النص المفهرس

صفحات 241-260

ذكر ٢٤ - ٢٥
.
عن النبي ﴿ في ذلك)). قال ابن حجر: وهذا
أعدل الوجوه، فیفرد ما جاء مرفوعا، وإذا اختار
قول ما جاء موقوفا، أو أنشأه هو من قبل نفسه مما
يليق، قاله على انفراده حتى لا يختلط
بالمرفوع. قال: وهو شبيه بحال الدعاء في
التشهد فإن النبي ټے قال فيه: «ثم ليتخير بعد
من المسألة ما شاء)). (١) أي بعد أن يفرغ من
المرفوع. (٢)
وذكر البخاري حديث رفاعة الزرقي قال:
((كنا يوما نصلي وراء النبي ◌َّر، فلما رفع رأسه
من الرکعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل
وراءه، ربنا ولك الحمد حمدا کثیرا طيبا مباركا
فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا.
قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم
یکتبھا أول»،٣) ثم قال ابن حجر: استدل بهذا
على إحداث ذکر في الصلاة غیرمأثور إذا كان
غير مخالف للمأثور. (٤)
قال علي القاري : وروى الترمذي عن ابن
عمر: ((أن رجلا عطس إلى جنبه فقال:
(١) حديث: ((ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء)). أخرجه
مسلم (٣٠٢/١ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن
مسعود.
(٢) فتح الباري ٣/ ٤١٠، ٤١١
(٣) حديث: رفاعة الزرقي. أخرجه البخاري (٢٨٤/٢ - ط
السلفية).
(٤) فتح الباري ٢/ ٢٨٤، ٢٨٧
الحمد لله والسلام على رسول الله. فقال
ابن عمر. وأنا أقول: الحمد لله والسلام
على رسول الله وليس هكذا علمنا
رسول الله(ێ))(١)
ثم بين القاري وجه إنكار ابن عمر لتلك
الزيادة قائلا: الزيادة المطلوبة هي المتعلقة
بالحمد له سواء ورد أم لا، وأما زيادة ذكر
آخر بطريق الضم إليه فغير مستحسن، لأن من
سمع ربما يتوهم أنه من جملة المأثور به. (٢)
التبديل في ألفاظ الأذكار الواردة:
٢٥ - تبديل لفظ من الأذكار الواردة بلفظ آخر
اختلف فيه أيضا، فقيل: هو جائز لأنه شبيه
بالرواية بالمعنى، والمشهور عند المحدثين أن
الرواية بالمعنى جائزة إذا كان اللفظ البديل
مساويا في المعنى للفظ الوارد، وخالف في ذلك
المازري فقال تعليقا على حديث البراء بن
عازب أن النبي لإ قال له: ((إذا أتيت
مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع
على شقك الأيمن. ثم قل: اللهم أسلمت
(١) حديث: ابن عمر في العطاس. أخرجه الترمذي (٨١/٥ -
ط الحلبي، وضعفه بقوله: ((هذا حديث غريب)».
(٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعلي القاري ٩/ ١٠٠
الملقان (باكستان)، المكتبة الإِمدادية د.ت، والفتوحات
الربانية ١٤/٦
- ٢٤١ -

زکر ٢٦ - ٢٨
نفسي إليك .. إلى قوله: آمنت بكتابك الذي
أنزلت ونبيك الذي أرسلت ... قال فرددتها
على النبي و ﴿ فقلت: ((ورسولك)) قال: لا،
ونبيك الذي أرسلت))(١)
قال المازري عقبه: سبب هذا الإِنكار أن
هذا ذكر ودعاء، فينبغي فيه الاقتصار على
الذكر الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك
الحروف، ولعله أوحي إليه بتلك الكلمات،
فتعین أداؤها بحروفها .(٢) وإلى مثل ذلك مال
ابن حجر. (٣) وهذا كما هو واضح في الأذكار
المقيدة التي رتب الشارع عليها فضلا خاصا،
لا في الذكر المطلق.
الذكر بالاسم المفرد، وبالضمير المفرد:
٢٦ - ذكر الرشيدي في حاشيته على النهاية
ما يدل على أن في الذكر بالاسم المفرد
(الله، الله، الله) خلافا في أنه ذكر أم لا.
وقال ابن تيمية: الاسم المفرد مظهرا أو
مضمرا ليس بكلام تام ولا يتعلق به إيمان
ولا كفر، ولا أمر، ولا نهي، ولا يعطي القلب
(١) حديث البراء بن عازب: ((إذا أتيت مضجعك)). أخرجه
البخاري (الفتح ٣٥٧/١ -ط السلفية) ومسلم (٢٠٨١/٤
-٢٠٨٢ - ط الحلبي).
(٢) الفتوحات الربانية ٣/ ١٤٤، وشرح صحيح مسلم للأبي
١٣٥/٧
(٣) فتح الباري ١١/ ١١٢
معرفة مفيدة، وإنما يعطيه تصورا مطلقا. والذكر
بالاسم المضمر أبعد عن السنة .(١)
آداب الذاکرین:
للذكر والدعاء آداب یستدعیھا کمال المذكور
وجلاله، وإذا روعيت كانت أولى بالقبول
والإِجابة، فمن تلك الآداب:
أ - طلب العون من الله تعالى على الذكر:
٢٧ - وقد حث النبي وَلي معاذا على أن يقول:
((اللهم أعني على ذكرك وحسن عبادتك)). (٢)
ب - أن يكون الذاكر متطهرا من الحدث:
٢٨ - واستدل لذلك بحديث المهاجربن قنفذ
قال: ((رأيت النبي ◌َّليز وهويبول، فسلمت عليه
فلم يرد علي حتی توضأ، ثم اعتذر إليّ وقال:
إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، أوقال:
على طهارة)). (٣)
وقال ابن علان: يؤخذ من الحديث أن
(١) نهاية المحتاج وحاشية الرشيدي ١١٧/١، مختصر الفتاوى
المصرية ص٩٦، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢٦/١٠،
٢٢٧، ٥٥٦ - ٥٦٥
(٢) حديث: ((اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن
عبادتك)). أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٧ - ط الميمنية) والحاكم
(٢٧٣/٣ - ٢٧٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
معاذ بن جبل، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) الحديث تقدم تخريجه ف١
- ٢٤٢ -

ذكر ٢٨
الأفضل ألا توجد الأذكار إلا في أكمل الأحوال،
كالطهارة من الحدثين، وطهارة الفم من
الخبث. (١) ولم يقولوا باشتراط ذلك لما ثبت أن
النبي ◌َ ل: ((كان يذكر الله على كل أحيانه)). (٢)
و((كان إذا خرج من الغائط قال:
غفرانك))، (٣) ((وكان يقول: الحمد لله الذي
أذهب عني الأذى وعافاني)) . (٤)
فهذا ذكر على غير طهارة. وقد أجمعوا على
جواز الذکر بالقلب واللسان للمحدث والجنب
والحائض والنفساء. (٥)
ومذهب الحنفية على ما في الهداية وشروحها
أن الذاکر یستحب له أن یکون متوضئا. ومن
ذلك الأذان والإقامة، فإن أذن بلا وضوء جاز
بلا كراهة في ظاهر الرواية كسائر أنواع الذكر،
وإن أقام بلا وضوء جاز مع الكراهة لما فيه من
(١) الفتوحات الربانية ٣٩٦/١
(٢) حديث: ((كان يذكر الله على كل أحيانه)). أخرجه مسلم
(٢٨٢/١ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٣) حديث: ((كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)).
أخرجه الترمذي (١٢/١ - ط الحلبي) من حديث عائشة،
وقال: ((حديث حسن غريب)).
(٤) حديث: ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى)). أخرجه ابن
ماجه (١/ ١١٠ - ط الحلبي) من حديث أنس، وقال
البوصيري: ((هذا حديث ضعيف، ولا يصح فيه بهذا
اللفظ عن النبي ® شيء، كذا في ((مصباح الزجاجة))
(ص٩٢ - ط دار الجنان).
(٥) الفتوحات الربانية ١٢٧/١
الفصل بين الإقامة والصلاة بالاشتغال بأعمال
الوضوء، والإِقامة شرعت متصلة. (١)
ويفهم من كلام الحنفية أن استحباب التطهر
للذكر إنما هو في أحوال خاصة كخطبة الجمعة
والأذان، (٢) وفي الدر المختار: الوضوء لمطلق
الذكر مندوب ولو للجنب، وتركه خلاف
الأولى .(٣)
وقال النووي: إن كان في فمه نجاسة
أزالها بالماء، فلو ذكر ولم يغسلها فهو مكروه
ولا يحرم، ولو قرأ القرآن وفمه نجس كره،
وفي تحريمه وجهان لأصحابنا أصحهما
لا يحرم. (٤)
وقال الشوكاني: تنظيف الفم عند الذكر
بالسواك أدب حسن لأنه المحل الذي يكون
الذكر به في الصلاة، وقد صح: ((أنه ێز لما سلم
عليه بعض الصحابة تيمم من جدار الحائط ثم
رد عليه))،(٥) فهذا في مجرد رد السلام فذكر الله
سبحانه أولی . (٦)
ويستثنى من الأحكام المتقدمة القرآن،
(١) الهداية وفتح القدير ١/ ١٧٦، ٤١٤
(٢) فتح القدير ١/ ٤١٤
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١١٧/١، ١٩٥
(٤) الفتوحات الربانية ١٤٣/١
(٥) حديث: ((أنه صلى الله عليه وسلم لما سلم عليه بعض
الصحابة تيمم)). أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٤٤ - ط
السلفية) من حديث أبي جهم بن الحارث.
(٦) شرح عدة الحصن الحصین ص٣٢، ونزل الأبرار ص٢٩
- ٢٤٣ -

ذکر ٢٩ - ٣٠
فتحرم قراءته على الحائض والنفساء والجنب،
لحديث: ((لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من
القرآن)). (١)
وتفصيل ذلك في (قرآن، جنابة، وحیض).
فإن قرأ شيئا من الأذكار التي توافق القرآن من
وجب عليه الغسل، وكان ينوي بها الذكر
لا القرآن، فلا بأس، وذلك كالبسملة،
والحمد لله رب العالمين، ولا إله إلا الله،
وكآيتي الركوب ﴿سبحان الذي سخّر لنا
هذا ... ﴾(٢) وآية النزول: ﴿رب أنزلني منزلا
مباركا ... ﴾(٣) وآية الاسترجاع ﴿إنا لله وإنا
إليه راجعون﴾ . (٤)
وقيل: يحرم على من عليه غسل قراءة آية ولو
بقصد ذکر، سدا للباب. ذکره صاحب مطالب
أولي النهى . (٥)
ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة :
٢٩ - يكره لمن هو في الخلاء لحاجته أن يذكر الله
(١) حديث: ((لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن)».
أخرجه الترمذي (٢٣٦/١ - ط الحلبي) من حديث ابن
عمر، ثم نقل الترمذي عن البخاري تضعیف راو في سنده.
(٢) سورة الزخرف / ١٣
(٣) سورة المؤمنون/ ٢٩
(٤) سورة البقرة/ ١٥٦
(٥) كشاف القناع ١٤٨/١، مطالب أولي النهى ١/ ١٧٠،
والفتوحات الربانية ١/ ١٣٠، والمجموع ٣٥٢/٢، ونزل
الأبرار ص ١٠، ونهاية المحتاج ٢٠٤/١
تعالى، أو أن يتكلم، صرح به من الشافعية
النووي وغيره، وهو مذهب الحنابلة. وقال ابن
كج: إنه يحرم الذكر في تلك الحال، وإليه مال
الأذرعي والزركشي .
ونقلت إجازة الذكر في المرحاض عن
عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، وعن
النخعي .
وصرح النووي في المجموع بأنه إذا عطس في
الخلاء فلا يحمد الله بلسانه بل بقلبه. وقال في
الأذكار: وصرح بعض أصحابنا بأنه لا یشمت
عاطسا ولا يرد السلام ولا يجيب المؤذن. وكذا
في حال الجماع. (١)
وانظر مصطلح : (قضاء الحاجة).
ج - التحري في الأمكنة:
٣٠ - يجتنب الذكر في المواضع القذرة وموضع
التخلي كما تقدم. (٢) ومن الأدب أن يكون
موضعه نظيفا خاليا عما يشغل البال. (٣)
أما الحمام فقد صرح الشافعية والحنابلة بأنه
لا یکره ذکر الله تعالی فیه، أو على سطحه
ونحوه من کل ما یتبعه في بیع أو إجارة، لما روى
(١) الفتوحات الربانية ٣٩٢/١، ٣٨٧، وكشاف القناع
٦٣/١، وابن عابدين ١/ ٢٣٠، وفتح القدير ٤١٤/١
(٢) نزل الأبرار ص٣٦٩
(٣) الفتوحات الربانية ١/ ١٤٢
- ٢٤٤ -

ذکر ٣١ - ٣٢
النخعي أن أبا هريرة دخل الحمام فقال: لا إله
إلا الله. (١)
ولا يكره ذكر الله في الطريق، (٢) وفي الحديث
((ما سلك رجل طريقا لم يذكر الله عز وجل فيه
إلا كان عليه ترة». (٣)
والأصل في جميع المواضع أن ذكر الله تعالى
فيها مندوب إليه ما لم يكن في الموضع سبب من
أسباب الكراهة. (٤) لقوله تعالى: ﴿فإذا
قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من
فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم
تفلحون﴾ . (٥)
د - تحري الأماكن الفاضلة:
٣١ - کالمساجد لقوله تعالى : ﴿في بیوت أذن الله
أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾(٦)
(١) كشاف القناع ١/ ١٦٠، ومطالب أولي النهى ١/ ١٨٧
والفتوحات الربانية ١٤٦/١
(٢) نزل الأبرار ص٣٦٩، والفتوحات الربانية ١٤٦/١
(٣) حديث: ((ما سلك رجل طريقا لم يذكر الله فيه إلا كان عليه
ترة)). أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٢ - ط الميمنية، وابن السني في
عمل اليوم والليلة (ص٩٣ - ط دار البيان) من حديث أبي
هريرة، واللفظ لابن السني، وقال الهيثمي في المجمع
(١٠: ٨٠)، ((رواه أحمد، وأبو إسحاق مولى عبدالله بن
الحارث لم يوثقه أحد ولم يخرجه، وبقية رجال أحد إسنادي
أحمد رجال الصحيح)».
والترة: النقص أو التبعة. النهاية. مادة: ((وتر)).
(٤) الفتوحات الربانية ٦/ ١٧٦
(٥) سورة الجمعة/ ١٠
(٦) سورة النور/ ٣٦
وقال النبي صل فيها: ((إنما هي لذكر الله
والصلاة وقراءة القرآن)).(١)
ومنها المشاعر المعظمة، كما قال الله تعالى :
﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند
المشعر الحرام﴾.(٢)
هـ - تحري الأزمنة الفاضلة:
٣٢ -وذلك کالغدو والآصال، وأطراف الليل
والنهار، لما ورد من الأمر بذلك في كتاب الله
تعالى كقوله: ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي
والإِبكار﴾(٣) وقوله ﴿فاصبر على ما يقولون
وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل
غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار
لعلك ترضى﴾(٤) وقوله: ﴿واذكر اسم ربك
بكرة وأصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا
طويلا﴾(٥)
قيل وإنما خص من النهار البكرة والعشي لأن
الشغل فيهما غالب على الناس.
قال النووي: أشرف أوقات الذکر في النهار
الذکر بعد صلاة الصبح، قال ابن علان: إنما
فضل الذكر ذلك الوقت لكونه تشهده
(١) الحدیث تقدم تخريجه ف/ ٣
(٢) سورة البقرة/ ١٩٨
(٣) سورة غافر/ ٥٥
(٤) سورة طه/ ١٣٠
(٥) سورة الإِنسان/ ٢٥، ٢٦
- ٢٤٥ -

ذکر ٣٢ - ٣٣
الملائكة، (١) قال تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن
الفجر كان مشهودا﴾(٢) وفي الحديث المرفوع
((من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله
تعالی حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين
كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة))(٣)
ومن هنا كره مالك الكلام بعد صلاة الفجر إلى
طلوع الشمس لأجل الانشغال بالذكر ويكره
النوم عندهم حينئذ. (٤)
ومن أفضل مواسم الذكر عشرذي الحجة.
قال النووي : يستحب الإكثار من الذكر فيها
زيادة على غيرها، ويستحب من ذلك يوم عرفة
ما لا يستحب في غيره. (٥) لقوله تعالى :
﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾. (٦)
والأصل أن ذكر الله تعالى مستحب في کل
وقت، ولا يستثنى من ذلك أوقات النهي ، بل
قد نقل عن الغزالي في الإِحياء وغيره أن من
قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله
والله أكبر أربع مرات قامت مقام تحية المسجد،
(١) الأذكار والفتوحات الربانية ٣/ ٦٣، ٧٤، ٧٥، ٧٦
(٢) سورة الإسراء/ ٧٨.
(٣) حديث: ((من صلى الغداة في جماعة)). أخرجه الترمذي
(٤٨١/٢ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك، وقال:
«حدیث حسن غریب».
أ
(٤) مواهب الجليل ٧٤/٢، وحاشية الدسوقي ١/ ٣١٧،
وجواهر الإكليل ١/ ٧٤
(٥) الأذكار النووية والفتوحات الربانية ٢٤٨/٤
(٦) سورة الحج/ ٢٨
فينبغي استعماله في أوقات النهي مكان الخلاف،
واستحسنه الحطاب. (١)
و- الدعاء بعد الأعمال الصالحة :
٣٣ - ومن ذلك قوله تعالى في شأن صلاة
الجمعة: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في
الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا
لعلكم تفلحون﴾(٢) وقوله في صلاة الخوف:
﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا
وعلى جنوبكم﴾(٣) وقوله في الانتهاء من
مناسك الحج: ﴿فإذا قضیتم مناسككم
فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ (٤)
وقال النووي: أجمع العلماء على استحباب
الذكر بعد الصلاة، وجاءت فيه أحاديث كثيرة
صحيحة في أنواع منه متعددة، (٥) وفي
الصحيحين عن ابن عباس ((أن رفع الصوت
بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان
على عهد رسول الله وَلتر)).(٦)
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣١٤/١، والقليوبي
٢١٥/١
(٢) سورة الجمعة/ ١٠
(٣) سورة النساء / ١٠٣
(٤) سورة البقرة/ ٢٠٠
(٥) الفتوحات الربانية ٣/ ٢٧ - ٢٩
(٦) حديث ابن عباس: ((أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف
الناس». أخرجه البخاري (الفتح ٣٢٤/٢ -٣٢٥ - ط
السلفية)، ومسلم (١/ ٤١٠ - ط الحلبي).
- ٢٤٦ -

ذكر ٣٤
ز - تجنب الذكر في أحوال معينة :
٣٤ - ونذكر منها مايلي :
١ - حال قضاء الحاجة كما تقدم.
٢ - حال الجماع. قال ابن علان: الذكر عند
نفس قضاء الحاجة أو الجماع لا يكره بالقلب
بالإجماع. وأما الذکر باللسان حينئذ فليس مما
شرع لنا ولا ندبنا إليه النبي وَلاير، ولا نقل عن
أحد من الصحابة، بل يكفي في هذه الحال
الحياء والمراقبة. (١)
أما عند إرادة قضاء الحاجة أو الجماع فهناك
أذكار مأثورة معروفة .
٣ - حال خطبة الجمعة لمن يسمع صوت
الخطيب، لقوله تعالى: ﴿وإذا قرىء القرآن
فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾(٢)
ولأن الإِنصات إلى الخطبة واجب عند
الجمهور. (٣) ومثاله التسبيح والتهليل. (٤) لكن
إن كان لا يسمع لبعده أو لغير ذلك من
الأسباب فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجوز
له من الكلام أن يذكر الله من غير أن يرفع
صوته، قال أحمد: لا بأس أن يصلي على
النبي * بينه وبين نفسه. قال ابن قدامة:
(١) الفتوحات الربانية ١٤٣/١
(٢) سورة الأعراف/ ٢٠٤ .
(٣) الفتوحات الربانية ١٤٤/١، والقليوبي ١/ ٢٨٠
(٤) مواهب الجليل ١٧٦/٢، والدسوقي ٣٨٥/١، وجواهر
الإكليل ٩٨/١، والزرقاني ٦٣/٢
ورخص له في القراءة والذكر عطاء وسعيد
والنخعي والشافعي. واحتج لهذا بما روى
عبدالله بن عمرو عن النبي ◌َ ل﴾ ((يحضر الجمعة
ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو، وهو حظه منها،
ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله إن شاء
أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات
وسكوت .. الحديث)).(١)
وإن کان للذكر سبب کتشميت العاطس ورد
السلام فقد اختلف فيه الفقهاء فذهب الثوري
وأحمد في رواية عنه- وإسحاق إلى أنه يفعله وإن
کان یسمع الخطبة لكونه واجبا کتحذير ضریر،
وذهب أحمد في الرواية الأخرى إلى أنه لا يرد
سلاما ولا يشمت عاطسا إن كان يسمع
الخطبة، ويفعله إذا لم يسمع، (٢) وكالتأمين على
دعاء الخطيب والصلاة على النبي وَلقر والتعوذ
عند ذكر ما يستدعيه صرح المالكية بجوازه على
اختلاف في أنه يسره أو مجهر به .
وفي المدونة: من عطس والإِمام يخطب
حمد الله سّرا. (٣)
ومذهب الشافعية أن محل التحريم للذكر
(١) حديث: ((يحضر الجمعة ثلاثة نفر)). أخرجه أبوداود
(١/ ٦٦٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وإسناده حسن.
(٢) المغني ٢/ ٣٢٠ - ٣٢٤، والقليوبي على شرح المنهاج
٢٨٠/١
(٣) مواهب الجليل ١٧٦/٢، والدسوقي ٣٨٥/١، وجواهر
الإكليل ٩٨/١
- ٢٤٧ -

ذكر ٣٥ - ٣٦
أثناء الخطبة هو في حالة كون الخطيب في ذکر
أركان الخطبة دون ماعداها، فلا يحرم قبلها
ولا بينها ولا بعدها ولا یکره.(١)
ح - استقبال القبلة في مجلس الذكر:
٣٥ - من آداب الذكر استقبال الذاكر القبلة.
قال الشوكاني: وجه ذلك أنها الجهة التي يتوجه
إليها العابدون لله سبحانه وتعالى والداعون له
والمتقربون إليه. (٢)
وروى الطبراني من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه أن النبي و لي قال: ((إن لكل شيء
سيدا وإن سيد المجالس قبالة القبلة))(٣)
ومن ذلك ((أن النبي ◌ّز لما أراد أن يدعو في
الاستسقاء استقبل القبلة)) . (٤)
ط - الرغبة والخشوع والتدبر:
٣٦ - من آداب الذكر أن يجلس الذاکر متذللا
(١) القليوبي ١/ ٢٨٠
(٢) تحفة الذاكرين ص٣٤، ٣٥، الفتوحات الربانية ١٣٦/١
(٣) حديث: ((إن لكل شيء سيدا، وإن سيد المجالس قبالة
القبلة)). أورده الهيثمي في المجمع (٥٩/٨ - ط القدسي)
وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن)).
(٤) حديث: ((لما أراد النبي ) أن يدعو في الاستسقاء استقبل
القبلة)). أخرجه البخاري (الفتح ٥١٥/٢ - ط السلفية)
من حديث عبدالله بن زيد الأنصاري.
متخشعا بسكينة ووقار. قال النووي: ولو ذكر
علی غیر هذه الأحوال جاز ولا كراهة، ویکون
تاركا للأفضل ا هـ.
قال ابن علان: قوله متخشعا أي ذا خشوع
في الباطن ولو بتكلفه، وقيل الخشوع في الجوارح
والخضوع في القلب. (١) ومما يرشد إلى ذلك قوله
تبارك وتعالى : ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا
وخيفة﴾(٢) وقال ابن كثير: أي اذكر الله في
نفسك رغبة ورهبة وبالقول. (٣) وقال أبو حيان:
أي يذكره بالقول الخفي الذي يشعر بالتذلل
والخضوع كما يناجى الملوك . (٤)
وينبغي أن يكون الذاكر متدبرا متعقلا لما
يذكر به من التسبيح والتهليل وذكر أسماء الله
تعالى وصفاته، وإن جهل شيئا مما يذكر به
ينبغي أن يتبينه ولا يحرص على تحصيل الكثرة
بالعجلة فإنه يؤدي إلى أداء الذكر مع الغفلة
وهو خلاف المطلوب، وقليل الذكر مع حضور
القلب خير من الكثير منه مع الجهل والفتور.
وقال الشوكاني: التدبر للذكر أكمل لأن
الذاكر يكون في حكم المخاطب والمناجي. ثم
قال: ويكون أجره أتم وأوفى، ولا ينافي ثبوت
(١) الفتوحات الربانية ١٣٦/١، وتحفة الذاكرين ص٣٦
(٢) سورة الأعراف / ٢٠٥
(٣) تفسير ابن كثير عند تفسير آخر سورة الأعراف.
(٤) الفتوحات الربانية ٣/ ٧٥
- ٢٤٨ -

ذکر ٣٧ - ٣٨
ما ورد الوعد به من الأذكار لمن جاء بها وإن لم
یتدبر معناها، لأنه لم يرد تقیید ما وعد به من
ثوابها بالتدبر والفهم. ووافقه الشيخ صديق
حسن خان . (١)
أما ابن علان فقال: نص العلماء على أنه
لابد من فهم معنى التھلیلة وإلا لم ينتفع بها
صاحبها في الإنقاذ من الخلود في النار، قال:
ومثلها باقي الأذكار لا بد في حصول ثوابه من
معرفته ولو بوجه.(٢)
ي - الحرص على الذكر في العزلة والانفراد عن
الناس:
٣٧ - الذكر في حال العزلة عن الناس والانفراد
عنهم وحيث لا يعلم به إلا الله تعالى أفضل من
الذكر في الملأ، ولكل من الحالين فضله، لقوله
تعالى في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن
عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في
نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في
ملأ خيرمنهم)). (٣) قال ابن حجر: ((قال بعض
أهلم العلم: يستفاد منه أن الذكر الخفي أفضل
من الذكر الجهري، والتقدير: إن ذكرني في
نفسه ذكرته بثواب لا أطلع عليه أحدا . (٤) وفي
(١) تحفة الذاكرين ص٣٢ والفتوحات الربانية ١٤٨/١،
ونزل الأبرار ص ١٠
(٢) الفتوحات الربانية ١٤٨/١
(٣) الحدیث تقدم تخريجه في ف/ ٣
(٤) فتح الباري ٣٨٦/١٣
الحديث: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل
إلا ظله)) فذكر منهم: ((ورجل ذكر الله خاليا
ففاضت عيناه))، وفي رواية: ((ذكر الله في
خلاء))(١) قال ابن حجر: أي لأنه أبعد عن
الرياء. (٢)
وسيأتي حكم الاجتماع على الذكر (ف/ ٤٠)
حكم إخفاء الذكر :
٣٨ - لا يعتدّ بشيء مما رتب الشارع الأجر على
الإِتيان به من الأذكار الواجبة أو المستحبة في
الصلاة وغيرها حتى يتلفظ به الذاكر ويسمع
نفسه إذا کان صحیح السمع، وذلك لأن قول
النبي﴾ في أكثر من مناسبة بأن من قال کذا كان
له من الأجر کذا لا یحصل له ذلك الأجر إلا بما
يصدق عليه معنى القول، وهو لا يكون إلا
بالتلفظ باللسان. ولا يحصل ذلك عند الجمهور
بمجرد تحريك اللسان بغیر صوت أصلا بل لابد
من صوت، وأقله أن يسمع نفسه.
وفي الحديث القدسي «أنا مع عبدي إذا هو
ذكرني وتحركت شفتاه))(٣)
(١) حديث: ((سبعة يظلهم الله في ظله)). أخرجه البخاري
(الفتح ١٤٣/٢ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة،
ورواية: ((ذكر الله في خلاء)) أخرجها البخاري
(الفتح ١١٢/١٢).
(٢) فتح الباري ٢/ ١٤٧، وعمدة القاري ١٧٩/٥، ١٨٠
(٣) حديث: ((أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت=
- ٢٤٩ -

ذکر ٣٩
وقال الشوكاني: لم يرد مايدل على اشتراط
أن يسمع نفسه بل يصدق عليه أنه قول بمجرد
التلفظ وهو تحريك اللسان وإن لم يسمع
نفسه. (١)
ومع هذا فالإِسرار بالذكر بالقلب بدون تلفظ
ولا تحریك للسان بل بإمرار الكلام الذي یذکر
به على القلب من تسبيح وتحمید وتهلیل وغیر
ذلك كله جائز ويؤجر عليه فاعله لقول الله
تعالى في الحديث القدسي ((وإن ذكرني في نفسه
ذكرته في نفسي)».(٢)
وهذا النوع من الذكر جائز حيث يمتنع
الذكر اللساني، كحال قضاء الحاجة والجماع
وعند خطبة الجمعة. ومن ذلك إمرار القرآن
على القلب للجنب أو الحائض، قال
ابن علان: ومن ذلك الهمس به من غير أن
يسمع نفسه لأنها ليست بقراءة فلا يشملها
النهي .(٣)
رفع الصوت بالذكر :
٣٩ - ينبغي أن يراعى مقدار رفع الصوت
شفتاه». أخرجه أحمد (٢/ ٥٤٠ - ط المیمنیة)) من حديث
=
أبي هريرة، والحاكم (٤٩٦/١ - ط دائرة المعارف العثمانية)
من حديث أبي الدرداء، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(١) تحفة الذاكرين ص٣٢، ونزل الأبرار ص١١، والفتوحات
الربانية ١٥٥/١ ومابعدها.
(٢) الحدیث تقدم تخريجه في ف/ ٣
(٣) الفتوحات الربانية ١٢٧/١ - ١٢٩
المأذون به في الذكر، فالأصل أن الذاكريناجي
ربه، والله تعالى قد وسع سمعه الأصوات،
فينبغي أن لا يجهر بالذکر فوق ما يسمع نفسه،
لأن ذلك أقرب للخشوع وأبعد من الرياء، وقد
قال الله تعالى : ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا
وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال
ولا تكن من الغافلين﴾(١) وقال: ﴿ادعوربكم
تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾(٢) قال
بعض المفسرين: أي المعتدين برفع أصواتهم في
الدعاء. (٣)
وقال النبي ◌َّ: ((اربعوا على أنفسكم إنكم
لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه
أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)). (٤)
قال في نزل الأبرار: الطريقة المثلى في هذا
الباب أن يجهر في الموضع الذي ورد فيه الجهر،
ويسر في الموضع الذي ورد فيه الإِسرار، وهذه
المواضع مبينة في علم الحديث، والموضع الذي
لم يرد فيه الدليل على الجهر أو السرفالذاكر فيه
بالخيار، ولكن لابد للذاكر فيه من ملاحظة قوله
(١) سورة الأعراف/ ٢٠٥
(٢) سورة الأعراف/ ٥٥
(٣) تحفة الذاكرين ص٣٦، وابن عابدين ٢/ ١٧٥، وجواهر
الإكليل ٢٥٦/١
(٤) حديث: ((اربعوا على أنفسكم)). أخرجه مسلم
(٢٠٧٦/٤، ٢٠٧٧ - ط الحليي) من حديث أبي موسى
الأشعري.
- ٢٥٠ -

ذِكْر ٣٩ - ٤٠
تعالی: ﴿وابتغ بین ذلك سبيلا﴾(١) لئلا يتجاوز
الحدود المضروبة له(٢) ولذلك ضرح الحنفية
بكراهة رفع الصوت بالذكر مع الجنازة. (٣)
وقد اضطرب كلام الحنفية في هذا الأصل،
فنقل عن القاضي أن الجهر بالذكر في غير
المواضع التي ورد فيها حرام لما صح عن ابن
مسعود رضي الله عنه أنه أخرج جماعة من
المسجد يهللون ويصلون على النبي صلے جهرا،
وقال لهم: ما أراكم إلا مبتدعين. وقال في
الفتاوى الخيرية: إن ذلك يختلف باختلاف
الأشخاص والأحوال فالإِسرار أفضل حيث
خيف الرياء أو تأذّي المصلين أو النيام، والجهر
أفضل حیث خلا مما ذکر. (٤)
ويستثنى من هذا الأصل مواضع ينبغي فيها
الجهر بالذکر ورفع الصوت به، لما في ذلك من
المصالح التي قدرها الشرع في ذلك، فمنها:
١ - ما قصد به الإسماع والتبليغ، كالأذان
والإقامة وتكبيرات الإِمام وقراءته في الجهرية
وتكبيرات المبلّغ وإلقاء السلام وجوابه. ونحو
ذلك فيجهر في ذلك بالقدر الذي يحصل به
المقصود(٥)
(١) سورة الإسراء/ ١١٠
(٢) نزل الأبرار ص٨
(٣) فتح القدير ١/ ٤٦٩
(٤) ابن عابدين ٢٥٥/٥
(٥) ابن عابدين ٢/ ١٧٥
وتفصيل ذلك في مصطلحي: (إسرار،
جھر).
٢ - بعض أنواع أذكار الصلاة وردت السنة فيها
بالجهر كالبسملة، والتأمين، والقنوت،
والتكبير، والتسبيح، والتحميد بعد الصلاة،
وتكبيرات العيد، والتلبية في الحج(١) وفي بعض
ذلك خلاف يرجع إليه في مواضعه، وفي
مصطلحي : (إسرار، وجهر).
٣ - بعض الأذكار التي يراد بها التنبيه أو التعلیم،
أو فائدة أخرى كأن يرفع صوته بالتسمية على
الطعام حتى ينبه غيره، أو بالقراءة في صلاة
الليل ليسمع أهله. (٢) قال المالكية: ورفع
صوت مرابط وحارس بحر بالتکبیر في حرسهم
لأنه شعارهم ليلا ونهارا . (٣)
الاجتماع للذكر :
٤٠ - أورد صاحب نزل الأبرار الحديث المرفوع
((لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة،
وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة،
وذكرهم الله فيمن عنده)»(٤) ثم قال: في الحديث
(١) جواهر الإكليل ١/ ٢٥٦
(٢) كشاف القناع ٣٦٦/١ - ٣٦٨
(٣) جواهر الإكليل ١/ ٢٥٦
(٤) حديث: ((لا يقعد قوم يذكرون الله)) أخرجه مسلم
(٢٠٧٤/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وأبي
سعید .
- ٢٥١ -
.

ذكر ٤٠ - ٤١
ترغيب عظيم في الاجتماع على الذكر، فإن هذه
الخصائص الأربع في کل واحدة منها ما یثیر
رغبة الراغبين، ويقوي عزيمة الصالحين على
ذكر الله . (١)
وفي الحديث أيضا أن النبي ◌ّ قال: ((إن الله
تعالى ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل
الذکر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا:
هلموا إلى حاجتکم، فيحفّونهم بأجنحتهم إلى
السماء الدنيا)). الحديث وفي آخره ((فيقول الله
عز وجل: أشهدكم أني غفرت لهم. فيقول
ملك من الملائكة: فیھم فلان لیس منهم، إنما
جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى
جليسهم». (٢)
ومن هنا قال النووي : يستحب الجلوس في
حلق الذكر. (٣) وأورد ما في صحيح مسلم أن
النبي ◌َّ﴾ خرج على حلقة من أصحابه، فقال:
«ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده
على ما هدانا للإِسلام ومن به علينا .. إلى أن
قال: أتاني جبريل فأخبرني أن الله یباهي بكم
الملائكة)) . (٤)
(١) نزل الأبرار ص١٧
(٢) حديث: ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق)). أخرجه
البخاري (الفتح ٢٠٨/١١ - ٢٠٩ - ط السلفية) ومسلم
(٢٠٦٩/٤ - ٢٠٧٠ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) الفتوحات الربانية ١/ ٨٩ -١٠٦
(٤) حديث: ((أن النبي ◌َ﴿ خرج على حلقة من أصحابه)) . =
وقال ابن تيمية: الاجتماع على القراءة
والذكر والدعاء حسن إذا لم يتخذ سنة راتبة
ولا اقترن به منكر من بدعة. (١)
وقال عطاء: ((مجالس الذكر هي مجالس
الحلال والحرام، أي مجالس العلم)) ولا يعني
ذلك انحصار مجالس الذكر المشروعة بها، بل
هي من جملة مجالس الذكر، وإنما أراد عطاء
التنصیص علی أخص أنواعه، ولیست مجالس
البدع ومزامير الشيطان. (٢)
وعن الإِمام أحمد: لو اجتمع القوم لقراءةٍ
ودعاء وذكر فعنه أنه قال: وأي شيء أحسن
منه، وعنه: لا بأس بذلك. وعنه: أنه محدث.
ونقل عنه ابن منصور: ما أكرهه إذا اجتمعوا
على غير وعد إلا أن يكثروا. قال ابن منصور:
يعني يتخذوه عادة. وقال ابن عقيل: أبرأ إلى
الله من جموع أهل وقتنا في المساجد والمشاهد في
ليال يسمونها إحياء. وكرهه مالك. (٣)
الذكر الجماعي :
٤١ - وهو ما ينطق به الذاكرون المجتمعون
بصوت واحد يوافق بعضهم بعضا، وقد جعله
= أخرجه مسلم (٢٠٧٥/٤ - ط الحلبي) من حديث
معاوية .
(١) مختصر الفتاوى المصرية ص٨٦ مطبعة المدني.
(٢) الفتوحات الربانية ١/ ١١٤
(٣) كشاف القناع ٤٣٢/١
- ٢٥٢ -

ذِكْر ٤١ - ٤٢
الشاطبي إذا التزم بدعة إضافية تجتنب، (١)
قال: إذا ندب الشرع إلى ذكر الله فالتزم قوم
الاجتماع عليه على لسان واحد وصوت واحد لم
يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا
التخصيص الملتزم لأن التزام الأمور غير اللازمة
يفهم على أنه تشريع ، وخصوصا مع من يقتدى
به في مجامع الناس كالمساجد، فإذا أظهرت هذا
الإِظهار ووضعت في المساجد كسائر الشعائر
كالأذان وصلاة العيدين والكسوف، فهم منها
بلاشك أنها سنة إن لم تفهم منها الفرضيةَ، فلم
یتناولها الدلیل المستدل به، فصارت من هذه
الجهة بدعا محدثة. ونحوه لابن الحاج (٢) في
المدخل. (٣)
(١) الاعتصام للشاطبي ١/ ٢٠٠ القاهرة، المكتبة التجارية
وینظر ابن عابدين ٥/ ٢٥٥
(٢) اللجنة ترى أن اشتراك مجموعة في الأذكار المأثورة أو
الأدعية الواردة أو قراءة القرآن بصوت واحد جائز بشرط
عدم التشويش على المصلين أو غيرهم مما هم فيه من عمل
مشروع ولاسيما إذا كانت هذه الطريقة تساعد على النشاط
وتعليم غير المتعلم، وبشرط ألا تعتقد هذه الكيفية أنها
واجبة أو مسنونة بصورتها وإنما هي وسيلة لتعليم غير المتعلم
وللتعاون على البر والتقوى، واللجنة تشير إلى أنه لبعض
علماء المالكية فتوى بهذا الشأن تنظر في ج١ ص٢٨١ من
كتاب المعيار المعرب لأحمد بن يحيى الونشريسي المالكي كما
استند النووي في جواز رفع الصوت بالذکر إلی حدیث في
الصحيحين عن ابن عباس ((أن رفع الصوت بالذكر حين
ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله (يلةٍ))
وقال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا
سمعته. الحديث تقدم تخريجه في ف/ ٣٣ (الأذكار ص٦٧)
(٣) المدخل لابن الحاج ٢٩٧/١
حال المؤمنين عند الذكر :
٤٢ - ذكر الله تعالى حال المؤمنين عند الذكر،
فنعتهم تارة بالوجل، کما في قوله تعالى : ﴿إِنما
المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾، (١)
وبالخشوع،كما قال تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن
تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق
ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال
عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾(٢) ونعتهم تارة
أخری بالطمأنينة عند الذکر کما في قوله تعالی :
﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا
بذكر الله تطمئن القلوب﴾. (٣)
وجمع بين الأمرين في قوله تعالى : ﴿الله نزل
أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه
جلود الذين يخشون ربهم ثم تلین جلودهم
وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من
يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ . (٤)
فأما الوجل فهو الخوف والخشية من الله
تعالى لما يقوم بالقلب من الرهبة عند ذكر عظمته
وجلاله ونظره إلى القلوب والأعمال، وذكر أمر
الآخرة وما فيها من الحساب والعقاب، فيقشعر
الجلد بسبب الخوف الآخذ بمجامع القلوب،
(١) سورة الأنفال/ ٢
(٢) سورة الحديد/ ١٦
(٣) سورة الرعد/ ٢٨
(٤) سورة الزمر/ ٢٣
- ٢٥٣ -

ذكر ٤٢
وخاصة عند تذكرهم ما وقعوا فيه من المعصية
والتفريط في جنب الله .
وأما الطمأنينة فهي ما يحصل من لين القلب
ورقته وسكونه، وذلك إذا سمعوا ما أعد
للمتقين من جزيل الثواب، وذكروا رحمته
ومغفرته وصدق وعده لمن فعل الطاعات واستقام
على شرع الله تعالى.(١)
وقد یصحب اخشية البكاء، وفیض الدمع،
كما في الحديث عن عبدالله بن الشخير قال:
((انتهيت إلى النبي ﴾ وهو يصلي ولجوفه أزيز
كأزيز المرجل من البكاء)). (٢) وقال النبي يلي:
((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا
ظله .. )) فذكر منهم: ((ورجل ذكر الله خاليا
ففاضت عيناه». (٣)
أما ما يتكلفه بعض الناس من التغاشي
والصعق والصياح والشطح فقد قال الشاطبي
وغيره: هوبدع مستنكرة.
وقال ابن كثير: قال قتادة في قوله تعالى :
(١) تفسير الرازي ٤٩/١٩ عند الآية ٢٨ من سورة الرعد،
وتفسير ابن كثير عند الآية نفسها. وتفسير القرطبي
٣١٥/٩، ٢٥٠/١٥
(٢) حديث عبدالله بن الشخير: ((انتهيت إلى النبي 8#1 وهو
يصلي)). أخرجه النسائي (١٣/٣ - ط المكتبة التجارية)
والحاكم (٢٦٤/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) الحديث تقدم تخريجه في ف/ ٣٧
﴿ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾(١)
هذا نعت أولياء الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم
والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع. (٢)
وقال الشاطبي : وقد مر ابن عمر برجل من
أهل العراق ساقط، والناس حوله، فقال:
ماهذا؟ قالوا إذا قرىء عليه القرآن، أو
سمع الله عز وجل يذكر، خر من خشية الله،
قال ابن عمر: ((والله إنا لنخشى الله ولا نسقط،
ثم قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم،
ما كان هذا صنيع أصحاب محمد ﴿)). قال
الشاطبي : وهذا إنكار.
وقیل لأسماء بنت أبي بكر: ((إن ناسا ها هنا
إذا سمعوا القرآن تأخذهم غشية، فقالت: أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم)).
وقيل لعائشة رضي الله عنها: إن قوما إذا
سمعوا القرآن يغشى عليهم. فقالت: إن
القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال،
ولكنه كما قال الله تعالى : ﴿تقشعر منه جلود
الذين يخشون ربهم ... ) الآية. (٣)
وعن أنس بن مالك أنه سئل عن القوم يقرأ
عليهم القرآن فيصعقون، قال: ((ذلك فعل
الخوارج)) وهذا تنبيه منه رضي الله عنه إلى أن
هذا فعل من لم يعلم من الدين إلا ظاهره، ولم
(١) سورة الزمر/ ٢٣
(٢) تفسير ابن كثير ٤/ ٥١٠ عند الآية ٢٢ من سورة الزمر.
(٣) سورة الزمر/ ٢٣
- ٢٥٤ -

ذكر ٤٣ - ٤٤
يفقه حدوده، ويظهر أن هذا الأمر كان في
الخوارج فاشيا، كما قال أبو حمزة الشاري يمدح
أصحابه من الشراء («كلما مروا بآية خوف شهقوا
خوفا من النار، وإذا مروا بآية رحمة شهقوا شوقا
إلى الجنة)). (١)
وعن ابن الزبير قال: ((جئت أبي، فقال:
أین کنت؟ فقلت: وجدت أقواما یذکرون الله،
فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من
خشية الله، فقعدت معهم. فقال: لا تقعد
بعدها. فرآني كأنه لم يأخذ ذلك فيّ. فقال:
رأيت رسول الله له يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر
وعمر یتلوان القرآن، فلا یصیبهم هذا، أفتراهم
أخشع لله من أبي بكر وعمر؟ فرأيت ذلك
كذلك فتركتهم.))(٢)
الرقص والدوران والطبل والزمر عند الذكر:
٤٣ - یزید بعض أهل البدع عند الذکر علی ما
تقدم أمورا أخرى، قال الشاطبي : ياليتهم
وقفوا عند هذا الحد المذموم، ولكنهم زادوا على
ذلك الرقص والزمر والدوران والضرب على
الصدور، وبعضهم یضرب على رأسه، وما
أشبه ذلك من العمل المضحك للحمقى،
لكونه من أعمال الصبيان والمجانين، المبكي
(١) البداية والنهاية لابن كثير ٣٦/١٠ (٣٨) في حوادث سنة
١٣٠ هـ.
(٢) المدخل لابن الحاج ٦/٢
للعقلاء، رحمة لهم، إذ لم يتخذ مثل هذا طريقا
إلى الله وتشبها بالصالحين. (١)
وقال الآجري: يقال لمن فعل هذا: اعلم ان
أصدق الناس موعظة، وأنصح الناس لأمته،
وأرق الناس قلبا، وخير الناس من جاء بعده -
أي بعد النبي ﴾ے ـ لا يشك في ذلك عاقل،
ما صرخوا عند موعظة ،ولا زعقوا، ولا رقصوا،
ولا زفنوا، ولو كان هذا صحيحا لكانوا أحق به
أن يفعلوه بين يدي النبي ظاهر، ولكنه بدعة
وباطل ومنكر ا هـ. (٢)
وقال ابن عابدين: وفي الملتقى عن النبي ﴾
أنه كره رفع الصوت عند قراءة القرآن والجنازة
والزحف والتذكير، فما ظنك عند الغناء الذي
يسمونه وجدا ومحبة فإنه مكروه لا أصل له في
الدین.(٣)
قسوة القلب عند الذكر :
٤٤ - هذه حال مقابلة لحال المؤمنين، ومشابهة
لحال الكفار والمنافقين، قال الله تعالى في حق
المؤمنين: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله
وجلت قلوبهم﴾ (٤) فكان وجل القلوب عند
(١) الاعتصام للشاطبي ٢٢٣/١ - ٢٢٥، وتفسير القرطبي
٢٤٩/١٥
(٢) الاعتصام للشاطبي ٢٢٦/١
(٣) ابن عابدين ٥/ ٢٥٥
(٤) سورة الأنفال/ ٢
- ٢٥٥ -

ذكر ٤٤ - ٤٥
الذكر علامة على صدق إيمانهم وإنابتهم، وقال
في شأن الكفار ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمازت
قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾(١) وفي شأن
الكفار والمنافقين ﴿فويل للقاسية قلوبهم من
ذكر الله أولئك في ضلال مبين﴾. (٢)
وقد حذر الله تعالى المؤمنين من قسوة القلب
عند الذكر بسبب طول الأمد والانشغال بما
يصرف عن ذكر الله والاتعاظ به فقال: ﴿رجال
لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام
الصلاة وإيتاء الزكاة ... ﴾(٣) وقال تعالى:
﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله
وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا
الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست
قلوبهم وکثیر منهم فاسقون﴾ . (٤)
وعن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا
وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿ألم يأن للذين
آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ إلا أربع
سنین. (٥)
وعن أنس قال: استبطأ الله قلوب المهاجرين
بعد سبع عشرة من نزول القرآن فأنزل الله :
(١) سورة الزمر/ ٤٥
(٢) سورة الزمر/ ٢٢
(٣) سورة النور/ ٣٧
(٤) سورة الحديد/ ١٦
(٥) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم (٢٣١٩/٤ - ط
الحلبى).
﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر
الله﴾ . (١)
الإكثار من الذكر :
٤٥ - الإكثار من الذكر مندوب إليه لقول الله
تبارك وتعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله
ذكرا كثيرا. وسبحوه بكرة وأصيلا﴾(٢) وقوله:
﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم
مغفرة وأجرا عظيما﴾(٣) وقول النبي مثير:
((سبق المفردون)) قالوا وما المفردون يارسول
الله؟ قال: ((الذاكرون الله كثيرا
والذاكرات)). (٤) وقال رجل للنبي وَّر ((إن شرائع
الإِسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء
أتشبث به؟ فقال: ((لا يزال لسانك رطبا من
ذكر الله)).(٥)
وذم الله تعالى المنافقين بأنهم: ﴿إذا قاموا
إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس
ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾(٦) وقد اختلف في
(١) حديث أنس: أورده السيوطي في الدر المنثور (٥٧/٦ - ط
دار الفكر) وعزاه لابن مردويه .
(٢) سورة الأحزاب / ٤١، ٤٢
(٣) سورة الأحزاب/ ٣٥
(٤) الحدیث تقدم تخريجه في ف/ ٣
(٥) حديث: ((لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله)). أخرجه
الترمذي (٤٥٨/٥ - ط الحلبي) وقال: ((حديث حسن
غريب».
(٦) سورة النساء/ ١٤٢
- ٢٥٦ -

ذكر ٤٥ - ٤٦
الذكر الكثير المأمور به في الآية، فقال ابن
عباس: ((المراد يذكرون الله تعالى في أدبار
الصلوات، وغدوا وعشيا ، وفي المضاجع، وكلما
استيقظ من نومه، وكلما غدا أوراح من منزله
ذكر الله تعالى)). ويوضحه ما قاله أبو عمرو بن
الصلاح عما يصير به العبد من الذاكرين الله
كثيرا والذاكرات، قال: إذا واظب على الأذكار
المأثورة المثبتة صباحا ومساء في الأوقات والأحوال
المختلفة ليلا ونهارا کان منهم. أي لأنه إن
واظب عليها فهي تشمل الأوقات والأحوال.
وقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس
بحقوقها فهو داخل في الآية. (١)
وروى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة أن
النبي ◌َ ﴾ قال: ((إذا أيقظ الرجل أهله من الليل
فصليا، أو صلى ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين
والذاكرات)).(٢)
وقال الشوكاني: صدق كثرة الذكر على من
واظب على ذكر الله ولو قليلا أكمل من صدقه
على من ذكر الله كثيرا من غير مواظبة . (٣) وفي
(١) الأذكار النووية والفتوحات الربانية ١١٤ - ١٢٦، ونزل
الأبرار ص٩
(٢) حديث: ((إذا أيقظ الرجل أهله من الليل)). أخرجه أبو
داود (٢ / ٧٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم
(٤١٦/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي.
(٣) نزل الأبرار ص٩ وعدة الحصن الحصين ص٣٣
الحديث: ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن
قل».(١)
ويتعلق بالإكثار من الذكر والمواظبة عليه أمور
منها :
أ - التحزیب والأوراد وقضاء ما يفوت :
٤٦ - قال ابن قتيبة: الحزب من القرآن الورد،
وهو شيء يفرضه الإِنسان على نفسه يقرؤه كل
يوم ١ هـ. والمراد هنا ما يرتبه الإِنسان على
نفسه من الأذكار. وفي الحديث: ((من نام عن
حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر
وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)). (٢)
وهذا وارد في الحزب من القرآن، لكن قال
النووي: ينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في
وقت من ليل أونهار، أو عقب صلاة، أوحالة
من الأحوال، ففاتته، أن يتداركها ويأتي بها إذا
تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد عليها لم
یعرضها للتفويت وإذا تساهل في قضائها سهل
عليه تضييعها في وقتها. قال الشوكاني: وقد كان
(١) حديث: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)). أخرجه
البخاري (الفتح ٢٩٤/١١ - ط السلفية) ومسلم
(٢١٧١/٤ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) حديث: ((من نام عن حزبه أو عن شيء منه)). أخرجه
مسلم (٥١٥/١ - ط الحلبي) من حديث عمربن
الخطاب.
- ٢٥٧ -

ذِكْر ٤٧
الصحابة رضوان الله عليهم يقضون مافاتهم من
أذكارهم التي يفعلونها في أوقات مخصوصة.
وقال ابن علان: المراد بالأحوال: الأحوال
المتعلقة بالأوقات، لا المتعلقة بالأسباب كالذكر
عند رؤية الهلال، وسماع الرعد، ونحو ذلك فلا
يندب تداركه عند فوات سببه. ومن ترك الأوراد
بعد اعتيادها یکره له ذلك.(١)
ب - تكرار الأذكار وعدّها:
٤٧ - تكرار الذكر مشروع. وقد وردت
الأحاديث الكثيرة بترتيب الأجر على أذكار
تكرر، كما في الحديث ((من قال لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو
على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له
عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة، ومحيت
عنه مائة سيئة)) الحدیث إلى قوله: «ولم يأت أحد
بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه)). (٢)
والتكرار لعدد محدود يقتضي عدَّ الذكر بشيء
يحسبه به، وورد عن يُسَيْرة أن النبي ◌َّ قال:
((عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن
(١) الفتوحات الربانية والأذكار النووية ١٤٩/١ وما بعدها،
وعدة الحصن الحصين ص٣٣، ونزل الأبرار ص ١٠
(٢) حديث: ((من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له)).
أخرجه البخاري (الفتح ٢٠١/١١ - ط. السلفية) ومسلم
(٤/ ٢٠٧١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات)»(١) يعني
أن الأنامل تشهد للذاكر، فأمرهن أن يعقدن
عدد التسبيح مستعينات بالأنامل.
وعن عبدالله بن عمرو قال: ((رأيت
رسول الله ﴿ يعقد التسبيح)). (٢) وفي رواية
قال: ((يعقد التسبيح بيمينه)). (٣)
قال ابن علان : يحتمل أن المراد العقد بنفس
الأنامل، أو بجملة الأصابع. قال: والعقد
بالمفاصل أن يضع إبهامه في كل ذكر على
مفصل، والعقد بالأصابع أن يعقدها ثم
يفتحها. وفي شرح المشكاة: العقد هنا بما
يتعارفه الناس. (٤)
ويجوز التسبيح بالحصی والنوى ونحو ذلك،
وقد عقد أبوداود باباً بعنوان: باب التسبيح
بالحصى . (٥) أورد فيه حديث سعد بن أبي
وقاص رضي الله عنه ((أن النبي و # دخل على
امرأة وبین یدیها نوی أو حصی تسبح به، فقال:
أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا، أو أفضل،
(١) حديث: ((عليكن بالتسبيح ... )) أخرجه الترمذي
(٥٧١/٥ - ط الحلبي) وقال: ((هذا حديث غريب)).
(٢) حديث عبدالله بن عمرو: ((رأيت رسول الله صل# يعقد
التسبيح )). أخرجه أبوداود (٢/ ١٧٠ - ١٧١ - تحقيق عزت
عبيد دعاس)، والحاكم (١/ ٥٤٧ - ط دائرة المعارف
العثمانية)، وصححه الذهبي.
(٣) الفتوحات الربانية ٣/ ٢٥٠
(٤) عون المعبود ٤/ ٣٦٦ نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
- ٢٥٨ -

ذكر ٤٨ - ٤٩
فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء،
سبحان الله عدد ما خلق في الأرض،
وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك،
وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبرمثل
ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل
ذلك)). (١)
استخدام السبحة في عدد الأذكار:
٤٨ - السبحة كما قال ابن منظور هي الخرزات
التي يعد بها المسبح تسبيحه قال: وهي كلمة
مولدة، وقد قال: المسبحة.
قال الشيخ محمد شمس الحق شارح السنن
بعد أن أورد حديث سعد بن أبي وقاص السابق
ذكره: الحديث دليل على جواز عد التسبيح
بالنوى والحصى، وكذا بالسبحة، لعدم
الفارق، لتقريره * للمرأة على ذلك وعدم
إنكاره، والإِرشاد إلى ما هو أفضل منه لا ينافي
الجواز. قال: وقد وردت في ذلك آثار، ولم يصب
من قال إن ذلك بدعة . (٢) وجرى صاحب الحرز
على أنها بدعة إلا أنه قال: إنها مستحبة، ونقل
(١) حديث: ((دخل على امرأة وبین یدیها نوى أو حصى تسبح
به». أخرجه أبو داود (٢ / ١٦٩ - ١٧٠ ۔ تحقیق عزت عبيد
دعاس)، وقال الذهبي عن راويه ((خزيمة)) في الميزان
(٦٥٣/١ - ط الحلبي): ((لا يعرف)). وألمح إلى روايته لهذا
الحدیث.
(٢) عون المعبود ٣٦٧/٤ نشسر دار الفكر بالتصوير عن طبعة
السلفية بالمدينة.
ابن علان عن شرح المشكاة لابن حجر قوله:
في الحديث المذكور ندب اتخاذ السبحة، وزعم
أنها بدعة غير صحيح ، إلا أن يحمل على تلك
الكيفيات التي اخترعها بعض السفهاء، مما
يمحضها للزينة أو الرياء أو اللعب اهـ. (١)
ورد ابن علان القول بأنها بدعة بأن إقرار
النبي ولي تلك المرأة على العد بالحصى أو النوى
ينفي أنها بدعة فإن الإِقرار هو من السنة،
والسبحة في معنى العد بالحصى، إذ لا يختلف
الغرض من كونها منظومة - أي منظومة بخيط -
أو منثورة. قال: وقد أفردت السبحة بجزء
لطيف سميته ((إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ
المسابيح)) أوردت فيها ما يتعلق بها من الأخبار
والآثار والاختلاف في تفاضل الاشتغال بها أو
بعقد الأصابع. وحاصله أن العقد بالأنامل
أفضل لاسيما مع الأذكار بعد الصلاة، أما في
الأعداد الكثيرة التي يلهي الاشتغال بعدها عن
التوجه للذكر فالأفضل استعمال السبحة. (٢)
الحرص على جوامع الذكر :
٤٩ - المراد بجوامع الذكر ما يقيد فيه الذاكر لفظ
(١) في جعله اتخاذ السبحة للزينة أو اللعب بدعة نظر، لأن
البدعة في الدين واتخاذها للزينة أو اللعب أمر دنيوي
لا حرج فيه لقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج
لعباده﴾ الآية.
(٢) الفتوحات الربانية ١/ ٢٥١، ٢٥٢
- ٢٥٩ -

ذِكْر ٤٩
الذکر بعدد کبیر أو مقدار عظیم.
وقد ورد في الإِرشاد إلى ذلك أحاديث كثيرة
منها حدیث سعد بن أبي وقاص المتقدم، ومنها
حديث جويرية ((أن النبي ◌َّ خرج من عندها
بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم
رجع بعدما أضحى وهي جالسة، فقال: مازلت
على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم،
قال: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات
لو وزنت بما قلت منذ الیوم لوزنتهن، سبحان
الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة
عرشه، ومداد كلماته)). (١)
ونحوما ورد ((ربنا لك الحمد كما ينبغي
لجلال وجهك وعظيم سلطانك)).(٢)
و((الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب
ربنا ويرضى)). (٣)
(١) حديث جويرية: ((أن النبي # خرج من عندها)). أخرجه
مسلم (٤ / ٢٠٩٠ - ط الحلبي)
(٢) حديث: ((ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك)).
أخرجه ابن ماجه (١٢٤٩/٢ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن عمر، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة
(٢٦١/٢ - ط دار الجنان): ((هذا إسناد فيه مقال،
وقدامة بن ابراهيم ذكره ابن حبان في الثقات، وصدقة ابن
بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه، وبقية رجال الإِسناد
ثقات)).
(٣) حديث: ((الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا)). أخرجه
النسائي في عمل اليوم والليلة (ص٢٨٩ - ط مؤسسة
الرسالة) من حديث أنس، وصححه ابن حبان (الإِحسان
١٠٤/٢ - ط دار الكتب العلمية):
قال الأبي : يدل الحديث على أن الذكر
الجامع يحصل به من الثواب ما ليس كذلك.
وكان النبي ◌َّه يستحب الجوامع من الدعاء،
ويدع ما سوى ذلك. (١) ثم قال: والأظهر أن
ذلك كناية عن الكثرة لا أنها مثل كلمات الله
تعالى في العدد، لأن كلماته تعالى غير متناهية.
وقال الشوكاني: في الحديث دليل على أن
من قال: عدد کذا ،وزنة کذا کتب له ذلك
القدر، وفضل الله یمن به على من يشاء من
عباده. قال: ولا يتجه هنا أن يقال إن مشقة من
قال هذا أخف من مشقة من کرر اللفظ کثیرا،
فإن هذا باب منحه رسول الله له لعباد الله
وأرشدهم إليه، ودلهم عليه، تخفيفا عليهم،
وتكثيرا لأجورهم دون تعب ولا نصب فلله
الحمد .
ونقل ابن علان عن الشيخ أحمد بن عبد
العزيز النويري قوله: قد يكون العمل القليل
أفضل من العمل الكثير كقصر الصلاة في السفر
أفضل من الإِتمام، لكن لو نذر إنسان أن يقول:
سبحان الله وبحمده عشر مرات، فقال
سبحان الله عدد خلقه مرة واحدة فإنه لا يخرج
(١) حديث: ((كان النبي ◌ٍَّ يستحب الجوامع من الدعاء،
ويدع ماسوى ذلك)). أخرجه أبو داود (٢/ ١٦٣ - تحقيق
عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة. وجود إسناده
النووي في الأذكار (ص٥٩٦ - ط دار ابن كثير).
- ٢٦٠ -