النص المفهرس
صفحات 201-220
سَلَم ١٥
رأس المال أن يكون معلوما ، وذلك لأنه بدل
في عقد معاوضة مالية ، فلا بد من كونه
معلوما ، كسائر عقود المعاوضات .
ورأس المال إما أن يوصف في الذمة ، ثم
یعین في مجلس العقد ، وإما أن یکون معینا
عند العقد ، کان یکون حاضرا مشاهدا ،
ثم يقع العقد على عينه .
فإن کان موصوفا ، فیجب أن ینص في
عقد السلم على جنسه ونوعه وقدره وصفته .
وعلى هذا ، فإن قبل الطرف الآخر،
وجب تعيين رأس المال في مجلس العقد
وتسليمه إليه وفاء بالعقد (١) .
واختلف الفقهاء في اعتبار الإشارة إلى
رأس مال السلم الحاضر هل هى كافية في
رفع الجهالة عنه ، واعتباره معلوما ، أم لا بد
من بيان القدر والصفات بالإِضافة
إلى ذلك ؟ .
فذهب المالكية والصاحبان من الحنفية
والشافعية في الأظهر وهو ظاهر كلام الخرقى
من الحنابلة إلى أنه تكفي الرؤية إذا كان
(١) رد المحتار ٢٠٦/٤، المهذب ٣٠٧/١، القوانين
الفقهية لابن جزى (ط - تونس) ص ٢٧٤ ، المغني (ط -
مكتبة الرياض الحديثة) ٣٣٠/٤، أسنى المطالب
١٢٣/٢، ٠١٢٤
رأس مال السلم معينا سواء كان مثليا أو
قیمیا ولا يشترط ذكر قدره أو صفاته (١) .
ووجه ذلك « أن الحاجة إلی تعیین رأس
المال ، وأنه حصل بالإشارة إليه ، فلا حاجة
إلى إعلام قدره . ولهذا لم يشترط إعلام قدر
الثمن في بيع العين ولا في السلم إذا كان
رأس المال مما لا يتعلق العقد بقدره)) (٢).
وقال الشيرازى: ((لا يجب ذكر صفاته
ومقداره ، لأنه عوض في عقد لا يقتضي رد
المثل ، فوجب أن تغني المشاهدة عن ذكر
صفاته ، كالمهر والثمن في البيع)) (٣).
وذهب الحنابلة على المعتمد عندهم
والشافعي في قول ، إلى أنه يجب ذكر مقداره
وصفاته ، ولا يصح السلم إلا ببيانها (٤) .
قال الشیرازی: « لأنه لا يؤمن أن ينفسخ
السلم بانقطاع المسلم فيه ، فإذا لم يعرف
(١) المغني ٣٣١/٤، البدائع ٢٠١/٥، أسنى المطالب
١٤٢/٢، رد المحتار ٢٠٧/٤، نهاية المحتاج
١٨٣/٤، مواهب الجليل ٥١٦/٤، التاج والإكليل
٥١٦/٤، العناية على الهداية (الميمنية ١٣١٩ هـ)
٢٢١/٦ .
(٢) بدائع الصنائع ٢٠٢/٥ .
(٣) المهذب ٣٠٧/١.
(٤) المغني ٣٣٠/٤، شرح منتهى الإرادات ٢٢١/٢،
حاشية الرملي على أسنى المطالب ١٢٤/٢ ، المهذب
٣٠٧/١.
- ٢٠١ -
سَلَم ١٥ - ١٦
مقداره وصفته لم يعرف مايرد)) (١) .
وجاء في كشاف القناع: (( ويشترط
كونه ، أى رأس مال السلم معلوم الصفة
والقدر، کالمسلم فيه ، لأنه قد يتأخر تسلیم
المعقود عليه ، ولا يؤمن انفساخه ، فوجب
معرفة رأس ماله ليرد بدله ، كالقرض . فعلى
هذا لا يصح السلم بصبرة مشاهدة لا يعلمان
قدرها) (٢) .
وذهب أبو حنيفة والثورى والقاضي
عبد الوهاب البغدادى من المالكية إلى أنه لا
يشترط ذكر صفات رأس مال السلم ، سواء
أكان مثليا أو قيميا ، حيث إن المشاهدة
تكفي في رفع الجهالة عن الأوصاف .
أما قدره ، فهناك فرق بین کون رأس المال
مثليا يتعلق العقد بمقداره وبين كونه
قیمیا . فإن کان مثلیا - كالمكيلات
والموزونات والذرعيات والعدديات المتقاربة -
فإنه يجب بيان القدر، ولا تكفي المشاهدة ،
أما إذا كان قيميا ، فلا يشترط بيان قدره ،
وتكفي الإشارة إليه (٣).
(١) المهذب ٣٠٧/١ .
(٢) كشاف القناع ٢٩١/٣.
(٣) فتح القدير والعناية ٢٢١/٦ (مطبعة الميمنية سنة
١٣١٩ هـ)، رد المحتار ٢٠٧/٤، (بولاق
١٢٧٢ هـ)، الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي =
(الشرط الثاني) تسليم رأس المال في
مجلس العقد :
١٦ - ذهب جمهور الفقهاء من ( الحنفية
والشافعية والحنابلة ) إلى أن من شروط صحة
السلم تسليم رأس ماله في مجلس العقد ،
فلو تفرقا قبله بطل العقد (١) .
واستدلوا على ذلك :
(أولا) بقوله ◌َل: (( من أسلف فليسلف
في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل
معلوم )) (٢) . والتسليف في اللغة التي
خاطبنا بها رسول الله وَلاير هو الإِعطاء،
فيكون معنى كلامه عليه الصلاة والسلام
((فليعط )) ، لأنه لا يقع اسم السلف فيه
حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من
أسلفه ، فإن لم يدفع إليه رأس المال فإنه
یکون غیر مسلف شيئا ، بل واعدا بأن
= عبد الوهاب البغدادى ٢٨٠/١، بدائع الصنائع
٢٠٢/٥.
(١) بدائع الصنائع ٢٠٢/٥، الأم ٩٥/٣ (ط - زهرى
النجار)، المهذب ٣٠٧/١، مغني المحتاج ١٠٢/٢ ،
فتح العزيز ٢٠٩/٩، كفاية الأخيار ١٤٢/١، أنيس
الفقهاء ص ٢٢٠ ، حلية الفقهاء لابن فارس ص
١٤٠، شرح منتهى الإرادات ٢٢٠/٢، المغني
٣٢٨/٤، كشاف القناع ٢٩١/٣، فتح القدير والعناية
٢٢٧/٥ (الميمنية ١٣١٩ هـ)، رد المحتار ٢٠٨/٤ .
(٢) حديث: ((من أسلف فليسلف في كيل
معلوم ٠٠٠٠٠ )).
تقدم تخريجه ف ٤ .
- ٢٠٢ -
سَلَم ١٦
يسلف . قال الرملي : ( ولأن السلم مشتق
من تسلیم رأس المال ، أی تعجيله ، وأسماء
العقود المشتقة من المعاني لابد من تحقق تلك
المعاني فيها)) (١) .
(ثانیا) بأن الافتراق قبل قبض رأس المال
یکون افتراقا عن کالیء بکالیء ، أى : نسيئة
بنسيئة ، وهو منهي عنه بالإجماع (٢).
(ثالثا) بأن في السلم غررا احتمل
للحاجة ، فجبر ذلك بتعجیل قبض العوض
الآخر، وهو الثمن ، كيلا يعظم الغرر في
الطرفين (٣).
(رابعا) بأن الغاية الشرعية المقصودة في
العقود ترتب آثارها عليها بمجرد انعقادها ،
فإذا تأخر البدلان كان العقد عديم الفائدة
للطرفين خلافا لحكمه الأصلي ومقتضاه
وغايته ، ومن هنا قال ابن تيمية : عن تأخير
رأس المال في السلم فإن ذلك منع منه لئلا
تبقى ذمة كل منهما مشغولة بغير فائدة
حصلت لا له ولا للآخر، والمقصود من
(١) حاشية الرملي على أسنى المطالب ١٢٢/٢.
(٢) انظر المغني ٥٤/٤، نظرية العقد لابن تيمية ص
٢٣٥، نيل الأوطار ٢٥٥/٥ وما بعدها، تكملة
المجموع للسبكي ١٠٧/١٠ ، الموطأ باب جامع بيع
الثمر ٦٢٨/٢، ٦٦٠ (ط - عيسى الحلبي).
(٣) فتح العزيز ٢٠٩/٩ .
العقود القبض ، فهو عقد لم يحصل به
مقصود أصلا ، بل هو التزام بلا
فائدة)) (١) .
(خامسا) إن مطلوب الشارع صلاح ذات
البين ، وحسم مادة الفساد والفتن . وإذا
اشتملت المعاملة على شغل الذمتين ،
توجهت المطالبة من الجهتين ، فكان ذلك
سببا لكثرة الخصومات والعداوات ، فمنع
الشرع مايفضي إلى ذلك باشتراط تعجيل
قبض رأس المال (٢) .
ولا يخفى أن اشتراط قبض رأس مال
السلم قبل التفرق عند جمهور الفقهاء إنما هو
شرط لبقاء العقد على الصحة ، وليس شرط
صحة ، لأن السلم ينعقد صحيحا بدون
قبض رأس المال ، ثم يفسد بالافتراق قبل
القبض . وبقاء العقد صحيحا يعقب العقد
ولا يتقدمه ، فيصلح القبض شرطا له (٣) .
وقد جاء في م (٣٨٧) من مجلة الأحكام
العدلية: (( يشترط لبقاء صحة السلم تسليم
الثمن في مجلس العقد ، فإذا تفرق العاقدان
(١) نظرية العقد لابن تيمية ص ٢٣٥ .
(٢) الفروق للقرافي ٢٩٠/٣.
(٣) بدائع الصنائع ٢٠٣/٥، رد المحتار ٢٠٨/٤، وانظرم
٥٥٥ من مرشد الحيران ، البحر الرائق ١٧٧/٦ .
- ٢٠٣ -
سَلَم ١٦ - ١٧
قبل تسليم رأس مال السلم انفسخ
العقد )).
وقد خالف المالكية في المشهور عندهم
جمهور الفقهاء في اشتراط تعجيل رأس مال
السلم في مجلس العقد ، وقالوا : يجوز تأخيره
اليومين والثلاثة بشرط وبغير شرط ، اعتبارا
للقاعدة الفقهية (( ما قارب الشىء يعطى
حکمه ))) ، حيث إنهم اعتبروا هذا التأخير
اليسير معفوا عنه ، لأنه في حكم
التعجيل ، (١) ومن هنا قال القاضي
عبد الوهاب البغدادى في كتابه ( الإِشراف )
فى تعليل جواز ذلك التأخير اليسير: ((فأشبه
التأخير للتشاغل بالقبض )) (٢).
قال ابن رشد في ((المقدمات
الممهدات )): ( وأما تأخيره فوق الثلاث
بشرط ، فذلك لا يجوز باتفاق ، كان رأس
المال عينا أو عَرَضا . فإن تأخر فوق الثلاث
بغير شرط لم يفسخ إن كان عَرَضا . واختلف
فيه إن كان عينا : فعلى ما في المدونة من باب
(١) شرح الخرشي ٢٢٠/٥ ، المقدمات الممهدات لابن رشد
ص ٥١٦، مواهب الجليل ٥١٤/٤ وما بعدها ، إيضاح
المسالك إلى قواعد الإِمام مالك للونشريسي ص ١٧٣ ،
ولعل ذلك مستفاد من أن مالكا في المدونة لم يجعل اليوم
واليومين أجلا ، كما نقل صاحب التاج والإِكليل
(٣٦٧/٤) عن ابن سراج .
(٢) الإشراف على مسائل الخلاف ١/ ٢٨٠ .
السلم يفسد بذلك ويفسخ . وعلى ماذهب
إليه ابن حبيب أنه لا يفسخ إلا أن يتأخر
فوق الثلاث بشرط ) (١) .
١٧ - بقي بعد هذا مسألة مهمة ، وهي :
مالو عجل المسلم بعض رأس المال في
المجلس وأجل البعض الآخر فما
هو الحكم ؟ .
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين :
(أحدهما) للحنفية والشافعية والحنابلة ، وهو
أنه يبطل السلم فيما لم يقبض ، ويسقط
بحصته من المسلم فيه ، ويصح في الباقي
بقسطه (٢). قال ابن نجيم: (( وصح في
حصة النقد لوجود قبض رأس المال بقدره ،
ولا يشيع الفساد لأنه طارىء ، إذ السلم وقع
صحيحا في الكل ، ولذا لو نقد الكل قبل
الافتراق صح)) (٣)
(والثاني) للمالكية وابن أبي ليلى ، وهو أنه
يبطل السلم في الصفقة كلها .
وعلل المالكية قولهم هذا بأنه « متی قبض
(١) المقدمات الممهدات ص ٥١٦، وانظر منح الجليل ٤/٣
و ٣/٣
(٢) فتح العزيز ٢١٠/٩، روضة الطالبين ٣/٤، مغني
المحتاج ١٠٢/٢، كشاف القناع ٢٩١/٣، البحر
الرائق ١٧٨/٦، تأسيس النظر ص ٩٥ .
(٣) البحر الرائق ١٧٨/٦.
- ٢٠٤ -
سَلَم ١٨ - ١٩
البعض وأخر البعض فسد ، لأنه دین
بدین )) . أی : ابتداء دین بدین (١) .
ومستند ابن أبي ليلى أن الأصل عنده في
أبواب المعاملات أن العقد إذا ورد الفسخ
على بعضه انفسخ کله (٢) .
١٨ - ولو أراد رب السلم أن يجعل الدين
الذی في ذمة المسلم إلیه رأس مال سلم ،
فإن ذلك غير جائز عند جمهور الفقهاء من
الحنفية والشافعية والحنابلة ومالك والأوزاعي
والثوری وغیرهم ، لأنه یؤدی إلی بیع الدین
بالدين (٣).
وخالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية
وابن القيم فذهبا إلى أن الدين الذى في ذمة
المدین إن کان حالا يجوز جعله رأس مال
سلم ، وحجتهما على الجواز هو عدم تحقق
المنهي عنه - وهو بيع الكالىء بالكالىء ،
أى : الدين المؤخر بالدين المؤخر - على هذه
المسألة إذا كان الدين المجعول رأس مال
(١) حاشية العدوى على كفاية الطالب الرباني ١٦٣/٢.
٠
(٢) تأسيس النظر للدبوسى ص ٩٥ (ط - دار الفكر بيروت
سنة ١٣٩٩ هـ).
(٣) رد المحتار ٤ /٢٠٩، تبيين الحقائق للزيلعي ١٤٠/٤،
فتح العزيز ٢١٢/٩، الشرح الكبير على المقنع
٣٣٦/٤، بدائع الصنائع ٣١٥٥/٧ (مطبعة الإمام
بالقاهرة)، نهاية المحتاج ١٨٠/٤، شرح منتهى
الإرادات ٢/ ٢٢١.
السلم غير مؤجل في ذمة المدین ، لأنها تكون
من قبيل بيع الدين المؤخر بالدين المعجل ،
ولوجود القبض الحكمي لرأس مال السلم من
قبل المسلم إليه في مجلس العقد ، لكونه
حالا في ذمته . فكأن المسلم - إذ جعل ماله
في ذمته معجلا رأس مال السلم - قبضه منه
ورده إليه ، فصار دينا معجلا مقبوضا
حكما ، فارتفع المانع الشرعي . ولأن دعوى
الإجماع على المنع غير مسلمة (١).
أما إذا كان الدين المجعول رأس مال
السلم مؤجلا في ذمة المدین فلا خلاف لأحد
من الفقهاء في منع ذلك شرعا ، وأنه من بيع
الكالىء بالكالىء المحظور، لكونه ذريعة إلى
ربا النسيئة .
١٩ - أما إذا جعل رب السلم ماله الموجود في
يد المسلم إليه رأس مال السلم ، فهل يصح
ذلك ، وينوب القبض السابق للعقد مناب
القبض المستحق في مجلسه ، أم لا يصح
ذلك ، ويحتاج إلى قبض جديد ؟ .
للفقهاء فى المسألة قولان : (أحدهما)
للحنابلة ، وهو أن قبض المسلم إليه السابق
للعين المجعولة رأس مال السلم ينوب عن
(١) إعلام الموقعين ٩/٢.
- ٢٠٥ -
سَلَم ١٩ - ٢٠
القبض المستحق بالعقد ، ويقوم مقامه سواء
أكانت العين في يده أمانة أم مضمونة . ولا
يحتاج إلى تجديد القبض (١) .
(والثاني) للحنفية ، وهو أنه ینوب القبض
السابق لرأس مال السلم عن القبض
المستحق في مجلس العقد إذا كانت يد المسلم
إلیه علیه ید ضمان لايد أمانة ، لأنه إذا كان
القبض البديل مثله القبض المستحق أو
أقوى منه أمکن أن ینوب عنه . أما إذا كان
في يده أمانة ۔ کید الوکیل والودیع والشریك
ونحو ذلك - فإن القبض السابق لا يقوم
مقامه ، ويحتاج إلى تجدید القبض في المجلس
ليصح عقد السلم (٢) .
وتفصيله في مصطلح ( قبض ) .
ج - شروط المسلم فيه :
الشرط الأول : أن یکون المسلم فيه دینا
موصوفا في الذمة :
٢٠ - لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط کون
المسلم فيه دينا موصوفا في ذمة المسلم إليه ،
وأنه لا يصح السلم إذا جعل المسلم فيه شيئا
(١) شرح منتهى الإرادات ٢٢١/٢، كشاف القناع ٢٩١/٣
(٢) (مجمع الضمانات البغدادى ص ٢١٧، الفتاوى
الطرطوسية ص ٢٥٣، بدائع الصنائع ٢٤٨/٥.
معينا بذاته (١) ، لأن ذلك مناقض للغرض
المقصود منه ، إذ هو موضوع لبيع شيء في
الذمة بثمن معجل ، ومقتضاه ثبوت المسلم
فيه دينا في ذمة المسلم إليه ، ومحله ذمة
المسلم إليه. فإذا كان المسلم فيه معينا تعلق حق
رب السلم بذاته ، وكان محل الالتزام ذلك
الشيء المعين ، لا ذمة المسلم إليه ، ومن هنا
كان تعيين المسلم فيه مخالفا لمقتضى العقد .
وبالإضافة إلى ذلك ، فإن هذا التعيين
يجعل السلم من عقود الغرر، إذ ينشأ عنه
غرر عدم القدرة على تنفيذ العقد فلا
یدری ، أیتم هذا العقد أم ینفسخ ، حیث
إن من المحتمل أن يهلك ذلك الشيء المعين
قبل حلول وقت أدائه ، فيستحيل
تنفيذه ...
والغرر مفسد لعقود المعاوضات المالية كما
هو معلوم ومقرر. وهذا بخلاف مالو كان
المسلم فيه موصوفا في الذمة ، فإن الوفاء
يكون بأداء أية عين تتحقق فيها الأوصاف
المتفق عليها ، ولا يتعذر تنفيذ العقد لو تلف
(١) الهداية مع فتح القدير والعناية (الميمنية ١٣١٩ هـ)
٢١٩/٦، القوانين الفقهية (ط - الدار العربية للكتاب)
ص ٢٧٤، مواهب الجليل ٥٣٤/٤، بداية المجتهد
٢٣٠/٢، روضة الطالبين ٦/٤، نهاية المحتاج
١٨٣/٤ .
- ٢٠٦ -
سَلَم ٢٠ - ٢١
المسلم فيه قبل تسليمه ، إذ يسعه الانتقال
عنه إلى غيره من أمثاله (١) .
وقد رتب بعض الفقهاء على تضمن
السلم غررا إذا عين المسلم فيه أيلولة العقد
إلى السلف الذى يجر نفعا . فقال القاضي
أبو الوليد بن رشد فى المقدمات
الممهدات)): (( وإنما لم يجز السلم في الدور
والأرضين ، لأن السلم لا يجوز إلا بصفة ،
ولابد في صفة الدور والأرضين من ذكر
موضعها ، وإذا ذكر موضعها تعينت ، فصار
السلم فیھا کمن ابتاع من رجل دار فلان على
أن يتخلصها له منه ، وذلك من الغرر الذى
لا يحل ولا يجوز، لأنه لا يدرى بكم
يتخلصها منه ، وربما لم يقدر على أن
يتخلصها منه ، ومتى لم يقدر على أن
يتخلصها منه رد إليه رأس ماله ، فصار مرة
بيعا ومرة سلفا، وذلك سلف جر
نفعا)) (٢).
كما بنى بعض الفقهاء منع كون المسلم
فیه معینا على أساس أن السلم إنما جاز شرعا
على خلاف القياس للحاجة إليه ، فإذ عين
المسلم فيه ، فيمكن عندئذ بيعه في الحال ،
(١) كشاف القناع ٢٩٢/٣، أسنى المطالب ١٢٤/٢،
١٣٠
(٢) المقدمات الممهدات ص ٥١٦
ولا يكون هناك حاجة إلى السلم ، فینسحب
عليه الحكم الأصلي وهو عدم
المشروعية (١).
ولعل المستند النصي لوجوب كون المسلم
فيه دينا موصوفا في الذمة ، وعدم جواز
السلم إذا تعين ماروى ابن ماجة بسنده عن
عبد الله بن سلام قال جاء رجل إلى النبي
وَسير فقال : إن بني فلان أسلموا (لقوم من
اليهود ) وإنهم قد جاءوا ، فأخاف أن
يرتدوا. فقال النبي ◌َّل: (( من عنده ؟
فقال رجل من اليهود : عندى كذا وكذا
(لشيء قد سماه) أراه قال ثلاثمائة دينار بسعر
کذا وكذا من حائط بني فلان . فقال رسول
الله ◌َل: ((بسعر كذا وكذا ، إلى أجل كذا
وكذا ، وليس من حائط بني فلان)) (٢).
٢١ - وبناء على اشتراط کون المسلم فيه دینا
في الذمة ذكر الفقهاء أن مايصح أن يكون
مسلما فيه من الأموال هو المثليات كالمكيلات
والموزونات والمذروعات والعدديات
(١) كشاف القناع ٢٩٢/٣، شرح منتهى الإرادات
٢٢١/٢.
(٢) حديث عبد الله بن سلام: جاء رجل إلى النبي ◌َ #
فقال : إن بني فلان أسلموا .....
أخرجه ابن ماجه (٢ /٧٦٦ - ط الحلبي)، وضعف إسناده
البوصيرى في مصباح الزجاجة (٢ /٢٤ - ط دار الجنان).
- ٢٠٧ -
سَلَم ٢١
المتقاربة ، والقيميات التي تقبل الانضباط
بالوصف (١).
قال الشيرازى في ( المهذب ) : ( ويجوز
السلم في كل مال يجوز بيعه وتضبط صفاته
كالأثمان والحبوب والثمار والثياب والدواب
والأصواف والأشعار والأخشاب والأحجار
والطين والفخار والحديد والرصاص والبللور
والزجاج وغير ذلك من الأموال التي تباع
وتضبط بالصفات) (٢).
أما مالا يمكن ضبط صفاته من الأموال
فلا يصح السلم فيه ، لأنه يفضى إلى
المنازعة والمشاقة، وعدمها مطلوب
شرعا (٣).
وعلى هذا فقد نص جمهور الفقهاء من
المالكية والشافعية والحنابلة على جواز السلم
في النقود ۔ على أن يكون رأس المال من غيرها
(١) البحر الرائق ١٦٩/٦، شرح منتهى الإرادات ٢١٤/٢،
٢١٥، أسنى المطالب ١٢٨/٢، فتح العزيز
٢٦٨/٩، الهداية مع فتح القدير والعناية ٢٠٦/٦،
٢٠٧، كشاف القناع ٢٧٦/٣ وما بعدها ، الخرشي
٢١٢/٥ وما بعدها، الإفصاح ٣٦٣/١، بداية المجتهد
٢٢٩/٢، رد المحتار ٢٠٣/٤، المغني ٣١٨/٤،
٣٢٠.
(٢) المهذب ٣٠٤/١
(٣) أسنى المطالب ١٣٠/٢، كشاف القناع ٢٧٦/٣،
نهاية المحتاج ١٩٥/٤، وبدائع الصنائع ٢٠٨/٥
لئلا یفضی ذلك إلی ربا النّساء (١) - قال ابن
قدامة (( لأنها تثبت في الذمة صداقا ، فتثبت
سلما کالعروض ، ولأنه لا ربا بینهما من حیث
التفاضل ولا النِّساء (٢) ، فصح إسلام
أحدهما في الآخر كالعرض في العرض)) (٣).
لقوله صلى الله عليه وسلم (( من أسلف
فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم )) (٤)
وهي من الموزونات ، وبأن كل ما جاز أن
يكون فى الذمة ثمنا جاز أن يكون مسلما
فيه ، ولأن ضبطها بالصفة ممكن بذكر نوع
فضتها أو ذهبها وسکتها ووزنها . فانتفی کل
مانع ، وتوفر مناط الجواز (٥) .
وخالف في ذلك الحنفية وقالوا بعدم جواز
کون المسلم فیه نقدا ، لأن المسلم فيه لابد
أن يكون مثمنا ، والنقود أثمان ، فلا تكون
مسلما فيها (٦)
(١) شرح منتهى الإرادات ٢١٥/٢، كشاف القناع
٢٧٨/٣، المقدمات الممهدات ص ٥١٩ أسنى المطالب
١٣٧/٢، الخرشي ٢٠٦/٥، منح الجليل ١١/٣،
كفاية الطالب الربانى وحاشية العدوى عليها ٢/ ١٦٣ .
(٢) لكون رأس المال عرضا غير نقد .
(٣) المغني ٣٣٢/٤
(٤) حديث: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم))
تقدم تخريجه ف ٦ .
(٥) الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب
البغدادى ٢٨١/١ .
(٦) رد المحتار ٢٠٣/٤، الهداية وفتح القدير والعناية
٢٠٦/٦
- ٢٠٨ -
سَلَم ٢١ - ٢٢
وقد احتج الكاساني على ذلك بأنه يشترط
في المسلم فیه (( أن یکون مما یتعین بالتعيين ))
فإن كان مما لا يتعين بالتعيين كالدراهم
والدنانير لا يجوز السّلم فيه ، لأن المسلم فيه
مبيع ، لما روينا أن النبي عليه الصلاة
والسلام نهى عن بيع ماليس عند الإِنسان
ورخص في السلم (١) ، سمى السلم بيعا ،
فكان المسلم فيه مبيعا ، والمبيع مما يتعين
بالتعيين ، والدراهم والدنانیر لا تتعین في
عقود المعاوضات ، فلم تكن مبيعة ، فلا
يجوز السلم فيها)) (٢) .
وجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة يعدون المذروعات المتماثلة
الآحاد والعدديات المتقاربة أو المتساوية من
جملة المثليات التي تقبل الثبوت في الذمة دينا
في عقد السلم ، ويصحّ كونها مسلما فيها
قياسا على المكيلات والموزونات التي نص
الحديث على جواز السلم فيها ، للعلة
الجامعة بينهما وهي رفع الجهالة بالمقدار، لأن
القصد من التقدير هو رفع الجهالة وإمكان
(١) حديث : « نهی عن بيع مالیس عند الإِنسان ورخص في
السلم »
قال الزيلعي في نصب الراية (٤ /٤٥ - ط المجلس
العلمي): ((غريب بهذا اللفظ)). ثم ذكر أنه مركب
من معنى حديثين ، وقد تقدما في هذا البحث .
(٢) بدائع الصنائع ٢١٢/٥
التسليم بلا نزاع ، وهذا حاصل بالعد
والذرع فيما يقدر بالوحدات القياسية الطولية
أو بالعدد كما هو حاصل بالوزن أو بالحجم
فيما يقدر بالوزن أو الكيل . قال الخطيب
الشربيني : فإن قيل : لم خص في الحديث
الكيل والوزن ؟ أجيب بأن ذلك لغلبتهما
وللتنبيه على غيرهما (١).
الشرط الثاني : أن يكون المسلم فيه
معلوما :
٢٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط
لصحة السلم أن يكون المسلم فيه معلوما
مبينا بما يرفع الجهالة عند ويسد الأبواب إلى
المنازعة بين المتعاقدين عند تسليمه ، لأنه
بدل في عقد معاوضة مالية ، فيشترط فيه أن
یکون معلوما كما هو الشأن في سائر عقود
المبادلات المالية .
ولما کان المسلم فيه ثابتا فى الذمة غیر معین
بذاته اشترط الفقهاء أن ينص في عقد السلم
على جنس المسلم فيه ، بأن یبین أنه حنطة
أو شعیر أو تمر أو زيت .. وعلى نوعه إن كان
للجنس الواحد أکثر من نوع ، بأن یبین أن
الرز من النوع الأمريكي أو البشاوری ونحو
(١) مغني المحتاج ١٠٨/١
- ٢٠٩ -
سَلَم ٢٢
ذلك ، فإن کان للجنس نوع واحد فلا
يشترط ذكر النوع (١) .
كما اشترطوا بيان قدره لقوله عليه الصلاة
والسلام « من أسلف فليسلف في کیل معلوم
ووزن معلوم )» .. (٢) وبيان القدر يتحقق
بكل وسيلة ترفع الجهالة عن المقدار الواجب
تسليمه ، وتضبط الكمية الثابتة في الذمة
دينا بصورة لا تدع مجالا للمنازعة
عند الوفاء (٣).
قال ابن قدامة في ( المغني ) : ( ويجب أن
يقدره بمكيال أو أرطال معلومة عند العامة .
فإن قدره بإناء غير معلوم أو صنجة معينة غیر
معلومة لم يصح . لأنه قد يهلك فيتعذر معرفة
قدر المسلم فيه . وهذا غرر لا يحتاج
إليه العقد .
قال ابن المنذر: (( أجمع كل من نحفظ
عنه من أهل العلم منهم أبو حنيفة وأصحابه
والشافعى والثوری وأبو ثور على أن السلم في
(١) البدائع ٢٠٧/٥، شرح منتهى الإرادات ٢١٦/٢ ،
الخرشي ٢١٣/٥، بداية المجتهد ٢٣٠/٢، المغني
٠:٣١٠/٤
(٢) حديث: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن
معلوم))
تقدم تخريجه ف ٦ .
(٣) (المغنى ٣١٨/٤، نهاية المحتاج ١٩٠/٤، شرح منتهى
الإرادات ٢١٨/٢ بداية المجتهد ٢٢٩/٢.
الطعام لا يجوز بقفيز لا يعلم عياره ، ولا في
ثوب بذرع فلان ، لأن المعيار لو تلف أومات
فلان بطل السلم .
وإن عین مکیال رجل أو میزانه ، وکانا
معروفين عند العامة جاز، ولم يختص بهما .
وإن لم يعرفا لم يجز)) (١).
هذا وإن جمهور الفقهاء من الحنفية
والشافعية وأحمد في رواية عنه رجحها کثیر من
الحنابلة (٢) لا يرون بأسا في اتفاق العاقدين
على تحديد المسلم فيه بأية وحدة قياسية عرفية
تضبطه ، ولو كانت غير المستعملة لتحديده
في زمن النبوة . لأن الغرض معرفة قدره بما
ينفي عنه الجهالة والغرر، وإمكان تسليمه
من غير تنازع ، والعلم بالقدر يمكن حصوله
بأية وحدة قياسية عرفية منضبطة ، وعلى هذا
فلو قدراه بأى قدر جاز)) (٣) ، ويفارق بيع
الربویات ، فإن التماثل فيها في المکیل کیلا
وفي الموزون وزنا شرط ، ولا يعلم هذا الشرط
إذا قدرها بغير مقدارها الأصلي (٤).
(١) المغني ٣١٨/٤، وبدائع الصنائع ٢٠٧/٥
(٢) اختار هذه الرواية من الحنابلة موفق الدين ابن قدامة في
المغني وابن عبدوس في تذكرته وجزم بها في الوجيز والمنور
ومنتخب الأزجي . (انظر كشاف القناع ٢٨٥/٣ ،
المغني ٣١٨/٤).
(٣) نهاية المحتاج ١٩١/٤، بدائع الصنائع ٢٠٨/٥ ،
المغني ٣١٨/٤، المهذب ٣٠٦/١ .
(٤) المغني ٣١٩/٤
- ٢١٠ -
:
سَلَم ٢٢
وخالف في ذلك الحنابلة على المعتمد في
مذهبهم ، وقالوا : لا یصح سلم في مکیل
وزنا ، ولا في موزون کیلا ، ( لأنه مبيع
يشترط معرفة قدره ، فلم يجز بغير ماهو
مقدربه في الأصل ، کبیع الربویات بعضها
ببعض ، ولأنه قدره بغير ماهو مقدربه في
الأصل ، فلم يجز، كما لو أسلم في مذروع
وزنا)» (١) .
وقال المالكية : العبرة بعرف أهل البلد
الذى جرى فيه السلم ، ولابد أن يضبط
المسلم فيه بالوحدة القياسية التي تعارف أهل
البلد وقت العقد على تقديره بها ، قطعا
للمنازعة بين العاقدين في تقديره عند الوفاء .
قال الخرشي: ((يشترط في صحة السلم أن
یکون مضبوطا بعادة بلد العقد ، من کیل
فيما يكال كالحنطة ، أو وزن كاللحم
ونحوه ، أو عدد كالرمان والتفاح في
بعض البلاد) (٢).
وبيان مقدار المسلم فيه بهذه الصورة إنما
يجرى في المثليات التى تخضع أنواعها
للوحدات القياسية العرفية ، وهي الوزن أو
٠.٠
(١) شرح منتهى الإرادات ٢١٨/٢، وانظر
كشاف القناع ٢٨٥/٣
(٢) التاج والإكليل ٤ / ٥٣٠، الخرشي على خليل ٢١٢/٥.
الحجم أو الطول أو العد .. أما إذا كان
المسلم فيه من القيميات التي تختلف آحادها
وتتفاوت أفرادها بحیث لا تقبل التقدير بتلك
الوحدات القیاسیة ، وإن کانت صفاتها
قابلة للانضباط ، فعند ئذ يجوز السلم فيها
بشرط بيان صفاتها التي تتفاوت فيها الرغبات
ويختلف الثمن بتفاوتها اختلافا ظاهرا . قال
ابن رشد الحفيد: ((وينبغي أن تعلم أن
التقدير في السلم یکون بالوزن فیما يمكن فيه
الوزن وبالكيل فيما يمكن فيه الكيل ،
وبالذرع فیما یمکن فیه الذرع ، وبالعدد فيما
یمکن فيه العدد ، وإن لم یکن فيه أحد هذه
التقديرات انضبط بالصفات المقصودة من
الجنس ، مع ذكر النوع إن كان أنواعا
مختلفة ، أو مع تركه إن كان نوعا
واحد) (١).
ولا يجب استقصاء كل الصفات ، لأن
ذلك يتعذر، وقد ينتهي الحال فيها إلى أمر
يتعذر تسليم المسلم فيه . إذ يبعد وجود
المسلم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها ،
فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التي
يختلف الثمن بها غالبا . وقد عبر عن ذلك
الخرشي بقوله: (( إن تبين أوصاف المسلم فيه
(١) بداية المجتهد ٢٣٠/٢
- ٢١١ -
1
سَلَم ٢٢ - ٢٣
التي تختلف بها قيمته عند المتبایعین اختلافا
يتغابن الناس في مثله عادة )) . ونقل
الحطاب عن صاحب الشامل ((وإن تبين
صفاته المعلومة لهما ولغيرهما إن كانت قيمة
المسلم فيه تختلف بها عادة أو تختلف
الأغراض بسببها )) (١).
الشرط الثالث : أن يكون المسلم فيه
مؤجلا :
٢٣ - اشترط جمهور الفقهاء من الحنفية
والمالكية والحنابلة لصحة السلم أن يكون
المسلم فيه مؤجلا فلا يصح السلم
الحال (٢) ، وحجتهم في اشتراط الأجل :
قوله {ے « من أسلف فليسلف في کیل معلوم
ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (٣) فأمر عليه
الصلاة والسلام بالأجل في السلم ، وأمره
يقتضي الوجوب ، فيكون الأجل من جملة
(١) المغني ٣١١/٤، شرح الخرشي ٢١٣/٥، مواهب الجليل
٥٣١/٤
(٢) القوانين الفقهية ص ٢٧٤، البدائع ٢١٢/٥،
المقدمات الممهدات ص ٥١٥، المغني ٣٢١/٤،
كفاية الطالب الرباني ١٦٣/٢، البحر الرائق
١٧٤/٦، المنتقى للباجي ٢٩٧/٤، الهداية مع فتح
القدير والعناية ٢١٧/٦، شرح منتهى الإرادات
٢١٨/٢ .
(٣) حديث: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن
معلوم ...
تقدم تخريجه ف ٦ .
شروط صحة السلم ، فلا يصح بدونه .
ولأن السلم جوز رخصة للرفق ، ولا
يحصل الرفق إلا بالأجل ، فإذا انتفى الأجل
انتفى الرفق ، وذلك لأن المسلف یرغب في
تقديم الثمن لا سترخاص المسلم فيه ،
والمسلم إليه يرغب فيه لموضع النسيئة ، وإذا
لم يشترط الأجل زال هذا المعنى ) (١).
قال القاضي عبد الوهاب: ((ولأن السلم
معناه السلف ، وهو أن يتقدم رأس المال
ويتأخر المسلم فيه ، فوجب منع ما أخرجه
من ذلك)) (٢).
ولأن السلم الحال يفضي إلى المنازعة ،
لأن السلم بيع المفالیس ، فالظاهر أن یکون
المسلم إليه عاجزا عن تسليم المسلم فيه ،
ورب السلم يطالب بالتسليم ، فيتنازعان
على وجه تقع فيه الحاجة إلى الفسخ . وفيه
إلحاق الضرر برب السلم ، لأنه سلم رأس
المال إلى المسلم إليه وصرفه في حاجته ، فلا
يصل إلى المسلم فيه ولا إلى رأس المال ،
فشرط الأجل حتى لا يملك المطالبة إلا بعد
حلول الأجل ، وعند ذلك يقدر على التسليم
(١) الإشراف على مسائل الخلاف ٢٨٠/١، وانظر المغني
٣٢١/٤.
(٢) بداية المجتهد ٢٢٨/٢.
- ٢١٢ -
سَلَم ٢٣ - ٢٤
ظاهرا ، فلا يؤدى إلى المنازعة المفضية إلى
الفسخ والإضرار برب السلم (١).
وذهب الشافعية إلى جواز السلم الحال كما
هو جائز مؤجلا ، وحجتهم على صحة كون
المسلم فيه حالا، القياس الأولوى على السلم
المؤجل (٢)، قال الشيرازى: (( لأنه إذا جاز
مؤجلا ، فلأن يجوز حالا ، وهو عن الغرر
أبعد، أولى)) (٣). ومرادهم أن في الأجل
ضربا من الغرر، إذ ربما يقدر المسلم إليه
على تسليمه في الحال ، ويعجز عند حلول
الأجل . فإذا جاز السلم مؤجلا ، فهو حالا
أحرى بالجواز، لأنه أبعد عن الغرر .
قال الشافعي في ( الأم): ((فإذا أجاز
رسول الله وَلر بيع الطعام بصفة إلى أجل ،
كان بيع الطعام بصفة حالا أجوز. لأنه
ليس في البيع معنى إلا أن يكون بصفة
مضمونا على صاحبه ، فإذا ضمن مؤخرا
ضمن معجلا ، وكان معجلا أضمن منه
مؤخرا ، والأعجل أخرج من معنى الغرر،
وهو مجامع له في أنه مضمون له على بائعه
بصفة (٤) .
(١) بدائع الصنائع ٢١٢/٥.
(٢) نهاية المحتاج ١٨٥/٤، أسنى المطالب ١٢٤/٢، فتح
العزيز ٢٢٦/٩، روضة الطالبين ٧/٤.
(٣) المهذب ٣٠٤/١ .
(٤) الأم ٩٥/٣ (تصحيح محمد زهرى النجار).
أقل مدة الأجل في السلم :
٢٤ - مع أن جمهور الفقهاء - عدا الشافعية -
اتفقوا لصحة السلم على وجوب كون المسلم
فيه مؤجلا ، فقد اختلفوا في تحديد الأجل
الأدنى الذى لا يصح السلم بأقل منه وذلك
على أقوال :
أما الحنفية فقد ذكر الكرخي أن تقدير
الأجل إلى العاقدين حتى لو قدرا نصف
يوم جاز.
وقال بعضهم : أقله ثلاثة أيام ، قياسا
على خيار الشرط .
وروى عن محمد أنه قدر بالشهر قال في
البدائع وهو الصحيح ، لأن الأجل إنما شرط
في السلم ترفيها وتيسيرا على المسلم إليه ،
ليتمكن من الاكتساب في المدة . والشهر
مدة معتبرة يتمكن فيها من الاكتساب ،
فيتحقق معنى الترفيه . فأما ما دونه ففي
حد القلة ، فكان له حكم
الحلول ) (١).
ب - وذهب المالكية في المشهور عندهم
إلى أن أقله ما تختلف فيه الأسواق ،
(١) بدائع الصنائع ٢١٣/٥، وانظر فتح القدير (الميمنية
١٣١٩ هـ) ٢١٩/٦، رد المحتار ٢٠٦/٤.
- ٢١٣ -
سَلَم ٢٤ - ٢٥
كالخمسة عشر يوما ونحوها . وهو قول
ابن القاسم (١).
وروى ابن وهب عن مالك : أنه يجوز
اليومين والثلاثة ، وقال ابن عبد الحكم : لا
بأس به إلی اليوم الواحد (٢).
قال الباجي - بعد عرض هذه الأقوال -
((إذا ثبت ماقلناه ، فالذى قاله القاضي
أبو محمد إن تغير الأسواق في ذلك لا يختص
بمدة من الزمان ، وإنما هو على حسب عرف
البلاد . ومن قدر ذلك بخمسة عشر يوما أو
أکثر، إنما قدر على عرف بلده . وتقدير
ابن القاسم ذلك بخمسة عشر يوما أو
عشرين أظهر، لأن هذا عرف البلاد ،
ومقتضى ما علم من أسواقها ، فإنه يغلب
تغيرها في مثل هذه المدة )) (٣).
ج - وقال الحنابلة : من شرط الأجل أن
(١) شرح الخرشي ٢١٠/٥، القوانين الفقهية ص ٢٧٤،
بداية المجتهد ٢٢٨/٢، المقدمات الممهدات ص
٥١٧ ٠
(٢) بداية المجتهد ٢٢٨/٢، المنتقى للباجي ٢٩٧/٤، وقد
ذكر الباجي وابن رشد أن محل هذا الخلاف عند المالكية
فيما إذا كان قضاء المسلم فيه البلد الذى عقد فيه السلم .
أما إذا كان المسلم فيه يقتضى بغير بلد السلم ، فإن أدنى
الأجل عندهم هو مدة قطع المسافة التي بين البلدين قلت
أو كثرت . وانظر شرح الخرشي ٢١١/٥.
(٣) المنتقى للباجي ٢٩٨/٤ .
يكون مدة لها وقع في الثمن عادة ، كالشهر
وما قاربه ، لأن الأجل إنما اعتبر لتحقيق
الرفق الذى من أجله شرع السلم ، ولا
يحصل ذلك بالمدة التي لا أثر لها
في الثمن (١).
الشرط الرابع : أن يكون الأجل معلوما :
٢٥ - اتفق الفقهاء على أن معلومية الأجل
الذى يوفى فيه المسلم فيه شرط لصحة
السلم ، لقوله {پے « من أسلف فليسلف في
كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (٢)
فقد أوجب معلومية الأجل (٣).
ونص الفقهاء على أنه ((إن كان الأجل
مجهولا فالسلم فاسد ، سواء كانت الجهالة
متفاحشة أو متقاربة ، لأن كل ذلك يفضي
إلى المنازعة ، ولأن جهالة الأجل مفسدة
للعقد ، كجهالة القدر)) (٤).
(١) شرح منتهى الإرادات ٢١٨/٢، المغني ٣٢٣/٤،
كشاف القناع ٢٨٥/٣.
(٢) حديث: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ...
تقدم تخريجه ف ٦ .
(٣) الخرشي ٢١٠/٥، المغني ٣٢١/٤، شرح منتهى
الإرادات ٢١٨/٢، القوانين الفقهية ص ٢٧٤ (ط -
الدار العربية للكتاب) ، المقدمات الممهدات ص
٥١٥، نهاية المحتاج ١٨٦/٤، الهداية مع فتح القدير
والعناية ٢١٨/٦، روضة الطالبين ٧/٤.
(٤) بدائع الصنائع ٢١٣/٥
- ٢١٤ -
سَلَم ٢٦ - ٢٧
ويتم العلم بالأجل بتقدير مدته بالأهلة
نحو أول شهر رجب أو أوسط محرم أو يوم
معلوم منه ، أو بتحديده بالشهور الشمسية
المعروفة عند المسلمين والمشهورة بينهم مثل
أول شباط وآخر آذار أو يوم معلوم منه . أو
بتحديد وقت محل المسلم فيه ، كأن يقال :
بعد ستة أشهر أو شهرين أو سنة ونحو
ذلك (١).
وينظر صور معلومية الأجل في مصطلح
(أجل ف ٧١ - ٨٠).
الشرط الخامس : أن يكون المسلم فيه
مقدور التسليم عند محله :
٢٦ - ومقتضى هذا الشرط أن يكون المسلم
فيه مما يغلب وجوده عند حلول الأجل ،
وهذا شرط متفق عليه لصحة السلم بين
الفقهاء . وذلك لأن المسلم فيه واجب
التسليم عند الأجل ، فلابد أن يكون
تسلیمه مقدورا علیه حینذاك ، وإلا کان من
الغرر الممنوع (٢).
(١) المغني ٣٢٤/٤، نهاية المحتاج ١٨٧/٤، روضة
الطالبين ٨/٤.
(٢) فتح العزيز ٢٤٣/٩، كشاف القناع ٢٩٠/٣، كفاية
الطالب الرباني ١٦٢/٢، المحلى ١١٤/٩، روضة
الطالبين ١١/٤، شرح الخرشي ٢١٨/٥، الهداية مع
فتح القدير والعناية ٢١٣/٦، المنتقى للباجي
٣٠٠/٤، المهذب ٣٠٥/١ .
فلا يجوز أن يسلم في ثمر إلى أجل لا
یعلم وجود ذلك الثمر فیه ، أو لا يوجد فيه
إلا نادرا ، كما لا يجوز أن يسلم في ثمار نخلة
معينة أو ثمار بستان بعينه .
وقال ابن قدامة في ( المغني): ((الشرط
الخامس ، وهو كون المسلم فيه عام الوجود
في محله . ولا نعلم فيه خلافا . وذلك لأنه
إذا كان كذلك أمكن تسليمه عند الأجل .
وإذا لم يكن عام الوجود ، لم يكن موجودا عند
المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن
تسلیمه )).
فلم يصح بيعه ، كبيع الآبق ، بل أولى .
فإن السلم احتمل فيه أنواع من الغرر
للحاجة . فلا يحتمل فيه غرر آخر، لئلا
یکثر الغرر فیه » (١).
٢٧ - أما وجود المسلم فيه عند العقد فليس
شرطا لصحة السلم عند جمهور الفقهاء من
المالكية والشافعية والحنابلة ، فيجوز السلم
في المعدوم وقت العقد وفیما ینقطع من أیدی
الناس قبل حلول الأجل (٢).
(١) المغني ٣٢٥/٤ .
(٢) فتح العزيز ٢٤٥/٩، المنتقى للباجي ٣٠٠/٤، المغني
٣٢٦/٤، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٢٠ المقدمات
الممهدات ص ٥١٣ ، القوانين الفقهية ص ٢٧٤ ،
بداية المجتهد ٢٢٩/٢، الإشراف للقاضي عبد الوهاب
٢٧٩/١ .
- ٢١٥ -
سَلَم ٢٧ - ٢٨
وحجتهم على ذلك الحديث الذى رواه
الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
رسول الله لي قدم المدينة ، والناس يسلفون
في الثمر العام والعامين فقال: (( من أسلف
في شيء ، ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى
أجل معلوم)) (١). فلم يشترط عليه الصلاة
والسلام وجود السلم فيه عند العقد ، ولو
كان شرطا لذكره ولنهاهم عن السنتين
والثلاث ، لأن من المعلوم أن الثمر لا يبقى
طول هذه المدة .
وأيضا : فإن التسليم قبل حلول الأجل
غیر مستحق ، فلا يلزم وجود المسلم فیه ، إذ
لا فائدة لوجوده حينئذ .
وخالف في ذلك الحنفية والثورى
والأوزاعي وقالوا بعدم صحة السلم إلا فيما
هو موجود في الأسواق من وقت العقد إلى محل
الأجل دون انقطاع (٢).
واستدلوا على هذا الشرط : بأن الأجل
يبطل بموت المسلم إليه ، ويجب أخذ المسلم
(١) الحديث الذى رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله
عنهما أن رسول الله ير قدم المدينة .....
تقدم تخريجه ف ٦ .
(٢) الهداية مع فتح القدير والعناية ٢١٣/٦، المغني
٣٢٦/٤، البحر الرائق ١٧٢/٦، وبدائع الصنائع
٢١١/٥ .
فيه من ترکته . فاشترط لذلك دوام وجود
المسلم فيه لتدوم القدرة على تسليمه ، إذ لو
لم يشترط هذا الشرط ، ومات المسلم إليه قبل
أن يحل الأجل فربما يتعذر تسليم المسلم
فيه . فيؤول ذلك إلى الغرر (١).
الشرط السادس : تعيين مكان الإِيفاء :
٢٨ - اختلف الفقهاء في اشتراط تعیین مكان
إيفاء المسلم فيه لصحة السلم على أربعة
اتجاهات .
أ - قال الحنفية : لا يشترط بیان مكان
الإِيفاء إذا لم يكن للمسلم فيه حمل ومؤنة ،
أى : لا يحتاج نقله إلى كلفة وسيلة نقل
وأجرة حمال (٢).
أما إذا كان له حمل ومؤنة فقد اختلف
أبو حنيفة مع صاحبیه في اشتراط تعیین مكان
الإِيفاء . فقال أبو حنيفة : يشترط بيان
مكان إيفاء المسلم فيه ، لأن التسليم غير
(١) الدر المحتار وحاشية رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ)
٢٠٦/٤، البحر الرائق ١٧٢/٦، والمقدمات
الممهدات ص ٥١٣ .
(٢) وهذا الحكم لا خلاف فيه بين الإمام والصاحبين ، وفي
هذه الحالة یکون للمسلم إليه أن یوفیه حيث شاء كما
صحح الحصکفي في الدر المختار، وصحح ابن کمال أن
الوفاء يكون في مكان العقد . (الدر المختار وحاشية ابن
عابدين ٤ / ٢٠٧ ) .
- ٢١٦ -
سلم ٢٨
واجب في الحال ، فلا يتعين مكان العقد
موضعا للتسليم ، فإذا لم يتعين بقي مجهولا
جهالة مفضية إلى المنازعة لاختلاف القيم
باختلاف الأماکن ، فلابد من البیان دفعا
للمنازعة ، وصار كجهالة الصفة .
وقال أبو يوسف ومحمد : لا يحتاج إلى
تعيينه ، ويسلمه في موضع العقد ، لأن
مكانه موضع الالتزام ، فيتعين لإِيفاء ما التزمه
في ذمته ، كموضع الاستقراض والاستهلاك
وكبيع الحنطة بعينها (١).
ب - وقال المالكية : لا يشترط تعيين
مكان الإيفاء ولكنه يفضل (٢) . جاء في
القوانين الفقهية لابن جزىء (( الأحسن
اشتراط مكان الدفع ... فإن لم يعينا في
العقد مكانا فمكان العقد ، وإن عيناه
تعين ، ولا يجوز أن يقبضه بغير المكان المعین
ويأخذ كراء مسافة مابين المكانين ، لأنهما
بمنزلة الأجلين)) (٣).
ج - وذهب الشافعية في المعتمد إلى أنه
(١) البحر الرائق ١٧٦/٦، رد المحتار ٢٠٧/٤، بدائع
الصنائع ٢١٣/٥، الهداية مع فتح القدير والعناية
٢٢١/٦ وما بعدها .
(٢) بداية المجتهد ٢٢٩/٢، المنتقى للباجي ٢٩٩/٤ ،
وذلك لزوال التخاصم بين العاقدين ، وليكون دخولهما
على معلوم)) .
(٣) القوانين الفقهية ص ٢٧٥ .
يشترط لصحة السلم بيان مكان تسليم
المسلم فيه إذا كان موضع العقد لا يصلح
للتسليم كالصحراء ، أو كان لحمله مؤنة .
فإن كان العقد بمكان يصلح للتسليم أو لم
يكن لحمل المسلم فيه مؤنة فلا يشترط
ذلك ، ويتعين مكان العقد للتسليم بدلالة
العرف . وهذا إذا كان المسلم فيه مؤجلا .
أما السلم الحال فلا يشترط فيه تعیین مكان
الوفاء ، ويتعين موضع العقد للتسليم (١).
قالوا : ووجه اشتراط تعيينه فى المؤجل إذا
كان المكان لا يصلح للتسليم ، اختلاف
الأغراض وتفاوتها في الأمكنة ، فوجب بيانه
كما هو الأمر في الأوصاف . وأما إذا كان
لحمله مؤنة فلأنه يختلف الثمن باختلاف
المكان الذى سيسلم فيه ، كالصفات التي
يختلف الثمن باختلافها ، بخلاف ماليس
لحمله مؤنة ، فإنه لا يجب بيانه لأنه لا يختلف
ثمنه باختلافها ، فلم يجب بيانه كالصفات
التي لا يختلف الثمن باختلافها (٢).
د۔ وذهب الحنابلة إلى أنه لا يشترط ذکر
(١) أسنى المطالب ١٢٨/٢، روضة الطالبين ١٢/٤،
١٣، فتح العزيز ٢٥١/٩ وما بعدها، المهذب
٣٠٧/١ .
(٢) المهذب ٣٠٧/١، أسنى المطالب ١٢٧/٢
- ٢١٧ -
سَلَم ٢٩ - ٣٠
مكان الإيفاء، لأن النبي فيلو لم يذكره(١) فدل
على أنه لا يشترط فيه . ولأنه عقد معاوضة ،
فلا يشترط فيه ذكر مكان الإِيفاء ، كبيوع
الأعيان ، إلا أن يكون موضع العقد لا
یمکن الوفاء فيه کموضع للعراء وبحر وجبل
ونحو ذلك ، فعند ذلك يشترط بیانه لتعذر
الوفاء في موضع العقد ، فيكون محل التسليم
(٢) .
مجهولا ، فاشترط تعيينه بالقول كالأجل
الأحكام المترتبة على السلم والمتعلقة به :
أ- انتقال الملك في العوضين :
٢٩ - إذا قبض المسلم إلیه رأس المال كان له
أن يتصرف فيه بكل التصرفات السائغة
شرعا ، لأنه ملکه وتحت يده .
أما المسلم فیه ، فرغم كونه أصبح دينا
للمسلم بمقتضى العقد ، إلا أن ملكيته له
غير مستقرة قال السيوطي في ( الأشباه
والنظائر): ((جميع الديون التي في الذمة
بعد لزومها وقبض المقابل لها مستقرة إلا دينا
واحدا ، هو دین السلم ، فإنه وإن کان لازما
فهو غير مستقر. وإنما كان غير مستقر، لأنه
(١) فی حدیثه (( من أسلم فليسلم في کیل معلوم ووزن معلوم
إلى أجل معلوم)) .
(٢) كشاف القناع ٢٩٢/٣، شرح منتهى الإرادات
٢٢١/٢، وانظر المغني ٣٣٣/٤.
بصدد أن يطرأ انقطاع المسلم فيه ، فينفسخ
العقد ))(١) ...
ب - التصرف في دين السلم قبل قبضه :
٣٠ - بناء علی کون دین السلم غير مستقر،
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى أنه لا يصح بيع المسلم فيه لمن
هو فی ذمته أو لغيره أو الاستبدال عنه، لأنه لا
يؤمن فسخ العقد بسبب انقطاع المسلم فيه
وامتناع الاعتياض عنه ، فكان كالمبيع قبل
القبض. ولقوله : ((من أسلم في
شيء ، فلا يصرفه في غيره )) (٢) . قالوا :
وهذا يقتضي ألا يبيع المسلم دين السلم لا
من صاحب ولا من غيره (٣) ، هذا في البيع
أما غيره من التصرفات ففيها خلاف .
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٦
(٢) حديث: ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)).
أخرجه ابن ماجه (٧٦٦/٢ - ط الحلبي) والدارقطنى
(٤٥/٣ - ط دار المحاسن) من حديث أبي سعيد واللفظ
للدارقطني .
وضعف ابن حجر راويه عن أبى سعيد ، ونقل عن جمع
من العلماء أنهم أعلوا الحديث بالضعف والاضطراب .
كذا في التلخيص الحبير (٢٥/٣ - ط شركة الطباعة
الفنية ) .
(٣) رد المحتار ١٦٦/٤، ٢٠٩،. تبيين الحقائق وحاشية
الشلبي عليه ١١٨/٤، أسنى المطالب ٨٤/٢، الأم
(ط - زهرى النجار) ١٣٣/٣، نهاية المحتاج ٤ /٨٧ ،
المهذب ١/ ٢٧٠ ، فتح العزيز ٤٣٢/٨، مجموع فتاوى
ابن تيمية ٢٩ /٥٠٠، ٥٠٣، ٥٠٦، المغني
٣٣٤/٤، المبدع ١٩٧/٤، شرح منتهى الإرادات
٠٢٢٢/٢
- ٢١٨ -
سَلَم ٣٠ - ٣١
قال الحنفية: (( لا يجوز التصرف لرب
السلم في المسلم فيه قبل قبضه بنحو بيع
وشركة ومرابحة تولية ، ولو ممن هو
عليه ) (١) .
وقال الكاساني : « لا يجوز استبدال
المسلم فیه قبل قبضه ، بأن يأخذ رب السلم
مكانه من غير جنسه ، لما ذكرنا أن المسلم فيه
وإن كان دينا فهو مبيع ، ولا يجوز بيع المبيع
المنقول قبل القبض .. وتجوز الحوالة بالمسلم
فيه لوجود رکن الحوالة مع شرائطه ، وكذلك
الكفالة به ... ويجوز الرهن بالمسلم فيه لأنه
دین حقیقة ، والرهن بالدين ، - أی دین
کان - جائز)) (٢) .
وقال الشافعية: (( والمسلم فيه لا يجوز
بيعه ولا الاستبدال عنه ، وهل تجوز الحوالة
به بأن یحیل المسلم إلیه المسلم بحقه علی من
له عليه دين قرض أو إتلاف ، أو الحوالة
عليه ، بأن يحیل المسلم من له علیه دین
قرض أو إتلاف على المسلم إليه ؟ فيه ثلاثة
أوجه ، أصحها : لا . والثاني : نعم .
والثالث : لا يجوز عليه ويجوز به )) (٣).
(١) انظر رد المختار ٤ /٢٠٩، كشاف القناع ٢٩٣/٣.
(٢) بدائع الصنائع ٢١٤/٥.
(٣) المجموع شرح المهذب ٢٧٣/٩
وقال الحنابلة: (( لا يصح بيع المسلم فيه
قبل قبضه ولو لمن هو في ذمته ... ولا يصح
أخذ غيره ، أى : المسلم فيه مكانه ...
وسواء كان المسلم فيه موجودا أو معدوما
وسواء كان العوض مثله في القيمة أو أقل أو
أکثر. ولا تصح الحوالة به ، أي بدین
السلم ، لأنها معاوضة بالمسلم فيه قبل
قبضه ، فلم تجز كالبيع . ولا الحوالة عليه ،
لأنها لا تصح إلا على دين مستقر،
والسلم عرضة للفسخ)) (١) .
٣١ - وخالف في ذلك ابن تيمية وابن قيم
الجوزية حيث أجازا بيع المسلم فيه قبل قبضه
لمن هو في ذمته بثمن المثل أو دونه لا أكثر منه
حالا . وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما
ورواية عن أحمد (٢).
قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه
قال: ((إذا أسلفت في شيء إلى أجل ، فإن
أخذت ما أسلفت فيه ، وإلا فخذ عوضا
أنقص منه ، ولا تربح مرتین )»(٣).
وحجتهم على جواز بيعه من المدین أو
(١) كشاف القناع ٢٩٣/٣
(٢) مختصر الفتاوى العصرية لابن تيمية ص ٣٤٥ ، مجموع
فتاوى ابن تيمية ٥٠٣/٢٩، ٥٠٤، ٥١٨، ٥١٩
تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته لابن القيم
١١١/٥ وما بعدها .
(٣) تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته ١١٣/٥.
- ٢١٩ -
----
سَلَم ٣١ - ٣٢
الاعتياض عنه إذا كان ذلك بسعر المثل أو
دونه هو عدم المانع الشرعي ، حيث إن
حدیث « من أسلم في شيء )) فلا يصرفه إلى
غيره )) ضعيف لا تقوم به حجة (١). وحتى لو
ثبت فمعنی « فلا یصرفه إلى غيره » أی : لا
يصرفه إلى سلم آخر، أو لا يبعه بمعين
مؤجل .. وذلك خارج عن محل النزاع .
قال ابن القيم : ((فثبت أنه لا نص في
التحريم ولا إجماع ولا قياس ، وأن النص
والقياس يقتضيان الإِباحة (٢).
أما دلیلهم على عدم جواز الاعتیاض عنه
بأکثر من قيمته ، فلأن دين السلم مضمون
على البائع ، ولم ينتقل إلى ضمان المشترى ،
فلو باعه المشترى من المسلم إليه بزيادة ،
فقد ربح رب السلم فيما لم يضمن ، وقد
صح عن النبي ◌َّر أنه ((نهى عن ربح مالم
يضمن)) (٣).
٣٢ - ونهج المالكية فى القضية مسلكا
(١) قال الحافظ ابن حجر: (( وفيه عطية بن سعد العوفي ،
وهو ضعيف . وأعله أبو حاتم والبيهقي وعبد الحق وابن
القطان بالضعف والاضطراب)). ( التلخيص الحبير
٢٥/٣).
(٢) تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته ١١٧/٥ .
(٣) حديث: ((نهى عن ربح ما لم يضمن)).
ورد ذلك من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: (( لا يحل
سلف ولا بيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم
يضمن)). أخرجه الترمذى (٥٢٧/٣ - ط الحلبي ).
وقال : (( حديث حسن صحيح)) .
وسطا ، إذ أجازوا بيع المسلم فيه لغير المسلم
إليه إذا لم يكن طعاما فقال ابن رشد الحفيد :
(( وأما بيع السلم من غير المسلم إليه فيجوز
بکل شيء يجوز به التبایع ، ما لم یکن
طعاما ، لأنه يدخله بيع الطعام قبل
قبضه)) (١).
أما الاعتياض عنه ، أو بيعه من المسلم
إليه فقد أجازوه بشروط ثلاثة ، بينها الخرشي
بقوله: ((يجوز للمسلم إليه أن يقضي السلم
من غير جنس المسلم فيه ، سواء حل الأجل
أم لا بشروط ثلاثة :
الأول : أن يكون المسلم فيه مما يباع قبل
قبضه ، كما لو أسلم ثوبا في حيوان ، فأخذ
عن ذلك الحيوان دراهم ، إذ يجوز بيع
الحيوان قبل قبضه .
الثاني : أن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم
فیه يداً بيد ، كما لو أسلم دراهم في ثوب
مثلا ، فأخذ عنه طست نحاس ، إذ يجوز
بيع الطست بالثوب يدا بيد .
الثالث : أن يكون المأخوذ مما يجوز أن
يسلم فیه رأس المال . کما لو أسلم دراهم فى
حیوان ، فأخذ عن ذلك الحیوان ثوبا ، فإن
(١) بداية المجتهد ٢٣١/٢.
- ٢٢٠ -