النص المفهرس

صفحات 261-280

سِحر ٥ - ٩
على الجن، وجمعها العزائم، يقال: عزم
الراقي : كأنه أقسم على الداء، وأصلها فيما
ذكره القرافي: الإِقسام والتعزيم على أسماء
معینة زعموا أنها أسماء ملائكة وكلهم سلیمان
بقبائل الجان، فإذا أقسم على صاحب الإِسم
ألزم الجن بما یرید.(١)
د - الرقية :
٥ - الرقية وجمعها الرقى، وهي ألفاظ خاصة
يحدث عند قولها الشفاء من المرض، إذا كانت
من الأدعية التي يتعوذ بها من الآفات من الصرع
والحمى، وفي الحديث ((أعرضوا عليّ رقاكم))(٢)
وفي حديث آخر ((لا رقية إلا من عين أو حمة)). (٣)
ومن الرقى ما ليس بمشروع كرقى
الجاهلية، وأهل الهند يزعمون أنهم يستشفون
بها من الأسقام والأسباب المهلكة. قال القرافي:
الرقية لما يطلب به النفع، أما ما يطلب به الضرر
فلا يسمى رقية بل هو سحر. (٤) وانظر
(تعويذة).
(١) لسان العرب، والفروق للقرافي فرق (٢٤٢)
(٢) حديث: ((أعرضوا عليّ رقاكم)). أخرجه مسلم
(١٧٢٧/٤ - ط الحلبي) من حديث عوف بن مالك.
(٣) حديث: ((لا رقية إلا من عين أو حمة)). أخرجه أحمد
(٤/ ٤٣٦ - ط اليمنية) من حديث عمران بن حصين،
وإسناده صحيح .
(٤) لسان العرب، والفروق للقرافي ١٤٧/٤ الفرق (٢٤٢)
هـ - الطّلَّسم:
٦ - الطلسمات أسماء خاصة كانوا يزعمون أن لها
تعلقا بالكواكب، تجعل في أجسام من المعادن أو
غيرها، ويزعمون أنها تحدث آثارا خاصة. (١)
و - الأوفاق :
٧ - الأوفاق هي أعداد توضع في أشكال هندسية
على شكل مخصوص، كانوا يزعمون أن من
عمله في ورق وحمله يؤدي ذلك إلى تيسير
الولادة، أو نصر جيش على جيش، أو إخراج
مسجون من سجن ونحو ذلك. (٢)
ز - التنجيم :
٨ - التنجيم لغة: النظر في النجوم،
واصطلاحا: ما يستدل بالتشكلات الفلكية
على الحوادث الأرضية كما يزعمون .
حقيقة السحر :
٩ - اختلف العلماء في أن السحر هل له حقيقة
ووجود وتأثیر حقيقي في قلب الأعیان، أم هو
مجرد تخييل.
فذهب المعتزلة وأبوبكر الرازي الحنفي
المعروف بالجصاص، وأبوجعفر الاستراباذي
(١) الفروق للقرافي الفرق (٢٤٢) ١٤٢/٤
(٢) الفروق للقرافي ١٤٢/٤ الفرق (٢٤٢)
- ٢٦١ -

سِخر ٩ - ١٠
والبغوي من الشافعية، إلى إنكار جميع أنواع
السحر وأنه في الحقيقة تخييل من الساحر على
من يراه، وإيهام له بما هو خلاف الواقع، وأن
السحر لا يضر إلا أن يستعمل الساحر سما أو
دخانا يصل إلى بدن المسحور فيؤذيه، ونقل
مثل هذا عن الحنفية، وأن الساحر لا يستطيع
بسحره قلب حقائق الأشياء، فلا يمكنه قلب
العصا حیة، ولا قلب الإِنسان حمارا .
قال الجصاص: السحر متى أطلق فهو اسم
لکل أمر مموه باطل لا حقيقة له ولا ثبات، قال
الله تعالى: ﴿فلما ألقوا سحروا أعين الناس﴾(١)
يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم
وعصيهم تسعى، وقال تعالى : ﴿فإذا حبالهم
وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾(!)
فأخبر أن ما ظنوه سعيا منها لم یکن سعیا وإنما
کان تخییلا، وقد قيل: إنها كانت عصيا مجوفة
مملوءة زئبقا، وكذلك الحبال کانت معمولة من
أدم محشوة زئبقا، فأخبر الله أن ذلك كان مموها
على غير حقيقته. (٣)
(١) سورة الأعراف/ ١١٦
(٢) سورة الشعراء/ ٦٦
(٣) أحكام القرآن للجصاص عند الآية (١٠٢) من سورة
البقرة ٤٣/١ وما بعدها، وكشاف اصطلاحات الفنون
٦٥٢/٣، والجمل على شرح المنهج ١٠٠/٥، وروضة
الطالبين ١٢٨/٩، ٣٤٦
وذهب جمهور أهل السنة إلى أن السحر
قسمان :
١٠ - قسم هو حيل ومحرقة وتهويل وشعوذة،
وإيهام، ليس له حقائق، أو له حقائق لكن
لطف مأخذها، ولو كشف أمرها لعلم أنها أفعال
معتادة يمكن لمن عرف وجهها أن يفعل مثلها،
ومن جملتها ما ينبني على معرفة خواص المواد
والحیل الهندسية ونحوها، ولا يمنعه ذلك عن
أن يكون داخلا في مسمى السحر، كما قال
تعالى: ﴿سحروا أعين الناس واسترهبوهم
وجاءوا بسحر عظيم﴾(١) وهذا ما لم يكن خفاء
وجهه ضعيفا فلا یسمی سحرا اصطلاحا، وقد
یسمی سحرا لغة، كما قالوا: (سحرت الصبي)
بمعنی خدعته .
القسم الثاني: ما له حقيقة ووجود وتأثير في
الأبدان. فقد ذهبوا إلى إثبات هذا القسم من
حيث الجملة. وهو مذهب الحنفية على ما نقله
ابن الهمام، والشافعية والحنابلة . (٢)
واستدل القائلون بتأثير السحر وإحداثه
المرض والضرر ونحو ذلك بأدلة :
منها قوله تعالى : ﴿قل أعوذ برب الفلق. من
(١) سورة الأعراف/ ١١٦
(٢) الجمل على شرح المنهج ٥/ ١٠٠، وحاشية الشبراملسي
على نهاية المحتاج ٧/ ٣٧٩ وفتح القدير ٤٠٨/٤،
والفروق للقرافي ١٤٩/٤، ١٥٠ الفرق (٢٤٢)، وروضة
الطالبين ٣٤٦/٩، والمغني ٨/ ١٥٠
- ٢٦٢ -

٠٠
سِحر ١٠ - ١١
شرما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب. ومن شر
النفاثات في العقد﴾(١) والنفاثات في العقد: هن
السواحر من النساء. فلما أمر بالإِستعاذة من
شرهن علم أن هن تأثيرا وضررا.
ومنها قوله تعالی: ﴿فیتعلمون منهما ما
يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به
من أحد إلا بإذن الله﴾. (٢)
ومنها ما ورد أن النبي وَلّ ((سُحِر حتى أنه
ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله)) ولذلك
قصة معروفة في الصحيح، وفيها أن الذي
سحره جعل سحره في مشط ومشاطة تحت
راعوفة(٣) في بئر ذروان، وأن الله أطلعه على
ذلك فاستخرجها، وأنزلت عليه المعوذتان فما قرأ
على عقدة إلا انحلت وأن الله تعالى شفاه
بذلك. (٤)
الحكم التكليفي :
١١ - عمل السحر محرم من حيث الجملة، وقد
(١) سورة الفلق.
(٢) سورة البقرة/ ١٠٢
(٣) الراعوفة: صخرة تترك في أسفل البئر إذا احتفرت، تكون
هناك ليجلس عليها المستقي حين تنقية البئر. (القاموس/
رعف).
(٤) كشاف القناع ١٨٦/٦، والمغني لابن قدامة ١٥١/٨
وحديث: ((أنه لغ سحر حتى أنه ليخيل إليه ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٢٢١/١٠ - ط السلفية)، ومسلم
(١٧١٩/٤ - ١٧٢٠ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
نقل النووي الإجماع على ذلك، وهو كبيرة من
الكبائر، وأدلة تحريمه كثيرة منها:
أ- قوله تعالى: ﴿وألق ما في یمینك تلقف ما
صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر
حیث أتی﴾.(٢)
ب - قوله تعالى: ﴿ولكن الشياطين كفروا
يعلمون الناس السحر﴾(٢) فجعله من تعليم
الشياطين وقال في آخر الآية: ﴿ویتعلمون ما
يضرهم ولا ينفعهم﴾ فأثبت فيه ضررا بلا نفع.
جــ قوله تعالى حكاية عن سحرة فرعون:
﴿إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه
من السحر والله خير وأبقى﴾(٣) فأخبر أنهم
رغبوا إلى الله في أن يغفر لهم السحر، وذلك
يدل على أنه ذنب.
د- قول النبي : ((اجتنبوا السبع
الموبقات ... الشرك بالله، والسحر ... )). (٤)
الحدیث.
وفرق بعض الفقهاء بين ما كان من السحر
تمويها وحيلة، وبين غيره، فقالوا: إن الأول
(١) سورة طه/ ٦٩
(٢) سورة البقرة/ ١٠٢
(٣) سورة هود/ ٧٣
(٤) حديث: ((اجتنبوا السبع الموبقات ... الشرك بالله
والسحر ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٣٩٣/٥ - ط
السلفية)، ومسلم (٩٢/١ - ط الحلبي) من حديث أبي
هريرة.
- ٢٦٣ -

سِخْر ١٢ - ١٣
مباح، أي لأنه نوع من اللهو فيباح ما لم يتوصل
به إلى محرم كالإِضرار بالناس وإرهابهم. قال
البيضاوي: أما ما يتعجب منه كما يفعله
أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية، أو
يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم، وتسميته
سحرا على التجوز، أو لما فيه من الدقة. (١)
كفر الساحر بفعل السحر:
١٢ - للفقهاء اتجاهات في تكفير الساحر على
النحو التالي :
ذهب الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة إلى
أن الساحر یکفر بفعله سواء اعتقد تحريمه
أم لا . ثم قال الحنابلة: أما الذي يسحر بأدوية
وتدخین وسقي شيء فلیس کافرا، وكذلك
الذي يعزم على الجن ويزعم أنه يجمعها
فتطيعه .
وذهب المالكية إلى تكفير الساحر بفعل
السحر إن کان سحره مشتملا على كفر، أو كان
سحره مما يفرق بين الزوجين وثبت ذلك ببينة .
وأضاف ابن العربي إلى حالة التفريق بين
الزوجين حالة تحبيب الرجل إلى المرأة وهو
المسمى (التولة).
(١) روضة الطالبين ٣٤٦/٩، ومطالب أولي النهى ٣٠٣/٦،
٣٠٤، وكشاف اصطلاحات الفنون ٦٤٨/٣ وتفسير
البيضاوي ١/ ١٧٥ القاهرة المكتبة التجارية عند الآية ٥١
من سورة البقرة.
وذهب الشافعية وهو ما اختاره ابن الهمام من
الحنفية إلى أن العمل بالسحر حرام وليس بكفر
من حيث الأصل، وأن الساحر لا يكفر إلا في
حالتين هما: أن يعتقد ما هو كفر، أو أن يعتقد
إباحة السحر. وأضاف ابن الهمام حالة ثالثة هي
ما إذا اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء.
حكم تعلم السحر وتعليمه :
١٣ - اختلف الفقهاء في حكم تعلم السحردون
العمل به .
فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
والحنابلة) إلى أن تعلم السحر حرام وكفر، ومن
الحنفية من استثنى أحوالا . فنقل ابن عابدين
عن ذخيرة الناظر أن تعلمه لرد فعل ساحر أهل
الحرب فرض، وأن تعلمه ليوفق بين زوجين
جائز، ورده بعض الحنفية بأن النبي و ليز قال:
((إن الرقى والتمائم والتولة شرك))(١) والتولة شيء
كانوا يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى
زوجها .
واستدل الطرطوشي من المالكية بقوله
تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما
نحن فتنة فلا تكفر﴾(٢) أي بتعلمه، وقوله
(١) حديث: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)). أخرجه الحاكم
(٢١٧/٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن
مسعود وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) سورة البقرة/ ١٠٢
:
- ٢٦٤ -

سِحر ١٣ - ١٤
تعالی: ﴿ولکن الشیاطین کفروا يعلمون الناس
السحر﴾(١) ولأنه لا يتأتى إلا ممن يعتقد أنه قادر
به على تغيير الأجسام، والجزم بذلك كفر. قال
القرافي: أي يحكم بكفره ظاهرا، ولأن تعليمه
لا یتأتی إلا بمباشرته، کان یتقرب إلى الكوكب
ويخضع له، ويطلب منه قهر السلطان .
ثم فرق القرافي بين من يتعلم السحر بمجرد
معرفته لما يصنع السحرة كأن يقرأه في كتاب،
وبین أن یباشر فعل السحر ليتعلمه فلا یکفر
بالنوع الأول، ويكفر بالثاني حيث كان الفعل
مكفرا . (٢)
وقال الشافعیة: تعلیمه حرام، إلا إن كان
لتحصیل نفع، أو لدفع ضرر، أو للوقوف على
حقيقته . (٣)
وقال الفخر الرازي : العلم بالسحر ليس
بقبيح ولا محظور، قال: وقد اتفق المحققون
على ذلك، لأن العلم لذاته شريف، ولقوله
تعالى: ﴿قل هل يستوي الذین یعلمون والذين
لا يعلمون﴾(٤) ولأن السحر لولم یکن یعلم لما
أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم بكون
(١) سورة البقرة/ ١٠٢
(٢) فتح القدير ٤٠٨/٤، وابن عابدين ٣١/١، وكشاف
القناع ١٨٦/٦، والفروق للقرافي ٤/ ١٥٢، ١٥٣،
١٥٩، ١٦٥ الفرق ٢٤٢
(٣) القليوبي على شرح المنهاج ٤ / ١٦٩
(٤) سورة الزمر / ٩
المعجز معجزا واجب، وما يتوقف عليه الواجب
فهو واجب. قال: فهذا يقتضي أن يكون العلم
بالسحر واجبا فكيف يكون قبيحا أو حراما. (١)
النشرة، أو حل السحر عن المسحور:
١٤ - يحل السحر عن المسحور بطريقتين:
الأولى : أن يحل بالرقى المباحة والتعوذ
المشروع، كالفاتحة والمعوذتين والاستعاذات
المأثورة عن النبي ◌َ له، أو غير المأثورة ولكنها من
جنس المأثور، فهذا النوع جائز إجماعا. وقد ورد
أن النبي ◌َّ لما سحر، استخرج المشط والمشاطة
اللتين سحر بهما، ثم كان يقرأ بالمعوذتين، فشفاه
الله تعالى .
الثانية: أن يحل السحر بسحر مثله. وهذا
النوع اختلف فيه على قولين:
الأول - أنه حرام لا يجوز، لأنه سحر وتنطبق
عليه أدلة تحريم السحر المتقدم بيانها. وهذا
منقول عن ابن مسعود والحسن وابن سيرين
وإليه ذهب ابن القيم. وتوقف فيه أحمد. وروي
عن الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر، وروي
عن محمد بن سيرين أنه سئل عن امرأة يعذبها
السحرة، فقال رجل: أخط خطا عليها وأغرز
السكين عند مجمع الخط وأقرأ القرآن. فقال
محمد: ما أعلم بقراءة القرآن بأسا، ولا أدري
(١) تفسير الرازي ٢٣٨/٣
- ٢٦٥ -

سِخْر ١٤ - ١٥
ما الخط والسكين. وقال ابن القيم: حل السحر
بسحر مثله من عمل الشيطان، فيتقرب الناشر
والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل العمل عن
المسحور.
القول الثاني - أن حل السحر بسحر لا كفر
فيه ولا معصية جائز، فقد نقل البخاري عن
قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب،
أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه، أوينشر؟
قال: لا بأس، إنما يريدون به الإِصلاح، فإن
ما ینفع لم ینه عنه.
والقولان أيضا عند المالكية والحنابلة، قال
الرحيباني: يجوز حل السحر بسحر لأجل
الضرورة، وهو المذهب، وقال في المغني: توقف
أحمد في الحل، وهو إلى الجواز أميل. (١)
عقوبة الساحر :
١٥ - ذهب الحنفية إلى أن الساحر يقتل في
حالین: الأول أن یکون سحره کفرا، والثاني إذا
عرفت مزاولته للسحر بما فيه إضرار وإفساد ولو
بغیر کفر.
ونقل ابن عابدين أن أبا حنيفة قال: الساحر
إذا أقر بسحره أو ثبت عليه بالبينة يقتل
(١) المغني ٨/ ١٥٤، ومطالب أولي النهى ٦/ ٣٠٥، وفتح
المجيد ص٣٠٤، وتيسير العزيز الحميد ص٣٦٦ ومواهب
الجليل للحطاب ٢٥٦/٦، وفتح الباري ٢٣٦/١٠
ولا يستتاب، والمسلم والذمي في هذا سواء،
وقيل : لا يقتل إن کان ذمیا .
ويفهم من كلام ابن الهمام أن قتله إنما هو
على سبيل التعزير، لا بمجرد فعله إذا لم يكن
في اعتقاده ما یوجب كفره، وقال ابن عابدين:
يجب قتل الساحر ولا يستتاب، وذلك لسعيه في
الأرض بالفساد لا بمجرد عمله إذا لم یکن في
اعتقاده مایوجب کفره، لكن إن جاء تائبا قبل
أن يؤخذ قبلت. (١)
وذهب المالكية إلى قتل الساحر، لكن قالوا :
إنما يقتل إذا حكم بكفره، وثبت عليه بالبينة
لدی الإمام، فإن كان متجاهرا به قتل وماله فيء
إلا أن یتوب، وإن كان يخفیه فهو كالزنديق يقتل
ولا يستتاب، (٢) واستثنى المالكية - أيضا -
الساحر الذمي، فقالوا: لا يقتل، بل يؤدب.
لكن قالوا: إن أدخل الساحر الذمي ضررا على
مسلم فيتحتم قتله، ولا تقبل منه توبة غير
الإِسلام، نقله الباجي عن مالك. لكن قال
الزرقاني : الذي ينبغي اعتماده أن ذلك یوجب
انتقاض عهده، فيخير الإِمام فيه .
أما إن أدخل الساحر الذمي ضررا على أحد
(١) فتح القدير ٤٠٨/٤ وابن عابدين ٣١/١ و٢٩٥/٣،
٢٩٦
(٢) الزرقاني ٨/ ٦٣
- ٢٦٦ -

:
سِخْر ١٥ - ١٦
من أهل ملته فإنه يؤدب ما لم يقتله، فإن قتله
قتل به .(١)
وعند الشافعية: إن کان سحر الساحر لیس
من قبيل ما يكفربه، فهو فسق لا يقتل به ما لم
یقتل أحدا ويثبت تعمده للقتل به بإقراره.(٢)
وذهب الحنابلة إلى أن الساحر يقتل حدا ولو
لم يقتل بسحره أحدا، لكن لا يقتل إلا
بشرطين :
الأول: أن یکون سحره مما یحکم بكونه کفرا
مثل فعل لبيد بن الأعصم، أو يعتقد إباحة
السحر، بخلاف ما لا یحکم بکونه کفرا، کمن
يزعم أنه يجمع الجن فتطيعه، أو يسحر بأدويةٍ
وتدخین، وسقي شيء لا یضر.
الثاني: أن يكون مسلما، فإن كان ذميا لم
يقتل، لأنه أُقِرَّ على شركه وهو أعظم من
السحر، ولأن لبيد بن أعصم اليهودي سحر
النبي ◌َّليّ فلم يقتله، قالوا: والأخبار التي وردت
بقتل الساحر إنما وردت في ساحر المسلمين لأنه
يكفر بسحره.
والذمي کافر أصلي فلا یقتل به، لكن إن قتل
بسحر يَقْتُل غالبا، قُتِل قصاصا.
وشرط آخر أضافه صاحب المغني: وهو أن
يعمل بالسحر، إذ لا يقتل بمجرد العلم به.
(١) الزرقاني ٦٨/٨
(٢) تفسير الرازي ٢٣٩/٣، وروضة الطالبين ٣٤٧/٩
ثم قال بعضهم: ويعاقب بالقتل أيضا من
يعتقد حل السحر من المسلمين، فيقتل كفرا،
لأنه يكون بذلك قد أنكر مجمعا عليه معلوما من
الدين بالضرورة.
واحتجوا لقتل الساحر بما روى جندب
مرفوعا ((حد الساحر ضربة بالسيف)). (١)
وبما ورد عن بجالة بن عبدة أن عمر بن
الخطاب كتب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. (٢)
وبأن حفصة أمرت بقتل ساحرة سحرتها. وأن
معاوية كتب إلى عامله قبل موته بسنة : أن
اقتلوا کل ساحر وساحرة، وقتل جندب بن کعب
ساحرا كان يسحر بين يدي الوليد بن أبي
عقبة . (٣)
حكم الساحر إذا قتل بسحره:
١٦ - ذهب الجمهور خلافا للحنفية إلى أن
القتل بالسحر يمكن أن يكون عمدا، وفيه
(١) حديث: ((حد الساحر ضربة بالسيف)). أخرجه الترمذي
(٤/ ٦٠ - ط الحلبي) من حديث جندب مرفوعا، وقال:
((هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه،
وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، والصحيح
عن جندب موقوفا)» .
(٢) أثر عمر أنه كتب: ((أن اقتلوا كل ساحر وساحرة» أخرجه
أحمد (١ / ١٩٠ - ١٩١ - ط اليمنية) وإسناده صحيح.
(٣) كشاف القناع ٦/ ١٨٧، والمغني ٨/ ١٥٣، ١٥٤، وتيسير
العزيز الحميد ص٣٤٢، ومطالب أولي النهى ٦/ ٣٠٤،
٣٠٥
- ٢٦٧ -

سِخْر ١٦ - ١٨
........
القصاص. ويثبت ذلك عند المالكية بالبينة أو
الإقرار.
وذهب الشافعية إلى أن الساحر إن قتل
بسحره من هو مكافىء له ففيه القصاص إن
تعمد قتله به، وذلك بأن يثبت ذلك بإقرار
الساحر به حقيقة أوحكما، كقوله: قتلته
بسحري، أو قوله: قتلته بنوع کذا، ویشهد
عدلان یعرفان ذلك، وقد کانا تابا، بأن ذلك
النوع يقتل غالبا. فإن كان لا يقتل غالبا فيكون
شبه عمد. فإن قال: أخطأت من اسم غيره
إلى اسمه فخطأ.
ولا يثبت القتل العمد بالسحر بالبينة عند
الشافعية لتعذر مشاهدة الشهود قصد الساحر
وتأثیر سحره .(١)
قال المالكية والشافعية: يُستوفى القصاص
ممن قتل بسحره بالسيف ولا يستوفى بسحر
مثله، أي لأن السحر محرم ، ولعدم
انضباطه. (٢)
وصرح المالكية بأن الذمي إن قتل بسحره
أحدا من أهل ملته فإنه يقتل به .
(١) نهاية المحتاج ٧/ ٣٧٩، ٣٨٠، والقليوبي ٤ / ١٧٩،
وروضة الطالبين ٩/ ٣٤٧، والزرقاني ٢٩/٨
(٢) نهاية المحتاج ٧/ ٢٩٠، والقليوبي وشرح المنهاج
٤ / ١٢٤، ومواهب الجليل للحطاب ٢٥٦/٦، والزرقاني
٨/ ٢٩
تعزير الساحر الذي لم يستحق القتل :
١٧ - صرح الشافعية والحنابلة بأن الساحر غير
المستحق للقتل، بأن لم يكن سحره كفرا ولم يقتل
بسحره أحدا، إذا عمل بسحره يعزر تعزيرا
بلیغا لینکف هو ومن یعمل مثل عمله، ولکن
بحيث لا يبلغ بتعزيره القتل على الصحيح من
المذهب عند الحنابلة لارتكابه معصية. وفي قول
للإِمام: تعزيره بالقتل. (١)
الإِجارة على فعل السحر أو تعليمه:
١٨ - اتفق الفقهاء على أن الاستئجار لعمل
السحر لا يحل إن كان ذلك النوع من السحر
حراما - على الخلاف المتقدم بينهم في حكمه -
ولا تصح الإِجارة، ولا تحل إعطاء الأجرة،
ولا يحل لآخذها أخذها، واختلفوا في بعض
التفصيلات :
فذهب الحنفية والمالكية إلى أن من استأجر
ساحرا ليعمل له عملا هو سحر فالإِجارة حرام
ولا تصح، ولا يقتل المستأجر لأن فعله ذلك
ليس بسحر، حتى لوقتل الساحر بسحره ذاك
أحدا، ويؤدب المستأجر أدبا شديدا، واستثنى
الحنفية والمالكية من يستأجر لحل السحر عن
المسحور، فأجازوا ذلك - أي على القول بجواز
حل السحر - لأنه من باب العلاج، (٢) وكذا
(١) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٠٤، ومغني المحتاج ١٨٣/٢
(٢) الزرقاني ٦٣/٨، والمواق بهامش مواهب الجليل
٦/ ٢٨٠، وابن عابدين ٥٧/٥
- ٢٦٨ -

سِخْر ١٨، سحور ١
أجاز الشافعية الإِجارة على إزالة السحر نحو
ما يحصل للزوج من الانحلال المسمى عند
العامة بالربط. قالوا: والأجرة على من التزم
العوض، سواء كان هو الرجل نفسه أوزوجته أو
أحدا من أهلها أو أجنبيا. (١)
وصرح الشافعية أيضا بأنه لا يصح
الاستئجار لتعليم السحر ولا تستحق على
تعليم السحر أجرة، (٢) ولا يصح بيع كتب
السحر ويجب إتلافها . (٣).
وقال الحنابلة: لا تصح الإِجارة على السحر
إن كان محرما، أما إذا كان مباحا فلا مانع من
الاستئجار علیه، کتعلیم رقی عربية ليحل بها
السحر. (٤) ولا تصح الوصیة بکتب سحر لأنها
إعانة على المعصية، ولا ضمان على من أتلف
آلة سحر. (٥) ..
سحور
التعريف :
١ - السحور لغة: طعام السحر وشرابه، قال
ابن الأثير: هو بالفتح اسم ما یتسحر به وقت
السحر من طعام وشراب، وبالضم المصدر
والفعل نفسه، أكثر ما روي بالفتح، وقيل: إن
الصواب بالضم، لأنه بالفتح الطعام والبركة،
والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام.
والسحر بفتحتين: آخر الليل قبيل الصبح،
والجمع أسحار، وقيل: هومن ثلث الليل الآخر
إلى طلوع الفجر.
ولا يخرج الاستعمال الفقهي للسحور عن
ذلك.(١)
(١) الشبراملسي على نهاية المحتاج ٢٦٨/٥
(٢) حاشية القليوبي على المنهاج ٣/ ٧٠
(٣) حاشية الشيخ عميرة على شرح المنهاج ١٥٨/٢
(٤) مطالب أولي النهى ٣/ ٦٠٤
(٥) مطالب أولي النهى ٤/ ٩٨، ٤٨٣
(١) لسان العرب ٢/ ١٠٧، والنهاية في غريب الحديث والأثر،
والمصباح المنير، وتاج العروس مادة: (سحر)، والقواعد
الفقهية ٣٢٠، وفتح القدير ٢ /٩٥ ط بولاق، والفواكه
الدواني ١/ ٣٥٤ ط دار المعرفة، بيروت، لبنان، ومغني
المحتاج ٤٣٥/١ ط مصطفى الحلبي.
- ٢٦٩ -
:

سحور ٢ - ٣
الحكم الإجمالي :
٢ - السحور سنة للصائم، وقد نقل ابن المنذر
الإجماع على كونه مندوبا، لما روى أنس
رضي الله عنه أن النبي وَ لي قال: ((تسحروا فإن
في السحور بركة))(١) وعن عمرو بن العاص
رضي الله عنه عن النبي ◌ّ ل أنه قال: ((فصل
ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة
السحر)). (٢)
ولأنه يستعان به على صيام النهار، وإليه
أشار النبي # في الندب إلى السحور فقال:
((استعينوا بطعام السحر على صيام النهار
وبالقيلولة على قيام الليل)). (٣)
وكل ما حصل من أكل أو شرب حصل به
فضيلة السحور (٤) لحديث عمرو بن العاص
قال: قال رسول الله ێ(: ((فصل مابين صيامنا
وصيام أهل الكتاب أكلة السحر))(٥) وعن أبي
(١) حديث: ((تسحروا فإن في السحور بركة)). أخرجه
البخاري (الفتح ١٣٩/٤ - ط السلفية) ومسلم (٢/ ٧٧٠
ط - الحلبي).
(٢) حديث: ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب)).
أخرجه مسلم (٢ / ٧٧٠ - ط الحلبي).
(٣) حديث: ((استعينوا بطعام السحر)). أخرجه ابن ماجه
(٥٤٠/١ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس، وضعف
إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٠٢/١ - ط دار
الجنان).
(٤) مراقي الفلاح ٣٧٣، ومواهب الجليل ٢/ ٤٠١، وكشاف
القناع ٣٣١/٢، والمغني ٣/ ١٧٠ .
(٥) تقدم تخريجه ف/ ٢ .
سعيد قال: قال رسول الله له: ((السحور أكله
بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم
جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على
المتسحرين)(١) وروى أبوهريرة رضي الله عنه
عن النبي ◌َّ قال: ((نعم سحور المؤمن
التمر».(٢)
وقت السحور :
٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن وقت السحور
مابين نصف الليل الأخير إلى طلوع الفجر،
وقال بعض الحنفية والشافعية: هوما بين
السدس الأخير وطلوع الفجر.
ويسن تأخير السحور عند جمهور الفقهاء
ما لم يخش طلوع الفجر الثاني لقوله تعالى :
﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض
من الخيط الأسود من الفجر﴾(٣) والمراد بالفجر
في الآية الفجر الثاني، لقول النبي صلطر:
«لا یمنعنکم من سحورکم أذان بلال،
ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في
الأفق)) (٤) ولقوله ◌َله: ((لا تزال أمتي بخير
(١) حديث: ((السحور أكله بركة)). أخرجه أحمد (١٢/٣ - ط
الميمنية) من حديث أبي سعيد الخدري. وقواه المنذري في
الترغيب والترهيب (١٣٩/٢ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((نعم سحور المؤمن التمر)). أخرجه ابن حبان
(١٩٧/٥ - الإحسان - ط دار الكتب العلمية، من حديث
أبي هريرة، وإسناده صحيح.
(٣) سورة البقرة/ ١٨٧
(٤) حديث: ((لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال)) . =
- ٢٧٠ -

سحور ٣ - ٤
ما أخروا السحور وعجلوا الفطر))(١) ولأن
المقصود بالسحور التقوي على الصوم، وما كان
أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم.
ونقل الحطاب عن ابن شاس أن تأخير
السحور مستحب. (٢)
وتفصيل ذلك في (صوم).
تأخر السحور إلى وقت الشك :
٤ - قال الشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن :
إنه لا يكره الأكل والشرب مع الشك في طلوع
الفجر الثاني، قال أحمد في رواية أبي داود : إذا
شك في طلوع الفجر يأكل حتى يستيقن
طلوعه، لأن الأصل بقاء الليل، قال الآجري
من الحنابلة وغيره: لوقال لعالمين: ارقبا الفجر،
فقال أحدهما: طلع، وقال الآخر: لم يطلع،
أكل حتى يتفقا على أنه طلع. وقاله جمع من
الصحابة وغيرهم. (٣)
= أخرجه الترمذي (٧٧/٣ - ط الحلبي) من حديث
سمرة بن جندب، وأصله في مسلم (٨٦٧/٢ - ط
الحلبي).
(١) حديث: ((لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا
الفطر)). أخرجه أحمد (١٧٢/٥ - ط اليمنية) من حديث
أبي ذر، وأورده الهيثمي في المجمع (١٥٤/٣ - ط القدسي)
وقال: «رواه أحمد وفيه سليمان بن أبي عثمان، قال أبو
حاتم: مجهول)).
.(٢) بدائع الصنائع ١٠٥/٢، ومواهب الجليل ٣٩٧/٢ دار
الفكر، بيروت، لبنان، ومغني المحتاج ٤٣٥/١، ونهاية
المحتاج ١٧٧/٣، والمغني ٣/ ١٦٩، كشاف القناع
٣٣١/٢، وشرح منتهى الإِرادات ٤٥٥/١
(٣) بدائع الصنائع ١٠٥/٢، والمجموع ٦/ ٣٦٠، =
ويكره عند الحنابلة الجماع مع الشك في
طلوع الفجر الثاني، لما فيه من التعرض لوجوب
الكفارة، ولأنه ليس مما یتقوی به .(١)
وذهب الحنفية إلى أنه لوشك في طلوع
الفجر فالمستحب له أن لا يأكل، لأنه يحتمل أن
الفجر قد طلع، فيكون الأكل إفسادا للصوم،
فيتحرز عنه، قال صاحب البدائع: والأصل فيه
ما ورد عن النبي وَ لل أنه قال: ((الحلال بينّ
والحرام بينّ وبينهما أمور مشتبهة ... ))(٢)
كما قال رسول الله له: ((دع ما يريبك إلى
ما لا يريبك))(٣) ولو أكل وهو شاك لا يحكم عليه
بوجوب القضاء، لأن فساد الصوم مشكوك فيه
لوقوع الشك في طلوع الفجر، مع أن الأصل هو
بقاء الليل، فلا يثبت النهار بالشك. (٤)
وفي الفتاوى الهندية : إن كان أكبررأيه أنه
= وكشاف القناع ٢/ ٣٣١، والإِنصاف ٣/ ٣٣٠، والمغني
١٦٩/٣
(١) كشاف القناع ٢/ ٣٣١، والإنصاف ٣/ ٣٣٠
(٢) حديث: ((الحلال بينُّ والحرام بيِنَّ وبينهما أمور مشتبهة)).
أخرجه البخاري (الفتح ٤/ ٢٩٠ - ط السلفية) ومسلم
(١٢١٩/٣ - ط الحلبي) من حديث النعمان بن بشير
واللفظ للبخاري.
(٣) حديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). أخرجه
الترمذي (٦٦٨/٤ - ط الحلبي) من حديث الحسن بن
علي، وقال: حديث حسن صحيح .
(٤) مراقي الفلاح ٣٧٣، وبدائع الصنائع ٢/ ١٠٥، ومواهب
الجليل ٢/ ٣٩٧، ومغني المحتاج ١/ ٤٣٥، ونهاية المحتاج
١٧٧/٣، والمجموع ٦/ ٣٦٠
- ٢٧١ -

سحور ٥ -٦
تشحر والفجر طالع فعليه قضاؤه عملا بغالب
الرأي وفيه الاحتياط، وعلى ظاهر الرواية
لا قضاء عليه، هذا إذا لم يظهر له شيء، ولو
ظهر أنه أكل والفجر طالع يجب عليه القضاء
ولا کفارة علیه .(١)
٥ - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وبعض المالكية :
إن الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر
الثاني مكروه. ونقل الكاساني عن هشام عن أبي
یوسف أنه یکره، وهكذا روی الحسن عن أبي
حنيفة أنه إذا شك فلا یأکل، وإن أکل فقد
أساء، لما ورد عن رسول الله ێ أنه قال: ((من
وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى
يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا
إن حمى الله في أرضه محارمه))(٢) والذي یأکل مع
الشك في طلوع الفجر يحوم حول الحمى
فیوشك أن يقع فيه، فکان بالأكل معرضا صومه
للفساد فیکره ذلك. (٣)
وذهب أكثر المالكية إلى أن من أكل مع
الشك في الفجر فعليه القضاء مع الحرمة على
المشهور، إلا أن يتبين أن الأكل كان قبل
الفجر، وإن كان الأصل بقاء الليل، وهذا
(١) الفتاوى الهندية ١/ ٢٠٠، وفتح القدير ٩٣/٢
(٢) حديث: ((من وقع في الشبهات كراع يرعى حول
الحمى ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٢٦/١ - ط
السلفية) من حديث النعمان بن بشير.
(٣) بدائع الصنائع ١٠٥/٢، والدسوقي ٥٢٦/١
بالنسبة لصوم الفرض، وأما في النفل فلا قضاء
فيه اتفاقا، لأن أكله ليس من العمد الحرام،
ولا كفارة فيمن أكل شاكا في الفجر اتفاقا، ومن
أكل معتقدا بقاء الليل ثم طرأ الشك فعليه
القضاء بلا حرمة، ولو طلع الفجر وهو متلبس
بالفطر فالواجب عليه إلقاء ما في فمه. (١)
وانظر للتفصيل مصطلح : (صوم).
السحور بالتحري وغيره:
٦ - لو أراد أن يتسحر فله ذلك إذا كان بحال
لا يمكنه مطالعة الفجر بنفسه أو بغيره، وذكر
شمس الأئمة الحلواني أن من تسحر بأكبر الرأي
لا بأس به، إذا كان الرجل ممن لا يخفى عليه
مثل ذلك، وإن كان ممن يخفی علیه فسبيله أن
يدع الأکل، وإن أراد أن يتسحر بصوت الطبل
السحري فإن کثر ذلك الصوت من کل جانب
وفي جميع أطراف البلدة فلا بأس به، وإن كان
يسمع صوتا واحدا فإن علم عدالته يعتمد
عليه، وإن لم يعرف حاله يحتاط ولا يأكل، وإن
أراد أن يعتمد بصياح الديك فقد أنكر ذلك
بعض الحنفیة، وقال بعضهم : لا بأس به إذا
كان قد جربه مراراً، وظهر له أنه يصيب
الوقت. (٢)
(١) الدسوقي ٥٢٦/١، والفواكه الدواني ١/ ٣٥٥، وكفاية
الطالب ٣٣٨/١ ط مصطفى الحلبي، وحاشية العدوي
١/ ٣٩٠ ط دار المعرفة، بيروت، لبنان.
(٢) الفتاوى الهندية ١٩٥/١
- ٢٧٢ -

سخرة ١ - ٥
بعوض. والأجرة ما يلتزم به المستأجر قِيَل المؤجر
عوضا عن المنفعة التي يتملكها. وانظر مصطلح
(إجارة) لبيان ما يتعلق بها وبالأجرة من
الأحكام .
سخرة
التعريف :
١ - السخرة لغة: ما سخرته من دابة أو رجل بلا
أجر ولا ثمن، ويقال: للمفرد والجمع. يقال
سخره سخرا وسخریا : أي كلفه ما لا يريد
وقهره، والسخرة أيضا: من يسخر منه
الناس. (١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء للسخرة عن
المعنى اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإجارة :
٢ - الإِجارة عقد معاوضة على تمليك منفعة
(١) لسان العرب، المصباح المنير مادة: (سخر)، القاموس
والمعجم الوسيط، شرح منتهى الإِرادات ٢/ ٥٤٠،
كشاف القناع ٧٨/٤، حاشية الدسوقي ٣/ ٤٥٤،
الخرشي ٦/ ١٤٣، نهاية المحتاج ١٦٩/٥، روضة الطالبين
١٤/٥، حاشية ابن عابدين ١١٤/٥، البحر الرائق
١٢٣/٨
ب - العمالة :
٣ - العمالة - بضم العين - هي أجرة العامل،
ويقال استعملته: أي جعلته عاملا.(١)
جـ - الجعالة :
٤ - الجعالة التزام عوض معلوم على عمل
معلوم أو مجهول يعسر ضبطه، وانظر مصطلح :
(جعالة).
الحكم الإجمالي :
٥ - اتفق الفقهاء على عدم جواز تسخير العامل
دون أجر، ولا يجوز إجباره أو إكراهه على قبول
عمل بهذه الصفة. واعتبره الفقهاء من التعدي
الموجب للضمان. فمن قهر عاملا وسخره في
عمل ضمن أجرته لاستيفائه منافعه المتقومة،
ولأن منفعة العامل مال يجوز أخذ العوض عنه
فضمنت بالتعدي، والأجرة في مقابل العمل من
مقومات عقد الإِجارة، ومعلوميتها شرط في
صحة العقد، فإن خلا منها، أو فسد العقد، أو
(١) المصباح المنير مادة: (عمل).
- ٢٧٣ -

سخرة ٦ - ٨
سمى ما لا يصح أجرة وجب الرجوع إلى أجر
المثل. هذا في الجملة وتفصيله في (إجارة).
٦ - والأصل أن الانتفاع بعمل الإِنسان أن
يكون برضاه، سواء كان بعوض كالإجارة أو
بغير عوض كأن يتطوع بمعونة شخص أو
خدمته، وما ينطبق على الأفراد فيما بينهم ينطبق
على الدولة فيمن تستعملهم من عمال، إلا أن
للإِمام أن يسخر بعض الناس في أحوال خاصة
تقتضيها مصلحة عامة المسلمين، ولا يجوز
تسخيرهم بدون أجر، وتلزم الدولة بإجراء
أجورهم في مقابل ما يعملون من أعمال.
٧ - ويشهد لهذا الأصل جملة من المسائل التي
نص عليها الفقهاء :
منها: أن للعامل في الدولة أجرا يجريه له ولي
الأمر، ولا يخلو هذا الأجر من ثلاثة أحوال:
الحال الأول: أن يسمي الوالي للعامل أجرا
معلوما: يستحق العامل الأجر إذا وفى العمالة
حقها، فإن قصر روعي تقصيره، فإن كان
التقصير في ترك بعض العمل لم يستحق جاري
ما قابله، وإن كان خيانة مع استيفاء العمل
استکمل جاریه واسترجع منه ماخان فیه، وإن
زاد في العمل روعيت الزيادة في الأجر.
الحال الثاني: أن يسمي للعامل أجرا
مجهولا : فیستحق العامل أجر مثله فيما عمل،
فإن کان جاري العمل مقدرا في الدیوان وعمل
به جماعة من العمال صار ذلك القدر هو جاري
المثل.
الحال الثالث: أن لا يسمي له أجرا معلوما
ولا مجهولا .
فذهب الشافعي إلى أنه لا جاري له على
عمله، ويكون متطوعا به، لخلو عمله من
عوض .
وذهب المزني إلی أن له جاري مثله لاستيفاء
عمله عن إذنه .
وذهب أبو العباس بن سریج إلى أنه إن كان
مشهورا بأخذ الجاري على عمله فله جاري
مثله، وإن لم يشتهر فلا جاري له.
وذهب أبو إسحاق المروزي إلى أنه إن دعي
إلى العمل في الابتداء أو أمر به فله جاري مثله
فإن ابتدأ بالطلب فأذن له في العمل فلا جاري
له.(١)
ونظير هذا الخلاف ما تقدم في مصطلح
(جعالة) في مسألة الخلاف في استحقاق العامل
الجعل في حالة الإِذن له بالعمل أو عدم الإِذن
حيث استوفيت المذاهب في المسألة.
فلتراجع في مصطلح: (جعالة ف٣١ -٣٤)
٨ - ومن المسائل المتعلقة باستعمال الدولة للعمال
بأجر، ماقال ابن القيم: إذا احتاج الناس إلى
صناعة من الصناعات كالفلاحة والنساجة
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢١١
- ٢٧٤ -

سخرة ٨ - ٩ ، سخرية
والبناء فلولي الأمر أن يلزمهم بالعمل بأجرة
مثلهم مراعاة مصالح الناس حیث صارت هذه
الأعمال مستحقة عليهم ولا يمكنهم من مطالبة
الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن
الناس من ظلمهم بأن یعطوهم دون حقهم. کما
إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة
أرضهم، وألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم
بها: ألزم الجند بألا يظلموا الفلاح، كما يلزم
الفلاح بأن يفلح .
٩ - ومن المسائل كذلك: أن أوجه اختصاص
والي المظالم أن ينظر في تظلم المسترزقة من نقص
أرزاقهم أو تأخرها عنهم، أو إجحاف النظر بهم
فيرد إليهم أرزاقهم ويضبط هذا في ديوانه. (١)
والدليل من السنة على وجوب وفاء الدولة
بأجور عمالها حديث بريدة عن النبي وَلّ قال:
«من استعملناه علی عمل فرزقناه رزقا فما أخذ
بعد ذلك فهو غلول». (٢)
وفي حديث عبدالله بن السعدي قال:
((استعملني عمر على الصدقة فلما فرغت منها
(١) الطرق الحكمية ص٢٨٩ - ٢٩٠، وبدائع السلك
٢١٩/١، والأحكام السلطانية ص٨١
(٢) حديث: ((من استعملناه على عمل فرزقناه)). أخرجه
أبوداود (٣٥٣/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم
(٤٠٦/١ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه
الذهبي.
وأديتها إليه أمر لي بعمالة فقلت: إنما عملت لله
وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت فإني
عملت على عهد رسول اللّه ◌َل﴿ فعمّلني.(١)
وعملني : أي أعطاني أجرة عملي.
وجاء في رواية البخاري قوله ميل ر: ((خذه
فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال وأنت
غير مشرف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه
نفسك». (٢)
سخرية
انظر: قذف، سب.
(١) حديث عبد الله بن السعدي: ((استعملني عمر على
الصدقة ... )) أخرجه مسلم (٢ /٧٢٣ - ٧٢٤ - ط
الحلبي).
(٢) حديث: ((خذه فتموله ... )) أخرجه البخاري (الفتح
١٥٠/١٣ - ط السلفية) من حديث عمر بن الخطاب.
- ٢٧٥ -

سد الذرائع ١ - ٢
سد الذرائع
التعريف :
١ - السد في اللغة: إغلاق الخلل.
والذريعة: الوسيلة إلى الشيء يقال: تذرع
فلان بذريعة أي توسل بها إلى مقصده، والجمع
ذرائع .
وفي الاصطلاح : هي الأشياء التي ظاهرها
الإِباحة ويتوصل بها إلى فعل محظور.
ومعنى سد الذريعة : حسم مادة وسائل
الفساد دفعا لها إذا كان الفعل السالم من المفسدة
وسیلة إلی مفسدة .(١)
الحكم الإجمالي :
٢ - اختلف العلماء في حكم سد الذرائع
واعتبارها من أدلة الفقه :
(١) لسان العرب، المصباح المنير مادة: (ذرع، وسدد)، تبصرة
الحكام ٣٢٧/٢، حاشية العطار على جمع الجوامع
١٩٨/٢، الفروق للقرافي ٣٢/٢
فذهب المالكية، والحنابلة إلى أنها من أدلة
الفقه. واستدلوا بما يأتي :
١ - قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من
دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾، (١) قالوا:
نهى تبارك وتعالى عن سب آلهة الكفار لئلا
يكون ذلك ذريعة إلى سب الله تعالى،
ونهى الله سبحانه عن كلمة (راعنا) بقوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا
انظرنا﴾(٢) لئلا يكون ذلك ذريعة لليهود إلى
سب النبي *، لأن كلمة (راعنا) في لغتهم
سب للمخاطب.
٢ - قوله مثل: ((دع ما يريبك
إلى ما لا يريبك)). (٣)
وقوله ◌َّة: ((الحلال بين والحرام بينّ وبينهما
مشبهات لا يعلمها کثیر من الناس، فمن اتقى
المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في
الشبهات کان کراعي یرعی حول الحمى يوشك
أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن
حمى الله في أرضه محارمه)). (٤)
(١) سورة الأنعام/ ١٠٨
(٢) سورة البقرة/ ١٠٤
(٣) حديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). أخرجه
الترمذي (٦٦٨/٤ - ط الحلبي) من حديث الحسن بن علي
وقال: حديث حسن صحيح .
(٤) حديث: ((الحلال بين والحرام بينّ)). أخرجه البخاري
(الفتح ١٢٦/١ - ط السلفية) ومسلم (١٢١٩/٣ - ط
الحلبي) من حديث النعمان بن بشير واللفظ للبخاري.
- ٢٧٦ -

سد الذرائع ٣ - ٤
وقال ابن رشد: إن أبواب الذرائع في
الكتاب والسنة يطول ذكرها ولا يمكن
حصرها .
٣ - إن إباحة الوسائل إلى الشيء المحرم
المفضية إليه نقض للتحريم، وإغراء للنفوس
به، وحکمة الشارع وعلمه یأبی ذلك کل
الإِباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن
أحدهم لومنع جنده أورعيته من شيء، ثم
أباح لهم الطرق والوسائل إليه، لعد متناقضا،
ولحصل من جنده ورعيته خلاف مقصوده.
وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا
صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا
فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. (١)
٤ - استقراء موارد التحريم في الكتاب والسنة
يظهر أن المحرمات منها ما هو محرم تحريم
المقاصد، كتحريم الشرك والزنى وشرب الخمر
والقتل العدوان، ومنها ما هو تحريم للوسائل
والذرائع الموصلة لذلك والمسهلة له. استقرى
ذلك ابن القيم فذكر لتحريم الذرائع تسعة
وتسعين مثالا من الكتاب والسنة. (٢)
فمن سد الذرائع إلى الزنى : تحريم النظر
المقصود إلى المرأة، وتحريم الخلوة بها، وتحريم
(١) إعلام الموقعين لابن القيم ١٣٥/٣، والموافقات للشاطبي
١٩٨/٤ - ٢٠٠، القاهرة المكتبة التجارية.
(٢) تبصرة الحكام ٢/ ٣٦٨، والمقدمات لابن رشد ٢/ ٢٠٠
إظهارها للزينة الخفية، وتحريم سفرها وحدها
سفرا بعيدا ولو لحج أو عمرة على خلاف
وتفصيل في ذلك، وتحريم النظر إلى العورات،
ووجوب الاستئذان عند الدخول إلی البیوت،
وكثير من الأحكام الواردة في الكتاب والسنة مما
يتعلق بذلك.
ومن سد الذرائع إلى شرب المسكر: تحريم
القليل منه ولو قطرة، كما في الحديث ((لورخصت
لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه)). (١)
والنهي عن الخليطين، والنهي عن شرب
العصير بعد ثلاث، والنهي عن الانتباذ في
بعض الأوعية التي يسرع التخمر إلى ما ينتبذ
فيها .
ومن سد الذرائع إلى القتل: النهي عن بيع
السلاح في الفتنة، والنهي عن تعاطي السيف
مسلولا ، وإيجاب القصاص درءا للتهاون
بالقتل، لقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص
حياة﴾. (٢)
وكثير من منهيات الصلاة ومكروهاتها
مرجعها إلى هذا الأصل، كالنهي عن الصلاة
عند شروق الشمس وعند زوالها وعند غروبها،
(١) حديث: ((لو رخصت لكم في هذه ... )). أورده ابن القيم
في إعلام الموقعين (١٣٩/٢ - نشر دار الجيل - بيروت) ولم
يعزه إلى أي مصدر، ولم نهتد إليه في المصادر الموجودة لدينا.
(٢) سورة البقرة/ ١٧٩
- ٢٧٧ -

سد الذرائع ٣ - ٤
وكراهة الصلاة إلى الصورة، أو النار، أو وجه
إنسان .
وكالنهي عن البيع بعد نداء الجمعة، لأن
البيع وسيلة إلى التخلف عن الجمعة أو فوات
بعضها. وفي فسخ البيع إن وقع في وقت النهي
خلاف. (١)
٣ - وأنكر الشافعية والحنفية ذلك.
وقالوا: إن سد الذرائع ليس من أدلة الفقه.
لأن الذرائع هي الوسائل، والوسائل مضطربة
اضطرابا شديدا، فقد تكون حراما، وقد تكون
واجبة، وقد تكون مكروهة، أو مندوبة، أو
مباحة .
وتختلف مع مقاصدها حسب قوة المصالح
والمفاسد وضعفها، وخفاء الوسيلة، وظهورها،
فلا يمكن ادعاء دعوى كلية باعتبارها
ولا بإلغائها، ومن تتبع فروعها الفقهية ظهر له
هذا، ويفهم من كلام المالكية أنها من حيث هي
غير كافية في الاعتبار. إذ لو كانت كذلك
لاعتبرت مطلقا ولیس کذلك. بل لابد من
فضل خاص يقتضي اعتبارها أو إلغاءها . (٢)
وقالوا: إن الشرع مبني على الحكم
بالظاهر، كما قد أطلع الله رسوله على قوم
(١) تبصرة الحكام ٢/ ٢٦٨
(٢) المجموع شرح المهذب ١٠/ ١٦٠
يظهرون الإِسلام ويبطنون الكفر، ولم يجعل له
أن يحكم عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا.
وحكم في المتلاعنين بدرء الحد مع وجود
علامة الزنى، وهو أن المرأة أتت بالولد على
الوصف المكروه. قال الشافعي: وهذا يبطل
حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع، فإذا
أبطل الأقوى من الدلائل أبطل الأضعف من
الذرائع كلها . (١)
٤ - وقد قسم القرافي: الذرائع إلى الفساد ثلاثة
أقسام :
قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه
وحسمه، كحفر الآبار في طرق المسلمين، فإنه
وسيلة إلى إهلاكهم فيها، وكذلك إلقاء السم
في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من كان من
أهلها، ویعلم من حاله أنه یسب الله تعالی عند
سبها .
وقسم أجمعت الأمة على عدم منعه، وأنه
ذريعة لا تسد، ووسيلة لا تحسم، كالمنع من
زراعة العنب خشية أن تعصر منه الخمر فإنه لم
يقل به أحد، وكالمنع من المجاورة في البيوت
خشية الزنى .
وقسم اختلف فيه العلماء هل یسد أم لا ،
كبيوع الآجال عند المالكية، كمن باع سلعة إلى
(١) الأم للشافعي ٧/ ٢٧٠ قبيل باب إيطال الاستحسان من
كتاب الاستحسان .
- ٢٧٨ -

..
...
سد الذرائع ٥ - ٧
شهر بعشرة دراهم، ثم اشتراها نقدا بخمسة
قبل آخر الشهر.
فالك يقول: إنه أخرج من يده خمسة الآن
وأخذ عشرة آخر الشهر، فهذه وسيلة لسلف
خمسة بعشرة إلى أجل توسلا بإظهار صورة البيع
لذلك.
والشافعي يقول: ينظر إلى صورة البيع
ويحمل الأمر على ظاهره فیجوزذلك، قال
القرافي: وهذه البيوع تصل إلى ألف مسألة
اختص بها مالك وخالفه فيها الشافعي . (١)
٥ - أما القسم الأول الذي أجمعت الأمة عليه،
فهو ما كان أداؤه إلى المفسدة قطعيا، فلا
خلاف في أنه يسد، ولكن التقي السبكي من
الشافعية قال: ليس هذا من باب سد الذرائع،
بل هو من تحريم الوسائل، والوسائل تستلزم
المتوسل إلیه، ولا نزاع في هذا، کمن حبس
شخصا ومنعه الطعام والشراب فهذا قاتل له،
وليس هذا من سد الذرائع في شيء. والنزاع
بيننا وبين المالكية ليس في الذرائع وإنما هو في
سدها .
وقال التاج ابن السبكي : ولم يصب من زعم
أن قاعدة سد الذرائع یقول بها كل أحد، فإن
الشافعي لا يقول بشيء منها. (٢)
(١) الفروق ٣٢/٢
(٢) شرح الشربيني ومعه حاشية العطار على جمع الجوامع في
آخر الكتاب الخامس ٣٩٩/٢ نشر دار الكتب العلمية . =
وقد صرح الشافعي بمذهبه في ذلك فقال:
لا یفسد عقد أبدا إلا بالعقد نفسه، ولا یفسد
بشيء تقدمه ولا تأخره، ولا بتوهم. ولا تفسد
العقود بأن يقال: هذه ذريعة، وهذه نية سوء،
ألا تری لو أن رجلا اشتری سیفا، ونوی بشرائه
أن يقتل به، كان الشراء حلالا ، وكانت نية
القتل غير جائزة، ولم يبطل بها البيع. قال:
وكذلك لوباع البائع سيفا من رجل لا يراه أنه
يقتل به رجلا كان هكذا . (١)
٦ - وأما القسم الذي أجمعت الأمة على أنه
لا يسد فهوما كان أداؤه إلى المفسدة قليلا أو
نادرا. وقد بين ابن القيم أن الذريعة إلى الفساد
تسد سواء قصد الفاعل التوصل بها إلى الفساد
أو لم يقصد ذلك.
٧ - وأما القسم الذي اختلف فيه فهوما كان
أداؤه إلى المفسدة كثيرا لكنه ليس غالبا، فهذا
موضع الخلاف.
والخلاف من ذلك جار في غيرما ورد في
الكتاب والسنة سده من الذرائع، أما ما جاء
النص بسده منها في النصوص الشرعية الثابتة
فلا خلاف في الأخذ بذلك، كالنهي عن سب
= وانظر: أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي
للدكتور مصطفى البغا ص٥٧٩، دمشق، دار الإِمام
البخاري.
(١) الأم للشافعي: كتاب إبطال الاستحسان من الأم ٢٦٧/٧
ط بولاق، وانظر أيضا الأم ٤١/٤ و٤٣/٣
- ٢٧٩ -

سد الذرائع ٨ - ١١
آلهة المشركين لئلا يسبوا الله تعالى، وکالنهي عن
الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها. وإنما
الخلاف في جواز حكم المجتهد بتحريم الوسيلة
المباحة إن كانت تفضي إلى المفسدة لا على
سبيل القطع أو الغلبة .
وفيما يلي فروع تنبني على هذا الأصل.
٨ - أ - بيوع الآجال: وهي بيوع ظاهرها
الجواز، لكن منع منها مالك ما كثر قصد الناس
له توصلا للربا الممنوع فيمنع ولو لم يقصده
العاقد سدا للذریعة، فإن قل قصد الناس له لم
یمنع. فما يمنع منها البيع الذي يؤدي إلى
سلف بمنفعة، كما لوباع سلعة بعشرة إلى سنة
ثم يشتريبها بخمسة نقدا، فآل أمره لدفع خمسة
نقدا يأخذ عنها بعد الأجل عشرة. (١)
٩ - ب - ومنها مسألة تأجيل الصداق: فيكره
عند المالكية تأجيل الصداق ولو إلى أجل معلوم
کسنة مثلا إن کان المؤجل الصداق کله، لئلا
يتذرع الناس إلى النكاح بغير صداق ويظهروا
أن هناك صداقا مؤجلا . (٢)
١٠ - ج - إذا اشترى ثمرا على رؤوس الشجر
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٧٦/٣ والمقدمات
لابن رشد ٢/ ٢٠٠ -٢٠٢. وقد ذكر تفصيلا موسعا
المالكية في بيوع الآجال وأحكامها التي بنوها على قاعدة
سد الذرائع. وانظر بداية المجتهد ١٢٧/٢ نشر المكتبة
التجارية.
(٢) الشرح الكبير ٢/ ٣٠٩
قبل بدو صلاحه جاز إن شرطا القطع في الحال،
فإن شرطا ذلك ثم ترك على الشجر حتى بدا
صلاحه، فإن كان قاصدا لتركه حال العقد
فالبيع باطل من أصله عند أحمد، أما إن تركه ولم
يكن قاصدا لذلك حين العقد فعن أحمد
روايتان: أصحهما: يبطل أيضا، لأن تصحيح
البيع في هذه الصورة يكون ذريعة إلى شراء
الثمرة قبل بدو صلاحھا ثم تترك إلى أن يبدو
صلاحها، فيكون ذريعة إلى الحرام، فيكون
حراما .
ولا يبطل البيع بذلك عند أكثر الفقهاء، وهو
الرواية الأخرى عن أحمد. (١)
١١ - د - صيام يوم الشك والست من شوال:
جاء في فتح القدير نقلا عن تحفة الفقهاء:
يكره الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين لقول
النبي ◌َّل : ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم
ولا يومين، إلا أن يوافق صوما كان يصومه
أحدكم))(٢) قال: وإنما كره ذلك لئلا يظن أنه
زيادة على صوم رمضان إذا اعتادوا ذلك، وعن
هذا قال أبویوسف: یکره وصل رمضان بست
من شوال. قال: ولا يكره صوم يوم الشك
(١) المغني لابن قدامة ٤/ ٨٥
(٢) حديث: ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين ... ))
أخرجه مسلم (٧٦٢/٢ - ط الحلبي) من حديث أبي
هريرة.
- ٢٨٠ -
٠