النص المفهرس

صفحات 1-20

دَور
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
،
الموسوعة الفقهية
الجزء الخامس والعشرون
سعایة - شرب
٥

نسـ
وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَفِرُواْ كَفَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن
كُلِ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُذِرُوا
قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يُحْذَرُونَ﴾.
(سورة التوبة آية : ١٢٢)
(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))
(أخرجه البخاري ومسلم)

13
٢١٧
موســ
25
L
٢٥/١
الْعَةُ الفِقْفِيَّة
إصدار
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

الطبعة الأولى
١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م
مطابع دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع
حقوق الطبع محفوظة للوزارة
ص. ب ١٣ - وزارة الأوقَاف والشئون الإِسلامية - الكويت

سعاية ١ - ٣
سِعاية
التعريف :
١ - السعاية في الأصل من السعي وهو
التصرف في کل عمل ، خیرا كان أو شرا ،
وفي التنزيل : ﴿ لتجزى كل نفس
بما تسعى﴾ (١) ﴿ وأن ليس للإنسان إلا
ماسعى ﴾ .
(٢
فيقال : سعى على الصدقة سعيا،
وسعاية : عمل فى أخذها، وسعى العبد في
فك رقبته سعاية . وسعى به سعاية إلى
الوالى : وَشَى (٣).
ومعناها الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى
اللغوى .
(١) سورة طه آية / ١٥ .
(٢) سورة النجم آية / ٣٩ .
(٣) لسان العرب ، والمصباح المنير، والقاموس ومختار
الصحاح ، والمعجم الوسيط .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العتق :
٢ - العتق في الاصطلاح إزالة الرق عن
الآدمي لا إلى مالك ، بل تقربا إلى الله
تعالى ، ووجه الصلة أن السعایة من الوسائل
المؤدية إلى العتق .
الأحكام المتعلقة بالسعاية :
السعاية إلى الوالي :
٣ - السعاية إما أن تكون بحق أو بغير حق ،
فالسعاية بحق كمن يسعى إلى السلطان
بمن يؤذيه ، والحال أنه لا يدفع بلا رفع إلى
السلطان ، أو سعى بمن يباشر الفسق ولا
يمتنع بنهيه ، فهذا لا شيء فيه ولو غرم
السلطان المسعيَّ به فلا ضمان على
الساعي .
وأما السعاية بالناس إلى الوالي بغير حق
أى الوشاية بهم فهي من الكبائر المفسقة التى
ترد بها شهادة صاحبها ، ولا تقبل عند
القاضي ، ويعزر الساعي بها زجرا له ودفعا
للفساد ، وإذا غرمه السلطان شيئا ضمن
الساعي (١) .
(١) بدائع الصنائع ١٢٣/٤، ابن عابدين ١٣٥/٥،
وروضة الطالبين ٢٢٣/١١، والقليوبى ٣١٩/٤.
- ٥ -

سعاية ٤ - ٥
وينظر التفصيل في (ضمان) .
السعاية فى أخذ الصدقة :
٤ - يجب على الإِمام بعث السعاة لأخذ الزكاة
وتفريقها وهم العاملون على الزكاة اتباعا
للسنة ، ولما فى ذلك من السعي من إيصال
الحقوق إلى أهلها ، ولأن كثيرا من الناس لا
يعرفون الخروج عن عهدة الواجب في
الزكاة .
ويشترط أن يكون الساعي عدلا فقيها
بأبواب الزكاة يعرف مایأخذه ومن يدفع
إليه . (١)
والتفصيل في مصطلح (زكاة) .
السعاية فى العتق :
٥ - وهو: أن يعتق بعض عبد ، ويبقى
بعضه الآخر في الرق ، فيعمل العبد
ویکسب ، ويصرف ثمن كسبه إلى مولاه
فسمي كسبه لهذا الغرض سعاية .
واختلف الفقهاء في مشروعية السعاية :
فقال جمهور الفقهاء : إذا أعتق بعض
مملوكه فإن كان خاصا به غير مشترك عتق
(١) شرح روض الطالب ٣٦٠/١، وحاشية القليوبي
٣٠٩/٣
البعض المعتق ، ثم يسرى إلى باقيه ، ولو
كان المعتق معسرا ، وإن كان مشتركا بينه
وبین غيره ، فإن كان موسرا بقيمة نصيب
شریکه أو جزء منه ، عتق نصيبه ، ثم سرى
العتق إلى باقيه ، وعليه لشريكه قيمة ماأعتق
من نصيبه يوم الإِعتاق . وإن كان معسرا
بقي نصيب الشريك فى الرقّ ، وليس على
العبد سعاية ، ولا للشريك استسعاء
العبد . (١)
واستدلوا بخبر: ( من أعتق شقيصا من
مملوكه فعليه خلاصه فى ماله ) (٢). وخبر :
( من أعتق شرکا له في عبد وکان له مال يبلغ
ثمن العبد قوّم العبد عليه قيمة عدل ،
فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه
العبد، وإلا فقد عتق منه ماعتق ) (٣)
وخبر : ( إذا كان العبد بين اثنين فأعتق
(١) روضة الطالبين ١٢ /١١٠، والمعني ٣٣٦/٩، والحطّاب
٣٣٦/٦، وبدائع الصنائع ٨٦/٤، وفتح القدير
٢٥٥/٤ .
(٢) حديث : ( من أعتق شقيصا ... ) ..
أخرجه البخارى (الفتح ١٣٣/٥ - ط السلفية) ومسلم
(١١٤٠/٢ - ط الحلبي) من حديث أبى هريرة واللفظ
للبخارى .
(٣) حديث : ( من أعتق شركا له فى عبد ... ) .
أخرجه البخارى (الفتح ١٥١/٥ - ط السلفية) ومسلم
(١١٣٩/٢ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر .
-٦ -

سعاية ٥
أحدهما نصيبه فإن كان موسرا يقوم عليه قيمة
عدل لا وكس ولا شطط ثم يعتق ) (١).
وقال الشافعي في الأم : کل من الحدیثین
يبطل الاستسعاء في كل حال ، ويتفقان في
ثلاثة معان :
(١) إبطال الاستسعاء .
(٢) ثبوت الرق في حال عسر المعتق.
(٣) نفاذ العتق إن كان موسرا (٢).
وقال الحنفية : إن السعاية ثابتة في
الجملة ، واستدلوا لثبوتها بحديث أبي هريرة
مرفوعا: (( من أعتق شقیصا من مملوكه فعليه
خلاصه في ماله ، فإن لم یکن له مال قوم
المملوك قيمة عدل ، ثم استُسْعِىَ غير
مشقوق عليه )) (٣).
وقالوا : فقد دل هذا الحديث على أن
السعاية ثابتة في الجملة ، وضمان السعاية
لیس ضمان إتلاف ، ولا ضمان في تملك بل
(١) حديث : ( اذا كان العبد بين اثنين ... ).
أخرجه أبو داود (٢٥٨/٤ - ٢٥٩ - تحقیق عزت عبيد
دعاس) من حديث ابن عمر، وهو في مسلم
(١٢٨١/٣ - ط الحلبي) بلفظ: ((من أعتق عبدا بينه
وبين آخر ... )).
(٢) کتاب الأم ٥/٨
(٣) حديث: ( من أعتق شقيصا من مملوكه .. ).
أخرجه البخارى ( الفتح ٢٤٩٢/٥ - ط السلفية) .
ضمان احتباس ، وضمان سلامة النفس ،
والرقبة ، وحصول المنفعة .
ثم اختلف الحنفیة فیما بینہم فیمن يحق له
خيار الاستسعاء ، ومتى ؟ .
فقال أبو حنيفة : يثبت حق خيار
الاستسعاء لمن أعتق جزءا من مملوكه أو
شقصا من عبد مشترك بينه وبين غيره .
فإن أعتق بعض مملوكه صح ، ویسعی
فیما بقى وإن شاء حرره .
وقال الصاحبان : عتق كله .
وإن أعتق شريك نصيبه ، فلشريكه
خيارات ثلاثة :
أن يحرر نصيبه أيضا ، أو يضمن المعتق
الأول ويرجع المعتق على العبد ، أو أن
یستسعى العبد ، والاستسعاء أن يؤجره حتى
یأخذ قيمة نصيبه ، ولا فرق فی ذلك بین أن
یکون المعتق موسرا أو معسرا عند أبي حنيفة
لأن العتق لیس إتلافا لنصیب شریکه ، بل
بقی محتبسا عند العبد بحقه بحیث لا یمکن
استخلاصه منه ، وهو يوجب الضمان ،
وهذا لا يقتضى الفصل بين اليسار والإِعسار
فيثبت خيار السعاية في الحالتين .
- ٧ -

سعاية ٥ ، سعر ١
٠٠
٠٠ ....
وقال صاحباه : لا يثبت الاستسعاء إلا
في حالة إعسار الشريك المعتق نصيبه .
أما إن أعتق جزءا من مملوكه غير المشترك
أو أعتق نصيبه في مشترك بينه وبين غيره وهو
موسر فلا سعاية ، لأن الإِعتاق لا يتجزأ
فكان المعتق متلفا نصيب شريكه ، فوجب
الضمان ، ووجوب الضمان على المتلف يمنع
السعاية، وكان مقتضى القياس ألا تجب
السعاية حال الإِعسار أيضا ، وألا يكون
الواجب إلا الضمان فى الحالین؛ لأن ضمان
المتلفات لا يختلف بالإعسار واليسار، ولكن
عدل عنها للنَّص ، والنَّص ورد في حال
الإِعسار. قالوا : ولا يجوز فى العبد
المستسعى التصرفات الناقلة للملك ،
كالبيع ، والهبة ، والصدقة ، ولا يورث وهو
أحق بمكاسبه ، ويخرج إلى الحرية بالسعاية
أو الإِعتاق ، ولا يعود إلى العبودية مطلقا ،
وإن عجز (١) .
(١) ابن عابدين ١٦،١٥/٣ (وبدائع الصنائع) ٨٦/٤ -
٨٨.
سعر
التعريف :
١ - السعر في اللغة : هو الذى يقوم عليه
الثمن ، وجمعه أسعار، وقد أسعروا وسعَّروا
اتفقوا على سعر .
يقال : شيء له سعر: إذا زادت قيمته ،
وليس له سعر: إذا أفرط رخصه (١) .
وسعر السوق : ما یمکن أن تشتری بها
الوحدة أو ماشابهها فى وقت ما (٢) .
والتسعير: تقدير السلطان أو نائبه
للناس سعرا، وإجبارهم على التبايع بما
قدره . وانظر مصطلح ( تسعير) .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعني
اللغوى (٣) .
-.... .-..
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) قواعد الفقه للبركتي (٣٢١) وانظر الموسوعة ٢٥/١٥.
(٣) مطالب أولى النهى ٦٢/٣ وأسنى المطالب ٣٨/٢ وانظر
الموسوعة ٣١/١١ .
-٨ -
:

سعر ٢ - ٤
..
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الثمن :
٢ - الثمن لغة: ما يستحق به الشيء.
واصطلاحا : هو مايكون بدلا للمبيع
ويتعين في الذمة . ر: مصطلح (ثمن) .
وتقدم في مصطلح (ثمن) أن الفرق بين
الثمن والسعر: أن السعر هو ما يطلبه
البائع . أما الثمن فهو ما يتراضى عليه
العاقدان .
ب - القيمة
٣ - القيمة لغة: الثمن الذى يُقَوَّمُ به
المتاع : أى : يقوم مقامه ، والجمع :
القيم (١) .
واصطلاحا : هي الثمن الحقيقي
للشيء (٢) .
والفرق بينها وبين السعر: أن السعر
مايطلبه البائع ثمنا لسلعته سواء كان مساويا
للثمن الحقيقي أو أزيد منه أو أقل .
(١) المصباح المنير مادة (قوم) وانظر قواعد الفقه للبرکتي ٤٣٨
فإنه قال : القيمة الثمن الذى يقاوم المتاع ، أى يقوم
مقامه .
(٢) المجلة م (١٥٤).
أحكام السعر :
البيع بما ينقطع به السعر :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء وهو المذهب عند.
الحنابلة ۔ کما قال المرداوی۔۔ وعلیه الأصحاب
إلى أن البيع بسعر السوق اليوم أو بما ينقطع
به السعر لا يصح للجهالة ، كأن يقول :
بعتك بما يظهر من السعر بين الناس اليوم .
ثم قال المرداوى : وعن أحمد يصح
واختاره ابن تيمية وابن القيم وقال : اختلف
الفقهاء فى جواز البيع بما ينقطع به السعر من
غير تقدير الثمن وقت العقد، وصورتها: البيع
ممن يعامله من خباز أو لحام أو سمان أو
غيرهم . يأخذ منه كل يوم شيئا معلوما، ثم
يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع
ويعطيه ثمنه ، فمنعه الأكثرون وجعلوا
القبض به غير ناقل للملك ، وهو قبض
فاسد يجرى مجرى المقبوض بالغصب ، لأنه
مقبوض بعقد فاسد ... .
والقول الثانى : جواز البيع بما ينقطع به
السعر، وهو منصوص الإِمام أحمد ، واختاره
شيخنا ، وسمعته يقول : هو أطيب القلب
المشترى من المساومة ، يقول : لي أسوة
بالناس آخذ بما یأخذ به غیری .
قال : وقد أجمعت الأمة على صحة
- ٩ -

سعر ٥ - ٨
النكاح بمهر المثل ، وأكثرهم يجوزون عقد
الإِجارة بأجرة المثل ، كالغسال والخباز
والملاح ، وقيم الحمام ، والمكارى ، والبيع
بثمن المثل كبيع ماء الحمام .
فغاية البیع بالسعر أن يكون بيعه بثمن
المثل فيجوز. قال : وهو الصواب المقطوع
به وهو عمل الناس في كل عصر ومصر . (١)
وراجع مصطلح ( بيع الاستجرار) .
زيادة السعر بعد إخبار الركبان به :
٥ - لو اشترى شخص من الركبان بغير
طلبهم متاعا قبل قدومهم البلد ومعرفتهم
السعر بأقل من سعر البلد ، فإنهم يخيرون
فورا بعد معرفتهم للغبن، لقوله وسلم: ((لا
تلقوا الجلب ، فمن تلقاه فاشتری منه ، فاذا
أتى سيده (أى : صاحبه) السوق فهو
بالخيار)) (٢). ر: مصطلح (بيع منهي عنه
ف / ١٣٠ وما بعدها) .
الإخبار بالسعر :
٦ - قال فى مطالب أولى النهى : يجب على
(١) ابن عابدين ٢١/٤ والدسوقى ١٥/٣ ومغني المحتاج
١٦/٢ ومطالب أولى النهى ٤٠/٣ وإعلام الموقعين
٥/٤-٠٦
(٢) حديث: ((لا تلقوا الجلب ، فمن تلقاه)) ...
أخرجه مسلم (١١٥٧/٣ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة .
عارف بالسعر إخبار مستخبر جاهل به عن
سعر جهله؛ لوجوب نصح المستنصح (١) ،
لحديث: ((الدين النصيحة)) (٢).
نقص سعر المغصوب :
٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه ليس على
الغاصب ضمان نقص قیمة العین بسبب تغیر
الأسعار. وحکي عن أبي ثور أنه يضمن
النقص ، لأنه يضمن النقص إذا تلفت
العين المغصوبة . فكذلك يضمنه إذا رد
العين المغصوبة بعد ما نقص سعرها . (٣).
وانظر مصطلح (غصب) .
أثر غلاء الأسعار على نفقة الزوجة :
٨ - صرح الحنفية إلى أنه لو فرضت النفقة
للزوجة على قدر حاله وحالها ثم غلا السعر
كان لها أن تطالبه بأن يزيد في الفرض ،
وللزوج أن ينقص النفقة إذا رخصت
الأسعار (٤) .
(١) مطالب أولى النهى ٥٧/٣.
(٢) حديث: ((الدين النصيحة)).
أخرجه مسلم (٧٤/١ - ط الحلبي) من حديث تميم
الدارى .
(٣) البدائع ١٥٥/٧ والدسوقي ٤٥٢/٣ - ٤٥٣ والقوانين
الفقهية ص ٣٢٤ ومغني المحتاج ٢٨٧/٢ والمغني
٢٦٠/٥
(٤) فتح القدير ٣٣١/٣ - ٣٣٢ .
- ١٠ -

سعر ٩ - ١٠ ، سعي ١ - ٣
.....
نُقْصان سعر المسروق :
٩ - ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة وهو رواية عن أبي حنيفة ذكرها
الطحاوى) إلى أن العبرة في إقامة الحد بقيمة
المسروق حين إخراجه من الحرز، وبلوغه
نصابا ، فإن نقصت قيمة المسروق بعد ذلك
لم يسقط القطع .
وعند الحنفية : قال الحصكفي : تعتبر
القيمة وقت السرقة ووقت القطع ومكانه
بتقويم عدلين لهما معرفة بالقيمة، ولا قطع
عند اختلاف المقومين .
وقال الكاسانى : إن نقصان السعر
يورث شبهة نقصان في المسروق وقت
السرقة ، لأن العين بحالها قائمة لم تتغير،
وتغير السعر ليس بمضمون على السارق
أصلا ، فيجعل النقصان الطارىء كالموجود
عند السرقة . (١)
البيع بالسعر المكتوب على السلعة :
١٠ - ذهب الأكثرون إلى منع البيع بالسعر
المكتوب على السلعة إذا جهله العاقدان أو
أحدهما . وأجازه بعض الفقهاء .
وانظر مصطلح : (رقم) .
(١) البدائع ٧٩/٧ وابن عابدين مع الدر ١٩٣/٣ والمنتقى
شرح الموطأ ١٥٨/٧، والقوانين الفقهية ص ٣٥٢ ومغني
المحتاج ١٥٨/٤ وكشاف القناع ١٣٢/٦.
سَعْي
التعريف :
١ - السعي لغة : من سعى يسعى سعيا :
أى : قصد أو عمل أو مشى، أوعدا (١).
ويستعمل كثيرا فى المشي .
ووردت المادة في القرآن بما یفید معنی الجد فى
المشي ، كقوله تعالى فى صلاة الجمعة :
﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴾ (٢) وقال
تعالى : ﴿وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى
قال يا قوم اتبعوا المرسلين﴾ (٣).
٢ - والسعي فى الاصطلاح : قطع المسافة
الكائنة بين الصفا والمروة سبع مرات ذهابا
وإيابا بعد طواف فى نسك حج أو عمرة .
الألفاظ ذات الصلة :
أ- الطواف :
٣ - الطواف هو الدوران حول الكعبة على
(١) القاموس المحيط .
(٢) سورة الجمعة /٩ .
(٣) سورة يس / ٢٠ .
- ١١ -

سعي ٣ - ٥
الصفة المعروفة . واستعمل أيضا بمعنى
السعي في نص القرآن : ﴿إن الصفا والمروة
من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا
جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (١). أى :
يسعى .
وفى الأحادیث کحدیث جابر : «حتی إذا
كان آخر طوافه على المروة)) (٢) أى : آخر
سعي النبي 1853 .
وتقدم الطواف شرط لصحة السعي .
أصل السعي :
٤ - الأصل فى مشروعية السعى الكتاب
والسنة . أما الكتاب فقوله تعالى : ﴿إن
الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية.
وأما السنة فما ورد من أن النبى څے سعى
في حجه بين الصفا والمروة وقال: ((اسعوا فإن
الله كتب عليكم السعي)) (٣).
وقد وضعت الشريعة السعي على مثال
(١) سورة البقرة / ١٥٨.
(٢) حديث جابر: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة
أخرجه مسلم (٨٨٨/٢ - ط الحلبي) .
(٣) حديث: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)).
أخرجه الدارقطني (٢٥٦/٢ - ط دار المحاسن) من
حدیث صفية بنت أبي تجراة وصححه ابن عبد الهادی کما
في نصب الراية (٥٦/٣ - ط المجلس العلمي).
سعي السيدة هاجر عندما سعت بينهما سبع
مرات لطلب الماء لابنها كما في حديث
البخارى عن ابن عباس مرفوعا ، وفي آخره
قال ابن عباس: قال النبي #1: «فذلك
سعي الناس بينهما)) (١).
الحكم التكليفي :
٥ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في
المعتمد عندهم إلی أن السعي ركن من أركان
الحج والعمرة ، لا يصحان بدونه . وهو قول
عائشة وعروة بن الزبير .
وذهب الحنفية والحنابلة في رواية إلى أن
السعي واجب في الحج والعمرة ، ولیس برکن
فيهما ، فمن تركه لغير عذر وجب عليه
الدم ، وإن تركه لعذر فلا شيء عليه ، وهو
مروى عن الحسن البصرى وسفيان الثورى .
وروی عن أحمد بن حنبل أنه سنة لا يجب
بترکه دم ، وروی ذلك عن ابن عباس
وأنس ، وابن الزبير وابن سیرین (٢).
(١) حديث سعي السيدة هاجر عندما سعت بين موضع
الصفا والمروة .
أخرجه البخارى (الفتح ٣٩٦/٦ - ط السلفية).
(٢) أنظر المذاهب والأدلة في فتح القدير ١٥٧/٢ - ١٥٨،
والبدائع ١٣٣/٢، ١٤٣ ورد المحتار ٢٠٢/٣ وشرح
الرسالة ٤٧١/١ والشرح الكبير ٣٤/٢ وشرح المنهاج =
- ١٢ -

سعي ٥ - ٦
وسبب الخلاف أن الآية الكريمة : ﴿إِن
الصفا والمروة من شعائر الله ... ﴾ لم تصرح
بحكم السعي ، فآل الحكم إلى الاستدلال
بالسنة وبحديث : ((اسعوا فإن الله كتب
علیکم السعي)) (١).
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى
رضي الله عنه قال: قدمت على النبي وَلخير
وهو بالبطحاء فقال: ((بما أهللت ؟ قلت :
أهللت بإهلال النبي ﴿﴿ . قال : هل
سقت من هدى ؟ قلت : لا . قال : فطف
بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم حل)) (٢).
فاستدل بذلك المالكية والشافعية ومن
وافقهم على الفرضية ، لأن ((كتب)) بمعنى
فرض. ولأنه ◌َلـ أمر أبا موسى بالسعي
ورتب عليه الحل فيكون فرضا .
واستدل به الحنفية على الوجوب ، لأنه كما
قال الكمال بن الهمام : («مثله لا يزيد على إفادة
= ١٢٦/٢ -١٢٧، المهذب والمجموع ٧١/٨ -٧٢ و ٧٣
- ٧٥، والمغنى ٣٨٨/٣ - ٣٨٩ والفروع ٥١٧/٣،
وفيه قول المرادى: ((والصواب أنه واجب)). وانظر
كشاف القناع ٢١/٥ .
(١) حديث: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)).
سبق تخريجه ف ٤ .
(٢) حديث أبى موسى: قدمت على النبي # وهو بالبطحاء
أخرجه البخارى (الفتح ٤١٦/٣، ٥٥٩ - ط السلفية)
ومسلم (٨٩٥/٢ - ط الحلبي).
الوجوب ، وقد قلنا به . أما الركن فإنما يثبت
عندنا بدليل مقطوع به . فإثباته بهذا
الحدیث إثبات بغير دليل)) (١). يعنى بغير
دلیل يصلح لإثبات الركنية . واستدل للقول
بالسنية بقوله تعالى : ﴿فلا جناح عليه أن
يطَّوَّف بهما﴾!(٢). ونفى الحرج عن فاعله
دليل على عدم وجوبه ، فإن هذا رتبة
المباح ، وإنما تثبت سنيته بقوله تعالى : ﴿من
شعائر الله﴾ (٣).
صفة السعي :
٦ - بعد انتهاء الحاج أو المعتمر من الطواف
يتوجه إلى الصفا ليبدأ السعي منها ، فيرقى
على الصفا، ويستقبل الكعبة المشرفة، ويوحد
الله ويكبره، ويأتى بالذكر الوارد، ثم يسير
متوجها إلى المروة ، فإذا حاذى الميلين
(العمودين) الأخضرين اللذين في جدار
المسعى اشتد وأسرع ما استطاع ، وهكذا
إلى العمودين التاليين الأخضرين ، ثم يمشي
المشي المعتاد حتى يصل إلى المروة فيصعد
عليها . ويوحد ويكبر كما فعل على الصفا ،
وهذا شوط واحد .
(١) فتح القدير ١٥٨/٢ .
(٢) سورة البقرة /١٥٨.
(٣) المغني ٣٨٩/٣ والآية من سورة البقرة / ١٥٨.
- ١٣ -

سعي ٦ - ٧
ثم يشرع في الشوط الثاني فيتوجه من المروة
إلى الصفا ، حتى إذا حاذى العمودين
الأخضرین اشتد وأسرع کثیرا حتى يصل إلى
العمودين التاليين ، ثم يمشي المشي المعتاد ،
إلى أن يصل إلى الصفا فيرقى عليها، ويستقبل
الكعبة، ویوجد الله ویکبره ، ويدعو كما فعل
أولا ، وهذا شوط ثان ، ثم يعود إلى المروة
وهکذا حتی یعد سبعة أشواط ینتھی آخرها
عند المروة .
فإن كان معتمرا فقط أو متمتعا بالعمرة إلى
الحج ، فقد قضى عمرته ويحلق أو يقصر،
ويتحلل التحلل الكامل . وإن كان مفردا
للحج أو قارنا فلا يحلق ولا یقصر، بل يظل
محرما ، حتى يتحلل بأعمال يوم النحر.
(ر: إِحرام ف: ١٢٣ - ١٢٦ وحج
ف ٨٢) .
ركن السعي :
٧ - ذهب الجمهور إلى أن السعي رکن في
الحج أو العمرة ، قالوا : إن القدر الذى
لا يتحقق السعي بدونه : سبعة أشواط
يقطعها بين الصفا والمروة، لفعل النبى ◌َليقر
والإِجماع الأمة سلفا فخلفا على السعي
كذلك .
وقال الحنفية : يكفي لإِسقاط الواجب
أربعة أشواط ، لأنها أكثر السعي ، وللأكثر
حكم الكل ، فلو سعي أقل من أربعة
أشواط فعلیه دم عند الحنفية ، لأنه لم يؤد
الواجب ، أما عند الجمهور فيجب عليه
العود لأداء ما نقص ولو كان خطوة ،
ولايتحلل من إحرامه إلا بذلك .
ويحصل الركن بكون السعي بين الصفا
والمروة في الأشواط المفروضة ، سواء كان
بفعل نفسه أو بفعل غيره ، ولايشترط الرقى
علیھما . بل يكفي أن یلصق عقبیہ بهما ،
وکذا عقبي حافر دابته إذا كان راكبا ، وهذا
هو الأحوط ، أو يلصق عقبيه في الابتداء
بالصفا وأصابع رجليه بالمروة ، وفي الرجوع
عكسه ، وهذا هو الأظهر .
لكن تصويرهما إنما كان يتصور في العهد
الأول ، حيث يوجد كل من الصفا والمروة
مرتفعا عن الأرض ، وأما في هذا الزمان
فلكونه قد دفن کثیر من أجزائهما لا يمكن
حصول ما ذكر فيهما ، فيكفي المرور فوق
أوائلهما (١).
(١) انظر في أركان السعي مع المراجع السابقة : المسلك
المنقسط ص ١١٧ - ١١٨ و ١٢٠ الشرطان الأول
والسابع ، وبدائع الصنائع ١٣٥/٢، وشرح الرسالة
٤٧١/١ - ٤٧٢، ومغني المحتاج ٣٩٣/١ والمغني
٣٨٦/٣ - ٣٨٧ والمحلى ١٩٦/٧.
- ١٤ -

سعي ٨
ثم هذا فرض عند الجميع ، وهو الظاهر
في تحقيق مذهب الحنفية في الأشواط الأربعة
التي هي ركن الطواف الواجب عندهم (١).
شروط السعي :
٨ - أ- أن يكون السعي بعد طواف
صحيح : ولو نفلا عند الحنفية . وكذا
المالكية . وسموا ذلك ترتيبا للسعي .
لكن المالكية فصلوا بين الشرط والواجب
في سبق الطواف للسعي ، فقالوا : يشترط
سبق الطواف أى طواف ولو نفلا ، لصحة
السعي ، لكن يجب في هذا السبق أن يكون
الطواف فرضا (ومثله الواجب) ونوى فرضيته
أو اعتقدها . وطواف القدوم واجب عندهم
فیصح تقدیم السعي على الوقوف بعد طواف
القدوم .
فلو سعي بعد طواف نفل فلا شيء عليه
عند الحنفية .
أما عند المالكية فلو كان الطواف نفلا أو
نوى سنيته ، أو أطلق الطواف ولم يستحضر
(١) هكذا حقق القارى في الأشواط الركن عند الحنفية أنه لابد
فيها من قطع المسافة كاملة بين الصفا والمروة ، وجعل
السندى الحنفي ( في متن المنسك المتوسط المعروف بلباب
المناسك ) قطع تمام المسافة بينهما واجبا . انظر المسلك
المتقسط شرح المنسك المتوسط للقارى ص ١٢٠.
شيئا ، أو كان يعتقد عدم وجوبه لجهله ،
فإنه یعید الطواف وینوی فرضیته أو وجوبه إن
كان واجبا ثم يعيد السعي (١) ما دام بمكة ،
أما إذا سافر إلى بلده فعلیه دم (٢).
ومذهب الشافعية والحنابلة أنه يشترط أن
يكون السعي بعد طواف ركن أو قدوم ،
ولا يخل الفصل بينهما ، لكن بحيث لايتخلل
بين طواف القدوم والسعي الوقوف بغرفة ،
فإن تخلل بينهما الوقوف بعرفة لم يجزه السعي
إلا بعد طواف الإفاضة .
دلیل الجميع فعله ێر ، فإنه قد ((سعى
بعد الطواف))، وورد عنه وَليل أنه قال :
((لتأخذوا مناسككم)) (٣) ، وبإجماع
المسلمين .
وروى عن عطاء عدم اشتراط تقدم
الطواف . وفي رواية عن أحمد : لو سعى
قبل الطواف ناسيا أجزأه (٤) .
(١) الشرح الكبير وحاشيته ٣٤/٢ - ٣٥ .
(٢) الحطاب ٨٦/٣ التنبيه الأول وفيه مزيد من التفاصيل ص
٨٥ - ٨٧ .
(٣) حديث: ((لتأخذوا مناسككم ».
أُخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣ - ط الحلبي) من حديث جابر بن
عبد الله .
(٤) كشاف القناع ٤٨٧/٢.
- ١٥ -

سعي ٩ - ١١
٩ - ب - الترتيب بين الصفا والمروة بأن يبدأ
بالصفا فالمروة ، حتى يختم سعيه بالمروة ،
اتفاقا بينهم .
فلو بدأ بالمروة لغا هذا الشوط واحتسب
الأشواط ابتداء من الصفا ، وذلك لفعله
وَل ، كما سبق في حديث جابر، وقوله :
((أبدأ بما بدأ الله به ، فبدأ بالصفا))، وروى
الحديث بصيغة الأمر (( ابدءوا بما بدأ
الله به)) (١).
١٠ - ج - النية عند الحنابلة خاصة ، على
ما في المذهب والمقرر، وصوبهالمرداوى، وظاهر
کلام الأکثر خلافهما كما في الفروع (٢) .
A
وقت السعي الأصلى :
١١ - وقت السعي الأصلي هو يوم النحر بعد
(١) حديث: ((أبدأ بما بدأ الله به)).
أُخرجه مسلم (٨٨٨/٢-ط الحلبي) من حديث جابر بن
عبد الله .
ورواية: (( ابدأوا بما بدأ الله به)).
أخرج هذه الرواية الدارقطني (٢/ ٢٥٤ - ط دار المحاسن)
وأشار ابن دقيق العيد إلى شذوذها . كذا في التلخيص
لابن حجر (٢ /٢٥٠ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) انظر شروط السعى مع ماسبق في المسلك المتقسط ص
١١٧ - ١٢٠ وشرح الرسالة وحاشية العدوى ١ /٤٧١ -
٤٧٢ والشرح الكبير بحاشيته ٣٤/٢ - ٣٥ ومغني المحتاج
٤٩٣/١ - ٤٩٥ والمجموع ٧٧/٨ - ٨٣ والمغني ٣٨٥/٣
- ٣٩٠ والفروع ٥٠٥/٣ - ٥٠٦.
طواف الزيارة لا بعد طواف القدوم ، لأن
ذلك سنة ، والسعي واجب ، فلا ينبغى أن
يجعل الواجب تبعا للسنة ، فأما طواف
الزيارة ففرض ، والواجب يجوز أن يجعل تبعا
للفرض . إلا أنه رخص في السعي بعد
طواف القدوم، وجعل ذلك وقتا له ترفيها
للحاج وتيسيرا عليه ، لازدحام الاشتغال له
يوم النحر.
فأما وقته الأصلي فيوم النحر عقيب طواف
الزيارة ، وتقدم طواف القدوم ليس شرطا
عند الحنفية ، بل الشرط سبق السعي
بالطواف ولو نفلا (١).
وقریب من ذلك مذهب الجمهور . إلا
أن المالکیة شرطوا لعدم وجوب الدم أن يكون
بعد طواف واجب ونوى وجوبه ، وطواف
القدوم عندهم واجب .
وخص الشافعية والحنابلة وقت السعي
أنه بعد طواف ركن أو قدوم .
هذا كله بالنسبة للحاج المفرد الآفاقي ،
فإنه يشرع له طواف القدوم . أما المكي المفرد
ومثله المتمتع الآفاقي فليس لهما طواف
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ١٣٥/٢، وانظر فتح
القدير ١٥٦/٢ والمسلك المتقسط ص ١١٨.
-١٦ -

سعي ١٢ - ١٣
قدوم ، لأنهما يحرمان بالحج من مكة ،
فلا يقدمان السعي عند الجمهور، إلا عند
المالکیة فیمکن لهما أن يطوفا نفلا ویسعیا
بعده ويلزمهما دم .
أما عند الحنفیة فیمکن لهما أن يفعلا ذلك
ولا شيء علیھما .
تكرر السعي للقارن :
١٢ - القارن عند الحنفية يطوف طوافين
ويسعي سعيين . فيبدأ بطواف العمرة ثم
سعيها ، ثم يطوف للقدوم ويسعى للحج إن
أراد تقديم سعي الحج عندهم .
أما عند الجمهور فحكمه كالمفرد ، لأنه
يطوف طوافا واحدا ، ويسعي سعيا واحدا
يجزئان لحجه وعمرته . واستدلوا بفعل النبي
** والصحابة الذين كانوا قارنين معه في
حجته حيث إنهم سعوا سعياً واحداً (١).
حكم تأخر السعي عن طواف الزيارة :
١٣ - ذهب الجمهور إلى أنه لا يتحلل
المحرم من إحرامه إلا بالعود للسعي ولو نقص
(١) حدیث سعی النبی ێ وصحابته سعیا واحدا
ورد ضمن حدیث جابر بن عبد الله. أخرجه مسلم
(٨٨٨/٢ - ط الحلبي)
خطوة واحدة ، ويظل محرما في حق النساء
حتی یرجع ویسعی مهما بعد مكانه ، وذلك
لقولهم بركنية السعي. (ر: مصطلح حج ف
٥٦ و ١٢٥) . ولا شيء عليه بتأخير السعي
مهما طال الأمد . ويرجع بإحرامه المتبقي ،
دون حاجة لإِحرام جديد (١).
وقال الحنفية : إذا تأخر السعي عن وقته
الأصلى - وهو أيام النحر بعد طواف الزيارة -
فإن كان لم يرجع إلى أهله فإنه يسعي ولاشيء
عليه ، لأنه أتى بما وجب عليه ، ولا يلزمه
بالتأخير شيء ، لأنه فعله في وقته الأصلي وهو
ما بعد طواف الزيارة . ولا يضره إن كان قد
جامع ، لوقوع التحلل الأكبر عند الحنفية
بطواف الزيارة ، إذ السعي لیس برکن حتی
يمنع التحلل ، وإذا صار حلالا بالطواف
فلا فرق بين أن يسعي قبل الجماع أو بعده ،
غیر أنه لو کان بمكة یسعی ولا شيء علیه لما
قلنا ، وإن کان رجع إلى أهله فعلیه دم لتركه
السعي بغير عذر. وإن أراد أن يعود إلى مكة
فإنه يعود بإحرام جدید ، لأن إحرامه الأول
قد ارتفع بطواف الزيارة، لوقوع التحلل الأكبر
به ، فيحتاج إلى تجديد الإِحرام ، وإذا عاد
وسعى يسقط عنه الدم لأنه تدارك الترك .
(١) على التفصيل السابق في العود لطواف الزيارة في مصطلح
حج (ف ٥٦، ١٢٥ ) .
- ١٧ -

سعي ١٤ - ١٦
قال محمد بن الحسن : الدم أحب إلىّ
من الرجوع ، لأن فيه منفعة الفقراء ،
والنقصان ليس بفاحش (١) ..
وهذا المذكور عن الحنفية ينطبق على
القول بالوجوب عند الحنابلة .
واجبات السعي :
١٤ - أ - المشي بنفسه للقادر علیه،وهذا عند
المالكية والحنفية ، وعند الشافعية والحنابلة
هو سنة .
فلو سعی راکبا أو محمولا أو زحفا بغير
عذر صح سعيه باتفاقهم جميعا ، لكن عليه
الدم عند الحنفية والمالكية ؛ لتركه المشي في
السعي بغیر عذر، وهو واجب عندهم ، أو
إعادة السعي .
ولا يلزمه شيء عند الشافعية والحنابلة ولو
مشى بغير عذر، لأن المشي في السعي سنة
عندهم .
بل صرح الشافعية بأن الأفضل أن لایرکب
في سعیہ إلا لعذر كما سبق في الطواف ، لأن
المشي أشبه بالتواضع . واتفقوا على أن
(١) بدائع الصنائع ١٣٥/٢.
السعي راكبا ليس بمكروه لكنه خلاف
الأفضل .
ولو سعی به غيره محمولا جاز، لکن
الأولی سعیہ بنفسه إن لم یکن صبيا صغيرا
أوله عذر کمرض ونحوه (١).
١٥ - ب - إكمال الأشواط الثلاثة الأخيرة عند
الحنفية ، لأن الأقل من السبعة واجب عند
الحنفية ، فلو ترك الأقل وهو ثلاثة أشواط فما
دون ذلك صح سعيه وعليه صدقة لكل شوط
عندهم . أما الجمهور فكل هذه الأشواط
السبعة رکن عندهم لا يجوز أن تنقص ولو
خطوة (٢) .
سنن السعي ومستحباته :
١٦ - أ - الموالاة بين الطواف والسعي:
فلو فصل بينهما بفاصل طويل بغير عذر
فقد أساء ويسن له الإِعادة ، ولو لم يعد
لاشيء عليه اتفاقا .
ودليل الفقهاء على ذلك الاعتبار بتأخير
الطواف الركن عن الوقوف ، فإنه يجوز تأخيره
(١) المجموع ٨٤/٨ .
(٢) البدائع ١٣٤/١ والمسلك المتقسط ص ١٢٠ وشرح
الرسالة ٤٧٢/١ ومغني المحتاج ٤٩٥/١ والمغني
٣٩٦/٣ .
- ١٨ -

سعي ١٧ - ٢٢
عنه سنین کثیرة ولا آخر له ما دام حيا
بلا خلاف فيه عند الحنفية . (ر: طواف
ف ٩ وحج ف ١٤٠ - ١٤٢) .
وملحظهم فيه أنه أداه في وقته الأصلي ،
وهو ما بعد طواف الإفاضة .
١٧ - ب - النية : هى سنة في السعي عند
الجمهور، والراحج عند الحنفية ، وقيل عند
الحنفية إنها مستحبة . خلافا للحنابلة
القائلين باشتراطها . قال علي القارى :
« ولعلهم أدرجوا فيه السعي في ضمن التزام
الإِحرام بجميع أفعال المحرم به .
فلو مشى من الصفا إلى المروة هاربا أو
بائعا أو متنزها أو لم يدر أنه سعی جاز
سعيه . وهذه توسعة عظيمة ، كعدم شرط
نية الوقوف بعرفة )) (١).
١٨ - ج - أن يستلم الحجر الأسود بعد
ركعتي الطواف قبل الذهاب إلى السعي ، إن
تيسر له استلام الحجر، وإلا أشار إليه ،
فيكون الاستلام بمثابة وصلة بين الطواف
(٢)
والسعي
(١) المسلك المتقسط ص ١٢١ .
(٢) المجموع ٧٦/٨ .
١٩ - د - يستحب أن يسعى على طهارة من
الحدث الأصغر والأكبر والنجاسة ، ولو
خالف صح سعيه . ففي الحديث الصحيح
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي وَلير قال
لها لما حاضت: ((افعلي كما يفعل الحاج ،
غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهرى )) متفق
عليه . (١) وهو يدل دلالة صريحة على جواز
السعي بغير طهارة .
٢٠ - هـ - أن يصعد على الصفا والمروة كلما
بلغهما في سعيه بحيث يستقبل الكعبة ،
وقدره النووى في المجموع بقدر قامة . وهذا
الصعود مستحب عند الشافعية والحنابلة
وخصوا به الرجال دون النساء .
٢١ - و- الدعاء :
عند صعود الصفا والمروة وفي السعي
بينهما ، وجعله الحنفية من المستحبات. على
تفصيل سيأتي .
٢٢ - ز- السعي الشديد بين الميلين
الأخضرين : وهما العمودان الأخضران
اللذان في جدار المسعى الآن ، وهو سنة في
(١) حديث : افعلي كما يفعل الحاج ، غير أن .....
أخرجه البخاري (الفتح ٥٠٤/٣ - ط السلفية) .
ومسلم (٨٧٣/٢ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري .
- ١٩ -

سعي ٢٣ - ٢٥
الأشواط السبعة ، ويستحب أن یکون فوق
الرمَل ودون العدْو. والسنة أن يمشي فيما
سوى ذلك. ((فقد كان * يسعى بطن
المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة)).
متفق عليه . (١)
وقال المالكية : يسن الخبب في الذهاب
من الصفا إلى المروة فقط ، ولا يسن في
الإياب .
وسنية السعي الشدید ھذہ تختص
بالرجال دون النساء ، لأن مبنى حالهن على
الستر، فالسنة في حقهن المشي فقط .
٢٣ - ح - الموالاة بين أشواط السعي:
وسنیتها مذهب الجمهور، خلافا للمالکیة
والحنابلة في المعتمد ، فقد جعلوا الموالاة بين
أشواط السعي شرطا لصحة السعي .
وبناء على ذلك فصل المالكية فقالوا: (٢).
(١) إن جلس في سعیه وکان شيئا خفيفا
أجزأه ، وإن كان لا ينبغي له ذلك . وإن
(١) حديث: كان ◌َ ﴿ يسعى بطن المسيل إذا طاف ...
أخرجه البخاري (الفتح ٥٠٢/٣ - ط السلفية).
ومسلم (٢ / ٩٢٠ - ط الحلبي) ، من حديث ابن عمر .
(٢) شرح الرسالة وحاشية العدوى ١ / ٤٧١ - ٤٧٢، كشاف
القناع ٤٨٧/٢ .
طال جلوسه وصار كالتارك بأن کثر التفريق
ابتدأ السعي من جديد .
(٢) لا ينبغي له أن یبیع أو یشتری أو يقف
مع أحد ويحدثه ، فإن فعل وكان خفيفا لم
يضر وإن كان مكروها ، فإن كثر ابتدأ
السعي من جدید .
(٣) إن أصابه حقن ترضأ وبنى على ما سبق
ولم يعد .
(٤) إن أقيمت عليه الصلاة تمادى إلا أن
يضيق وقت الصلاة فليصل، ثم يبني على ما
مضی له .
وكل ذلك لا يضر عند الجمهور قل
أو كثر، (١) لكنه یکره ، ويستثنى من
الكراهة أن يقطع السعي لإقامة الصلاة
المكتوبة بالجماعة ، ولصلاة الجنازة ، كما في
الطواف ، بل هو هنا أولى .
٢٤ - ط - ذهب الشافعية إلى سنية
الاضطباع في السعي قياسا على الطواف .
٢٥ -ى - استحب الحنفية إذا فرغ من
السعي أن يدخل المسجد فيصلى ركعتين ،
(١) حتى قال النووي : وإن کان شهرا أو سنة أو أكثر، هذا
هو المذهب وبه قطع الجمهور. المجموع ٨١/٨-٨٢.
: ٢٠ -