النص المفهرس

صفحات 121-140

رجل ٢ - ٣
الحكم التكليفي :
وردت الأحكام المتعلقة بالرجل في عدد من
أبواب الفقه منها مايلي:
أ - الوضوء :
٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن غسل الرجلين
مع الكعبين - وهما العظمان الناتئان عند مفصل
الساق والقدم - من فروض الوضوء لقوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى
الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾(١)
وللأحاديث الصحیحة التي وردت في غسل
الرجلين، ومنها ما روي في وضوء النبي وَلاغير أنه
غسل كل رِجْل ثلاثا. (٢) وفي لفظ: ثم غسل
رجله الیمنی إلی الکعبین ثلاث مرات، ثم
غسل رجله اليسرى مثل ذلك. (٣) ومنها
قوله: ((ويل للأعقاب من النار))(٤) وذلك
عندما رأى قوما يتوضؤون وأعقابهم تلوح لم
يمسها الماء.
وعن عمر رضي الله عنه أن رجلا توضأ،
(١) سورة المائدة / ٦
(٢) حديث: ((غسل كل رجل ثلاثا .. )) أخرجه البخاري
(الفتح ٢٦٦/١ - ط السلفية) من حديث عثمان.
(٣) حديث: ((ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين)) أخرجه
مسلم (١/ ٢٠٥ - ط الحلبي) من حديث عثمان.
(٤) حديث: ((ويل للأعقاب من النار)) أخرجه مسلم
(٢١٤/١ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمرو.
فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ◌َير
فقال: ((ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم
صلی)».(١)
وذهب بعض السلف إلى أن الفرض في
الرجلين هو المسح لا الغسل، وذلك أخذا بقراءة
مهاجر ((أرجلكم)) في قوله تعالى : ﴿وامسحوا
برؤوسكم وأرجلكم﴾(٢) فإنها تقتضي كون
الأرجل ممسوحة لا مغسولة.
وذهب الحسن البصري ومحمد بن جرير
الطبري إلى أن المتوضىء مخير بين غسل
الرجلين وبين مسحهما، لأن كل واحدة من
القراءتين قد ثبت كونها قراءة وتعذر الجمع بين
مقتضيهما وهو وجوب الغسل بقراءة النصب
ووجوب المسح بقراءة الجر، فيخير المكلف إن
شاء عمل بقراءة النصب فغسل، وإن شاء عمل
بقراءة الخفض فمسح، وأيهما فعل يكون آتيا
بالمفروض، كما هو الحال في الأمر بأحد الأشياء
الثلاثة في كفارة اليمين. (٣)
والتفصيل في مصطلح : (وضوء، مسح).
ب - حد السرقة :
٣ - اتفق الفقهاء على أن حد السارق قطع يده
(١) حديث عمر: ((أن رجلا توضأ ... )) أخرجه مسلم
(٢١٥/١ - ط الحلبي).
(٢) سورة المائدة / ٦
(٣) البدائع ٥/١، والمجموع ٤١٧/١، والقوانين الفقهية.
ص٢٧، وجواهر الإكليل١٤/١، والمغني لابن قدامة ١٣٢/١
- ١٢١ -

رجل ٤ - ٥
لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز
حكيم﴾(١) وأول ما يقطع من السارق يده
الیمنی، لأن البطش بها أقوی فكانت البداية بها
أردع، ولأنها آلة السرقة، فكانت العقوبة
بقطعها أولى.
٤ - واتفقوا على أنه إن سرق ثانيا قطعت رجله
اليسرى لما روى أبوهريرة رضي الله عنه عن
النبي * أنه قال في السارق: ((إذا سرق
السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رِجْله))(٢)
ولأنه في المحاربة الموجبة قطع عضوين إنها تقطع
يده ورجله، ولا تقطع يداه، وحکي عن عطاء
وربيعة أنه إن سرق ثانيا تقطع يده اليسرى لقوله
سبحانه وتعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾(٣) ولأن
اليد آلة السرقة والبطش فكانت العقوبة بقطعها
أولى، قال ابن قدامة - بعد أن ذكر هذا القول -
وهذا شذوذ يخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من
أهل الفقه والأثر من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم.
٥ - واختلف الفقهاء فيما إذا سرق ثالثا بعد قطع
(١) سورة المائدة / ٣٨
(٢) حديث أبي هريرة: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده))
أخرجه الدارقطني (١٨١/٣ - ط دار المحاسن) وأعله
شمس الحق العظيم آبادي في تعليقه عليه بضعف أحد
رواته، ولكن له شاهد من حديث جابر بن عبدالله، أخرجه
أبوداود (٤ / ٥٦٥ - ٥٦٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس).
(٣) سورة المائدة / ٣٨
یده الیمنی ورجله الیسری.
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لا يقطع منه
شيء بل يعزر ويحبس، واستدلوا بأن عمر رضي
الله عنه أتي بسارق أقطع اليد والرجل قد سرق
يقال له: سدوم، وأراد أن يقطعه، فقال له علي
رضي الله عنه: إنما علیه قطع يد ورجل،
فحبسه عمر، ولم يقطعه .
ولما روى أبوسعيد المقبري عن أبيه أن عليا
رضي الله عنه أتي بسارق فقطع يده - اليمنى -
ثم أتي به الثانية وقد سرق فقطع رجله -
.اليسرى - ثم أتي به الثالثة وقد سرق، فقال
لأصحابه: ماترون في هذا؟ قالوا : اقطعه یا
أمير المؤمنين، فقال: قتلته إذن وما عليه القتل،
لا أقطعه، إن قطعت يده فبأي شيء یأکل
الطعام، وبأي شيء يتوضأ للصلاة، وبأي
شيء يغتسل من جنابته، وبأي شيء يتمسح،
وإن قطعت رجله بأي شيء يمشي، بأي شيء
يقوم على حاجته، إني لأستحي من الله أن لا
أدع له يدا يبطش بها، ولا رجلا يمشي عليها،
ثم ضربه بخشبة وحبسه .
وإلى هذا ذهب الحسن والشعبي والنخعي
والزهري وحماد والثوري .
وذهب المالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد
إلی أنه إن سرق ثالثا قطعت يده اليسرى. فإن
سرق رابعا قطعت رجله الیمنی، لما روى
أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي وَّر قال في
- ١٢٢ -

رِجل ٦ - ٧
السارق: ((إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق
فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا یده، ثم إن
سرق فاقطعوا رجله)). (١) ولأنه فعل أبي بكر
وعمر رضي الله عنهما، وإلى هذا ذهب قتادة
وأبوثور، وابن المنذر، وتقطع رجل السارق من
المفصل بين الساق والقدم.
ج - قاطع الطريق :
٦ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى أن قاطع الطريق إذا أخذ المال ولم
يقتل، وكان المال الذي أخذه بمقدار ما تقطع به
يد السارق، فإنه تقطع يده اليمنى ورجله
اليسرى، لقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين
يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا
أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من
خلاف﴾(٢) وبهذا تتحقق المخالفة المذكورة في
الآية، وهي أرفق به في إمكان مشیه.
وذهب المالكية إلی أن الإِمام مخیر، فیحکم
بين القتل والصلب والقطع والنفي، سواء قتل
وأخذ المال، أم قتل فقط، أو أخذ المال فقط، أم
خوّف دون أن يقتل أو يأخذ المال. (٣)
والتفصيل في مصطلح : (حرابة).
(١) الحدیث تقدم في ف/ ٥
(٢) سورة المائدة / ٣٣
(٣) البدائع ٩٣/٧، وروضة الطالبين ١٥٦/١٠، والقوانين=
د - دية الرِّجْل:
٧ - اتفق الفقهاء على أن في قطع الرجلين دية
كاملة، وفي قطع إحداهما نصف الدية، وفي
قطع أصبع الرجل عُشر الدية، وفي أنملتها ثلث
العشر إلا الإِبهام ففي أنملتها نصف العشر إذ
لیس فیه إلا أنملتان حدیث عمروبن حزم عن
أبيه عن جده أن رسول الله رو چ کتب له في
كتابه: ((وفي الرجل الواحدة نصف الدية)). (١)
قال ابن عبدالبر: كتاب عمرو بن حزم معروف
عند الفقهاء ومافيه متفق عليه عند العلماء إلا
قليلا .
واتفقوا أيضا على أن قطع الرجل يوجب
نصف الدية إذا كان من الكعبين أو من أصول
الأصابع الخمسة، واختلفوا فيما إذا قطعت من
الساق أو من الركبة أو من الفخذ أومن الورك.
فذهب الجمهور (المالكية، والحنابلة وبعض
الشافعية وهورواية عن أبي يوسف) إلى أن
قطع الرجل من هذه الأماكن لا تزيد به الدیة،
لأن الرجل اسم لهذه الجارحة إلى أصل
الفخذ، فلا يزاد على تقدير الشرع، ولأن
الساق أو الفخذ ليس لها أرش مقدر شرعا،
فيكون تبعا لما له أرش مقدر وهي القدم.
= الفقهية ص ٣٦٨، والمغني لابن قدامة ٢٩٣/٨،
وجواهر الإكليل ٢/ ٢٩٤
(١) حديث عمر وبن حزم: ((في الرجل الواحدة نصف الدية»
أخرجه النسائي (٥٨/٨ - ط المكتبة التجارية).
- ١٢٣ -

رجل ٨، رجم ١ - ٢
وذهب الحنفية والشافعية إلى وجوب حكومة
عدل في ذلك زيادة على نصف الدية الواجب
في القدم.(١)
والتفصيل في مصطلح: (دية، وحكومة
عدل).
هـ ــ هل الرِّجْل من العورة ؟
٨ - اتفق الفقهاء على أن رجل المرأة الحرة عورة
ماعدا قدمیها .
وذهب الجمهور إلى أن مابين السرة والركبة
من الرجل عورة بالنسبة للرجال. ثم اختلفوا في
كون الركبتين والسرة من الرجل عورة. (٢)
وينظر: (عورة).
(١) البدائع ٣١١/٧ - ٣١٤، وتبيين الحقائق للزيلعي
١٣٣/٦، والقوانين الفقهية ص٣٥٦، جواهر الإكليل
٢٦٨/٢، ومغني المحتاج ٤/ ٦٦، والمغني لابن قدامة
٨/ ٣٥، وحاشية ابن عابدين ٣٦٩/٥
(٢) البدائع ١١٨/٥، وجواهر الإكليل ٤١/١، والقوانين
الفقهية ص٥٨، والمغني لابن قدامة ١/ ٥٧٧، وروضة
الطالبين ٢٨٢/١
رجم
التعريف :
١ - الرجم في اللغة: الرمي بالحجارة.
ويطلق على معان أخرى منها: القتل.
ومنها: القذف بالغيب أو بالظن.
ومنها اللعن، والطرد، والشتم
والهجران. (١) وفي الاصطلاح هو رجم الزاني
المحصن بالحجارة حتى الموت . (٢)
الحكم التكليفي :
٢ - قال ابن قدامة: لا خلاف بين الفقهاء في
وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلا كان أو
امرأة .
وقد ثبت الرجم عن رسول الله و 98 بقوله
وفعله، في أخبار تشبه التواتر. وهذا قول عامة
أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
قال ابن قدامة: لا نعلم فيه مخالفا إلا
الخوارج، فإنهم قالوا: الجلد للبكر والثيب لقول
(١) تاج العروس، ولسان العرب، مادة: (رجم).
(٢) القوانين الفقهية لابن جزي ص٢٣٢
- ١٢٤ -

رجم ٣ - ٦
الله تعالى : ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد
منهما مائة جلدة﴾. (١)
والتفصيل في باب الزنى .
من يحد بالرجم :
٣ - تختص عقوبة الرجم بالزاني المكلف
المحصن :
والمحصن: كل مكلف حر مختار ملتزم
بأحكام الشرع، وطىء أو وطئت حال الكمال في
نکاح صحیح، وإن كان ذميا عند الجمهور
خلافا للشافعية، أو مرتدا، لالتزامهما أحكام
الشرع.
وانظر: (إحصان).
أما غير المكلف فلا يرجم، لأن فعله لا
يوصف بتحريم، كما لا يرجم غير الملتزم
كالحربي. (٢)
وينظر التفصيل في: (زنى).
كيفية الرجم :
٤ - إذا كان المرجوم رجلا أقيم عليه حد الرجم،
وهو قائم ولم يوثق، ولم يحفر له، سواء ثبت زناه
ببينة أو بإقرار، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
أما المرأة فيحفر لها عند الرجم إلى صدرها
(١) سورة النور / ٢
(٢) المغني ٨/ ١٦١، وشرح الزرقاني ٧٥/٨، وأسنى المطالب
١٢٨/٤، وابن عابدين ١٤٨/٣
إن ثبت زناها ببينة، لئلا تتكشف عورتها. (١)
وقال أحمد في رواية: لا يحفر لها، كالرجل.
ويخرج من يستحق الرجم إلى أرض فضاء،
ويبتدىء بالرجم الشهود إذا ثبت زناه بشهادة،
ندبا عند الجمهور ووجوبا عند الحنفية. ويحضر
الإِمام عند الرجم كما يحضر جمع من الرجال
المسلمين، ويرجم بحجارة معتدلة. والتفصيل
في مصطلح : (زنى).
الجمع بين الرجم، والجلد:
٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجمع على
الزاني المحصن بين الرجم والجلد، وقال أحمد
ابن حنبل في إحدی روایتین عنه: إنه یجلد ثم
یرجم. (٢) (ر: جَلْد).
تكفين المرجوم والصلاة عليه :
٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أن المرجوم يكفن،
ويصلى عليه لقوله _ 98 في ماعز: ((اصنعوا به
ماتصنعون بموتاكم))، (٣) وأنه ◌َّر ((صلى على
الغامدية)). (٤) والتفصيل في (صلاة الجنازة).
(١) أسنى المطالب ١٣٣/٤، وابن عابدين ٣/ ١٤٧، والمغني
١٥٨/٨
(٢) المصادر السابقة .
(٣) حديث: ((اصنعوا به ماتصنعون بموتاكم)) أخرجه ابن أبي
شيبة (٢٥٤/٣ - ط الدار السلفية بمبي) من حديث
بريدة، وأعله ابن حجر في الدراية (٩٧/٢ - ط الفجالة)
بأحد رواته.
(٤) حديث: ((أنه ﴿﴿ صلى على الغامدية)) أخرجه مسلم
(١٣٢٤/٣ - ط الحلبي) من حديث بريدة.
- ١٢٥ -
1

رجم ٧
رجم الحامل :
٧ - لا يقام حد الرجم على الحامل حتى تضع
ويستغني عنها وليدها، سواء كان الحمل من زنا
أم غيره. قال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك
خلافا .
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن
الحامل لا ترجم حتى تضع، لأن ((النبي يميل
أتت إليه امرأة من غامد فقالت: يا رسول الله
إني قد زنيت فطهر ني، وأنه ردها، فلما كان الغد
قالت: يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما
رددت ماعزا فوالله إني لحبلى، قال: أما لا
فاذهبي حتی تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في
خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي
فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي
في يده کسرة خبز فقالت: هذا یانبي الله قد
فطمته وقد أکل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل
من المسلمين ثم أمربها فحفر لها إلى صدرها
وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد
بحجر فرمی رأسها فتنضح الدم علی وجه خالد
فسبها فسمع نبي الله ژ سبّه إياها فقال: مهلا
یا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو
تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمربها فصلى
عليها ودفنت)) . (١)
(١) حديث الغامدية ... أخرجه مسلم (١٣٢٣/٣ - ١٣٢٤
- ط الحلبي).
ولأن امرأة زنت في أيام عمر رضي الله عنه
فهم عمر برجمها وهي حامل، فقال له معاذ: إن
كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على
حملها، فلم يرجمها، ولأن في إقامة الحد عليها في
حال حملها إتلافا لمعصوم، ولا سبيل إليه.(١)
والتفصيل في مصطلح : (حدود).
(١) المصادر السابقة
- ١٢٦ -

رجوع ١ - ٢
رجوع
التعريف :
١ - الرجوع في اللغة: الانصراف، يقال: رجع
يرجع رجعا ورجوعا ورجعي ومرجعا: إذا
انصرف، ورجعه: ردّه، والرجعة: مراجعة
الرجل أهله. ورجع من سفره، وعن الأمر يرجع
رجعا ورجوعا، قال ابن السكيت: هو نقيض
الذهاب، ويتعدى بنفسه في اللغة الفصحى،
وبها جاء القرآن قال تعالى: ﴿فإن رجعك الله
... ﴾.(١) وهذيل تعديه بالألف، ورجعت
الكلام وغيره: رددته، ورجع في الشيء: عاد
فيه، ومن هنا قيل: رجع في هبته إذا أعادها إلى
ملكه . (٢)
وفي الكليات: الرجوع: العود إلى ماكان
عليه مكانا أو صفة، أو حالا ، يقال: رجع إلى
مكانه، وإلى حالة الفقر أو الغنى، ورجع إلى
الصحة أو المرض، أو غيره من الصفات،
(١) سورة التوبة / ٨٣
(٢) لسان العرب والمصباح المنير ومختار الصحاح.
ورجع عوده على بدئه، أي رجع في الطريق
الذي جاء منه، ورجع عن الشيء تركه، ورجع
إليه: أقبل. (١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى
اللغوي . (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الرد :
٢ - الرد صرف الشيء ورجعه، ورد عليه
الشيء إذا لم يقبله، وكذا إذا خطّأه، ورددت
إليه جوابه، أي رجعت وأرسلت، ومنه: رددت
عليه الوديعة، وترددت إلى فلان: رجعت إليه
مرة بعد أخرى، وتراد القوم البيع: ردوه. (٣)
والفقهاء أحيانا يستعملون الرد والرجوع
بمعنى واحد. قال المحلي في شرح المنهاج: لكل
من المستعير والمعيررد العارية متى شاء، ورد
المعير بمعنى رجوعه. (٤) ويقول الفقهاء في
الوصية: يكون الرجوع في الوصية بالقول
كرجعت في وصيتي، أو أبطلتها ونحوه
کرددتها . (٥)
(١) الكليات للكفوي ٣٩٠/٢
(٢) البدائع ٦/ ١٢٧، ٢٨٣ و٦١/٧، ٣٧٨، وجواهر
الإكليل ١/ ٩١، ١٧٠، والقليوبي ٢٩٣/٢، وشرح
منتهى الإرادات ٢/ ٥٤٥
(٣) لسان العرب والمصباح المنير.
(٤) القليوبي وعميرة ٢١/٣ - ٢٢
(٥) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٥٤٥
- ١٢٧ -

رجوع ٣ - ٥
وقد يختص الرجوع بمن يصدر منه التصرف
كالرجوع في الهبة والوصية، والرجوع عن الإِقرار
والشهادة، ويستعمل الرد فيمن صدر التصرف
لصالحه كرد المستعير للعارية، ورد الموصى له
الوصية، أو من طرف ثالث كرد القاضي
الشهادة .
ب - الفسخ :
٣ - الفسخ: النقض، يقال فسخ الشيء
يفسخه فسخا فانفسخ : أي نقضه فانتقض،
وفسخ رأيه: فسد، ويقال: فسخت البيع
والنكاح فانفسخ، أي نقضته فانتقض،
وفسخت العقد فسخا رفعته، وفسخت الشيء
فرقته.(١)
والفقهاء يستعملون الفسخ بمعنی الرجوع،
قال الكاساني: الرجوع: فسخ العقد بعد
تمامه . (٢)
وفي المنثور للزركشي : الفسخ لفظ ألفه
الفقهاء، ومعناه رد الشيء واسترداد مقابله. (٣)
ج - النقض :
٤ - النقض : إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء،
والنقض: انتثار العقد من البناء والحبل والعقد،
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) البدائع ١٢٨/٦
(٣) المنثور ٤٧/٣
وهو ضد الإِبرام، يقال: نقضت البناء والحبل
والعقد، وفي حديث صوم التطوع: ((فناقضني
وناقضته))، (١) أي ينقض قولي وأنقض قوله،
وأراد به المراجعة والمرادة. (٢)
ويقول الفقهاء: يحصل الرجوع عن الوصية
بالقول كنقضت الوصية . (٣)
الحكم التكليفي :
٥ - الرجوع من التصرفات التي تختلف أحكامها
باختلاف موضوعها، ولذلك يعتري الرجوع
الأحكام التكليفية .
فقد يكون واجبا كالرجوع إلى الكتاب
والسنة عند التنازع، وكرجوع المرتد إلى
الإِسلام، ورجوع البغاة إلى طاعة الإِمام. (٤)
وقد يكون مستحبا كاستحباب تعجيل
رجوع المسافر إلى أهله بعد قضاء حاجته . (٥)
وكرجوع المتبايعين بالتراضي بعد تمام العقد،
وهو ما يسمى بالإِقالة (٦) لقوله وَ له: ((من أقال
(١) في حديث صوم التطوع: ((فناقضني وناقضته)).
أورده ابن الأثير في النهاية (١٠٧/٥ - ط الحلبي).
(٢) لسان العرب والمصباح المنير والمفردات للراغب
الأصفهاني.
(٣) البدائع ٣٩٤/٧، ومغني المحتاج ٧١/٣
(٤) مختصر تفسير ابن كثير ٤٠٨/١، وجواهر الإكليل
٢٧٨/٢، وشرح منتهى الإرادات ٣٨٢/٣
(٥) الدسوقي ٣٦٧/١
(٦) شرح منتهى الإرادات
- ١٢٨ -

رجوع ٥ - ٧
مسلما أقاله الله عثرته يوم القيامة)). (١)
وقد يكون مباحا وذلك كالرجوع في العقود
الجائزة كالوصية . (٢)
وقد يكون حراما كالرجوع في الصدقة، وقد
قال عمر رضي الله تعالى عنه: من وهب هبة
على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها. (٣)
وکالرجوع عن دين الإِسلام، فمن كان مسلما،
أو كافرا وأسلم حرم عليه الرجوع عن دين
الإِسلام لأنه يصبح بذلك مرتدا . (٤)
وقد يكون الرجوع مكروها كالرجوع في الهبة
عند الحنفية. جاء في الاختيار: يكره الرجوع في
الهبة، لأنه من باب الخساسة والدناءة، وقد قال
عليه الصلاة والسلام: «العائد في هبته کالكلب
يقيء ثم يعود في قیئه)). (٥) شبهه به لخساسة
الفعل ودناءة الفاعل. (٦)
(١) حديث: ((من أقال مسلما أقاله الله عثرته يوم القيامة))
أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٤١ - ط الحلبي) والحاكم (٢ /٤٥ -
ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) البدائع ٣٧٨/٧
(٣) الهداية ٣/ ٢٣١، والمغني ٦٨٤/٥
(٤) البدائع ٧/ ١٣٤
(٥) حديث: ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قیئه)»
أخرجه البخاري (الفتح ٢٣٥/٥ - ط السلفية) ومسلم
(١٢٤١/٣ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عباس،
واللفظ لمسلم.
(٦) الاختيار لتعليل المختار ٣/ ٥١
مايتعلق بالرجوع من أحكام :
أسباب الرجوع :
٦ - الرجوع قد يكون في التصرفات القولية
كالقضاء، والإِقرار، والشهادة، والوصية،
والهبة، والكفالة وغير ذلك
وقد يكون في الأفعال كرجوع من تجاوز
الميقات دون إحرام إلى الميقات ليحرم منه،
وكرجوع المسافرة التي طرأ عليها موجب العدة
إلى مسكنها لتعتد فيه.
وتختلف أسباب الرجوع في كل ذلك وتتعدد
باختلاف المواضع والمسائل، وبيان ذلك فيما
يلي:
أولا : الرجوع في الأقوال والتصرفات:
١ - الرجوع في الحكم والفتوى :
للرجوع في الحكم والفتوى أسباب منها:
أ - خفاء الدليل :
٧ - الأصل في الحكم والفتوى هو أن يكون
المرجع فيهما إلى كتاب الله تعالى وسنة
رسوله ، أو الإِجماع، وإلا فالقياس
والاجتهاد إن لم يوجد نص ظاهر. (١) ودليل ذلك
قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق
لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٢) وقوله
(١) مختصر تفسير ابن كثير ١/ ٤٠٨ وأعلام الموقعين ٢٧٩/٢ -
٢٨٠، والمغني ٩/ ٥٠، ٥٣٢ وفواتح الرحموت ٣٩٥/٢
(٢) سورة النساء / ١٠٥
- ١٢٩ -

رجوع ٧ -٨
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء
فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله
واليوم والآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾. (١)
وقد بعث النبي پ﴾ معاذا إلی الیمن وقال
له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال:
أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في کتاب
الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد
في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال:
اجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله (واصله
صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول
الله لما يرضي رسول الله. (٢)
ولذلك لا ينقض قضاء القاضي إلا إذا
خالف نصا ظاهرا من كتاب أوسنة، أو خالف
إجماعا، أو خالف قياسا جليا، كما يقول بعض
الفقهاء. (٣)
لكن قد يكون الحكم مخالفا للنص لخفاء
(١) سورة النساء / ٥٩
(٢) حديث: ((بعث النبي ﴿ معاذا إلى اليمن)) أخرجه أبوداود
(١٨/٤ - ١٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي
(٦٠٧/٣ - ط الحلبي) واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي:
((هذا حديث لانعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده
عندي بمتصل».
(٣) البدائع ٧/ ٤، ١٤ والتبصرة بهامش فتح العلي ١/ ٧٠،
ومغني المحتاج ٣٩٦/٤، والمغني ٩/ ٥٦، والأحكام
للآمدي ٢٠٣/٤
الدلیل، وقد تكون الفتوى كذلك، فإذا ظهر
الحق ووجد الدليل وجب الرجوع إليه .
ومن أمثلة ذلك أنه خفي على عمر رضي الله
تعالى عنه دية الأصابع فقضى في الإِبهام والتي
تليها بخمس وعشرين حتى أخبر أن في کتاب
آل عمروبن حزم أن رسول الله و سار قضى فيها
بُعُشر عشر فترك قوله ورجع إليه .(١)
ب - استظهار المجتهد رأي مجتهد آخر:
٨ - الاختلاف بين المجتهدين في مسألة يوجب
على أحدهما الرجوع إلى رأي من ظهر الحق في
جانبه، فقد عارض عمر أبا بكر رضي الله تعالى
عنهما في قتال مانعي الزكاة بعد وفاة رسول
اللهَ وَلّر، لأنهم في نظر عمر رضي الله تعالى عنه
یشهدون أن لا إله إلا الله، وقد قال رسول
الله وَلّ: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا
إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني
ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله))، (٢)
فقال أبوبكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة
والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لومنعوني
عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله وسلّ لقاتلتهم
(١) إعلام الموقعين ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١، والمغني ٤٢/٩، ٥١
وحديث: «قضاء عمر في دیة الأصابع ورجوعه عن رأيه»
أخرجه البيهقي (٩٣/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية).
(٢) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله))
أخرجه البخاري (الفتح ٢٦٢/٣ - ط السلفية) ومسلم
(٥١/١ -٥٢ - ط الحلبي).
- ١٣٠ -

رجوع ٩
على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ماهو
إلا أن قد رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر
للقتال فعرفت أنه الحق .
قال النووي والأبي في شرحهما للحديث:
هذا يدل على اجتهاد الأئمة في النوازل وردها
إلى الأصول، ومناظرة أهل العلم فيها،
ورجوع من ظهر له الحق إلى قول صاحبه.(١)
ج - اقتضاء المصلحة :
٩ - قد يكون الرجوع من أجل المصلحة، (٢)
ومن ذلك أن النبي ټ نزل منزلا للحرب في بدر
فقيل له: إن كان بوحي فسمعا وطاعة، وإن
كان باجتهاد ورأي فهو منزل مكيدة،
فقال : بل باجتهاد ورأي، فأشير عليه
بمكان آخر فيه مصلحة المسلمين ففعل
النبي ◌ّ ذلك ورجع إلى رأي الحباب بن
المنذر. (٣)
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٢١٠/١ - ٢١٣، والأبي
١٠٩/١
(٢) المستصفى ٣٥٦/٢، وصحيح مسلم بشرح الأبي
١١٤/١، ١٢٥، وشرح النووي ٢٢٥/١، ٢٤١،
ومختصر تفسير ابن كثير ٩١/٢، والأحكام للآمدي
٤ /١٦٩ - ١٧٠ ط المكتب الإسلامي.
(٣) حديث الحباب بن المنذر أورده ابن هشام في السيرة
(١/ ٦٢٠ - ط الحلبي) نقلا عن ابن إسحاق، وفيه جهالة
الواسطة بين ابن إسحاق والحباب، ووصله الحاكم في
المستدرك (٤٢٦/٣ - ٤٢٧ - ط دائرة المعارف العثمانية)
وقال الذهبي: ((حديث منكر)).
قال ابن إسحاق في السيرة: حدثت عن
رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا: أن الحباب
ابن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله،
أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن
نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب
والميكدة، قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة؟
فقال يارسول الله: فإن هذا ليس بمنزل،
فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم،
فننزله، ثم نغورما وراءه من القلب، ثم نبني
عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم،
فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله الجهة :
((لقد أشرت بالرأي)). فنهض رسول الله وله
ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى
ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب
فغورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل
عليه، فملىء ماء، ثم قذفوا فيه الآنية.
ومن ذلك حدیث الأزواد الذي رواه مسلم
حين نفدت أزواد القوم حتى هم النبي ◌َّلو بنحر
بعض حمائلهم، فأشار عليه عمر رضي الله
تعالى عنه أن يجمع مابقي من أزواد القوم فيدعو
عليها ففعل النبي ◌َّ ذلك حتى ملأ القوم
أزودتهم. (١) قال العلماء: لا خلاف أن
النبي و ﴿ له أن يجتهد في أمور الدنيا ويرجع إلى
(١) حديث عمر في ((جمع الأزواد ... )) أخرجه مسلم (١/ ٥٦
- ٥٧ - ط الحلبي).
- ١٣١ -

رجوع ١٠ - ١١
رأي غيره في ذلك، كما فعل في تلقيح النخل،
والنزول ببدر، ومصالحة أهل الأحزاب.
وكذلك فعل النبي وَلل حين أرسل أبا هريرة
رضي الله عنه بنعليه وقال له: ((من لقيت من
وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستیقنا
بها قلبه فبشره بالجنة)» فقال له عمر رضي الله
عنه: لا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس
عليها، فخلهم يعملون. فقال رسول الله وَلاتٍ :
((فخلهم)). (١)
د - تغير اجتهاد القاضي :
١٠ - من أسباب الرجوع أيضا تغير الاجتهاد،
فالمجتهد الذي يتغير اجتهاده إلى رأي يخالف
رأيه الأول يجب عليه الرجوع عن اجتهاده الأول
والعمل بها تغير إليه اجتهاده، والأصل في ذلك
كتاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى
الأشعري وقد جاء فيه: ولا يمنعنك قضاء
قضیت به الیوم فراجعت فیه رأيك وهدیت فیه
لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قدیم ولا
يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في
الباطل .
قال ابن القيم: يريد أنك إذا اجتهدت في
حکومة ثم وقعت لك مرة أخرى فلا يمنعك
(١) حديث: ((من لقيت وراء هذا الحائط يشهد ... )) أخرجه
مسلم (١ / ٦٠ - ط الحلبي).
الاجتهاد الأول من إعادته، فإن الاجتهاد قد
يتغير، ولا يكون الاجتهاد الأول مانعا من
العمل بالثاني إذا ظهر أنه الحق، فإن الحق أولى
بالإِيثار، لأنه قديم سابق على الباطل، فإن
كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني، والثاني هو
الحق فهو أسبق من الاجتهاد الأول، لأنه قدیم
سابق على ماسواه، ولا يبطله وقوع الاجتهاد
الأول على خلافه، بل الرجوع إليه أولى من
التمادي على الاجتهاد الأول. (١)
١١ - على أن تغير الاجتهاد وإن کان یوجب
الرجوع إلى ماتغیر إليه اجتهاده لکن ذلك لا
يبطل الاجتهاد الأول إذا صدر به حكم.
وهذا في الحوادث التي هي محل الاجتهاد،
قال جمهور الفقهاء: المجتهد إذا قضى في حادثة
برأیہ۔ وهي محل الاجتهاد۔ ثم رفعت إليه ثانيا
فتحول رأیه یعمل بالرأي الثاني، ولا يوجب هذا
نقض الحكم بالرأي الأول، لأن القضاء بالرأي
الأول قضاء مجمع على جوازه لاتفاق أهل
الاجتهاد على أن للقاضي أن يقضي في محل
الاجتهاد بما يؤدي إليه اجتهاده، فكان هذا
قضاء متفقا على صحته، ولا اتفاق على صحة
هذا الرأي الثاني، فلا يجوز نقض المجمع عليه
بالمختلف فيه، ولهذا لا يجوز لقاض آخر أن
يبطل هذا القضاء، کذا هذا. وقد روي أن عمر
(١) إعلام الموقعين ١/ ١١٠، ٢٣٢/٤
- ١٣٢ -

رجوع ١١ - ١٢
رضي الله تعالى عنه قضى في المُشَرَّكة بإسقاط
الإِخوة من الأبوين وتوريث الإخوة لأم، ثم
شَرَّك بين الفريقين بعد، ولما سئل قال: تلك
على ما قضينا وهذه على مانقضي، فأخذ عمر
رضي الله عنه في کلا الا جتهادین بما ظهر له أنه
الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى
الثاني، ولم ينقض الأول بالثاني، فجرى أئمة
الإِسلام بعده على هذين الأصلين.(١)
واختلف المالكية في جواز رجوع القاضي عما
قضى به إذا تغير اجتهاده .
قال ابن حبيب: أخبرني مطرف وابن
الماجشون عن مالك وعن غيره من علماء المدينة
في القاضي يقضي بالقضاء ثم یری ماهو أحسن
منه فیرید الرجوع عنه إلى ما رأی، فذلك له
ماكان على ولايته التي فيها قضى بذلك القضاء
الذي يريد الرجوع عنه، وقال ابن عبدالحكم
وسحنون وابن الماجشون: لا يجوز فسخه،
وصوبه أئمة المتأخرین قیاسا على حكم غيره،
ولأنه لو كان له نقض هذا لرأيه الثاني لكان له
فسخ الثاني والثالث ولا يقف على حد، ولا يثق
أحد بما قضي له به وذلك ضرر شديد، وقيل:
إن کان القضاء بمال فسخه، وإن كان ثبوت
(١) البدائع ٥/٧، والمغني ٩/ ٥٦ - ٥٧ وإعلام الموقعين
١١٠/١ - ١١١، ٢٣٢/٤، والوجيز ٢٤١/٢، والأحكام
للآمدي ٢٠٣/٤
نكاح أو فسخه لم ینقضه. قال ابن راشد
القفصي: والمشهور جواز الرجوع وهو
الصواب، لأنه رجوع إلى الصواب.
لكن ابن عبدالحکم ذکر أن الخلاف إنما هو
إذا حکم بذلك وهویراه باجتهاده، أما إن قضی
بذلك ذاهلا أو ناسيا أو جاهلا فلا ينبغي
الخلاف أنه يجب عليه الرجوع عنه إلى ما رأى
إذ قد تبين له الخطأ.
وما ذهب إليه بعض المالکیة قال به أبوثور
وداود استنادا إلى ماجاء في كتاب عمر إلى أبي
موسى الأشعري رضي الله عنهما. (١)
هـ - تغير اجتهاد المفتي :
١٢ - من أسباب الرجوع كذلك تغير اجتهاد
المفتي، فإذا أفتى المجتهد برأي ثم تغير اجتهاده
وجب عليه الرجوع عن رأيه الأول والإِفتاء بما
أداه إليه اجتهاده ثانیا .
وقد كان لأئمة المذاهب أقوال رجعوا عنها لما
تغير اجتهادهم وصارت لهم أقوال أخرى هي
التي تغير إليها اجتهادهم. ففي حاشية ابن
عابدين أن أبا حنيفة رجع عن القول بأن
الصدقة أفضل من حج التطوع لما حج وعرف
مشقته . (٢)
(١) منح الجليل ٤/ ١٩٣، والتبصرة بهامش فتح العلي ١/ ٧١ -
٧٢، والمغني ٩/ ٥٦
(٢) ابن عابدين ٤٩/١
- ١٣٣ -

رجوع ١٣
وقد كان لمالك أقوال ثم رجع عنها نقلها عنه
ابن القاسم وغيره، ونظرا لأن ابن القاسم لازم
مالکا کثیرا وکان لا يغيب عن مجلسه إلا لعذر
فقد قالوا: من قلّد مالكا فإنما يأخذ بالقول
المرجوع إليه عند ابن القاسم، لأنه يغلب على
الظن أنه الراجح لمصير مالك إليه آخرا مع ذكره
القول الأول. (١)
کذلك کان للشافعي مذهبان أو قولان وهما
القديم والجديد، يقول النووي : صنف
الشافعي في العراق كتابه القدیم، ويسمى
كتاب الحجة، ويرويه عنه أربعة من جلة
أصحابه وهم أحمد بن حنبل، وأبوثور،
والزعفراني، والكرابيسي، ثم خرج إلى مصر
وصنف کتبه الجديدة كلها بمصر.
ثم يقول النووي : كل مسألة فيها قولان
للشافعي قدیم وجدید، فالجديد هو الصحيح
وعليه العمل، لأن القديم مرجوع عنه، ثم ذكر
النووي بعض المسائل المستثناة والتي يفتى فيها
بالقديم، وقال إمام الحرمين: معتقدي أن
الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعى
حیث کانت، لأنه جزم في الجدید بخلافها،
والمرجوع عنه ليس مذهبا للراجع .
١٣ - على أن أتباع الأئمة قد يفتون بالأقوال
القديمة التي رجع عنها أئمة المذاهب لرجاحتها
في نظرهم.
(١) التبصرة بهامش فتح العلي ١/ ٦٠
يقول النووي: إذا علمت حال القديم
ووجدنا أصحابنا أفتوا بالمسائل التي فیه حملنا
ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم
لظهور دلیله وهم مجتهدون فأفتوا به، ولا يلزم
من ذلك نسبته إلى الشافعي، ولم يقل أحد من
المتقدمين في هذه المسائل إنها مذهب
الشافعي .(١)
ويقول ابن القيم : أتباع الأئمة یفتون کثیرا
بأقوالهم القديمة التي رجعوا عنها، وهذا موجود
في سائر الطوائف. فالحنفية يفتون بلزوم
المنذورات التي مخرجها مخرج اليمين كالحج
والصوم والصدقة، وقد حكوا هم عن أبي حنيفة
أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير،
والحنابلة يفتي كثير منهم بوقوع طلاق السكران،
وقد صرح أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع،
والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة
التثویب، وامتداد وقت المغرب، ومسألة التباعد
عن النجاسة في الماء الكثير، وغير ذلك من
المسائل، ومن المعلوم أن القول الذي صرح
بالرجوع عنه لم يبق مذهبا له، فإذا أفتى المفتي به
مع نصه على خلافه لرجحانه عنده لم يخرجه
ذلك عن التمذهب بمذهبه.
وقال ابن القيم: الصواب إذا ترجح - عند
المنتسب إلى مذهب ۔ قول غیر قول إمامه بدلیل
راجح فلابد أن يخرج على أصول إمامه
(١) المجموع (٢٤/١ - ٢٥، ١١٢ - ١١٣) تحقيق المطيعي.
- ١٣٤ -

رجوع ١٤ - ١٦
وقواعده، فإن الأئمة متفقة على أصول
الأحكام، ومتى قال بعضهم قولا مرجوحا
فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح .
وقال النووي: قال أبوعمرو: اختيار أحد
أتباع مذهب الشافعي للقديم إنما هو من قبيل
اختياره مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده
إلیه .(١)
٢ - الرجوع في العقود :
أ - الرجوع في العقود غير اللازمة:
١٤ - العقود الجائزة (غير اللازمة) كالعارية،
والوصية، والشركة، والمضاربة، والوكالة،
والوديعة، عقود غير لازمة، وعدم لزومها يبيح
الرجوع فيها إذا توافرت الشروط المعتبرة التي
حددها الفقهاء كشرط نضوض (٢) رأس المال في
المضاربة، وشرط علم الطرف الآخر بالفسخ،
وشرط عدم الضرر في الرجوع، فمن استعار
أرضا للزراعة، وأراد المعير الرجوع، فإن
الرجوع الفعلي يتوقف حتى يحصد الزرع، ومن
أعار مکانالدفن، وحصل الدفن فعلا فلا يرجع
المعیر في موضعه حتی یندرس أثر المدفون، کما
أن العارية المقيدة بأجل أو عمل عند المالكية لا
(١) المجموع ١١٣/١، وإعلام الموقعين ٢٣٨/٤ - ٢٣٩
(٢) الناض من المال: ما كان نقدا، وهو ضد العرض، الزاهر:
ف/ ٣٠٢
رجوع فيها حتى ينقضي الأجل أو العمل. (١)
ب - العقود التي يدخلها الخيار :
١٥ - العقود التي من طبيعتها اللزوم كالبيع،
يكون لزومها بتمام الإيجاب والقبول، مالم
يلحقها الخيار فإذا لحقها الخيار صارت عقودا
غير لازمة في حق من له الخيار، فيجوزله
الرجوع فيها. (٢) انظر مصطلح : (خيار).
٣ - الرجوع بالإِقالة :
١٦ - الإقالة - سواء اعتبرت فسخا أوبيعا-
تعتبر رجوعا في العقد برضا المتعاقدين فهي من
التصرفات الجائزة بل المندوبة لقول النبي ◌َ *:
«من أقال مسلما أقاله الله عثرته))(٣) والقصد منها
رد كل حق إلى صاحبه، ففي البيع مثلا يعود -
بمقتضاها - المبيع إلى البائع، والثمن إلى
المشتري، وفي الجملة فإنه لا تجوز الزيادة على
الثمن الأول أو نقصه أورد غیر جنسه، لأن
(١) البدائع ٦/ ٣٧، ٧٧، ١٠٩، ٢١٦، ٣٧٨/٧، وجواهر
الإكليل ١١٥/٢، ١٣٢، ١٧٧، ٣١٨، والشرح الصغير
٢٠٨/٢ - ط الحلبي، ومغني المحتاج ٢١٥/٢، ٢٧٠،
٣١٩، ٧١/٣، القليوبي وعميرة ٢١/٣، ٢٢، وشرح
منتهى الإرادات ٣٠٥/٢، ٣٩٤، ٣٩٨، ٥٤٥،
والدسوقي ٥٣٥/٣، والمبسوط ٤٧/١٢
(٢) البدائع ١٣٤/٥، ومغني المحتاج ٤٤/٢، وشرح منتهى
الإِرادات ٢/ ١٦٧ - ١٦٨
(٣) الحديث تقدم في ف/ ٥
- ١٣٥ -

رجوع ١٧
مقتضى الإِقالة رد الأمر إلى ماكان عليه،
ورجوع كل منهما إلى ما كان له. (١)
وينظر تفصيل ذلك في (إقالة).
٤ - الرجوع بسبب الإِفلاس :
١٧ - الإِفلاس من أسباب الرجوع، ذلك أن
حق الغرماء يتعلق بمال المدين، فإذا حجر عليه
وكان قد اشترى شيئا وقبضه ولم يدفع ثمنه
ووجد بعينه قائما، فللبائع الرجوع في عین ماله،
ويكون أحق به من سائر الغرماء، ولا يسقط
حقه بقبض المشتري للمبيع، وذلك لحديث
أبي هريرة أن النبي ◌َّر قال: ((إذا ابتاع الرجل
السلعة ثم أفلس وهي عنده بعينہا فهو أحق بها
من الغرماء))(٢) وهذا عند الجمهور - المالكية
والشافعية والحنابلة - هذا مع مراعاة شروط
الرجوع التي حددها الفقهاء ككون السلعة باقية
في ملك المشتري، ولم تتغير صورتها كالحنطة إذا
طحنت، ولم يتعلق بها حق كرهن، وأن يكون
الرجوع في عين ماله في المعاوضات المحضة،
(١) الهداية ٥٤/٣، والدسوقي ١٥٦/٣، ومنح الجليل
٧٠٥/٢، والمهذب ٣٠٩/١، وشرح منتهى الإرادات
١٩٢/٢ - ١٩٣
(٢) حديث: ((إذا ابتاع الرجل السلعة ثم أفلس وهي عنده
... )) أخرجه البيهقي (٤٥/٦ - ط دائرة المعارف العثمانية)
من حديث أبي هريرة وأصله في مسلم (١١٩٣/٣ -
١١٩٤ - ط الحلبي).
كالبيع والقرض والسلم، خلافا للمعاوضة غير
المحضة، كالخلع والصلح عن دم العمد، فلا
يجوز الرجوع فيها، وذلك كما يقول المالكية
والشافعية . (١)
وعند الحنفية: لا يكون البائع أحق بعين
ماله الذي وجده عند المفلس، وإنما يكون أسوة
الغرماء فيباع ويقسم ثمنه بالحصص، لأن ملك
البائع قد زال عن المبيع وخرج من ضمانه إلى
ملك المشتري وضمانه، فساوى باقي الغرماء في
سبب الاستحقاق، واستدلوا بقول النبي مثل :
(أيما رجل باع سلعته بعينها عند رجل وقد أفلس
ولم یکن قبض من ثمنها شيئا فهي له، وإن كان
قبض من ثمنها شيئا فهو أسوة للغرماء)). (٢)
وهذا إذا كان المشتري قد قبض المبيع بإذن
البائع، فإن كان قبضه بغيرإذنه کان له حق
الرجوع فيه، وحملوا الحديث الذي استدل به
الجمهور على القبض بغير إذن. (٣)
وفي الموضوع تفصيلات كثيرة يرجع إليها في
مصطلح (إفلاس من الموسوعة ج ٥ /٣١٠).
(١) الدسوقي ٢٨٢/٣ - ٢٨٣، والمواق بهامش الخطاب
٥٠/٥، والمهذب ٣٢٩/١، ومغني المحتاج ١٥٨/٢،
وكشاف القناع ٤٢٥/٣، والمغني ٤٥٨/٤
(٢) حديث: ((أيما رجل باع سلعته بعینها عند رجل، وقد أفلس
... )) أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٩٠ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة، وأصله في البخاري، الفتح (٦٢/٥ - ط
السلفية) ومسلم (١٩٩٣/٣ - ط الحلبي).
(٣) البدائع ٢٥٢/٥، وابن عابدين ٩٦/٥، والعناية بهامش
فتح القدير ٢٠٩/٨ - ٢١٠ - ط دار إحياء التراث.
- ١٣٦ -
3

رجوع ١٨ - ١٩
٥ - الرجوع بسبب الموت :
١٨ - من مات وعليه دیون تعلقت الدیون بماله،
وإذا مات مفلسا قبل تأدية ثمن ما اشتراه وقبضه
ووجد البائع عين ماله في التركة، فقال
الشافعیة: یکون البائع بالخیار بین أن یضرب
مع الغرماء بالثمن، وبین أن يفسخ ويرجع في
عين ماله، لقول النبي ويلقي: ((أيما رجل مات أو
أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده
بعينه))(١) فإن كانت التركة تفي بالدين ففيه
وجهان: أحدهما: وهو قول أبي سعيد
الاصطخري له أن يرجع في عين ماله للحديث
السابق، والثاني لا يجوز أن يرجع في عین ماله،
وهو المذهب. لأن المال يفي بالدين فلم يجز
الرجوع في المبيع كالحي المليء.
وعند الحنفية والمالكية والحنابلة ليس للبائع
الرجوع في عين ماله، بل يكون أسوة الغرماء
لحديث أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن
هشام أن النبي وسلم قال: ((أيما رجل باع متاعا
فأفلس الذي ابتاعه منه ولم يقبض الذي باعه
من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به، وإن
مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة
(١) حديث: ((أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق
بمتاعه إذا وجده بعينه)) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٩٠ - ط
الحلبي) من حديث أبي هريرة، وأعله ابن حجر بجهالة
الراوي عن أبي هريرة، كذا في التلخيص (٣٨/٣ - ط
شركة الطباعة الفنية).
الغرماء))(١) ولأن الملك انتقل عن المفلس إلى
الورثة فأشبه مالوباعه . (٢) وينظر تفصيل ذلك
في مصطلح : (تركة).
٦ - الرجوع بسبب الاستحقاق:
١٩ - الاستحقاق - بمعناه الأعم - ظهور كون
الشيء حقا واجبا للغير، والاستحقاق يرد في
الغصب والسرقة، فالمغصوب منه والمسروق منه
يثبت لهما حق الرجوع على الغاصب والسارق
ويجب على الغاصب والسارق رد المغصوب
والمسروق لربه، لقول النبي يتلقى: ((على اليد ما
أخذت حتی تؤدي)». (٣)
ويشمل كذلك استحقاق المبيع على
المشتري، أو الموهوب على المتّهب، فيتبين فساد
العقد في الأصح عند الشافعية والحنابلة،
ويتوقف نفاذ العقد على الإِجازة عند الحنفية
والمالكية، ويثبت للمشتري في الجملة حق
(١) حديث: أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه منه ولم
یقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به،
وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء)»
أخرجه مالك في الموطأ (٦٧٨/٢ - ط الحلبي) من حديث
أبي بکر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام مرسلا.
(٢) البدائع ٢٥٢/٥، ومنح الجليل ١٤٨/٣، والمهذب
٣٣٤/١، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٨٠
(٣) حديث: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدي)) أخرجه الترمذي
(٥٥٧/٣ - ط الحلبي) من حديث الحسن بن سمرة، وأعله
ابن حجر بقوله: «الحسن مختلف بسماعه من سمرة)» كذا في
التلخيص الحبير (٥٣/٣ - ط شركة الطباعة الفنية).
- ١٣٧ -

رجوع ٢٠ - ٢١
الرجوع بالثمن على البائع على تفصيل بین ما
إذا كان ثبوت الاستحقاق بالبيئة أو بالإِقرار. (١)
وتفصيل ذلك في مصطلح : (استحقاق).
٧ - الرجوع بسبب الأداء ووجود الإِذن:
٢٠ - أداء الدين بإذن المدين في الأداء أو في
الضمان من أسباب الرجوع على المدين، فمن
أذن لغيره بضمان ماعلیه من دین أو أذن له بأدائه
فأدّاه قاصدا الرجوع به ثبت له حق الرجوع
على المدين، وهذا باتفاق بين المذاهب، مع
مراعاة توافر شروط صحة الضمان المعتبرة في كل
مذهب، ککون الضامن أهلا للتبرع، وککون
الدین ثابتا عند الضمان، وکونه معلوما عند من
لا يجيز ضمان المجهول، وكأن يضيف المضمون
الضمان إلى نفسه بأن يقول: اضمن عني. كما
يقول الحنفية، وغير ذلك من الشروط
والاستثناءات.
لکن الفقهاء يختلفون في ثبوت حق الرجوع
وعدمه عند ضمان الدین وأدائه دون إذن المدین
في الضمان أو في الأداء. فعند الحنفية من أدی
(١) ابن عابدين ١١٨/٥ - ١١٩، والبدائع ٨٣/٧، ١٤٨،
والفتاوى الهندية ١٦٥/٣، ومنح الجليل ٥١٥/٣ - ٥٢٣،
والدسوقي ٤٦١/٣، والحطاب ٢٩٦/٥، ومغني المحتاج
٢٧٦/٢ ومابعدها، وأشباه السيوطي ٢٣٢، وشرح منتهى
الإرادات ٢/ ٣٧٤، ٤٠١، والقواعد لابن رجب ١١٩ -
٢٨٣ وأشباه ابن نجیم ٢٦٤
دين غيره دون إذنه فلا يحق له الرجوع بما أدى،
لأن الكفالة بغير أمر المدين تبرع بقضاء دين
الغير فلا يحتمل الرجوع. (١)
أما عند المالکیة فإنه يثبت له حق الرجوع
لصحة الضمان والأداء دون إذن المدین، وهذا
إذا ضمن أو أدى على سبيل الرفق بالمدين، أما
إن كان الغرض إضراره بسوء طلبه وحبسه.
لعداوة بینهما فلا رجوع له علی المدین، وإنما
يرجع على رب الدين الذي أداه له. (٢)
وفصل الشافعية فقالوا: إن انتفى الإِذن في
الأداء والضمان فلا رجوع له، لأنه متبرع في
هذه الحالة، ولأنه لو كان له رجوع لما صلى
النبي ◌َ﴿ على الميت بضمان أبي قتادة. (٣).
وإن أذن المدین في الضمان فقط وسکت عن
الأداء رجع في الأصح لأنه أذن في سبب الأداء،
والثاني: لا يرجع لانتفاء الإِذن في الأداء.
٢١ - ويستثنى من أحقية الرجوع - إذا وجد
(١) البدائع ١٣/٦ - ١٤، وفتح القدير ٣٠٣/٤ - ٣٠٤ ط دار
إحياء التراث.
(٢) الدسوقي مع الشرح الكبير ٣٣٤/٣ - ٣٣٦
(٣) فعن عثمان بن عبدالله بن موهب قال: سمعت عبدالله بن
أبي قتادة يحدث عن أبيه أن النبي # أتي برجل ليصلي
عليه. فقال النبي ◌َّر: ((صلوا على صاحبكم، فإن عليه
دينا)). قال أبوقتادة: هو عليّ فقال رسول الله الجر: ((بالوفاء))
قال: بالوفاء فصلی علیه . =
= أخرجه الترمذي (٣٧٢/٣ - ط الحلبي) من حديث
أبي قتادة، وقال: حديث حسن صحيح .
- ١٣٨ -

رجوع ٢١ - ٢٢
الإِذن في الضمان - ما إذا ثبت الضمان ببينة وهو
منكر، كأن ادعى على زيد وغائب ألفا، وأن
كلا منهما ضمن ماعلى الآخر بإذنه، فأنكرزيد
فأقام المدعي بینة وغرمه، لم يرجع زيد على
الغائب بالنصف، لكونه مكذبا بالبينة، فهو
مظلوم بزعمه، فلا يرجع على غير ظالمه، وكذا
لو قال الضامن بالإذن: لله عليّ أن أؤدي دین
فلان ولا أرجع به، فإنه إذا أدی لا يرجع.
وإن أذن المدين في الأداء وانتفى الإِذن في
الضمان فضمن بغيرإذن وأدی بالإِذن، فلا
رجوع له في الأصح، لأن وجوب الأداء بسبب
الضمان ولم يأذن فيه، ومقابل الأصح: يرجع،
لأنه أسقط الدین عن الأصیل بإذنه .
ويستثنى من ذلك مالو أدى وشرط الرجوع
فإنه يرجع . (١)
أما الحنابلة فقد بنوا ثبوت الحق في الرجوع
وعدمه على النية. قالوا: إن قضى الضامن
الدین ولم ینورجوعا علی مضمون عنه بما قضاه
لم یرجع، لأنه متطوع سواء ضمن بإذنه أم لا ،
وإن نوی الرجوع رجع، سواء أكان الضمان أو
القضاء بإذن المضمون عنه أم بدون إذنه، لأنه
قضاء مبریء من دین واجب فكان من ضمان
من هوعلیه، کالحاکم إذا قضاه عنه عند
امتناعه، ولو لم يأذن في قضاء ولا ضمان، وأما
(١) مغني المحتاج ٢/ ٢٠٩
قضاء علي وأبي قتادة فكان تبرعا، لقصد براءة
ذمة المدين المتوفى ليصلي عليه النبي ◌َطار .
والكلام فيمن نوى الرجوع لا فيمن تبرع.
هکذا جاء في کشاف القناع وشرح منتھی
الإِرادات، لكن ابن قدامة ذکر رواية في أنه لو
ضمن بغير إذن وقضى بغير إذن أيضا فإنه لا
يرجع بشيء ولو نوى الرجوع، بدليل حديث
علي وأبي قتادة فإنهما لو كانا يستحقان الرجوع
على الميت صار الدين لهما فكانت ذمة الميت
مشغولة بدینهما کاشتغالها بدین المضمون عنه،
ولم يصل عليه النبي وَلقر، لأنه تبرع بذلك
فأشبه مالو علف دوابه بغير أمره.
وقال الحنابلة أيضا: إن قضى الدين ولم ينو
رجوعا ولا تبرعا بل ذهل عن قصده الرجوع
وعدمه لم يرجع كالمتبرع لعدم قصده
الرجوع .(١)
٢٢ - هذا بالنسبة لدين الآدمي، أما دين الله
تعالی کالزكاة والكفارة فإن من أدی زکاة غیره
دون إذنه فلا يجزىء ما أداه عن الزكاة لاشتراط
النیة فیها وهذا باتفاق، ولا رجوع له بما أدى،
إلا أن الزكاة إن أخرجها أحد بغير علم من هي
علیه، أو غير إذنه في ذلك، فإن كان غير الإِمام
فمقتضى قول أصحابنا في الأضحية يذبحها
(١) كشاف القناع ٣٧١/٣ - ٣٧٢، وشرح منتهى الإرادات
٢/ ٢٥٠، والمغني ٤ / ٦٠٧ - ٦٠٩
- ١٣٩ -

رجوع ٢٢ - ٢٤
غيرربها بغير علمه وإذنه إن كان الفاعل لذلك
صدیقه ومن شأنه أن يفعل ذلك له بغير إذنه،
لأنه بمنزلة نفسه عندہ لتمکن الصداقة بينهما،
أجزأته الأضحية إن كان مخرج الزكاة من هذا
القبيل، فمقتضى قولهم في الأضحية أن الزكاة
تجزئه، لأن كليهما عبادة مأمور بها مفتقرة للنية
وإن کان لیس من هذا القبيل لا تجزیء عن ربها
لافتقارها للنية على الصحيح من المذهب لأجل
شائبة العبادة . (١)
وإن أمر شخص غيره بأداء الزكاة عنه
أجزأت، وكان للمؤدي حق الرجوع باتفاق،
إلا أن الحنفية اشترطوا ضمان الآمر بأن يقول:
على أني ضامن، لأنه في باب الزكاة والكفارة
یثبت للقابض ملك غير مضمون بالمثل، حتى
لو ظهر أن لا زكاة عليه لا يسترد من الفقير
ماقبض، فیثبت للآمر ملك مثل ذلك، فلا
ضمان عليه إلا بالشرط. قال في فتح القدير:
والحاصل أن الأمر في الكفالة تضمّن طلب
القرض إذا ذكر لفظة ((عني))، وفي قضاء الزكاة
والكفارة طلب اتهاب، ولو ذكر لفظة ((عني)). (٢)
(١) الفروق للقرافي ١٨٦/٣ - ١٨٧
(٢) فتح القدير ٣٠٣/٦ - ٣٠٤، والمادة ٢٠٤، من مرشد
الحيران، ومغني المحتاج ٢٠٢/٢، والمنثور ١٥٧/١،
وشرح منتهى الإرادات ٢٥١/٢، وقواعد ابن رجب ١٣٧
ثانيا : الرجوع من المكان وإليه :
٢٣ - من أسباب الرجوع من المكان أو إليه
النزول على حكم الشرع، ويذكر الفقهاء ذلك
في أماكن متفرقة ومن ذلك.
أ - رجوع من جاوز الميقات المکاني للحج دون
إحرام:
٢٤ - للحج والعمرة ميقات مكاني حدده
الشرع، والإِحرام من الميقات المحدد لمريد أحد
النسکین واجب علی من مرّ به، ومن جاوز
الميقات غير محرم وجب عليه أن يرجع إليه ليحرم
منه إن أمكنه، فإن رجع إليه فأحرم منه فلا دم
عليه كما لو لم يتجاوزه، وهذا باتفاق، لأنه أحرم
من الميقات الذي أمر بالإِحرام منه.
وإن تجاوز الميقات وأحرم فعليه دم، سواء
رجع إلى الميقات أو لم يرجع، وهذا عند المالكية
والحنابلة، والأصح عند الشافعية أنه إن رجع
قبل أن يتلبس بنسك سقط عنه الدم، وهو قول
أبي يوسف ومحمد من الحنفية، وقال أبو حنيفة:
إن عاد فلبى سقط عنه الدم، وإن لم يلب لم
يسقط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما
أنه قال للذي أحرم بعد الميقات: ارجع إلى
الميقات قلب وإلا فلا حج لك، فأوجب التلبية
من الميقات فلزم اعتبارها، وعند زفر لا يسقط
الدم، لبی أو لم یلب، لأن وجوب الدم في هذه
الجناية بمجاوزة الميقات من غير إحرام فلا
- ١٤٠ -