشفعة زوال ملك البائع عن المبيع (١). وإذا كان الخيار للمشتري فقال الحنفية : تجب الشفعة لأن خياره لا يمنع زوال المبيع عن ملك البائع وحق الشفعة يقف عليه (٢). وعند المالکیة - لا تجب الشفعة ، لأنه غیر لازم . لأن بيع الخیار منحل على المشهور، إلا بعد مضيه ولزومه فتكون الشفعة (٣). وأما الشافعية فقد قالوا : إن شرط الخيار للمشتري وحده فعلى القول بأن الملك له ففي أخذه بالشفعة قولان : الأول : المنع ، لأن المشتري لم یرض بلزوم العقد وفي الأخذ إلزام وإثبات للعهدة عليه . والثاني : وهو الأظهر - يؤخذ ، لأنه لا حق فيه إلا للمشتري والشفيع سلط عليه بعد لزوم الملك واستقراره فقبله أولى (٤). وعند الحنابلة لا تثبت الشفعة قبل انقضاء الخيار كما قال المالكية (٥). (١) البدائع ٦ / ٢٠٧١، الخرشي ٦ / ١٧٠، مغني المحتاج ٢ / ٢٩٩، وما بعدها، نهاية المحتاج ٥ / ١٩٨، المغني ٥ / ٤٧١، والمقنع ٢٠ / ٢٧٣ وما بعدها . (٢) البدائع ٦ / ٢٧٠١ . (٣) حاشية الدسوقي ٣ / ٤٨٣، وما بعدها ، الخرشي ٦ /١٧٠، بداية المجتهد ٢ / ٢٥٦. (٤) فتح العزيز ١١ / ٤٠٨، وما بعدها ، الأم ٤ / ٤. (٥) المغني ٥ / ٤٧١ . - ١٤٥ - شفعة ٢١ - ٢٤ وقال الحنفية : ولو شرط البائع الخيار للشفيع فلا شفعة له، لأن شرط الخيار للشفيع شرط لنفسه وأنه يمنع وجوب الشفعة ، فإن أجاز الشفيع البيع جاز ولا شفعة ، لأن البيع تم من جهته فصار کأنه باع ابتداء وإن فسخ البيع فلا شفعة له لأن ملك البائع لم يزل ، والحيلة للشفيع في ذلك ألا يفسخ ولا يجيز حتى يجيز البائع أو يجوز البيع بمضي المدة فتكون له الشفعة (١). الشفعة في بعض أنواع البيوع : أ - البيع بالمزاد العلني : ٢٢ - إذا بيع العقار بالمزاد العلني فمقتضى صيغ الفقهاء أنهم لا يمنعون الشفعة فيه لأنهم ذكروا شروطا للشفعة إذا تحققت ثبتت الشفعة للشفيع ولم يستثنوا البيع بالمزايدة . ب - ما بيع ليجعل مسجدا : ٢٣ - ذهب الحنفية والمالكية وهو قول أبي بكر من الحنابلة إلى أنه إذا اتخذ المشتري الدار مسجدا ثم حضر الشفیع کان له أن ينقض المسجد ويأخذ الدار بالشفعة في ظاهر الرواية . وروي عن أبي حنيفة أنه ليس له ذلك ، لأن المسجد یتحرر عن حقوق العباد فيكون بمنزلة إعتاق العبد . وحق الشفيع لا يكون (١) البدائع ٦ / ٢٧٠١ وما بعدها . أقوى من حق المرتهن ثم حق المرتهن لا يمنع حق الراهن فكذلك حق الشفيع لايمنع صحة جعل الدار مسجدا . ووجه ظاهر الرواية أن للشفيع في هذه البقعة حقا مقدما على حق المشتري،وذلك يمنع صحة جعله مسجدا،لأن المسجد يكون لله تعالى خالصا، ألا ترى أنه لو جعل جزءا شائعا من داره مسجدا أو جعل وسط داره مسجدا لم يجز ذلك، لأنه لم يصر خالصا الله تعالى فكذلك ما فيه حق الشفعة إذا جعله مسجدا، وهذا لأنه في معنى مسجد الضرار لأنه قصد الأضرار بالشفیع من حیث إبطال حقه فإذا لم يصح ذلك كان للشفیع ان يأخذ الدار بالشفعة ويرفع المشتري بناءه المحدث (١). المال الذى تثبت فيه الشفعة : ٢٤ - اتفق الفقهاء على أن العقار وما في معناه من الأموال الثابتة تثبت فيه الشفعة (٢). وأما الأموال المنقولة ففيها خلاف يأتي بيانه . واستدلوا على ثبوت الشفعة في العقار ونحوه بحديث جابر رضي الله عنه (١) المبسوط ١٤ / ١١٣ - ١١٤، والبدائع ٦ / ٢٧٠٢، وابن عابدين ٦ / ٢٣٣، ط ٢، والخرشي ٦ / ١٧٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٨٧، والفروع ٤ / ٥٥٠ . (٢) البدائع ٦ / ٢٧٠٠، تبيين الحقائق ٥ / ٢٥٢، حاشية ابن عابدين ٦ / ٢٣٦ ، المبسوط ١٤ / ٩٨ . - ١٤٦ - شفعة ٢٤ - ٢٥ قال: ((قضى رسول الله وعليه بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط)) (١). وبأن الشفعة في العقار ما وجبت لكونه مسکنا ، وإنما وجبت خوف أذى الدخيل وضرره على سبيل الدوام وذلك لا يتحقق إلا في العقار (٢). وتجب الشفعة في العقار أو ما في معناه وهو .. العلو، سواء كان العقار مما يحتمل القسمة أو مما لا يحتملها كالحمام والرحى والبئر، والنهر، والعين ، والدور الصغار. وكل ما يتعلق بالعقار مما له ثبات واتصال بالشروط المتقدم ذكرها (٣) . ٢٥ - واختلف الفقهاء في ثبوت الشفعة في المنقول على قولين : القول الأول : لا تثبت في المنقول وهو قول الحنفية والشافعية ، والصحيح من مذهبي المالكية والحنابلة (٤). واستدلوا على ذلك بحدیث جابر- رضي الله عنه - أن النبي صلى الله وعليه وآله وسلم « قضی بالشفعة في کل (١) حديث جابر: ((قضى رسول الله ﴾. )) تقدم تخريجهف ٤ . (٢) شرح العناية على الهداية ٩ / ٤٠٣، والبدائع ٦ / ٢٧٠٠. (٣) البدائع ٦ / ٢٧٠٠، تبيين الحقائق ٥ / ٢٥٢، شرح العناية على الهداية ٩ / ٤٠٣ مع فتح القدير. (٤) المبسوط ١٤ / ٩٥، البدائع ٦ / ٢٧٠٠، شرح الكنز ٥ / ٢٥٢، وفتح العزيز ١١ / ٣٦٤، ونهاية المحتاج ٥ / ١٩٣، مغني المحتاج ٢ / ٢٩٦، والمغني ٥ / ٤٦٣ - ٤٦٥ . ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)) (١). ووجه الدلالة من هذا الحديث أن وقوع الحدود وتصريف الطرق إنما يكون في العقار دون المنقول . عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا شفعة إلا في دار أو عقار)) (٢). ، وهذا يقتضي نفيها عن غير الدار والعقار مما لايتبعهما وهو المنقول ، وأما ما يتبعهما فهو داخل في حكمها(٣) . قالوا : ولأن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر، والضرر في العقار يكثر جدا فإنه يحتاج الشريك إلى إحداث المرافق ، وتغيير الأبنية وتضييق الواسع وتخريب العامر وسوء الجوار وغير ذلك مما يختص بالعقار بخلاف المنقول . وقالوا أيضا : الفرق بين المنقول وغيره أن الضرر في غير المنقول يتأبد بتأبده وفي المنقول لا یتأبد فهو ضرر عارض فهو كالمكيل والموزون (٤). (١) حديث: ((قضى بالشفعة ... )) تقدم تخريجه ف ٤ (٢) حديث: ((لا شفعة إلا في دار أو عقار)) أخرجه البيهقي (٦ / ١٠٩ - ط. دائرة المعارف العثمانية) وقال : ((الاسناد ضعيف)). (٣) إعلام الموقعين ٢ / ٢٥١. (٤) إعلام الموقعين ٢ / ٢٥١ . - ١٤٧ - .... شفعة ٢٦ - ٢٨ ٠٠. ٢٦ - القول الثاني : تثبت الشفعة في المنقول وهو رواية عن مالك وأحمد (١). واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي وَلي ((قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم )) (٢). قالوا : إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أثبت الشفعة في كل ما لم يقسم وهذا يتناول العقار والمنقول . لأن ((ما)) من صيغ العموم فتثبت الشفعة في المنقول كما هي ثابتة في العقار . وقالوا: ولأن الضرر بالشركة فیما لا ينقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذى يقبل القسمة فإذا كان الشارع مريدا لدفع الضرر الأدنى فالأعلى أولى بالدفع (٣). مراحل طلب الأخذ بالشفعة : ٢٧ - على الشفيع أن يظهر رغبته بمجرد علمه بالبيع بما يسميه الفقهاء طلب المواثبة ، ثم يؤكد هذه الرغبة ويعلنها ويسمى هذا طلب التقرير والإِشهاد ، فإذا لم تتم له الشفعة تقدم للقضاء بما یسمی بطلب الخصومة والتملك (٤). (١) المراجع السابقة . (٢) حديث: ((قضى بالشفعة ... )) تقدم تخريجه ف ٤ (٣) إعلام الموقعين ٢ / ٢٥٠ (٤) تبيين الحقائق ٥ / ٢٤٢، والبدائع ٦ / ٢٧١٠ ، الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٢، المبسوط ١٤ / ٩٢، ابن عابدين ٦ / ٢٢٤ - ٢٢٥، تكملة المجموع = أ - طلب المواثبة : ٢٨ - وقت هذا الطلب هو وقت علم الشفيع بالبيع ، وعلمه بالبيع قد يحصل بسماعه بالبيع بنفسه ، وقد يحصل بإخبار غيره له . واختلف الحنفية في اشتراط العدد والعدالة في المخبر. فقال أبو حنيفة : يشترط أحد هذين إما العدد في المخبر وهو رجلان أو رجل وامرأتان وإما العدالة . وقال أبو يوسف ومحمد : لا يشترط فيه العدد ولا العدالة ، فلو أخبره واحد بالشفعة عدلا كان أو فاسقا ، فسكت ولم يطلب على فور الخبر على رواية الأصل أو لم يطلب في المجلس على رواية محمد . بطلت شفعته عندهما إذا ظهر كون الخبر صادقا . وذلك لأن العدد والعدالة لا يعتبران شرعا في المعاملات وهذا من باب المعاملة فلا يشترط فيه العدد ولا العدالة . ووجه قول أبي حنيفة : أن هذا إخبار فيه معنى الإلزام . ألا ترى أن حق الشفيع يبطل لو لم يطلب بعد الخبر فأشبه الشهادة فيعتبر فيه أحد شرطي الشهادة وهو العدد أو العدالة (١). = ١٤ / ١٤٤، المغني ٥ / ٤٧٧، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٨، المقنع ٢ / ٢٦٠. (١) البدائع ٦ / ٢٧١٠، الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٤ . - ١٤٨ - شفعة ٢٩ - ٣١ ٢٩ - وشرط طلب المواثبة أن يكون من فور العلم بالبيع (١) . إذا كان قادرا عليه ، حتى لو علم بالبيع وسكت عن الطلب مع القدرة عليه بطل حق الشفعة في رواية الأصل . وروي عن محمد أنه على المجلس كخيار المخيرة وخيار القبول ما لم يقم عن المجلس أو يتشاغل عن الطلب بعمل آخر لا تبطل شفعته وله أن يطلب ، وذكر الكرخي أن هذا أصح الروایتین ، ووجه هذه الرواية أن حق الشفعة ثبت نظرا للشفيع دفعا للضرر عنه فيحتاج إلى التأمل أن هذه الدار هل تصلح بمثل هذا الثمن وأنه هل يتضرر بجوار هذا المشترى فيأخذ بالشفعة ، أم لا يتضرر به فيترك . وهذا لا يصح بدون العلم بالبيع ، والحاجة إلى التأمل شرط المجلس في جانب المخيرة ، والقبول، كذا ههنا . ووجه رواية الأصل ما روي أن الرسول وَلفيه قال: (( الشفعة كحل العقال )) (٢) ولأنه حق یثبت على خلاف القياس ، إذ الأخذ بالشفعة تملك مال معصوم بغير إذن مالکه لخوف ضرر (١) تبيين الحقائق ٥ / ٢٤٣، ابن عابدين ٦ / ٢٢٤ - ٢٢٥، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٨، المقنع ٢ /٠٢٦٠ (٢) حديث: ((الشفعة كحل العقال)) أخرجه ابن ماجة (٢ / ٨٣٥ ط الحلبي) من حديث ابن عمر، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٦٢ - ط دار الجنان)، وانظر سبل السلام ٧٦/٣ . يحتمل الوجود والعدم فلا يستقر إلا بالطلب على المواثبة (١). واستثنى الحنفية القائلون بوجوب المواثبة حالات يعذر فيها بالتأخير كما إذا سمع بالبيع في حال سماعه خطبة الجمعة أو سلم على المشتري قبل طلب الشفعة ونحو ذلك (٢). وکذلك إذا کان هناك حائل بان کان بينهما نهر مخوف ، أو أرض مسبعة ، أو غير ذلك من الموانع ، لا تبطل شفعته بترك المواثبة إلى أن يزول الحائل (٣). ٣٠ - وذهب المالكية إلى أن الشفعة ليست على الفور بل وقت وجوبها متسع ، واختلف قول مالك في هذا الوقت هل هو محدود أم لا؟ فمرة قال : هو غير محدود وأنها لا تنقطع أبدا ، إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغييرا كثيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت ، ومرة حدد هذا الوقت بسنة ، وهو الأشهر كما يقول ابن رشد وقيل أكثر من السنة وقد قيل عنه أن الخمسة أعوام لا تنقطع فيها الشفعة (٤). ٣١ - والأظهر عند الشافعية أن الشفعة يجب طلبها على الفور لأنها حق ثبت لدفع الضرر (١) البدائع ٦ / ٢٧١١، الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٢ (٢) ابن عابدين ٦ / ٢٢٤، ٢٢٥ (٣) البدائع ٦ / ٢٧١٣، الهداية مع الفتح ٩ / ٣٨٤ ، والزيلعي ٥ / ٢٤٢ . (٤) بداية المجتهد لابن رشد ٢ / ٢٦٣ وما بعدها، والدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٤٨٤ - ١٤٩ - شفعة ٣١ - ٣٢ فكان على الفور کالرد بالعيب ، وهو موافق لرواية الأصل والصحيح من مذهب الحنابلة ، ومقابل الأظهر ثلاثة أقوال : أحدها : أن حق الشفعة مؤقت بثلاثة أيام بعد المكنة ، فإن طلبها إلى ثلاث كان على حقه ، وإن مضت الثلاث قبل طلبه بطلت . والقول الثاني : تمتد مدة تسع التأمل في مثل ذلك الشقص . والثالث : أن حق الشفعة ممتد على التأبيد ما لم يسقطه أو یعرّض بإسقاطه (١). وقد استثنى بعض الشافعية عشر صور لا يشترط فيها الفور هي :- (١) لو شرط الخيار للبائع أو لهما فإنه لا يؤخذ بالشفعة ما دام الخيار باقيا . (٢) إن له التأخير لانتظار ادراك الزرع وحصاده على الأصح . (٣) أذا أخبر بالبيع على غير ما وقع من زيادة في الثمن فترك ثم تبين خلافه فحقه باق . (٤) إذا كان أحد الشفيعين غائبا فللحاضر انتظاره وتأخير الأخذ إلى حضوره . (٥) إذا اشترى بمؤجل (١) مغني المحتاج ٢ / ٣٠٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٢١٣. (٦) لو قال: لم أعلم أن لى الشفعة وهو ممن - يخفى عليه ذلك . (٧) لو قال العامي: لم أعلم أن الشفعة على الفور، فإن المذهب هنا وفی الرد بالعيب قبول قوله . (٨) لو كان الشقص الذى يأخذ بسببه مغصوباً كما نص عليه البويطي فقال : وإن کان في ید رجل شقص من دار فغصب على نصیبہ ثم باع الآخر نصيبه ثم رجع إليه فله الشفعة ساعة رجوعه إليه ، نقله البلقيني . (٩) الشفعة التى يأخذها الولي لليتيم ليست على الفور، بل حق الولي على التراخي قطعا ، حتى لو أخرها أو عفا عنها لم يسقط لأجل اليتيم . (١٠) لو بلغه الشراء بثمن مجهول فأخر ليعلم لا يبطل ، قاله القاضى حسين (١). ٣٢ - والصحيح في مذهب الحنابلة - أن حق الشفعة على الفور إن طالب بها ساعة يعلم بالبيع وإلا بطلت ، نص عليه أحمد في رواية أبي طالب ، وحكي عنه رواية ثانية أن الشفعة على التراخي لا تسقط مالم يوجد منه ما يدل على الرضى من عفو أو مطالبة بقسمة ونحو ذلك (٢). (١) مغني المحتاج ٢ / ٣٠٧ . (٢) المغني ٥ / ٤٧٧، وما بعدها، منتهى الإرادات ١ / ٥٢٨، المقنع ٢ / ٢٦٠. - ١٥٠ - شفعة ٣٢ - ٣٣ وإن كان للشفیع عذر يمنعه الطلب مثل أن لايعلم بالبيع فأخر إلى أن علم وطالب ساعة علم أو علم الشفيع بالبيع ليلا فأخر الطلب إلى الصبح أو أخر الطلب لشدة جوع أو عطش حتی یأكل ويشرب ، أو أخر الطلب محدث لطهارة أو إغلاق باب أو ليخرج من الحمام أو ليقضي حاجته ، أو ليؤذن ويقيم ويأتى بالصلاة بسننها ، أو لیشهدها في جماعة يخاف فوتها ونحوه ، کمن علم وقد ضاع منه مال فاخر الطلب يلتمس ماسقط منه لم تسقط الشفعة ، لأن العادة تقديم هذه الحوائج ونحوها على غيرها فلا یکون الاشتغال بها رضا بترك الشفعة ، کما لو أُمکنه أن يسرع في مشیه أو يحرك دابته فلم يفعل ومضي على حسب عادته ، وهذا ما لم يكن المشتري حاضرا عند الشفيع في هذه الأحوال ، فتسقط بتأخيره ، لأنه مع حضوره يمكنه مطالبته من غير اشتغال عن أشغاله إلا الصلاة فلا تسقط الشفعة بتأخير الطلب للصلاة وسننها ، ولو مع حضور المشتري عند الشفيع ، لأن العادة تأخير الكلام عن الصلاة ، وليس على الشفيع تخفيف الصلاة ولا الاقتصار على أقل ما يجزىء في الصلاة (١). (١) كشاف القناع ٤ / ١٤١، ١٤٢. الإشهاد على طلب المواثبة : ٣٣ - الإشهاد ليس بشرط لصحة طلب المواثبة فلو لم یشهد صح طلبه فیما بینه وبین الله ، وإنما الإشهاد للإِظهار عند الخصومة على تقدير الإنكار، لأن من الجائز أن المشتري لا يصدق الشفيع في الطلب أو لا يصدقه في الفور ويكون القول قوله فيحتاج إلى الإظهار بالبينة عند القاضي على تقدير عدم التصديق ، لا أنه شرط صحة الطلب ، هذا عند الحنفية والشافعية . قال الشافعية إن كان للشفيع عذر يمنع المطالبة ، فليوكل في المطالبة أو يشهد على طلب الشفعة ، فإن ترك المقدور عليه منها بطل حقه في الأظهر (١). وعند الحنابلة : تسقط الشفعة بسيره إلى المشتري في طلبها بلا إشهاد ، ولا تسقط إن أخر طلبه بعد الإِشهاد ، أي أن الحنابلة يشترطون الإِشهاد لصحة الطلب (٢). ويصح الطلب بكل لفظ يفهم منه طلب الشفعة كما لوقال : طلبت الشفعة أو أطلبها أو أنا طالبها ، لأن الاعتبار للمعنى (٣). (١) البدائع ٢٧١١/٦، الهداية مع فتح القدير ٣٨٣/٩، ومغنى المحتاج ٣٠٧/٢ . (٢) منتهى الإرادات ١ / ٥٢٨، المقنع ٢ / ٢٦٠ - ٢٦١. (٣) الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٣ ، تبيين الحقائق ٥ / ٢٤٣، ابن عابدين ٦ / ٢٢٥، ومنتهى الإرادات ١ / ٥٢٨ . - ١٥١ - شفعة ٢٤ - ٣٦ ب - طلب التقرير والإِشهاد : ٣٤ - هذه المرحلة من المطالبة اختص بذكرها الحنفية فقالوا : يجب على الشفيع بعد طلب المواثبة أن يشهد ويطلب التقرير(١) . وطلب التقرير هو أن يشهد الشفيع على البائع إن كان العقار المبيع في يده ، أو على المشتري وإن لم یکن العقار في يده ، أو عند المبيع بأنه طلب ويطلب فيه الشفعة الآن . والشفیع محتاج إلى الإِشهاد لاثباته عند القاضي ولا يمكنه الإشهاد ظاهرا على طلب المواثبة لأنه على فور العلم بالشراء - عند البعض - فيحتاج بعد ذلك إلى طلب الإشهاد والتقرير (٢). ٣٥ - ولبيان كيفيته نقول : المبيع إما أن یکون في يد البائع وإما أن یکون في ید المشتري ، فإن كان في يد البائع فالشفيع بالخيار إن شاء طلب من البائع ، وإن شاء طلب من المشتري وإن شاء طلب عند المبيع . أما الطلب من البائع والمشتري فلأن کل واحد منهما خصم البائع باليد والمشتري بالملك ، فصح الطلب من کل واحد منهما . وأما الطلب عند المبيع فلأن الحق متعلق (١) تبيين الحقائق ٥ / ٢٤٤، حاشية ابن عابدين ٦ / ٢٢٥ . (٢) الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٣ . به ، فإن سكت عن الطلب من أحد المتبايعين وعند المبيع مع القدرة عليه بطلت شفعته لأنه فرّط في الطلب . وإن کان في يد المشتري فإن شاء طلب من المشتري وإن شاء عند المبيع ، ولا يطلب من البائع لأنه خرج من أن یکون خصما لزوال يده ولا ملك له فصار بمنزلة الأجنبي . هذا إذا كان قادرا على الطلب من المشتري أو البائع أو عند المبيع (١). والإِشهاد على طلب التقرير ليس بشرط لصحته وإنما هو لتوثيقه علی تقدیر الإِنکار کما في طلب المواثبة . وتسمية المبيع وتحديده ليست بشرط لصحة الطلب والإِشهاد في ظاهر الرواية ، وروي عن أبي يوسف أنه شرط ، لأن الطلب لا يصح إلا بعد العلم والعقار لا يصير معلوما إلا بالتحديد فلا يصح الطلب والإِشهاد بدونه (٢). ٣٦ - واختلفت عبارات مشايخ الحنفية في ألفاظ الطلب ، وصحح الكاساني أنه لو أتی بلفظ يدل على الطلب أي لفظ كان يكفي ، نحو أن يقول : ادعيت الشفعة أو سألت الشفعة ونحو ذلك مما يدل على الطلب ، قال (١) البدائع ٦ / ٢٧١٣، الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٤، الزيلعي شرح الكنز ٥ / ٢٤٢ . (٢) البدائع ٧١٤/٦ م والهداية مع فتح القدير ٣٨٥/٩. - ١٥٢ - شفعة ٣٦ - ٣٨ الكاساني : لأن الحاجة إلى الطلب ، ومعنى الطلب يتأدى بكل لفظ يدل عليه ، سواء أكان بلفظ الطلب أم بغيره ، ومن صور هذا الطلب ما ذكر في الهداية والكنز، وهي أن يقول الشفيع : إن فلانا اشترى هذه الدار وأنا شفيعها ، وقد كنت طلبت الشفعة وأطلبها الآن فاشهدوا على ذلك (١). ٣٧ - وأما حكم هذا الطلب عند الحنفية فهو استقرار الحق ، فالشفيع إذا أتى بطلبين صحيحين ( طلب المواثبة وطلب التقرير) استقر الحق على وجه لا يبطل بتأخير المطالبة أمام القاضي بالأخذ بالشفعة أبدا حتى يسقطها بلسانه ، وهو قول أبى حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ، وفي رواية أخرى قال : إذا ترك المخاصمة إلى القاضي في زمان يقدر فيه على المخاصمة بطلت شفعته ، ولم يؤقت فيه وقتا ، وروي عنه أنه قدّره بما يراه القاضي ، وقال محمد وزفر، إذا مضى شهر بعد الطلب ولم يطلب من غير عذر بطلت شفعته ، وهو رواية عن أبي يوسف أيضا وبه أخذت المجلة (٢). وجه قول محمد وزفر : أن حق الشفعة ثبت لدفع الضرر عن الشفيع ولا يجوز دفع الضرر عن (١) البدائع ٢٧١٤/٦ والهداية مع فتح القدير ٣٨٥/٩ والزيلعي ٢٤٤/٥. (٢) مجلة الأحكام العدلية م (١٠٣٤). الإِنسان على وجه يتضمن الاضرار بغيره ، وفي إبقاء هذا الحق بعد تأخير الخصومة أبداً إضرار بالمشتري ، لأنه لا یبنی ولا یغرس خوفا من النقض والقلع فیتضرر به ، فلا بد من التقدير بزمان ، وقدر بالشهر لأنه أدنی الآجال ، فإذا مضى شهر ولم يطلب من غير عذر فقد فرط في الطلب فتبطل شفعته . ووجه قول أبي حنيفة ، أن الحق للشفيع قد ثبت بالطلبين والأصل أن الحق متى ثبت الإِنسان لا يبطل إلا بإبطاله ولم یوجد لأن تأخير المطالبة منه لا يكون إبطالا ، كتأخير استیفاء القصاص وسائر الديون (١). ج - طلب الخصومة والتملك : ٣٨ - طلب الخصومة والتملك هو طلب المخاصمة عند القاضي ، فيلزم أن يطلب الشفیع ویدعی في حضور الحاكم بعد طلب التقرير والإِشهاد . ولا تسقط الشفعة بتأخير هذا الطلب عند أبي حنيفة ، وهو رواية عن أبي يوسف ، وقال محمد وزفر إن تركها شهرا بعد الإِشهاد بطلت . ولا فرق في حق المشتري بين الحضر والسفر، ولو علم أنه لم یکن في البلد قاض لا تبطل شفعته بالتأخير بالاتفاق . لأنه لا (١) البدائع ٢٧١٤/٦ وما بعدها ، تبيين الحقائق ٢٤٤/٥. - ١٥٣ - شفعة ٣٨ - ٣٩ يتمكن من الخصومة إلا عند القاضي فكان عذرا . وإذا تقدم الشفيع إلى القاضي فادعى الشراء وطلب الشفعة سأله القاضي فإن اعترف بملكه الذي يشفع به ، وإلا كلفه بإقامة البينة ، لأن اليد ظاهر محتمل فلا تكفي لإِثبات الاستحقاق (١). فإن عجز عن البينة استحلف المشتري بالله مايعلم أن المدعي مالك للذي ذكره مما يشفع به، فإن نكل أو قامت للشفيع بينة ثبت حقه في المطالبة ، فبعد ذلك يسأل القاضي المدعى عليه هل ابتاع أم لا؟ فإن أنكر الابتياع قيل للشفيع : أقم البينة لأن الشفعة لا تجب إلا بعد ثبوت البيع وثبوته بالحجة ۔ فإن عجز عنها استحلف المشتري بالله ما ابتاع أو بالله ما استحق عليه في هذه الدار شفعة من الوجه الذي ذكره . ولا يلزم الشفيع إحضار الثمن وقت الدعوى بل بعد القضاء ، فيجوز له المنازعة وإن لم يحضر الثمن إلى مجلس القضاء (٢) . (١) الهداية مع فتح القدير ٩ / ٣٨٥، وانظر شرح الكنز ٥ / ٢٤٥، وابن عابدين ٦ / ٢٢٦ . (٢) الهداية ٩ / ٣٨٦، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٥ / ٢٤٥ . الشفعة للذمي على المسلم : ٣٩ - أجمع الفقهاء على ثبوت الشفعة للمسلم على الذمي ، وللذمي على الذمي ، واختلفوا في ثبوتها للذمي على المسلم ولهم فى ذلك قولان : القول الأول : ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، إلى ثبوتها للذمي على المسلم أيضا (١). واستدلوا بعموم الأحاديث الواردة في الشفعة التى سبقت کحديث جابر- رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم (( قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ، ربعة أو حائط لا يحل له أن یبیع حتى يؤذن شریکه فإن شاء اخذ وإن شاء ترك فإذا باع ولم یؤذنه فهو أحق به )) (٢). وبالإِجماع لما روي عن شريح أنه قضى بالشفعة للذمي على المسلم وكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأجازه وأقره ، وكان ذلك في محضر من الصحابة ولم (١) المبسوط ١٤ / ٩٣، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٥ / ٢٤٩ - ٢٥٠، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٧٣، الخرشي ٦ / ١٦٢، الشرح الصغير للدردير ٢ / ٢٢٧، مواهب الجليل ٥ / ٣١٠، منح الجليل على مختصر خليل ٣ / ٥٨٣، ونهاية المحتاج ٥ / ١٩٦، مغني المحتاج ٢ / ٢٩٨، فتح العزيز ١١ / ٣٩٢. (٢) حديث جابر: (( قضى بالشفعة )» تقدم تخريجه ف ٤ - ١٥٤ - شفعة ٣٩ - ٤٠ ینکر أحد منهم علیه فكان ذلك إجماعا (١) . ولأن الذمي كالمسلم في السبب والحكمة وهما اتصال الملك بالشركة أو الجوار، ودفع الضرر عن الشريك أو الجار، فكما جازت الشفعة للمسلم على المسلم فكذلك تجوز للذمي على المسلم (٢). القول الثاني : ذهب الحنابلة إلى عدم ثبوتها للذمي على المسلم (٣)، واستدلوا على ذلك بما رواه الدار قطني في کتاب العلل عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا شفعة النصراني)) (٤) . وبأن الشريعة إنما قصدت من وراء تشريع الشفعة الرفق بالشفيع ، والرفق لا يستحقه إلا من أقرّ بها وعمل بمقتضاها والذمي لم يقر بها ولم يعمل بمقتضاها فلا يستحق الرفق المقصود بتشريع الشفعة فلا تثبت له على المسلم . وبأن في إثبات الشفعة للذمي على المسلم تسليطا له عليه بالقهر والغلبة وذلك ممتنع بالاتفاق (٥). (١) شرح الهداية ٧ / ٤٣٦، المبسوط ١٤ / ٩٣ . (٢) العناية ٥ / ٤٣٦، ومنح الجليل ٣ / ٥٨٣ (٣) المغني ٥ / ٥٥١، منتهى الإرادات ١ / ٥٣٥، المقنع ٢ / ٢٧٥ . (٤) حديث: ((لا شفعة لنصراني ... )) أخرجه البيهقي (٦ / ١٠٨ - ط دائرة المعارف العثمانية ) واستنكره ، ونقل عن ابن عدي إعلاله . (٥) المغني ٥ / ٥٥١ . تعدد الشفعاء وتزاحمهم : أولا . عند اتحاد سبب الشفعة : ٤٠ - اختلف الفقهاء في كيفية توزيع المشفوع فيه على الشفعاء عند اتحاد سبب الشفعة لكل منهم بأن كانوا جميعا من رتبة واحدة - أي شركاء مثلا - . فذهب المالكية ، والشافعية ، في الأظهر، والحنابلة على الصحيح من المذهب إلى أنه إذا تعدد الشفعاء وزعت الشفعة عليهم بقدر الحصص من الملك ، لا على عدد الرءوس . ووجه ذلك عندهم ، أنها مستحقة بالملك فقسط على قدره كالأجرة والثمن (١) . وذهب الحنفية : والشافعية في قول : والحنابلة في قول ، إلى أنها تقسم على عدد الرءوس لا على قدر الملك . ووجه ذلك أن السبب في موضوع الشركة أصل الشرکة ، وقد استويا فيه فيستویان في الاستحقاق (٢). (١) حاشية الدسوقي ٣ / ٤٨٦، وما بعدها ، شرح منح الجليل ٣ / ٥٨٦، بلغة السالك ٢ / ٢٣٣، الخرشي ٦ / ١٧٣، مواهب الجليل ٥ / ٣٢٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٠٥، نهاية المحتاج ٥ / ٢١١، الأم ٤ / ٣، حاشية البجيرمي ٣ / ١٤٣، والمغني ٥ / ٥٢٣ ، ومنتهى الإرادات ١ / ٥٢٩ . (٢) البدائع ٦ / ٢٦٨٣، ٢٦٨٤ المبسوط ١٤ / ٩٧، شرح العناية على الهداية ٩ / ٣٧٨ ، ابن عابدين= - ١٥٥ - شفعة ٤١ - ٤٢ ٤١ - وكما يقسم المشفوع فيه على الشركاء بالتساوي عند الحنفية ، يقسم أيضا على الجيران بالتساوي بصرف النظر عن مقدار المجاورة ، فإذا كان لدار واحدة شفيعان جاران جوارهما على التفاوت بأن کان جوار أحدهما بخمسة أسداس الدار وجوار الآخر بسدسها ، كانت الشفعة بينهما نصفين لاستوائهما في سبب الاستحقاق ، وهو أصل الجوار . فالقاعدة عند الحنفية هي أن العبرة في السبب أصل الشرکة لا قدرها ، وأصل الجوار لا قدره ، وهذا یعم حال انفراد الأسباب واجتماعها (١). ثانيا : عند اختلاف سبب الشفعة : ٤٢ - ذهب الحنفية إلى أن أسباب الشفعة إذا اجتمعت يراعى فيها الترتيب بين الشفعاء فيقدم الأقوى فالأقوى ، فيقدم الشريك في نفس المبيع على الخليط في حق المبيع ، ويقدم الخليط في حق المبيع على الجار الملاصق لما روي عن رسول الله والفر أنه قال: ((الشريك أحق من الخليط ٦ / ٢١٩ شرح الكنز للزيلعي ٥ / ٢٤١، ونهاية المحتاج ٥ / ٢١٣، تكملة المجموع ١٤ / ١٥٨، ومنتهى الإرادات ١ / ٥٢٩، المقنع ٢ / ٢٦٣ - ٢٦٤ . (١) البدائع ٦ / ٢٦٨٣، ٢٦٨٤. والخليط أحق من غيره)) (١) ولأن المؤثر في ثبوت حق الشفعة هو دفع ضرر الدخيل وأذاه وسبب وصول الضرر والأذى هو الاتصال ، والاتصال على هذه المراتب ، فالاتصال بالشركة في عين المبيع أقوى من الاتصال بالخلط ، والاتصال بالخلط أقوى من الاتصال. بالجوار، والترجيح بقوة التأثير ترجیح صحیح . فإن سلم الشريك وجبت للخليط . وإن اجتمع خليطان يقدم الأخص على الأعم ، وإن سلم الخلیط وجبت للجار لما قلنا ، وهذا على ظاهر الرواية ، وروي عن أبي يوسف أنه إذا سلم الشريك فلا شفعة لغيره (٢). فعلى ظاهر الرواية ليس للمتأخر حق إلا سلم المتقدم ، فإن سلم فللمتأخر أن يأخذ بالشفعة ، لأن السبب قد تقرر في حق الکل (١) حديث: ((الشريك أحق من الخليط .. )) قال الزيلعي في نصب الراية (٤ / ١٧٦ - ط المجلس العلمي ) : (( غريب ، وذكره ابن الجوزي في التحقيق وقال: إنه حديث لا يعرف ، وإنما المعروف مارواه سعيد بن منصور .. ثم ذکر إسناده إلى الشعبي قال : قال رسول الله ◌َ: (( الشفيع أولى من الجار، والجار أولى من الجنب)). انتهى - يعني الصواب من حديث الشعبي مرسلا . (٢) البدائع ٦ / ٢٦٩٠، المبسوط ١٤ / ٩٤ - ٩٦، تكملة فتح القدير ٩ / ٣٧٥ ، تبيين الحقائق ٥ / ٢٣٩، ٢٤٠، ابن عابدين ٦ / ٢١٩ وما بعدها . - ١٥٦ - شفعة ٤٢ - ٤٣ إلا أن للشريك حق التقدم . ولكن بشرط أن يكون الجار طلب الشفعة مع الشريك إذا علم بالبيع ليمكنه الأخذ إذا سلم الشريك ، فإن لم يطلب حتى سلم الشريك فلا يحق له بعد ذلك (١) . والشافعية والحنابلة لا يثبتون الشفعة إلا للشريك في الملك . أما المالكية فلا يتأتى التزاحم عندهم لأنهم وإن وافقوهم في ذلك ، إلا أنهم ذهبوا مذهبا آخر فجعلوها للشركاء في العقار دون ترتيب إذا ما كانوا في درجة واحدة ، وذلك عندما يكون كل شريك أصلا في الشركة لا خلفا فيها عن غيره . أما إذا كان بعضهم خلفا في الشركة عن غيره دون بعض فلا تكون لهم على السواء وإنما يقدم الشريك في السهم المباع بعضه على الشريك في أصل العقار، ويظهر ذلك في الورثة ، فإذا كانت دار بین اثنین فمات أحدهما عن جدتين ، وزوجتین ، وشقيقتين ، فباعت إحدى هؤلاء حظها من الدار كانت الشفعة أولا لشريكتها في السهم دون بقية الورثة والشريك الأجنبي ، فتكون الجدة ۔ مثلا ۔ أولى بما تبيع صاحبتها ( وهى الجدة الأخرى ) لاشتراكهما (١) العناية على الهداية ٩ / ٣٧٦، والبدائع ٦ / ٢٦٩٠، والمبسوط ١٤ / ٩٦. وتبيين الحقائق ٥ / ٢٤٠. في السدس ، وهكذا (١). وعند المالكية أيضا ، إن أعار شخص أرضه لقوم يبنون فيها أو يغرسون فيها ففعلوا ثم باع أحدهم حظه من البناء أو الشجر قدم الشخص المعير على شركاء البائع في أخذ الحظ المبيع بقيمة نقضه منقوضا أو بثمنه الذى بيع به فالخيار له عند ابن الحاجب ، هذا في الإعارة المطلقة ، وأما المقيدة بزمن معلوم ولم ینقض فقال ابن رشد : إن باع أحدهم حظه قبل انقضاء أمد الإعارة على البقاء فلشريكه الشفعة ولا مقال لرب الأرض إن باعه على البقاء ، وإن باعه على النقض قدم رب الأرض . فإذا بنی رجلان فى عرصة رجل بإذنه ، ثم باع أحدهما حصته من النقض فلرب الأرض أخذه بالأقل من قيمته مقلوعا أو من الثمن الذى باعه به ، فإن أبى فلشريكه الشفعة للضرر إذ هو أصل الشفعة (٢). ثالثا : مزاحمة المشتري الشفيع لغيره من الشفعاء : ٤٣ - إذا كان المشتري شفيعا ، فإنه يزاحم (١) شرح منح الجليل على مختصر خليل ٣ / ٦٠٢ ، الخرشي ٦ / ١٧٧ - ١٧٨، حاشية الدسوقي ٣ / ٤٩٢ وما بعدها . (٢) شرح منح الجليل ٣ / ٥٩٢، مواهب الجليل ٥ / ٣١٨، الخرشي ٦ / ١٦٧ - ١٦٨. - ١٥٧ - ٠٠. ...... ٠٠ شفعة ٤٣ - ٤٤ غيره من الشفعاء بقوة سببه ويزاحمونه كذلك بقوة السبب ويقاسمهم ويقاسمونه إذا كانوا من درجة واحدة . فالمشترى الشفیع یقدم على من دونه في سبب الشفعة ، ويقدم عليه من هو أعلى منه في السبب(١) . وعلى هذا إذا تساوى المشتري مع الشفعاء في الرتبة فإنه يكون شفيعا مثلهم فيشاركهم ولا يقدم أحدهم على الآخر بشىء ويقسم العقار المشفوع فيه على قدر رءوسهم عند الحنفية ، وعلى قدر أملاكهم عند غيرهم كما هو أصل كل منهم في تقسيم المشفوع فيه على الشفعاء في حالة ما إذا كان المشتري أجنبيا (٢). طريق التملك بالشفعة : ٤٤ - اختلف الفقهاء في كيفية التملك بالشفعة ، فذهب الحنفية إلى أنه لا يثبت الملك للشفيع إلا بتسليم المشتري بالتراضي ، أو بقضاء القاضي . أما التملك بالتسليم من المشتري فظاهر، لأن الأخذ بتسليم المشتري برضاه (١) الهندية ٥ / ١٧٨ - ٤٨٨، حاشية ابن عابدين ٦ / ٢٣٩، شرح منح الجليل على مختصر خليل ٣ / ٦٠٢، الخرشي ٦ / ١٦٤. (٢) المراجع السابقة ، والمغني ٥ / ٥٢٥ وما بعدها ، وانظر منتهى الإرادات ١ / ٥٣٠، المقنع ٢ / ٢٦٤ . ببدل يبذله الشفيع وهو الثمن يفسر الشراء والشراء تملك . وأما قضاء القاضي فلأنه نقل للملك عن مالكه إلى غيره قهرا ، فافتقر إلى حكم الحاكم كأخذ دينه . وإذا قضى القاضي بالشفعة وكان المبيع في يد البائع ، فقال بعض مشايخ الحنفية : البيع لا ينتقض بل تتحول الصفقة إلى الشفيع . وقال بعضهم : ينتقض البيع الذي جرى بين البائع والمشتري وينعقد للشفيع بيع آخر، وهو المشهور ووجه من قال بالتحول ، أن البيع لو انتقض لتعذر الأخذ بالشفعة ، لأن البيع من شرائط وجوب الشفعة فإذا انتقض لم يجب فتعذر الأخذ . ووجه من قال إنه ينتقض ، نص كلام محمد حيث قال : انتقض البيع فيما بين البائع والمشتري وهذا نص في الباب . ومن المعقول أن القاضي إذا قضى بالشفعة قبل القبض فقد عجز المشتري عن قبض المبیع والعجز عن قبضه یوجب بطلان البيع لخلوه عن الفائدة ، كما إذا هلك المبيع قبل القبض . ولأن الملك قبل الأخذ بالشفعة للمشتري لوجود آثار الملك في حقه ولو تحول الملك إلى - ١٥٨ - شفعة ٤٤ - ٤٧ الشفيع لم يثبت الملك للمشتري (١). ٤٥ - وإن كان المبيع في يد المشتري أخذه منه ودفع الثمن إلى المشترى ، والبيع الأول صحيح ، لأن استحقاق التملك وقع على المشتري فيجعل كأنه اشترى منه . ثم إذا أخذ الدار من يد البائع يدفع الثمن إلى البائع وكانت العهدة عليه ، ويسترد المشتري الثمن من البائع إن كان قد نقد . وإن أخذها من يد المشتري دفع الثمن إلى المشتري ، وكانت العهدة عليه ، لأن العهدة هي من الرجوع بالثمن عند الاستحقاق فيكون على من قبضه . وروي عن أبي يوسف ، أن المشتري إذا كان نقد الثمن ولم يقبض الدار حتى قضي للشفیع بمحضر منهما أن الشفيع يأخذ الدار من البائع وينقد الثمن للمشتري والعهدة على المشتري ، وإن كان لم ينقد دفع الشفيع الثمن إلى البائع ، والعهدة على البائع (٢). ٤٦ - وشرط جواز القضاء بالشفعة عند الحنفية : حضور المقضي عليه ، لأن القضاء على الغائب لايجوز، فإن كان المبيع في يد البائع فلا بد من حضور البائع والمشتري (١) البدائع ٦ / ٢٧٢٤ ، وابن عابدين ٦ / ٢١٩ ، وتبيين الحقائق ٥ / ٢٤٢ . (٢) البدائع ٦ / ٢٧٢٥، ٢٧٢٦ وما بعدها . جميعا ، لأن كل واحد منهما خصم ، أما البائع فباليد ، وأما المشتري فبالملك فكان کل واحد منهما مقضیا علیه فيشترط حضورهما لئلا یکون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر . وأما إن كان في يد المشتري فحضور البائع لیس بشرط ، ويكتفى بحضور المشتري لأن البائع خرج من أن یکون خصما لزوال ملكه ويده عن المبيع فصار كالأجنبي ، وكذا حضور الشفيع أو وكيله شرط جواز القضاء له بالشفعة ، لأن القضاء على الغائب كما لا يجوز، فالقضاء للغائب لا يجوز أيضا ، ثم القاضي إذا قضى بالشفعة يثبت الملك للشفيع ولا يقف ثبوت الملك له على التسليم ، لأن الملك للشفيع يثبت بمنزلة الشراء ، والشراء الصحيح يوجب الملك بنفسه (١). ٤٧ - ووقت القضاء بالشفعة ، هو وقت المنازعة والمطالبة بها فإذا طالبه بها الشفيع يقضي له القاضي بالشفعة ، سواء أحضر الثمن أم لا في ظاهر الرواية ، وللمشتري أن يحبس الدار حتى يستوفي الثمن من الشفيع وللبائع حق حبس المبيع لا ستيفاء الثمن ، فإن أبى أن ينقد حبسه القاضي ، لأنه ظهر (١) البدائع ٦ / ٢٧٢٧، المبسوط ١٤ / ١٠٢، تبيين الحقائق على الكنز ٥ / ٢٤٥، ٢٤٦ . - ١٥٩ - شفعة ٤٧ ظلمه بالامتناع من إيفاء حق واجب عليه ، فيحبسه ولا ينقض الشفعة ، وإن طلب أجلا أجله يوما أو يومين أو ثلاثة ، لأنه لا یمکنه النقد للحال فیحتاج إلی مدة یتمکن فيها من النقد فیمهله ولا يحبسه ، فإن مضی الأجل ولم ينقد حبسه . وقال محمد : لا ينبغي للقاضي أن يقضي بالشفعة حتى يحضر الشفيع المال ، فإن طلب أجلا أجله يوما أو يومين أو ثلاثة أيام ولم يقض له بالشفعة ، فإن قضى بالشفعة ثم أبى الشفيع أن ينقد حبسه (١). وذهب المالكية إلى أن الشفيع يملك الشقص بأحد أمور ثلاثة :- أ- حكم الحاكم له . ب - دفع ثمن من الشفيع للمشتري . ج - الإِشهاد بالأخذ ولو في غيبة المشتري ، وقيل لا بد أن يكون بحضوره (٢) وقال الشافعية : لا يشترط في التملك بالشفعة حكم الحاكم ، ولا إحضار الثمن ، ولا حضور المشتري ولا رضاه ، ولا بد من جهة الشفيع من لفظ ، كقوله : تملكت ، أو اخترت الأخذ بالشفعة ، أو (١) البدائع ٦ / ٢٧٢٨ ، الزيلعي ٥ / ٢٤٥ (٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٤٨٧، وما بعدها، الخرشي ٦ / ١٧٤ . أخذته بالشفعة ، وما أشبهه. وإلا ، فهو من باب المعاطاة . ولو قال : أنا مطالب بالشفعة ، لم يحصل به التملك على الأصح ، وبه قطع المتولي . ولذلك قالوا : يعتبر في التملك بها ، أن يكون الثمن معلوما للشفيع ، ولم يشترطوا ذلك في الطلب . ثم لا يملك الشفيع بمجرد اللفظ ، بل يعتبر معه أحد أمور . الأول : أن يسلّم العوض إلى المشتري ، فيملك به إن استلمه ، وإلا فيخلي بينه وبينه ، أو يرفع الأمر إلى القاضي حتى يلزمه التسليم . قال النووي : أو يقبض عنه القاضي . الثاني : أن يُسلّم المشتري الشقص ويرضى بكون الثمن في ذمة الشفيع ، إلا أن يبيع ، ولو رضي بكون الثمن في ذمته ، ولم يسلم الشقص ، فوجهان . أحدهما : لا يحصل الملك ، لأن قول المشتري وعد . وأصحهما : الحصول ، لأنه معاوضة ، والملك في المعاوضات لا يقف على القبض . الثالث : أن يحضر مجلس القاضي ويثبت حقه بالشفعة ، ويختار التملك ، فيقضي القاضي له بالشفعة ، فوجهان . أحدهما : لا يحصل الملك حتى يقبض عوضه ، أو يرضى بتأخره ، وأصحهما : الحصول . - ١٦٠ -