النص المفهرس

صفحات 221-240

ذِكْر ١
علیه مجاز شرعي سببه - أي علاقته - المشابهة أي
من حيث هو قول يبني عليه الثواب. (١)
وأطلق الذكر في القرآن على عدة أمور باعتبار
المعنيين اللغويين أو واحد منهما، فأطلق على
القرآن العظيم نفسه في مثل قوله تعالى : ﴿وهذا
ذكر مبارك أنزلناه﴾(٢) وقال: ﴿ذلك نتلوه عليك
من الآيات والذكر الحكيم﴾. (٣)
وأطلق على التوراة في قوله تعالى: ﴿ولقد
کتبنا في الزبور من بعد الذکر أن الأرض يرثها
عبادي الصالحون﴾ . (٤)
وأطلق على كتب الأنبياء المتقدمين. قال
الراغب: قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل
الذكر﴾(٥) أي الكتب المتقدمة. وقال الزبيدي:
كل كتاب من كتب الأنبياء ذكر، وقال تعالى :
﴿أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا
ذكر من معي وذکر من قبلي﴾(٦) أي هذا هو
الكتاب المنزل على من معي والكتاب الآخر
(١) الفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية، لمحمد بن علان
الصديقي الشافعي، بيروت، المكتبة الإسلامية، بالتصوير
عن طبعة القاهرة، جمعية النشر والتأليف الأزهرية ٣٩٦/١
(٢) سورة الأنبياء / ٥٠
(٣) سورة آل عمران / ٥٨
(٤) سورة الأنبياء / ١٠٥
(٥) سورة الأنبياء / ٧
(٦) سورة الأنبياء / ٢٤
المنزل على من تقدمني، وهو التوراة والإنجيل
والزبور والصحف، وليس في شيء منها أن الله
أذن بأن تتخذوا إلها من دون الله. وقد فسرت
الآية أيضا بغير ذلك.(١)
وأطلق الذكر على النبي صل# في قوله
تعالى: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكرا.
رسولا﴾. (٢) فقد قيل: إن الذكر هنا وصف
للرسول ## كما أن الكلمة وصف لعيسى
عليه السلام، من حيث إنه بشر به في الكتب
المتقدمة .
وأطلق الذكر بمعنی الصيت، ویکون في
الخير والشر، وبمعنی الشرف، من حيث إن
صاحبھما یذکر بهما. وقد فسر بهما قوله تعالى :
﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم﴾(٣) وقوله:
﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ . (٤)
وأطلق الذكر بمعنى الاتعاظ وما يحصل به
الوعظ، وقد فسر بذلك(٥) قوله تعالى: ﴿ولقد
يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾(٦) وقوله
(١) تفسير الرازي ٢٢ / ١٤٨ عند الآية ٢٤ من سورة الأنبياء.
(٢) سورة الطلاق / ١١،١٠
(٣) سورة الأنبياء / ١٠
(٤) سورة الزخرف / ٤٤
(٥) انظر تفسير الرازي وتفسير ابن كثير عند هذه الآية من
سورة القمر.
(٦) سورة القمر/ ١٨
- ٢٢١ -
1
i

ذِكْر ٢
تعالى : ﴿أُفنضرب عنكم الذکر صفحا أن كنتم
قوما مسرفين﴾(١) قال الرازي: المعنى: أنرد
عنكم النصائح والمواعظ. (٢) وقد فسرت بغیر
ذلك.
وأطلق الذكر في السنة النبوية على اللوح
المحفوظ، وذلك في قول النبي ◌َّل: ((وكتب الله
في الذكر كل شيء)) (٣) أي لأن اللوح محل للذكر
كتب الله فيه كل شيء من الكائنات . (٤)
ويشتمل هذا البحث على ما يلي:
١ - الذكر بمعنى ذكر الله تعالى والثناء عليه.
٢ - والذكر بمعنى النطق باسم الشيء.
٣ - والذكر بمعنى استحضار الشيء في القلب.
٤ - والذكر بمعنى الشهرة والصيت والشرف.
وأما الذكر بسائر المعاني فتنظر أحكامه في مواضع
أخرى (ر: قرآن. توراة. إنجيل. وعظ.
دعاء).
أولا : ذكر الله تعالى :
حکم ذكر الله تعالی :
٢ - الذكر محبوب مطلوب من كل أحد مرغب
فيه في جميع الأحوال، إلا في حال ورد الشرع
(١) سورة الزخرف/ ٥
(٢) الرازي عند الآية الخامسة من سورة الزخرف.
(٣) حديث: ((كتب الله في الذكر كل شيء)). أخرجه البخاري
(الفتح ٢٨٦/٦ - ط السلفية) من حديث عمران بن
حصین .
(٤) فتح الباري، القاهرة، المكتبة السلفية ٦/ ٢٩٠
باستثنائها، كحال الجلوس على قضاء الحاجة،
وحال سماع الخطبة(١) على ما يأتي .
ودليل استحبابه أن الله أمربه في آيات
كثيرة، ونهى عن ضده من الغفلة والنسيان،
وعلق الفلاح باستدامته وكثرته، وأثنى على
أهله وجعلهم أهل الانتفاع بآياته، وأنهم أولو
الألباب، وأخبر عن خسران مَنْ لَهَا عن الذكر
بغيره، (٢) وجعل ذكره تعالى لأهله جزاء ذكرهم
له، وأخبر أنه أکبرمن كل شيء، وجعله قرین
الأعمال الصالحة، وجعله مفتتحها ومختتمها، (٣)
في آيات كثيرة يرد بعضها أثناء هذا البحث
لا نطيل بذكرها هنا. ويزداد استحباب الذكر في
مواضع يأتي تفصيلها .
وقد يكون واجبا، ومن الذكر الواجب بعض
أذكار الصلاة كتكبيرة الإحرام وقراءة القرآن.
ومن الذكر الواجب الأذان والإقامة على القول
بأنهما يجبان على الكفاية، ورد السلام،
والتسمية على الذبيحة. فينظر تفصيل أحكام
کل منها في موضعه.
وقد یکون الذكر حراما، وذلك كأن يتضمن
شركا كتلبية أهل الجاهلية، أو يتضمن نقصا،
مثل ما كانوا يقولونه في أول الإِسلام: السلام
(١) فتح الباري ٢١٢/١١، ٢٠٩
(٢) نزل الأبرار لصديق حسن خان ص ١٠ (بيانات النشر غير
متوفرة).
(٣) مدارج السالكين لابن القيم ٤٢٤/٢، ٤٢٥
- ٢٢٢ -
١

ذِكْر ٣
على الله من عباده، فقال النبي ◌َّر: ((لا تقولوا
السلام على الله فإن الله هو السلام)»
ولكن قولوا: ((التحيات لله والصلوات
والطيبات ... ))(١) فإن السلام إنما يطلب لمن
يحتاج إليه، والله هو السلام، فالسلام يطلب
منه ولا يطلب له، بل يثنى عليه به نحو ((اللهم
أنت السلام ومنك السلام)). (٢)
وقد يحرم الذكر في أحوال خاصة كالذكر في
حال خطبة الجمعة . (٣) وتفصيله في مصطلح :
(صلاة الجمعة).
وقد یکون الذکر مکروها وذلك في أحوال
خاصة يرد ذكرها أثناء البحث.
فضائل الذكر وفوائده :
٣ - تتبین منزلة الذکر بین شعائر الدين بوجوه
كثيرة منها مايلي :
الأول: أن الذكر بالمعنى الشامل لتلاوة
كتاب الله تعالى هو أفضل الأعمال على
الإِطلاق، ونقل ابن علان عن شرح المشكاة
لابن حجر أن قضية كلام الشافعية أن الجهاد
(١) حديث: ((لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام))
أخرجه البخاري (الفتح ٢/ ٣٢٠ - ط السلفية) من حديث
عبدالله بن مسعود.
(٢) حديث: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام)). أخرجه
مسلم (١ / ٤١٤ - ط الحلبي) من حديث ثوبان .
(٣) مجموع الفتاوى الكبرى لابن تيمية ١٠/ ٥٥٣ ومابعدها.
ط الرياض، وجواهر الإكليل ٩٨/١
أفضل من الذكر. (١) ووجه الأول ما في حديث
أبي الدرداء مرفوعا ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم
وأزكاها عند ملیککم وأرفعها في درجاتكم،
وخيرلكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير
لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم
ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر
الله))(٢) قال صاحب نزل الأبرار: أفاد الحديث
أن الذكر خير الأعمال على العموم، وأنه أكثرها
نماء وبركة وأرفعها درجة .
ومثله حدیث «الغازي في سبيل الله لوضرب
بسيفه في الكفار حتی ینکسر ویختضب دما لكان
الذاكرون الله أفضل منه درجة»(٣) واستشكل
بعض العلماء تفضيل الذكر على الجهاد مع
ورود الأدلة الصحيحة أنه أفضل الأعمال، (٤)
وجمع بعض أهل العلم بين ذلك بأنه باعتبار
الأشخاص والأحوال فمن كان مطبقا للجهاد
قوي الأثر فيه فأفضل أعماله الجهاد، ومن كان
كثير المال فأفضل أعماله الصدقة، وغیرهذین
(١) الفتوحات الربانية ١/ ٢٦١، ونزل الأبرار لصديق حسن
خان ص١٥، وشرح الإِحياء للزبيدي ٤/١٠
(٢) حديث: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم ... )) أخرجه الترمذي
(٤٥٩/٥ - ط الحلبي) والحاكم (٤٩٦/١ - ط دائرة
المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) حديث: ((الغازي في سبيل الله لو ضرب بسيفه ... ))
أخرجه الترمذي (٤٥٨/٥ - ط الحلبي) من حديث أبي
سعيد الخدري، وأعله الترمذي بقوله: ((هذا حديث
غریب».
(٤) نزل الأبرار ص ١٤ - ١٦
- ٢٢٣ -

ذكر ٣
أفضل أعماله الذكر والصلاة ونحو ذلك. قال
الشوكاني: ولکن یدفع هذا تصريحه ێ بأفضلية
الذكر على الجهاد نفسه في هذه الأحاديث.(١)
وجمع ابن حجر بأن المراد بالذكر الذي هو
أفضل من الجهاد، الذکر الکامل الجامع بین ذکر
اللسان وذكر القلب بالتفكر والاستحضار،
فالذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل
الكفار من غير استحضار لذلك، وأفضلية
الجهاد هي بالنسبة للذكر اللساني المجرد. ونقل
عن ابن العربي أن وجه الجمع أنه ما من عمل
صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه، فمن لم
يذكر الله بقلبه فليس عمله كاملا، فصار الذكر
أفضل الأعمال من هذه الحيثية. (٢)
وأفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرا لله
تعالى، فأفضل المصلين أكثرهم ذكرا لله،
وأفضل الصائمين أكثرهم في صومهم ذكرا لله،
وكذا الحجاج والعمار، (٣) قال رسول الله اليه
((سبق المفردون، قالوا ومن المفردون
يارسول الله، قال: الذاکرون الله كثيرا
والذاكرات))(٤) وذم الله تعالى المنافقين بقلة
(١) تحفة الذاكرين للشوكاني شرح عدة الحصن الحصين
للجزري ص١٠، دار الكتاب العربي.
(٢) فتح الباري ٢١٠/١١
(٣) نزل الأبرار ص٢٧ - ٢٩، وانظر مدارج السالكين
٤٢٦/٢
(٤) حديث: ((سبق المفردون ... )) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٦٢
- ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
الذكر في صلاتهم، قال تعالى: ﴿وإذا قاموا إلى
الصلاة قاموا کسالی یراؤون الناس ولا یذکرون
الله إلا قليلا﴾.(١)
الثاني: أن جميع العبادات إنما شرعت لإقامة
ذكر الله تعالى(٢) من ذلك قول الله تعالى في
شأن الصلاة ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾، (٣)
وقول النبي ◌َّ في المساجد ((إنما هي لذكر الله
عز وجل والصلاة وقراءة القرآن)). (٤)
الثالث: أن الله تعالى مع الذاكرين بالقرب
والولاية والنصر والمحبة والتوفيق، وأنه يذكر من
ذكره، ومن نسي الله نسيه وأنساه نفسه . (٥)
قال الله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم
واشكروا لي ولا تكفرون﴾. (٦) وقال:
﴿نسوا الله فنسيهم﴾(٧) وفي الحديث عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله محله: ((يقول الله
تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا
ذکرني، فإن ذكر ني في نفسه ذكرته في نفسي،
وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)). (٨)
(١) سورة النساء/ ١٤٢
(٢) نزل الأبرار ص٢٧
(٣) سورة طه / ١٤
(٤) حديث: ((إنما هي لذكر الله والصلاة وتلاوة القرآن)).
أخرجه مسلم (١/ ٢٣٧ - ط الحلبي) من حديث أنس ابن
مالك.
(٥) نزل الأبرار ص١٢، ٢٦
(٦) سورة البقرة/ ١٥٢
(٧) سورة التوبة/ ٦٧
(٨) حديث: ((يقول الله أنا عند ظن عبدي بي ... )) أخرجه=
- ٢٢٤ -
ہے.

ذِكْر ٣
)
الرابع: أن ذكر الله تعالى يحصن الذاكر من
وسوسة الشيطان ومن أذاه،(١) قال الله تعالی :
﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان
تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ . (٢)
وعن ابن عباس قال: ما من مولود إلا على
قلبه الوسواس، فإذا عقل فذكر الله خنس، وإذا
غفل وسوس. (٣).
الخامس: ما في الذكر من الأجر العظيم،
ومن ذلك ما في الحدیث ((ألا أحدثكم شیئا
تدرکون به من سبقکم، وتسبقون به من بعدکم
ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل
ما صنعتم، قالوا بلى يارسول الله. قال:
تسبحون وتحمدون وتکبرون خلف کل صلاة
ثلاثا وثلاثين)) . (٤)
السادس: أن الذكر يكسو الذاكرين الجلالة
= البخاري (الفتح ٣٨٤/١٣ - ط السلفية)، ومسلم
(٢٠٦١/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(١) نزل الأبرار ص٢٣، وتحفة الذاکرین ص١٤
(٢) سورة الأعراف/ ٢٠١
(٣) حديث: ((ما من مولود إلا على قلبه الوسواس». أخرجه
ابن جرير في تفسیرہ (٣٥٥/٣٠ - ط الحلبي)، وضعفه ابن
حجر في فتح الباري (٧٤١/٨ - ط السلفية)، وعلقه
البخاري بلفظ مقارب، ورجح ابن حجر أن الأولى ورود
صيغة التضعيف من البخاري.
(٤) حديث: ((ألا أحدثكم شيئا ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٣٢٥/١١ - ط السلفية)، ومسلم (٤١٦/١ - ٤١٧ - ط
الحلبي) من حديث أبي هريرة.
والمهابة ويورثهم محبة الله التي هي روح
الإِسلام، ويحيي عندهم المراقبة له والإِنابة إليه
والهيبة له وتتنزل السكينة . (١)
وفي الذكر حياة قلب الذاکر ولينه، وزوال
قسوته، وفيه شفاء القلب من أدواء الغفلة وحب
المعاصي، ويعين الإِنسان على ما سواه من
الطاعات، وييسر أمرها، فإنه يجببها إلى
الإِنسان ويلذها له، فلا يجد لها من الكلفة
والمشقة ما يجده الغافل.
وفي الصحیح مرفوعا «مثل الذي يذكر ربه
والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت)). (٢)
ومعني الحدیث أن التارك للذکر وإن کان في
حياة ذاتية فليس لحياته اعتبار، بل هو شبيه
بالأموات حسا الذین أجسادهم عرضة للهوام،
وبواطنهم متعطلة عن الإدراك والفهم. (٣)
السابع: أن الذكر أيسر العبادات مع كونه
أجلها وأفضلها وأكرمها على الله تعالى، فإن
حركة اللسان أخف حركات الجوارح، فبه
يحصل الفضل للذاكر وهو قاعد على فراشه وفي
سوقه، وفي حال صحته وسقمه، وفي حال
نعيمه ولذته، ومعاشه، وقيامه، وقعوده،
واضطجاعه، وسفره، وإقامته، فليس شيء
(١) نزل الأبرار ص٢٢
(٢) حديث: ((مثل الذي يذكر ربه ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٢٠٨/١١ - ط السلفية) من حديث أبي موسى.
(٣) تحفة الذاكرين ص١١ والفتوحات الربانية ٢١٩/١
- ٢٢٥ -

ذكر ٤
من الأعمال الصالحة يعم الأوقات والأحوال
مثله .(١)
هذا ويأتي قريبا بعض ما ورد في التسبيح
والتحميد، وسائر أنواع الذكر من الفضل نوعا
نوعا.
ما یکون به الذکر :
٤ - الذكر يكون باللسان وبالقلب. والمراد
بالذكر باللسان أن يتحرك به اللسان ويسمع
نفسه على الأقل إن کان ذا سمع، ولم يكن
هناك لغط يمنع السماع.
وذكر اللسان على الوجه المبین یتأدی به الذکر
المكلف به في الصلاة ونحوها، ولا يجزىء في
ذلك مجرد إمرار الذكر المطلوب على القلب.
قال الفقهاء: وذلك معلوم من أقوالهێ أن من
قال كذا فله من الأجر كذا. فلا يحصل ذلك إلا
بما يصدق عليه القول.
وقد اتفق العلماء على أن الذكر باللسان
وبالقلب جميعا أفضل من الذكر باللسان وحده
دون مواطأة القلب أي مع عدم إجرائه على
القلب تسبيحا كان أو تهليلا أو غيرهما، وأفضل
من إمرار الذكر على القلب دون نطق باللسان.
أما في حال انفراد أحد الذکرین عن الآخر
فقد اختلف أيهما أفضل.
(١) نزل الأبرار ص ٢٤ - ٢٥
فقيل: ذكر القلب أفضل، وإليه ذهب
النووي في أذكاره وابن تيمية وابن حجر الهيتمي
في شرح المشكاة، وقيل: لا ثواب في الذكر
بالقلب وحده نقله الهيتمي عن عیاض
والبلقيني، وقيل: ذكر اللسان مع الغفلة عن
المعنى يحصل به الثواب وهو أفضل من الذكر
بالقلب وحده، لأن في ذكر اللسان امتثالا لأمر
الشرع من حيث الذكر، لأن ما تعبدنا به
لا يحصل إلا بالتلفظ به بحيث يسمع نفسه،
بخلاف الذكر بالقلب وحده فلا يحصل به
الامتثال .
وهذا كله في الذكر القلبي بالمعنى المبين، أما
الذكر القلبي بمعنى تذكر عظمة الله عند أوامره
ونواهيه وإرادة الفعل الذي فيه رضاه فيفعله، أو
الذي فيه سخطه فيتركه، والتفكر في عظمة الله
وجبروته وآياته في أرضه وسماواته ومصنوعاته
فقال عياض: هذا النوع لا يقاربه ذكر اللسان،
فكيف يفضله. (١) وفي الحديث ((خير الذكر
الخفي)».(٢)
(١) الفتوحات الربانية ١٠٦/١ - ١٠٨، ونزل الأبرار
ص١١، ومدارج السالكين ٢/ ٤٣١، ومختصر الفتاوى
المصرية ص٤٤ مطبعة أنصار السنة المحمدية.
(٢) حديث: ((خير الذكر الخفي). أخرجه أحمد (١/ ١٧٢ ـ ط
الميمنية) من حديث سعد بن أبي وقاص، وفي إسناده
انقطاع بين سعد والراوي عنه وهو محمد بن عبد الرحمن بن
لبیة کما في ترجمته من التھذیب لابن حجر (٣٠١/٩ - ط
دائرة المعارف العثمانية).
- ٢٢٦ -

ذكر ٥ -٧
صيغ الذكر :
٥ - الأذكار القولية قسمان: أذكار مأثورة، وهي
ما ورد عن النبي وسي﴿ تعليمها والأمر بها، أوورد
عنه قولها في مناسبة خاصة أو في غير مناسبة
ومن قبيل الذكر المأثور الأذكار القرآنية كذكر
ركوب الدابة في قوله تعالى: ﴿لتستووا على
ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه
وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له
مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾. (١)
القسم الأول: الأذكار المأثورة:
٦ - الأذكار الواردة في الكتاب والسنة كثيرة
أفردها كثير من العلماء بالتأليف منهم النووي
وابن الجزري وغيرهما. والقرآن وإن كان كله
ذكرا بالمعنى الأعم للذكر إلا أن فيه مما يتعلق
بتعظيم الله تعالى والثناء عليه - وهو الذكر
بالمعنى الأخص ـ الشيء الكثير الطيب. وقد
جمع النووي في أذكاره جملا من ذلك، وكذا
الشیخ صديق حسن خان في باب الدعوات
القرآنية من کتابه .(٢)
فمن ذلك أمره تعالى لنا بالاستعاذة عند
قراءة القرآن بقوله: ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ
بالله من الشيطان الرجيم﴾. (٣)
(١) سورة الزخرف / ١٣، ١٤
(٢) نزل الأبرار ص١٤٦ - ١٥٨، والقليوبي ١ /٦٥
(٣) سورة النحل / ٩٨
وأما المأثورات عن النبي ◌َّ فكثيرة وسيأتي
في أثناء البحث جملة منها.
ثم المأثورات عنه # منها ما ورد أنه كان
يقوله مطلقا أو لسبب، ومنها ما ورد أنه أمر به
مطلقا أو لسبب، فيتبع بحسب ذلك.
وفيما يلي من الأذكار المأثورات أنواع خصت
بمزید توکید :
التهليل :
٧ - وهو قول (لا إله إلا الله)(١) ومعناها نفي
الألوهية عن كل شيء وكل أحد، وإثبات
استحقاقها الله تعالی وحده، فلا رب غيره
ولا یعبد سواه .
وتسمى هذه الكلمة كلمة التوحيد، فإنها
تدل على نفي الشريك على الإطلاق. وتسمى
أيضا كلمة الإِخلاص. (٢)
وكلمة التوحيد خلاصة دعوة الرسل، كما
قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول
إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾(٣)
ولا يصح الإِيمان للقادر إلا بالنطق بها مع
التصديق بمعناها بالجنان، وقيل: يحصل
بالتصديق بها، وهو عاص بترك اللفظ،
(١) فتح الباري ١١/ ٢٠١
(٢) الفتوحات الربانية ٢١٣/١ - ٢١٧، وفتح الباري
٢٠٣/١١
(٣) سورة الأنبياء/ ٢٥
- ٢٢٧ -

ذکر ٧ -٨
والجمهور على الأول. (١)
ومن شهد بها وبرسالة محمدټ دخل في
الإِسلام حكما (ر: إسلام)، وقد جعلت
الشهادتان جزءا من الأذان، وهما ذكر من أذكار
الصلاة واجب، وقيل: سنة (ر: أذان،
وتشهد) .
وفضل التهليل عظيم، وورد في ذلك قول
النبي ◌ُلر: ((إن الله قد حرم على النار من قال
لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله))(٢) وقوله:
((أفضل الذكر لا إله إلا الله)). (٣)
والتهليل مستحب في كل وقت وحال، وورد
في السنة الأمر به في مواضع منها:
عند دخول السوق، لحديث: ((من دخل
السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي
لا یموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير،
كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحاعنه ألف
ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة)). (٤)
(١) الفتوحات الربانية ١٨٤/١، ٢١٣
(٢) حديث: ((إن الله قد حرم على النار ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٥١٩/١ - ط السلفية)، ومسلم (٤٥٦/١ - ط
الحلبي) من حديث عتبان بن مالك.
(٣) حديث: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)) أخرجه الترمذي
(٤٦٢/٥ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبدالله، وقال:
«حدیث حسن).
(٤) حديث: ((من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله
وحده ... )) أخرجه الترمذي (٤٩١/٥ - ط الحلبي) من
حديث عمر بن الخطاب، وقال الترمذي: ((هذا حديث
غریب».
ومنها إذا أصبح الإِنسان وإذا أمسى، بعد
صلاة الصبح وصلاة المغرب ويأتي بيان ذلك،
ومنها إذا سبق لسانه بالحلف بغير الله، كما قال
النبي وي ليه ((من حلف فقال في حلفه واللات
والعزى فليقل لا إله إلا الله)). (١)
التسبيح :
٨ - وهو قول ((سبحان الله)). ومعناه أن القائل
ينزه الله تعالى تنزيها عن كل نقص، ومنه نفي
الشريك والصاحبة والولد وجميع النقص. (٢)
وقد روي في حديث موسى بن طلحة مرسلا أن
النبي ◌َ ﴿﴿ قال - في قول العبد سبحان الله -:
(«تنزيه الله من السوء)). (٣)
وقد أمر الله تعالی بالتسبيح مطلقا كما في قوله
تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾(٤) وقوله:
(١) حديث: ((من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى
فليقل ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٦١١/٨ - ط
السلفية)، ومسلم (١٢٦٧/٣ - ١٢٦٨ - ط الحلبي) من
حديث أبي هريرة
(٢) الفتوحات الربانية ١٧٨/١ وفتح الباري ٢٠٦/١١
وفتاوى ابن تيمية ٢٤٨/١٠
(٣) حديث موسى بن طلحة: ((تنزيه الله من السوء)) أخرجه
البيهقي في الأسماء والصفات (٧٦/١ - ط دار الكتاب
العربي)، وهو مرسل لأن موسی تابعي، ووصله البزار من
حديث طلحة بن عبيدالله كما في ((مجمع الزوائد)) (١٠/ ٩٤
- ٩٥ - ط القدسي) وقال الهيثمي: «فيه عبدالرحمن بن حماد
الطلحي، وهو ضعيف)).
(٤) سورة الواقعة / ٧٤
- ٢٢٨ -

ذكر ٨
﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح
بحمده﴾ .(١)
والأكثر قرن التسبيح باسم دال على
التعظیم، أو بالحمد، ووجهه أن التسبيح تنزيه
وتخلية فهو من باب السلب، والحمد ثناء
بصفات الكمال فهو من باب الإِيجاب، (٢) ولذا
قال الله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك
العظيم﴾(٣) و﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ (٤)
وقال ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح
بحمده﴾(٥) وقال ﴿وإن من شيء إلا يسبح
بحمده﴾ . (٦)
وفضل التسبيح عظيم كما قال النبي قال :
((كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في
الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله
وبحمده، سبحان الله العظيم)). (٧)
وورد الأمر بالتسبيح في القرآن ﴿حين تمسون
وحين تصبحون﴾، (٨) و﴿بكرة وأصيلا﴾(٩)
(١) سورة الفرقان / ٥٨
(٢) الفتوحات الربانية ١٧٩/١، وفتاوى ابن تيمية
١٠ / ٢٥٠، ٢٥١
(٣) سورة الواقعة / ٧٤
(٤) سورة الأعلى / ١
(٥) سورة الفرقان/٥٨
(٦) سورة الإسراء/ ٤٤
(٧) حديث: ((كلمتان خفيفتان على اللسان ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٥٦٦/١١ - ط السلفية)، ومسلم
(٢٠٧٢/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٨) سورة الروم/ ١٧
(٩) سورة الأحزاب/ ٤٢
﴿وسبح بحمد ربك حين تقوم. ومن الليل
فسبحه وإدبار النجوم﴾ . (١)
وفي السنة في مواضع منها دعاء الاستفتاح
((سبحانك اللهم وبحمدك ... )) الخ. (٢)
والأمر بالتسبيح في الركوع ((سبحان ربي
العظيم)» وفي السجود ((بسبحان ربي
الأعلى))(٣) وورد الأمر بفعله بعد الصلاة.
وجعل التسبيح لمن في الصلاة إذا نابه أمر
تنبيها لغيره، وأمر به وعند سماع الرعد.
وكذا إن حكى نسبة ما فيه نقص إلى الله
تعالى وتقدس، کما قال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ
الله ولدا سبحانه﴾(٤) أو سمع ذلك، أو سمع
ما یتعجب منه كما في حديث أبي هريرة أنه كان
جنبا ورأى النبي صل﴿ فانخنس، فقال النبي أكثر:
(١) سورة الطور/ ٤٨، ٤٩
(٢) دعاء الاستفتاح: ((سبحانك اللهم وبحمدك)). أخرجه
أبو داود (١ / ٤٩١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم
(٢٣٥/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) الأمر بالتسبيح في الركوع بـ (سبحان ربي العظيم) ..
أخرجه أبو داود (٥٤٢/١ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
والحاكم (٢٢٥/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
عقبة بن عامر، وقال الذهبي عن أحد رواته: قلت: إیاس
لیس بالمعروف. وقال أخرى: «ليس بالقوي» کما في
التهذيب لابن حجر (٣٨٩/١ - ط دائرة المعارف
العثمانية).
(٤) سورة البقرة/ ١١٦
- ٢٢٩ -

ذِكْر ٩
((سبحان الله إن المؤمن لا ينجس)). (١)
وفي أكثر هذه المسائل تفصيل ينظر في
مصطلح : (تسبيح).
التحميد :
٩ - ويسمى أيضا الحمدلة، وهو قول:
الحمد لله، نطقا. ومعنى كون الحمد لله : أن
كل حمد، أو حقيقة الحمد، أو الحمد المعهود،
أي الذي حمد الله به نفسه وحمده به أنبيائه
وأولیاؤه، مملوك أو مستحق له، فحمد غيره
لا اعتداد به، لأن كل النعم منه تعالى، وفي
الحديث ((اللهم لك الحمد كله)). (٢) وهذا
يرجح أن المعنى الاستغراق وهو قول
.. (٣)
الجمهور.
وحقيقة الحمد: الثناء باللسان على الجميل
الاختیاري علی قصد التبجیل، وبهذا فارق
المدح، فإن المدح الثناء باللسان على الجميل
الاختياري وغيره. (٤) وقيل الحمد الوصف
(١) حديث: ((سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس)). أخرجه
البخاري (الفتح ٣٩٠/١ - ط السلفية) من حديث
أبي هريرة.
(٢) حديث: ((اللهم لك الحمد كله)). أخرجه البيهقي کما في
الترغيب للمنذري (٤٤١/٢ - ط الحلبي) من حديث
أبي سعيد الخدري، وصدره المنذري بصيغة التضعيف.
(٣) الفتوحات الربانية ١٨٤/١، ونزل الأبرار ص١٥٨
(٤) نزل الأبرار ص١٥٨، والقليوبي على شرح المنهاج ١/ ٤،
والفتوحات الربانية ٣/ ١٨٥
بالجمیل اختياريا كان أو غيره بقصد الثناء، (١)
وهذا أصح. وقيل الحمد في العرف يكون
بالقول وبالفعل أيضا. (٢)
ومعنى الشكر قريب من معنى الحمد إلا أنه
كما قال الزمخشري أعم موردا، أي لأن الشكر
يكون باللسان والقلب والجوارح، والحمد
باللسان فقط، والحمد أعم متعلقا، لأن الشكر
لا يكون إلا في مقابلة نعمة، والحمد يكون في
مقابلة نعمة ويكون لمجرد اتصاف المحمود
بالجمیل.
قال ابن القيم: والتمجيد أخص من
التحمید، فإن التمجید: المدح بصفات الجلال
والملك والسؤدد والكبرياء والعظمة. (٣)
والذکر بحمد الله وتمجيده وشكره مأمور به
في الكتاب والسنة، وفضله کبیر، قال الله تعالی
﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا
تكفرون﴾ (٤) وقال ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم
لأزيدنكم﴾(٥) وقال النبي مير للأسود بن
سريع: ((إن ربك يجب الحمد))(٦) وقال:
(١) القليوبي على شرح المنهاج ٤/١
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٠
(٣) نزل الأبرار ص١٥٨، ١٥٩ ولسان العرب، ومختصر
الفتاوى المصرية لابن تيمية ص٩٤
(٤) سورة البقرة/ ١٥٢
(٥) سورة إبراهيم/ ٧
(٦) حديث: ((إن ربك يحب الحمد)). أخرجه أحمد (٤٣٥/٣=
- ٢٣٠ -

ذِكْر ١٠
((الحمد لله تملأ الميزان)). (١)
وتسن الحمدله في ابتداء کل عمل ذي بال،
في خطبة الجمعة وخطبة النكاح، والخطبة عند
عقده، وفي التدريس، والتصنيف، وغير
ذلك، وبعد الأكل أو الشرب وعند العطاس،
وعند الخروج من الخلاء، وفي افتتاح الدعاء
واختتامه وعند حصول النعم أو اندفاع المكروه
ويسن لمن أصابته مصيبة أن يقول: (الحمد لله
على كل حال). (٢) واستيفاؤه في مصطلح:
(تحمید).
التكبير :
١٠ - وهو لغة التعظيم، وشرعا قول:
(الله أكبر).
وورد الأمر به مطلقا في قوله تعالى : ﴿وربك
فكبر﴾(٣) وقوله: ﴿وكبره تكبيرا﴾ (٤) وقوله
﴿ولتكبروا الله على ماهداكم﴾، (٥) وفي السنة
= - ط اليمنية)، وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٦٦ - ط
القدسي) وقال: ((رواه أحمد والطبراني بنحوه ورجالهما
ثقات، وفي بعضهم خلاف».
(١) حديث: ((الحمد لله تملأ الميزان). أخرجه مسلم (٢٠٣/١
- ط الحلبي) من حديث أبي مالك الأشعري.
(٢) الفتوحات الربانية ٢٨٥/٣ - ٢٩٥، ونزل الأبرار
ص١٥٨
(٣) سورة المدثر/ ٣
(٤) سورة الإِسراء/ ١١١
(٥) سورة البقرة/ ١٨٥
قال النبي ◌َّلير: ((كل تكبيرة صدقة)). (١)
وورد الأمربه في مواضع، منها في الأذان
والإِقامة، ومنها تكبيرة الإِحرام بالصلاة
وتکبیرات الانتقال فیھا، والتکبیرفي العیدین في
الخطبة والصلاة، والتكبير في صلاة الجنازة،
وعند الشافعية والحنابلة يكبر في صلاة
الاستسقاء.
ويسن التكبير عقب الصلاة المكتوبة، وعند
تمام الصوم حتى يصلي العيد، وفي يوم عيد
الفطر وأيام التشريق، ويكبر الحاج والمعتمر عند
ابتداء طوافه، وعند ابتداء سعيه، وفي أثناء
الوقوف بعرفة. ويكبر الذابح والصائد مع
التسمية، ويسن التكبير عند رؤية الهلال،
ويسن للمسافر إذا علا شرفا أوركب دابة أو نحو
ذلك. (٢)
وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح : (تكبير).
وورد في فضله أحاديث منها قول النبي قال :
((أحب الكلام إلى الله أربع)) فذكر منهن
التکبیر. (٣)
(١) حديث: ((کل تكبيرة صدقة)) أخرجه مسلم (١/ ٤٩٩ - ط
الحلبي) من حديث أبي ذر.
(٢) فتاوى ابن تيمية ١٩٦/١٠
(٣) حديث: ((أحب الكلام إلى اله أربع)). أخرجه مسلم
(١٦٨٥/٣ - ط الحلبي) من حديث سمرة بن جندب
- ٢٣١ -

ذکر ١١ - ١٢
الحوقلة :
١١ - هي قول: (( لا حول ولا قوة إلا بالله)).
ومعناها على ما قال ابن حجر: لا تحويل
للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة
له على طاعة الله إلا بتوفيق الله، وفي الفتوحات
الربانية أن تفسيرها بذلك رواه البزار عن
ابن مسعود مرفوعا (١) وفي لفظه: بعون الله.
وقال النووي : هي استسلام وتفويض، وأن
العبد لا يملك من أمره شيئا، وليس له حيلة في
دفع شرولا قوة في جلب نفع، إلا بإرادة الله
تعالى وتوفيقه .
وورد في فضلها أن النبي ێ قال لأبي موسى
الأشعري: ((ياعبد الله بن قيس، ألا أعلمك
كلمة هي من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا
بالله)). (٢)
وورد الأمر بقولها مطلقا كما تقدم .
وورد الأمر بقولها في إجابة المؤذن عند قوله :
حي على الصلاة، وحي على الفلاح. (٣)
(١) حديث: ((تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله)). أورده الهيثمي
في مجمع الزوائد (٩٩/١٠ - ط القدسي) وقال: ((رواه
البزار بإسنادين أحدهما منقطع وفيه عبدالله بن خراش
والغالب عليه الضعف، والآخر متصل حسن)).
(٢) حديث: ((ياعبدالله بن قيس، ألا أعلمك كلمة ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ١١/ ٥٠٠ - ط السلفية)، ومسلم
(٢٠٧٦/٤ - ط الحلبي)
(٣) فتح الباري ١١/ ٥٠٠، ٥٠١ ك. القدر ب٧، وكشاف
القناع ٢٤٦/١، والفتوحات الربانية ٢٤١/١ - ٢٤٣
وورد في القرآن الأمر بها في قوله تعالى :
﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ماشاء الله لا قوة
إلا بالله﴾ . (١)
واستيفاء ذلك في مصطلح : (حوقلة).
الباقيات الصالحات :
١٢ - هذه الأنواع الخمسة المتقدمة من الأذكار
المأثورة ورد تسميتها ((الباقيات الصالحات))
وذلك في حديث أبي سعيد رضي الله عنه،
قال: قال رسول الله صلحه: ((استكثروا من
الباقيات الصالحات. قيل: وما هي
يارسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح
والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله))(٢) وفي
حديث أبي الدرداء مرفوعا ((قل سبحان الله
والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول
ولا قوة إلا بالله وهن يحططن الخطايا كما تحط
الشجرة ورقها، وهن من كنوز الجنة)). وفي لفظ
((خذهن قبل أن يحال بينك وبينهن)). (٣)
وورد في فضل الأربع الأوَل منهن أحاديث
(١) سورة الكهف/ ٣٩
(٢) حديث: ((استكثروا من الباقيات الصالحات)). أخرجه
أحمد (٧٥/٣ - ط اليمنية)، وفي إسناده راو ضعفه الذهبي
في الميزان (٢٤/٢ - ٢٥ - ط الحلبي).
(٣) حديث: ((قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله)). أورده
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠/ ٩٠ - ط القدسي) وقال:
رواه الطبراني بإسنادین في أحدهما عمر بن راشد اليامي،
وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح)).
- ٢٣٢ -

ذکر ١٣ - ١٤
جامعة، منها أنهن ((أحب الكلام إلى الله))(١)
ومنها حديث سمرة مرفوعا ((هن أفضل
الكلام بعد القرآن، وهن من القرآن، لا يضرك
بأيهن بدأت))(٢) وأنهن «أحب إليه ◌َ الز مما طلعت
عليه الشمس)). (٣) و((أن الله اصطفى من
الكلام أربعا)»(٤) فذكرهن. (٥)
وورد الأمر بقولهن بعد السلام من الصلاة،
ويأتي صيغة ذلك.
الاسترجاع :
١٣ - هو قول («إنا لله وإنا إليه راجعون).
ومعنى ((إنا لله)) إقرار قائلها أننا نحن وأهلنا
وأموالنا عبيد لله يصنع فينا ما يشاء. ومعنى
((وإنا إليه راجعون)) إقرار قائلها على نفسه
بالهلاك ثم بالبعث والنشور إلی انفراد الله تعالی
بالحکم کما كان أول مرة.
(١) حديث: ((أحب الكلام إلى الله ... )) أخرجه مسلم
(١٦٨٥/٣ - ط الحلبي).
(٢) حديث سمرة: ((هي أفضل الكلام بعد القرآن)). أخرجه
أحمد (٥/ ٢٠ - ط الميمنية)، وإسناده صحيح.
(٣) حديث: ((أنهن أحب إليه ) مما طلعت عليه الشمس)).
أخرجه مسلم (٢٠٧٢/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي
هريرة.
(٤) حديث: ((إن الله اصطفى من الكلام أربعا)). أخرجه أحمد
(٣٠٢/٢ - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد
معا، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨٧/١٠ - ط
القدسي) وقال: ((رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال
الصحیح).
(٥) تحفة الذاکرین ص٢٤٣ - ٢٤٨
وورد الأمر بقولها عند المصيبة مطلقا، صغيرة
كانت أو كبيرة فإنها تسهل على الإِنسان فقد
ما فقد، قال تعالى : ﴿وبشر الصابرين الذين
إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه
راجعون﴾(١) وورد في السنة الأمر بها لمن مات له
ميت، أوبلغه وفاة صديقه، (٢) ويأتي إن
شاء الله بیان بعض ذلك .
التسمية :
١٤ - وهي قول (بسم الله) أو (بسم الله الرحمن
الرحيم).
يقال: سميت الله تعالى أي قلت بسم الله،
ويقال أيضا: بسملت، والمصدر البسملة.
ومعناها: أبتدىء هذا الفعل أو هذا القول
مستعينا بالله على إتمامه، أو متبركا بذكر اسمه
تعالى .
وقد افتتح الله بها فاتحة کتابه وجميع سوره
ما عدا سورة براءة. وورد الأمر بقولها في ابتداء
الوضوء، وعند الغسل، ودخول المسجد أو
الخروج منه، وعلى الذبح، وإرسال النصل أو
الجارحة على الصيد، وعلى الأكل أو الشرب أو
الجماع، وكذا عند دخول الخلاء. (٣) وينظر
(١) سورة البقرة/ ١٥٥، ١٥٦
(٢) الأذكار النووية والفتوحات الربانية ٢٩/٤، ١٢٠ - ١٢٤
و٢٩٦/٣
(٣) تفسير ابن كثير ١/ ١٨ القاهرة، عيسى الحلبي، وتفسير
الرازي ١٠٢/١، ١٠٣
- ٢٣٣ -

زکر ١٥ - ١٦
تفصيل القول في كل شيء من ذلك في موضعه،
و(ر: تسمية).
قول ما شاء الله :
١٥ - ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿ولولا إذ
دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا
بالله﴾(١) قال القرطبي : أي هذه الجنة هي
ما شاء الله. وقال الزجاج والفراء: تقديره:
الأمر ما شاء الله .
وفي حديث أنس قال النبي وَله: ((من رأى
شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم
يضره العين))(٢) وقالت عائشة رضي الله عنها:
((إذا خرج الرجل من منزله فقال: بسم الله قال
الملك: هديت، وإذا قال: ما شاء الله قال:
كفيت، وإذا قال: لا قوة إلا بالله قال الملك:
وقیت)).
قال أشهب: قال مالك: ينبغي لكل من
دخل منزله أن يقول هذا. يعني ما ورد في
الآية. (٣)
(١) سورة الكهف/ ٣٩
(٢) حديث: ((من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله))
أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص١٠٦ - ط دار
البیان)، وفي إسناده، أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف کما في
((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٤٩٧/٤ - ط الحليي)
(٣) تفسير القرطبي ١٠/ ٤٠٦، ٤٠٧
الصلاة على النبي لة :
١٦ - وهي قول ((صلى الله على محمد وسلم)) أو
نحوها مما يفيد سؤال الله تعالى أن يصلي على
رسوله ويسلم عليه .
وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك في قوله
تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي
يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾(١)
وقال النبي وَل جر («لا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا
علي فإن صلاتكم تبلغني حیث کنتم)). (٢) ومن
الصيغ الواردة ما ورد في حديث أبي مسعود
الأنصاري أن بشيربن سعد قال للنبي تقليد :
أمرنا الله أن نصلي عليك يارسول الله، فكيف
نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على
محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل
إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما
باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد
مجید». (٣)
والصلاة من الله تعالى على عبده ثناؤه
عليه، وقيل: رحمته له، وصلاة الملائكة والعباد
عليه دعاء بالرحمة مقرون بالتعظيم . (٤)
(١) سورة الأحزاب / ٥٦
(٢) حديث: (( لا تجعلوا قبري عيدا ... )) أخرجه أبوداود
(٥٣٤/٢- تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي
هريرة، وصححه النووي في الأذكار (ص٢٠٦ - ط دار ابن
کثیر)
(٣) حديث أبي مسعود الأنصاري في سؤال بشير بن سعد.
أخرجه مسلم (٣٠٥/١ - ط الحليبي).
(٤) الفتوحات الربانية ٢/ ٣٤٠، وتحفة الذاكرين ص٢٤
- ٢٣٤ -

ذکر ١٧ - ٢٠
وتفصيل ذلك في مصطلح: (الصلاة على
النبي ◌َ﴾).
التلبية :
١٧ - وهي قول ((لبيك اللهم لبيك)) وهي من
أذكار الحج والعمرة، ومعناها: أقيم على
إجابتك يارب إقامة بعد إقامة. وينظر تفصيل
أحكامها في مباحث الحج والعمرة.
الحسبلة :
١٨ - وهي قول ((حسبي الله)) ومعناه الاكتفاء
بدفاع الله وعونه عن دفاع غيره وعونه .
ويسن قولها لمن غلبه أمر،(١) لما في حديث
عوف بن مالك أن النبي ◌َ ﴾ قضى بين رجلين
فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم
الوكيل. فقال النبي وله: ((إن الله تعالى يلوم
على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك
أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل)). (٢)
أذكار مأثورة أخرى :
١٩ - وهناك أذكار أخرى مأثورة مرتبطة بأسباب
أو مطلقة يأتي بيان بعضها في البحث.
(١) أَذکار النووي، والفتوحات الربانية ٤/ ٢٥
(٢) حديث: ((إن الله يلوم على العجز)). أخرجه أبوداود
(٤ /٤٤ - ٤٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وفي إسناده
من فيه جهالة.
وقد جمعها كثيرمن العلماء كابن السني في
((عمل اليوم والليلة)) والنووي في ((الأذكار)) وابن
القيم في ((الوابل الصيب من الكلم الطيب))
وصديق حسن خان في ((نزل الأبرار)). ويعرض
لها الفقهاء في مواضع مختلفة من مباحث الفقه.
أفضل الأذكار :
٢٠ - قال النووي: القرآن أفضل الذكر. قال
القرطبي : لأنه مشتمل على جميع الذكر من
تذکیر وتهلیل وتحمید وتسبيح وتمجيد وعلی
الخوف والرجاء والدعاء والسؤال والأمر بالتفكر
والاعتبار وغير ذلك، فمن وقف على ذلك
وتدبره فقد حصّل أفضل العبادات، وهو قبل
ذلك كلام الله فلا يدانيه شيء.
ثم ذكر في أفضليته قيدا فقال: أفضل الذكر
القرآن لمن عمل به، ونقل ذلك عن سفيان
الثوري .
وفي الحديث القدسي: ((من شغله القرآن
عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي
السائلين)» وفضل كلام الله على سائر الكلام
كفضل الله على خلقه .(١)
واستدل ابن تيمية لكون القرآن أفضل من
سائر الذكر بتعينه في الصلاة، وبأنه لا يقربه
(١) حديث: ((من شغله القرآن عن مسألتي)). تقدم تخريجه في
(ف/ ١)
- ٢٣٥ -

ذكر ٢٠
جنب، ولا يمسه إلا الطاهر، بخلاف الذكر
والدعاء. (١)
ولا تختلف الأحاديث في أن أفضل الأذكار
بعد القرآن الكلمات الأربع ((سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).(٢) ورد
ذلك من حدیث سمرة بن جندب، وفي حديث
أبي هريرة أن النبي مُ الله قال: ((لأن أقولهن أحب
إليَّ مما طلعت عليه الشمس)). (٣) وورد ((أن
الله اصطفى من الكلام أربعا)). (٤) فذكرهن.
وهذل يدل على أن الذكر بهن أفضل منه
بغيرهن مما في القرآن، وهن كذلك أفضل من
سائر الأذكار المأثورة، فعن سمرة أن النبي قصير
قال: ((هن أفضل الكلام بعد القرآن، وهن من
القرآن، لا يضرك بأيهن بدأت)). (٥)
أما الأفضل من هذه الكلمات الأربع فهو
كلمة (لا إله إلا الله) صرح بذلك القرطبي
والطيبي، واستظهره ابن حجر، لما في الحديث:
(١) مختصر الفتاوى المصرية ص٩٧
(٢) حديث: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ... )).
تقدم تخريجه في (ف/ ١٢)
(٣) حديث: ((لأن أقولهن أحب إليّ مما طلعت ... )) تقدم
تخريجه في (ف/ ١٢)
(٤) حديث: ((إن الله اصطفى من الكلام أربعا ... )) تقدم
تخريجه في (ف/ ١٢)
(٥) حديث: ((هن أفضل الكلام بعد القرآن، وهن ... )) تقدم
تخريجه في (ف/ ١٢)
((أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا
والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك
له))(١)
والحديث الآخر القدسي ((لو أن السموات
والأرض وعامرهن غيري في كفة ولا إله إلا الله
في كفة مالت بهن لا إله إلا الله))(٢) والحديث
الآخر ((أفضل الذكر لا إله إلا الله))(٣) وفي
حديث ((هي أفضل الحسنات))(٤) ولأنها
مفتاح الإِسلام وبابه الذي لا يدخل إليه إلا
منه، وعموده الذي لا يقوم بغيره، وهي أحد
أركان الإسلام». (٥)
قال ابن حجر: ويعارض ذلك في الظاهر
(١) حديث: ((أفضل الدعاء يوم عرفة ... )) أخرجه مالك في
الموطأ (٢١٥/١ - ط الحلبي) من حديث طلحة بن عبيدالله.
مرسلا، ووصله الترمذي (٥/ ٥٧٢ - ط الحلبي) من
حديث عبدالله بن عمرو بن العاص بإسناد يشهد لإِسناد
الموطأ.
(٢) حديث: ((لو أن السموات والأرض ... )) أورده الهيثمي في
مجمع الزوائد (٨٢/١٠ - ط القدسي) وقال: «رواه أبو
يعلى، ورجاله وثقوا على ضعف فيهم)).
(٣) حديث: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله ... )) تقدم تخريجه في
(ف/ ٧)
(٤) حديث: ((هي أفضل الحسنات)). أخرجه أحمد (٥/ ١٦٩ -
ط اليمنية) من حديث أبي ذر، وفي إسناده جهالة.
(٥) التذكار في أفضل الأذكار للقرطبي ص٤٠، وفتح الباري
٢٠٧/١١، وتحفة الذاكرين ص٢٣٢، والفتوحات
الربانية ١٨١/١
- ٢٣٦ -

ذكر ٢١
حديث أبي ذر المرفوع: أن أحب الكلام
إلی الله سبحان الله وبحمده»(١) وجمع بین ذلك
بأوجه منها: أن أفضلیة سبحان الله وبحمده
لدخول معاني الكلمات الأربع تحتها إما
بالتصريح أو بالاستلزام فقد صرحت بالتنزيه
والتحمید، وإذا كان معناها تنزيهه تعالی عما
لا یلیق بجلاله اندرج فیه معنی لا إله إلا الله،
وإذا کان کل فضل وإفضال منه تعالی فلا شيء
أكبر منه، وأما أفضلية لا إله إلا الله فلذكر
الوحدانية صريحا . (٢)
وينبغي أن يعلم أن الذكر أفضل من الدعاء
من حيث الجملة، (٣) لحديث (من شغله القرآن
وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي
السائلين». (٤)
أفضل الأذكار من حیث الاشتغال بها:
٢١ - ما تقدم هو الأفضلية في الذكر المطلق:
أفضله الاشتغال بقراءة القرآن، فهي أفضل من
الاشتغال بالتهليل والتسبيح المطلق. ثم
الكلمات الأربع، ثم سائر أنواع الذكر، قال
(١) حديث: ((أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده)).
أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٩٤ - ط الحلبي).
(٢) الفتوحات الربانية ١/ ١٨١، وفتح الباري ٢٠٧/١١
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٢٧/١٠
(٤) حديث: ((من شغله القرآن وذكرى عن مسألتي
أعطيته ... ) تقدم تخريجه في ( ف١)
النووي : أما المأثور في وقت أو نحوه ۔ أي لسبب
- فالاشتغال به - أي في الوقت أو عند السبب -
أفضل اهـ. وهذا يقتضي أن الاشتغال
بالذكر المؤقت في وقته، والمقید بسبب عند
سببه، أفضل من الاشتغال بسائر المأثورات،
حتى من التسبيح والتكبير ونحوهما وحتى من
الاشتغال بقراءة القرآن. قال ابن علان: ما ورد
من الذکر مختصا بمكان أوزمان أو حال کأذكار
الطواف وليلة الجمعة وحال النوم فالاشتغال به
أفضل من الاشتغال بالتلاوة. (١) قال عمر بن
أبي سلمة: سألت الأوزاعي: قراءة القرآن
أعجب إليك أم الذكر؟ فقال: سل أبا محمد،
يعني سعيدا، أي ابن المسيب، فسألته فقال:
بل القرآن. فقال الأوزاعي: إنه ليس شيء
يعدل القرآن، ولکن إنما كان هدي من سلف
يذكرون الله تعالى قبل طلوع الشمس وقبل
الغروب. (٢) قال الشوكاني: وهكذا ما وردت به
السنة من الأذكار في الأوقات وعقيب الصلوات
فإنه ينبغي الاشتغال بما ورد عنهێ فإن إرشاده
إليه يدل على أنه أفضل من غيره. (٣) وصرح
بمثل ذلك العز بن عبدالسلام في قواعده وابن
تيمية في فتاویه. (٤) وفي مطالب أولي النهى
(١) الأذكار النووية والفتوحات الربانية ٢٢٧/٣، ٣٨٨/٤
(٢) التذكار في أفضل الأذكار ص٤٣
(٣) عدة الحصن الحصين ص٣٣
(٤) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢/ ١٧١ ومجموع فتاوى
ابن تيمية ٤٢٧/١٠
- ٢٣٧ -

ذکر ٢٢ - ٢٣
القرآن أفضل من سائر الذكر لكن الاشتغال
بالمأثور من الذكر في محله كأدبار الصلوات،
أفضل من تلاوة القرآن في ذلك المحل. (١)
وعلى هذا فالأفضل عند الأذان الاشتغال
بإجابته، وبعد الصلاة بالأذكار الواردة، وعند
الإفطار في رمضان الاشتغال بما ورد من الذكر،
وهكذا .
الذكر بغير المأثور :
أ - فى الأذكار المطلقة :
٢٢ - يجوز في الأذكار المطلقة الإِتيان بما هو
صحيح في نفسه مما يتضمن الثناء على الله
تعالى ولا يستلزم نقصا بوجه من الوجوه، وإن لم
تكن تلك الصيغة مأثورة عن النبي ◌َّار. وهذا
في الذكر المطلق موضع اتفاق.
ولا يدخل في المأثور في هذا الباب ما نقل عن
الصحابة رضي الله عنهم، على ما قاله ابن
علان من الشافعية، قال: لأن ما ورد عن
الصحابي مما للرأي فیه مدخل لا یکون له حکم
المرفوع. (٢) فيكون ما ورد من أذكار الصحابة
رضي الله عنهم مضموما إلى ما نقل من الأذكار
(١) مطالب أولي النهى ١/ ٦٠٣
(٢) الفتوحات الربانية ٣٨٨/٤ ١١٩/١
عن غيرهم في کونه من غیر المأثور، وإن كان فيما
نقل عنهم الكثير الطيب مما يحسن تعلمه
واستعماله .
والمشهور أن الاشتغال بالذكر المأثور أفضل
من الاشتغال بذكر يخترعه الإنسان من عند
نفسه. ووجه الأفضلية واضح وهوما فيه من
الاقتداء بالنبي ® وكونه أعلم بالله تعالى
وأسمائه وصفاته وأفعاله، وكونه أفصح العرب
وأعلمهم بمواقع الكلام، وكونه أوتي جوامع
الكلم، وأُمِدَّ بالتسديد الرباني، وكمال النصح
لأمته. (١)
وقال النووي : الخيروالفضل إنما هو في اتباع
المأثور في الكتاب والسنة وفیھما ما یکفي في سائر
الأوقات، وجرى على ذلك أصحابنا. وقال في
موضع: أوراد المشايخ وأحزابهم لا بأس
بالاشتغال بها .
ونقل ابن عابدين عن الهندية أنه ينبغي أن
يدعو في صلاته بدعاء محفوظ، وأما في غيرها
فينبغي أن يدعو بما يحضره. (٢)
ب - الذكر بغير المأثور في مناسبات معينة:
٢٣ - ما تقدم هو في الذكر المطلق، أما في
الأسباب والمناسبات المعينة :
أ - فإن كان في مثل تلك المناسبة ذكر مأثور فإن
(١) الفتوحات الربانية ١/ ١٧
(٢) رد المحتار ٣٥٢/٢
- ٢٣٨ -

ذکر ٢٣
التکلیف یتأدی به. فلو أتی بدله بذکر غیرمأثور
ففي المسألة تفصيل :
فما کان ركنا من أركان العبادة أو واجبا من
واجباتها لم یمکن إبداله، وذلك كأذكار الأذان،
وأذكار الصلاة التي لابد منها كالفاتحة، وتكبيرة
الإِحرام، والتشهد.
وما كان الإتيان به من الأذكار المأثورة مستحبا
أو جائزا ففي إبداله بغيره تفصيل :
فالأصل أن الإِتيان بالذكر المأثور أفضل،
وإن دعا وذکر بغيره مما یلیق فلا بأس.
فمن جملة ذلك الطواف، قال النووي : قال
أصحابنا: القراءة في الطواف أفضل من
الدعوات غير المأثورة وأما المأثورة فهي أفضل
من القراءة على الصحيح . (١)
ب - أما إن لم يكن في المناسبة المعينة ذكر وارد،
فذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينكر استعمال
ذكر مما يجب الإِنسان مما يليق بالمناسبة، أخذا
من إطلاق الأمر بالذكر والدعاء في النصوص
القرآنية والنبوية، دون أن يُدَّعى لذلك الذكر أو
الدعاء فضل أو خصوصية معينة.
ومن جملة ذلك التهنئة بالعيد وبدخول
الأعوام والأشهر، قال صاحب الدر: التهنئة
بالعيد بلفظ تقبل الله منا ومنكم لا تنكر. قال
ابن عابدين: إنما قال ذلك لأنه لم يحفظ فيه
شيء عن أبي حنيفة وأصحابه. قال: وفي
(١) أذكار النووي والفتوحات الربانية ٣٨٨/٤
القنية أنه لم ينقل فيها عن أصحابنا كراهة. قال
ابن عابدين: يمكن أن يلحق بذلك قوله: عيد
مبارك ونحوه .
ثم قال: على أنه قد ورد الدعاء بالبركة في
أمور شتى فيؤخذ منه استحباب الدعاء بهذا
أيضا. وعن الحافظ المقدسي : أن الناس لم
يزالوا مختلفين فيه والذي أراه أنه لا سنة فيه
ولا بدعة ا هـ. (١) وفي المغني: عن أحمد أنه
قال: لا أبتدىء به أحدا وإن قاله أحد رددت
عليه . (٢).
وعن مالك في مثل ((تقبل الله منا ومنك،
وغفر لنا ولك)) يوم العيد: قال: لا أعرفه
ولا أنکره. قال ابن حبيب: أي : لا يعرفه سنة
ولا ينكره على من يقوله لأنه قول حسن، لأنه
دعاء. قال صاحب الفواكه: ومثله قول الناس
بعضهم لبعض في اليوم المذكور («عيد مبارك،
وأحياكم الله لأمثاله)) لا شك في جواز كل
ذلك. (٣)
وقال الأوزاعي : هو بدعة . (٤)
وعند الشافعية أنها سنة. (٥) وانظر بحث
(تهنئة) من الموسوعة (٩٩/١٤).
(١) ابن عابدين ١/ ٥٥٧، ونهاية المحتاج ٣٩١/٢
(٢) المغني ٣٩٩/٢
(٣) الفواكه الدواني ٣٢٢/١
(٤) ابن عابدين ١/ ٥٥٧
(٥) القليوبي وعميرة ١/ ٣١٠، الفتوحات الربانية=
- ٢٣٩ -

ښکر ٢٤
الزيادة في الذكر على ما ورد:
٢٤ - الزيادة في الذكر المرتب شرعا على سبب،
الأصل فيه الجواز عند الجمهور، ويتقيد بقيود
تفهم مما تقدم، فمنها أن يكون صحيح المعنى
لا يستلزم نقصا بوجه من الوجوه، وألا یکون مما
علم أن الشارع أراد المحافظة فيه على اللفظ
الوارد، فلا يزاد على ألفاظ الأذان وألفاظ
التشهد ونحوهما، وأن یکون بمعنی ما ورد،
وأن يكون مما يليق.
وقد نقل ابن علان أن زيادات العلماء في
القنوت ونحوه من الأذكار یکون الإِتیان بها
أولى، وفارق التشهد وغيره بأن العلماء فهموا أن
المدار فيه على لفظه فلذا لم يزيدوا فيه، ورأوا أن
الزيادة فيه خلاف الأولى بخلاف القنوت فإنهم
فهموا أن للدعاء تأثيرا عظيما في الاستجابة
فتوسعوا في الدعاء فیه .(١)
وقد ورد أن ابن عمر رضي الله عنه كان يلبي
في الحج بتلبية النبي ◌ّ ((لبيك اللهم لبيك،
لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة
لك والملك لا شریك لك» لا یزید علی ذلك ثم
كان ابن عمر يزيد فيها ((لبيك لبيك وسعديك.
والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل))
١١٩/١، ١٠٩/٥، ٣٧٧، الاعتصام ١٠/٢
=
و٢٨٤/١
(١) الفتوحات الربانية ١٠٩/٥، مختصر الفتاوى المصرية لابن
تيمية ٩٢
وفي رواية: قال ابن عمر: كان عمريهل
بهذا (أي بتلبية النبي (18) ويزيد: لبيك
وسعدیك.(١) الخ .
قال ابن حجر: قال الطحاوي : قال قوم :
لا بأس أن يزيد في التلبية ما أحب من
الذكر الله، وهو قول محمد والثوري والأوزاعي .
واحتجوا بهذا المروي عن عمر وابنه. وقال
آخرون: لا ينبغي أن يزاد على ما علّمه
رسول الله ﴿ الناس، كما علمهم التكبير في
الصلاة فلا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئا مما
علمہ ا هـ. ثم قال ابن حجر: وقول من قال:
إنه لا بأس بالزيادة على التلبية هو قول الجمهور
وبه صرح أشهب. وحكى ابن عبد البرعن
مالك الكراهة. قال: وهو أحد قولي الشافعي .
وقال الشيخ أبو حامد: وحكى أهل العراق عن
الشافعي في القديم أنه كره الزيادة على
المرفوع، وغلطوا، بل لا يكره ولا يستحب.
وحکی الترمذي عنه إن زاد في التلبية شيئا من
تعظيم الله فلا بأس وأحب إليّ أن يقتصر على
تلبية رسول الله (18. وحكي عن أبي حنيفة: إن
زاد في التلبية عما ورد فحسن. وحكي في المعرفة
عن الشافعي أيضا قوله: ((لا ضيق على أحد في
قول ما جاء عن ابن عمر وغيره من تعظيم الله
ودعائه، غير أن الاختیار عندي أن يفرد ماروي
(١) حديث: ابن عمر في التلبية والزيادة فيها. أخرجه مسلم
(٨٤١/٢، ٨٤٢ - ط الحلبي).
- ٢٤٠ -