النص المفهرس

صفحات 181-200

رهن ١٢
الشافعية، وهو قول عند الحنابلة . (١) وقال
الحنفية والحنابلة، وهو مقتضى كلام المالكية :
لا يجب ذكر شيء من ذلك في العقد، فإن أطلق
ولم یقید بشيء صح العقد، وللراهن أن یرهن بما
شاء، لأن الإطلاق واجب الاعتبار خصوصا في
الإِعارة، لأن الجهالة لا تفضي فيها إلى
المنازعة، لأن مبناها على المسامحة، والمالك قد
رضي بتعلق دين المستعير بماله، وهويملك
ذلك كما يملك تعلقه بذمته بالكفالة. (٢)
وإن شرط شيئا مما ذكر فخالف المستعير لم
يصح الرهن باتفاق الفقهاء، لأنه لم يؤذن له في
هذا الرهن، فأشبه من لم يؤذن له في أصل
الرهن.
إلا أن يخالف إلی خیرمنه، کان یؤذن له
بقدر، ويرهن بأقل منه فيصح، لأن من رضي
بقدر فقد رضي بما دونه. (٣)
ضمان المستعار :
١٢ - اختلف الفقهاء في ضمان العين المستعارة
للرهن، وفیمن یضمنها .
فذهب الشافعية والحنابلة، وهو مقتضى
كلام المالكية إلى أن الأصل في العين المستعارة
(١) نهاية المحتاج ٤/ ٢٤٥، والقليوبي ٢٦٥/٢
(٢) المغني ٤/ ٣٨٠، ابن عابدين ٣٣٠/٥، بلغة السالك
١١١/٢
(٣) المصادر السابقة .
للرهن الضمان، ثم قال الشافعية: إذا هلكت
في يد المستعير قبل أن يرهنها ضمن، لأنه
مستعير، والعارية مضمونة. وإن تلفت بعد
قبض المرتهن بلا تعد ولا تفريط فلا ضمان
عليهما، ولا يسقط الحق عن ذمة الراهن. لأن
المرتهن أمین، ولأن العقد عقد ضمان أي ضمان
الدين على رقبة المرهون، فتكون يد المرتهن يد
أمانة بعد الرهن، فلا ضمان بالتعدي . (١)
وقال الحنابلة: إن الاستعارة للرهن عقد
ضمان، فيضمن الراهن المرهون إن هلكت،
بتفريط أوبغير تفریط، لأن العقد لا يخرج عن
أن يكون عقد عارية والعارية مضمونة، فيضمن
المستعير وهو الراهن . (٢)
وقال الحنفية: إن يد المستعير للرهن يد
أمانة، فلا يضمن العين المستعارة للرهن إن
هلکت قبل رهنه أو بعد فكه، وإن استخدمه أو
ركبه من قبل، لأنه أمين خالف ثم عاد إلى
الوفاق، أما المرتهن فیده ید ضمان، فإذا هلكت
العين المستعارة للرهن في يده صار مستوفيا حقه
ووجب للمعير على المستعير الراهن مثل
الدین. (٣)
(١) نهاية المحتاج ٤ /٢٤٥، أسنى المطالب ٢/ ٢٤٩، حاشية
الدسوقي ٢٣٩/٣، وجواهر الإكليل ٢/ ٧٩
(٢) المغني ٤/ ٣٨٣
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٣١/٥، حاشية الطحطاوي
٤/ ٢٥٠
- ١٨١ -

رهن ١٣ - ١٤
لزوم الرهن :
١٣ - اختلف الفقهاء فيما يلزم به الرهن:
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن عقد
الرهن لا يلزم إلا بالقبض والإِقباض من جائز
التصرف، وللراهن الرجوع عنه قبل القبض
لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾.(١)
فلو لزم عقد الرهن بدون قبض لما کان
للتقیید به فائدة، ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى
القبول فافتقر إلى القبض. (٢)
وقال بعض أصحاب أحمد: إن كان المرهون
مکیلا أوموزونا لا يلزم رهنه إلا بالقبض، وفيما
عداهما روايتان عن أحمد إحداهما: لا يلزم إلا
بالقبض، والأخرى: يلزم بمجرد العقد
كالبيع. (٣).
وقال المالكية: يلزم عقد الرهن بالعقد، ثم
يجبر الراهن على التسليم للمرتهن، لأنه عقد
يلزم بالقبض، فيلزم بالعقد قبله كالبيع . (٤)
هذا ، وإذا شرط الرهن أو الكفيل في عقد
ما ثم لم يف الملتزم بالشرط فللآخر الفسخ.
(١) سورة البقرة/ ٢٨٣
(٢) أسنى المطالب ١٥٥/٢، نهاية المحتاج ٤/ ٢٥٣، المغني
٣٦٤/٤، وحاشية ابن عابدين ٣٠٨/٥
(٣) المغني ٤/ ٣٦٤
(٤) بداية المجتهد ٢٤٥/٢، وحاشية البناني على شرح
الزرقاني ٢٣٣/٥
رهن العين عند من هي بيده :
١٤ - إذا كانت العين المرهونة بيد المرتهن عارية
أو وديعة، أو مغصوبة، فرهنها منه صح الرهن
باتفاق الفقهاء، لأنه ماله، له أخذه فصح رهنه
كما لو كان بيده.(١)
ويلزم الرهن في الصور السابقة بالعقد من
غير احتياج إلى أمر زائد، لأن اليد ثابتة،
والقبض حاصل، فلم يحتج إلی إقباض، وإلى
هذا ذهب الحنفية والحنابلة. (٢) وقال الشافعية:
يشترط فيه الإِقباض، أو الإِذن به إن كان
المرهون حاضرا، وإن کان المرهون غائبا عن
مجلس العقد يشترط مع إذن القبض مضي مدة
إمکان القبض، وقالوا: لأن الید کانت عن غیر
جهة الرهن، فلم يحصل القبض بها. (٣)
ثم على قول الجمهور بعدم الحاجة لتجديد
القبض يزول الضمان بالرهن، لأنه مأذون في
إمساكه رهنا، ولم یتجدد منه عدوان، فلم
يضمنه كما لو أخذه الراهن منه، ثم أقبضه أو
أبرأه من ضمانه، ولأن سبب الضمان:
الغصب، والإِعارة، ولم يعد المرتهن غاصبا أو
(١) المغني ٤/ ٣٧٠، وحاشية الدسوقي ٢٣٦/٣، وحاشية
الطحطاوي ٤/ ٢٣٥، وأسنى المطالب ١٥٥/٢، ونهاية
: المحتاج ٤/ ٢٥٠
(٢) المصادر السابقة .
(٣) أسنى المطالب ١٥٥/٢، نهاية المحتاج ٤/ ٢٥٥
- ١٨٢ -

رهن ١٥ - ١٦
مستعيرا. (١) وقال الشافعية: لا يبرأ الغاصب
المرتهن، ولا المستعير عن الضمان وإن لزم
العقد، لأنه وإن كان الرهن عقد أمانة: الغرض
منه التوثق۔۔ وهو لا ینافي الضمان - فإن المرتهن لو
تعدى في المرهون ضمنه مع بقاء الرهن، فإذا
کان لا یرفع الضمان فلأن لا يدفعه ابتداء
أولى، وللغاصب إجبار الراهن على إيقاع يده
على المرهون (أي وضع يده عليه) لیبرأ من
الضمان، ثم يستعيده منه بحكم الرهن، فإن لم
يقبل رفع إلى الحاكم ليأمره بالقبض، فإن امتنع
قبضه الحاكم أو مأذونه، ویرده إلى المرتهن. (٢)
زوائد المرهون، وناؤه :
١٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أن زيادة المرهون
المتصلة كالسمن وكبر الشجر تتبع الأصل. أما
الزيادة المنفصلة فقد اختلفوا في حكمها .
فذهب الشافعية إلى أن الزيادة المنفصلة
بأنواعها لا يسري عليها الرهن، لأن الرهن
لا يزيل الملك فلم يسر عليها كالإِجارة. (٣)
وقال الحنفية: إن نماء المرهون كالولد،
والثمر، واللبن، والصوف، ونحو ذلك رهن مع
الأصل، بخلاف ما هوبدل عن المنفعة
(١) المغني ٣٧١/٤، حاشية الدسوقي ٢٣٦/٣، حاشية
الطحطاوي ٢٣٥/٤
(٢) نهاية المحتاج ٢٥٥/٤، روضة الطالبين ٦٨/٤، أسنى
المطالب ١٥٦/٢
(٣) نهاية المحتاج ٢٨٩/٤، أسنى المطالب ١٧٣/٢
كالأجرة، والصدقة، والهبة، فلا تدخل في
الرهن، وهي للراهن. (١)
ويقول المالكية: إن ما تناسل من الرهن، أو
نتج منه کالولد یسري إلیه الرهن، وما عدا ذلك
من الزوائد كالصوف واللبن، وثمار الأشجار
وسائر الغلات فلا يسري عليها الرهن. (٢)
وذهب الحنابلة إلى أن زوائد العين المرهونة
المنفصلة رهن کالأصل، لا فرق بین ما تناسل
منها أونتج منها كالولد، وبين غيره كالأجرة،
والثمر، واللبن، والصوف، وقالوا: لأنه حكم
ثبت في العین بعقد المالك، فيدخل فيه النماء
والمنافع بأنواعها، كالملك بالبيع وغيره، ولأن
النماء حادث من عين الرهن فيدخل فيها
كالمتصل. وقالوا في سراية الرهن على الولد: إنه
حکم مستقر في الأم ثبت برضا المالك فيسري
إلى الولد كالتدبير، والاستيلاد. (٣)
الانتفاع بالمرهون :
١٦ - اختلف الفقهاء في جواز الانتفاع
بالمرهون، وفیمن له ذلك.
فذهب الحنفية إلى أنه ليس للراهن
ولا للمرتهن الانتفاع بالمرهون مطلقا،
(١) ابن عابدين ٣٣٥/٥، وفتح القدير ١٢٩/٩
(٢) بداية المجتهد ٢/ ٢٤٦، القوانين الفقهية ص٣١٩
(٣) المغني ٤/ ٤٣٠، الإنصاف ١٥٨/٥، كشاف القناع
٣٣٨/٣
- ١٨٣ -

.....
رهن ١٦
لا بالسکنی ولا بالرکوب، ولا غیرهما، إلا بإذن
الآخر، وفي قول عندهم: لا يجوز الانتفاع
للمرتهن ولو بإذن الراهن، لأنه ربا، وفي قول :
إن شرطه في العقد كان ربا، وإلا جاز انتفاعه
بإذن الراهن.(١)
وقال المالكية: غلات المرهون للراهن،
وینوب في تحصيلها المرتهن، حتى لا تجول ید
الراهن في المرهون، ويجوز للمرتهن الانتفاع
بالمرهون بشروط هي :
١ - أن يشترط ذلك في صلب العقد.
٢ - وأن تكون المدة معينة .
٣- ألا یکون المرهون به دین قرض.
فإن لم يشرط في العقد وأباح له الراهن
الانتفاع به مجانا لم يجز، لأنه هدية مدیان، وهي
غير جائزة، وكذا إن شرط مطلقا ولم يعين مدة
للجهالة، أو کان المرهون به دین قرض، لأنه
سلف جر نفعا. (٢)
وفرق الحنابلة بين المرهون المركوب أو
المحلوب وبين غيرهما، وقالوا: إن كان المرهون
غير مركوب أو محلوب، فليس للمرتهن
ولا للراهن الانتفاع به إلا بإذن الآخر.
أما المرتهن فلأن المرهون ونماءه ومنافعه ملك
للراهن، فلیس لغیره أخذها بدون إذنه، وأما
(١) حاشية الطحطاوي ٤/ ٢٣٦، ابن عابدين ٣١٠/٥
(٢) بلغة السالك على الشرح الصغير ١١٢/٢، حاشية
الدسوقي ٢٤٦/٣، والقوانين الفقهية ص٣١٩
الراهن فلأنه لا ينفرد بالحق، فلا يجوز له
الانتفاع إلا بإذن المرتهن.
فإن أذن المرتهن للراهن بالانتفاع بالمرهون
جاز، وكذا إن أذن الراهن للمرتهن بشرط :
١ - أن لا یکون المرهون به دین قرض.
٢ - وأن لا يأذن بغير عوض، فإن أذن الراهن
للمرتهن بالانتفاع بغیر عوض، وكان المرهون به
دین قرض، فلا يجوز له الانتفاع به، لأنه قرض
جر نفعا، وهو حرام، أما إن کان المرهون بثمن
مبيع أو أجرة دار، أودين غير القرض جاز
للمرتهن الانتفاع بإذن الراهن، وكذا إن كان
الانتفاع بعوض، كأن يستأجر الدار المرهونة من
الراهن بأجرة مثلها في غير محاباة، لأنه لم ينتفع
بالقرض بل بالإِجارة، وإن شرط في صلب
العقد أن ينتفع بها المرتهن فالشرط فاسد، لأنه
ينافي مقتضى العقد .
أما المرکوب، والمحلوب، فللمرتهن أن ينفق
عليه، ويركب، ويحلب بقدر نفقته متحريا
العدل - من غیر استئذان من الراهن بالإِنفاق،
أو الانتفاع - سواء تعذر إنفاق الراهن أم لم
يتعذر. واستدلوا بحديث ((الظهر يركب بنفقته
إذا كان مرهونا، ولبن الدر یشرب بنفقته إذا
كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب
النفقة)). (١)
(١) حديث: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا)). أخرجه=
- ١٨٤ -

رهن ١٦ - ١٧
وقالوا: إن قوله ◌َله: ((بنفقته)) يشير إلى
الانتفاع بعوض النفقة، ویکون هذا في حق
المرتهن، أما الراهن فإنفاقه وانتفاعه ليسا بسبب .
الرکوب وشرب الدر، بل بسبب الملك. فإن لم
يتفقا على الانتفاع بالعين المرهونة في غيرهما لم
يجز الانتفاع بها، فإن كان دارا أغلقت، وإن
كانت حيوانا تعطلت منافعه حتى يفك
الرهن.(١)
وقال الشافعية: ليس للمرتهن في المرهون إلا
حق الاستيثاق فيمنع من كل تصرف أو انتفاع
بالعين المرهونة، أما الراهن فله عليها کل انتفاع
لا ينقص القيمة کالركوب ودر اللبون،
والسكنى والاستخدام، لحديث: ((الظهريركب
بنفقته إذا كان مرهونا))، وحديث: ((الرهن
مرکوب ومحلوب)). (٢)
وقيس على ذلك ما أشبهه من الانتفاعات.
أما ما ينقص القيمة كالبناء على الأرض
المرهونة والغرس فيها فلا يجوز له إلا بإذن
المرتهن، لأن الرغبة تقل بذلك عند البيع. (٣)
= البخاري (الفتح ١٤٣/٥ - ط السلفية) من حديث أبي
هريرة .
(١) المغني ٤٢٦/٤ - ٤٣٢
(٢) حديث: ((الرهن مركوب محلوب)). أخرجه البيهقي
(٣٨/٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي
هريرة، ورجح البيهقي وقفه على أبي هريرة، ولکن یشهد
له الحديث المتقدم.
(٣) روضة الطالبين ٧٩/٤ - ٩٩، أسنى المطالب ١٦١/٢
تصرف الراهن في المرهون :
١٧ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه ليس للراهن
التصرف في المرهون بعد لزوم العقد بما يزيل
الملك كالبيع، والهبة والوقف، أويزحم المرتهن
في مقصود الرهن، كالرهن عند آخر، أويقلل
الرغبة في المرهون، إلا بإذن المرتهن. (١)
فإن تصرف بما ذكر فتصرفه موقوف على
إجازة المرتهن، لأنه تصرف يبطل حق المرتهن في
الوثیقة، فلم يصح بغيرإذنه، فإن أذن له صح
التصرف، وبطل الرهن إن كان التصرف مما
ليس فيه للمرهون بدل كالوقف، والهبة،
ويسقط حق المرتهن في حبس المرهون. لأن المنع
کان لحقه وقد زال بإذنه . (٢)
وإن كان للمرهون بدل كالبيع ففيه تفصيل :
فإن كان الإِذن مطلقا، والدين مؤجلا صح
البيع وبطل الرهن لخروج المرهون من ملك
الراهن بإذن المرتهن، ولا يحل ثمن العين
المرهونة محلها لعدم حلول الدين.
أما إذا كان حالا عند الإِذن قضی حق
المرتهن من ثمن المرهون، وحمل إذنه على البيع
من غرضه لمجيء وقته، ولأن مقتضى الرهن
(١) المغني ٤ / ٤٠١، أسنى المطالب ٢/ ١٥٨، وكشاف القناع
٣٣٤/٣، القوانين الفقهية ٣١٩، حاشية الطحطاوي
٢٤٧/٤
(٢) كشاف القناع ٣٣٤/٣ - ٣٣٥، نهاية المحتاج ٤/ ٢٥٩ .
٢٦٨
- ١٨٥ -

رهن ١٧ - ١٨
بيعه والاستيفاء منه، ولا يبطل الرهن، فيكون
الراهن محجورا في ثمن المرهون إلى وفاء
الدین.(١) وإن شرط في الإِذن أن یقضی الدین
من ثمن المرهون صح البيع للإِذن، ولغا
الشرط، لأن التأجيل أخذ قسطا من الثمن وهو
لا يجوز، ویکون الثمن رهنا مكان المرهون، لأن
المرتهن لم يأذن في البيع إلا طامعا في وفاء الدين
من ثمنه فلم يسقط حقه منه مطلقا، وإلى هذا
ذهب الحنابلة . (٢).
وقال الشافعية: إن شرط في إذن البيع أن
یکون الثمن رهنا لم يصح البیع سواء أكان الدين
حالا أم مؤجلا لفساد الإِذن بفساد الشرط. (٣)
وقال الحنفية: إذا باع الراهن وأجاز المرتهن
البيع جاز، لأن توقيف البيع لحقه، وقد رضي
بسقوطه، وإن نفذ البيع بإجازة المرتهن ينتقل
حقه إلی بدله لأن حقه بالمالية، وللبدل حکم
المبدل، وإن لم يجز المرتهن البيع يبقى موقوفا في
أصح الروايتين في المذهب، وللمشتري الخيار
بين أن يصبر حتى يفتك الراهن المرهون، وبین
أن يرفع الأمر إلى الحاكم فيفسخ البيع لفوات
القدرة على التسليم، وفي رواية: للمرتهن فسخ
البيع لأن الحق الثابت للمرتهن بمنزلة الملك
(١) كشاف القناع ٣/ ٣٣٧، نهاية المحتاج ٢٦٩/٤، المجموع
٢٤٠/٣
(٢) كشاف القناع ٣٣٨/٣
(٣) أسنى المطالب ٢/ ١٦٣، نهاية المحتاج ٤/ ٢٦٩
فصار کالمالك، له أن یفسخ أو یجیز.
وعن أبي يوسف: إن شرط المرتهن في الإِجازة
. أن يكون الثمن رهنا فهورهن، لأنه إذا أجاز
بهذا الشرط لم يرض ببطلان حقه عن العين، إلا
أن یکون متعلقا بالبدل، فإن لم يشترط ذلك
فقد سقط حقه عن المرهون، والثمن لیس
بمرهون حتی یتعلق به حق . (١)
وقال المالكية: إن أذن المرتهن للراهن بالبيع
بطل الرهن عن العين المرهونة، وحل مكانها
الثمن رهنا إن لم يأت الراهن برهن كالأول. (٢)
اليد على المرهون :
. ١٨ - اليد على المرهون بعد لزوم العقد
للمرتهن، لأن الرهن الركن الأعظم للتوثيق،
وليس للراهن استرداده إلا برضا المرتهن أو بأداء
الدين وإن اتفقا على أن يجعلاه في يد ثالث
جاز، وکان وکیلا للمرتهن في قبضه، لأن كلا
منهما قد لا يثق بصاحبه، وهذا محل اتفاق بين
الفقهاء. (٣)
وذهب الشافعية، والحنابلة إلى أن يد المرتهن
على العين المرهونة يد أمانة، فلا يضمن إن
(١) تكملة فتح القدير وحاشية سعدي جلبي ٩/ ١١١، وابن
عابدین ٣٢٧/٥
(٢) حاشية الدسوقي ٢٤٣/٣، وشرح الزرقاني ٢٤٣/٥
(٣) القليوبي ٢/ ٢٧٢، الإنصاف ٥/ ١٤٩، أسنى المطالب
١٦٢/٢ - ١٦٥، وبلغة السالك ٢/ ١٥١، الهداية
٤/ ١٤١، حاشية الطحطاوي ٢٤٥/٤
- ١٨٦ -

رهن ١٨ - ١٩
تلفت بغير تعد منه لحديث: ((لا يغلق الرهن
لصاحبه غنمه وعليه غرمه)). (١) لأننا لو ضمناه
لامتنع الناس من فعله خوفا من الضمان،
ولتعطلت المداینات وفيه ضرر عظیم، ولأنه
وثیقة بالدین فلا یضمن کالزیادة علی الدین،
إلا بالتعدي أو التفريط .(٢)
وقال الحنفية: إنها ید ضمان، فيضمن المرتهن
إن هلك بیده بالأقل من قیمته ومن الدین، فإن
تساویا کان المرتهن مستوفیا حقه، وإن زادت
قيمة المرهون كانت الزيادة أمانة بيده، وإن
نقصت عنها سقط بقدره من الدين، ورجع
المرتهن بالفضل على الراهن.
واستدلوا بما ورد عن عطاء بن أبي رباح أنه
حدث أن رجلا رهن فرسا، فنفق في يده، فقال
رسول الله لي للمرتهن: ((ذهب حقك)).(٣)
٢٠
(١) حديث: ((لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه)). أخرجه البيهقي
(٣٩/٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي
هريرة، ورجح إرساله من حديث سعيد بن المسيب، وكذا
نقل ابن حجر في التلخيص (٣٦/٣ - ط شركة الطباعة
الفنية) عن أبي داود والبزار والدار قطني وغيرهم أنهم
رجحوا إرساله.
(٢) القليوبي ٢/ ٢٧٥، كشاف القناع ٣٤١/٣، الإنصاف
١٥٥/٥، نهاية المحتاج ٤/ ١٨١
(٣) حديث: ((ذهب حقك)). أخرجه أبو داود في المراسيل
(ص١٧٢ - ط الرسالة) من حديث عطاء بن أبي رباح
مرسلا، ونقل کذلك الزیلمي في نصب الراية (٤/ ٣٢١ -
ط المجلس العلمي) عن ابن القطان أنه ضعف الراوي عن
عطاء، وهو مصعب بن ثابت بن عبدالله.
وقالوا أيضا: أجمع الصحابة رضي الله عنهم
على أن الرهن مضمون، وإن اختلفوا في
کیفیته.
ولا فرق عندهم بين أن يكون المرهون مالا
ظاهرا كالحيوان والعقار، وبين أن يكون مالا
باطنا یمکن إخفاؤه کالحلي والعروض، وبین أن
يقيم شهادة بهلاكها بلا تفريط، وبين ألا يقيم
على ذلك شهادة .
أما إن هلك المرهون بتعد منه فإنه يضمن
ضمان الغصب. (١)
وفرق المالكية بين ما يمكن إخفاؤه کالحلي
والعروض، وبين ما لا يمكن إخفاؤه كالحيوان
والعقار، فیضمن الأول إن لم یکن المرهون عند
أمین، أو لم يقم بينة على هلاكه بلا تفريط منه،
ولا يضمن الثاني إلا بتفريط منه. (٢)
مؤنة المرهون :
١٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مؤنة المرهون
على الراهن كعلف الحيوان، وسقي الأشجار،
وجذاذ الثمار وتجفيفها، وأجرة مكان الحفظ،
والحارس، ورعي الماشية وأجرة الراعي ونحو
ذلك، لقوله ◌َله: ((لا يغلق الرهن من راهنه
الذي رهنه، عليه غرمه، وله غنمه)). (٣)
(١) حاشية الطحطاوي ٤/ ٢٣٥، فتح القدير ٩/ ٧٠
(٢) بداية المجتهد ٢٤٧/٢، حاشية الدسوقي ٢٥٣/٣
(٣) حديث: ((لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه ... )) تقدم
تخريجه (ف/١٨)
- ١٨٧ -

رهن ٢٠ - ٢٢
ولأنه ملكه، فوجب عليه ما يحتاج لبقاء
الرهن.(١)
وقال الحنفية: إن ما يحتاج إليه لمصلحة
الرهن بنفسه أو تبعيته كعلف الدابة، وأجرة
الراعي، وسقي البستان فعلى الراهن،
وما يحتاج لحفظ المرهون كمأوى الماشية، وأجرة
الحفظ فعلى المرتهن، لأن حبس المرهون له. (٢)
الامتناع من بذل ما وجب :
٢٠ - إذا امتنع من وجبت عليه مؤنة المرهون
أجبره الحاكم عليه، فإن أصر فعله الحاكم من
ماله بقدر الحاجة، وإن قام المرتهن بالمؤنة بغير
إذن الحاكم صار متطوعا فلا يرجع على الراهن
بشيء، وإن قام بالمؤنة بإذن الحاكم، أو أشهد
على الإِنفاق عند فقد الحاكم وامتناع من وجب
عليه المؤنة أو كان غائبا عن البلد رجع بما أنفقه
عليه . (٣)
وقال المالكية : يرجع المرتهن على الراهن بما
أنفقه وإن لم يأذن له الحاكم أو الراهن . (٤)
(١) كشاف القناع ٣/ ٣٣٣، نهاية المحتاج ٢٧٩/٤، القليوبي
٢٧٥/٢، حاشية الدسوقي ٢٥١/٣، بلغة السالك
١٢٠/٢
(٢) الطحطاوي ٢٣٨/٤، وابن عابدين ٣١٦/٥
(٣) حاشية ابن عابدين ٣١٣/٥، أسنى المطالب ١٦٩/٢،
المغني ٤٣٨/٤
ما يبطل به عقد الرهن قبل اللزوم:
٢١ - يبطل الرهن قبل القبض برجوع الراهن
عن الرهن بالقول وبتصرف يزيل الملك كالبيع
والإِصداق، وجعله أجرة ورهنه عند آخر مع
القبض، وهبة، ووقف، لأنه أخرجه عن إمكان
استيفاء الدین من ثمنه، أما موت أحد
المتعاقدين قبل القبض وجنونه، وتخمر العصير،
وشرود العين المرهونة قبل اللزوم فلا يبطل، أما
في الموت: فلأن مصير الرهن إلى اللزوم فلا
يتأثر بموته كالبيع في زمن الخيار، فيقوم وارث
الراهن مقامه في الإِقباض، ووارث المرتهن في
القبض، أما المجنون ونحوه فكالموت بل أولى
فيعمل الولي بما فيه المصلحة له، من الإِجازة أو
الفسخ والرجوع عن العقد.(١)
وقال المالكية : ببطل العقد بموت الراهن،
وفلسه ومرضه وجنونه المتصلین بالموت قبل
الحوز، وإذنه بسكنى الدار أو إجارة العين
المرهونة، ولو لم يسكن. (٢)
ما يبطل به الرهن بعد لزوم العقد :
٢٢ - يبطل العقد بعد لزومه: بتلف المرهون
بآفة سماوية أو بفعل من لا يضمن كحربي،.
(١) ابن عابدين ٣٠٨/٥، الهداية ١٢٦/٢، المغني ٤ / ٣٦٦،
روضة الطالبين ٤ / ٦٩، نهاية المحتاج ٤ /١٥٦
(٢) شرح الزرقاني ٢٤٢/٥ - ٢٤٣، بلغة السالك ١١٣/٢
(٤) بلغة السالك ٢/ ١٢٠
- ١٨٨ -

٠٠
رهن ٢٣ - ٢٤
لفواته بلا بدل، وبفسخ المرتهن لأن الحق له،
والعقد جائز من جهته، وبالبراءة من الدين
بأداء أو إبراء أو حوالة به أو عليه، وبتصرف
الراهن بإذن المرتهن بما يزيل الملك، كالهبة،
والوقف، والبيع، أو إجارة يحل الدين قبل
انقضاء مدتها، ورهن عند غير المرتهن بإذنه
أيضا. (١)
الشرط في عقد الرهن :
٢٣ - الشرط في عقد الرهن كالشرط في البيع فإن
شرط فيه مقتضى العقد كتقدم المرتهن بالمرهون
عند تزاحم الغرماء وکون المرهون في ید المرتهن،
صح العقد، وإن شرط فيه ما ينافي مقتضى
العقد، كأن لا يباع عند الحاجة إلى البيع أو
لا يباع إلا بأكثر من ثمن المثل، أو أن يكون
المرهون بيد الراهن ونحو ذلك مما يضر المرتهن أو
الراهن بطل الشرط لمنافاته مقصود الرهن
ومقتضاه، ويبطل العقد لفساد الشرط. (٢)
استحقاق بيع المرهون :
٢٤ - إذا حل الدين لزم الراهن بطلب المرتهن
(١) نهاية المحتاج ٤/ ٢٥٤ - ٢٥٩ و٢٦٨ - ٢٦٩، روضة
الطالبين ٨٢/٤ - ٨٣، المغني ٣٦٦/٤، الهداية ٢/ ١٤٧،
١٥٧ بلغة السالك ١١٣/٢
(٢) شرح الزرقاني ٢٤١/٥، أسنى المطالب ١٥٣/٢، المغني
٤/ ٤٢١ - ٤٢٣، نهاية المحتاج ٢٣٥/٤
إیفاء الدین لأنه دین حال فلزم ايفاؤه کالذي
لا رهن به، فإن وفی الدین جمیعه في ماله غیر
المرهون انفك المرهون، فإن لم یوف کل الدين أو
بعضه، وجب عليه بيع المرهون بنفسه أو بوكيله
بإذن المرتهن، لأن له حقا فيه، ويقدم في ثمنه
المرتهن على سائر الغرماء، وهذا محل اتفاق بين
الفقهاء. (١) فإن امتنع عن وفاء الدين وبيع
المرهون لأداء الدين من ثمنه أمره الحاكم بوفاء
الدين من ماله، أو بيع المرهون، وأدائه من ثمنه
فإن أصر على الامتناع من كلا الأمرين عزره
الحاكم بالحبس أو الضرب ليبيع المرهون، فإن لم
يفعل باع الحاكم المرهون، وقضی الدین من
ثمنه لأنه تعين طريقا لأداء الواجب، وإلى هذا
ذهب الشافعية والحنابلة . (٢)
وقال المالكية: لا یضرب، ولا يحبس،
ولا يهدد بهما، بل يقتصر الحاكم على بيع
المرهون وأداء الدين من ثمنه. (٣)
وقال الحنفية: للمرتهن مطالبة الراهن
بدينه، وإن كان الرهن بيده، وأن يطالب
بحبسه لدینه لأن حقه باق بعد الرهن، والرهن
(١) الهداية ١٢٨/٤، كشاف القناع ٣٤٢/٣، المغني
٤/ ٤٤٧، نهاية المحتاج ٢٧٤/٤، روضة الطالبين ٨٨/٤
(٢) حاشية البجيرمي ٢/ ٣٨٠، نهاية المحتاج ٤/ ٢٧٤،
القليوبي ٢٧٤/٢، كشاف القناع ٣٤٢/٣، المغني
٤/ ٤٤٧
(٣) شرح الزرقاني ١٥٣/٥
- ١٨٩ -

رهن ٢٤، رواتب، رواج ١ - ٢
لزيادة التوثيق والصيانة فلا تمتنع به المطالبة،
والحبس جزاء الظلم، وحبسه القاضي إن ظهر
مطله، ولا يبيع القاضي المرهون لأنه نوع
حجر، وفي الحجر إهدار أهليته، فلا يجوز،
ولكنه يديم الحبس عليه حتى يبيعه دفعا
للظلم. (١) (ر: حجر).
رواج
رواتب
انظر: راتب .
(١) الهداية ١٢٨/٤، ٢٨٥/٣، ابن عابدين ٩٥/٥ - ٣١٠
التعريف :
١ - الرواج اسم من راج يروج روجا ورواجا
بمعنى أسرع. ويقال: راج الشيء أي نفق
وكثر طلابه. وراجت الدراهم رواجا: كثر
تعامل الناس بها. (١)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي له عن المعنى
اللغوي . (٢)
الحكم الإجمالي :
٢ - للرواج أثر في تعيين النقود والثمن في
العقود، وهو قرينة دالة على إرادة الطرفين حال
إطلاق الثمن في البيوع، فقد ذكر الفقهاء أنه
يشترط لصحة البيع أن يكون الثمن معلوما،
وإلا فسد العقد، لأن الجهالة تفضي الى
المنازعة فلا يحصل المقصود من شرعية العقد
المبني على التراضي .
(١) المصباح المنير، ومتن اللغة مادة (روج).
(٢) الزيلعي ٥/٤، والزرقاني ٢٤/٥، ومغني المحتاج
١٧/٢، وكشاف القناع ٣ / ١٧٤
- ١٩٠ -

رواج ٣
وإذا ذکر مقدار الثمن ولم یبین نوعه وصفته،
کأن قال: بعتك هذه السلعة بألف دينار مثلا ،
فإذا كان في البلد المعقود فیه نقد واحد يتعامل
الناس به صح العقد، وانصرف إلى ذلك النقد
الرائج في البلد، لأنه تعين بانفراده وعدم
مشاركة غيره له، فلا جهالة.
كذلك إذا كان في البلد نقود متعددة - مختلفة
في المالية أو متساوية فيها - لكن أحدها غالب
رواجا صح البيع وانصرف الإِطلاق إلى النقد
الرائج، لدلالة القرينة الحالية على إرادته،
فكأنه معين، لأن المعلوم بالعرف كالمعلوم
بالنص .(١)
٣ - كما يصح البيع إذا أطلق الثمن وكان في البلد
نقود متعددة مستوية في القيمة المالية والرواج،
وفي هذه الحالة يخير المشتري في أن يؤدي أيهما
شاء، وجبر البائع على قبول ما يدفع له منها،
لأن الجهالة في هذه الحالة لا تؤدي إلى
المنازعة . (٢)
أما إذا أطلق الثمن ولم یبین نوعه ولا صفته،
وكان في البلد نقود مختلفة في القيمة والمالية
ومتساوية في الرواج فإن البيع يفسد اتفاقا، لأن
جهالة وصف الثمن في هذه الحالة تفضي إلى
(١) الزيلعي ٥/٤، وفتح القدير ٤٦٩/٥، والزرقاني ٢٤/٥،
وكشاف القناع ١٧٤/٣، ومغني المحتاج ٢/ ١٧
المنازعة، فالمشتري يريد دفع الأدْوَن والبائع
يطلب الأرفع، ولعدم إمكان الصرف إلى
أحدها دون الآخر لما فيه من التحكم عند
التساوي في الرواج. وإذا لم يمكن الصرف إلى
أحدها والحالة أنها متفاوتة المالية جاءت الجهالة
المفضية إلى المنازعة فيفسد البيع، وهذا عند
الجميع. ثم قال الحنفية: إن ارتفعت الجهالة
ببيان أحدها في المجلس وبرضى الآخر صحّ،
لارتفاع المفسد قبل تقرره.(١)
وتفصيل هذه المسائل في مصطلح : (نقود).
בַכרוכה
(١) فتح القدير على الهداية ٤٦٩/٥، وشرح المجلة للأتاسي
٧٩/١، وابن عابدين ٢٦/٤، والزرقاني ٤/ ٢٤،
والبهجة على التحفة ٢/ ١١، ومغني المحتاج ٢/ ١٧،
وكشاف القناع ١٧٤/٣، والقليوبي ٢/ ١٦٢
(٢) المراجع السابقة .
- ١٩١ -

روت ١ - ٢
٠٠
روث
التعريف :
١ - الروث لغة: رجيع (فضلة) ذي الحافر،
واحده روثة والجمع أرواث.(١) .
ويستعمل الفقهاء هذا اللفظ بأوسع من
ذلك فيطلق عندهم على رجيع ذي الحافر وغيره
كالإِبل والغنم. (٢)
وقريب منه الخَثى، والخَتى للبقر، والبعر
للإِبل والغنم، والذرق للطيور. (٣)
والعذرة للآدمي، (٤) والخرء للطير والكلب
والجرذ والإِنسان .
والسرجين أو السرقين هو رجيع ما سوى
الإنسان . (٥)
حكم الروث من حيث الطهارة والنجاسة:
٢ - يرى المالكية والحنابلة والشافعية في وجه أن
(١) متن اللغة والقاموس المحيط مادة: (روث).
(٢) البناية ١/ ٧٤١، والشرح الصغير ٧٨/١
(٣) الكليات لأبي البقاء ٣٩٥/٢
(٤) ابن عابدين ٢٤٦/٥
(٥) القاموس المحيط وتاج العروس، وابن عابدين ٢٤٦/٥
روث ما يؤكل لحمه طاهر.
وبهذا قال عطاء والنخعي والثوري،
واستدلوا بما روي أن النبي ◌َ لّ كان يصلي في
مرابض الغنم. وقال: ((صلوا في مرابض
الغنم)). (١) وصلى أبو موسى في موضع فيه أبعار
الغنم فقيل له: لو تقدمت إلى ههنا. قال: هذا
وذاك واحد .
ولم یکن للنبي ژهے وأصحابه ما يصلون عليه
من الأوطئة والمصليات وإنما كانوا يصلون على
الأرض، ومرابض الغنم لا تخلومن أبعارها
وأبوالها، ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل
لحمه فکان طاهرا . (٢)
أُما روث غیر مأکول اللحم فنجس عند
هؤلاء الفقهاء، وقد صرح المالكية بنجاسة
روث مكروه الأكل كمحرمه وإن لم يستعمل
النجاسة . (٣)
وقال الحنفية والشافعية - على المذهب -
بنجاسة الروث من جميع الحيوانات المأكول
اللحم وغيرها . (٤)
(١) حديث: ((صلوا في مرابض الغنم)). أخرجه الترمذي
(١٨١/٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وقال:
«حديث حسن صحيح)).
(٢) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه ١/ ٤٧، وجواهر
الإكليل ١/ ٩
(٣) المراجع السابقة والشرح الصغير ٥٣/١ - ٥٤
(٤) روضة الطالبين ١٦/١، وبدائع الصنائع ٨٠/١، =
- ١٩٢ -

روث ٣
ثم اختلف الفقهاء في صفة نجاسة
الأرواث:
فعند أبي حنيفة هي نجسة نجاسة غليظة،
وعند أبي يوسف ومحمد نجاسة خفيفة.
وذكر الكرخي أن النجاسة الغليظة عند أبي
حنيفة ما ورد نص يدل على نجاسته، ولم يرد
نص معارض له يدل على طهارته، وإن اختلف
العلماء فيه. والخفيفة ما تعارض نصان في
طهارته ونجاسته .
وعند أبي يوسف ومحمد الغليظة ما وقع
الاتفاق على نجاسته. والخفيفة ما اختلف
العلماء في نجاسته وطهارته . (١)
٣ - بناء على هذا الأصل فالأرواث كلها نجسة
نجاسة غليظة عند أبي حنيفة لأنه ورد نص یدل
على نجاستها وهو حديث ابن مسعود رضي الله
عنه قال: ((إن النبي ◌ُ ل# طلب منه أحجار
الاستنجاء فأتى بحجرين وروثة فأخذ الحجرين
ورمى بالروثة وقال: هذا ركس))(٢) أي :
نجس. ولیس له نص معارض، وإنما قال بعض
= والفتاوى الخانية بهامش الهندية ١٩/١، والفتاوى
الهندية ٤٦/١
(١) بدائع الصنائع ١/ ٨٠، والفتاوى الخانية ١٩/١، وعمدة
القارىء ٣٠٤/٢
(٢) حديث ابن مسعود: ((أن النبي ◌َلل طلب منه أحجار
الاستنجاء)) أخرجه البخاري (الفتح ٢٥٦/١ - ط
السلفية).
العلماء بطهارتها بالرأي والاجتهاد، والاجتهاد .
لا يعارض النص فكانت نجاستها غليظة .
وعلى قول الصاحبين نجاسة ما يؤكل لحمه
خفيفة لأن العلماء اختلفوا فيها .
كما أن في الأرواث ضرورة وعموم البلية
لكثرتها في الطرقات فتتعذر صيانة الخفاف
والنعال عنها، وما عمت بليته خفت قضيته .
ويتفرع عن اختلاف الأصلین أنه إذا أصاب
الثوب من الروث أكثر من قدر درهم لم تجز
الصلاة فيه عند أبي حنيفة .
وقال الصاحبان: يجزئه حتى يفحش،
ولا فرق عندهما بين المأكول وغير المأكول.
وفي كل ما يعتبر فيه الفاحش فهو مقدر
بالربع في قول محمد وهورواية عن أبي حنيفة .
وقال أبو يوسف: شبر في شبر. وفي رواية ذراع
في ذراع. (١)
وروي عن محمد في الروث أنه لا يمنع جواز
الصلاة وإن کان کثیرا فاحشا. وقيل: إن هذا
آخر أقاویله حین کان بالري وکان الخلیفة بها،
فرأى الطرق والخانات مملؤة من الأرواث
وللناس فيها بلوى عظيمة . (٢)
وعند المالكية يعفى عما أصاب الخف والنعل
(١) بدائع الصنائع ١/ ٨٠ - ٨١، والبناية ٧٤١/١، والفتاوى
الخانية بهامش الهندية ١/ ١٩
(٢) بدائع الصنائع ٨١/١
- ١٩٣ -
٠

روٹ ٤
من أرواث الدواب وأبوالها في الطرق والأماكن
التي تطرقها الدواب كثيرا، لعسر الاحتراز من
ذلك، بخلاف ما أصاب غير الخف والنعل
کالثوب والبدن فلا عفو. (١)
أما الشافعية فنجاسة الروث عندهم
لا يعفى عنها إلا إذا كانت مما لا يدركه الطرف
فیعفی عنها في قول. (٢)
وعند الإِمام أحمد يعفى عن يسير فضلات
سباع البهائم وجوارح الطير والبغل والحمار.
وظاهر مذهب أحمد أن الیسیرما لا یفحش
في القلب. وهو قول ابن عباس. (٣)
وقال ابن أبي ليلى : السرقين ليس بشيء،
قلیله وکثیره لا يمنع الصلاة، لأنه وقود أهل
الحرمين ولو كان نجسا لما استعملوه، كما لم
يستعملوا العذرة . (٤)
ولتفصيل ذلك انظر مصطلح : (نجاسة).
الاستنجاء بالروث :
٤ - ذهب الشافعية والحنابلة والمالكية في قول
والثوري وإسحاق إلى عدم جواز الاستنجاء
بالروث طاهرا كان أو غير طاهر. (٥)
(١) الشرح الصغير ٧٨/١ - ٧٩
(٢) المهذب ٦٧/١ نشر دار المعرفة.
(٣) المغني ٢ / ٧٩، ٩٠
(٤) البناية ١/ ٧٤٢
(٥) المجموع ٢/ ١١٤ - ١١٥، والمغني ١٥٧/١، وعمدة
القارىء ٣٠١/٢
واستدل هذا الفريق من الفقهاء على
ما ذهبوا إليه بما يأتي :
١ - حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
قال: ((اتبعت النبي ◌َ ﴾ وخرج لحاجته فقال:
أبغني أحجارا أستنفض بها أو نحوه ولا تأتني
بعظم ولا روث)).(١)
٢ -حديث سلمان رضي الله عنه قال: ((نهى
رسول الله وَّر عن الروث والعظام)). (٢)
ولأن الروث نجس في نفسه عند من قال
بنجاسته والنجس لا يزيل النجاسة. (٣)
وقال المالكية: لا يجوز الاستنجاء بالروث
النجس ويجوز بالطاهر منه مع الكراهة، لأن
الروث طعام دواب الجن يرجع علفا كما كان
علیه . (٤)
ويرى الحنفية كراهة الاستنجاء بالروث لأن
النص الوارد في الاستنجاء بالأحجار معلول
بمعنى الطهارة، وقد حصلت بالروث كما
(١) حديث أبي هريرة: ((أبغني أحجارا أستنفض بها)). أخرجه
البخاري (الفتح ٢٥٥/١ - ط السلفية).
(٢) حديث سلمان: ((نهى رسول الله ◌َلي عن الروث والعظام))
أخرجه مسلم (١/ ٢٢٤ - ط الحلبي).
(٣) بدائع الصنائع ١٨/١، والمجموع ١١٣/٢، ١١٦،
والحطاب ٢٨٨/١، والمغني ١/ ١٥٧، ونيل الأوطار
١١٨/١ نشر دار الجيل.
(٤) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١/ ١٥٥ نشر دار
المعرفة، والدسوقي ١١٤/١، نشر دار الفكر والشرح
الصغير ١٠١/١، والخطاب ٢٨٨/١
- ١٩٤ -

ر وٹ ٥ - ٧
تحصل بالأحجار، إلا أنه کرهه بالروث لما فيه
من استعمال النجس وإفساد علف دواب
الجن.(١)
٥ - ثم اختلف الفقهاء في الاعتداد بالاستنجاء
بالروٹ :
فذهب الحنفية والمالكية وابن تيمية إلى أن
من خالف واستنجی بالروث یعتد به إن حصل
به الإِنقاء. (٢)
قال الكاساني : فإن فعل ذلك (استنجی
بالروث) يعتد به عندنا، فيكون مقيما سنّة (سنّة
الاستنجاء) ومرتكبا كراهة، ويجوز أن يكون
لفعل واحد جهتان مختلفتان فیکون بجهة كذا
وبجهة كذا. (٣)
ويرى الشافعية وجمهور الحنابلة أن من
خالف واستنجى بالروث لم يصح. واستدلوا
بحديث ابن مسعود رضي الله عنه في سؤال
الجن الزاد من رسول اللهآل# فقال: «لكم كل
عظم ذكر اسم الله علیه یقع في أیدیکم، أوفر
ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم)) فقال
رسول الله صل: ((فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام
إخوانكم)). (٤)
(١) بدائع الصنائع ١٨/١
(٢) بدائع الصنائع ١٨/١، والدسوقي ١١٤/١، والشرح
الصغير ١٠٢/١، والفروع ١٢٣/١
(٣) بدائع الصنائع ١٨/١، وعمدة القارىء ٣٠١/٢
(٤) حديث ابن مسعود: ((في سؤال الجن الزاد ... )) أخرجه
مسلم (٣٣٢/١ - ط الحلبي).
والنهي يقتضي الفساد وعدم الإِجزاء. (١)
٦ - أما من استنجی بالروث ثم استنجى بعده
بمباح كحجر فقد اختلف من يرى عدم الصحة
من الفقهاء فيه على الاتجاهات التالية:
١ - عدم الإِجزاء مطلقا، وهو الصحيح عند
جمهور الشافعية وهو قول عند الحنابلة، وبناء
على هذا الاتجاه يتعين الاستنجاء بالماء بعده.
٢ - الإِجزاء مطلقا وهو قول عند كل من
الشافعية والحنابلة .
٣ - الإِجزاء إن أزال شيئا، وهو قول ذكره ابن
حمدان الحنبلي في الرعاية الكبرى واختاره.
وأجاز ابن جرير الاستنجاء بكل طاهر
ونجس من الجمادات. (٢)
وللتفصيل (ر: استجمار، استنجاء).
بيع الروث :
٧ - اختلف الفقهاء في حکم بیع الروث، وينظر
التفصيل في بحث (زبل).
(١) المجموع ٢/ ١١٤ - ١١٥، وكشاف القناع ١/ ٦٩،
ومطالب أولي النهى ١/ ٧٦، ونيل الأوطار ١١٨/١
(٢) المجموع ١١٤/٢ - ١١٥ والفروع ١٢٣/١
- ١٩٥ -

ريبة ١ - ٢
الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)). كما في
الحديث. (١)
رية
التعريف :
١ - الريبة اسم مأخوذ من الريب، وهي في اللغة
الشك والتهمة، وجمعها ریب کسدرة وسدر. (١)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للريبة عن
المعنى اللغوي .
الحكم التكليفي :
٢ - يندب ترك ما من شأنه أن يوقع في الريبة،
والأخذ بما لا يوقع فيها، للحديث الذي رواه
الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رسول اللّه والخه
قال: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). (٢) فإن
الأمر فيه للندب، لأن توقي الشبهات مندوب
لا واجب على الأصح. ومعنى الحديث اترك
ما تشك فيه من الشبهات واعدل إلى
ما لا تشك فیه من الحلال، لأن «من اتقى
(١) الصحاح والقاموس والمصباح مادة: (ريب).
(٢) حديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). أخرجه
الترمذي (٦٦٨/٤ - ط الحلبي) والحاكم (٤ / ٩٩ - ط دائرة
المعارف العثمانية) وقال الذهبي : سنده قوي.
فمن أشكل عليه شيء والتبس ولم يتبين أنه
من أي القبیلین هو، فليتأمل فيه فإن وجد
ما تسكن إليه نفسه ويطمئن به قلبه وینشرح له
صدره فليأخذ به وإلا فليدعه، وليأخذ بما
لا شبهة فیه ولا ریبة، ويسأل المجتهدین إن
كان من المقلدين وهذا هو طريق الورع
والاحتياط. (٢)
وينبغي للإِمام اجتناب الريبة في الرعية،
وعدم تتبع العورات، لأنه إن فعل ذلك أفسدهم
لقوله ◌َله: ((إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس
أفسدهم». (٣)
ومقصود الحديث حث الإِمام على التغافل،
وعدم تتبع العورات. فإن بذلك يقوم النظام
ويحصل الانتظام. والإِنسان قلما يسلم من عيبه
فلو عاملهم بكل ما قالوه أو فعلوه اشتدت
عليهم الأوجاع واتسع المجال، بل يسترعيوبهم
(١) حديث: ((من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)).
أخرجه البخاري (الفتح ١٢٦/١ - ط السلفية)، ومسلم
(٣/ ١٢٢٠ - ط الحلبي) من حديث النعمان بن بشير.
واللفظ لمسلم.
(٢) فيض القدير ٥٢٨/٣ - ط الأولى.
(٣) حديث: ((إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم)).
أخرجه أبو داود (٥/ ٢٠٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس)،
وإسناده صحيح .
- ١٩٦ -

ريبة ٢ - ٣
ویتغافل ويصفح ولا يُتبع عوراتهم ولا يتجسس
(١)
عليهم .
وأما ظن السوء والخيانة بمن شوهد منه الستر
والصلاح فحرام شرعا، بخلاف من اشتهر بين
الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث،
لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا
من الظن إن بعض الظن إثم﴾. (٢) ولقوله وقلت :
((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)). (٣)
ولما روي عن النبي ◌َّله: ((كل المسلم على
المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه)). (٤)
والظن في الشريعة قسمان: محمود ومذموم،
فالمحمود منه ما سلم معه دين الظانّ، وسلم
أيضا المظنون به عند علمه بذلك الظن.
والمذموم ضده بدلالة قوله تعالى: ﴿إن بعض
الظن إثم﴾، وقوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه
ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا﴾، (٥)
وقوله: ﴿وظننتم ظن السوء وكنتم قوما
بورا﴾. (٦)
(١) فيض القدير ٣٢٣/٢ - ط الأولى.
(٢) سورة الحجرات/ ١٢
(٣) حديث: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)).
أخرجه مسلم (١٩٨٥/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي
هريرة .
(٤) حديث: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه ... )) أخرجه
مسلم (٤/ ١٩٨٦ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٥) سورة النور/ ١٢
(٦) سورة الفتح / ١٢
وقال النبي ◌َّ: ((إذا كان أحدكم مادحا
لا محالة فلیقل أحسب کذا وكذا إن کان یری
أنه كذلك، والله حسيبه، ولا يزكي على الله
أحدا)). (١) وقال: ((إذا حسدت فاستغفر، وإذا
ظننت فلا تحقق، وإذا تطیرت فامض)). (٢)
قال المهدويّ: وأكثر العلماء على أن الظن
القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في
الظن القبيح بمن ظاهره القبح. (٣)
آثار الريبة ومواطن البحث :
٣ - يظهر أثر الريبة في كثير من مسائل الفقه،
فيظهر أثرها في الفقر والمسكنة كما لو كان ظاهر
من يدعي ذلك مخالفا لدعواهما فتلك ريبة
تكذب دعواهما فلا تقبل إلا ببينة .
- ويظهر أثرها أيضا في الوصية بمعنى
الإِيصاء كما لو ظهر للحاكم ريبة في الوصي،
فإنه يجوز له أن يضم إليه معينا بمجرد الريبة كما
أفتى السبكي .
- وتؤثر الريبة أيضا في العدة فإنها أي العدة
(١) حديث: ((إذا كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٤٧٦/١٠ - ط السلفية) من
حديث أبي بكرة.
(٢) حديث: ((إذا حسدت فاستغفر، وإذا ظننت ... )) أورده
الهيثمي في المجمع (٧٨/٨ - ط القدسي) وقال: رواه
الطبراني وفيه إسماعيل بن قيس الأنصاري، وهو ضعيف.
(٣) تفسير القرطبي ٣٣١/١٦ - ط الأولى.
- ١٩٧ -

ريبة ٣
تثبت بالشك كما ذكر الحنفية، وذكر المالكية أن
المستحاضة إذا لم تميزدم المرض من دم الحيض،
أو تأخر الحيض بلا سبب ظاهر من رضاع أو
استحاضة، أو مرضت المطلقة فتأخر حيضها
بسببه قبل الطلاق أو بعده، تربصت تسعة أشهر
استبراء على المشهور لزوال الريبة لأنها مدة
الحمل غالبا. وفي كونها تعتبر من يوم الطلاق أو
من يوم ارتفاع حيضها قولان، وقالوا في المعتدة
من طلاق أو وفاة إن ارتابت في الحمل، أنها
تتربص إلى أقصى أمد الحمل ، وفي كونها
تتربص أربع سنين أو خمسا خلاف.
وذكر الشافعية - كما جاء في المنهاج - أنه لوظهر
في عدة أقراء أو أشهر حمل من الزوج اعتدت
بوضعه، ولا اعتبار بما مضى من الأقراء أو
الأشهر لوجود الحمل، ولو ارتابت في العدة
المذكورة لثقل وحركة تجدهما، لم تنكح آخر بعد
تمامها حتى تزول الريبة .
وذکر الحنابلة أن المعتدة إذا ارتابت بأن ترى
أمارات الحمل من حركة أو نفخة ونحوهما
وشکت. هل هو حمل أم لا؟ فلا يخلوذلك من
ثلاثة أحوال :
أحدها: أن تحدث بها الريبة قبل انقضاء
عدتها وفي هذه الحالة تبقى في حكم الاعتداد
حتى تزول الريبة، فإن بان حملا انقضت عدتها
بوضعه، فإن زالت وبان أنه ليس بحمل تبینًا أن
عدتها انقضت بالقروء أو الأشهر، فإن زوجت
قبل زوال الريبة فالنكاح باطل، لأنها تزوجت
وهي في حكم المعتدات في الظاهر، ويحتمل أنه
إذا تبين عدم الحمل أنه يصح النكاح، لأنا تبینًا.
أنها تزوجت بعد انقضاء عدتها.
الثاني : أن تظهر بها الريبة بعد انقضاء عدتها
وزواجها، فالنكاح صحيح لوجوده بعد انقضاء
العدة ظاهرا، والحمل مع الريبة مشكوك فيه فلا
یزول به ما حکم بصحته، لكن لا يحل لزوجها
وطؤها للشك في صحة النكاح، ولأنه لا يحل
لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع
غيره. ثم ننظر فإن وضعت الولد لأقل من ستة
أشهر منذ تزوجها الثاني ووطئها فنكاحه باطل
لأنه نکحها وهي حامل، وإن أتت به لأكثر من
ذلك فالولد لا حق به ونکاحه صحیح .
الثالث: أن تحدث بها الريبة بعد انقضاء
العدة وقبل النكاح ففي حل النكاح لها وجهان
أحدهما: عدم الحل، فإن تزوجت فالنكاح باطل
لأنها تتزوج مع الشك في انقضاء العدة فلم
يصح، كما لو وجدت الريبة في العدة، ولأننا لو
صححنا النكاح لوقع موقوفا، ولا يجوز كون
النكاح موقوفا .
والثاني: يحل لها النكاح ويصح لأننا حكمنا
بانقضاء العدة، وحل النكاح، وسقوط النفقة
والسكنى، فلا يجوز زوال ما حكم به للشك
الطارىء، ولهذا لا ينقض الحاكم ما حكم به
بتغیر اجتهاده ورجوع الشهود .
- ١٩٨ -

ريبة ٣، ريح ١
- وتؤثر الريبة أيضا في الشهادة على الدم،
كما لو ادعى الولي القتل على رجلین، وشهد له
شاهدان فبادر المشهود عليهما وشهدا على
الشاهدین بأنهما القاتلان، وذلك یورث ريبة
للحاكم فيراجع الولي ويسأله احتياطا.
- ويندب للحاكم تفرقة الشهود عند ارتيابه
فيهم، كما ذكر الشافعية ويسأل كلاّ
ويستقصي، ثم يسأل الثاني کذلك قبل اجتماعه
بالأول ویعمل بما غلب على ظنه .
والأولى كون ذلك قبل التزكية. ثم إن أصل
الرد في الشهادة مبناه التهمة . (١)
هذا، ويبحث عن المسائل الخاصة
بمصطلح ريبة في: الزكاة، والوصية، والعدة،
والقضاء، والشهادة، ويبحث عنها أيضا في
مصطلح: (شك) ومصطلح : (تهمة).
(١) فتح القدير ٢٨٧/٣ - ط الأميرية، الدسوقي ٤٩٢/١،
٢/ ٤٧٠، ٤٧٤ - ط الفكر، جواهر الإكليل ٣٨٥/١ -
٣٨٧ - ط المعرفة، نهاية المحتاج ٦/ ١٠٢، ٢٥٤/٨ - ط
المكتبة الإسلامية، حاشية القليوبي ٤/ ٤٤ - ط الحلبي،
روضة الطالبين ٣٥/١٠ - ط المكتب الإسلامي، الإنصاف
٢٧٧/٩ - ط التراث، المغني ٧/ ٤٦٨ - ٤٦٩ - ط
الریاض.
ريح
التعريف :
١ - الريح في اللغة: الهواء المسيّربين السماء
والأرض، والريح بمعنى الرائحة : عرض يدرك
بحاسة الشم، يقال: ريح زكية .
وقيل: لا يطلق اسم الريح إلا على الطيب
من النسيم .
أما الرائحة فهي النسيم طيبا كان أم نتنا.
وجمعها: رياح، وأرواح، وأراويح. (١)
ويستخدم لفظ (الرياح) في الرحمة، ولفظ
(الريح) في العذاب، ومنه حديث: ((اللهم
اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا)». (٢)
والريح : الهواء الخارج من أحد السبيلين.
(١) لسان العرب، تاج العروس، مفردات القرآن للأصفهاني
مادة: (روح)
(٢) حديث: ((اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا)». هو شطر
من حديث أخرجه الطبراني في الکبیر من حديث ابن عباس
كما في مجمع الزوائد (١٣٥/١٠ ط القدسي) وقال
الهيثمي : فيه حسين بن قيس الملقب بحنش وهو متروك، وقد
وثقة حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح .
- ١٩٩ -

ریح ٢ - ٤
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن هذه
المعاني اللغوية .
الأحكام المتعلقة بالريح :
الدعاء عند هبوب الريح :
٢ - يستحب للمرء عند هبوب الريح أن يسأل
الله خيرها ويتعوذ من شرها، ویکره سبها
لقوله : ((الريح من روح الله تأتي بالرحمة
وبالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا
الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها)). (١)
ويقول في دعائه: ((اللهم إني أسألك خيرها،
وخير ما فيها وخيرما أرسلت به، وأعوذ بك من
شرها، ومن شرما فيها وشر ما أرسلت به)). (٢)
ويقول: ((اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها
عذابا، اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها
ريحا)). (٣)
الريح الخارج من السبيلين:
٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن خروج ريح من
(١) حديث: ((الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب)).
أخرجه أبوداود (٣٢٩/٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من
حديث أبي هريرة والحاكم (٢٨٥/٤ - ط دائرة المعارف
العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) حديث: ((اللهم إني أسألك خيرها)). أخرجه مسلم
(٦١٦/٢ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٣) كشاف القناع ٢/ ٧٥، وحاشية الجمل ٢/ ١٢٧، وأسنى
المطالب ٢٩٤/١، ونهاية المحتاج ٢/ ٤١٧
وحديث: ((اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا))، هو
شطر من حديث ابن عباس، السابق تخريجه ف/ ١
دبر الإِنسان ينقض الوضوء لقوله محل#: ((لا وضوء
إلا من صوت أوريح)). (١)
واختلفوا في نقضه إذا خرج من قبل المرأة أو
من ذكر الرجل .
فذهب الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أن
خروج الريح من قبل المرأة أو ذكر الرجل ناقض
للطهارة، لعموم قوله جل#: ((لا وضوء إلا من
صوت أو ربح)).
وقال الحنفية والمالكية: إن الريح الخارج من
القبل أو الذكر ليس بناقض، لأنها لا تنبعث عن
محل النجاسة فهو كالجشاء. وهو قول عند
الحنابلة . (٢)
والتفصيل في مصطلح : (حدث).
الاستنجاء من الريح :
٤ - الريح الخارجة من الدبر ليست بنجسة، فلا
يستنجى منها لقوله : ((من استنجى من
الريح فليس منا))(٣) وقال أحمد: ليس في الريح
(١) حديث: ((لا وضوء إلا من صوت أوريح)). أخرجه
الترمذي (١٠٩/١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة،
وقال: ((حديث حسن صحيح)).
(٢) أسنى المطالب ٥٤/١، وفتح القدير ٣٣/١، ٤٧ - ٤٨،
وبدائع الصنائع ١/ ٢٥، وابن عابدين ٩٢/١، ومواهب
الجليل ١/ ٢٩١، وكشاف القناع ١٢٣/١، والمغني
١/ ١٦٩، وحاشية الدسوقي ١١٨/١
(٣) حديث: ((من استنجى من الريح فليس منا)). أخرجه =
- ٢٠٠ -