النص المفهرس

صفحات 41-60

رائحة ٣ - ٤
يكون بالماء قال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء
طهورا﴾ .(١)
واشترط جمهور الفقهاء لطهورية الماء بقاء
أوصافه الأصلية وهي: اللون والطعم
والرائحة. فإن تغیر أحد أوصافه، کرائحته،
بشيء خالطه بحيث لا يطلق عليه اسم الماء
عرفا، بل يضاف إليه قيد لازم، كماء الورد
ونحوه، فإنه يسلب عنه الطهورية، فيصبح الماء
طاهرا غير مطهر إن كان المخالط المغير طاهرا،
فلا يرفع حدثا ولا يزيل خبثا وإن كان طاهرا
بذاته، لأنه ليس ماء مطلقا. (٢)
وقال الحنفية: لا يسلب الطهورية عن الماء
تغير أوصافه إن لم يزل عنه طبع الماء. وطبع
الماء: كونه سيالا مرطبا مسكنا للعطش. (٣)
أما إذا حصل التغير بمجاور للماء لم يخالطه
فإنه لا يسلب الطهورية عنه، لأنه مجرد تروح.
وفي المسألة تفصيل ينظر في: (مياه).
ب - رائحة الطيب في حق المحرم :
٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يحظر على
المحرم استعمال ما له رائحة طيبة ويقصد به
رائحته كالمسك والعود ونحوهما، أما مالا تقصد
٦
(١) سورة الفرقان / ٤٨
(٢) أسنى المطالب ٧/١ /٨، كشاف القناع ٣٢/١، الزرقاني
١١/١، الشرقاوي على التحرير ٣٢/١ -٣٤
(٣) الاختيار ١٤/١
رائحته، كالتفاح والأترج فلا يحرم على المحرم
استعماله، وإن كانت رائحته طيبة. وانظر
(إحرام).
ج - الرائحة الطيبة والرائحة الكريهة في
المساجد:
٤ - يستحب تطييب المساجد، ويصان المسجد
عن الرائحة الكريهة من ثوم أوبصل ونحوهما،
وإن لم يكن فيه أحد، کما یکره من أكل شيئا من
ذلك دخول المساجد ويرخص له في ترك الجماعة
في المسجد، ومثله من له صنان أو بخر. وذهب
الحنابلة إلى استحباب إخراج من به ذلك إزالة
للأذى، (١) لقوله وَله: ((من أخرج أذى من
المسجد بنى الله له بيتا في الجنة))، (٢) وقال عليه
الصلاة والسلام: ((من أكل ثوما أو بصلا
فليعتزلنا - أوقال: فليعتزل مسجدنا)). (٣)
(١) كشاف القناع ٣٦٥/٢، وأسنى المطالب ٢١٥/١،
وجواهر الإكليل ٢٠٣/٢، ومواهب الجليل ١٣/٦
(٢) حديث: ((من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في
الجنة)) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٥٠ - ط الحلبي) من حديث
أبي سعيد الخدري، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة
(١٦٣/١ - ط دار الجنان): ((هذا إسناد ضعيف، ومسلم -
هو ابن يسار- لم يسمع من أبي سعيد الخدري، ومحمد -
يعني ابن صالح المدني - فیه لین)).
(٣) حديث: ((من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا - أو قال:
فليعتزل مسجدنا» أخرجه البخاري (الفتح ٣٣٩/٢ - ط
السلفية) ومسلم (٣٩٤/١ - ط الحلبي) من حديث جابر
ابن عبدالله.
- ٤١ -

رائحة ٥ - ٦
وقال: ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة (يعني
الثوم) فلا يقربنا في المسجد)» وفي رواية: ((فلا
یقرب مصلانا».(١)
ويكره عند الحنابلة إخراج الريح في المسجد
بجامع الإيذاء بالرائحة، وإن لم يكن فيه
أحد، (٢) لخبر: ((إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه
بنو آدم)).(٣)
وصرح المالکیة بجواز ذلك إذا احتاج إليه،
لأن المسجد ينزه عن النجاسة العينية . (٤)
وانظر: (مساجد).
د - التلف بسبب الرائحة :
٥ - إذا اتخذ من داره - بين الدور المسكونة -
معملا له رائحة مؤذية، فشمه أطفال أو غيرهم
فماتوا بذلك ضمن صاحب الدار، لمخالفته
العادة. وإن قلى أو شوى في داره مايسبب
إجهاض الحامل إن لم تأكل منه وجب عليه أن
یقدم إليها ما يدفع عنها الإِجهاض بعوض إن
(١) حديث: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة (يعني الثوم) فلا
يقربنا في المسجد)) - وفي رواية: ((فلا يقرب مصلانا)).
أخرجه مسلم (٣٩٥/١ - ط الحلبي) وأبو عوانة (١/ ٤١٢ -
ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي سعيد الخدري،
والرواية الأخرى لأبي عوانة.
(٢) المصادر السابقة، وكشاف القناع ١/ ٤٩٧
(٣) حديث: ((إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) أخرجه
مسلم (٣٩٥/١ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبدالله.
(٤) مواهب الجليل ٦/ ١٣
كانت قادرة على العوض، وإلا فبلا عوض،
وإن لم تطلب منه، فإن قصر ضمن دية
الجنين. (١) والتفصیل في باب الدیات،
ومصطلح : (إجهاض، ف٩).
هــ ثبوت حد الشرب بوجود الرائحة:
٦ - لا يثبت حد الشرب بوجود رائحة الخمر في
فم الشارب في قول أكثر أهل العلم، منهم:
الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في
إحدى روايتين عنه، وهي المذهب. وقالوا:
يحتمل أنه تمضمض بالخمر أو حسبها ماء فلما
صارت في فمه مجها، ويحتمل أن یکون مکرها،
أو شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة
الخمر، وبوجود الاحتمال لم يجب الحد، لأنه يدرأ
بالشبهات . (٢)
وقال المالكية: يثبت حد الشرب بوجود
الرائحة، وهي رواية أبي طالب عن أحمد،
وقالوا : إن ابن مسعود جلد رجلا وجد منه رائحة
الخمر، ولأن الرائحة تدل على شربه للخمر،
فأجري مجرى الإِقرار. (٣)
والتفصيل في: (سكر).
(١) نهاية المحتاج ٥/ ٣٣٧، وحاشية عميرة على المحلي
٩٠/٣، وشرح الزرقاني ٣٢/٨
(٢) ابن عابدين ١٦٤/٣، وأسنى المطالب ١٥٩/٤، والمغني
٣١٧/٨
(٣) شرح الزرقاني ١١٣/٨، ومواهب الجليل ٦/ ٣١٧،
والمغني لابن قدامة ٣٠٩/٨
- ٤٢ -

رائحة ٧ - ٨، رابغ ١
و - تغير رائحة لحم الجلآلة أو لبنها:
٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يكره أكل لحم
الجلالة وشرب لبنها إذا تغيرت رائحتهما
بالنجاسة. وقال الشافعية بالتحريم.
وانظر: (أطعمة، جلالة).
ز - منع الزوجة من أكل ما يتأذى الزوج من
رائحته :
٨-للزوج منع زوجته من تناول ما یتأذی من
رائحته کالثوم، والبصل ونحوهما.
كما له إجبارها على إزالة الروائح الكريهة من
بدنها، وثوبہا، لأن ذلك يمنع كمال
الاستمتاع. (١) والتفصيل في مصطلح : (نكاح).
(١) روضة الطالبين ٧/ ١٣٧، وقليوبي ٢٥٢/٣، والمغني
٢٩/٧ - ٣٠
رابغ
التعريف :
١ - رابغ : واد بين الحرمين قرب البحر، وهو
موضع معروف قريب من الجحفة . (١)
وأصل هذا المصطلح اللغوي : ربغ القوم في
النعيم: أقاموا ... والربغ: التراب، والرابع :
من یقیم علی أمر ممكن له.
والجحفة ميقات الإِحرام لأهل الشام وتركية
ومصر والمغرب، وتقع قرب الساحل وسط
الطريق بين مكة والمدينة .
وقد اندثرت الجحفة منذ زمن بعيد
وأصبحت لا تكاد تعرف، وأصبح حجاج هذه
البلاد يحرمون من رابغ احتياطا، وتقع قبل
الجحفة بقليل، للقادم من المدينة وتبعد عن مكة
(٢٢٠) کیلومترا .
انظر: (إحرام: ف ٤٠).
(١) انظر القاموس ولسان العرب ومراصد الإطلاع ومعجم
البلدان ١١/٣، والشرقاوي على التحرير، ٥٠٥/١،
والخطاب ٣/ ٣٠، وابن عابدين ٢/ ١٥٣، وكشاف القناع
٤٠٠/٢
- ٤٣ -

راتب ١ - ٣
راتب
التعريف :
١ - الراتب: لغة من رتب الشيء رتوبا إذا ثبت
واستقر، فالراتب هو الثابت، وعيش راتب: أي
ثابت دائم. قال ابن جني: يقال: مازلت على
هذا راتبا أي مقيما. (١)
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه
اللغوي. (٢)
مواطن البحث :
٢ - ورد مصطلح الراتب في عدة أبواب من کتب
الفقه منها:
أ - السنن الرواتب من الصلوات :
٣ - وهي السنن التابعة للفرائض، ووقتها وقت
المكتوبات التي تتبعها.
وقد اختلف الفقهاء في مقاديرها.
(١) لسان العرب، المصباح المنير مادة: (رتب).
(٢) يرد (الراتب) عند الفقهاء المعاصرين كثيرا في مباحث
الوقف والإِجارة ويراد به مارتب للشخص من أجر أو غلة
بصفة دائمة .
فذهب جمهور العلماء إلى أن الرواتب
المؤكدة عشر ركعات، ركعتان قبل الصبح،
وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان
بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، لما ورد عن
ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ((حفظت من
النبي صل﴿ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر،
ورکعتین بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته،
وركعتين بعد العشاء في بيته، ورکعتین قبل
الصبح، وكانت ساعة لا يُدخل على النبي ◌ِلّه
فيها، حدثتني حفصة رضي الله عنها أنه كان إذا
أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين)). (١)
وهناك أقوال مرجوحة عند المذاهب تذکر
أربعا بعد الظهر، وأربعا قبل العصر، واثنتين
قبل المغرب، وستا بعد المغرب، وأن لا راتبة بعد
العشاء بلا حد. (٢)
والتفاصيل في: (السنن الرواتب).
وذهب الحنفية إلى أن مقدارها اثنتا عشرة
ركعة: ركعتان قبل صلاة الفجر، وأربع ركعات
قبل صلاة الظهر - لا يسلم إلا في آخرهن -
وركعتان بعد صلاة الظهر، وركعتان بعد صلاة
(١) حديث ابن عمر: ((حفظت من النبي ◌َ﴾ عشر
ركعات ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٥٨/٣ - ط
السلفية).
(٢) الشرح الصغير ٤٠٢/١، وجواهر الإكليل ١/ ٧٣،
ومغني المحتاج ١/ ٢٢٠، والمغني لابن قدامة ٢/ ١٢٥،
المجموع ٢٢١/٤
- ٤٤ -

راتب ٤ - ٥
المغرب، وركعتان بعد صلاة العشاء. (١)
لما روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول
الله ◌َلي أنه قال: ((من ثابر على اثنتي عشرة ركعة
بنى الله عز وجل له بيتا في الجنة: أربعا قبل
الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد
المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل
الفجر). (٢)
ولأن النبي ◌َّ واظب عليها ولم يترك شيئا
منها إلا لعذر.
٤ - وآكد السنن الراتبة عند الحنفية ركعتا الفجر
لورود الأحادیث بالترغيب فیھما مالم يرد في
غيرهما من النوافل. (٣) عن عائشة رضي الله
عنها أن النبي وَلإر قال: ((ركعتا الفجر خير من
الدنيا وما فيها)) (٤) وروي عن النبي وَلّ أيضا أنه
قال: ((لا تدعوا الركعتين اللتين قبل صلاة
(١) البدائع ٢٨٤/١، وحاشية ابن عابدين ٤٥٢/١
(٢) حديث: ((من ثابر على اثنتي عشرة ركعة .. )) أخرجه
النسائي (٢٦١/٣ - ط المكتبة التجارية) والترمذي
(٢٧٣/٢ - ط الحلبي) واللفظ للنسائي، وقال الترمذي:
(«حديث غريب من هذا الوجه، مغيرة بن زياد قد تكلم فيه
بعض أهل العلم من قبل حفظه» ولكن للحديث شاهد من
حديث أم حبيبة أخرجه النسائي والترمذي، يتقوی به.
(٣) البدائع ٢٨٤/١، وحاشية ابن عابدين ٤٥٢/١،
والشرح الصغير للدردير ٤٠٨/١
(٤) حديث: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها .. )) أخرجه
مسلم (١/ ٥٠١ - ط الحلبي).
الفجر، فإن فيهما الرغائب))(١) وفي رواية: ((لا
تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل)). (٢)
ب - المؤذن الراتب :
٥ - إذا كان في المسجد مؤذن راتب فلا يؤذن
قبله إلا أن يتخلف ويخاف فوات وقت التأذين
فيؤذن غيره، لما روي عن زياد بن الحارث
الصدائي ((أنه أذن للنبي ﴿ ﴿ حين غاب بلال -
رضي الله عنه)) (٣) ((وأذن رجل حين غاب
أبو محذورة)). (٤) ولأن مؤذني الرسول وَلّه لم يكن
غيرهم يسبقهم بالأذان .
(١) حديث: ((لا تدعوا الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر))
أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١٢ /٤٠٨ - ط الأوقاف
العراقية) من حديث عبدالله بن عمر، وذكره الهيثمي في
حديثه مطولا في المجمع (٢١٨/٢ - ط القدسي) ثم قال:
(رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبدالرحيم بن يحيى وهو
ضعيف، وروى أحمد منه: ((وركعتي الفجر، حافظوا
علیھما فإن فیھما الرغائب))، وفيه رجل لم ((یسم)).
(٢) حديث: ((لا تدعوا ركعتي الفجر، ولو طردتكم الخيل))
أخرجه أحمد (٤٠٥/٢ - ط اليمنية) وأبو داود (٤٦/٢ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة، واللفظ
لأحمد. وقال عبدالحق الأشبيلي: ((إسناده ليس بقوي)) كذا
في فيض القدير للمناوي (٣٩٣/٦ - ط المكتبة التجارية).
(٣) حديث: ((أذان زياد بن الحارث الصدائي .. )) أخرجه
الترمذي (٣٨٣/١ -٣٨٤ - ط الحلبي) وأعله الترمذي
بضعف أحد رواته.
(٤) حديث: ((أذن رجل حين غاب أبو مخدورة)» ذكره ابن قدامة
في المغني (٤٢٩/١ - ط الرياض) وعزاه إلى الأثرم.
- ٤٥ -

راتب ٦ - ٧
وإذا نازع المؤذن الراتب غيره في الأذان يقدم
الراتب.
قال ابن عابدين: إن المؤذن الراتب یعید
الأذان إذا أذن في المسجد من يكره أذانه
كالفاسق، والجنب، والمرأة.
وقال في المجموع شرط المؤذن الراتب أن
يكون عالما بالمواقيت إما بنفسه أو بواسطة ثقة
آخر. (١)
والتفاصيل في مصطلح: (أذان).
ج - الإِمام الراتب :
٦ - الإِمام الراتب - وهو الذي رتبه السلطان، أو
نائبه، أو الواقف، أو جماعة من المسلمين - يقدم
في إمامة الصلاة على غيره من الحاضرين وإن
اختص غيره بفضيلة كأن يكون أعلم منه أو أقرأ
منه، روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أتى
أرضا له وعندها مسجد يصلي فيه مولی لابن
عمر فصلى معهم، فسألوه أن يصلي بهم فأبى
وقال: ((صاحب المسجد أحق)).
أما إن كان معه الإِمام الأعظم أو نائبه أو
القاضي أو أمثالهم من ذوي السلطان والولاية،
فيقدمون على الإِمام الراتب لقوله ويتليفون: ((لا
يُؤْمِّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد على
(١) حاشية ابن عابدين ٢٦٤/١، والمجموع ٨/٣، ١٠٢،
ومغني المحتاج ١/ ١٣٧، والمغني لابن قدامة ٤٢٩/١
تكرمته إلا بإذنه)). (١)
((ولأن النبي ◌َّهُ: أمّ عتبان بن مالك وأنسا
في بیوتهما)).(٢)
ولأن تقدم غير صاحب السلطان بحضرته
بدون إذنه لا يليق ببذل الطاعة. (٣) وهذا محل
اتفاق بين الفقهاء، إلا أن الشافعية يرون أن
محل تقديم الوالي على الإِمام الراتب إذا لم يكن
الإِمام مرتبا من السلطان أو نائبه، أما إذا كان
الإِمام ممن رتبه السلطان أو نائبه فإنه مقدم على
والي البلد وقاضيه . (٤)
٧ - واختلف الفقهاء في حكم إعادة الجماعة في
المسجد، فذهب الجمهور- وهم الحنفية
والمالكية والشافعية - إلى كراهة إعادة الجماعة في
المسجد الذي له إمام راتب، ولا يقع في ممر
الناس، مالم تكن الإِعادة بإذن الإِمام الراتب،
فمن فاتته الجماعة مع الإِمام الراتب صلّى
(١) حديث: ((لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه .. )) أخرجه
مسلم (٤٦٥/١ - ط الحلبي) من حديث أبي مسعود
الأنصاري.
(٢) قوله ((لأن النبي (* أمّ عتبان بن مالك وأنسا في بيوتهم)).
أما إمامته لعتبان بن مالك فأخرج حديثه البخاري (الفتح
٥١٨/١ - ط السلفية) ومسلم (٤٥٥/١ - ط الحلبي).
وأما إمامته لأنس بن مالك فأخرجه البخاري (الفتح
٣٤٥/٢ - ط السلفية) ومسلم (٤٥٧/١ - ط الحلبي).
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٧٥/١، والشرح الصغير ١/ ٤٥٤،
ومغني المحتاج ٢٤٤/١، والمغني لابن قدامة ٢٠٥/٢،
والبدائع ١٥٨/١
(٤) مغني المحتاج ٢٤٤/١
- ٤٦ -

١
راتب ٧ - ٨، راکب
منفردا لئلا يفضي ذلك إلى اختلاف القلوب
والعداوة والتهاون في الصلاة مع الإِمام الراتب،
وإلى هذا ذهب عثمان البتي، والأوزاعي،
والليث، والنووي، وأبوقلابة، وأيوب، وابن
عون. (١)
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يكره إعادة الجماعة
في المسجد الذي له إمام راتب وإن لم یکن واقعا
في ممر الناس لعموم قوله تمثلفي: ((صلاة الجماعة
تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)» وفي
رواية: ((بسبع وعشرين درجة)). (٢)
ولما روى أبوسعيد الخدري - رضي الله عنه -
أن رجلا دخل المسجد وقد صلّى رسول الله والتي
بأصحابه فقال: «من يتصدق على هذا فيصلي
معه؟ فقام رجل من القوم فصلى معه)). (٣) وفي
رواية فقال له: ((ألا رجل يتصدق على هذا
فيصلي معه)).
(١) حاشية ابن عابدين ١/ ٣٧١، والمجموع للإمام النووي
٢٢١/٤، والمغني لابن قدامة ٢/ ١٨٠
(٢) حديث: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس
وعشرين درجة)) أخرجه البخاري (الفتح ١٣١/٢ - ط
السلفية) من حديث أبي سعيد الخدري ورواية ((سبع
وعشرين درجة)). أخرجها البخاري (الفتح ١٣١/٢ - ط
السلفية) ومسلم (١ / ٤٥٠ - ط الحلبي) من حديث عبدالله
ابن عمر.
(٣) حديث أبي سعيد: ((أن رجلا دخل المسجد)) أخرجه أحمد
(٥/٣ - ط اليمنية) وأخرج الرواية الأخرى أحمد (٦٤/٣)
والحاكم (٢٠٩/١ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
وروى أبوأمامة رضي الله عنه عن النبي ◌َل
مثله، وزاد: قال: ((فلما صليا قال: وهذان
جماعة)).(١) ولأنه قادر على الجماعة فاستحب له
فعلها، وإلى هذا ذهب عطاء والحسن
والنخعي، وقتادة وإسحاق وابن المنذر. (٢)
أما إذا كان المسجد يقع في سوق، أو في ممر
الناس، أوليس له إمام راتب، أوله إمام راتب
ولكنه أذن للجماعة الثانية، فلا كراهة في الجماعة
الثانية والثالثة ومازاد، بالإجماع. (٣)
وفي المسألة مزيد تفصيل ينظر في : (صلاة
الجماعة).
٨ - أما مسألة الاستحقاق الراتب في الوقف
وغيره من الوظائف فتفاصيلها في مصطلح :
(رزق، وظيفة، وقف، إجارة).
راکب
انظر: رکوب.
(١) حديث أبي أمامة. أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٤ - ط الميمنية)،
وقال الهيثمي في المجمع (٤٥/٢ - ط القدسي)، «وله طرق
کلها ضعيفة» .
(٢) المغني لابن قدامة ٢/ ١٨٠، والمجموع للإمام النووي
٢٢٢/٤
(٣) المجموع للإمام النووي ٢٢٢/٤، والمغني لابن قدامة
١٨٠/٢، وحاشية ابن عابدين ٣٧١/١
- ٤٧ -

راهب ١ - ٤
راهب
التعريف :
١ - الراهب في اللغة: اسم الفاعل من رهب
يرهَبُ رهْبا ورَهَبا ورهبة إذا خاف.
والراهب: المنقطع للعبادة من النصارى.
ويجمع علی رهبان، کراکب وركبان. (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القسيس :
٢ - القسيس بالكسر: عالم النصارى، وجمعه
قسیسون، وقساوسة.
قال القرطبي : والقس بالفتح أيضا رئيس
من رؤساء النصارى في الدين والعلم. (٢)
فالراهب : عابد النصارى، والقسيس:
عالمهم.
ب - الأحبار :
٣ - الأحبار جمع الحبر بالكسر، وهو العالم.
(١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: (رهب) والقرطبي
٢٥٨/٦
(٢) المصباح المنير مادة: (قسس)، والقرطبي ٢٥٨/٦
والحبر بالفتح لغة فيه، وهو من التحبير، وهو
التحسين، سمي العالم حبرا لأنه يحبر العلم،
أي : يبينه ویزینه .
وقال الجوهري: الحِبر والحَبر واحد أحبار
اليهود . (١)
ومنه قوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أربابا من دون الله﴾. (٢)
الأحكام التي تتعلق بالراهب :
أ - قتل الراهب في الجهاد :
٤ - إذا اشترك الرهبان في قتال المسلمين فلا
خلاف بين الفقهاء في جواز قتلهم حين الظفر
بهم كسائر المقاتلين، وكذلك إذا خالطوا
الناس، أو كانوا يمدون المقاتلين برأيهم
ويحرضونهم على القتال. (٣)
٤
أما إذا لم يشتركوا في القتال ولم يخالطوا الناس
بل كانوا منعزلين في صوامعهم بلا رأي، فذهب
الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة وهو
رواية عند الشافعية) إلى أنهم لا يقتلون،
لاعتزالهم أهل دينهم عن محاربة المسلمين. ولما
(١) المصباح المنير مادة: (حبر)، وتفسير القرطبي ١٨٩/٦،
وتفسير الرازي ٣/١٢
(٢) سورة التوبة / ٣١
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٢٤/٣ - ٢٢٦، وجواهر الإكليل
٢٥٣/١، والدسوقي ١٧٧/٢، والأحكام السلطانية
للماوردي ص١٣٤، والمغني ٤٧٨/٨
- ٤٨ -

راهب ٥، ربا ١
روي في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه
أنه قال: (وستمرون على أقوام في الصوامع قد
حبسوا أنفسهم فيها فدعوهم حتی یمیتهم الله
على ضلالهم). ولأنهم لا يقاتلون تدينا فأشبهوا
من لا يقدر على القتال. (١)
والأظهر عند الشافعية جواز قتلهم، لعموم
قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾،(٢) ولأنهم
أحرار مكلفون فجاز قتلهم كغيرهم. (٣) (ر:
جهاد).
ب - وضع الجزية على الرهبان :
٥ - وضع الجزية على الرهبان محل خلاف
وتفصيل يرجع إليه في: (جزية).
(١) المراجع السابقة. وانظر الحطاب ٣٥١/٣، وحاشية
القليوبي ٢١٨/٤
(٢) سورة التوبة / ٥
(٣) مغني المحتاج ٢٢٣/٤، والقليوبي ٢١٨/٤
ربا
التعريف :
١ - الربا في اللغة: اسم مقصور على الأشهر،
وهو من رَبَا يربُو رَبْواً، وَرُبُوًّا وَرِبَاء. (١)
وألف الربا بدل عن واو، وينسب إليه
فيقال: ربوي، ويثنى بالواو على الأصل
فيقال: ربوان، وقد يقال: ربيان - بالياء -
للإِمالة السائغة فيه من أجل الكسرة. (٢)
والأصل في معناه الزيادة، يقال: ربا الشيء
إذا زاد، ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى :
﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾. (٣)
وأربى الرجل: عامل بالربا أو دخل فيه، ومنه
الحديث: ((من أجبى فقد أربى)) (٤) والإِجباء:
بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه.
ويقال: الربا والرما والرماء، وروي عن عمر
(١) المصباح المنير، وتاج العروس، مادة: (ربو)
(٢) لسان العرب، وتاج العروس، مادة: (ربو).
(٣) سورة البقرة / ٢٧٦
(٤) حديث: ((من أجبى فقد أربى)) أورده أبوعبيد القاسم بن
سلام في غريب الحديث (١/ ٢١٧ - ط. دائرة المعارف
العثمانية) بدون إسناد.
- ٤٩ -

ربا ١ - ٢
رضي الله تعالى عنه قوله: إني أخاف عليكم
الرما، يعني الربا . (١)
والربية ۔ بالضم والتخفيف ۔ اسم من الربا،
والُبِّية: الرباء، وفي الحديث عن النبي ونَ ﴾ في
صلح أهل نجران: ((أن ليس عليهم رُبِّيَّة ولا
دم)). (٢)
قال أبوعبيد: هكذا روي بتشديد الباء
والياء، وقال الفراء: أراد بها الربا الذي كان
عليهم في الجاهلية، والدماء التي كانوا يطلبون
بها، والمعنى أنه أسقط عنهم كل ربا كان عليهم
إلا رؤوس الأموال فإنهم يردونها . (٣)
والربا في اصطلاح الفقهاء:
عرفه الحنفية بأنه: فضل خال عن عوض بمعيار
شرعي مشروط لأحد المتعاقدين في المعاوضة . (٤)
وعرفه الشافعية بأنه: عقد على عوض
مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع
(١) تفسير القرطبي ٩/ ٣٠٥، ١٣/١٢، وتاج العروس،
ولسان العرب، وتهذيب الأسماء واللغات ١١٧/٣
(٢) حديث: ((أن ليس عليهم ربية ولا دم)) أخرجه البيهقي في
دلائل النبوة (٣٨٩/٥ - ط دار الكتب العلمية)، واستغربه
ابن كثير في تفسيره (٢ / ٥٠ - ط دار الأندلس).
(٣) لسان العرب.
(٤) ابن عابدين ١٧٦/٤، وما بعدها، وهذا التعريف
للتمرتاشي في تنوير الأبصار، وفي الاختيار (٣٠/٢)
وقيل: الربا في الشرع عبارة عن عقد فاسد بصفة سواء كان
فیه زیادة أو لم یکن، فإن بیع الدراهم بالدنانیر نسیئة ربا ولا
زيادة فيه .
حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو
أحدهما . (١)
وعرفه الحنابلة بأنه: تفاضل في أشیاء، ونسأ
في أشیاء، مختص بأشياء ورد الشرع بتحريمها -
أي تحريم الربا فیھا ۔ نصا في البعض، وقياسا في
الباقي منها. (٢)
وعرف المالكية كل نوع من أنواع الربا على
حدة . (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - البيع :
٢ - البيع لغة: مصدرباع، والأصل فيه أنه
مبادلة مال بمال، وأطلق على العقد مجازا لأنه
سبب التمليك والتملك .
والبيع من الأضداد مثل الشراء، ويطلق
على كل واحد من المتعاقدين لفظ بائع، ولكن
اللفظ إذا أطلق فالمتبادر إلى الذهن باذل
السلعة، ويطلق البيع على المبيع فيقال: بيع
جيد. (٤)
وفي الاصطلاح: عرفه القليوبي بأنه: عقد
معاوضة مالية تفيد ملك عين أو منفعة على
(١) مغني المحتاج ٢/ ٢١
(٢) كشاف القناع ٢٥١/٣، ومطالب أولي النهى ٣/ ١٥٧
(٣) كفاية الطالب الرباني ٢/ ٩٩ وغيرها.
(٤) المصباح المنير ٦٩
- ٥٠ -

ربا ٣ - ٤
التأبيد لا على وجه القربة. (١)
وللفقهاء في تعريف البيع أقوال أخرى
سبقت في مصطلح : (بيع). (٢)
والبيع في الجملة حلال، والربا حرام .
ب - العرايا :
٣ - العربية لغة: النخلة يعربها صاحبها غيره
ليأكل ثمرتها فيعروها أي يأتيها، أوهي النخلة
التي أكل ما عليها، والجمع عرايا، ويقال:
استعرى الناس أي: أكلوا الرطب. (٣)
وعرف الشافعية بيع العرايا بأنه : بيع الرطب
على النخل بتمر في الأرض، أو العنب في
الشجر بزبيب، فيما دون خمسة أوسق بتقدير
الجفاف بمثله. (٤)
ويذهب آخرون في تعريف بيع العرايا
وحكمه مذاهب يرجع في تفصيلها إلى
مصطلح : (تعرية) و(بيع العرايا) من الموسوعة
٩١/٩
وبيع العرايا من المزابنة، وفيه ما في المزابنة من
الربا أو شبهته، لكنه أجيز بالنص، ومنه ما روي
عن سهل بن أبي حثمة قال: ((نهى رسول
(١) حاشية قليوبي ٢/ ١٥٢
(٢) الموسوعة الفقهية ٩/ ٥ ومابعدها.
(٣) المصباح المنير والقاموس المحيط.
(٤) شرح المنهاج للمحني ٢٣٨/٢
اللّه ◌َلّ عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرية
أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا))، (١) وفي
لفظ: ((عن بیع الثمر بالتمر)» وقال: ذلك الربا
تلك المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العربية :
النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها
تمرا يأكلونها رطبا)). (٢)
الحكم التكليفي :
٤ - الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وهو
من الكبائر، ومن السبع الموبقات، ولم يؤذن الله
تعالى في كتابه عاصیا بالحرب سوی آكل الربا،
ومن استحله فقد کفر- لإنكاره معلوما من الدین
بالضرورة - فیستتاب، فإن تاب وإلا قتل، أما
من تعامل بالربا من غير أن يكون مستحلا له
فھو فاسق. (٣)
قال الماوردي وغيره: إن الربا لم يحل في
شريعة قط لقوله تعالى : ﴿ ... وأخذهم الربا
وقد نهوا عنه﴾(٤) يعني في الكتب السابقة. (٥)
(١) حديث: ((نهى عن بيع الثمر بالتمر)) أخرجه البخاري
(الفتح ٤ /٣٨٧ - ط السلفية). ومسلم (٣/ ١١٧٠ - ط
الحلبي) واللفظ الثاني هو لمسلم.
(٢) نيل الأوطار ٢٢٦/٥
(٣) المبسوط ١٠٩/١٢، وكفاية الطالب ٩٩/٢، والمقدمات
لابن رشد ص٥٠١، ٥٠٢، والمجموع ٩/ ٣٩٠، ونهاية.
المحتاج ٤٠٩/٣، والمغني ٣/٣
(٤) سورة النساء / ١٦١
(٥) المجموع ٩/ ٣٩١، ومغني المحتاج ٢/ ٢١
- ٥١ -

ربا ٥ - ٦
ودليل التحريم من الكتاب قول الله تبارك
وتعالى: ﴿ ... وأحل الله البيع وحرم
الربا﴾.(١)
وقوله عزوجل: ﴿الذين يأكلون الربا لا
يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من
المس ... ﴾.(٢)
٥ -قال السرخسي : ذكر الله تعالی لآكل الربا
خمسا من العقوبات:
إحداها : التخبط .. قال الله تعالى : ﴿لا
يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من
المس﴾. (٣)
الثانية : المحق .. قال تعالى: ﴿يمحق الله
الربا﴾ (٤) والمراد الهلاك والاستئصال، وقيل:
ذهاب البرکة والاستمتاع حتی لا ینتفع به، ولا
ولده بعده .
الثالثة : الحرب .. قال الله تعالى: ﴿فأذنوا
بحرب من الله ورسوله﴾. (٥)
الرابعة : الكفر .. قال الله تعالى: ﴿وذروا
ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾(٦) وقال
سبحانه بعد ذكر الربا: ﴿والله لا يحب كل كفار
(١) سورة البقرة / ٢٧٥
(٢) سورة البقرة / ٢٧٥
(٣) سورة البقرة / ٢٧٥
(٤) سورة البقرة / ٢٧٦
(٥) سورة البقرة / ٢٧٩
(٦) سورة البقرة / ٢٧٨
أثيم﴾(١) أي كفار باستحلال الربا، أثيم فاجر
بأکل الربا.
الخامسة : الخلود في النار .. (٢) قال تعالى:
﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها
خالدون﴾. (٣)
وكذلك - قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله
لعلكم تفلحون﴾ (٤)، قوله سبحانه : ﴿أضعافا
مضاعفة﴾ ليس لتقييد النهي به، بل لمراعاة ما
کانوا علیه من العادة توبيخا لهم بذلك، إذ كان
الرجل يربي إلى أجل، فإذا حل الأجل قال
للمدین : زدني في المال حتى أزيدك في الأجل،
فيفعل، وهكذا عند محل كل أجل، فيستغرق
بالشيء الطفیف ماله بالکلیة، فنهوا عن ذلك
ونزلت الآية . (٥)
٦ - ودليل التحريم من السنة أحاديث كثيرة
منها :
ما ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
عن النبي وَ﴾ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))
(١) سورة البقرة / ٢٧٦
(٢) المبسوط ١٠٩/١٢ - ١١٠
(٣) سورة البقرة / ٢٧٥
(٤) سورة آل عمران / ١٣٠
(٥) أحكام القرآن للجصاص ١/ ٤٦٥، وتفسير أبي السعود
٢٧١/١، وروح المعاني ٥٥/٤
- ٥٢ -

ربا ٧
قالوا: يارسول الله وماهن؟ قال: ((الشرك
بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا
بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي
يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات
المؤمنات)). (١)
وما رواه مسلم عن جابر بن عبدالله رضي
الله تعالى عنهما قال: ((لعن رسول الله ريال# آكل
الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم
سواء)). (٢)
وأجمعت الأمة على أصل تحريم الربا. (٣)
وإن اختلفوا في تفصیل مسائله وتبیین أحكامه
وتفسیر شرائطه .
٧ -هذا، ويجب علی من یقرض أو يقترض أو
يبيع أو يشتري أن يبدأ بتعلم أحكام هذه
المعاملات قبل أن يباشرها، حتى تكون
صحيحة وبعيدة عن الحرام والشبهات، وما لا
يتم الواجب إلا به فهو واجب، وتركه إثم
وخطيئة، وهو إن لم يتعلم هذه الأحكام قد يقع
(١) حديث: ((اجتنبوا السبع الموبقات ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٣٩٣/٥ - ط السلفية) ومسلم (٩٢/١ - ط
الحلبي).
(٢) حديث: ((لعن رسول الله # آكل الربا .... )) أخرجه
مسلم (١٢١٩/٣ - ط الحلبي).
(٣) حاشية الصعيدي على كفاية الطالب ٢/ ٩٩، والمجموع
٣٩٠/٩، والمغني ٣/٣، والمقدمات لابن رشد ٥٠١،
٥٠٢
في الربا دون أن يقصد الإِرباء، بل قد يخوض في
الربا وهو يجهل أنه تردى في الحرام وسقط في
النار، وجهله لا يعفیه من الإِثم ولا ینجیه من
النار، لأن الجهل والقصد ليسا من شروط ترتب
الجزاء على الربا، فالربا بمجرد فعله - من
المكلف - موجب للعذاب العظيم الذي توعد
الله جل جلاله به المرابين، يقول القرطبي : لو لم
يكن الربا إلا على من قصده ماحرم إلا على
الفقهاء .
وقد أثر عن السلف أنهم كانوا يحذرون من
الاتجار قبل تعلم مايصون المعاملات التجارية
من التخبط في الربا، ومن ذلك قول عمر
رضي الله تعالى عنه: لا یتجر في سوقنا إلا من
فقه، وإلا أكل الربا، وقول علي رضي الله
تعالى عنه: من اتجر قبل أن يتفقه ارتطم في
الربا ثم ارتطم ثم ارتطم، أي: وقع وارتبك
ونشب. (١)
وقد حرص الشارع على سد الذرائع
المفضية إلى الربا، لأن ما أفضى إلى الحرام
حرام، وکل ذريعة إلى الحرام هي حرام، روى
أبوداود بسنده عن جابر رضي الله تعالى عنه
قال: لما نزلت: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون
(١) تفسير القرطبي ٣٥٢/٣، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٨١ -
٥٨٢، وتفسير الطبري ٣٨/٦، ومغني المحتاج ٢/ ٢٢،
و٢٩/٦
- ٥٣ -

ربا ٨ - ٩
إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس
.. ﴾(١) قال رسول الله صلى: ((من لم يذر
المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله))(٢) قال
ابن كثير: وإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة
ببعض ما يخرج من الأرض، والمزابنة وهي
اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على
وجه الأرض، والمحاقلة وهي اشتراء الحب في
سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض، إنما
حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسما لمادة
الربا، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل
الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة
كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما
فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا
والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب
ما وهب الله لكل منهم من العلم.
٨ - وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير
من أهل العلم، وقد قال عمر رضي الله تعالى
عنه: ثلاث وددت أن رسول الله ٹڑ عهد إلينا
فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد والكلالة وأبواب
من الربا، یعني۔۔ کما قال ابن کثیر۔بذلك بعض
المسائل التي فيها شائبة الربا، وعن قتادة عن
(١) سورة البقرة / ٢٧٥
(٢) حديث: ((من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله
ورسوله)) أخرجه أبوداود (٦٩٥/٣ - تحقيق عزت عبيد
دعاس) دون ذكر الآية، وأعله المناوي في فيض القدير
(٢٢٤/٦ - ط المكتبة التجارية).
سعيد بن المسيب رحمة الله تعالى عليهما أن عمر
رضي الله تعالى عنه قال: من آخر ما نزل آية
الربا، وإن رسول الله لل قبض قبل أن يفسرها
لنا، فدعوا الربا والريبة، وعنه رضي الله عنه
قال: ثلاث لأن يكون رسول الله ◌َال﴾ بينهن
أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة، والربا،
والخلافة . (١)
حكمة تحريم الربا :
٩ - أورد المفسرون لتحريم الربا حكما
تشريعية :
منها: أن الربا يقتضي أخذ مال الإِنسان من غير
عوض، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقدا أو
نسيئة تحصل له زيادة درهم من غير عوض،
ومال المسلم متعلق حاجته، وله حرمة عظيمة،
قال له: ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه))(٢)
وإبقاء المال في يده مدة مدیدة وتمكينه من أن
یتجر فیه وینتفع به أمر موهوم، فقد يحصل وقد
لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد متيقن، وتفويت
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٥٨١ -٥٨٢، وتفسير
الطبري ٣٨/٦، وتفسير القرطبي ٣٦٤/٣، ٢٩/٦
(٢) حديث: ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه)) أخرجه أبونعيم في
الحلية (٣٣٤/٧ - ط السعادة) من حديث عبد الله بن
مسعود، وفي إسناده ضعف، ولکن أورد ابن حجر شواهد
له يتقوى بها، التلخيص الحبير (٣ /٤٦ - ط شركة
الطباعة الفنية).
- ٥٤ -

ربا ١٠ - ١١
المتيقن لأجل الموهوم لا يخلومن ضرر. (١)
ومنها: أن الربا يمنع الناس من الاشتغال
بالمكاسب، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن
بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد
نقدا كان أو نسیئة خف علیه اكتساب وجه
المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب
والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى
انقطاع منافع الخلق التي لا تنتظم إلا بالتجارات
والحرف والصناعات والعمارات .
ومنها : أن الربا يفضي إلى انقطاع المعروف
بين الناس من القرض، لأن الربا إذا حرم
طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله،
ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على
أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي إلى انقطاع
المواساة والمعروف والإِحسان. (٢)
ومن ذلك ما قال ابن القيم : ... فربا
النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية،
مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره
زاد في المال، حتى تصير المائة عنده آلافا
(١) نهاية المحتاج ٤٠٩/٣، وحاشية الجمل ٤٦/٣،
والقليوبي ١٦٦/٢، وتفسير القرطبي ٣٥٩/٣
وينظر الفرق بين العلة والحكمة والسبب في الملحق
الأصولي، ویمکن الرجوع إلی کتب أصول الفقه ومنها:
حاشية البناني على شرح جمع الجوامع ٩٤/١ وما بعدها
و٢/ ٢٤٠ ومابعدها.
(٢) التفسير الكبير للفخر الرازي ٩٣/٧ - ٩٤، وتفسير غرائب
القرآن ورغائب الفرقان النيسابوري ٨١/٣ بهامش
الطبري.
مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم
محتاج، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته
ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي
من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى
وقت، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ویعلوه
الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربو
المال على المحتاج من غير نفع يحصل له،
ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه
لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه
على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين
وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرّم الربا
... (١)
١٠ - وأما الأصناف الستة التي حرم فيها الربا بما
رواه أبوسعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن
رسول الله (ص ) قال: ((الذهب بالذهب،
والفضة بالفضة، والبربالبر، والشعير
بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا
بمثل، یدا بید، فمن زاد أو استزاد فقد أربى،
الآخذ والمعطي فيه سواء)). (٢)
١١ - أما هذه الأصناف فقد أجمل ابن القيم
حكمة تحريم الربا فيها حيث قال: وسر المسألة
(١) أعلام الموقعين ٢/ ١٥٤
(٢) حديث: ((الذهب بالذهب، والحنطة بالحنطة)) هذا
الحديث مركب من حديثين: الأول من حديث عبادة بن
الصامت، والثاني من حديث أبي هريرة، أخرجهما مسلم
(١٢١١/٣ - ط الحلي).
- ٥٥ -

ربا ١١
أنهم منعوا من التجارة في الأثمان - أي الذهب
والفضة - بجنسها لأن ذلك يفسد عليهم مقصود
الأثمان، ومنعوا التجارة في الأقوات - أي البر
والشعير والتمر والملح - بجنسها لأن ذلك يفسد
عليهم مقصود الأقوات. (١)
وفصل ابن القيم فقال: الصحيح بل
الصواب أن العلة في تحريم الربا في الذهب
والفضة هي الثمنية، فإن الدراهم والدنانير
أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يعرف به
تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا
مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن
پرتفع وینخفض کالسلع لم یکن لنا ثمن نعتبربه
المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى
ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة،
وذلك لا يعرف إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك
لا یکون إلا بثمن تقوم به الأشیاء ویستمر علی
حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة
يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس ويقع
الخلف ويشتد الضرر .... فالأثمان لا تقصد
لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع،
فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد
أمر الناس .
وأضاف: وأما الأصناف الأربعة المطعومة
فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى
غيرها، لأنها أقوات العالم، فمن رعاية مصالح
العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى
أجل، سواء اتحد الجنس أو اختلف، ومنعوا من
بيع بعضها ببعض حالا متفاضلا وإن اختلفت
صفاتها، وجوز لهم التفاضل مع اختلاف
أجناسها .
فقد قال ابن القيم: وسرذلك - والله أعلم -
أنه لوجوز بيع بعضها ببعض نساء لم يفعل ذلك
أحد إلا إذا ربح، وحينئذ تسمح نفسه ببيعها
حالة لطمعه في الربح، فيعز الطعام على
المحتاج ويشتد ضرره، ... فكان من رحمة
الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النساء
فیھا کما منعهم من ربا النساء في الأثمان، إذ لو
جوز لهم النساء فيها لدخلها ((إما أن تقضي وإما
أن تربي)» فيصير الصاع الواحد لو أخذ قفزانا
كثيرة، ففطموا عن النّساء، ثم فطموا عن بيعها
متفاضلا يدا بيد، إذ تجرهم حلاوة الربح وظفر
الكسب إلى التجارة فيها نساء وهوعين
المفسدة، وهذا بخلاف الجنسين المتباينين فإن
حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة، ففي
إلزامهم المساواة في بيعها إضراربهم، ولا
يفعلونه، وفي تجويز النساء بينها ذريعة إلى ((إما
أن تقضي وإما أن تربي)» فكان من تمام رعاية
مصالحهم أن قصرهم على بيعها يدا بيد كيف
شاءوا، فحصلت لهم المبادلة، واندفعت عنهم
مفسدة ((إما أن تقضي وإما أن تربي)) وهذا
(١) أعلام الموقعين ٢/ ١٥٩
- ٥٦ -

ربا ١٢ - ١٣
بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من
الموزونات نساء فإن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو
منعوا منه لأضربهم، ولامتنع السلم الذي هو
من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه، والشريعة
لا تأتي بهذا، وليس بهم حاجة في بيع هذه
الأصناف بعضها ببعض نساء، وهو ذريعة قريبة
إلى مفسدة الربا، فأبيح لهم في جميع ذلك ما
تدعو إليه حاجتهم وليس بذريعة إلى مفسدة
راجحة، ومنعوا مما لا تدعو الحاجة إليه ويتذرع
به غالبا إلى مفسدة راجحة . (١)
أقسام الربا :
ربا البيع (ربا الفضل) :
١٢ - وهو الذي يكون في الأعيان الربوية،
والذي عني الفقهاء بتعريفه وتفصيل أحكامه في
البيوع، وقد اختلفوا في عدد أنواعه:
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة(٢) إلى أنه
نوعان :
١ - ربا الفضل .. وعرفه الحنفية بأنه فضل
خال عن عوض بمعيار شرعي مشروط لأحد
المتعاقدين في المعاوضة. (٣)
٢ - ربا النسيئة ... وهو: فضل الحلول على
(١) أعلام الموقعين ٢/ ١٥٧ - ١٥٨
(٢) بدائع الصنائع ١٨٣/٥، وجواهر الإكليل ١٧/٢،
والقوانين الفقهية ٢٥٤، المغني ٣/٤
(٣) الدر المختار ١٧٦/٤ - ١٧٧
الأجل، وفضل العين على الدين في المكيلين أو
الموزونین عند اختلاف الجنس، أو في غیر
المكيلين أو الموزونين عند اتحاد الجنس . (١)
وذهب الشافعية إلى أن ربا البيع ثلاثة
أنواع :
١ - ربا الفضل .. وهو البيع مع زيادة أحد
العوضین عن الآخر في متحد الجنس.
٢ - ربا اليد .. وهو البيع مع تأخير قبض
العوضين أو قبض أحدهما من غير ذكر أجل.
٣ - ربا النساء .. وهو البيع بشرط أجل ولو
قصيرا في أحد العوضين.
وزاد المتولي من الشافعية ربا القرض
المشروط فیه جر نفع، قال الزركشي: ويمكن
رده إلى ربا الفضل، وقال الرملي : إنه من ربا
الفضل، وعلل الشبراملسي ذلك بقوله: إنما
جعل ربا القرض من ربا الفضل مع أنه ليس
من هذا الباب - يعني البيع - لأنه لما شرط نفعا
للمقرض کان بمنزلة أنه باع ما أقرضه بما يزيد
علیه من جنسه فهو منه حكما .
ربا النسيئة :
١٣ - وهو الزيادة في الدين نظير الأجل أو الزيادة
فيه وسمي هذا النوع من الرباربا النسيئة -
(١) بدائع الصنائع ١٨٣/٥، ومغني المحتاج ٢١/٢، وحاشية
القليوبي ١٦٧/٢، ونهاية المحتاج ٤٠٩/٣
- ٥٧ -

ربا ١٣ - ١٤
من أنسأته الدین: أخرته - لأن الزيادة فيه مقابل
الأجل أيا كان سبب الدين بيعا كان أو
قرضا .(١)
وسمي ربا القرآن، لأنه حرم بالقرآن الكريم
في قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا
الربا أضعافا مضاعفة ... ﴾. (٢)
ثم أكدت السنة النبوية تحريمه في خطبة
الوداع وفي أحاديث أخرى.
ثم انعقد إجماع المسلمين على تحريمه .
وسمي ربا الجاهلية، لأن تعامل أهل
الجاهلية بالربا لم يكن إلا به كما قال الجصاص.
والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان
قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على
مقدار ما استقرض على ما يتراضون به. (٣)
وسمي أيضا الربا الجلي، قال ابن القيم :
الجلي : ربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في
الجاهلية، مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال،
وكلما أخره زاده في المال حتى تصير المائة عنده
آلافا مؤلفة .. (٤)
(١) المصباح المنير ٢/ ٦٠٥، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن
٤/ ٩٠ ط - مصطفى البابي الحلبي.
(٢) سورة آل عمران / ١٣٠
(٣) أحكام القرآن ١/ ٤٦٥، وجامع البيان عن تأويل آي
القرآن ٨/٦ - ط. دار المعارف، وتفسير النيسابوري
٧٩/٣، وتفسير الرازي ٧/ ٩١، وفتح القدير ٢٦٥/١
(٤) أعلام الموقعين ٢ / ١٥٤
١٤ - وربا الفضل يكون بالتفاضل في الجنس
الواحد من أموال الربا إذا بیع بعضه ببعض،
کبیع درهم بدرهمين نقدا، أوبيع صاع قمح
بصاعين من القمح، ونحو ذلك.
ويسمى ربا الفضل لفضل أحد العوضين
على الآخر، وإطلاق التفاضل على الفضل من
باب المجاز، فإن الفضل في أحد الجانبين دون
الآخر.
ويسمي ربا النقد في مقابلة ربا النسيئة :
ويسمى الربا الخفي، قال ابن القيم: الربا
نوعان : جلي وخفي، فالجلي حرم، لما فيه من
الضرر العظيم، والخفي حرم، لأنه ذريعة إلى
الجلي، فتحریم الأول قصدا، وتحریم الثاني لأنه
وسيلة، فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا
يفعلونه في الجاهلية .
وأما ربا الفضل فتحریمه من باب سد
الذرائع کما صرح به في حديث أبي سعيد
الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي وَلّ
قال: ((لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف
عليكم الرماء))(١) والرماء هو الربا، فمنعهم من
(١) حديث أبي سعيد: ((لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني
أخاف ... )) لم يرد هذا الحديث مرفوعا من حديث أبي
سعيد، وإنما ورد موقوفا على عمر بن الخطاب بلفظ: ((لا
تبيعوا الذهب الذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها
على بعض ... إلى أن قال: إني أخاف عليكم الرماء))=
- ٥٨ -

ربا ١٥
ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة،
وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين - ولا يفعل
هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين - إما في
الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة،
وغير ذلك - تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى
الربح المؤخر وهوعين ربا النسيئة، وهذا ذريعة
قريبة جدا، فمن حكمة الشارع أن سد
عليهم هذه الذريعة، وهي تسد عليهم باب
المفسدة . (١)
أثر الربا في العقود :
١٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن العقد الذي
يخالطه الربا مفسوخ لا يجوز بحال، وأن من
أربی ینقض عقده ویرد فعله وإن كان جاهلا ،
لأنه فعل ما حرمه الشارع ونهى عنه، والنهي
يقتضي التحريم والفساد، وقد قال النبي وَّالية :
((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد)) (٢)
ولحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
جاء بلال - رضي الله تعالى عنه - بتمر برني،
فقال له رسول الله (وَ ل#1: ((من أين هذا؟)) فقال
بلال: من تمر كان عندنا رديء، فبعت منه
صاعين بصاع لمطعم النبي وَلير، فقال رسول
= أخرجه مالك في الموطأ (٢ /٦٣٤ - ط الحلبي) بإسناد
صحیح .
(١) المجموع ٢٦/١٠، وأعلام الموقعين ١٥٥/٢
(٢) حديث: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) أخرجه
مسلم (٣/ ١٣٤٤ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
الله املّ عند ذلك: ((أوْه عين الربا، لا تفعل،
ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر
ثم اشتربه))(١) فقوله وَ ثير: ((أوْه عين الربا)» أي
هو الربا المحرم نفسه لا ما يشبهه، وقوله: «فهو
ردّ» يدل على وجوب فسخ صفقة الربا وأنها لا
تصح بوجه . (٢)
وروى مسلم أن رسول الله صل قال: «ربا
الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا: ربا
عباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوع كله)). (٣)
وقال عنه النووي في شرح مسلم قوله: المراد
بالوضع الرد والإِبطال. (٤)
وفصل ابن رشد فقال: من باع بيعا أربى فيه
غير مستحل للربا فعليه العقوبة الموجعة إن لم
يعذر بجهل، ويفسخ البيع ما كان قائما،
والحجة في ذلك أن رسول الله وَلقر أمر السعدين
أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة، فباعا
كل ثلاثة بأربعة عينا، أو كل أربعة بثلاثة عينا،
فقال لهما رسول الله وَ له: ((أربيتها فردًا)). (٥))
(١) حديث أبي سعيد: ((جاء بلال بتمر برني .... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٤ /٤٩٠ - ط السلفية) ومسلم (١٢١٥/٣
- ١٢١٦ - ط الحلبي)
(٢) تفسير القرطبي ٣٥٦/٣ - ٣٥٨، وحاشية القليوبي
١٧٥/٢ و ١٦٧
(٣) حديث: ((ربا الجاهلية موضوع)) أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٩ -
ط الحلبي) من حديث جابر بن عبدالله.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ١٨٣/٨
(٥) حديث: ((أربيتما فردا ... )) أخرجه مالك في الموطأ
(٦٣٢/٢ - ط الحلبي) عن يحيى بن سعيد مرسلا.
- ٥٩ -

ربا ١٦
فإن فات البیع فليس له إلا رأس ماله قبض
الربا أو لم يقبضه، فإن كان قبضه رده إلى
صاحبه، وکذلك من أربی ثم تاب فليس له إلا
رأس ماله، وما قبض من الربا وجب عليه أن
یرده إلی من قبضه منه، وأما من أسلم وله ربا،
فإن كان قبضه فهو له، لقول الله عز وجل :
﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما
سلف﴾(١) ولقول رسول الله وسلم: ((من أسلم
على شيء فهو له))(٢) وأما إن كان لم یقبض الربا
فلا يحل له أن يأخذه وهو موضوع عن الذي هو
عليه، ولا خلاف في هذا أعلمه. (٣)
وقال الحنفية: اشتراط الربا في البيع مفسد
للبيع، لكنهم يفرقون في المعاملات بین الفاسد
والباطل، فيملك المبيع في البيع الفاسد
بالقبض، ولا يملك في البيع الباطل بالقبض،
يقول ابن عابدين: الفساد والبطلان في
العبادات سيان، أما في المعاملات فإن لم يترتب
أثر المعاملة عليها فهو البطلان، وإن ترتب فإن
كان مطلوب التفاسخ شرعا فهو الفساد، وإلا
(١) سورة البقرة / ٢٧٥
(٢) حديث: ((من أسلم على شيء فهوله ... )) أخرجه
البيهقي (١١٣/٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) من
حديث أبي هريرة، ثم ضعفه البيهقي لضعف راو فيه ،
وذکر أنه یروی مرسلا.
(٣) المقدمات ٥٠٣، والسعدان (كما في المجموع ٦٧/١٠)
سعد بن مالك وسعد بن عبادة رضي الله عنها.
فهو الصحة . (١)
والبيع الربوي عند الحنفية من البيوع
الفاسدة، وحكم البيع الفاسد عندهم أن
العوض يملك بالقبض ويجب رده لوقائما، ورد
مثله أو قیمته لو مستهلکا، وعليه فإنه يجب رد
الزيادة الربوية لو قائمة، لا رد ضمانها، قال ابن
عابدین : وحاصله أن فيه حقین، حق العبد وهو
رد عينه لو قائمًا ومثله لوهالكا، وحق الشرع وهو
رد عينه لنقض العقد المنهي عنه شرعا، وبعد
الاستهلاك لا یتأتی رد عینه فتعین رد المثل وهو
محض حق العبد، ثم إن رد عينه لو قائما فيما لو
وقع العقد على الزائد، أما لوباع عشرة دراهم
بعشرة دراهم وزاده دانقا هبة منه فإنه لا يفسد
العقد.(٢)
الخلاف في ربا الفضل :
١٦ - أطبقت الأمة على تحريم التفاضل في بيع
الربويات إذا اجتمع التفاضل مع النّساء، وأما
إذا انفرد نقدا فإنه كان فيه خلاف قديم : صح
عن عبدالله بن عباس وعبد الله بن مسعود رضي
الله عنهم إباحته، وكذلك عن عبدالله بن عمر
رضي الله عنهما مع رجوعه عنه، وروي عن
عبدالله بن الزبير وأسامة بن زيد رضي الله
عنهم، وفيه عن معاوية رضي الله عنه شيء
(١) المبسوط ١٠٩/١٢، والدر المختار ٢٩/٥، ١٢٢/٣
(٢) رد المحتار ١٧٧/٤، والبحر الرائق ١٣٦/٦
- ٦٠ -