النص المفهرس

صفحات 61-80

ربا ١٧ - ١٨
محتمل، وزيد بن أرقم والبراء بن عازب رضى الله
عنهما من الصحابة، وأما التابعون: فصح ذلك
أيضا عن عطاء بن أبي رباح وفقهاء المكيين،
وروي عن سعيد وعروة . (١)
انقراض الخلاف في ربا الفضل ودعوى الإجماع
على تحريمه :
١٧ - نقل النووي عن ابن المنذر أنه قال: أجمع
علماء الأمصار: مالك بن أنس ومن تبعه من
أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من
أهل العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل
الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل
مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق
وأبوثور وأبو حنيفة وأبو يوسف أنه لا يجوز بيع
ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا
شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح،
متفاضلا يدا بيد، ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك
فقد أربى والبيع مفسوخ، قال: وقد روينا هذا
القول عن جماعة من أصحاب رسول الله وله
وجماعة يكثر عددهم من التابعين. (٢)
وناقش السبكي دعوى الإِجماع من عدة
وجوه، وانتهى إلى القول: فعلى هذا امتنع
دعوى الإِجماع في تحريم ربا الفضل بوجه من
الوجوه، لكنا بحمد الله تعالى مستغنون عن
(١) المجموع ٢٦/١٠، ٣٣
(٢) المجموع ١٠/ ٤٠ - ٤١
الإِجماع في ذلك بالنصوص الصحيحة
المتضافرة، وإنما يحتاج إلى الإِجماع في مسألة
خفية سندها قياس أو استنباط دقيق. (١)
الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل :
١٨ - رويت عن النبي # أحاديث كثيرة في
تحريم ربا الفضل: (٢)
منها : ما روى عثمان بن عفان أن رسول
الله وَاللّ قال: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا
الدرهم بالدرهمين)). (٣)
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
قال رسول اللّه الر: ((الدينار بالدينار والدرهم
بالدرهم، لا فضل بينهما، فمن كانت له
حاجة بورق، فليصرفها بذهب، ومن كانت
له حاجة بذهب فليصرفها بورق، والصرف
هاء وهاء)) . (٤)
وما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه
قال: قال رسول الله قال: ((الذهب بالذهب،
(١) المجموع ١٠ / ٤٠، ٤١، ٤٣، ٤٧ - ٥٠
(٢) المجموع ١٠ / ٤٠ - ٥٩
(٣) المجموع ٦٠/١٠
وحديث: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم
... )) أخرجه مسلم (١٢٠٩/٣ - ط الحلبي).
(٤) حديث: ((الدينار بالدينار .. )) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٦٠
- ط الحلبي) والحاكم (٢ / ٤٩ - ط دائرة المعارف العثمانية)
من حديث علي بن أبي طالب، وصححه الحاكم ووافقه
الذهبي.
- ٦١ -

ربا ١٨ - ١٩
والفضة بالفضة، والبربالبر ، والشعير
بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا
بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه
الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا
بید». (١)
وأما الحديث الذي رواه أسامة بن زيد أن
النبي وَلّ قال: ((إنما الربا في النسيئة))(٢) فقد
قال ابن القيم: مثل هذا يراد به حصر الكمال
وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة، كما قال الله
تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت
قلوبهم وإذا تلیت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى
ربهم يتوكلون﴾(٣) وكقول ابن مسعود: إنما العالم
الذي يخشى الله، ومثله عند ابن حجر، قال:
قيل المعنى في قوله: ((لا ربا إلا في النسيئة)) الربا
·الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب
الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا
زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي
الأكمل لا نفي الأصل . (٤)
(١) حديث: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ... ))
أخرجه مسلم (١٢١١/٣ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((إنما الربا في النسيئة ... )) أخرجه مسلم
(١٢١٨/٣ - ط الحلبي). وأخرجه البخاري (الفتح
٣٨١/٤ - ط السلفية) بلفظ: ((لا ربا إلا في النسيئة)).
(٣) سورة الأنفال / ٢
(٤) المغني ٤ / ٤، أحكام القرآن ١/ ٤٦٦، وصحيح مسلم
٢٥/١١، وأعلام الموقعين ١٥٥/٢، وفتح الباري
٣٠٤/٤
وقال الشوكاني : یمکن الجمع بأن مفهوم
حديث أسامة عام، لأنه يدل على نفي ربا
الفضل عن كل شيء سواء أكان من الأجناس
الربوية أم لا، فهو أعم منها مطلقا، فيخصص
هذا المفهوم بمنطوقها . (١)
------
الأجناس التي نص على تحريم الربا فيها :
١٩ - الأجناس التي نص على تحريم الربا فيها
ستة وهي : الذهب والفضة والبروالشعير والتمر
والملح، وقد ورد النص عليها في أحاديث كثيرة،
من أتمها حديث عبادة بن الصامت السابق .
قال القرطبي : أجمع العلماء على القول
بمقتضى هذه السنّة، وعليها جماعة فقهاء
المسلمين، إلا في البروالشعير فإن مالكا جعلهما
صنفا واحدا، فلا يجوز منهما اثنان بواحد، وهو
قول الليث والأوزاعي ومعظم علماء المدينة
والشام، وأضاف مالك إليهما السلت. (٢)
واتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا
يجري إلا في الجنس الواحد، ولا يجري في
(١) نيل الأوطار ٢١٦/٥ - ٢١٧
(٢) تفسير القرطبي ٣٤٩/٣، والسلت: قيل ضرب من
الشعير ليس له قشر ويكون في الغور والحجاز قاله
الجوهري، وقال ابن فارس ضرب منه رقيق القشر صغير
الحب، وقال الأزهري: حب بين الحنطة والشعير ولا قشر
له كقشر الشعير فهو كالحنطة في ملاسته وكالشعير في طبعه
وبرودته .... المصباح المنير، وفي جواهر الإكليل
١٨/٢: هو حب بين القمح والشعير لا قشر له.
- ٦٢ -

ربا ٢٠
الجنسين ولو تقاربا لقول النبي ويتر: ((بيعوا
الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد)). (١)
وخالف سعيد بن جبير فقال: کل شیئین
یتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر
متفاضلا، كالحنطة بالشعير، والتمر بالزبيب،
لأنهما يتقارب نفعهما فجريا مجرى نوعي الجنس
الواحد . (٢)
الاختلاف في غیر هذه الأجناس :
٢٠ - اختلف الفقهاء فيما سوى الأجناس الستة
المنصوص عليها في حديث عبادة بن الصامت
رضي الله تعالى عنه، وفي غيره من الأحاديث،
هل يحرم الربا فيها كما يحرم في هذه الأجناس
الستة أم لا يحرم؟
فذهب عامة أهل العلم إلى أن تحريم الربا
لا يقتصر على الأجناس الستة، بل یتعدی إلی
ما في معناها، وهو ماوجدت فيه العلة التي هي
سبب التحريم في الأجناس المذكورة في
الحديث، لأن ثبوت الربا فيها بعلة، فيثبت في
كل ماوجدت فيه العلة التي هي سبب
(١) حديث: ((بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد))
أخرجه بمعناه البخاري (الفتح ٣٧٩/٤، ٣٨٣ - ط
السلفية) ومسلم (١٢١٣/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي
بكرة، ولفظه عند مسلم وأبي عوانة كما في الفتح
(٣٨٣/٤).
(٢) المغني ٤/ ٥
التحريم، لأن القياس دليل شرعي، فتستخرج
علة الحكم ويثبت في كل موضع وجدت علته
فيه .
واستدلوا بأن مالك بن أنس وإسحاق بن
إبراهيم الحنظلي رويا حديث تحريم الربا في
الأعيان الستة وفي آخره ((وكذلك كل ما يكال
ويوزن))(١) فهو تنصيص على تعدية الحكم إلى
سائر الأموال، وفي حديث عبدالله بن عمر
رضي الله عنهما أن النبي و لفر قال: ((لا تبيعوا
الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين فإني
أخشى عليكم الرما)) (٢) أي الربا، ولم يرد به عين
الصاع وإنما أراد به مايدخل تحت الصاع، كما
يقال خذ هذا الصاع أي مافيه، ووهبت لفلان
صاعا أي من الطعام .
وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري
أن رسول الله وَلو بعث أخا بني عديّ الأنصاري
فاستعمله علی خیبر، فقدم بتمر جنیب، فقال
له رسول الله صل: ((أكل تمر خيبر هكذا؟)) قال:
لا، والله، يا رسول الله، إنا لنشترى الصاع
بالصاعين من الجمع. فقال رسول الله وسلم: ((لا
(١) حديث: ((وكذلك كل مايكال ويوزن .. )) أخرجه البيهقي
(٢٨٦/٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) بلفظ: ((وكل ما
یکال او یوزن».
(٢) حديث: عبدالله بن عمر: ((لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين))
أخرجه أحمد (١٠٩/٢ - ط اليمنية) وضعف إسناده أحمد
شاكر في تعليقه على المسند (١٨٢/٨ - ط المعارف).
- ٦٣ -

ربا ٢٠ - ٢٢
تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا
بثمنه من هذا، وكذلك الميزان)). (١)
يعني مایوزن بالمیزان، فتبین بهذه الآثار قيام
الدليل على تعدية الحكم من الأشياء الستة إلى
غیرها. وکذلك فإنه ليس في الحديث أن مال
الربا ستة أشياء، ولكن ذكر حكم الربا في
الأشياء الستة.
وفائدة تخصيص هذه الأجناس الستة بالذکر
في الحدیث أن عامة المعاملات يومئذ کانت بها
على ما جاء في الحديث: ((كنا في المدينة نبيع
الأوساق ونبتاعها)»(٢) والمراد به مايدخل تحت
الوسق مما تكثر الحاجة إليه وهي الأجناس
المذكورة. (٣)
وحكي عن طاوس ومسروق والشعبي وقتادة
وعثمان البتي ونفاة القیاس أنهم قصروا التحريم
على الأجناس المنصوص على تحريم الربا
فیھا، وقالوا إن التحريم لا يجري في غيرها بل
إنه على أصل الإباحة، ومما احتجوا به :
(١) حديث: ((أكل تمر خيبر هكذا)) أخرجه البخاري (الفتح
٣١٧/٣ - ط السلفية) ومسلم (١٢١٥/٣ - الحلبي)
واللفظ لمسلم.
(٢) حديث: ((كنا في المدينة نبيع الأوساق ونبتاعها)) أخرجه
النسائي (١٥/٧ - ط المكتبة التجارية) والحاكم (٢ /٥ - ط
دائرة المعارف العثمانية) من حديث قيس بن أبي غرزة،
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) المبسوط ١١٢/١٢ - ١١٣، وجواهر الإكليل ٢/ ١٧،
والمجموع ٣٩٣/٩، والمغني ٥/٤
أن الشارع خص من المكيلات والمطعومات
والأقوات أربعة أشياء، فلوكان الحكم ثابتا في
كل المكيلات أو في كل المطعومات لقال: لا
تبيعوا المكيل بالمكيل متفاضلا أو: لا تبيعوا
المطعوم بالمطعوم متفاضلا، فإن هذا الكلام
يكون أشد اختصارا وأكثر فائدة، فلما لم يقل
ذلك وعد الأربعة علمنا أن حكم الحرمة مقصور
عليها. وأن التعدية من محل النص إلى غير محل
النص لا تمکن إلا بواسطة تعلیل الحکم في مورد
النص وهو عند نفاة القياس غير جائز. (١)
علة تحريم الربا في الأجناس المنصوص عليها :
٢١ - اتفق عامة الفقهاء على أن تحريم الربا في
الأجناس المنصوص عليها إنما هو لعلة، وأن
الحكم بالتحریم یتعدی إلى ماتثبت فيه هذه
العلة، وأن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة
الأجناس الأربعة الأخرى واحدة .. ثم اختلفوا
في تلك العلة.
٢٢ - فقال الحنفية: العلة: الجنس والقدر، وقد
عرف الجنس بقوله : ((الذهب بالذهب،
والحنطة بالحنطة))(٢) وعرف القدر بقوله {آل} :
«مثلا بمثل)) ويعني بالقدر الكيل فيما يكال
(١) المبسوط ١١٢/١٢، والمجموع ٩/ ٣٩٣، تفسير الرازي
٩٢/٧ - ٩٣، والمغني ٤/ ٥
(٢) الحدیث تقدم تخريجه ف/ ١٠
- ٦٤ -

ربا ٢٣ - ٢٤
والوزن فيما يوزن لقوله {آ ﴾ «وکذلك کل ما
یکال ویوزن))، (١) وقوله مَليار: ((لا تبيعوا الصاع
بالصاعين))، (٢) وهذا عام في كل مكيل سواء
أكان مطعوما أم لم يكن، ولأن الحكم متعلق
بالكيل والوزن إما إجماعا (أي عند الحنفية) أو
لأن التساوي حقيقة لا يعرف إلا بهما، وجعل
العلة ماهو متعلق الحكم إجماعا أو هو معرف
للتساوي حقيقة أولى من المصير إلى ما اختلفوا
فيه ولا يعرف التساوي حقيقة فیه، ولأن
التساوي والمماثلة شرط لقوله {چے «مثلا بمثل))،
وفي بعض الروايات ((سواء بسواء)) أو صيانة
لأموال الناس، والمماثلة بالصورة والمعنى أتم،
وذلك فيما ذكر، لأن الكيل والوزن يوجب المماثلة
صورة، والجنس يوجبها معنى، فكان
أولى. (٣)
٢٣ - وقال المالكية: علة الربا في النقود مختلف
فيها، فقيل: غلبة الثمنية، وقيل: مطلق
الثمنية، وإنما كانت علة الربا في النقود ماذکر
لأنه لولم يمنع الربا فيها لأدى ذلك إلى قلتها
فیتضرر الناس.
وعلة ربا الفضل في الطعام الاقتيات
والادخار وهو المشهور وقول الأكثر والمعول عليه،
(١) الحديث تقدم تخريجه ف/ ٢٠
(٢) حديث: ((لا تبيعوا الصاع بالصاعين .. )) شطر من
حدیث عبدالله بن عمر المتقدم تخريجه ف/ ٢٠
(٣) المبسوط ١٢/ ١١٣، والاختيار ٢/ ٣٠
والاقتيات معناه قيام بنية الآدمي به - أي حفظها
وصيانتها - بحيث لا تفسد بالاقتصار عليه، وفي
معنى الاقتيات إصلاح القوت كملح وتوابل،
ومعنى الادخار عدم فساده بالتأخير إلى الأجل
المبتغى منه عادة، ولا حدّ له على ظاهر المذهب
بل هو في كل شيء بحسبه، فالمرجع فيه
للعرف، ولابد من أن يكون الادخار معتادا،
ولا عبرة بالادخار لا على وجه العادة.
وإنما کان الاقتیات والا دخار علة حرمة الربا
في الطعام لخزن الناس له حرصا على طلب
وفور الربح فيه لشدة الحاجة إليه.
وعلة ربا النّساء مجرد الطعم على وجه
التداوي، فتدخل الفاكهة والخضر كبطيخ وقثاء
ونحو ذلك.(١)
٢٤ - وذهب الشافعية إلى أن العلة في تحريم
الربا في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان
غالبا - كما نقل الماوردي عن الشافعي - ويعبر
عنها بجنسية الأثمان غالبا أوبجوهرية الأثمان
غالبا، وهذه علة قاصرة على الذهب والفضة لا
تتعداهما إذ لا توجد في غيرهما، فتحريم الربا
فيهما ليس لمعنى يتعداهما إلى غيرهما من
الأموال، لأنه لو كان لمعنى يتعداهما إلى غيرهما
لم يجز إسلامهما فيما سواهما من الأموال، لأن كل
شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا لا يجوز
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤١/٣ - ٤٢،
وحاشية العدوي على كفاية الطالب ٢/ ١٠٠ - ١٠١
- ٦٥ -

ربا ٢٤
إسلام أحدهما في الآخر كالذهب والفضة
والحنطة والشعير، فلما جاز إسلام الذهب
والفضة في الموزونات والمكيلات وغيرهما من
الأموال دل على أن العلة فيهما لمعنى لا يتعداهما
وهو أنهما من جنس الأثمان.
وذكر لفظ ((غالبا)» في بيان علة تحريم الربا في
الذهب والفضة للاحتراز من الفلوس إذا راجت
رواج النقود، فإنها وإن کانت ثمنا في بعض
البلاد فلیست من جنس الأثمان غالبا، ويدخل
فيما يجري فيه الربا الأواني والتبرونحوهما من
الذهب والفضة .
قال الماوردي: ومن أصحابنا من يقول:
العلة كونهما قيم المتلفات، ومن أصحابنا من
جمعهما، قال: وكله قريب.
وقال النووي : جزم الشيرازي في التنبيه أن
العلة كونهما قيم الأشياء، وأنكره القاضي
أبوالطيب وغيره على من قاله، لأن الأواني
والتبر والحلي يجري فيها الربا، وليست مما يقوم
بها، ولنا وجه ضعيف غريب أن تحريم الربا
فيهما بعينهما لا لعلة، حكاه المتولي وغيره.
وما سوى الذهب والفضة من الموزونات
كالحديد والنحاس والرصاص والقطن والكتان
والصوف والغزل وغيرها .. لا ربا فيها، فيجوز
بیع بعضها ببعض متفاضلا ومؤجلا .
والعلة في تحريم الربا في الأجناس الأربعة
وهي البروالشعير والتمر والملح أنها مطعومة،
وهذا قول الشافعي في الجدید، والدليل ما روى
معمر بن عبدالله أن النبي وسلم قال: ((الطعام
بالطعام مثلا بمثل))(١) فقد علق الحكم بالطعام
الذي هو بمعنى المطعوم، والمعلق بالمشتق معلل
بما منه الاشتقاق كالقطع والجلد المعلقين
بالسارق والزاني. (٢) ولأن الحب مادام مطعوما
يحرم فيه الربا، فإذا زرع وخرج عن أن يكون
مطعوما لم يحرم فيه الربا، فإذا انعقد الحب وصار
مطعوما حرم فيه الربا، فدل على أن العلة فيه
كونه مطعوما، فعلى هذا يحرم الربا في كل ما
يطعم.
وقول الشافعي في القديم أن العلة في تحريم
الربا في الأجناس الأربعة أنها مطعومة مكيلة أو
مطعومة موزونة، وعليه فلا يحرم الربا إلا في
مطعوم یکال أویوزن.
والجذيد هو الأظهر، وتفريع الشافعي
والأصحاب عليه، قالوا: المراد بالمطعوم ماقصد
لطعم الآدمي غالبا، بأن يكون أظهر مقاصده
الطعم وإن لم يؤكل إلا نادرا، والطعم يكون
اقتیاتا أو تفکها أوتداویا، والثلاثة تؤخذ من
حدیث الأجناس الستة، فانه نص فیه علی البر
(١) حديث: ((الطعام بالطعام مثلا بمثل .. )) أخرجه مسلم
(١٢١٤/٣ - ط الحلبي) من حديث معمر بن عبدالله.
(٢) في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾
سورة المائدة / ٣٨ وفي قوله: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا
٠٠٠﴾ سورة النور/ ٢٠
- ٦٦ -

ربا ٢٥
والشعير والمقصود منهما التقوت، فألحق بهما ما في
معناهما كالأرز والذرة، ونص فيه على التمر
والمقصود منه التفكه والتأدم، فألحق به مافي
معناه كالتين والزبيب، ونص فيه على الملح
والمقصود منه الإصلاح، فألحق به ما في معناه
كالمصطكي والسقموينا والزنجبيل، ولا فرق بين
مايصلح الغذاء وما يصلح البدن، فالأغذية
لحفظ الصحة والأدوية لرد الصحة. (١)
٢٥ - وروي عن أحمد بن حنبل في علة تحريم
الربا في الأجناس الستة ثلاث روايات: أشهرها
أن علة الربا في الذهب والفضة کونهما موزوني
جنس، وفي الأجناس الباقية کونہا مكیلات
جنس، فعلى هذه الرواية يجري الربا في کل
مکیل أوموزون بجنسه ولو کان یسیرا لا یتأتی
كيله كتمرة بتمرة أو تمرة بتمرتين لعدم العلم
بتساوهما في الکیل، ولا یتأتی وزنہ کما دون
الأرزة من الذهب أو الفضة ونحوهما، مطعوما
كان المكيل أو الموزون أو غير مطعوم، ولا يجري
الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات
من التفاح والرمان والبطيخ والجوز والبيض
ونحوها، فيجوز بيع بيضة وخيارة وبطيخة
بمثلها، نص علیه أحمد لأنه لیس مکیلا ولا
موزونا، لكن نقل مهنا عن أحمد أنه کره بيع
(١) المهذب ١/ ٢٧٠، والمجموع ٣٩٣/٩ - ٣٩٥، ٣٩٧،
مغني المحتاج ٢/ ٢٢ - ٢٥، أسنى المطالب ٢٢/٢
بيضة ببيضتين وقال: لا يصلح إلا وزنا بوزن
لأنه مطعوم، ولا يجري الربا فیما لا يوزن عرفا
لصناعته، ولو کان أصله الوزن غير المعمول من
النقدين كالمعمول من الصفر والحديد
والرصاص ونحوه، كالخواتم من غير النقدين.
والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية،
وفیما عداها کونه مطعوم جنس فيختص
بالمطعومات ويخرج منه ماعداها، لما روى معمر
ابن عبد الله أن النبي وسلم قال: ((الطعام بالطعام
مثلا بمثل)) ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام
الأبدان، والثمنية وصف شرف إذ بها قوام
الأموال، فيقتضي التعليل بهما، ولأنه لو كانت
العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلامهما في
الموزونات لأن أحد وصفي علة الربا الفضل
يكفي في تحريم النساء.
والرواية الثالثة : العلة فيما عدا الذهب
والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا فلا
يجري الربا في مطعوم لا یکال ولا یوزن،
كالتفاح والرمان والخوخ والبطيخ ونحوها، ولا
فيما ليس بمطعوم كالزعفران والحديد
والرصاص، لأن لكل واحد من هذه الأصناف
أثرا، والحكم مقرون بجميعها في المنصوص
عليه فلا يجوز حذفه، ولأن الكيل والوزن
والجنس لا يقتضي وجوب المماثلة وإنما أثره في
- ٦٧ -

ربا ٢٦ - ٢٧
تحقيقها في العلة ما يقتضي ثبوت الحكم لا ما
تحقق شرطه .
والطعم بمجرده لا تتحقق المماثلة به لعدم
المعيار الشرعي فيه، وإنما تجب المماثلة في المعيار
الشرعي وهو الكيل والوزن، ولهذا وجبت
المساواة في المکیل کیلا وفي الموزون وزنا، فوجب
أن یکون الطعم معتبرا في المکیل والموزون دون
غيرهما، والأحاديث الواردة في هذا الباب يجب
الجمع بينها وتقیید کل واحد منها بالآخر، فنهي
النبي ◌َّر عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا
بمثل(١) يتقيد بما فيه معيار شرعي وهو الكيل
والوزن، ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد
بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه.
قال ابن قدامة: ولا فرق في المطعومات بين
مایؤکل قوتا كالأرز والذرة والدخن، أو أدما
کالقطنیات واللحم واللبن، أو تفکها كالثمار، أو
تداویا کالإِهلیلچ والسقمونیا، فإن الکل في باب
الربا واحد. (٢)
من أحكام الربا :
٢٦ - إذا تحققت علة تحريم الربا في مال من
الأموال، فإن بيع بجنسه حرم فيه التفاضل
والنساء والتفرق قبل القبض، لما روى عبادة بن
(١) الحدیث تقدم تخريجه في ف/ ٢٤
(٢) المغني ٥/٤ - ٩، كشاف القناع ٢٥٢/٣
الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي لة
قال: ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر
بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح
بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا
اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا
كان يدا بيد)). (١)
وهذا قدر متفق عليه بين الفقهاء، وفيما عداه
تفصيل وخلاف بحسب اختلافهم في العلة.
وفيما يلي مجمل أحكام الربا في كل مذهب
على حدة.
٢٧ - قال الحنفية: إن علة تحريم الربا القدر مع
الجنس، فإن وجدا حرم الفضل والنساء، فلا
يجوز بيع قفیز بر بقفیزین منه، ولا بيع قفیز بر
بقفيز منه وأحدهما نساء، وإن عدما - أي القدر
والجنس - حل البيع، وإن وجد أحدهما أي
القدر وحده كالحنطة بالشعير، أو الجنس وحده
کالثوب الهروي بهروي مثله حل الفضل وحرم
النساء! قالوا: أما إذا وجد المعيار وعدم الجنس
كالحنطة بالشعير والذهب بالفضة، فلقوله عليه
السلام ((إذا اختلف الجنسان، ويروى
(النوعان))، فبیعوا کیف شئتم بعد أن یکون یدا
بيد))(٢) وأما إذا وجدت الجنسية وعدم المعيار
(١) حديث عبادة بن الصامت: ((الذهب بالذهب .. )) أخرجه
مسلم (١٢١١/٣ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((إذا اختلف الجنسان وفي رواية النوعان . =
- ٦٨ -
٤

ربا ٢٧ - ٢٨
كالهروي بالهروي، فإن المعجل خيرمن المؤجل
وله فضل عليه، فيكون الفضل من حيث
التعجيل ربا، لأنه فضل يمكن الاحتراز عنه
وهو مشروط في العقد فيحرم.
ويحرم بيع کيلي أووزني بجنسه متفاضلا
ونسيئة ولو غيرمطعوم، کجص كيلي أوحدید
وزني، ويحل بيع ذلك متماثلا لا متفاضلا وبلا
معيار شرعي، فإن الشرع لم يقدر المعيار بالذرّة
وبما دون نصف الصاع کحفنة بحفنتين أو ثلاثة
مالم يبلغ نصف الصاع، وکذرة من ذهب أو
فضة وتفاحة بتفاحتين باعیانهما، فإن کانا غیر
معینین أو أحدهما لم يجز. وخالف محمد فرأى
تحريم الربا في الكثير والقليل كتمرة بتمرتين.
وجيد مال الربا ورديئه عند المقابلة سواء،
لقوله {( *: «جیدها وردیئها سواء))(١) ولأن في
اعتبار الجودة والرداءة سد باب البياعات فيلغو،
واستثنوا مسائل لا يجوز فيها إهدار اعتبار
الجودة، وهي : مال اليتيم والوقف والمريض فلا
يباع الجيد منه بالرديء. ويجوز بيع الرديء
= أورده الزيلعي في نصب الراية (٤/٤ - ط المجلس
العلمي) وقال: ((غريب بهذا اللفظ)) ثم أحال إلى حديث
عبادة بن الصامت المتقدم.
(١) حديث: جيدها ورديئها سواء. أورده الزيلعي في نصب
الراية (٣٧/٤ - ط المجلس العلمي) وقال: ((غريب،
ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد المتقدم تخريجه
ف/ ١٦
بالجيد والقُلب(١) والمرهون إذا انكسر عند المرتهن
ونقصت قیمته فإنه یضمنها بخلاف جنسه .
وما ورد النص بکیله فکیلي أبدا، وما ورد
النص بوزنه فوزني أبدا اتباعا للنص، وعن أبي
یوسف أنه یعتبر فیه العرف مطلقا وإن كان
خلاف النص وأشار ابن عابدين إلى تقويته،
ورجحه الكمال بن الهمام لأن النص على ذلك
الکیل في الشيء أو الوزن فيه ما كان في ذلك
الوقت إلا لأن العادة إذ ذاك کذلك، وقد تبدلت
فتبدل الحكم، حتى لوكان العرف في زمنه ڑ
بالعكس لورد النص موافقا له، ولو تغير العرف
في حياته لنص على تغير الحكم.
وجوز بیع لحم بحیوان ولو من جنسه وبيع
قطن بغزل قطن في الأصح، وبيع رطب برطب
متماثلا کیلا، وبيع لحوم مختلفة بعضها ببعض
ولبن بقر بلبن غنم متفاضلا يدا بيد، ويجوز بيع
اللبن بالجبن، ولا يجوز بيع البربدقيق أو
سویق، ولا بيع الزيت بالزيتون.
ولا ربا بین متفاوضین وشریکي عنان إذا
تبايعا من مال الشركة . (٢)
٢٨ - وقال المالكية: لا يجوز بيع فضة بفضة ولا
(١) القلب بضم القاف وسكون اللام مايليس في الذراع من
فضه، فإن كان من ذهب فهو السوار. رد المحتار ١٨٣/٤
(٢) الاختيار ٣١/٢ وما بعدها، رد المحتار ١٧٨/٤، ١٨١
ومابعدها .
- ٦٩ -

ربا ٢٨ - ٢٩
ذهب بذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد، ولا يجوز
بیع الفضة بالذهب متفاضلا إلا يدا بيد،
والطعام من الحبوب والقطنية(١) وشبهها مما يدخر
من قوت أو إدام لا يجوز الجنس منه بجنسه إلا
مثلا بمثل يدا بيد، ولا يجوز فيه تأخير، ولا يجوز
طعام بطعام إلى أجل، كان من جنسه أومن
خلافه، کان مما يدخر أو لا يدخر.
ولا بأس بالفواكه والبقول وما لا يدخر
متفاضلا وإن کان من جنس واحد یدا بید، ولا
يجوز التفاضل في الجنس الواحد فیما يدخر من
الفواكه اليابسة وسائر الإِدام والطعام والشراب
إلا الماء وحده، وما اختلفت أجناسه من ذلك
ومن سائر الحبوب والثمار والطعام فلا بأس
بالتفاضل فيه يدا بيد، ولا يجوز التفاضل في
الجنس الواحد منه إلا في الخضر والفواكه،
والقمح والشعير والسلت کجنس واحد فيما يحل
منه ويحرم، والزبيب كله جنس والتمر كله
صنف، والقطنية أجناس في البيوع، واختلف
قول مالك فيها ولم يختلف قوله في الزكاة أنها
جنس واحد، ولحوم ذوات الأربع من الأنعام
كالإبل والبقر والغنم والوحش كالغزال وبقر
الوحش، ولحوم الطير كله جنس واحد، ولحوم
(١) القطنية بكسر القاف أو ضمها وسكون الطاء وكسر النون
والياء المشددة، وحكي تخفيفها - قال الباجي: هي البسيلة،
سميت بذلك لأنها تقطن بالمحل ولا تفسد بالتأخير.
(الفواكه الدواني ٢/ ١١٢).
دواب الماء كلها جنس، وما تولد من لحوم
الجنس الواحد من شحم فهو كلحمه، وألبان
ذلك الجنس من ذوات الأربع الإِنسي منه
والوحشي کلها جنس واحد، وکذلك جبنه
وسمنه کل واحد منها جنس فکل واحد من
الثلاثة يجوز بيع بعضه ببعض متماثلا لا
متفاضلا.(١)
٢٩ - وقال الشافعية: إذا بيع الطعام بالطعام إن
کانا جنسا اشترط الحلول والمماثلة والتقابض قبل
التفرق، أو جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل
واشترط الحلول والتقاض، ولابد من القبض
الحقيقي، ودقيق الأصول المختلفة الجنس
وخلها ودهنها أجناس، لأنها فروع أصول مختلفة
فأعطيت حكم أصولها، واللحوم والألبان كذلك
في الأظهر. والنقد بالنقد كالطعام بالطعام.
والمماثلة تعتبر في المكيل كيلا وفي الموزون
وزنا، والمعتبر غالب عادة أهل الحجاز في عهد
رسول الله پے، وما جهل يراعی فیه بلد البيع،
وقيل: الكيل، وقيل: الوزن، وقيل: يتخير،
وقيل: إن كان له أصل اعتبر.
وتعتبر المماثلة وقت الجفاف، لأنه (ێے سئل
عن بيع الرطب بالتمر فقال: ((أينقص الرطب
إذا یبس فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك))(٢) أشار
(١) الفواكه الدواني ١١٢/٢ - ١١٦، الدسوقي ٤٨/٣
(٢) حديث: ((أينقص الرطب إذا ييس .. )) أخرجه الترمذي=
- ٧٠ -

ربا ٣٠
وَله بقوله: ((أينقص)) إلى أن المماثلة إنما تعتبر
عند الجفاف وإلا فالنقصان أوضح من أن يسأل
عنه، ويعتبر أيضا إبقاؤه على هيئة يتأتى
ادخاره عليها کالتمر بنواه، فلا يباع رطب برطب
ولا بتمر، ولا عنب بعنب ولا بزبيب، للجهل
بالمماثلة وقت الجفاف للحديث السابق، وما لا
جفاف له کالقثاء والعنب الذي لا یتزبب لا يباع
بعضه ببعض أصلا قياسا على الرطب، وفي
قول مخرج تكفي مماثلته رطبا لأن معظم منافعه
في رطوبته فكان كاللبن فيباع وزنا وإن أمكن
کیله.
وکل شیئین اتفقا في الاسم الخاص من أصل
الخلقة كالتمر البرني والتمر المعقلي فهما جنس
واحد، وکل شیئین اختلفا في الاسم من أصل
الخلقة كالحنطة والشعير والتمر والزبيب فهما
جنسان، والدليل عليه أن النبي ◌َ ر ذكر ستة
أشياء وحرم فيها التفاضل إذا بيع كل منها بما
وافقه في الاسم وأباح فيه التفاضل إذا بيع بما
خالفه في الاسم، فدل على أن كل شيئين اتفقا
في الاسم فهما جنس وإذا اختلفا في الاسم
فهما جنسان.(١)
٣٠ - وقال الحنابلة: كل ما كيل أووزن من جميع
الأشياء فلا يجوز التفاضل فیه إذا کان جنسا
= (١٩٩/٣ - ط الحلبي) من حديث سعد بن أبي وقاص،
وقال: ((حديث حسن صحيح)).
(١) مغني المحتاج ٢٢/٢ - ٢٩، والمهذب ٢٧٢/١
واحدا، وما كان من جنسين جاز التفاضل فيه
يدا بيد، ولا يجوز نسيئة، والدليل حديث عبادة
السابق، وما کان مما لا یکال ولا یوزن فجائز
التفاضل فيه يدا بيد ونسیئة سواء بيع بجنسه أو
بغيره - في أصح الروايات - ولا يباع شيء من
الرطب بيابس من جنسه إلا العرايا، فأما بيع
الرطب بالرطب والعنب بالعنب ونحوهما من
الرطب بمثله فيجوز مع التماثل، وأما مالا ييبس
كالقثاء والخيار فعلى قولين، ولا يباع ما أصله
الكيل بشيء من جنسه وزنا ولا ما أصله
الوزن كيلا، والمرجع في معرفة المكيل
والموزون إلى العرف بالحجاز في عهد
النبي وَله: ((المكيال مكيال أهل المدينة
والوزن وزن أهل مكة)). (١)
وما لا عرف فيه بالحجاز يحتمل وجهين:
أحدهما: يرد إلى أقرب الأشياء شبها بالحجاز،
والثاني: يعتبر عرفه في موضعه. والتمور كلها
جنس وإن اختلفت أنواعها، والبر والشعير
جنسان. هذا هو المذهب، وعن أحمد أنهما جنس
واحد، ولا يجوز بيع الحنطة بشيء من فروعها:
(١) حديث: ((المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل
مكة)) أخرجه أبوداود (٣/ ٦٣٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
والبيهقي (٣١/٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
عبدالله بن عمر، ونقل المناوي في الفيض (٦/ ٣٧٤ - ط
المكتبة التجارية) تصحيحه عن جمع من العلماء.
- ٧١ -

ربا ٣١ - ٣٤
السويق، والدقيق في الصحيح، وعن أحمد
رواية أنه يجوز بيعها بالدقیق، فأما بيع بعض
فروعها ببعض فیجوز بیع کل واحد من الدقيق
والسويق بنوعه متساويا، فأما بيع الدقيق
بالسويق فالصحيح أنه لا يجوز. والأصح أن
اللحم أجناس باختلاف أصوله، وفي اللبن
روايتان: إحداهما: هو جنس واحد، والثانية :
هو أجناس باختلاف أصوله کاللحم، ولا يجوز
بيع اللحم بحيوان من جنسه، وأما بيع اللحم
بحیوان من غیر جنسه فظاهر كلام أحمد أنه لا
يجوز، واختار القاضي جوازه، وبيع اللحم
بحیوان غیر مأکول اللحم جائز في ظاهر قولهم،
ولا يجوز بيع شيء من مال الربا بأصله الذي فيه
منه کالسمسم بالشیرج والزیتون بالزيت وسائر
الأدهان بأصولها والعصير بأصله.
وبيع شيء من المعتصرات بجنسه يجوز
متماثلا، ويجوز بيعه بغیر جنسه متفاضلا وکیف
شاء، لأنهما جنسان، ويعتبر التساوي فيهما
بالكيل، وسواء أكانا مطبوخين أم نيئين، أما بيع
النيء بالمطبوخ من جنس واحد فلا يجوز. (١)
من مسائل الربا :
٣١ - مسائل الربا كثيرة ومتعددة، والعلة هي
(١) المغني ٤/٤ - ٣٩
الأصل الذي ينبني عليه عامة مسائل الربا . (١)
أو كما قال القرطبي : اعلم رحمك الله أن مسائل
هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة، والذي يربط
لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره العلماء في علة
الربا. (٢) وفيما يلي أمثلة ومختارات من هذه
المسائل :
المحاقلة :
٣٢ - بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية من
التبن، وهو غير جائز شرعا لما فيه من جهل
التساوي بين العوضين.
وينظر التفصيل في (بيع المحاقلة)(٣)
و(محاقلة).
المزابنة :
٣٣ - بيع الرطب على النخل بتمر، وهو غير
جائز شرعا، لما فيه من عدم العلم بالمماثلة .
وينظر التفصيل في : (بيع المزابنة). (٤)
العينة :
٣٤ - بيع السلعة بثمن، إلى أجل، ثم شراؤها
من المشتري بأقل من ذلك الثمن، وهي حرام
عند جمهور الفقهاء - لأنه من الربا أو ذريعة إلى
الربا.
(١) الاختيار ٢/ ٣٠
(٢) تفسير القرطبي ٣٥٢/٣
(٣) الموسوعة الفقهية ١٣٨/٩
(٤) الموسوعة الفقهية ٩/ ١٣٩
- ٧٢ -

ربا ٣٥
والتفصيل في مصطلح: (بيع العينة). (١)
بيع الأعيان غير الربوية :
٣٥ - الأعیان الربوية نوعان:
أ - الأعيان المنصوص عليها في حديثي عبادة
وأبي سعيد رضي الله تعالی عنهما.
ب- الأعيان التي تحققت فيها علة تحريم الربا،
وهي مختلف فيها بحسب اختلاف الفقهاء في
العلة .
قال الشافعية، وهي أصح الروايات عند
الحنابلة: إن ماعدا هذه الأعيان الربوية
بنوعيها لا يحرم فيها الربا، فيجوز بيع بعضها
ببعض متفاضلا ونسيئة، ويجوز فيها التفرق قبل
التقابض، لما روى عبدالله بن عمروبن العاص
رضي الله تعالى عنهما قال: ((أمرني رسول
الله ﴾ أن أجهز جيشا فنفدت الإبل، فأمرني
أن آخذ على قلاص الصدقة، فكنت آخذ
البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة)). (٢) وعن
(١) الموسوعة الفقهية ٩٥/٩
(٢) حديث: عبدالله بن عمرو: أمرني رسول الله صل# أن أجهز
جیشا» أخرجه أبوداود (٦٥٢/٣ - ٦٥٣ - تحقیق عزت عبيد
دعاس) وقال ابن القطان: «هذا حديث ضعيف،
ومضطرب الإسناد. کذا في نصب الراية للزيلعي (٤/ ٤٧
-ط المجلس العلمي) ولکن رواه البيهقي (٢٨٨/٥ - ط
دائرة المعارف العثمانية) من طريق آخر، وقال عنه ابن
حجر: (إسناده قوي)) كذا في الدراية (٢ /١٥٩ - ط
الفجالة).
علي رضي الله تعالى عنه أنه باع جملا إلى أجل
بعشرين بعيرا، وباع ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما بعيرا بأربعة أبعرة، واشترى ابن
عمر رضي الله تعالى عنهما راحلة بأربع رواحل
ورواحله بالربذة، واشتری رافع بن خديج
رضي الله عنه بعيرا ببعيرين فأعطاه أحدهما
وقال: آتیك بالآخر غدا . (١)
ومنع الحنفية، والحنابلة في رواية، بيع
الشيء بجنسه نسيئة، كالحيوان بالحيوان
لحديث سمرة - مرفوعا - ((نهى عن بيع الحيوان
بالحيوان نسيئة)). (٢)
ولأن الجنس أحد وصفي علة ربا الفضل،
فحرم النّساء کالکیل والوزن .
وعند المالكية: يتصور الربا في غير النقدين
والطعام من العروض والحيوان وسائر
التملکات، وذلك باجتماع ثلاثة أوصاف:
أ - التفاضل.
ب - النسيئة.
جـ - اتفاق الأغراض والمنافع.
کبیع ثوب بثوبین إلی اجل، وبيع فرس
(١) المهذب ٢٧١/١، والاختيار ٣١/٢، فتح القدير
٢٨٠/٥، والمغني ١٤/٤، والقوانين الفقهية: ٢٦٠
(٢) حديث: نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)) أخرجه
أبوداود (٦٥٢/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي
(٥٢٩/٣ - ط الحلبي) وقال: ((حدیث حسن صحيح)).
- ٧٣ -

ربا ٣٦ - ٣٧
للركوب بفرسین للرکوب إلی أجل.
فإن كان أحدهما للركوب دون الآخر جاز،
لاختلاف المنافع.
بيع العين بالتبر، والمصنوع بغيره :
٣٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن عين الذهب،
وتبره، والصحيح، والمکسور منه، سواء في جواز
البيع مع التماثل في المقدار وتحريمه مع
التفاضل، قال الخطابي : وقد حرم رسول
الله ◌َلي أن يباع مثقال ذهب عين بمثقال وشيء
من تبرغیر مضروب، وكذلك حرم التفاوت بین
المضروب من الفضة وغير المضروب منها،
وذلك معنى قوله ◌َلهم: ((الذهب بالذهب تبرها
وعينها)).(١)
وروي عن کثیر من أصحاب مالك،
وبعضهم يرويه عن مالك، في التاجر يحفزه
الخروج وبه حاجة إلى دراهم مضروبة أو دنانير
مضروبة، فيأتى دار الضرب بفضته أو ذهبه
فيقول للضراب : خذ فضتي هذه أو ذهبي وخذ
قدر عمل يدك وادفع إليّ دنانير مضروبة في
ذهبي أو دراهم مضروبة في فضتي هذه لأني
محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج
(١) حديث: ((الذهب بالذهب تبرها وعينها)) أخرجه أبوداود
(٦٤٤/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والنسائي (٧/ ٢٤٦
- ط المكتبة التجارية) من حديث عبادة بن الصامت،
وإسناده صحيح. ومقالة الخطابي في معالم السنن (٥/ ٢٠ -
بهامش مختصر السنن - نشر دار المعرض).
معه، أن ذلك جائز للضرورة، وأنه قد عمل به
بعض الناس، وحكاه ابن العربي في قبسه عن
مالك في غير التاجر وأن مالكا قد خفف في
ذلك، قال ابن العربي: والحجة فيه لمالك بينة.
قال الأبهري: إن ذلك من باب الرفق لطلب
التجارة ولئلا يفوت السوق وليس الربا إلا على
من أراد أن يُربي ممن يقصد إلى ذلك
ویبتغیه . (١)
وحكي عن أحمد رواية: لا يجوز بيع
الصحاح بالمكسرة، ولأن للصناعة قيمة بدلیل
حالة الإِتلاف، فيصير كأنه ضم قيمة الصناعة
إلى الذهب.
وقال ابن قدامة: إن قال لصانع : اصنع لي
خاتما وزن درهم، وأعطيك مثل وزنه وأجرتك
درهما فليس ذلك بیع درهم بدرهمين، وقال
أصحابنا: للصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في
مقابلة الخاتم والثاني أجرة له. (٢)
الربا في دار الحرب :
٣٧ - ذهب جمهور الفقهاء وأبويوسف من
الحنفية إلى أنه لا فرق في تحريم الربا بين دار
الحرب ودار الإِسلام، فما کان حراما في دار
(١) تفسير القرطبي ٣٥١/٣ - ٣٥٢، والمجموع ٨٨/١٠،
والدسوقي ٤٣/٣، والقوانين الفقهية ٢٥٦، وابن عابدين
١٨١/٤
(٢) المغني ٤/ ١٠ - ١١
- ٧٤ -

ربا ٣٨
الإِسلام کان حراما في دار الحرب، سواء جری
بين مسلمين أو مسلم وحربي ، وسواء دخلها
المسلم بأمان أم بغيره.
واستدلوا بعموم القرآن والسنة في تحريم الربا
من غير فرق، ولأن ماكان ربا في دار الإِسلام
کان ربا محرما في دار الحرب کما لو تبایعه مسلمان
مهاجران وکما لو تبايعه مسلم وحربي في دار
الإِسلام، ولأن ما حرم في دار الإِسلام حرم
هناك كالخمر وسائر المعاصي، ولأنه عقد على
مالا يجوز في دار الإِسلام فلم يصح كالنكاح
الفاسد هناك.(١)
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يحرم الربا بين
المسلم والحربي في دار الحرب ولا بين مسلمين
أسلما في دار الحرب ولم يهاجرا منها، لأن مالهم
مباح إلا أنه بالأمان حرم التعرض له بغير
رضاهم تحرزا عن الغدر ونقض العهد، فإذا
رضوا به حل أخذ مالهم بأي طريق كان،
بخلاف المستأمن لأن ماله صار محظورا
بالأمان. (٢)
مسألة مد عجوة :
٣٨ - إذا جمع البيع ربويا من الجانبين واختلف
جنس المبيع منهما بأن اشتمل أحدهما على
جنسین ربویین اشتمل الآخر علیھما، كمد
عجوة ودرهم بمدٍّ من عجوة ودرهم، وكذا لو
(١) المجموع ٩/ ٣٩١، والمغني ٤ / ٤٥ - ٤٦
(٢) رد المحتار ١٨٨/٤، والاختيار ٣٣/٢
اشتمل علی أحدهما فقط کملٍ ودرهم بمدین أو
درهمين، أو اشتملا جميعهما على جنس ربوي
وانضم إليه غیرربوي فیھما کدرهم وثوب
بدرهم وثوب، أو في أحدهما كدرهم وثوب
بدرهم، أو أختلف نوع المبيع كصحاح ومكسرة
تنقص قيمتها عن قيمة الصحاح بهما أي
بصحاح ومكسرة، أو بأحدهما أي بصحاح فقط
أو بمكسرة فقط ... إذا كان البيع على صورة
من هذه الصور فهو باطل، وهذه هي المسألة
الفقهية المعروفة بمسألة ((مد عجوة)). والدليل
على بطلان البيع في هذه الصور خبر مسلم عن
فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: أتي
النبي ◌َ﴾ بقلادة فيها خرز وذهب تباع، فأمر
النبي صل# بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده
ثم قال: ((الذهب بالذهب وزنا بوزن)» وفي
رواية: ((لا تباع حتى تفصل)). (١)
واستدل من جهة المعنى بأن قضية اشتمال
أحد طرفي العقد على مالين مختلفين توزيع ما في
الآخر علیھما اعتبارا بالقيمة، والتوزيع يؤدي
إلى المفاضلة أو الجهل بالمماثلة، لأنه إذا باع مدا
ودرهما بمدين إن كانت قيمة المد الذي مع
الدرهم أكثر أو أقل منه لزمته المفاضلة، أو مثله
فالمماثلة مجهولة .
(١) حديث فضالة بن عبيد: ((أتي النبي ◌َافي بقلادة فيها خرز
وذهب)) أخرجه مسلم (١٢١٣/٣ - ط الحلبي).
- ٧٥ -

ربا ٣٨، رباط ١
ولجمهور الفقهاء القائلين بتحقق الربا في
مسألة مد عجوة تفصيل وتفريع على ما سبق من
أحكام المسألة.
وذهب الحنفية وحماد بن أبي سليمان والشعبي
والنخعي إلى جواز ذلك إذا كان الربوي المفرد
أکثر من الذي معه غيره، أو کان مع كل واحد
منهما من غير جنسه، لأن العقد إذا أمكن حمله
على الصحة لم يحمل على الفساد فيجعل
الربوي في مقابلة قدره من الربوي الآخر ويجعل
الزائد في مقابلة مازاد عن القدر المماثل.(١)
132
12.39792
(١) مغني المحتاج ٢٨/٢، والمغني ٣٩/٤ - ٤٠، والقوانين
الفقهية ٢٥٩، وابن عابدین ٢٣٦/٤، ٢٣٧
رباط
التعريف :
١ - الرباط والمرابطة ملازمة ثغر العدو، وأصله
أن يربط کل من الفریقین خیله، ثم صارلزوم
الثغر رباطا، وربما سمیت الخيل أنفسها رباطا،
ويقال: الرباط من الخيل: الخمس فما
فوقها. ومنه قوله تعالى: ﴿اصبروا وصابروا
ورابطوا﴾(١) أي: أقيموا على جهاد عدوكم.
ويطلق الرباط على المحافظة على الصلوات
الخمس، أومداومة الجلوس في المسجد، كما
جاء في الأثر: قال عليه الصلاة والسلام: ((ألا
أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به
الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال:
إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى
المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم
الرباط، ثلاثا)). (٢)
والأربطة: البيوت المسبّلة لإِيواء الفقراء
والغرباء وطلبة العلم.
(١) سورة آل عمران / ٢٠٠
(٢) حديث: ((ألا أدلكم على مايمحو الله به الخطايا)) أخرجه
مسلم (١/ ٢١٩ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
- ٧٦ -

رباط ٢ - ٥
وقد يطلق على المكان الذي يرابط فيه
المجاهدون.(١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الجهاد :
٢ - وهو في اللغة بذل الوسع في الأمر.
وفي الاصطلاح: بذل الوسع في القتال في
سبيل الله مباشرة، أو معاونة بمال، أورأي، أو
تکثیر سواد أو غير ذلك. (٢)
فالجهاد أعم من الرباط.
ب - الحراسة :
٣ - وهو مصدر حرس الشيء: إذا حفظه،
وتحرس من فلان واحترس منه: تحفظ منه. (٣)
وبينها وبين الرباط عموم وخصوص من
وجه .
الحكم التكليفي :
أولا : الرباط بمعنى ملازمة الثغور:
٤ - الرباط سنة مؤكدة، لأنه حفظ ثغور
الإِسلام وصيانتها، ودفع عن المسلمين، وعن
(١) تاج العروس، ولسان العرب، والمصباح المنير، والقرطبي
تفسير آية: آل عمران الأخيرة، وحاشية ابن عابدين
٢١٧/٣
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢١٨/٣
(٣) مختار الصحاح.
حريمهم، وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو، قال
أحمد: هو أصل الجهاد وفرعه.(١)
وجاء في القرآن الكريم الأمر به، قال الله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا
ورابطوا﴾. (٢)
وقال القرطبي : قال جمهور الأمة في تفسير
الآية: رابطوا أعداءكم بالخيل، وعزا إلى ابن
عطية قوله: القول الصحيح في معنى رابطوا:
أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله، أصلها من
ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور
المسلمين مرابطا، فارسا كان أم راجلا. (٣)
فضل الرباط :
٥- ورد في فضل الرباط أحاديث كثيرة منها :
قوله ﴾: «رباط يوم في سبيل الله خيرمن الدنيا
وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير
من الدنيا، وما عليها)). (٤)
وقال: ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر
وقيامه، وإن مات جری علیه عمله الذي کان
(١) المغني ٨/ ٣٥٤، ومطالب أولي النهى ٥٠٩/٢، وفتح
القدير ٢٧٨/٤
(٢) سورة آل عمران / ٢٠٠
(٣) تفسير القرطبي ٣٢٣/٤
(٤) حديث: ((رباط يوم في سبيل الله ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٦/ ٨٥ - ط السلفية) من حديث سهل بن سعد.
- ٧٧ -

رباط ٦ - ٨
يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفَتّان)).(١)
وورد عنه مَّ﴾ ((کل میت یختم على عمله إلا
الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينُمی له
عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتّان
القبر)) . (٢)
أفضل الرباط :
٦ - أفضل الرباط: أشد الثغور خوفا، لأن
مقامه به أنفع، وأهله أحوج. (٣)
المحل الذي يتحقق فيه الرباط :
٧ - اختلف الفقهاء في المحل الذي يتحقق فيه
الرباط، فإنه لا يتحقق في کل محل، فقال
الحنفية: المختار: أنه لا يكون الرباط، إلا في
موضع لا یکون وراءه إسلام، لأن ما دونه لو
کان رباطا فكل المسلمین في بلادهم مرابطون،
وقال بعضهم: إذا أغار العدو على موضع مرة
سمي ذلك الموضع رباطا، أربعين سنة . (٤)
(١) حديث: ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر .. )) أخرجه
مسلم (١٥٢٠/٣ - ط الحلبي) من حديث سلمان
الفارسي.
(٢) حديث: ((كل ميت يختم على عمله ... )) أخرجه الترمذي
(٤ /١٦٥ - ط الحلبي) من حديث فضالة بن عبيد، وقال:
«حديث حسن صحيح)).
(٣) مطالب أولي النهى ٥٠٩/٢، والمغني ٣٥٥/٨
(٤) فتح القدير ٢٧٨/٤، وحاشية الطحطاوي ٢/ ٤٣٧
والأصل في هذا: حديث (من حرس من وراء
المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطان
لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم)). (١)
وقال ابن حجر في فتح الباري : إذا نوى
بالإِقامة في أي مكان وإن كان وطنه دفع العدو،
فإنه یکون مرابطا، قال: ومن ثم اختار كثير من
السلف سكنى الثغور. وعزا إلى ابن التين أنه
قال: الرباط ملازمة المكان الذي بين المسلمين
والكفار لحراسة المسلمین منهم، بشرط أن يكون
غير الوطن، وعزا ذلك إلى ابن حبيب عن
مالك. (٢)
وقال القرطبي : المرابط عند الفقهاء هو الذي
يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما.
أما سکان الثغور دائما بأهلیھم الذین یعمرون
ويكتسبون هنالك فهم وإن كانوا حماة فليسوا
بمرابطين . (٣)
مدة الرباط :
٨ - قال الفقهاء : تمام الرباط: أربعون يوما.
(١) حديث: ((من حرس من وراء المسلمين ... )) أخرجه أحمد
(٤٣٧/٣ - ٤٣٨ - ط الميمنية) من حديث معاذ بن أنس،
وقال المنذري: ((لا بأس بإسناده في المتابعات)). الترغيب
والترهيب (٢٤٨/٢ - ط الحلبي).
(٢) فتح الباري ٦/ باب الجهاد.
(٣) تفسير القرطبي ٣٢٣/٤
- ٧٨ -

رباط ٩
فقدروي عن النبي صلى أنه قال: ((تمام
الرباط أربعون يوما)). (١)
وروي عن أبي هريرة: من رابط أربعين يوما
فقد استكمل الرباط.
وهذا محل اتفاق بين الفقهاء ولم نقف على
خلاف.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أنه
قدم على عمر من الرباط، فقال: كم رابطت؟
قال: ثلاثين يوما، فقال عمر: عزمت عليك ألا
رجعت حتى تتمها أربعين يوما)). وإن رابط أكثر
فله أجره .
أما أقل الرباط فقد اختلفوا فيه: فقال
الحنابلة: إن أقل الرباط ساعة. (٢)
وقال ابن حجر في فتح الباري : أقل ما
يجزىء يوم أو ليلة، وقال: لأنه قيد اليوم في
الحديث، وأطلق في الآية، فكأنه أشار إلى أن
مطلق الآية مقيد بالحدیث لأنه يشعر بأن أقل
الرباط يوم، لسياقه في مقام المبالغة وذكره مع
سوط يشير إلى ذلك. (٣)
الرباطات المسبلة :
٩ - الرباطات المسبلة في الطرق وعلى أطراف
(١) حديث: ((تمام الرباط أربعون يوما .. )) أخرجه الطبراني
في معجمه الكبير (١٥٧/٧ - ط وزارة الأوقاف العراقية)
من حديث أبي أمامة، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٩٠ -
ط القدسي): ((فيه أيوب بن مدرك، وهو ضعيف)».
(٢) المغني ٨/ ٣٥٤ - ٣٥٥، ومطالب أولي النهى ٢/ ٥٠٩
(٣) فتح الباري ٦/ ٨٥ - ٨٦
بلاد المسلمين - وهي ما يبنى للمسافرين
والغرباء والفقراء - من المنافع المشتركة. فمن
سبق إلى موضع منها وهو من المستحقين لمنافعها
صار أحق به، وليس لغيره إزعاجه، سواء دخل
بإذن الإِمام أم لا . ولا يبطل حقه بالخروج
لحاجة كشراء طعام، ونحوه، ولا يشترط تخليفه
نائبا له في الموضع، ولا أن يترك فیه متاعه. وإذا
سكن بيتا منها من تتوفر فيه شروط المسبلة،
وغاب أياما قليلة فهو أحق به إذا عاد. فإن
طالت غيبته بطل حقه. (١) وتفصيل ذلك في
مصطلحي : (المنافع المشتركة، ووقف).
22
(١) روضة الطالبين ٢٩٩/٥، وقليوبي ٣/ ٩٤، وأسنى
المطالب ٢/ ٤٥١
- ٧٩ -

رباع ١ -٥
رباع
التعريف :
١ - الرِّباع لغة: جمع ربع وهو المنزل والدار،
سمي بذلك لأن الإنسان یربع فيه أي يسكنه
ویقیم فیه. والجمع: أربع ورِباع ورُبوع.
وفي حديث أسامة رضي الله عنه قال له
رسول الله ێ: «وهل ترك لنا عقیل من رباع أو
دور؟)) وفي رواية: ((من دار))،(١) وربع القوم:
محلتهم. وفي حديث عائشة رضي الله عنها:
أرادت بيع رباعها أي منازلها، والرّبعة : أُخص
من الربع، والرَّبْع: المحلة. يقال: ما أوسع
رَنعَ بني فلان. (٢)
واصطلاحا: أطلق الفقهاء اسم الربع على
البناء وحائط النخل يحوط عليه بجدار أو
غيره . (٣)
(١) حديث: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور)) أخرجه
البخاري (الفتح ٤٥١/٣ - ط السامية) ومسلم (٢ / ٩٨٤ -
ط الحلبي) من حديث أسامة بن زيد، وعند البيهقي
(٣٤/٦ - ط دائرة المعارف العثمانية): ((من دار أو دور)).
(٢) لسان العرب، مادة: (ربع ودار)، المهذب للشيرازي ط -
عيسى البابي الحلبي - ٣٧٦/١
(٣) كشاف القناع ٣/ ١٦٠، ودستور العلماء ١٢٨/٢
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العقار :
٢ - العقارعند الجمهور هو: کل ملك ثابت له
أصل، کالدار والنخل.
وعرفه الحنفية بأنه الضيعة، وجعلوا البناء
والنخل من المنقولات، وعندهم قول كقول
الجمهور.
وعقار البیت: متاعه ونضده إذا كان حسنا
كبيرا ويقال: في البيت عقار حسن أي : متاع
وأداة . (١)
ب - الأرض :
٣ - الأرض معروفة وجمعها أراضٍ وأَرَضون.
ج - الدار :
٤ - الدار اسم جامع للعرصة والبناء والمحلة،
واللفظ مؤنث.
وقال ابن جني: هي من داريدور لكثرة
حرکات الناس فيها والجمع أدور وأدؤُر والكثير
دیار ودور.
ما يتعلق بالرباع من أحكام:
أ - رباع مكة المكرمة:
٥ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى عدم جواز بيع
وإجارة رباع مكة وعدم صحة ذلك إذا وقع،
(١) المغرب والمصباح وابن عابدين ٤/ ٤٢١
.- ٨٠ -