النص المفهرس
صفحات 301-320
زکاة ١٣٢ - ١٣٤ وعند المالكية أفتى الشيخ عليش فيمن يملك نصابا من الأنعام، فجعل عليه الحاكم نقدا معلوما كل سنة، یأخذه بغیر اسم الزكاة، فلا يسوغ له أن ينوي به الزكاة، وإن نواها لا تسقط عنه، وقال: أفتى به الناصر اللقاني والحطاب.(١) وفي المجموع للنووي : اتفق الأصحاب أن الخراج المأخوذ ظلما لا يقوم مقام العشر، فإن أخذه السلطان على أن يكون بدل العشر فهو کأخذ القيمة، وفي سقوط الفرض به خلاف، والصحیح السقوط به، فعلى هذا إن لم يبلغ قدر العشر أخرج الباقي . وأفتى ابن حجر الهيتمي بأن ما يؤخذ من التاجر من المكس لا يحسب عنه زكاة، ولو نوی به الزكاة، لأن الإِمام لم يأخذه باسم الزكاة . (٢) وعند الحنابلة روايتان: إحداهما يجزىء والأخرى لا يجزىء، قال ابن مفلح : وهي الأصح، لأنه أخذها غصبا. (٣) وفي فتاوى ابن تيمية: ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة لا يعتد به من الزكاة . (٤) ..! (١) فتاوى عليش ١ /١٣٩، ١٤٠ (٢) المجموع ٥٤١/٥، ٥٤٢، والزواجر لابن حجر ١٤٩/١ المطبعة الأزهرية (٣) مطالب أولي النهى ١٣٣/٢، بيروت، المكتب الإسلامي ، ١٣٨٠ هـ (٤) فتاوى ابن تيمية ٩٣/٢٥ طبع الرياض سنة ١٣٨٢هـ ما ينبغي لمخرج الزكاة مراعاته في الإخراج: ١٣٣ - أ - يستحب للمزكي إخراج الجيد من ماله، مع العلم بأن الواجب في حقه الوسط، وذلك لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾(١) وقوله: ﴿لن تنالوا البرحتى تنفقوا مما تحبون﴾.(٢) ١٣٤ - ب - إظهار إخراج الزكاة وإعلانه، قال ابن عباس: جعل الله صدقة السرفي التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانیتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفا، قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. وقال الطبري: أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل اهـ. وأما قوله تعالى: ﴿إِن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرلكم﴾(٣) فهو في صدقة التطوع، نظيرها الصلاة، تطوعها في البيت أفضل، وفريضتها في المسجد ومع الجماعة أفضل. (٤) (١) سورة البقرة/ ٢٦٧ (٢) سورة آل عمران / ٩٢ (٣) سورة البقرة/ ٢٧١ (٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣٣٢/٣ - ٣٣٤، القاهرة، دار الكتب، والمجموع للنووي ٣٣/٦ - ٣٠١ - زكاة ١٣٥ - ١٣٨ ١٣٥ - ج - الحذر من المن والرياء والأذى، وهذه الأمور محرمة في كل ما يخرج من المال مما يقصد به وجه الله تعالى، وتحبط الأجر لقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. (١) ومن هنا استحب المالكية للمزكي أن يستنيب من يخرجها خوف قصد المحمدة. (٢) جـ ـ اختیار المزكي من يعطيه الزكاة : ١٣٦ - إعطاء المستحقين الزكاة ليس بدرجة واحدة من الفضل، بل يتمايز. فقد نص المالكية على أنه يندب للمزكي إيثار المضطر أي المحتاج، على غيره، بأن يزاد في إعطائه منها دون عموم الأصناف. (٣) د - أن لا يخبر المزكي الفقير أنها زكاة: ١٣٧ - قيل لأحمد: يدفع الرجل زكاته إلى الرجل، فيقول: هذا من الزكاة، أويسكت؟ قال: ولم یبکته بهذا القول؟ یعطیه ویسکت، ما حاجته إلى أن يقرعه؟ وهذا يقتضي الكراهة وبه صرح اللقاني من المالكية، (٤) قال: لما فيه (١) سورة البقرة/ ٢٦٤ (٢) الشرح الكبير ٤٩٨/١ (٣) الشرح الكبير ٤٩٨/١ (٤) المغني ٢ /٦٤٧، والشرح الكبير ٥٠٠/١ من كسر قلب الفقير. وقال ابن أبي هريرة من الشافعية: لابد أن يقول بلسانه شيئا، كالهبة، قال النووي : هذا ليس بشيء. قال: والصحيح المشهور أنه إذا دفعها إلى المستحق ولم يقل هي زكاة، ولا تكلم بشيء أصلا فإنها تجزئه وتقع زكاة. لكن قال الشافعية: إن أعطاه ولم یبین له أنها زكاة فبان الآخذ غنيا لم يرجع عليه بشيء. (١) التوكيل في أداء الزكاة : ١٣٨ - يجوز للمزكي أن يوكل غيره في أداء زكاته، سواء في إيصالها للإِمام أو نائبه، أو في أدائها إلى المستحق، سواء عين ذلك المستحق أو فوض تعیینه إلى الوکیل. وقد نص الشافعية على أن إخراج المزكي الزكاة بنفسه أفضل من التوكيل، لأنه بفعل نفسه أوثق . وقال المالكية: التوكيل أفضل خشية قصد المحمدة، ويجب لمن يعلم من نفسه ذلك القصد، أو يجهل المستحقين. قالوا: وليس للوكيل صرفها لقريب المزكي الذي تلزمه نفقته، فإن لم تلزمه نفقته کره. ثم قال الشافعية: إن كان الوكيل بالغا (١) المجموع ٢٣٣/٦ - ٣٠٢ - زكاة ١٣٩ - ١٤١ عاقلا، جاز التفويض إلیه، فإن کان صبيا أو سفيها لم يصح التوكيل، إلا إن نوى الموكل وعين له من يعطيه المال. (١) تلف المال كله أو بعضه بعد وجوب الزكاة : ١٣٩ - من وجبت عليه الزكاة فلم يخرجها ثم ضاع المال كله أوبعضه، أو تلف بغير فعل المزكي فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فقال الحنفية: إن تلف المال سقطت الزكاة، لأن الواجب جزء من النصاب فيسقط بهلاك محله، لكن إن كان هلاكه بعد طلب الساعي فقيل: يضمن، وقيل: لا يضمن. قالوا: وإذا هلك بعض المال يسقط من الزكاة بقدره أي بنسبة ما هلك. وقالوا: إن تلف من مال الزكاة بعد الحول ما كان به الباقي أقل من نصاب قبل إمكان الأداء بلا تفريط سقطت الزكاة، فإن أمكن الأداء وفرط ضمن. وقال المالكية والشافعية: إن كان ضياعه بتفريطه في حفظه وجبت عليه زكاة كل المال، وكذا إن فرط في الإِخراج بعد التمكن، بأن وجد المستحق، سواء طلب الزكاة أم لم يطلبها، لتقصيره بحبس الحق عن مستحقه. ثم قال الشافعية: إن لم يكن فرط زكى الباقي فقط (١) الشرح الكبير ٤٩٨/١، شرح المنهاج ٤٢/٢ بقسطه، ولو كان أقل من نصاب، على الأظهر عندهم، فلوملك خمسا من الإِبل فتلفت واحدة منه قبل التمكن ففي الباقي ٥ /٤ شاة على الأظهر، ولا شيء على الثاني. وقال المالكية - وهو قول آخر للشافعية: إن كان الباقي أقل من نصاب سقطت الزكاة. وقال الحنابلة: يجب عليه زكاة كل المال، حتى لوضاع كله بعد الحول فالزكاة في ذمته لا تسقط إلا بالأداء، لأنها حق للفقراء ومن معهم لم يصل إليهم، كدين الآدمي. (١) تلف الزكاة بعد عزلها : ١٤٠ - لو عزل الزكاة ونوى أنها زكاة ماله فتلفت فالحكم كذلك عند كل من المالكية والحنابلة. وذكر المالكية صورة ما لو عزل الزكاة فتلف المال وبقيت الزكاة، فإنه يجب عليه إخراجها ولا تسقط بتلف المال. (٢) القسم الرابع: جمع الإِمام ونوابه للزكاة : ١٤١ - للإِمام حق أخذ الزكاة من المال الذي وجبت فيه (على خلاف في بعض الأموال يأتي بيانه). وكان رسول الله له والخليفتان بعده (١) فتح القدير ٥١٥/١، والمغني ٦٨٦/٢، والشرح الكبير مع الدسوقي ٥٠٣/١، وشرح المنهاج والقليوبي ٤٦/٢ (٢) المغني ٦٨٦/٢، والشرح الكبير مع الدسوقي ٥٠٣/١ - ٣٠٣ - زكاة ١٤١ - ١٤٢ يأخذون الزكاة من کل الأموال، إلی أن فوض عثمان رضي الله عنه في خلافته أداء الزكاة عن الأموال الباطنة إلى ملاكها، كما يأتي. (١) ودليل ذلك قوله تعالى لنبيه وله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾(٢) وقول أبي بكررضي الله عنه: ((والله لومنعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله تقليل لقاتلتهم على منعه)) واتفق الصحابة على ذلك. ويجب على الإِمام أخذ الزكاة ممن وجبت عليهم، فقد صرح الشافعية بأنه يجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الصدقات، لأن النبي ◌َّ والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة، ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، ومنهم من يبخل. والوجوب هو أحد قولي المالكية، (٣) واحتجوا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ . والذين رخصوا للإِمام في عدم أخذ الزكاة من جميع الأموال أو من بعضها دون بعض، إنما هو إذا علم الإِمام أنهم إذا لم يأخذها منهم أخرجوها من عند أنفسهم، أما لو علم أن إنسانا من الناس أو جماعة منهم لا يخرجون الزكاة فيجب على الإِمام أخذها منهم ولو قهرا، كما (١) العناية على الهداية بهامش فتح القدير ٤٨٧/١ (٢) سورة التوبة / ١٠٣ (٣) المجموع ١٦٧/٦، ١٦٨، والدسوقي على الشرح الكبير ٤٤٣/١ تقدم، لأن الإِمامة لحراسة الدين وسياسة الدنيا، ومنع الزكاة هدم لركن من أركان الدین. (١) حكم دفع الزكاة إلى الإِمام العادل : ١٤٢ - المراد بالإِمام العادل هنا من يأخذ الزكاة بحقها، ويعطيها لمستحقها، ولو کان جائرا في غير ذلك على ما صرح به المالكية. ومن دفع زكاة ماله إلى الإِمام العادل جاز، وأجزأت عنه اتفاقا . ولو كان بإمكانه دفعها إلى الإِمام وتفريقها بنفسه فقد اختلف الفقهاء في ذلك : فذهب مالك وأبو حنيفة وأبو عبيد، وهو القديم من قولي الشافعي، إلى التفريق بين الأموال الظاهرة، وهي الزروع، والمواشي، والمعادن، ونحوها، وبين الأموال الباطنة وهي الذهب والفضة والتجارات. فأما الظاهرة فيجب دفعها إلى الإِمام، لأن أبا بكر طالبهم بالزكاة وقاتلهم عليها، ووافقه الصحابة على هذا، فليس للمزكي إخراجها بنفسه، حتى لقد صرح الشافعية بأنه لو أخرجها كذلك لم تجزئه. ولأن ما للإِمام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولى عليه، کولي اليتيم. (١) المغني ٢ /٥٧٢ - ٥٧٥، وشرح منتهى الإرادات ٤١٧/١ - ٣٠٤ - زكاة ١٤٢ وأما زكاة الأموال الباطنة فقال الحنفية : للإِمام طلبها، وحقه ثابت في أخذ الزكاة من کل مال تجب فيه الزكاة، للآیة. وما فعله عثمان رضي الله عنه أنه فوض إلى الملاك زكاة المال الباطن، فهم نوابه في ذلك، وهذا لا يسقط طلب الإِمام أصلا، ولهذا لوعلم أن أهل بلدة لا يؤدون زكاتهم طالبهم بها. فأما إذا لم يطلبها لم يجب الدفع إليه. (١) وقال المالكية والشافعية: زكاة الأموال الباطنة مفوضة لأربابها، فلرب المال أن يوصلها إلى الفقراء وسائر المستحقين بنفسه. (٢) وذهب الحنابلة، وهو الجديد المعتمد من قولي الشافعي: إلى أن الدفع إلى الإِمام غير واجب في الأموال الظاهرة والباطنة على السواء، فيجوز للمالك صرفها إلى المستحقين مباشرة، قياسا للظاهرة على الباطنة، ولأن في ذلك إيصال الحق إلی مستحقه الجائز تصرفه، فیجزئه، كما لودفع الدین إلى غريمه مباشرة، وأخذ الإِمام لها إنما هو بحكم النيابة عن مستحقها، فإذا دفعها إليهم جاز، لأنهم أهل رشد . ثم قال الشافعية في الأظهر: الصرف إلى (١) المغني ٢ / ٦٤١ - ٦٤٣، وفتح القدير والعناية ٤٨٧/١، ٤٨٨، والدسوقي ٥٠٣/١ (٢) الدسوقي ٤٣٢/١، والأحكام السلطانية للماوردي ص١١٣ القاهرة، مطبعة مصطفى الحلبي، ١٣٢٧هـ. الإِمام أفضل من تفريقها بنفسه، لأنه أعرف بالمستحقين، وأقدر على التفريق بينهم، وبه يبرأ ظاهرا وباطنا.(١) ثم قال الحنابلة: تفرقتها بنفسه، أولى وأفضل من دفعها إلى الإِمام، لأنه إيصال للحق إلى مستحقه، فيسلم عن خطر الخيانة من الإِمام أو عماله، ولأن فيه مباشرة تفريج كربة من يستحقها، وفيه توفير لأجز العمالة، مع تمكنه من إعطاء محاويج أقربائه، وذوي رحمه، وصلتهم بها، إلا أنه إن لم يثق بأمانة نفسه فالأفضل له دفعها إلى الساعي، لئلا يمنعه الشح من إخراجها . أما لو طلب الإِمام العادل الزكاة فإنه يجب الدفع إليه اتفاقا، وسواء كان المال ظاهرا أو باطنا، والخلاف في استحقاقه جمع زكاة المال الباطن لا یبیح معصيته في ذلك إن طلبه، لأن الموضع موضع اجتهاد، وأمر الإِمام يرفع الخلاف كحكم القاضي، كما هو معلوم من قواعد الشريعة . وصرح المالكية بأن الإِمام العدل إن طلبها فادعى المالك إخراجها لم يصدق. (٢) (١) المغني ٢ /٦٤٤، وشرح المنهاج ٤٢/٢، وتحفة المحتاج ٣٤٤/٣ (٢) الدسوقي ٥٠٣/١ - ٣٠٥ - زكاة ١٤٣ - ١٤٤ دفع الزكاة إلى الأئمة الجائرين، وإلى البغاة : ١٤٣ - إن أخذ الإِمام الجائر الزكاة قهرا أجزأت عن صاحبها . وكذا إن أكره الإِمام المزكي فخاف الضرر إن لم يدفعها إليه . واختلف الفقهاء فيمن كان قادرا على الامتناع عن دفعها إلى الإِمام الجائر، أو على إخفاء ماله، أو إنكار وجوبها عليه، أو نحو ذلك: فذهب الجمهور من الحنفية والمالكية إلى عدم جواز دفعها إلى الإِمام حينئذ، وأنها لا تجزىء عن دافعها على التفصيل التالي: فقال الحنفية: إذا أخذ الخوارج والسلاطين الجائرون زكاة الأموال الظاهرة كزكاة السوائم والزروع وما يأخذه العاشر، فإن صرفوه في مصارفه المشروعة فلا إعادة على المزكي، وإلا فعلى المزكي فيما بينه وبين الله تعالى إعادة إخراجها. وفي حالة كون الآخذ لها البغاة ليس للإِمام أن يطالب أصحاب الأموال بها، لأنه لم يحمهم من البغاة، والجباية بالحماية، ويفتى البغاة بأن يعيدوا ما أخذوه من الزكاة . وأما الأموال الباطنة فلا يصح دفعها إلى السلطان الجائر. (١) وقال المالكية: إن دفعها إلى السلطان الجائر (١) فتح القدير ٥١٢/١، وحاشية ابن عابدين ٢٤/٢، والفتاوى الهندية ١٩٠/١ اختيارا، فدفعها السلطان لمستحقها أجزات عنه، وإلا لم تجزئه. فإن طلبها الجائر فعلى ربها جحدها والهرب بها ما أمكن، فإن أكرهه جاز. وهذا إن كان جائرا في أخذها أو صرفها، وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. أما إن کان عادلا فيها وجائرا في غيرها، فيجوز الدفع إليه مع الكراهة . (١) أما الشافعية فذهبوا إلى أنه إن طلب الإِمام الجائر زكاة المال الباطن، فصرفها إليه أفضل، وكذا زكاة المال الظاهر سواء لم يطلبها أو طلبها، وفي التحفة إن طلبها وجب الدفع إليه. (٢) وذهب الحنابلة إلى أن دفع الزكاة إلى الإِمام الجائر والبغاة والخوارج إذا غلبوا على البلد جائز سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة . ويبرأ المزكي بدفعها إليهم، سواء صرفها الإِمام في مصارفها أولا . واحتجوا بما ورد في ذلك عن بعض الصحابة، منهم سعد بن أبي وقاص وجابر وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم. (٣) إرسال الجباة والسعاة لجمع الزكاة وصرفها : ١٤٤ - يجب على الإِمام أن يرسل السعاة لقبض الزكاة وتفريقها علی مستحقيها، وقد (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٥٠٢/١، ٥٠٤ (٢) القليوبي ٤٢/٢، ٤٣، وتحفة المحتاج ٣٤٤/٣، ومغني المحتاج ٤١٤/١ (٣) شرح منتهى الإِرادات ٤١٩/١، والمغني ٢ / ٦٤٤ - ٣٠٦ - ٠٠ زكاة ١٤٤ - ١٤٥ كان النبي ◌َ ليه يولي العمال ذلك ويبعثهم إلى أصحاب الأموال، فقد استعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عليها، وورد أنه استعمل ابن اللتبية . (١) وكذلك الخلفاء الراشدون کانوا یرسلون سعاتهم لقبضها. ويشترط في الساعي مايلي: ١ - أن يكون مسلما، فلا يستعمل عليها كافرا لأنها ولاية، وفيها تعظيم للوالي. ٢ - وأن يكون عدلا، أي ثقة مأمونا، لا يخون ولا يجور في الجمع، ولا يجابي في القسمة . ٣ - وأن يكون فقيها في أمور الزكاة، لأنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ، ويحتاج إلى الاجتهاد فیما یعرض له من وقائع الزكاة. ٤ - وأن يكون فيه الكفاية، وهي القدرة على القيام بالعمل وضبطه على الوجه المعتبر. ٥ - وأن لا يكون من آل البيت، وفي هذا الشرط اختلاف بين الفقهاء. ومعنی اشتراطه هنا عدم استحقاقه للأخذ منها مقابل عمله فيها، فلو عمل بلا أجر أو أعطي أجره من مال الفيء أو غيره جاز، و(ر: آل، جباية). والسعاة على الزكاة أنواع فمنهم الجابي : (١) استعماله ◌َّ لابن اللتبية. أخرج حديثه البخاري (الفتح ٢٢٠/٥ - ط السلفية) من حديث أبي حميد الساعدي، ومسلم (١٤٦٣/٣ - ط الحلبي). وهو القابض للزكاة، والمفرق: وهو القاسم، والحاشر: وهو الذي يجمع أرباب الأموال لتؤخذ منهم الزكاة، والكاتب لها.(١) وإن لم يكن هناك إمام، أو كان الإِمام لا يرسل السعاة لجبي الزكاة فيجب على أهل الأموال إخراجها وتفريقها على المستحقين، لأنهم أهل الحق فيها والإِمام نائب. (٢) موعد إرسال السعاة : ١٤٥ - الأموال قسمان : فما كان منها لا يشترط لزكاته الحول کالزروع والثمار والمعادن، فهذا يرسل الإِمام سعاته وقت وجوبها، ففي الزروع والثمار عند إدراكها بحيث يصلهم وقت الجذاذ والحصاد. وهذا في غير الخرص، أما الخارص فيرسل عند بدء ظهور الصلاح كما تقدم (وانظر مصطلح : خرص). وما كان يشترط فيه الحول كالمواشي : فذهب الشافعية إلى أنه يجب أن يعين لهم شهرا معينا من السنة القمرية يرسل إليهم فيه الساعي كل عام. (٣) (١) المجموع للنووي ١٦٧/٦ - ١٦٩، والقليوبي ٢٠٣/٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤٤٣/١، ٤٩٥، والمغني ٧٠٦/٢، وابن عابدين ٣٨/٢ (٢) المجموع ١٧٨/٦ (٣) المجموع ١٧٠/٦، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ١٥/٢ و ٢٠٣/٣ - ٣٠٧ - زكاة ١٤٦ - ١٤٧ حقوق العاملين على الزكاة : ١٤٦ - العامل على الزكاة يجوز إعطاؤه حقه من الزكاة نفسها بالشروط المتقدمة في الساعي . ويجوز إعطاؤه من بيت المال. ویتعین ذلك إن لم يكن من أهل الزكاة، كأن يكون من آل البيت على ما صرح به المالكية، أويكون العمل مما لا يحتاج إليه غالبا كالراعي والحارس والسائق على ما صرح به المالكية والشافعية، وقال الحنابلة: يعطى الراعي والحارس ونحوهما من الزكاة كغيرهم من العاملين . (١) وليس للساعي أن يأخذ من الزكاة لنفسه شيئا غير الأجر الذي يعطيه إياه الإِمام، لما في حدیث عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((من استعملناه منکم علی عمل فکتمنا مخيطا(٢) فما فوقه، كان غلولا يأتي به يوم القيامة)). (٣) وليس للساعي أن يأخذ شيئا من أهل الأموال باسم الهدية بسبب ولايته، وإن أخذه لم يحل له أن یکتمه ويستأثر به، لما ورد في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي ول# رجلا من الأزد يقال له ابن (١) حاشية الدسوقي ٤٩٥/١، وابن عابدين ٣٨/٢، والمغني ٦٥٤/٢ (٢) المخيط: الإِبرة (٣) حديث: ((من استعملناه منكم على عمل)) أخرجه مسلم (١٤٦٤/٣ - ط الحلبي) اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. قال: فهلا جلس في بيت أبيه - أو بيت أمه، فينظر أيهدی له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منكم شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعیرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر - ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه - اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، ثلاثا)).(١) دعاء الساعي للمزكي : ١٤٧ - إذا أخذ الساعي الزكاة استحب له أن يدعو للمالك، لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾(٢) ولما ورد من حديث عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: ((كان النبي ◌َّير إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: ((اللهم صل على آل فلان)) فأتاه أبي بصدقته، فقال: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)). (٣) وفي قول للشافعية: يجب ذلك، لظاهر الآية. ويقول: اللهم صل على آل فلان. وإن شاء دعا بغير (١) حديث أبي حميد الساعدي. أخرجه البخاري (الفتح ٢٢٠/٥ - ط السلفية)، ومسلم (١٤٦٣/٣ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري. (٢) سورة التوبة / ١٠٣ (٣) حديث: ((كان إذا أتاه قوم بصدقتهم)). أخرجه البخاري (الفتح ٣٦١/٣ - ط السلفية) - ٣٠٨ - زكاة ١٤٨ - ١٥٠ ذلك. وفي قول للشافعية: لا يدعو بالصلاة على آل المزكي، بل يدعو بغيرها، لأن الصلاة خاصة بالأنبياء. (١) ما يصنع الساعي بالممتنع عن أداء الزكاة : ١٤٨ - قال الشافعية: إن كان الساعي جائرا في أخذ الزكاة أو صرفها لم یکن له تعزیر من امتنع أو أخفى ماله أو غلب به، لأن الممتنع أو المخفي یکون بذلك معذورا. أما إن كان الساعي عادلا فإنه يأخذها من الممتنع أو المخفي، ويعزره ما لم يكن له فيما فعله شبهة معتبرة. (٢) ولو خرج على الإِمام قوم فلم يقدر الساعي على أخذ الزكاة منهم حتى مضت أعوام، ثم قدر علیهم، يؤخذون بزكاة ما وجد معهم حال القدرة عليهم لماضي الأعوام ولعام القدرة، وإن ادعوا أنهم أخرجوها يصدقون، لكن إن كان خروجهم لمنعها لا يصدقون على ما صرح به المالكية . (٣) ما يصنع الساعي عند اختلاف الحول على الملاك : (٤) ١٤٩ - قال النووي: إذا وصل الساعي إلى (١) المجموع ١٦٩/٦ - ١٧١، والمغني ٦٤٥/٢ (٢) المجموع ١٧٣/٦ (٣) الشرح الكبير للدردير ٤٤٧/١ (٤) ترى اللجنة أن هذه الصور إجرائية تختلف باختلاف = أرباب الأموال، فإن کان حول صاحب المال قد تم أخذ منه الزكاة، وإن كان حول بعضهم لم يتم سأله الساعي تعجيل الزكاة، ويستحب للمالك إجابته، فإن عجلها برضاه أخذها منه، وإلا لم يجبره، ثم إن رأى الساعي المصلحة في أن يوكل من يأخذها عند حلولها ويفرقها على أهلها فعل. وإن رأی أن يؤخرها ليأخذها منه في العام المقبل فعل، ویکتبھا کیلا ينساها أو يموت فلا يعلمها الساعي الذي بعده، وإن رأى أن يرجع في وقت حلوها ليأخذها فعل، وإن وثق بصاحب المال جاز أن يفوض إليه تفريقها . (١) وتقدم أن وصول الساعي شرط في وجوب الزكاة عند المالكية إن كان هناك ساع، فهو يحاسبهم على ما يملكونه يوم وصوله إليهم. (٢) حفظ الزكاة : ١٥٠ - على الساعي المحافظة على مال الزكاة . وهو أمانة في يده حتی یوصله إلى مستحقيه، أو یوصله إلى الإمام إن فضل منه شيء، وله في سبیل ذلك أن يتخذ حارسا أو راعيا ونحوهما. ومما ذكره الفقهاء من وسائل الحفظ وَسْم = الزمان والمكان ووسائل المواصلات والاتصالات وغيرها مما جد ومما سيجد. (١) المجموع ١٧٣/٦ (٢) الدسوقي والشرح الكبير ٤٤٧/١ - ٣٠٩ - زكاة ١٥١ - ١٥٣ بهائم الصدقة من الإِبل والبقر والغنم لتتميز عن غيرها، ولئلا تضيع، ويسمها بالنار بعلامة خاصة، كأن تكون علامة الوسم (لله) لما ورد في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ((وافيت النبي ◌ّ وبيده الميسم يسم إبل الصدقة))(١) ولآثار وردت من فعل عمر وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم . بيت مال الزكاة : ١٥١ - على الإِمام أن يتخذ بيتا لأموال الزكاة تحفظ فيه وتضبط إلى أن يتمكن من صرفها لأهلها. (٣) وتفصيل ذلك في مصطلح: ((بيت المال)) . تصرفات الساعي في الزكاة : ١٥٢ - إذا قبض الساعي الزكاة يفرقها على مستحقيها من أهل البلد التي جمعها فيها إن كان الإِمام أذن له في تفريقها، فلا ينقلها إلى أبعد من مسافة القصر، إلا أن يستغني عنها فقراء (١) حديث أنس: وافيت النبي ◌َّهر وبيده ميسم ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٦٦/٣ - ط السلفية) ومسلم (٤ /١٩٠٩ - ط الحلبي) ورواية مسلم مختصرة ليس فيها ((يسم إبل الصدقة)). (٢) المجموع للنووي ١٧٥/٦ - ١٧٧ (٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥٧/٢، و٢٨٢/٣، والأحكام السلطانية للماوردي ص٢١٤ ط ١٣٢٧هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٣، ٢٤ نشر حامد الفقي، والدسوقي ٤٩٥/١ البلد، وقد ورد أن عمر بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن، فبعث إليه من الصدقة، فقال له: إني لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم. فقال معاذ: أنا ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني)). (١) فلو نقلها في غير تلك الحال ففيه خلاف یأتي . وليس للساعي أن يأخذ من الزكاة لنفسه على أنه أحد أصناف أهل الزكاة، كما لو كان غارما أو فقيرا. ولا يأخذ إلا ما أعطاه الإِمام على ما صرح به المالكية، لأنه يقسم فلا يحكم لنفسه . ١٥٣ - وإذا تلف من مال الزكاة شيء في يد الإِمام أو الساعي ضمنه إن كان ذلك بتفريط منه بأن قصر في حفظه، وكذا لو عرف المستحقين وأمكنه التفريق عليهم فلم يفعل حتى تلفت، لأنه متعد بذلك، فإن لم يتعد ولم يفرط لم يضمن. (٢) قال النووي : ينبغي للإِمام والساعي وكل من يفوض إليه أمر تفريق الصدقات أن يعتني بضبط المستحقين، ومعرفة أعدادهم، وأقدار حاجاتهم، بحيث يقع الفراغ من جمع (١) المغني ٦٧٢/٢، ٦٧٣، والمجموع ١٧٤/٦ (٢) المجموع ١٧٥/٢، والشرح الكبير والدسوقي ٤٩٥/١ - ٣١٠ - زکاة ١٥٤ - ١٥٥ الصدقات بعد معرفتهم أومعها، ليعجل حقوقهم، وليأمن هلاك المال عنده. (١) وتصرف الزكاة في الأصناف الثمانية، ولا يجوز صرفها إلا لمن جمع شروط الاستحقاق، ويأتي بيان ذلك بالتفصيل . ١٥٤ - وإذا أخذ الإِمام أو الساعي الزكاة فاحتاج إلى بيعها لمصلحة، من كلفة في نقلها، أو مرض البهيمة أو نحوذلك جاز، أما إذا باعها لغير ذلك فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم الجواز، والبيع باطل، وعليه الضمان إن تلف، وذلك لأن أهل الزكاة أهل رشد لا ولاية عليهم، فلم يجز بيع مالهم بغير إذنهم. وفي احتمال عند الحنابلة يجوز ذلك، لما ورد عن قيس بن أبي حازم أن النبي وقال ﴾ ((رأى في إِیل الصدقة ناقة كوماء، فسأل عنها، فقال المصدق: إني ارتجعتها بابل، فسكت))(٢) قال أبو عبيد: الرجعة أن يبيعها ويشتري بثمنها مثلها أو غيرها. (٣) نصب العشارين : ١٥٥ - ينصب الإِمام على المعابر في طرق الأسفار عشارين للجباية ممن يمر عليهم بالمال (١) روضة الطالبين ٣٣٧/٢ (٢) حديث قيس بن أبي حازم أن النبي # رأى في إبل الصدقة ... )) عزاه ابن قدامة في المغني (٢ / ٦٧٤ - ط الرياض) إلى أبي عبيد القاسم بن سلام. (٣) المغني ٦٧٤/٢، والمجموع ١٧٥/٦، ١٧٨ من المسلمين وأهل الذمة وأهل الحرب إذا أتوا بأموالهم إلى بلاد الإسلام، فيأخذ من أهل الإِسلام ما يجب عليهم من زكاة، ويأخذ من أهل الذمة نصف العشر، ويأخذ من أهل الحرب العشر. والذي يأخذه من أهل الذمة وأهل الحرب فيء حكمه حكم الجزية يصرف في مصارف الفيء، وينظر تفصيله في مصطلح : (عشر). أما ما يأخذه من أهل الإِسلام فهو زكاة يشترط له ما يشترط في سائر الأموال الزكوية ويصرف في مصارف الزكاة، إلا أن هذا النوع من المال وإن کان في الأصل مالا باطنا لكنه لما انتقل صاحبه به في البلاد أصبح في حكم المال الظاهر على ما صرح به ابن عابدين، ولذا كانت ولاية قبض زكاته إلى الإمام، كالسوائم والزروع. وصرح الحنفية بتحليف من يمر على العاشر إن أنكر تمام الحول على ما بيده، أوادعى أن عليه دينا يسقط الزكاة، فإن حلف فالقول قوله، وكذا إن قال أديتها إلى عاشر آخر وأخرج براءة (إيصالا رسميا بها)، وكذا إن قال أديتها بنفسي إلى الفقراء في المصر. ويشترط أن یکون ما معه نصابا فأكثر حتى يجب الأخذ منه، فإن کان معه أقل من نصاب وله في المصر ما يكمل به النصاب فلا ولاية - ٣١١ - زكاة ١٥٦ - ١٥٧ للعاشر على الأخذ منه، لأن ولايته على الظاهر فقط . ويشترط في العاشر ما يشترط في الساعي كما تقدم وأن يأمن المسافرون بحمايته من اللصوص. (١) القسم الخامس : مصارف الزكاة : ١٥٦ - مصارف الزكاة محصورة في ثمانية أصناف . والأصناف الثمانية قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم). (٢) و((إنما)) التي صدرت بها الآية أداة حصر، فلا يجوز صرف الزكاة لأحد أو في وجه غیر داخل في هذه الأصناف، وقد أكد ذلك ما ورد ((أن رسول الله ◌َ﴿ أتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال: إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتی حکم فيها هو فجزأها ثمانية، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك)). (٣) (١) فتح القدير ٥٣٠/١ -٥٣٢، وابن عابدين ٣٨/٢ (٢) سورة التوبة / ٦٠ (٣) حديث: ((إن الله لم يرض بحكم نبي ... )) أخرجه أبوداود (٢٨١/٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال = ومن كان داخلا في هذه الأصناف فلا يستحق من الزكاة إلا بأن تنطبق عليه شروط معينة تأتي بعد بيان الأصناف. بيان الأصناف الثمانية : الصنفان الأول والثاني: الفقراء والمساكين: ١٥٧ - الفقراء والمساكين هم أهل الحاجة الذين لا يجدون ما يكفيهم، وإذا أطلق لفظ (الفقراء) وانفرد دخل فیھم (المساکین)، وكذلك عكسه، وإذا جمع بينهما في كلام واحد، كما في آية مصارف الزكاة، تمیز كل منهما بمعنى . وقد اختلف الفقهاء في أيهما أشد حاجة، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الفقير أشد حاجة من المسكين، واحتجوا بأن الله تعالى قدم ذكرهم في الآية، وذلك يدل على أنهم أهم وبقوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾. (١) فأثبت لهم وصف المسكنة مع كونهم يملكون سفينة ويحصلون نولا ، واستأنسوا لذلك أيضا بالاشتقاق، فالفقيرلغة: فعيل بمعنى مفعول، وهو من نزعت بعض فقار صلبه، فانقطع ظهره، = المنذري: ((في إسناده عبدالرحمن بن زيادبن أنعم الإفريقي، وقد تكلم فيه غیر واحد» کذا في مختصر السنن (٢٣١/٢ - نشر دار المعرفة). (١) سورة الكهف / ٧٩ - ٣١٢ - زکاة ١٥٨ - ١٥٩ والمسكين مفعيل من السكون، ومن کسر صلبه أشد حالا من الساكن. وذهب الحنفية والمالكية إلى أن المسكين أشد حاجة من الفقير، واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿أو مسكينا ذا متربة﴾. (١) وهو المطروح على التراب لشدة جوعه، وبأن أئمة اللغة قالوا ذلك، منهم الفراء وثعلب وابن قتيبة، وبالاشتقاق أيضا، فهو من السكون، كأنه عجز عن الحركة فلا يبرح. ونقل الدسوقي قولا أن الفقير والمسكين صنف واحد، وهو من لا يملك قوت عامه، سواء كان لا يملك شيئا أو یملك أقل من قوت العام . (٢) ١٥٨ - واختلف الفقهاء في حد كل من الصنفين : فقال الشافعية والحنابلة: الفقيرمن لا مال له ولا کسب یقع موقعا من حاجته، کمن حاجته عشرة فلا يجد شيئا أصلا، أويقدر بماله وكسبه وما يأتيه من غلة وغيرها على أقل من نصف کفایته. فإن کان يجد النصف أو أكثر ولا يجد كل العشرة فمسكين. وقال الحنفية والمالكية: المسكين من لا يجد شيئا أصلا فيحتاج للمسألة وتحل له. (١) سورة البلد/١٦ (٢) المغني ٤٢٠/٦، وفتح القدير ١٥/٢، ١٦، والدسوقي على الشرح الكبير ٤٩٢/١، والمحلي على المنهاج ١٩٦/٣ واختلف قولهم في الفقير: فقال الحنفية: الفقيرمن له أدنى شيء وهو ما دون النصاب، فإذا ملك نصابا من أي مال زکوي فهو غني لا يستحق شيئا من الزكاة، فإن ملك أقل من نصاب فهو غیر مستحق، وكذا لو ملك نصابا غيرنام وهو مستغرق في الحاجة الأصلية، فإن لم يكن مستغرقا منع، كمن عنده ثياب تساوي نصابا لا يحتاجها، فإن الزكاة تکون حراما علیه، ولو بلغت قيمة ما يملكه نُصُبا فلا يمنع ذلك كونه من المستحقين للزكاة إن كانت مستغرقة بالحاجة الأصلية كمن عنده کتب يحتاجها للتدریس، أو آلات حرفة، أو نحو ذلك. وقال المالكية: الفقير من يملك شيئا لا یکفیه لقوت عامه . (١) الغنى المانع من أخذ الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة : ١٥٩ - الأصل أن الغني لا يجوز إعطاؤه من الزكاة، وهذا اتفاقي، لقول النبي وقال: ((لا حظ فيها لغني)) .(٢) ولكن اختلف في الغنى المانع من أخذ الزكاة : (١) فتح القدير ١٥/٢، والدسوقي ٤٩٣/١ (٢) حديث: ((لا حظ فيها لغني ... )) أخرجه أبوداود (٢٨٥/٢ - تحقیق عزت عبید دعاس) من حدیث = - ٣١٣ - زكاة ١٥٩ - ١٦٠ فقال الجمهور من المالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد قدمها المتأخرون من أصحابه : إن الأمر معتبر بالکفایة، فمن وجد من الأثمان أو غيرها ما يكفيه ويكفي من يمونه فهو غني لا تحل له الزكاة، فإن لم يجد ذلك حلت له ولو كان ما عنده يبلغ نصبا زكوية، وعلى هذا، فلا يمتنع أن يوجد من تجب عليه الزكاة وهو مستحق للزكاة . وقال الحنفية: هو الغنى الموجب للزكاة، فمن تجب عليه الزكاة لا يحل له أن يأخذ الزكاة، لقول النبي وَله: ((إن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)). (١) ومن ملك نصابا من أي مال زکوي كان فهو غني، فلا يجوز أن تدفع إليه الزكاة ولو كان ما عنده لا یکفیه لعامه، ومن لم يملك نصابا كاملا فهو فقير أو مسكين، فيجوز أن تدفع إليه الزكاة، كما تقدم . وفي رواية أخرى عند الحنابلة عليها ظاهر المذهب: إن وجد کفایته، فهو غني، وإن لم يجد وكان لديه خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب خاصة، فهو غني كذلك ولو كانت لا تكفیه، = عبيد اللهبن عديبن الخیار، وصححه ابن عبدالهادي کما في نصب الراية (٤٠١/٢ - ط المجلس العلمي). (١) حديث: ((إن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٥٧/٣ - ط السلفية) من حديث ابن عباس. حدیث «من سأل الناس وله ما یغنیه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح. قالوا يارسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب)). (١) وإنما فرقوا بين الأثمان وغيرها اتباعا للحديث. (٢) وفيما يلي تفصيل فروع هذه المسألة: إعطاء الزكاة لمن لا يملك مالا وله مورد رزق: ١٦٠ - من لم یکن له مال أو له مال لا يكفيه فإنه يستحق من الزكاة عند الجمهور، إلا أنّ من لزمت نفقته مليئا من نحو والد لا يعطى من الزكاة، وكذا لا تعطى الزوجة لاستغنائها بإنفاق زوجها عليها. ومن له مرتب يكفيه لم يجز إعطاؤه من الزكاة. وكذا من كان له صنعة تکفیه وإن کان لا يملك في الحال مالا . فإن كان واحد من هذه الأسباب يأتيه منه أقل من كفايته يجوز إعطاؤه تمام الكفاية. (٣) ونقل النووي أن من له ضيعة تغل بعض كفايته أنه لا يلزمه بيعها لتحل له الزكاة، (١) حديث: ((من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته ... )) أخرجه الترمذي (٣٢/٣ - ط الحلبي) من حديث ابن مسعود، وقال: ((حديث حسن)). (٢) فتح القدير ٢٧/٢، والإنصاف ٢٢٣/٣، وشرح منتهى الإِرادات ١ / ٤٢٤، ٤٢٥ (٣) الشرح الكبير والدسوقي ٤٩٢/١، ٤٩٣، وشرح المنهاج ١٩٦/٣، والمجموع ١٩١/٦، والمغني ٤٢٤/٦ - ٣١٤ - زكاة ١٦٠ - ١٦١ وكذلك آلات المحترفين وكسب العالم.(١) وقال الحنفية: يجوز دفع الزكاة إلى من عنده دخل سنوي أو شهري أویومي من عقار أو نحو ذلك، إن لم يملك نصابا زكويا، ويجوز دفعها إلى الولد الذي أبوه غني إن کان الولد کبیرا فقيرا، سواء كان ذكرا أو أنثى، لأنه لا يعد غنيا بیسار أبیه وإن كانت نفقته علیه، أما الولد الصغير الذي أبوه غني فلا تدفع إليه الزكاة لأنه يعد غنیا بیسار أبيه، وسواء كان الصغير في عيال أبيه أم لا . وكذا قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز دفع الزكاة إلى رجل فقيرله ابن موسر. وقال أبو يوسف: إن كان الأب في عيال الابن الموسر لا يجوز، وإن لم یکن جاز. قالوا: وكذلك المرأة الفقيرة إن كان لها زوج غني يجوز إعطاؤها من الزكاة، لأنها لا تعد غنية بيسار زوجها، وبقدر النفقة لا تصير موسرة، واستيجابها النفقة بمنزلة الأجرة. (٢) ومن کان مستغنیا بأن تبرع أحد من الناس بأن ينفق عليه، فالصحيح عند الحنابلة أنه يجوز إعطاؤه من الزكاة، ويجوز للمتبرع بنفقته أن يدفع إليه من الزكاة ولو كان في عياله، لدخوله في أصناف الزكاة، وعدم وجود نص أو إجماع يخرجه من العموم . (٣) (١) المجموع ١٩٢/٦ (٢) فتح القدير ٢٣/٢، ٢٤ (٣) المغني ٢/ ٦٥١ إعطاء الفقير والمسكين القادرين على الكسب: ١٦١ - من كان من الفقراء والمساكين قادرا على کسب کفایته وکفایة من یمونه، أو تمام الكفاية، لم يحل له الأخذ من الزكاة، ولا يحل للمزكي إعطاؤه منها، ولا تجزئه لو أعطاه وهو يعلم بحاله، لقول النبي صل﴾ في الصدقة: ((لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب)). (١) وفي لفظ ((لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي)). (٢) وهذا مذهب الشافعية والحنابلة . وقال الحنفية: يجوز دفع الزكاة إلى من يملك أقل من نصاب، وإن کان صحیحا مکتسبا، لأنه فقير أو مسکین، وهما من مصارف الزكاة، ولأن حقيقة الحاجة لا يوقف عليها، فأدير الحكم على دليلها، وهو فقد النصاب. واحتجوا بما في قصة الحديث المذكور سابقا، وهي أن النبي لي كان يقسم الصدقات فقام إلیه رجلان يسألانه، فنظر إليهما فرآهما جلدین فقال: ((إنه لا حق لكما فيه وإن شئتما (١) قوله ◌َير في الصدقة: ((لا حظ فيها لغني ولا لقوي مکتسب)). أخرجه أبوداود (٢٨٥/٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبيدالله بن عدي بن الخيار، وصححه ابن عبدالهادي کما في نصب الراية (٢ / ٤٠١ - ط المجلس العلمي). (٢) حديث: ((لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي)). أخرجه ابن ماجه (٥٨٩/١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال ابن عبدالهادي في التنقيح: ((رواته ثقات))، كذا في نصب الراية (٣٩٩/٢ - ط المجلس العلمي). - ٣١٥ - .... ٠٠ زكاة ١٦٢ - ١٦٤ أعطيتكما)). (١) لأنه أجاز إعطاءهما، وقوله: ((لا حق لكما فيه)) معناه لا حق لكما في السؤال. (٢) ومثله قول المالكية المعتمد عندهم، إلا أن الحد الأدنى الذي يمنع الاستحقاق عندهم هو ملك الكفاية لا ملك النصاب، كما عند الحنفية . (٣) إعطاء الزكاة لمن له مال أو كسب وامتنع عنه ماله أو كسبه : ١٦٢ - من كان عنده مال یکفیه فلا يستحق من الزكاة، لکن إن کان ماله غائبا أو کان دینا مؤجلا، فقد صرح الشافعية بأنه لا يمنع ذلك من إعطائه ما یکفیہ إلی أن یصل إلی ماله أو يحل الأجل . (٤) والقادر على الكسب إن شغله عن الكسب طلب العلم الشرعي لم يمنع ذلك من إعطائه من الزكاة، لأن طلب العلم فرض كفاية بخلاف التفرغ للعبادة. واشترط بعض (١) حديث: ((أن النبي ◌َ﴾ كان يقسم الصدقات فقام إليه رجلان ... )) تقدم تخريجه بهذا المعنى ف / ١٥٦ (٢) فتح القدير ٢٨/٢، والمغني ٤٢٣/٦، والمحلي على المنهاج ١٩٦/٣، والمجموع ١٩٠/٦ (٣) الدسوقي ١ / ٤٩٤ (٤) شرح المحلي على المنهاج ١٩٦/٣ الشافعية في طالب العلم أن یکون نجیبا یرجی نفع المسلمين بتفقهه . ومن كان قادرا على كسب لكن ذلك الکسب لا یلیق به، أویلیق به لکن لم يجد من یستأجره، لم يمنع ذلك استحقاقه من الزكاة . (١) جنس الكفاية المعتبرة في استحقاق الزكاة : ١٦٣ - الكفاية المعتبرة عند الجمهور هي للمطعم والمشرب والمسكن وسائرما لابد منه على ما يليق بالحال من غير إسراف ولا تقتير، للشخص نفسه ولمن هو في نفقته. وصرح المالكية وغيرهم بأن مال الزكاة إن كان فيه سعة يجوز الإِعانة به لمن أراد الزواج. (٢) القدر الذي يعطاه الفقير والمسكين من الزكاة : ١٦٤ - ذهب الجمهور (المالكية وهو قول عند الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة) إلى أن الواحد من أهل الحاجة المستحق للزكاة بالفقر أو المسكنة یعطی من الزكاة الكفاية أو تمامها له ومن یعوله عاما كاملا، ولا یزاد علیه، إنما حددوا (١) شرح المحلي على المنهاج ١٩٦/٣، والمجموع ١٩١/٦، وشرح منتهى الإرادات ٤٢٥/١، والإنصاف ٢١٩/٣، وحاشية ابن عابدين ٥٩/٢ (٢) شرح المحلي على المنهاج ١٩٦/٣، والمجموع ١٩١/٦، والدسوقي ٤٩٤/١ - ٣١٦ - زکاة ١٦٤ - ١٦٥ العام لأن الزكاة تتكرر كل عام غالبا، ولأن ((النبي ﴾ ادخر لأهله قوت سنة)). (١) وسواء کان مایکفيه يساوي نصابا أو نصبا. وإن كان يملك أو يحصل له بعض الكفاية أعطي تمام الكفاية لعام. وذهب الشافعية في قول منصوص والحنابلة في رواية إلى أن الفقير والمسكين يُعطيان ما يخرجهما من الفاقة إلى الغنى وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام، لحديث قبيصة مرفوعا ((إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة : رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتی یصیب قواما من عیش، أو قال: سدادا من عیش .. )) الحديث. (٢) قالوا: فإن كان من عادته الاحتراف أعطي ما يشتري به أدوات حرفته قَلَّت قيمتها أو کثرت بحیث یحصل له من ربحه مایفي بکفایته غالبا تقريبا، وإن كان تاجرا أعطي بنسبة ذلك، وإن كان من أهل الضياع يشترى له ضيعة تكفيه غلتها على الدوام. قال بعضهم: يشتريها له (١) حديث: ((أن النبي ◌َّفي ادخر لأهله قوت سنة)) ورد من حديث عمربن الخطاب، أخرجه البخاري (الفتح ٥٠١/٩ - ٥٠٢ - ط السلفية) ومسلم (١٣٧٨/٣ - ط الحلبي). (٢) حديث: ((إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ... )) أخرجه مسلم (٧٢٢/٢ - ط الحلبي). الإِمام ويلزمه بعدم إخراجها عن ملكه. وذهب الحنفية إلی ان من لا يملك نصابا زكويا كاملا يجوز أن يدفع إليه أقل من مائتي درهم أو تمامها. ویکره أكثر من ذلك، وقال زفر لا يجوز تمام المائتين أو أكثر. وهذا عند الحنفية لمن لم یکن له عیال ولا دين علیه، فإن كان له عیال فلكل منهم مائتا درهم، والمدين يعطى لدينه ولو فوق المائتين كما يأتي في الغارمين. (١) إثبات الفقر : ١٦٥ - إذا ادعى رجل صحيح قوي أنه لا يجد مكسبا يجوز أن يعطى من الزكاة إن كان مستور الحال، ويقبل قوله بغيريمين، لقول النبي مَليقول كما في الحديث المتقدم: ((إن شئتما أعطيتكم))(٢) لكن من علم كذبه بيقين لم يصدق ولم يجز إعطاؤه من الزكاة . وإن ادعى أن له عيالا وطلب من الزكاة لأجلهم، فعند الشافعية والحنابلة لا يقبل قوله إلا ببينة، لأن الأصل عدم العيال، ولا تتعذر إقامة البينة على ذلك. (١) فتح القدير والعناية ٢٨/٢، وشرح منتهى الإرادات والإنصاف ٢٣٨/٣، والمغني ٦٦٥/٦، والدسوقي ٤٩٤/١، والمجموع ١٩٤/٦ (٢) حديث: ((إن شئتما أعطيتكم)). تقدم تخريجه بهذا المعنى ف/١٥٦ - ٣١٧ - زكاة ١٦٦ وكذا من كان معروفا باليسار لا يعطى من الزكاة، لکن إن ادعی أن ماله تلف أو فقد كلف البينة على ذلك. واختلف قول الحنابلة في عدد البينة، فقيل: لابد من ثلاثة، لما ورد في حديث قبيصة أن النبي وق لي قال له: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. ثم قال: ياقبيصة: إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ... )) وذكر منهم: «رجل أصابته فاقة حتی یقوم له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أوقال: سدادا من عيش)). (١) وقيل عندهم: يقبل قول اثنين فقط كسائر الحقوق، والحديث وارد في المسألة، لا في الإعطاء دون مسألة. (٢) ء الصنف الثالث: العاملون على الزكاة : ١٦٦ - يجوز إعطاء العاملين على الزكاة منها . ويشترط في العامل الذي يعطى من الزكاة شروط تقدم بيانها . ولا يشترط فيمن يأخذ من العاملين من الزكاة الفقر، لأنه يأخذ بعمله لا لفقره . وقد قال النبي قدير: ((لا تحل الصدقة لغني إلا (١) حديث: ((إن النبي ◌َّر قال لقبيصة: أقم حتى تأتينا ... )) تقدم تخريجه ف/ ١٦٥ (٢) المغني ٦٦٣/٢، ٤٢٣/٦، والإنصاف ٢٤٥/٣، ونيل المآرب - باب الشهادات، والمجموع ١٩٥/٦ لخمسة ... )) فذكر منهم ((العامل عليها)).(١) قال الحنفية: يدفع إلى العامل بقدر عمله فیعطیه ما يسعه ویسع أعوانه غیر مقدر بالثمن، ولا يزاد على نصف الزكاة التي يجمعها وإن كان عمله أکثر. وقال الشافعية والحنابلة: للإِمام أن يستأجر العامل إجارة صحيحة بأجر معلوم، إما على مدة معلومة، أو عمل معلوم. ثم قال الشافعية: لا يعطى العامل من الزكاة أکثر من ثمن الزكاة، فإن زاد أجره على الثمن أتم له من بيت المال. وقيل من باقي السهام . ويجوز للإِمام أن يعطيه أجره من بيت المال. وله أن يبعثه بغير إجارة ثم يعطيه أجر المثل. وإن تولى الإِمام، أووالي الإِقليم أو القاضي من قبل الإِمام أو نحوهم أخذ الزكاة وقسمتها لم یجز أن يأخذ من الزكاة شيئا، لأنه یأخذ رزقه من بیت المال وعمله عام . (٢) (١)) حديث: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة ... فذكر منهم العامل عليها)). أخرجه ابن ماجه (١ / ٥٩٠ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، وأورده ابن حجر في التلخيص (١١١/٣ - ط شركة الطباعة الفنية) وقال: صححه جماعة. (٢) فتح القدير ١٦/٢، والدسوقي ٤٩٥/١، والمغني ٤٢٥/٦، ٤٢٦، ٦٥٤/٢، والمجموع ١٦٨/٦، ١٨٧، والمنهاج وشرحه وحاشية القليوبي ١٩٦/٣ - ٣١٨ - زكاة ١٦٧ - ١٦٨ الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم : ... ١٦٧ - اختلف الفقهاء في صنف المؤلفة قلوبهم : فالمعتمد عند كل من المالكية والشافعية والحنابلة أن سهم المؤلفة قلوبهم باق لم يسقط. وفي قول عند كل من المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة: أن سهمهم انقطع لعز الإِسلام، فلا يعطون الآن، لكن إن احتيج لاستئلافهم في بعض الأوقات أعطوا. قال ابن قدامة: لعل معنى قول أحمد: انقطع سهمهم، أي لا يحتاج إليهم في الغالب، أو أراد أن الأئمة لا يعطونهم اليوم شيئا، فأما إن احتيج إلى إعطائهم جاز الدفع إليهم، فلا يجوز الدفع إليهم إلا مع الحاجة. وقال الحنفية: انعقد الإِجماع على سقوط سهمهم من الزكاة(١) لما ورد أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءا يطلبان من أبي بكر أرضا، فكتب لهما بذلك، فمرا على عمر، فرأى الكتاب فمزقه، وقال: هذا شيء كان رسول الله ێ﴾ یعطیکموه لیتألفكم، والآن قد أعز الله الإِسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم على الإِسلام، وإلا فبيننا وبینکم السیف، فرجعا إلى أبي بكر، فقالا، ما ندري : الخليفة أنت أم (١) فتح القدير ١٤/٢، والمغني ٤٢٧/٦، والدسوقي ٤٩٥/١ عمر؟ فقال: هو إن شاء، ووافقه. ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك. (١) ١٦٨ - ثم اختلفوا : ففي قول للمالكية: المؤلفة قلوبهم كفار يعطون ترغيبا لهم في الإِسلام لأجل أن يعينوا المسلمين، فعليه لا تعطى الزكاة لمن أسلم فعلا . وقال الشافعية: لا يعطى من هذا السهم لكافر أصلا، لأن الزكاة لا تعطى لكافر، للحديث: ((تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم))(٢) بل تعطى لمن أسلم فعلا، وهناك أقوال أخرى للشافعية . وقال الحنابلة: يجوز الإِعطاء من الزكاة للمؤلف مسلما کان أو كافرا . وعند كل من الشافعية والمالكية أقوال بمثل هذا. قال ابن قدامة: المؤلفة قلوبهم ضربان: كفار ومسلمون، وهم جميعا السادة المطاعون في قومهم وعشائرهم . ثم ذكر المسلمين منهم فجعلهم أربعة أضرب : ١ - سادة مطاعون في قومهم أسلموا ونيتهم (١) الأثر: أخرجه البيهقي (٢٠/٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) بلفظ مقارب. (٢) حديث: ((تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)). تقدم تخريجه ف/٣٣ - ٣١٩ - زكاة ١٦٩ ضعيفة فيعطون تثبيتا لهم. ٢ - قوم لهم شرف ورياسة أسلموا ويعطون لترغيب نظرائهم من الكفار ليسلموا . ٣ - صنف يراد بتألفهم أن يجاهدوا من يليهم من الكفار، ويحموا من يليهم من المسلمين. ٤ - صنف يراد بإعطائهم من الزكاة أن يحبوا الزكاة ممن لا يعطيها . ثم ذكر ابن قدامة الكفار فجعلهم ضربين : ١ - من يرجى إسلامه فيعطى لتميل نفسه إلى الإِسلام. ٢ - من يخشى شره ويرجى بعطيته كف شره وكف غيره معه . (١) الصنف الخامس: في الرقاب: ١٦٩ - وهم ثلاثة أضرب: الأول: المكاتبون المسلمون: فيجوز عندالجمهور الصرف من الزكاة إليهم، إعانة لهم على فك رقابهم ولم يجز ذلك مالك، كما لم يجز صرف شيء من الزكاة في إعتاق من انعقد له سبب حرية بغير الكتابة، كالتدبير والاستيلاد والتبعيض. فعلى قول الجمهور: إنما يعان المكاتب إن لم يكن قادرا على الأداء لبعض ما وجب عليه، (١) المغني ٤٢٧/٦ - ٤٢٩، والقليوبي على شرح المنهاج ١٩٦/٣، ١٩٨، والروضة ٣١٤/٢، والأحكام السلطانية ص١٢٢، والدسوقي ٤٩٥/١ فإن كان لا يجد شيئا أصلا دفع إليه جميع ما يحتاج إليه للوفاء. الثاني : إعتاق الرقیق المسلم، وقد ذهب إلى جواز الصرف من الزكاة في ذلك المالكية وأحمد في رواية، وعليه فإن كانت الزكاة بيد الإِمام أو الساعي جازله أن يشتري رقبة أورقابا فیعتقهم، وولا ؤهم للمسلمین. وكذا إن كانت الزكاة بيد رب المال فأراد أن يعتق رقبة تامة منها، فيجوز ذلك لعموم الآية ﴿وفي الرقاب﴾(١) ويكون ولاؤها عند المالكية للمسلمين أيضا، وعند الحنابلة: ما رجع من الولاء ردّ في مثله، بمعنی أنه يشترى بما تركه المعتق ولا وارث له رقاب تعتق. وعند أبي عبيد: الولاء للمعتق . وذهب الحنفية والشافعية وأحمد في رواية أخرى إلى أنه لا يعتق من الزكاة، لأن ذلك كدفع الزكاة إلى القنّ، والقن لا تدفع إليه الزكاة، ولأنه دفع إلى السيد في الحقيقة، وقال الحنفية: لأن العتق إسقاط ملك، ولیس بتمليك، لكن إن أعان من زكاته في إعتاق رقبة جاز عند أصحاب هذا القول من الحنابلة . (٢) الثالث: أن يفتدي بالزكاة أسيرا مسلما من (١) سورة التوبة/ ٦٠ (٢) فتح القدير ١٧/٢، والمغني ٦/ ٤٣١، ٤٣٢. والحطاب والمواق ٢/ ٣٥٠، والزرقاني ١٧٨/٢، والدسوقي ١ / ٤٩٦، والقليوبي على شرح المنهاج ١٩٧/٣، والمجموع ٦/ ٢٠٠، وكشاف القناع ٢/ ٢٨٠ - ٣٢٠ -