النص المفهرس
صفحات 281-300
زكاة ١٠٠ - ١٠٢ القدیم، ورواية عن أحمد، وهو مروي عن ابن عباس ، لقوله تعالى : ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾(١) بعد أن ذكر الزيتون في أول الآية. ولأنه یمکن ادخار غلته فأشبه التمر والزبيب. وذهب الشافعية في الجديد وأحمد في الرواية الأخری إلی أنه لا زکاة في الزیتون لأنه لا يدخر يابسا، فهو كالخضروات. (٢) شروط وجوب الزكاة في الزروع والثمار: ١٠٠ - لا يشترط الحول في زكاة الزروع والثمار اتفاقا، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾(٣) ولأن الخارج نماء في ذاته فوجبت فيه الزكاة فورا كالمعدن، بخلاف سائر الأموال الزكوية فإنما اشترط فيها الحول ليمكن فيه الاستثمار. (٤) ويشترط لوجوب الزكاة في الزروع والثمار مایلی : الشرط الأول النصاب: ونصابها خمسة أوسق(٥) عند الجمهور، وبه قال صاحبا أبي حنيفة في ما يوسق، لما في حديث: ((ليس فيما (١) سورة الأنعام /١٤١ (٢) المغني ٦٩٤/٢، وشرح المنهاج ١٦/٢، والشرح الكبير للدردير ٤٤٧/١ (٣) سورة الأنعام /١٤١ (٤) المغني ٦ /٦٩٦ (٥) قال الخليل: الوسق: حمل البعير، والوقر: حمل الحمار أو البغل (اللسان) وأوسق البعير ووسقه حمله. دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة))(١) والوسق لغة: حمل البعير، وهو في الحنطة والعدس ونحوهما ستون صاعا (٢) بصاع النبي (وينظر تحرير مقدار الصاع في مصطلح : مقادير) فالنصاب ثلاثمائة صاع . وقال أبو حنيفة: لا يشترط نصاب لزكاة الزروع والثماربل هي واجبة في القليل والكثير ما لم يكن أقل من نصف صاع. (٣) النصاب فيما لا يكال : ١٠١ - ذهب أبو يوسف إلى أن ما لا يوسق فنصابه بالقیمة، فإن بلغت قيمته قیمة أدنی نصاب مما يوسق ففيه الزكاة، وإلا فلا. وذهب محمد إلى أن نصابه خمسة أمثال ما يقدر به، ففي القطن خمسة أحمال، وفي العسل خمسة أفراق، وفي السكر خمسة أمناء. (٤) وفي النصاب مسائل : أ - ما يضم بعضه إلى بعض لتكميل النصاب: ١٠٢ - تضم أنواع الجنس الواحد لتكميل (١) حديث: ((ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة)). تقدم تخريجه ف/٩٨ (٢) الصاع مكيال يتسع لما مقداره ٢,١٧٠ كيلو غراما من القمح ونحوه، فنصاب القمح ونحوه ٦٥٣ كيلو جراما (فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي ٣٧٣/١) (٣) ابن عابدين ٤٩/٢ (٤) ابن عابدين ٤٩/١ - ٢٨١ - زكاة ١٠٢ - ١٠٣ النصاب، كأنواع التمر وإن اختلفت أسماؤها لأنها کلها تمر، وصرح الشافعية بأنه يؤخذ من كل نوع بقسطه، فإن شق أخرج من الوسط .. ویضم الجید من الجنس الواحد إلى الرديء منه ولا يكمل جنس من جنس آخر فلا يضم التمر إلى الزبيب ولا أي منهما إلى الحنطة أو الشعير. إلا أنهم اختلفوا في بعض الأشياء أنها أجناس أو أنواع، کالعلس وکان قوت صنعاء اليمن، فقد قيل: هو جنس مستقل، فلابد أن يكمل نصابا وحده، وهو قول ابن القاسم وأصبغ وابن وهب من المالكية، وقيل : هو نوع من الحنطة، فيضم اليها، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وقول مالك وسائر أصحابه، والقمح والشعير والسلت أجناس ثلاثة لا يضم أحدها إلى الآخر عند الشافعية. ومذهب الحنابلة أن القمح جنس وأن الشعیر والسلت نوعان من جنس واحد. ومذهب المالكية أن الثلاثة جنس واحد يكمل النصاب منها جميعا. بخلاف الأرز والذرة والدخن فهي أجناس مختلفة، وكذلك القطاني عند المالكية وهي سبعة أصناف کلھا جنس واحد یضم بعضه إلى بعض، وكذلك تضم القطاني بعضها إلى بعض في رواية عند الحنابلة . (١) (١) شرح المنهاج ١٧/٢، والمغني ٦٩٦/٢، ٧٣١، وشرح المنتهى ٣٩٠/١، والشرح الكبير ١ /٤٥٠، ٤٥٤ ضم غلة العام الواحد بعضها إلى بعض: ١٠٣ - لا تضم ثمرة عام إلى ثمرة عام آخر ولا الحاصل من الحب كذلك. وأما في العام الواحد، فقد فرق الشافعية في الأظهر بين الزرع والثمر، فأما الزرع فيضم ما زرع في العام الواحد بعضه إلى بعض، كالذرة تزرع في الربيع وفي الخريف، وأما الثمر إذا اختلف إدراکه فلا یضم بعضه إلى بعض في العام الواحد، وذلك كما لو اختلف إدراكه لاختلاف أنواعه واختلاف بلاده حرارة وبرودة، وكما لو أطلع النخل في العام الواحد مرتين فلا يضم . وفي قول عندهم : إن أطلع الثاني بعد جداد الأول فلا يضم وإلا فيضم. (١) وقال المالكية : يشترط للضم أن يزرع أحدها قبل استحقاق حصاد الآخر وهو وقت وجوب الزكاة فيه، ويشترط أيضا أن يبقى من حب الأول إلى استحقاق حصاد الثاني وإن لم يحصد ما يكمل به النصاب، أما لو أكل الأول قبل وقت وجوب الزكاة في الثاني، فلا يضم الثاني للأول بل إن كان الثاني نصابا زكِّي، وإلا فلا. وکذا یضم زرع ثان إلی أول، وثان إلى ثالث، إن کان فيه مع كل منهما خمسة أوسق، وهذا إن لم يخرج زكاة الأولين حتى يحصد (١) شرح المنهاج ١٨/٢ - ٢٨٢ - زكاة ١٠٤ - ١٠٦ الثالث. وحيث ضم أصنافا بعضها إلى بعض فإنه يخرج من كل صنف بحسبه. وأطلق الحنابلة القول أن زرع العام الواحد يضم بعضه إلى بعض إذا اتفق الجنس، وكذا ثمرة العام، سواء كان الأصل مما يحمل مرتين في العام كالذرة، أولا. (١) ١٠٤ - والمعتبر في قدر النصاب اتحاد المالك، فإن كان الزرع والثمر مشتركا، أو مختلطا فلا زكاة فيه ما لم يبلغ ما يملكه المزكي منه وحده نصابا، وذهب الشافعية إلى أن المال المشترك والمختلط یزکی زكاة مال واحد فإن بلغ مجموعه نصابا زكي، وإلا فلا. وينظر التفصيل في مصطلح : (خلطة). ولا ترد هذه التفريعات كلها عند الحنفية لأن النصاب هنا غير معتبربل تجب الزكاة عندهم في قلیل الزروع وکثیرها كما تقدم . ب - نصاب ماله قشر، وما ينقص کیله بالييس : ١٠٥ - يرى الشافعية والحنابلة أنه تعتبر الأوسق الخمسة بعد التصفية في الحبوب، وبعد الجفاف في الثمار فلو كان له عشرة أوسق من العنب لا يجيء منها بعد الجفاف خمسة أوسق من الزبيب فلیس علیه فیها زکاة، وذلك لأن الجفاف هو وقت وجوب الإِخراج، فاعتبر (١) الشرح الكبير ٤٥٠/١، والمغني ٧٣٣/٢ النصاب بحال الثمار وقت الوجوب. والمراد بتصفية الحب فصله من التبن ومن القشر الذي لا یؤکل معه . وهذا إن كان الحب ييبس ويدخر. أما إن كان مما لا يصلح ادخاره إلا في قشره الذي لا يؤكل معه كالعلس، وهو حب شبيه بالحنطة، والأرز في بعض البلاد إذ يخزنونه بقشره، فقد أطلق بعض الشافعية القول بأن نصابه عشرة أوسق اعتبارا لقشره الذي ادخاره فيه أصلح له. وقال الحنابلة وهو قول الشيخ أبي حامد من الشافعية: يعتبرما يكون صافيه نصابا، ويؤخذ الواجب منه بالقشر. وقال المالكية: بل يحسب في النصاب قشر الأرز والعلس الذي يخزنان به كقشر الشعير فلو كان الأرز مقشورا أربعة أوسق فإن كان بقشره خمسة أوسق زكي، وإن كان أقل فلا زكاة، وله أن يخرج الواجب مقشورا أو غير مقشور، وأما القشر الذي لا يخزن الحب به كقشر الفول الأعلى فيحتسب فيه الزكاة مقدر الجفاف. (١) وقت وجوب الزكاة في الحب والثمر: ١٠٦ - اختلف الفقهاء في الوقت الذي تجب فيه زكاة الزروع والثمار. (١) شرح المنهاج ١٧/٢، والمغني ٦٩٨/٢، وشرح المنتهى ٣٩٣/١، والشرح الكبير مع الدسوقي ٤٥٠/١، ٤٤٧، ٤٤٨ - ٢٨٣ - زكاة ١٠٦ - ١٠٨ فذهب المالكية ماعدا ابن عرفة، والشافعية وأبو حنيفة إلى أنها تجب بإفراك الحب، وطيب الثمر والأمن عليه من الفساد، والمراد بإفراك الحب طيبه واستغناؤه عن السقي، وإن بقي في الأرض لتمام طيبه، وطيب الثمر نحو أن يزهي البسر، أو تظهر الحلاوة في العنب. قالوا: لأن الحب باشتداده يكون طعاما حقيقة وهو قبل ذلك بقل، والثمر قبل بدو صلاحه بلح وحصرم، وبعد بدو صلاحه ثمرة كاملة، ولأن ذلك وقت الخرص، والمراد بالوجوب هنا انعقاد سبب الوجوب، ولا يكون الإِخراج إلا بعد اليبس والجفاف. وذهب أبو يوسف من الحنفية وهو قول ابن أبي موسى من الحنابلة وقول ابن عرفة من المالكية إلى أن الوجوب يتعلق بالييس واستحقاق الحصاد. وذهب محمد بن الحسن إلى أن الوجوب لا يثبت إلا بحصاد الثمرة وجعلها في الجرین . وقال الحنابلة: يثبت الوجوب ببدو الصلاح في الثمر، واشتداد الحب في الزرع، ويستقر الوجوب بجعل الثمرة أو الزرع في الجرين أو البيدر، فلوتلف قبل استقرار الحبوب بجائحة فلا شيء عليه إجماعا على ما قال ابن المنذر ونقله في شرح المنتهى عنه، أما قبل ثبوت الوجوب فلوبيع النخل أو الأرض فلا زكاة على البائع في الزرع والثمر، ولومات المالك قبل الوجوب فالزكاة على الورثة إن بقي إلى وقت الوجوب وبلغ نصیب الوارث نصابا، وكذا إن أوصى بها ومات قبل الوجوب فلا زكاة فيها، ولو أكل من الثمرة قبل الوجوب لم يحتسب عليه ما أكل، ولو نقصت عن النصاب بما أكل فلا زکاة علیه . وأما بعد الوجوب فتلزمه الزكاة وإن باع أو أوصى بها، ولا شيء على من ملكها بعد أن ثبت الوجوب . وذكر الحنابلة مما يتفرع على ذلك أنه لا زكاة على من حصل على نصاب من لقاط السنبل أو أجرة الحصاد، أوما يأخذه من المباحات من الحب أو العفص والأشنان ونحوها لأنه لم یملکها وقت الوجوب . (١) من تلزمه الزكاة في حال اختلاف مالك الغلة عن مالك الأرض: ١٠٧ - إن كان مالك الزرع عند وجوب الزكاة فيه هو مالك الأرض، فالأمر واضح، فتلزمه الزكاة. أما إن كان مالك الزرع غير مالك الأرض فلذلك صور: أ - الأرض الخراجية: ١٠٨ - أرض الصلح التي أقرت بأيدي أصحابها (١) الشرح الكبير ٤٥١/١، ٤٥٤، وشرح المنهاج ٢٠/٢، والمغني ٧٠٢/٢، ٧١١، وشرح المنتهى ٣٩٠/١، ٣٩٢، وابن عابدين ٢/ ٥٣ - ٢٨٤ - ٫٠٠ زكاة ١٠٩ - ١١٠ على أنها لهم ولنا عليها الخراج، متى أسلموا سقط خراجها، ووجب عليهم في غلتها الزكاة، فإن اشتراها من الذمي مسلم فعليه الزكاة فيها، وأرض العنوة التي ملكها المسلمون وحیزت لبيت المال فهذه علیھا الخراج اتفاقا، سواء بقي من هي بيده على دينه أو أسلم أو باعها لمسلم، لأنه خراج بمعنى الأجرة، واختلف الفقهاء هل يجب في غلتها إن كان صاحبها مسلما الزكاة أيضا، فذهب الجمهور إلى أن الخراج يؤدى أولا، ثم يزكي ما بقي. وذهب الحنفية إلى أنه لا زكاة في غلة الأرض الخراجية، وذلك لأن الخراج مؤونة الأرض، والعشر فيه معنى المؤونة، فلا يجتمع عشر وخراج.(١) والتفصيل في مصطلح: (خراج). ب - الأرض المستعارة والمستأجرة : ١٠٩ - ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان) إلى أن من استعار أرضا أو استأجرها فزرعها، فالزكاة على المستعير والمستأجر لأن الغلة ملكه، والعبرة في الزكاة بملكية الثمرة لا بملكية الأرض أو الشجر. وذهب أبو حنيفة إلى أن العشر على المؤجر (١) المغني ٧٢٦/٢، ٧٢٧، وابن عابدين ٤٩/٢، وشرح منتهى الإرادات ٣٩٥/١ لأن الأرض كما تستنمى بالزراعة تستنمى بالإِجارة . (١) جـ ـ الأرض التي تستغل بالمزارعة أو المساقاة: ١١٠ - ذهب الحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أن العشر في هاتين الحالتين على كل من المالك والعامل كل بحسب نصيبه من الغلة إن بلغ نصيبه نصابا، ومن کان نصيبه منهما أقل من نصاب فلا عشر علیه، ما لم یکن له من أرض غيرها ما يكمل به النصاب. وهذا عند الحنابلة على الرواية التي لا تجعل الخلطة مؤثرة في زكاة الزروع . أما على الرواية التي تجعل الخلطة مؤثرة فيها، فإذا بلغت غلة الأرض خمسة أوسق يكون فيها الزكاة فيؤخذ من كل من الشريكين عشر نصيبه، ما لم یکن أحدهما ممن لا عشر علیه، کالذمي . وعند أبي حنيفة العشر في المزارعة على رب الأرض، لأن المزارعة عنده فاسدة، فالخارج منها له، تحقيقا أو تقديرا. (٢) ويرى المالكية أنه يجب إخراج زكاة الحائط (البستان) المساقى عليه من جملة الثمرة إن بلغت نصابا، أو كان لرب الحائط ما إن ضمه (١) الدر وابن عابدين ٥٥/٢، والدسوقي ١ /٤٤٧، والمغني ٧٢٦/٢ (٢) المغني ٧٢٨/٢، وابن عابدين ٥٦/٢ - ٢٨٥ - زكاة ١١١ إليها بلغت نصابا، ثم يقتسمان ما بقي، ولا بأس أن تشترط الزكاة في حظ رب الحائط أو العامل، لأنه يرجع إلى جزء معلوم ساقاه عليه فإن لم يشترطا شيئا فشأن الزكاة أن يبدأ بها ثم يقتسمان مابقي . وقال اللخمي نقلا عن مالك: إن المساقاة تزكى على ملك رب الحائط فيجب ضمها إلى ماله من ثمر غيرها، ویزکي جميعها ولو كان العامل ممن لا تجب عليه، وتسقط إن کان رب الحائط ممن لا تجب عليه والعامل ممن تجب علیه .(١) د - الأرض المغصوبة : ١١١ - ذهب الحنفية إلى أنه لو غصب أرضا عشرية فزرعها إن لم تنقصها الزراعة فلا عشر على رب الأرض، وإن نقصتها الزراعة كان العشر على رب الأرض. وقال قاضيخان: أرض خراجها وظيفة اغتصبها غاصب فإن كان الغاصب جاحدا ولا بينة للمالك إن لم يزرعها الغاصب فلا خراج على أحد، وإن زرعها الغاصب ولم تنقصها الزراعة، فالخراج على الغاصب، وإن كان الغاصب مقرا بالغصب أو كان للمالك بينة ولم تنقصها الزراعة فاخراج على رب الأرض، وإن (٣) الخطاب والتاج والإكليل ٥/ ٣٨٠ - ٣٨١، وانظر المدونة ١٢/٥ نقصتها الزراعة عند أبي يوسف الخراج على رب الأرض قل النقصان أو كثر، كأنه آجرها من الغاصب بضمان النقصان. وعند محمد ینظر إلى الخراج والنقصان فأيهما كان أكثر كان ذلك على الغاصب إن كان النقصان أكثر من الخراج، فمقدار الخراج يؤديه الغاصب إلى السلطان ويدفع الفضل إلى صاحب الأرض، وإن كان الخراج أكثر يدفع الكل إلى السلطان، ومن نصهم هذا في الخراج يفهم مرادهم مما تقدم في العشر.(١) وذهب المالكية إلى أن النخل إذا غصبت ثم ردت بعد أعوام مع ثمرتها، فإنها تزكى لكل عام بلا خلاف إذا لم تكن زكيت أي یزكى ما يخرج منها إذا رد الغاصب جميعها. فإن رد بعض ثمارها وکان حصل في كل سنة نصاب ولم يرد جمیعه بل رد منه قدر نصاب فأکثر وکان بحیث لو قسم على سنين الغصب لم يبلغ كل سنة نصابا ففي زکاته قولان. (٢) وصرح الحنابلة بأن زكاة الزرع على مالك الأرض إن تملك الزرع قبل وقت الحصاد وبعد اشتداده، وذلك لأنه يتملكه بمثل بذره وعوض لواحقه، فیستند ملکه إلی أول زرعه. أما إن (١) الفتاوى الهندية ١٨٧/١، والفتاوى الخانية بهامش الهندية ٢٧١/١ - ٢٧٢ (٢) الخرشي ٢ / ١٨٠، والدسوقي ١ /٤٥٧ - ٢٨٦ - زكاة ١١٢ - ١١٤ حصد الغاصب الزرع بأن لم يتملکه ربها قبل حصاده، فزكاة الزرع على الغاصب لاستقرار ملکه علیه . (١) ولم نجد للشافعية نصا في هذه المسألة. زكاة الزرع والثمر المأخوذين من الأرض المباحة : ١١٢ - من أخذ من الأرض المباحة ما في جنسه الزكاة، وبلغ نصابا. فقد ذهب المالكية والحنابلة وأبو یوسف إلى أنه لا زکاة علیه، وهو لمن أخذه. قال الحنابلة: لکن لوزرع في أرض مباحة ففيه الزكاة . وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن ثمر الجبال والمفاوز فيه العشر، إن حماه الإِمام أي من أهل الحرب والبغاة وقطاع الطريق، ولو كان الشجر غير مملوك ولم يعالجه أحد، لأن المقصود النماء، وقد حصل بأخذه. (٢) خرص الثمار إذا بدا صلاحها : ١١٣ - ذهب جمهور الفقهاء - خلافا للحنفية - إلى أنه ينبغي للإِمام إذا بدا صلاح الثمار أن يرسل ساعيا يخرصها - أي يقدر كم سيكون مقدارها بعد الجفاف - ليعرف قدر الزكاة الواجبة على أصحابها، وذلك لمعرفة حق الفقراء وأهل (١) شرح المنتهى ٣٩٥/١ (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٩/٢، والدسوقي ٤٤٧/١، والمغني ٦٩٣/٢، وشرح المنتهى ٣٩٢/١ استحقاق الزكاة، وللتوسعة على أهل الثمار لیخلي بينهم وبينها فيأكلوا منها رطبا ثم يؤدون الزكاة بحساب الخرص المتقدم، وذلك عند جفاف الثمر. ولمعرفة مؤهلات الخارص، وما يراعیه عند الخرص، ومعرفة ما يخرص من الغلال وما لا يخرص، وسائر أحكام الخرص ينظر مصطلح : (خرص). الحيل لإِسقاط الزكاة : ١١٤ - اختلف الفقهاء في حكم التحيل لإسقاط الزكاة : فذهب الحنفية والشافعية إلى أن المالك إن فعل ما تسقط به الزكاة عنه ولو بنية الفرار منها سقطت، ومثّل له ابن عابدين بمن وهب النصاب قبل الحول بيوم، ثم رجع في هبته بعد الحول، وكذا لووهبه أثناء الحول ثم رجع أثناء الحول لانقطاع الحول بذلك، وكذا لو وهب النصاب لابنه، أو استبدل نصاب السائمة بآخر. ثم قال أبو يوسف: لا يكره ذلك لأنه امتناع عن الوجوب، لا إبطال لحق الغير، وقال محمد: يكره لأن فيه إضرارا بالفقراء وإبطال حقهم مآلا . والفتوى على قول محمد عند الحنفية. وعند الشافعية: الفرار مكروه في المعتمد، وقال الغزالي: حرام ولا تبرأ به الذمة - ٢٨٧ - زكاة ١١٥ في الباطن. وذهب المالكية والحنابلة والأوزاعي وابن الماجشون وإسحاق وأبو عبيد - وهوما نقله القاضي ابن كج من الشافعية - إلى تحريم التحيل لإسقاط الزكاة، ولو فعل لم تسقط، كمن أبدل النصاب من الماشية بغير جنسه فرارا من الزكاة، أو أتلف أو استهلك جزءا من النصاب عند قرب الحول .. ولو فعل ذلك في أول الحول لم تجب الزكاة، لأن ذلك ليس بمظنة الفرار من الزكاة. واستدلوا بما ذكره الله تعالى في سورة القلم من قصة أصحاب الجنة، وقوله فیها: ﴿فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت كالصريم﴾(١) فعاقبهم الله تعالى على تحيلهم لإسقاط حق الفقراء، فتؤخذ معاقبة للمحتال بنقیض قصده، قياسا على منع ميراث القاتل، وتوريث المطلقة في مرض الموت. والذي يؤخذ منه على ما بينه المالكية هو زكاة المبدل، ولا تؤخذ منه زكاة البدل إن كانت أكثر لأنها لم تجب. (٢) قدر المأخوذ في زكاة الزروع والثمار: ١١٥ - يؤخذ في زكاة الزروع والثمار عشر (١) سورة القلم / ١٩، ٢٠ (٢) ابن عابدين ٣٧/٢، و٢١/٢ و١٥٦/٥، والدسوقي ٤٣٧/١ وانظر أيضا تقرير الشيخ عليش على حاشية الدسوقي ٤٣١/١، ومغني المحتاج ٣٧٩/١، وفتح العزيز ٤٩٣/٥ وشرح المنهاج ١٤/٢، والمغني ٦٧٦/٢ الخارج أو نصف عشره. فالعشر اتفاقا فيما سقي بغير كلفة، كالذي يشرب بماء المطر أو بماء الأنهار سيحا، أو بالسواقي دون أن يحتاج إلى رفعه غرفا أوبآلة، أو يشرب بعروقه، وهو ما يزرع في الأرض التي ماؤها قريب من وجهها تصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي . ويجب فيما يسقى بكلفة نصف العشر، سواء سقته النواضح أوسقي بالدوالي، أو السواني أو الدواليب أو النواعير أو غير ذلك. وكذا لومد من النهر ساقية إلى أرضه فإذا بلغها الماء احتاج إلى رفعه بالغرف أو بآلة. والضابط لذلك أن يحتاج في رفع الماء إلى وجه الأرض إلى آلة أو عمل. واستدل لذلك بقول النبي ◌َّل: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر))(١) والحكمة في تقليل القدر الواجب فيما فيه عمل أن للكلفة أثرا في تقليل النماء . ولو احتاجت الأرض إلى ساق يسقيها بماء الأنهار أو الأمطار، ويحول الماء من جهة إلى جهة، أو احتاجت إلى عمل سواق أو حفر أنهار لم يؤثر ذلك في تقليل النصاب. - (١) حديث: ((فيما سقت السماء والعيون ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٤٧/٣ - ط السلفية) من حديث ابن عمر. - ٢٨٨ - زكاة ١١٦ - ١١٧ وإن سقيت الأرض نصف الوقت بكلفة ونصفها بغير كلفة فالزكاة ثلاثة أرباع العشر اتفاقا، وإن سقيت بأحدهما أكثر من الآخر فالجمهور على اعتبار الأكثر، ويسقط حكم الأقل، وقيل: يعتبر كل منهما بقسطه. (١) ما يطرح من الخارج قبل أخذ العشر أو نصفه: ١١٦ - ذهب الحنفية إلى أن العشر أو نصفه على التفصيل المتقدم يؤخذ من كل الخارج، فلا يطرح منه البذر الذي بذره ولا أجرة العمال أو كري الأنهار أو أجرة الحافظ ونحوذلك بل يجب العشر في الكل، لأن النبي ◌ُ ﴾ حكم بتفاوت الواجب لتفاوت المؤنة، ولورفعت المؤنة لكان الواجب بنفس المقدار، واستظهر الصيرفي أن الواجب إن كان جزءا من الخارج فإنه يجعل كالهالك وتجب الزكاة في الباقي . (٢) وذهب الحنابلة إلى أن النفقة على الزرع إن کانت دینا یسقطها مالكه منه قبل احتساب العشر، قال أحمد: من استدان ما أنفق على زرعه واستدان ما أنفق علی أهله، احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله. قالوا: وذلك لأنه من مؤنة الزرع، فالحاصل في (١) المغني ٦٩٨/٢ و٦٩٩، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤٤٩/١، وحاشية ابن عابدين ٤٩/٢ - ٥١، وشرح المنهاج ١٨، ١٩ (٢) ابن عابدين ٥١/٢ مقابلته يجب صرفه إلى غيره، فكأنه لم يحصل، وهذا بخلاف سائر الديون فإنها لا تسقط من الحاصل لأنه من الأموال الظاهرة على المشهور عند الحنابلة كما تقدم . (١) وشبيه بمؤنة الزرع عند الحنابلة خراج الأرض فإنه يؤخذ من الغلة قبل احتساب الزكاة فيها . ولم نجد المالكية والشافعية كلاما في هذه المسألة . ما يلزم المالك فعله قبل إخراج القدر الواجب: ١١٧ - يؤخذ القدر الواجب من الغلة بعد التجفيف في الثمار والتصفية في الحبوب، لأنه أوان الكمال وحال الادخار، والمؤونة على الثمرة إلى حين الإِخراج لازمة لرب المال، لأنه في حق الغلة، كالحفظ في حق الماشية، ولا يحق للساعي أخذه رطبا . ولو أخرج رب المال العشر رطبا لم يجزئه. نص على ذلك الحنابلة . ويستثنى من ذلك أحوال: منها: أن يضطر إلى قطع الثمرة قبل کمالها خوفا من العطش، أو إلى قطع بعضها، فيجوز له ذلك، ومثل ذلك أن يكون قطعها رطبة أنفع وأصلح . (١) المغني ٧٢٧/٢ - ٢٨٩ - زكاة ١١٧ - ١١٨ ومنها: أن يكون الثمر مما لا يجف بل يؤكل رطبا كبعض أنواع العنب والتمر والفول ونحوها، فتجب فيه الزكاة حتی عند من قال بأن من شرط ما يزكى الادخار، وذلك لأنه يدخر من حيث الجملة . وفي كلتا الحالتين: يجوز أخذ حق الفقراء رطبا، وإن أتلفها رب المال فعليه القيمة ويجوز إخراج قدر الزكاة من الجنس جافا إن شاء رب المال. وقيل: يجب في ذمته العشر جافا ولو بأن يشتريه. (١) وقال المالكية: يجب عشر الثمن إن بيع وإلا فالقيمة . والزیتون عند من قال تؤخذ منه الزكاة، إن کان من الزیتون الذي يعصر منه الزيت يؤخذ العشر من زیته بعد عصره، ولو کان زیته قليلا، لأنه هو الذي يدخر فهو بمثابة التجفيف في سائر الثمار. وإن کان یدخر حبا، فیؤخذ عشره حبا إذا بلغ الحب خمسة أوسق. وهذا مذهب المالكية والحنابلة. قال مالك: إذا بلغ الزيتون خمسة أوسق أخذ الخمس من زيته بعد أن يعصر. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يخرج العشر منه حبا على كل حال. (٢) (١) المغني ٧١٢/٢ والشرح الكبير مع الدسوقي ٤٤٨/١ (٢) المغني ٢/ ٧١٣ زكاة العسل والمنتجات الحيوانية : ١١٨ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن العسل تؤخذ منه الزكاة، واحتج لهم بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﴾ ((كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من عشر قربات قربة من أوسطها)). (١) وورد أن أبا سيارة المنعي قال: ((قلت: يارسول الله إن لي نحلا، قال: أد العشر، قلت: يارسول الله: أحمها لي. فحماها له)). (٢) وأخذ عمر من العسل العشر. (٣) وذهب المالكية والشافعية إلى أن العسل لا زكاة فيه. قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبریثبت. ثم ذهب الحنفية إلى أنه يشترط أمران : الأول: أن لا يكون النحل في أرض خراجية، لأن الخراجية يؤخذ منها الخراج، ولا يجتمع عندهم عشر وخراج كما تقدم . (١) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن رسول الله ◌َ﴾ كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل)). أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (ص٥٩٨ - ط نشر دار الفكر). وأُعلَّ بالإِرسال کما في التلخيص لابن حجر (١٦٨/٢ - ط شركة الطباعة). ولكن أورد له مايقويه. (٢) حديث أبي سيارة أنه قال: ((قلت: يارسول الله، إن لي نحلا)). أخرجه ابن ماجة (٥٨٤/١ - ط الحلبي) وأعله البوصيري بالانقطاع کما في الزوائد (٣٢٠/١ - ط دار الجنان). (٣) المغني ٧١٤/٢، وابن عابدين ٤٩/٢، والأم للشافعي ٣٣/٢، ط بولاق ١٣٢١هـ - ٢٩٠ - زكاة ١١٩ - ١٢٠ الثاني : إن کان النحل في أرض مفازة أو جبل غير مملوك فلا زكاة فيه إلا إن حفظه الإِمام من اللصوص وقطاع الطرق، وقال أبو يوسف: لا زكاة إلا إن كانت الأرض مملوكة. (١) نصاب العسل : (١١٨م) - قال الحنابلة: نصابه عشرة أفراق (والفرق مكيال يسع ١٦ رطلا عراقيا من القمح). وقيل: عندهم النصاب ألف رطل. وقال محمد: خمسة أفراق. وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في قليله وكثيره. (٢) أما ما عدا العسل فقد نص الحنفية والحنابلة والشافعية على أنه لا زكاة في الحرير ودودة القز. وقال الشافعية والحنابلة: لأنه ليس بمنصوص ولا في معنى المنصوص. وأضاف صاحب مطالب أولي النهى : الصوف والشعر واللبن، وذكر الشافعي مما لا زكاة فيه أيضا: المسك ونحوه من الطيب. (٣) زكاة الخارج من الأرض غير النبات: ١١٩ - قد يستخرج من الأرض غير النبات الذهب أو الفضة أو غيرهما من المعادن التي (١) فتح القدير ٦/٢، والمغني ٧١٤/٢ (٢) المراجع السابقة (٣) كشاف القناع ٢٠٥/٢، ومطالب أولي النهى ٥٧/٢، ٧٤، والأم للشافعي ٣/٢، والهداية وفتح القدير ٦/٢ تنطبع كالنحاس والحديد والزئبق أو لا تنطبع کالنفط والقار والفحم وغیرها. وكل ذلك قد يكون مخلوقا في الأرض بفعل الله تعالى، أو يكون مما وضعه فيها الآدميون كالكنوز التي يضعها أهلها في الأرض ثم یبیدون وتبقى فيها. ويرى الحنفية أن اسم (الركاز) شامل لكل ذلك، ویری الحنابلة أن اسم الرکاز خاص بما هو مركوز في الأرض خلقة، ويؤخذ الخمس من ذلك أوربع العشر على اختلاف وتفصيل عند الفقهاء، وقد اختلفوا فيما يؤخذ أهوزكاة تصرف في مصارفها أم فيء يصرف في مصارفه .(١) ولمعرفة كل ذلك تنظر المصطلحات: (ركاز، كنز، معدن). زكاة المستخرج من البحار: ١٢٠ - ذهب جمهور العلماء الحنفية والمالكية والشافعية وهي إحدى روايتين عن أحمد وهو قول أبي عبيد وأبي ثور إلى أن المستخرج من البحر من اللؤلؤ والعنبر والمرجان ونحوها لا شيء فيه من زکاة أو خمس، لما روي عن ابن عباس: ليس في العنبر شيء، إنما هوشيء ألقاه البحروروي مثله عن جابر، ولأنه قد كان (١) المغني ١٧/٣ - ٢٧، وابن عابدين ٤٣/٢ - ٤٩، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤٨٦/١ - ٤٩٢، وشرح المنهاج بحاشية القلیوبي ٢٥/٢ - ٢٩١ - زكاة ١٢١ - ١٢٢ یستخرج على عهد النبي(ێے وخلفائه فلم يأت فيه سنة عنه ولا عنهم . وفي رواية عن أحمد وهو قول أبي يوسف: فیه الزكاة، لأنه يشبه الخارج من معدن البر. وروي أن ابن عباس قال في العنبر: ((إن كان فيه شيء ففيه الخمس))،وكتب يعلى بن أمية إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عنبرة وجدها على ساحل البحر فاستشار الصحابة، فأشاروا أن یأخذ منها الخمس. فكتب عمر إليه بذلك. وروي مثل ذلك عن الحسن والزهري . وعن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ من العنبر الخمس. وأمر عمر بن عبدالعزيز عامله بعمان أن يأخذ من السمك الزكاة إذا بلغ ثمنه مائتي درهم. (١) وقال المالكية: ما خرج من البحر كعنبر إن لم يتقدم عليه ملك فهو لواجده ولا يخمس کالصید، فإن کان تقدم علیه ملك فإن کان جاهلي أو شك فيه فرکاز، وإن كان لمسلم أو ذمي فلقطة . (٢) القسم الثالث إخراج الزكاة : ١٢١ - من وجبت عليه الزكاة إما أن يخرجها. بإعطائها مباشرة إلى الفقراء وسائر المستحقين، وإما أن يدفعها إلى الإِمام ليصرفها في (١) المغني ٢٧/٣، والأموال لأبي عبيد ص٣٤٦، والأم للشافعي ٣٣/٢، وفتح القدير ٥٤٢/١ (٢) الشرح الكبير ٤٩٢/١ مصارفها. ونذكر هنا الأحكام المتعلقة بالإِخراج وخاصة الإِخراج المباشر إلى الفقراء. النية عند أداء الزكاة : ١٢٢ - الزكاة فريضة من فرائض العبادات، كالصلاة، ولذلك فإن النية شرط فيها عند عامة العلماء. وروي عن الأوزاعي عدم اشتراط النية فيها لأنها دين على صاحبها، وأداء الدين لا يفتقر إلى نية . واستدل الجمهور بقول النبي مل19: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء مانوى)). (١) ولأن إخراج المال لله یکون فرضا ویکون نفلا، فافتقرت الفريضة إلى النية لتمييزها عن النفل، وقياسا على الصلاة. ومعنى النية المشترطة في الزكاة أن يقصد بقلبه أن ما يخرجه هو الزكاة الواجبة عليه في ماله، وإن کان يخرج عمن تحت يده من صبي أو مجنون أن يقصد أنها الزكاة الواجبة عليهما. (٢) ويعتبر أن يكون الناوي مكلفا، لأنها فريضة . (٣) (١) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى)). أخرجه البخاري (الفتح ٩/١ - ط السلفية). ومسلم (١٥١٥/٣ - ١٥١٦ - ط الحلبي) من حديث عمربن الخطاب، واللفظ للبخاري (٢) ابن عابدين ٤/٢، والمغني ٦٣٨/٢، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ /٥٠٠ وشرح المنهاج ٤٣/٢ (٣) شرح منتهى الإرادات ٤١٩/١ - ٢٩٢ - ٠٠ زكاة ١٢٢ - ١٢٣ وينوي عند دفعها إلى الإِمام أو إلى مستحقها، أو قبل الدفع بقليل. فإن نوی بعد الدفع لم يجزئه على ما صرح به المالكية والشافعية . أما عند الحنفية فالشرط مقارنة النية للأداء ولو حکما، کما لودفع بلا نية ثم نوی والمال لا یزال قائما في ملك الفقیر بخلاف ما إذا نوى بعدما استهلکه الفقیر أو باعه فلا تجزىء عن الزكاة . وقال الحنفية والمالكية والشافعية: إن عزل الزكاة عن ماله ونوى عند العزل أنها زكاة كفى ذلك، ولو لم ینوعند الدفع، قال ابن عابدين: لأن الدفع يتفرق، فيتحرج باستحضار النية عند كل دفع، فاكتفي بذلك، للحرج. (١) وإن دفع الزكاة إلى وکیله ناویا أنها زکاة کفی ذلك، والأفضل أن ينوي الوكيل أيضا عند الدفع إلى المستحقين أيضا ولا تكفي نية الوكيل وحده. (٢) ولو دفع الإِنسان كل ماله إلى الفقراء تطوعا بعدما وجبت فيه الزكاة، لم تسقط عنه الزكاة، بل تبقى في ذمته، وبهذا قال الشافعية والحنابلة لأنه لم ينو الفرض. (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٥٠٠/١ وشرح المنهاج ٤٣/٢، وابن عابدين ١١/٢ (٢) شرح المنهاج ٤٣/٢، وابن عابدين ١١/٢، وفتح القدير ٤٩٣/١ وقال الحنفية: تسقط عنه الزكاة في هذه الحال استحسانا لأنه لما أدى الكل زالت المزاحمة بين الجزء المؤدى وسائر الأجزاء، وبأداء الكل الله تعالى تحقق أداء الجزء الواجب. (١) ولا يجب تعیین المال المخرج عنه، لكن لو عینه تعین. فلو أخرج الزكاة ونوى عن ماله الغائب الذي لا يعلم سلامته جاز، لأن الأصل بقاؤه ثم إن تبینت سلامته أجزأه، وإن تبین تلفه لم يجز أن یصرف الزكاة إلى مال آخر، وإن نوی عن مالي الغائب أو الحاضر، فتبين تلف الغائب أجزأت عن الحاضر، وإن نوى بالمخرج أن يكون زكاة المال الموروث الذي يشك في موت مورثه لم تجزئه، لأنه متردد والأصل عدم الموت. ولا يشترط علم آخذ الزكاة أنها زكاة . (٢) النية عند أخذ السلطان الزكاة : ١٢٣ - إن أخذ السلطان أو نوابه الزكاة من الممتنع عن أدائها قهرا، وبمنزلة الممتنع قهرا من غیب ماله لئلا تؤخذ منه الزكاة، والأسیر، ومن يتعذر الوصول إليه، على ما صرح به شارح المنتهى، فقد اختلف الفقهاء في ذلك. فقال الشافعية في الأصح وهو قول عند الحنابلة: إن أخذ السلطان الزكاة من الممتنع قهرا ونوی عند (١) المغني ٦٣٩/٢، وابن عابدين ١٢/٢، (٢) المغني ٢ / ٦٤٠، وشرح المنهاج ٤٣/٢ - ٢٩٣ - زكاة ١٢٤ الأخذ أو عند التفريق، أجزأت عن الممتنع ظاهرا وباطنا، لأن تعذر النية في حقه أسقط وجوبها عنه، كالصغير والمجنون، والسلطان له ولاية على المالك. وأطلق المالكية القول بإجزائها، وظاهره إجزاؤها ظاهرا وباطنا . وقال القاضي من الحنابلة: إذا أخذها السلطان أجزأت من غير نية سواء أخذها طوعا أوكرها، لأن أخذ الإِمام لها بمنزلة القسم بين الشركاء، لأنه وكيل الفقراء، ولأن للسلطان ولاية عامة، وبدليل أنه يأخذها من الممتنع اتفاقا، ولو لم يجزئه لما أخذها، أو لأخذها ثانية وثالثة، حتی ینفد ماله. وفي قول أبي الخطاب وابن عقيل من الحنابلة: إن أخذها الإِمام قهرا أجزأت ظاهرا، فلا يطالب بها، ولا تجزىء باطنا، لأنها عبادة، فلا تجزىء عمن وجبت عليه بغيرنية، كالصلاة، وأخذ الإِمام لها يسقط المطالبة بها لا غير. (١) تعجيل الزكاة عن وقت الوجوب : ١٢٤ - ذهب جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة وأبوعبيد وإسحاق، إلى أنه (١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢/ ٤٣، والمغني ٢ / ٦٤٠، ٦٤١، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٥٠٣/١ يجوز للمزكي تعجيل إخراج زكاة ماله قبل ميعاد وجوبها، لما ورد ((أن العباس سأل رسول الله والله في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك)). (١) وقال النبي وَلّ لعمر: ((إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام)). (٢) إلا أن الشافعية قالوا: يجوز التعجيل لعام واحد ولا يجوز لعامين في الأصح لأن زكاة العام الثاني لم ينعقد حولها . واشترطوا لجواز ذلك أن يكون النصاب موجودا، فلا يجوز تعجيل الزكاة قبل وجود النصاب، بغير خلاف، وذلك لأن النصاب سبب وجوب الزكاة، والحول شرطها ولا يقدم الواجب قبل سببه، ويجوز تقدیمه قبل شرطه، كإخراج كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق. وتوسع الحنفية فقالوا: إن كان مالكا لنصاب واحد جاز أن يعجل زكاة نصب كثيرة لأن اللاحق تابع للحاصل. (١) حديث: ((أن العباس سأل رسول الله رَليه في تعجيل صدقته)). أخرجه الترمذي (٥٤/٣ - ط الحلبي) والحاكم (٣٣٢/٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث علي بن أبي طالب، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٢) حديث: ((إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام)). أخرجه الترمذي (٥٤/٣ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب، وفي إسناده جهالة الراوي عن علي، ولكن قوی متنه ابن حجر لطرقه كما في فتح الباري (٣٣٤/٣ - ط السلفية) - ٢٩٤ - زكاة ١٢٥ والشافعية أجازوا ذلك في مال التجارة لأن النصاب فيها عندهم مشترط في آخر الحول فقط لا في أوله ولا في أثنائه. وقال الحنابلة: إِن ملك نصابا فقدم زكاته وزكاة ما قد يستفيده بعد ذلك فلا يجزئه عندهم . وقال الحنفية، وهو المعتمد عند الشافعية: إن قدم زکاته وزكاة ما قد ینتج منه، أو یربحه منه، أجزأه لأنه تابع لما هو مالكه الآن.(١) وذهب المالكية إلى أنه إن أخرج زكاة الثمار أو الزروع قبل الوجوب، بأن دفع الزكاة من غيرها لم يصح ولم تجزىء عنه. وكذا لا تجزىء زكاة الماشية إن قدمها وكان هناك ساع يأتي لقبضها فأخرجها قبل قدومه. أما زكاة العين والماشية التي ليس لها ساع فيجوز تقديمها في حدود شهر واحد لا أكثر، وهذا على سبيل الرخصة، وهو مع ذلك مكروه(٢) والأصل عدم الإِجزاء لأنها عبادة موقوتة بالحول. تأخير إخراج الزكاة عن وقت وجوبها: ١٢٥ - ذهب جمهور العلماء (الشافعية والحنابلة وهو المفتى به عند الحنفية) إلى أن الزكاة متى (١) المغني ٦٢٩/٢، ٦٣١، وفتح القدير ٥١٧/١، ٥١٨، وشرح المنهاج ٢/ ٤٤، ٤٥ (٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٥٠١/١، ٥٠٢ ٤٣١، وبداية المجتهد ٢٦٦/١ وجبت، وجبت المبادرة بإخراجها على الفور، مع القدرة على ذلك وعدم الخشية من ضرر. واحتجوا بأن الله تعالى أمر بإيتاء الزكاة، ومتى تحقق وجوبها توجه الأمر على المكلف بها، والأمر المطلق يقتضي الفور عندهم، ولأنه لو جاز التأخير لجاز إلى غير غاية فتنتفي العقوبة على الترك، ولأن حاجة الفقراء ناجزة، وحقهم في الزكاة ثابت، فيكون تأخيرها منعا لحقهم في وقته. وسئل أحمد: إذا ابتدأ في إخراجها فجعل يخرجها أولا فأولا؟ قال: لا، بل يخرجها كلها إذا حال الحول. وقال: لا يجري على أقاربه من الزكاة كل شهر، أي مع التأخير. ثم قال الشافعية والحنابلة: ويجوز التأخير لعذر. ومما ذكره الشافعية من الأعذار: أن يكون المال غائبا فیمهل إلی مضي زمن يمكن فيه إحضاره، وأن يكون بإخراجها أمر مهم ديني أو دنيوي، وأن ينتظر بإخراجها صالحا أو جارا. ومما ذكره الحنابلة أن يكون عليه مضرة في تعجيل الإِخراج، مثل من يحول عليه الحول قبل مجيء الساعي، ويخشى إن أخرجها بنفسه أخذها الساعي منه مرة أخرى. وكذا إن خشي في إخراجها ضررا في نفسه أو مال له سواها، لأن مثل ذلك يجوز تأخيردين الآدمي لأجله، فدينه الله أولى . وذهب المالكية إلى أن الحاضر يجب عليه أن يخرج زکاة ما حضر من ماله وما غاب دون تأخير - ٢٩٥ - زكاة ١٢٦ مطلقا، ولو دعت الضرورة لصرف ما حضر، بخلاف المسافر فله التأخیر إن دعته الضرورة أو الحاجة لصرف ما معه في نفقته . والقول الآخر للحنفية، وعليه عامة مشايخهم أن افتراض الزكاة عمريّ، أي على التراخي ففي أي وقت أدی یکون مؤديا للواجب، ويتعين ذلك الوقت للوجوب، وإذا لم يؤد إلى آخر عمره یتضيق عليه الوجوب حتى لو لم یؤد یأثم إذا مات. واستدل له الجصاص بأن من عليه الزكاة إذا هلك نصابه بعد تمام الحول والتمكن من الأداء لا يضمن، ولو كانت على الفور لضمن، كمن أخر صوم رمضان عن وقته فإن عليه القضاء. (١) حكم من ترك إخراج الزكاة حتى مات: ١٢٦ - من ترك الزكاة التي وجبت عليه، وهو متمكن من إخراجها، حتى مات ولم یوص بإخراجها أثم إجماعا. ثم ذهب جمهور الفقهاء منهم مالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو مروي عن عطاء، والحسن، والزهري إلى أن من مات وعليه زكاة لم يؤدها فإنها لا تسقط عنه بالموت كسائر حقوق الله تعالى المالية، ومنها الحج والكفارات، ويجب (١) المغني ٦٨٤/٢، والشرح الكبير ٥٠٠/١، ٥٠٤، وابن عابدين ١٣/٢، وشرح المنهاج والقليوبي ٤٢/٢ إخراجها من ماله سواء أوصى بها أو لم یوص، وتخرج من كل ماله لأنها دين لله، فتعامل معاملة الدين، ولا تزاحم الوصايا في الثلث، لأن الثلث یکون فيما بعد الدین. واستدلوا بأنه حق واجب في المال، فلم تسقط بالموت كدين الآدمي . ثم قال الشافعية: إذا اجتمع دين الله مع دين الآدمي يقدم دين الله لحديث ((دين الله أحق أن یقضی)).(١) وقيل: یقدم دین الآدمي، وقيل : يستوبان . وذهب الأوزاعي والليث إلى أنها تؤخذ من الثلث مقدمة على الوصايا ولا يجاوز بها الثلث. وذهب أبو حنيفة والثوري والنخعي والشعبي إلى أن الزكاة تسقط بالموت بمعنى أنها لا يجب إخراجها من ترکته، فإن كان قد أوصى بها فهي وصية تزاحم سائر الوصايا في الثلث، وإن لم يوص بها سقطت، لأنها عبادة من شرطها النية، فسقطت بموت من هي عليه كالصلاة والصوم، فإن أخرجها الورثة فهي صدقة تطوع منهم . ويستثنى من هذا عند الحنفية في ظاهر الرواية عشر الخارج من الأرض، فيؤخذ من ترکة الميت لأنه عندهم في معنی مؤونة الأرض . وفي رواية: بل يسقط أيضا. (١) حديث: ((دين الله أحق أن يقضى)). أخرجه البخاري (الفتح ١٩٢/٤ - ط السلفية) ومسلم (٨٠٤/٢ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس. - ٢٩٦ - زكاة ١٢٧ - ١٢٨ ثم عند المالكية تخرج زکاة فرط فيها من رأس ماله إن تحقق أنه لم يخرجها، أما إن كان ذلك بمجرد إقراره في مرض موته وأشهد على بقائها في ذمته، وأوصی بإخراجها فهي من الثلث، وإلا فلا تخرج أصلا. وأما زكاة عام موته فإن اعترف بحلوها وأوصى بإخراجها أخرجت من رأس المال. (١) تراكم الزكاة لسنين : ١٢٧ - إذا أتى على المكلف بالزكاة سنون لم يؤد زكاته فيها وقد تمت شروط الوجوب، لم يسقط عنه منها شيء اتفاقا، ووجب عليه أن يؤدي الزكاة عن كل السنين التي مضت ولم يخرج زكاته فيها . ولكن اختلف الفقهاء فى أنه هل يسقط من المال قدر زكاته للسنة الأولى ويزكي في الثانية ماعداه، وهكذا في الثالثة ومابعدها، أم يزكي كل المال لكل السنين؟ . قال ابن قدامة: فائدة الخلاف: أنها إذا کانت في الذمة فحال علی ماله حولان لم يؤد زكاتهما وجب عليه أداؤها لما مضى، ولا تنقضي عنه الزكاة في الحول الثاني، وکذلك إن کان أکثر (١) ابن عابدين ٢٨/٢، ٥٤ ٤١٥/٥ القاهرة، مطبعة بولاق، والدسوقي مع الشرح الكبير ٤ /٤٤١، والمجموع ٣٣٥/٥، والمغني ٦٨٣/٢، وشرح المنهاج ٤١/٢ من نصاب لم تنقص الزكاة، وإن مضى عليه أحوال، فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زکاتہا وجب علیه ثلاث شیاه، وإن كانت مائة دينار، فعليه سبعة دنانير ونصف، لأن الزكاة وجبت في ذمته فلم يؤثر في تنقیص النصاب، لکن إن لم یکن له مال آخر يؤدي الزكاة منه احتمل أن تسقط الزكاة في قدرها، لأن الدین یمنع وجوب الزكاة . وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، وكان النصاب مما تجب الزكاة في عينه فحالت عليه أحوال لم تؤد زكاتها تعلقت الزكاة في الحول الأول من النصاب بقدرها، فإن کان نصابا لا زیادة علیه فلا زکاة فیه فیما بعد الحول الأول، لأن النصاب نقص فيه، وإن كان أكثر من نصاب عزل قدر فرض الحول الأول، وعليه زكاة ما بقي. وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية جماعة . (١) حكم من شك هل أدى الزكاة أم لم يؤدها: ١٢٨ - تعرض لهذه المسألة الحنفية: فقالوا: إن من شك هل أدى زكاته أولا يجب عليه أن يزكي بخلاف ما لوشك بعد الوقت أنه هل صلى أم لا، لا يعيد. قالوا: لأن وقت الزكاة لا آخر (١) المغني ٦٧٩/٢ - ٦٨٠ و٦٨٨، والمجموع للنووي ٣٣٧/٥ مع فتح العزيز للرافعي القاهرة، المنيرية. - ٢٩٧ - زكاة ١٢٩ - ١٣٠ له، بل هو العمر، فالشك فيها کالشك في الصلاة في الوقت. (١) وقواعد المذاهب الأخرى تقتضي مثل ذلك فإن اليقين لا يزول بالشك. صور إخراج الزكاة : ١٢٩ - الزكاة إما أن تخرج من أعيان المال وهو الأصل في غير زكاة العروض التجارية وقد تقدم. وإما أن تخرج القيمة. ذهب الجمهور إلى أن الواجب في زكاة عروض التجارة إخراج القيمة، ولا يجزىء إخراج شيء من أعيان العروض عندهم، خلافا للحنفية القائلین بالجواز. ويجزىء إخراج الذهب عن الفضة بالقيمة وعكسه، وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عند الحنابلة رجحها ابن قدامة . وذلك لأن المقصود من هذين الجنسين الثمنية، والتوسل بها إلى المقاصد، وذلك موجود في الجنسین جمیعا، ومن هنا فرق من فرق بینہما وبین سائر الأجناس، فإن لکل جنس مقصودا مختصا به لا يحصل بالجنس الآخر. ولأن إخراج القيمة هنا قد يكون أرفق بالآخذ والمعطي . وقد يندرىء به الضرر عنهما، فإنه لو تعين إخراج زكاة الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين دينارا ذهبا إخراج جزء من دينار، لأنه يحتاج إلى قطعه أوبيعه أو مشارکة الفقیر له فيه، وفي کل ذلك ضرر، قال ابن قدامة: وعلى هذا لا يجوز الإِبدال في موضع يلحق فيه الفقير ضرر. وأضاف المالكية على المشهور عندهم جواز إخراج الفلوس عن كل من الذهب والفضة. (١) ١٣٠ - وأما ما عدا ذلك كزكاة المواشي والزروع وإخراج زكاة الذهب أو الفضة عن غيرهما أو العكس، فقد اختلف الفقهاء في إخراج القيمة على مذاهب: فذهب الجمهور (الشافعية، والمالكية على قول، والحنابلة في رواية وهي المذهب) إلى أنه لا يجوز إخراج القيم في الزكاة، واستثنی بعض أصحاب هذا القول نحو إخراج بنت لبون عن بنت مخاض. واحتجوا بحديث ((في أربعين شاة شاة، وفي مائتي درهم خمسة دراهم))(٢) فتكون الشاة المذكورة والدراهم المذكورة هي المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب. واحتجوا أیضا بما في حدیث کتاب أبي بكر (١) المغني ٨/٣، والدسوقي والشرح الكبير ٤٩٩/١ (٢) حديث: ((في مائتي درهم خمسة دراهم وفي أربعين شاة شاة)) أخرجه أحمد (٣٥/٣ - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧٢/٣ - ٧٣ - ط القدسي) وقال: رجاله رجال الصحيح . (١) فتح القدير ٤٨٣/١ - ٢٩٨ - زكاة ١٣٠ ((هذه الصدقة التي فرضها رسول الله ولي على المسلمين وأمربها أن تؤدى، وكان فيه: «في خمس وعشرين من الإِبل بنت مخاض، فإن لم تکن فابن لبون ذكر))(١) وهذا يدل على أنه أراد عینها. وبحديث معاذ أن النبي آلآم بعثه إلى اليمن فقال ((خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإِبل، والبقرة من البقر)). (٢) قالوا: ولأن الزكاة فرضت دفعا لحاجة الفقير، وحاجاته متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب لیتنوع ما يصل إليه، ووجبت شكرا لنعمة المال، ويحصل ذلك بالمواساة مما أنعم الله به عليه. (٣) ولأن الزكاة قربة لله تعالى وما كان کذلك فسبیلہ الاتباع، ولو جازت القيمة لبينها النبي ◌ِ له . وذهب الحنفية، وهو القول المشهور عند المالكية، والرواية الأخرى عند الحنابلة وقول (١) حديث أبي بكر: ((هذه الصدقة التي فرضها رسول الله #، أخرجه أبوداود (٢١٨/٢ -٢١٩ - تحقیق عزت عبيد دعاس) وصححه النووي في المجموع (٤٢٩/٥ - ط المنيرية). (٢) حديث: ((خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من ... )) أخرجه أبوداود (٢٥٣/٢ - ٢٥٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وأعله ابن حجر بالانقطاع بين معاذ والراوي عنه وهو عطاء بن يسار، كذا في التلخيص الحبير (١٧٠/٢ - ط شركة الطباعة الفنية). (٣) المغني ٦٥/٣، والمجموع ٤٢٨/٥ وما بعدها. الثوري إلی أن إخراج القيمة جائز. وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز. لكن قال المالكية: يجوز، ويجزىء مع الكراهة، لأنه من قبيل شراء الإِنسان الصدقة التي أخرجها لله تعالی . واحتج القائلون بإجزاء القيمة، بما روي أن معاذا قال لأهل الیمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة. وقال عطاء: ((كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم» أي عنها، ولأن الغرض منها سد خلة المحتاج، وذلك معنى معقول، ولأن حاجاته مختلفة، وبالقيمة يحصل ما شاء من حاجاته. وقياسا على الجزية فإن القيمة مجزئة فيها اتفاقا، والغرض منها كفاية المقاتلة، ومن الزكاة كفاية الفقير. واحتجوا أيضا بما في حديث أنس المرفوع ((من بلغت عنده من الإِبل صدقة الجذعة ولیست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تؤخذ منه الحقة، ويجعل معها شاتین إن استیسرتا له، أو عشرين درهما)). (١) قال ابن الهمام: فانتقل إلى القيمة في (١) حديث: ((من بلغت عنده من الإِبل صدقة الجذعة وليست ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣١٦/٣ - ط السلفية). - ٢٩٩ - زكاة ١٣١ - ١٣٢ موضعين، فعلمنا أن ليس المقصود خصوص عين السن المعين وإلا لسقط إن تعذر، أولوجب عليه أن يشتريه فيدفعه . ثم قال المالكية: إن أكره على دفع القيمة فدفعها أجزات، قولا واحدا . وقال ابن تيمية: لا تجزىء القيم إلا عند الحاجة، مثل من یبیع عنبه ورطبه قبل الییس . قال: وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحا، فإنه منع من إخراج القيم وجوزه في مواضع للحاجة . (١) الإِخراج بإسقاط المزكي دينه عن مستحق للزكاة : ١٣١ - لا يجوز للدائن أن يسقط دينه عن مدينه الفقير المعسر الذي ليس عنده ما يسد به دينه وحسبه من زكاة ماله. فإن فعل ذلك لم يجزئه عن الزكاة، وبهذا قال الحنفية والحنابلة والمالكية ماعدا أشهب، وهو الأصح عند الشافعية، وقول أبي عبيد. ووجه المنع أن الزكاة لحق الله تعالى، فلا يجوز للإنسان أن یصرفها إلى نفع نفسه أو إحياء ماله، واستيفاء دينه. (١) فتح القدير ٤٩٥/١، ٥٠٧، ٥٠٨، والشرح الكبير مع الدسوقي ٥٠٢/١، ومجموع الفتاوى الكبرى ٤٦/٢٥ ط الرياض، ١٣٨٢هـ وذهب الشافعية في قول وأشهب من المالكية وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء: إلى جواز ذلك، لأنه لو دفع إليه زكاته ثم أخذها منه عن دينه جاز، فكذا هذا. فإن دفع الدائن زكاة ماله إلى مدينه فردها المدین إلیه سدادا لدينه، أو استقرض المدين ما يسد به دینه فدفعه إلی الدائن فرده إليه واحتسبه من الزكاة، فإن لم یکن ذلك حيلة، أو تواطؤا، أو قصدا لإحياء ماله، جاز عند ء الجمهور، وهو قول عند المالكية . وإن كان على سبيل الحيلة لم يجز عند المالكية والحنابلة، وجاز عند الشافعية ما لم يكن ذلك عن شرط واتفاق، بل بمجرد النية من الطرفين. لكن صرح الحنفية بأنه لو وهب جمیع الدين إلى المدين الفقير سقطت زكاة ذلك الدين ولو لم ینو الزكاة، وهذا استحسان .(١) احتساب المكس ونحوه عن الزكاة : ١٣٢ - قال السرخسي الحنفي : إذا نوى أن یکون المکس زکاة فالصحيح - أي عند الحنفية ۔ أنه لا یقع عن الزكاة، ونقله ابن عابدين عن الفتاوى البزازية . (٢) (١) المغني ٦٥٣/٢، وحاشية الدسوقي ٤٩٤/١، والمجموع ٢١١/٦، والفتاوى الخانية ٢٦٣/١ - ٢٦٤ (٢) ابن عابدين ٣٩/٢ - ٣٠٠ -