النص المفهرس

صفحات 141-160

دین ٧٧ - ٧٨
بالعقد الثاني. (١) ومن آثار انقضاء الدين
وسقوطه في هذه الحالة أنه إذا كان الدين الأول
مكفولا ، وفسخ عقده، وصار تجديده بعقد
آخر، بطلت الكفالة وبرىء الكفيل، فلا
يطالب بالدین الحاصل بالعقد الجدید إلا إذا
جددت الكفالة . (٢)
ثامنا: الحوالة :
٧٧ - وذلك أن المحال إذا قبل الحوالة ورضي
المحال علیه بها برىء المحیل وكفيله - إن كان له
كفيل - من الدين ومن المطالبة معا، لانقضاء
الدين بالحوالة، ويثبت للمحال حق مطالبة
المحال عليه، غير أن براءة المحيل وكفيله المشار
إليها مقيدة بسلامة حق المحال لدى المحال عليه
عند الحنفية.(٣) (ر: حوالة).
تاسعا: موت المدين مفلسا:
٧٨ - وذلك عند الحنفية الذاهبين إلى سقوط
الدين في أحكام الدنيا عن المدين إذا مات
مفلسا، ولم یکن هناك کفیل بالدین، أورهن
قبل الموت. قال ابن عابدين: ((إن الدين يسقط
(١) العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ٢٨٨/١، وانظر
م٢٥١ من مرشد الحيران.
(٢) العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ٢٨٨/١ (بولاق
١٣٠٠ هـ) وانظر م٢٥٢ من مرشد الحيران.
(٣) رد المحتار ٢٩١/٤، ٢٩٢ (بولاق ١٢٧٢هـ).
عن الميت المفلس، إلا إذا كان به کفیل حال
حياته أورهن)). (١) ومن هنا لم تصح عندهم
كفالة دين ميت مفلس بعد وفاته. (٢) وخالفهم
في ذلك سائر الفقهاء للأحاديث الدالة على
بقاء الدين عليه بعد موته. (٣) (ر: إفلاس،
كفالة، تركة).
(١) رد المحتار ٤/ ٢٧٠
(٢) رد المحتار ٤/ ٢٧٠
(٣) انظر الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبدالوهاب
٢١/٢، المغني لابن قدامة ٥٩٣/٤ (ط. مكتبة الرياض
الحديثة ١٤٠١ هـ).
- ١٤١ -

دین الله ١ - ٢
وهذا في الجملة إذ أن الزكاة من حق الإِمام
المطالبة بها وكذا قال بعض الفقهاء بالنسبة
للحقوق المالية كالكفارة والهدي . (١)
دین الله
التعريف :
١ - في اللغة: دان یدین دینا، وداینه مداينة
ودیانا، عامله بالدین فأعطاه دينا وأخذ بدین،
وادّان: اقترض فصاردينا. والدين: القرض
وثمن المبيع، وکل ما ليس حاضرا. (١)
والدين اصطلاحا: عرف بتعريفات كثيرة
وأولى هذه التعريفات هو ((لزوم حق في
الذمة)). (٢)
وهذا التعريف يشمل كل ما يشغل ذمة
الإِنسان سواء أكان حقا للعبد أم لله سبحانه
وتعالى .
ودين الله تعالى هو حقوقه التي ثبتت في الذمة
ولا مطالب لها من جهة العباد، كالنذور
والكفارات، وصدقة الفطر، والحج، والصوم
الذي لم يؤد، والصلاة التي خرج وقتها ولم تؤد،
(١) لسان العرب ومعجم مقاييس اللغة والمعجم الوسيط
والمصباح المنير، والعناية على الهداية وفتح القدير
٣٤٦/٦، ٦٣٢ ط إحياء التراث وابن عابدين ٤ /١٦٩
(٢) فتح الغفار شرح المنار ٣/ ٢٠
الألفاظ ذات الصلة :
حق الله تعالى :
٢ - الحق ضد الباطل، وحقّ الأمر: أي ثبت
ووجب.
وحق الله سبحانه وتعالى ما يتعلق به النفع
العام للعالم فلا يختص به أحد، وينسب إلى الله
تعالی تعظيما .
قال القرافي: حق الله أمره ونهيه. وفي
الحديث: ((حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه
ولا یشرکوا به شیئا». (٢)
وقد قسم الفقهاء حقوق الله تعالى إلى
عبادات وعقوبات وكفارات(٣) ... الخ
(١) الزيلعي ٦/ ٢٣٠، والبدائع ٩٥/١، ٧/٢ - ٨، ٧٦،
ومنح الجليل ٣٦٣/١، والفروق٢/ ١٣٤، والحطاب
٤٠٩/٦، ومغني المحتاج ٤١١/١، ٣/٣، والمغني
٤٥/٣، وفتح الباري ٦٥/٤ -٦٦، وفتح القدير
١١٧/٢ - ١١٩ نشر دار المعرفة.
(٢) حديث: ((حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به
شیئا)». أخرجه البخاري (الفتح ٣٩٧/١٠ -٣٩٨ - ط
السلفية)، ومسلم (٥٨/١ - ط الحلبي) من حديث
أنس بن مالك.
(٣) المصباح المنير، وابن عابدين ١٨٨/٤، وكشف الأسرار
١٣٤/٤ - ١٣٥، والمنثور في القواعد ٥٨/٢، والفروق
للقرافي ١٤٠/١ - ١٤٢
- ١٤٢ -

دين الله ٣
فحق الله تعالى أعم من دين الله تعالى لأنه
یشمل کل ما وجب لله تعالی سواء أکان دینا
ترتب في الذمة أم لا .
الحكم التكليفي :
٣ - دين الله تعالى الذي يترتب في ذمة المكلف
سواء أكان هذا الدين عبادات بدنية أم مالية أم
کان کفارات أم نذورا يجب قضاؤه، لما روى
البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن
امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صل﴿ فقالت:
إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت
أفاحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو
كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله،
فالله أحق بالوفاء)). (١)
قال ابن حجر: ویلتحق بالحج کل حق ثبت
في الذمة من كفارة أو نذر أوزكاة أو غير ذلك. (٢)
وروى البخاري کذلك عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: ((جاء رجل إلى النبي وقليل
فقال: يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم
شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، فدين الله أحق
أن یقضی».(٣)
(١) حديث ابن عباس: ((أرأيت لو كان على أمك ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٦٤/٤ - ط السلفية).
(٢) فتح الباري ٤/ ٦٤ -٦٦
(٣) حديث ابن عباس: ((دين الله أحق أن يقضى)). أخرجه
البخاري (الفتح ١٩٢/٤ - ط السلفية).
وكذلك قال النبي ◌َّم: ((من نسي صلاة
فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)). (١)
وقد اتفق الفقهاء على ذلك إلا ما ذكر عن
ابن بنت الشافعي أن من ترك الصلاة لغير عذر
لا يقضي لمفهوم قوله عليه الصلاة والسلام:
((من نسي صلاة أونام عنها فكفارتها أن يصليها
إذا ذكرها)). (٢) وحكمته التغليظ عليه، قال
الشربيني الخطيب: وهو مذهب جماعة. (٣)
هذا مع اختلاف الفقهاء فيما يجب على
الفور أو التراخي وفيما يقضى عن الميت أو
لا ہقضی.
أسباب صيرورة حق الله تعالى دينا في الذمة:
يصير حق الله تعالى دينا في الذمة لأسباب
متعددة منها :
(١) حديث: ((من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٢ / ٧٠ - ط السلفية)، ومسلم (٤٧٧/١ -
ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(٢) حديث: ((من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها ... ))
أخرجه مسلم (٤٧٧/١ - ط الحلبي) من حديث أنس بن
مالك.
(٣) ابن عابدين ٤٩٣/١، وبدائع الصنائع ٢٤٥/١ - ٢٤٧،
١٠٣/٢، وفتح القدير ١١٤/٢، ومنح الجليل ١/ ١٧٠،
٣٩٢، ٥٢٢، والمنشور ١٠١/١، و٣١٦/٣ -٣١٧،
وأشباه السيوطي ص٣٦١ ط الحلبي، ومغني المحتاج
١٢٧/١ - ١٢٨، ٣٣٩، ٤٤٠، ٤٤٥، وأسنى المطالب
٣٥٦/١، وشرح منتهى الإرادات ١٣٩/١، ٤٥٣، ٤٥٦
- ١٤٣ -

دين الله ٤ - ٥
أ - خروج الوقت قبل الأداء:
٤ - العبادة البدنية التي لها وقت محدد کالصلاة
والصوم إذا فات الوقت المحدد لها قبل الأداء
استقرت دينا في ذمة المكلف ووجب القضاء،
يقول القرافي: الصلاة لا ينتقل الأداء فيها إلى
الذمة إلا إذا خرج الوقت، لأنها معينة بوقتها،
والقضاء ليس له وقت معین یتعین حده بخروجه
فهو في الذمة، فالصلاة إن تعذر فيها الأداء
بخروج وقتيها (أي الاختياري والضروري)
لعذر لا يجب القضاء، وإن خرج لغير عذر
ترتبت في الذمة ووجب القضاء. وبمثل ذلك
قال الكاساني .(١)
ويدخل في ذلك ما أوجبه العبد على نفسه
بالنذر من عبادات بدنية مقیدة بوقت کمن نذر
صوم شهر رجب مثلا ومضی شھر رجب دون أن
يصومه فإنه يصبح دينا في ذمته ويجب عليه
القضاء.
ولذلك يقسم الحنفية صوم الفرض إلى
قسمین: عین ودین. فالعین ما له وقت معین إما
بتعيين الله تعالى كصوم رمضان وإما بتعيين
العبد کالصوم المنذور في وقت بعينه، وأما صوم
الدين فما ليس له وقت معين كصوم قضاء
رمضان(٢) ... الخ يقول الكاساني: فمن
(١) الفروق للقرافي ١٣٤/٢، والبدائع ٩٥/١
(٢) البدائع ٢/ ٧٥ - ٧٦
قال: لله علىّ صوم رجب فأفطر فيه قضى في
شهر آخر لأنه فوّت الواجب عن وقته فصار
دينا عليه والدين مقضي على لسان
رسول اللهآل﴾ .(١)
وينبغي أن يراعى أن كون الصلاة أو الصيام
تصبح دینا في الذمة بخروج الوقت لا یناقض
التعلق بالذمة في وقت الأداء، وهذا مبني على
كلام الأصوليين في التفرقة بین أصل الوجوب
ووجوب الأداء، وبین الواجب بالأمر والواجب
بالسبب وينظر ذلك في الملحق الأصولي.
ب - إتلاف المعيّن من الأموال أو تلفه:
٥ - مع اختلاف الفقهاء في تعلق الزكاة بالعين أو
بالذمة إلا أنهم جميعا يتفقون على أن استهلاك
مال الزكاة أو التصرف فيها بعد الوجوب يجعلها
دينا ثابتا في الذمة. يقول القرافي: إن الزكاة
ما دامت معينة بوجود نصابها لا تكون في الذمة
فإذا تلف النصاب بعذرلا یضمن نصيب
الفقراء ولا ينتقل الواجب إلى الذمة، ويقول
الكاساني: من أتلف الثمار أو الزرع أو أكلها بعد
وجوب الزكاة فيها ضمنها وکانت دینا في ذمته كما
لو أتلف مال الزكاة بعد حَوَلان الحول. (٢) وينظر
تفصيل ذلك في: (زكاة).
(١) البدائع ٩٥/٥، والمغني ٢٨/٩ - ٣٠
(٢) الفروق ١٣٤/٢، والبدائع ٧/٢، ٦٣، والمغني
٦٧٩/٢، ومغني المحتاج ٤١٩/١
- ١٤٤ -

1
دين الله ٦ - ٨
ويدخل في ذلك ما کان معینا من نذر أو
هدي واجب. فمن عین هدیا فعطب أوسرق أو
ضل عاد الوجوب إلى ذمته. (١)
ج - العجز عن الأداء حين الوجوب :
٦ - قال النووي والسيوطي والزركشي: الحقوق
المالية الواجبة لله تعالى ثلاثة أضرب:
١ - ضرب يجب لا بسبب مباشرة من العبد
كزكاة الفطر فإذا عجز عنه وقت الوجوب لم يثبت
في ذمته فلو أیسر بعد ذلك لم يجب.
٢ - وضرب يجب بسبب من جهته على جهة
البدل كجزاء الصيد وفدية الحلق والطيب
واللباس في الحج، فإذا عجز عنه وقت وجوبه
ثبت في ذمته تغليبا لمعنى الغرامة لأنه إتلاف
محض .
٣ - وضرب يجب بسببه لا على جهة البدل
کكفارة الجماع في نهار رمضان وكفارة اليمين
والظهار والقتل، ففيها قولان مشهوران أصحهما
أنها تثبت في الذمة عند العجز لأن حق الله
تعالى وجب بسبب من جهته فلم يسقط بالعجز
كجزاء الصيد. (٢)
(١) المغني ٣/ ٥٣٤، وابن عابدين ٢/ ١٢
(٢) المجموع شرح المهذب ٦/ ٣٠٩، وأشباه السيوطي
ص٣٦١ ط عيسى الحلبي، والمنثور ٥٩/٢ - ٦٠، ومغني
المحتاج ٣/ ٣٦٧ و١ /٤٤٠، ٤٤٥
وتفصيل ذلك في: (صوم، وكفارة، وقتل،
وظهار).
د - النذور المطلقة :
٧ - وهي التي لم تعلق على شرط أو تقيد بوقت بل
كانت مضافة إلى وقت مبهم كمن قال: لله عليّ
أن أصوم شهرا، فهي في الذمة إلی أن تؤدى
وجميع العمر وقت لها عند من يقول بأن الأمر
المطلق على التراخي .
ويدخل في ذلك الحج عند من يقول بأنه
على التراخي كالحنفية . (١)
ويقول الشربيني الخطيب: يشترط في انعقاد
نذر القربة المالية كالصدقة والأضحية الالتزام لها
في الذمة أو الإِضافة إلى معین یملکه.(٢)
ويقول القرافي: جميع العمر ظرف لوقوع
التكليف بإيقاع النذور والكفارات لوجود
التكليف في جميع ذلك. (٣)
النيابة عن الغير في أداء دين الله:
٨ - دين الله المالي المحض كالزكاة والصدقات
والكفارات تجوز فيه النيابة عن الغير سواء أكان
من هوفي ذمته قادرا على ذلك بنفسه أم لا ، لأن
الواجب فيها إخراج المال وهو يحصل بفعل
النائب، وسواء أكان الأداء عن الحي أم عن
(١) البدائع ٩٤/٥
(٢) مغني المحتاج ٣٥٨/٤
(٣) الفروق ١/ ٢٢١ -٢٢٢
- ١٤٥ -

دین الله ٨
الميت، إلا أن الأداء عن الحي لا يجوز إلا بإذنه
باتفاق وذلك للافتقار في الأداء إلى النية لأنها
عبادة فلا تسقط عن المكلف بدون إذنه. أما
بالنسبة للميت فلا يشترط الإذن إذ يجوز التبرع
بأداء الدين عن الميت. وهذا في الجملة.
وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة
والصوم فلا تجوز النيابة فيها حال الحياة
لقول الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما
سعى﴾(١) وقول عبدالله ابن عباس رضي الله
عنهما: ((لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد
عن أحد)). (٢)
قال الكاساني: أي في حق الخروج عن
العهدة لا في حق الثواب. وهذا باتفاق.
وكذلك الحكم بعد الممات عند الحنفية
والمالكية .
وهذا الحكم إنما هو بالنسبة لقضاء العبادة
نفسها عن الميت. أما فدية الصيام وكفارة
الإفطار فيجوز للورثة أن يتبرعوا بها عن الميت
إذا لم يوص. أما إذا أوصى فقال الحنفية فتؤدى
من ثلث ماله. (٣) ولغيرهم من الفقهاء تفصيل
(١) سورة النجم/ ٣٩
(٢) الأثر عن ابن عباس: ((لا يصلي أحد عن أحد،
ولا يصوم ... )) أخرجه النسائي في الكبرى ٣٤١/٢ - ط
المكتبة القيمة)، وصححه ابن حجر في التخليص
(٢٠٩/٢ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٣) البدائع ٤١/٢، ٥٣، ١٠٣، ١١٨، ٢١٢، ٩٦/٥،
وابن عابدين ١/ ٤٩١ - ٤٩٣، والزيلعي ٢٣٠/٦، =
ينظر في مصطلح: (وصية).
أما عند الشافعية فلا يجوز القضاء عن الميت
عما ترتب في ذمته من صلاة فاتته ومات دون
قضائها. وأما الصوم فما ترتب في ذمة الميت منه
ففي الجديد لا يصح الصوم عنه لأنه عبادة بدنية
لا تدخلها النيابة في حال الحياة فكذلك بعد
الموت، وإنما يكفّر عنه بإخراج مد من طعام عن
كل يوم فاته، وفي القديم يجوز أن يصوم وليه عنه
لخبر الصحيحين: ((من مات وعليه صيام صام
عنه وليه))، (١) وهذا هو الأظهر، قال السبكي :
ويتعين أن يكون هو المختار والمفتی به، والقولان
یجریان في الصيام المنذور إذا لم يؤد.
وأما الحنابلة فقد فصلوا بین الواجب بأصل
الشرع من صلاة وصيام وبين ما أوجبه الإِنسان
على نفسه من نذر صلاة وصيام. فقالوا: من
مات وفي ذمته صلاة مفروضة لم تؤد، أو صيام
رمضان لم يؤد، فلا تجوز النيابة عن الميت في
ذلك لأن هذه العبادات لا تدخلها النيابة حال
الحياة فبعد الموت كذلك. أما ما أوجبه الإِنسان
على نفسه بالنذر من صلاة وصوم وتمكن من
الأداء ولم يفعل حتى مات سن لوليه فعل النذر
= ومنح الجليل ٣٧٥/١، ٣٨٣، ٤٠٤، والحطاب
٥٤٣/٢ - ٥٤٤، والفروق ٢٠٥/٢ و ١٨٨/٣
(١) حديث: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)). أخرجه
البخاري (الفتح ١٩٢/٤ - ط السلفية)، ومسلم (٨٠٣/٢
- ط الحلبي) من حديث عائشة.
- ١٤٦ -

دین الله ٨-٨م
عنه لحديث ابن عباس: ((جاءت امرأة إلى
رسول الله ﴿ فقالت: يارسول الله إن أمي
ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال:
أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أکان
يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي
عن أمك)). (١) لأن النذر أخف حكما من
الواجب بأصل الشرع.
ويجوز لغير الولي فعل ما على الميت من نذر
بإذنه وبدون إذنه . (٢)
وقد اختلف الفقهاء بالنسبة للحج لما فيه من
جانب مالي وجانب بدني، فمن كان عاجزا
بنفسه عن أداء الحج وأمكنه الأداء بماله بإنابة
غيره مناب نفسه لزمه الإنابة في الحج عنه، وهذا
عند الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض فقهاء
المالكية، والمشهور عندهم عدم جواز النيابة في
الحج. وهذا بالنسبة للحي في الجملة.
أما من مات وكان مستطيعا ولم يحج فعند
الشافعية والحنابلة يجب القضاء من رأس مال
تركته، لما روى بريدة قال: ((أتت النبي ◌َّ امرأة
فقالت: يارسول الله إن أمي ماتت ولم تحج،
(١) حديث ابن عباس: ((جاءت امرأة إلى رسول الله صلفخر ... ))
أخرجه مسلم (٢ / ٨٠٤ - ط الحلبي).
(٢) نهاية المحتاج ١٨٤/٣ - ١٨٧، والمجموع شرح المهذب
٧٧/٦، ٣٣٧ - ٣٤٣ تحقيق المطيعي، ومغني المحتاج
٤٣٩/١ و٦٨/٣ - ٦٩، شرح منتهى الإرادات ١٢١/١،
٤٥٣ و٤٥٧ - ٤٥٨، والمغني ١٤٣/٣ و٣٠/٩ - ٣١
فقال لها النبي ◌َّ: حجي عن أمك)). (١) ولأنه
حق تدخله النيابة حال الحياة فلم يسقط بالموت
كدين الآدمي، وسواء في ذلك حج الفريضة
والنذر. فإن حج عنه الوارث بنفسه أو باستئجار
سقط الحج عن الميت. وأضاف الشافعية أنه لو
حج عن الميت أجنبي جاز ولوبلا إذن كما أن له
أن يقضي دینه بلا إذن.
وعند الحنفية والمالكية يجوز تبرع الوارث
بالحج بنفسه عن الميت أوبالإِحجاج عنه رجلا
آخر ولكن مع الكراهة عند المالكية. (٢)
أثر دين الله تعالى في وجوب الزكاة :
٨ ٢ - من شروط وجوب الزكاة ألا يكونهناكدین
لآدامي يمنع وجوب الزكاة عند بعض الفقهاء
لأن له مطالبا من جهة العباد.
وكذلك بالنسبة لدين الله تعالى كالكفارة
والنذر والهدي وصدقة الفطر وغير ذلك.
فعند الحنفية وهو الأظهر عند الشافعية وقول
خليل وابن رشد من المالكية أنه لا يمنع وجوب
(١) حديث بريدة: ((حجي عن أمك)). أخرجه مسلم
(٨٠٥/٢ - ط الحلبي).
(٢) البدائع ٢/ ٢١٢ - ٢١٣، ٢٢١، وابن عابدين ٥١٤/١ -
٥١٥ و٢٤٥/٢، والشرح الكبير ١٠/٢، ومغني المحتاج
٤٦٨/١، والمجموع شرح المهذب ٧/ ٨٢ - ٨٧، والمغني
٢٤١/٣ - ٢٤٥
- ١٤٧ -

دين الله ٨م - ٩
الزكاة، لأن أثر هذا الدين إنما هو في حق أحكام
الآخرة وهو الثواب بالأداء والإِثم بالترك،
ولإِطلاق الأدلّة الموجبة للزكاة.
وعند الحنابلة وفي قول للشافعية وعند ابن
عتاب من المالكية أن هذا الدين يمنع وجوب
الزكاة، وذلك لما روى أبو عبيد في الأموال عن
السائب بن یزید قال: سمعت عثمان بن عفان
يقول: هذا شهر زکاتکم فمن کان علیه دین
فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم. ولقول
النبي ◌ِّر: ((دين الله أحق أن يقضى)). (١)
وفي قول ثالث للشافعية أن هذا الدین یمنع
زكاة المال الباطن وهو النقد والعرض ولا يمنع
زكاة المال الظاهر وهو الماشية والزروع والثمار
والمعادن .
وهذا الحكم عام بالنسبة لدیون الله تعالی بما
في ذلك دين الزكاة، وذلك عند الشافعية
والحنابلة.
أما الحنفية والمالکیة فقد فرقوا بین دین الزكاة
وغيره من الديون. فالحكم السابق عندهم إنما
هو بالنسبة لغیر دین الزكاة.
أما من کان في ذمته زکاة سنوات مضت فإن
الحكم يختلف بالنسبة للزكاة الحاضرة.
فعند المالكية وأبي حنيفة ومحمد دین الزكاة
يمنع وجوب الزكاة الحاضرة، وهو قول زفر في
(١) حديث: ((دين الله أحق أن یقضی)). سبق تخريجه ف/ ٣
الأموال الظاهرة.
وقال أبويوسف: دین الزكاة لا يمنع وجوب
الزكاة الحاضرة، وهو قول زفر في الأموال
الباطنة .
وحجة القائلين بالمنع أن دين الزكاة له
مطالب من جهة العباد وهو الإِمام فأشبه دين
الآدمي وهو تعليل زفر في الأموال الظاهرة
بخلاف الباطنة .
ويلاحظ أن الأحكام السابقة جميعها إنما هي
عند المالكية بالنسبة لزكاة العين (النقدين
وعروض التجارة) فهي التي يؤثر فيها الدین،
أما زكاة الحرث والماشية فلا يؤثر الدين في
وجوب إخراجها.(١)
ولتفصيل ذلك ينظر: (زكاة).
حكم الإِيصاء بدين الله تعالى:
٩ - ديون الله تعالى المالية التي استقرت في ذمة
العبد من زكاة، أو كفارة يمين، أو إفطار في
رمضان، أو ظهار، أو قتل، أو فدية أذى في
الحج، أو جزاء صید، أوهدي لتمتع أو قران إذا
أدرکته الوفاة ولم یؤدها يجب عليه الإِیصاء بها.
وكذلك من كان قادرا على الحج، أو كان
(١) البدائع ٧/٢ -٨، وابن عابدين ٥/٢، والدسوقي
٤٨٣/١، ومنح الجليل ٣٦٢/١ -٣٦٣، ومغني المحتاج
٤١١/١، ونهاية المحتاج ٣/ ١٣٠، وشرح منتهى
الإرادات ٣٦٨/١ - ٣٦٩
- ١٤٨ -

دين الله ١٠ - ١١
عاجزا بنفسه وأمكنه الأداء بماله بإنابة غيره
مناب نفسه فإنه يجب عليه أن يوصي بالحج
عنه .
أما العبادات البدنية التي ترتبت في ذمة
المكلف كالصيام والصلاة فإن الصيام الذي
فرط الإِنسان فيه کقضاء رمضان أو صيام كفارة
أو نذر، فإنه يجب عليه أن يوصي عند وفاته
بالفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم من
أيام الصيام التي فاتته.
والحكم في جميع ما سبق هو باتفاق الفقهاء.
وزاد الحنفية وجوب الوصية بالنسبة لمن فاتته
صلاة لم يقضها. قال ابن عابدين: من فاتته
صلوات وكان يقدر على الصلاة ولو بالإِيماء ولم
يصل فإنه يلزمه الإِيصاء بالكفارة بأن يعطي
لكل صلاة قاتته نصف صاع من بر كالفطرة،
قال: وكذا حكم الوتر. ونقل البويطي من
الشافعية أن يطعم لكل صلاة مد. (١)
تعلق دين الله بتركة الميت :
١٠ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن دين الله
(١) البدائع ١٠٣/٢، ١٠٤، ١١٨، ٢٢١، ٣٣٠/٧، وابن
عابدين ٤٩١/١ - ٤٩٢، وفتح القدير ٢٧٣/٢ ط دار
إحياء التراث، والكافي لابن عبدالبر ٣٣٨/١ - ٣٣٩،
١٠٣٦/٢، ومنح الجليل ٦٤٣/٤، والشرح الصغير
٤٦٥/٢ ط الحلبي، ومغني المحتاج ٤٣٩/١، ٣٩/٣،
وقليوبي ١٧٧/٣، وشرح منتهى الإرادات ٥٤٠/٢ -
٥٤٧
سبحانه وتعالى المترتب في ذمة الميت يتعلق
بتركته، ويجب أداؤه منها سواء أوصى الميت
بذلك أم لم یوص.
وذهب الحنفية إلى أن الدين الذي لله
سبحانه وتعالى في ذمة العبد لا يتعلق بالترکة
إلا أن يوصي به الميت فإذا أوصى به أخرجه
الورثة من التركة .
وأما المالكية فعندهم أنه لا يتعلق دين الله
بالتركة إلا في أحوال خاصة هي :
أ - أن يوصي الميت بذلك فتخرج من التركة.
ب - أن يشهد في صحته بأن هذا الدين في ذمته
الله تعالى فيخرج من التركة ولو لم یوص بذلك.
ج - أن تكون العين الواجب إخراجها قائمة
كزكاة الحرث والماشية. وهذا في الجملة.
وهل یکون ذلك من رأس المال أومن
الثلث، وما يقدم من ذلك بعضه على
بعض؟(١) سبق تفصيله في مصطلح : (تركة).
سقوط دين الله :
١١ - الأصل أن دين الله تعالى لا يسقط ولا
تبرأ منه الذمة إلا بالقضاء، لكن هناك بعض
الأسباب التي يسقط بها القضاء ومن ذلك:
(١) شرح السراجية للجرجاني بحاشية الفناري ص ٣٠،
والدسوقي ٤/ ٤٤١ - ٤٥٧، ومغني المحتاج ٣/ ٦٨ - ٦٩،
ونهاية المحتاج ٦/ ٧، ٧٦، وشرح منتهى الإرادات
١٢١/١، ٣٧٣، ٤١٧، ٤٥٧، ٤٥٨ و٥٤٧/٢، والمغني
٦٨٣/٢ - ٦٨٤، ٨١/٣، ١٤٣ - ١٤٥
- ١٤٩ -

دين الله ١٢ - ١٤
١ - الحرج :
١٢ -أ-فالحائض والنفساء لا يسقط عنهما قضاء
الصوم ويسقط عنهما قضاء الصلاة للحرج،
يقول الكاساني: يجب على الحائض والنفساء
قضاء الصوم لفوات صوم رمضان عليهما
ولقدرتهما على القضاء في عدة من أيام أخر من
غير حرج، وليس عليهما قضاء الصلوات لما فيه
من الحرج لأن وجوبها يتكرر في كل يوم خمس
مرات .(١)
ب ۔ المغمی علیه، إن أغمی علی شخص يوما
وليلة أو أقل يجب عليه قضاء الصلاة لانعدام
الحرج، وإن زاد على يوم وليلة لا قضاء عليه
لأنه يحرج في القضاء لدخول العبادة في حد
التكرار. وهذا عند الحنفية. وعند المالكية
والشافعية لا قضاء علیه إلا أن يفيق في جزء من
وقتها. وعند الحنابلة يقضى الصلوات التي فاتته
حال إغمائه .
وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح :
(إغماء).
ج - يقول الحنفية: المريض العاجز عن الإيماء في
الصلاة إذا فاتته صلوات ثم برأ، فإن کان ما
فاته یوما أو أقل قضاه، وإن كان أكثر لا قضاء
عليه لما في ذلك من الحرج، وذلك هو الصحيح
عند الحنفية، وبمثل ذلك روي عن الإمام أحمد
حـ
(١) البدائع ٢/ ٨٩، والمغني ١٤٢/٣، والفروق ٦٢/٢
وهو أيضا من اختيارات ابن تيمية . (١)
٢ - العجز عن القضاء :
١٣ -أ۔ من أخر قضاء رمضان لعذر من سفر أو
مرض ثم مات سقط عنه القضاء ولا شيء
عليه، لأنه حق لله تعالى وجب بالشرع،
وقد مات قبل إمكان فعله فسقط إلى غير
بدل کالحج . (٢)
ب - من عجز عن كفارة الإفطار في رمضان التي
وجبت بجماع أو بغيره ، على تفصيل في
المذاهب، سقطت عنه لأن النبي وَل﴾ ((أمر
الأعرابي أن يطعم أهله))، (٣) ولم يأمره بكفارة
أخری ولا بينّ له بقاءها في ذمته.
وهذا مذهب الحنابلة. وهو مقابل الأظهر
عند الشافعية. وعند الحنفية والمالكية والشافعية
في الأظهر وفي رواية عن الإِمام أحمد: تبقى في
ذمته . (٤)
٣ - هلاك مال الزكاة :
١٤ - هلاك نصاب الزكاة بعد وجوبها بحولان
(١) البدائع ٢٤٦/١، والاختيارات ص٧٢، والمغني ١/ ٤٠٠
(٢) البدائع ١٠٣/٢، والاختيار ١٣٤/١، ومنح الجليل
٤١٣/١، ومغني المحتاج ٤٣٨/١، والمهذب ١٩٤/١،
وشرح منتهى الإرادات ٤٥٧/١
(٣) حديث: ((أمر الأعرابي أن يطعم أهله)). أخرجه البخاري
(الفتح ١٦٣/٤ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(٤) شرح منتهى الإرادات ٤٥٣/١، والمغني ١٣٢/٣، ومغني
المحتاج ٤٤٥/١، والخطاب ٤٣٢/٢، والبدائع ١١٢/٥
- ١٥٠ -

دَين الله ١٤ - ١٥
الحول يسقط الزكاة عند الحنفية سواء أكان
الهلاك قبل التمكن من الأداء أم بعده لأن
وجوب الضمان يستدعي تفویت ملك أوید،
وتأخير الزكاة عن أول أوقات الإِمكان لم يفوت
على الفقيرملکا ولا يدا فلا يضمن.
ويقول ابن عبد البرمن المالكية: من وجبت
عليه زكاة فعزلها وأخرجها فتلفت منه بغير تفريط
فلا شيء عليه. وعند الشافعية لا تسقط الزكاة
إلا إن تلف المال قبل التمكن من الأداء بلا
تقصير، أما بعد التمكن فتلف المال يوجب
الضمان.(١)
وقال ابن قدامة: الزكاة لا تسقط بتلف المال
فرط أولم يفرط، هذا المشهور عن أحمد، وحكى
عنه الميموني أنه إذا تلف النصاب قبل التمكن
من الأداء سقطت الزكاة عنه، وإن تلف بعده لم
تسقط، وحكاه ابن المنذر مذهبا لأحمد، ثم قال
ابن قدامة بعد ذلك: والصحيح إن شاء الله أن
الزكاة تسقط بتلف المال إذا لم يفرط في الأداء
لأنها تجب على سبيل المواساة فلا تجب على
وجه يجب أداؤها مع عدم المال وفقر من تجب
علیه . (٢)
وينظر تفصيل ذلك في : (زكاة).
(١) البدائع ٢٢/٢، ٥٣، والأشباه لابن نجیم ص٣٥٩،
والكافي لابن عبد البر ٣٠٢/١، ومغني المحتاج ٤١٨/١
(٢) المغني ٦٨٢/٢ - ٦٨٣
٤ - الردة :
١٥ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الردة تسقط
دين الله تعالى، سواء أكان بدنيا أم ماليا
لقول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا
يغفرلهم ما قد سلف﴾(١) وقول النبي الر:
((الإِسلام يهدم ما كان قبله)). (٢)
وعلى هذا فمن كان مسلما ثم ارتد -
والعياذ بالله ۔ ثم أسلم فما كان من ديون الله
تعالى في ذمته فقد بطل تعلقه بها وسقط عنه
القضاء .
وذهب الشافعية إلى أن الردة لا تسقط
حقا لله تعالى ماليا أو بدنيا. (٣)
وقد فصل ابن قدامة القول بالنسبة لمذهب
الحنابلة فقال في الزكاة: من ارتد قبل مضي
الحول وحال الحول وهو مرتد فلا زكاة عليه،
نص عليه لأن الإِسلام شرط لوجوب الزكاة
فعدمه في بعض الحول يسقط الزكاة كالملك
والنصاب، وإن رجع إلى الإِسلام قبل مضي
الحول استأنف حولا، أما إن ارتد بعد الحول لم
تسقط الزكاة عنه .
(١) سورة الأنفال / ٣٨
(٢) حديث: ((الإِسلام يهدم ما كان قبله)) أخرجه مسلم
(١١٢/١ - ط الحلبي) من حديث عمرو بن العاص.
(٣) البدائع ٤/٢، ٥٣، ١٣٦/٧٠،١١٧، ومنح الجليل
٤/ ٤٧٢، ومغني المحتاج ١/ ١٣٠، ٤٠٨
- ١٥١ -

دين الله ١٦
وأما الصلاة فلا تسقط أيضا لكن لا يطالب
بفعلها لأنها لا تصح منه ولا تدخلها النيابة،
فإذا عاد وجب عليه قضاؤها، والزكاة تدخلها
النيابة ولا تسقط بالردة کالدين.(١)
وينظر تفصيل ذلك في: (ردة، زكاة).
٥ - الموت :
١٦ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن دیون الله
لا تسقط بالموت بل تتعلق بالترکة فیخرج منها
ما على الميت من ديون الله تعالى كديون
الآدمي. وهذا بالنسبة للحقوق المالية كالزكاة
والكفارات ويدخل في ذلك الحج فیحج عنه من
ماله. أما العبادات البدنية المحضة فإن الصلاة
تسقط عنه عندهما في حق أحکام الدنيا إلا
ما قاله البويطي الشافعي من الإِطعام عنه لكل
صلاة مد، ومثل ذلك قيل في الاعتكاف
الواجب في الذمة .
وأما الصيام فيفدی عنه، وفي القديم عند
الشافعية يصام عنه، قال الشربيني الخطيب:
والقديم أظهر.
وعند الحنابلة نذر العبادة يفعل عن الميت من
ترکته، أما صوم رمضان والكفارة فیطعم عنه .
وقد استدل الشافعية والحنابلة لعدم سقوط
دين الله بالموت بما رواه مسلم عن ابن عباس
قال: قالت امرأة: يارسول الله إن أمي ماتت
وعلیها صوم نذر أنأصوم عنها قال: ((أرأيت لو
کان علی أمك دین فقضیتیه أكان يؤدي ذلك
عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن
أمك».(١)
وما روى النسائي أن رجلا قال: يارسول الله
إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: ((أرأيت
لو كان على أبيك دين أكنت قاضیه؟ قال:
نعم، قال: فدین الله أحق))، (٢) كما استدل
الشافعية بصيام الولي بقول النبي وقديقول: ((من
مات وعليه صيام صام عنه وليه)). (٣)
ويرى الحنفية أن الموت من أسباب سقوط
دین الله تعالی إذا لم یوص به، فمن مات وفي
ذمته صلاة أو صوم أوزكاة أوحج أو كفارة أوغير
ذلك مما هو من حقوق الله تعالى سقطت عنه في
حق أحكام الدنيا، ولذلك لا تؤخذ من تركته
ولا يؤمر الوصي أو الوارث بالأداء من التركة،
لأن دين الله عبادة ومعنى العبادة لا يتحقق إلا
بنية المكلف وفعله فإذا لم يوص فقد فات الشرط
بموته فلا يتصور بقاء الواجب فيسقط في حق
أحكام الدنيا للتعذر.
لكنهم اختلفوا في العشر إذا كان قائما، فمن
(١) حديث ابن عباس: ((قالت امرأة: يارسول الله إن أمي
ماتت وعليها ... )) أخرجه مسلم (٢/ ٨٠٤ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((أرأيت لو كان على أبيك دين)). أخرجه النسائي
(١١٨/٥ - ط المكتبة التجارية) من حديث عبدالله بن
عباس.
(٣) حديث: ((من مات وعليه صيام ... )) سبق تخريجه ف/ ٧
(١) المغني ٣/ ٥٥
- ١٥٢ -

دين الله ١٦، الدينارية الصغرى ١ - ٢
مات وعليه العشر، فإن كان الخارج قائما فلا
يسقط بالموت في ظاهر الرواية، وروی
عبدالله بن المبارك عن أبي حنيفة أنه يسقط، أما
لو كان الخارج مستهلكا فإنه يسقط.
والأصل عند المالكية أن الموت يسقط ما على
المكلف من ديون الله تعالى إلا في أحوال ثلاثة
وهي :
أ۔إذا أوصى بها.
ب - إذا أشهد في صحته أنها بذمته ولو لم یوص
بها.
ج - إذا تعلق بعين قائمة كزكاة الحرث
والماشية . (١)
وینظر تفصيل ذلك في: (حج، وصوم).
(١) ابن عابدين ٤٩٢/١، ٤٨٤/٥، والزيلعي ٦/ ٢٣٠،
والبدائع ٢/ ٥٣، وشرح السراجية بحاشية الفناري
ص٣٠ وأشباه ابن نجيم ص ٣٦٠، والدسوقي ٤ / ٤٤١ -
٤٤٢، ٤٤٤، ٤٥٧، ومنح الجليل ٤/ ٦٧٠ - ٦٧١
الدينارية الصغرى
التعريف :
١ - الدينارية: منسوبة إلى الدینار، ووصفت
بالصغرى للتمييز بينها وبين ((الدينارية
الكبرى)). والدينار فارسي معرب. (١) انظر
تفصيله في مصطلح : (دنانیر).
والدينارية الصغرى في اصطلاح الفقهاء:
هي مسألة من المسائل الملقبات في المواريث،
وهي المسائل التي لقبت كل منها بلقب أو أكثر،
ومنها ۔ غير مسألتنا- الدينارية الكبرى،
والأكدرية، والخرقاء، وغيرها. (٢)
صورة المسألة وما لقبت به :
٢ - صور الفقهاء ((الدينارية الصغرى» في إرث
انحصر في سبع عشرة أنثى، هن: ثلاث
زوجات، وجدتان، وأربع أخوات لأم، وثماني
أخوات شقيقات أو لأب.
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: ((دنر)»، المقادير
الشرعية ١١٨، ١٢٠، ١٣٢، ١٤٣
(٢) أسنى المطالب ٣/ ٢٥
- ١٥٣ -

الدينارية الصغرى ٣
ولقبت هذه المسألة بألقاب أخرى- غیر
لقب: الدينارية الصغرى - منها: ((السبعة
عشرية)) نسبة إلى عدد الوارثات فيها، و((أم
الأرامل)) لكثرة ما فيها من الوارثات الأرامل،
و((أم الفروج)) لأن جميع الوارثات فيها من
النساء، و((المنبرية))، وأما تلقيبها ((بالدينارية
الصغری)» فلأن ميتا ترك سبعة عشر دينارا
فخص کل وارثة دينار. (١)
الحكم في الدينارية الصغرى:
٣ - اتفق الفقهاء على أن الإِرث حين ينحصر
في: ثلاث زوجات، وجدتین، وأربع أخوات
لأم، وثماني أخوات شقيقات أو لأب، فإنه يكون
للزوجات الثلاث الربع - وهو ثلاثة من أصل
المسألة وهو اثنا عشر - وللجدتين السدس - وهو
اثنان - وللأخوات للأم الثلث - وهو أربعة -
وللأخوات الشقيقات أو لأب الثلثان - وهو ثمانية
- فيكون مجموع السهام سبعة عشر، وهو العدد
الذي عالت إليه المسألة.
ويكون لكل واحدة من الوارثات سهم:
لكل واحدة من الزوجات الثلاث سهم من
نصیبھن «الربع» وهو ثلاثة، ولکل واحدة من
الجدتين سهم من نصيبهما ((السدس)) وهو
(١) الاختيار ٢٢٧/٣ - ٢٢٨، الزرقاني ٢١٦/٨ - ٢١٧،
روضة الطالبين ٦٣/٦، أسنى المطالب ٢٥/٣، مطالب
أولي النهى ٥٨٣/٤ - ٥٨٤
اثنان، ولكل واحدة من الأخوات الأربع للأم
سهم من نصيبهن ((الثلث)) وهو أربعة، ولكل
واحدة من الأخوات الشقيقات أو لأب سهم من
نصیبهن ((الثلثان» وهما ثمانية.
أصل المسألة اثنا عشر وعالت إلى سبعة
عشر.
وهذه المسألة من المسائل التي يعايا بها
فيقال: سبع عشرة امرأة من جهات مختلفة،
اقتسمن مال الميت، حصل لكل واحدة منهن
سهم .(١)
ولمزيد من التفصيل في هذه المسألة ونحوها
يراجع: ((إرث)) وينظر: ((عول)).
(١) المراجع السابقة.
- ١٥٤ -

الدينارية الكبرى ١ - ٣
الدينارية الكبرى
التعريف :
١ - الدينارية: منسوبة إلى الدينار. وتفصيله في
مصطلح ((دنانير)).
والكبرى: صفة تميزها عن ((الدينارية
الصغرى)). انظر مصطلح: ((دينارية صغرى)).
والدينارية الكبرى في اصطلاح الفقهاء هي
مسألة من المسائل الملقبات في المواريث.
وقد سبق التعريف بها في مصطلح :
((الدينارية الصغرى)).
صورة المسألة، وما لقبت به :
٢ - صورة المسألة: انحصار الإِرث في زوجة،
وأم، وبنتين، واثني عشر أخا، وأخت لأب وأم،
أو لأب.
ولقبت ((بالدينارية الكبرى))، و((بالركابية))،
و«بالشاکیة» لأن شريحا قضی فیها للأخت بدینار
واحد، وكانت الترکة ستمائة دینار، فلم ترض
الأخت، ومضت إلى عليّ كرم الله وجهه
تشتكي شریحا، فوجدته راكبا، فأمسكت بركابه
وقالت: إن أخي ترك ستمائة دينار فأعطاني
شريح دينارا واحدا، فقال عليّ: لعل أخاك ترك
زوجة، وأما، وابنتين، واثنى عشر أخا، وأنت؟
قالت: نعم، فقال عليّ، ذلك حقك ولم
یظلمك شریح شیئا.
وتلقب أيضا ((بالداودية)) لأن داود الطائي
سئل عن مثلها فقسمها هكذا، فجاءت الأخت
- وهي غير الأخت في المسألة السابقة - إلى أبي
حنيفة فقالت: إن أخي مات وترك ستمائة دينار
فما أعطيت إلا دينارا واحدا، فقال: من قسم
التركة؟ قالت: تلميذك داود الطائي، قال: هو
لا يظلم، هل ترك أخوك جدة؟ قالت: نعم،
قال: هل ترك بنتين؟ قالت: نعم، قال: هل
ترك زوجة؟ قالت: نعم، قال: هل معك اثنا
عشر أخا؟ قالت: نعم، قال: إذن حقك دینار.
وتلقب أيضا ((بالعامرية)) لأن الأخت سألت
عامرا الشعبي عنها، فأجاب بمثل ذلك. (١)
الحكم في الدينارية الکبری:
٣ - اتفق الفقهاء على أن الإرث حين ينحصر
في: زوجة، وأم أو جدة، وبنتین، واثني عشر
أخا وأخت واحدة لأب وأم أو لأب، والترکة
ستمائة دينار، أنه يكون للبنتين الثلثان أربعمائة
دينار، وللأم أو الجدة السدس مائة دينار،
(١) الاختيار ٢٥٨/٣، الزرقاني ٢١٧/٨، أسنى المطالب
٢٧/٣، مطالب أولي النهى ٤/ ٥٨٤
- ١٥٥ -

الدیناریة الکبری ٣، دیوان ١ - ٢
وللزوجة الثمن خمسة وسبعون دينارا، ولکل اخ
ديناران، وللأخت دينار . . بتوزيع الباقي بعد
الفروض على الإِخوة الاثني عشر، وعلى
الأخت للذكر مثل حظ الأنثيين.
والمسألة عادلة، وهي من أربعة وعشرين،
وهي من مسائل المعاياة. (١)
ولمزيد من التفصيل يرجع إلى: (إرث).
دیوان
التعريف :
١ - الديوان فارسي معرب، ويطلق في اللغة
على مجتمع الصحف، وعلى الكتاب الذي
يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وعلى
جريدة الحساب، ثم أطلق على الحساب، ثم
على موضع الحساب، وفي تاج العروس: معاني
الدیوان خمسة: الکتبة ومحلهم، والدفتر، وکل
كتاب، ومجموع الشعر. (١)
والديوان في الاصطلاح: الدفتر الذي تثبت
فيه الأسماء أو الوثائق، وما وضع لحفظ ما يتعلق
بحقوق السلطنة ((الدولة)) من الأعمال،
والأموال، ومن يقوم بها من الجيوش والعمال. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - السجل :
٢ - السجل لغة: الكتاب الكبير، وفي حديث
(١) القاموس المحيط، لسان العرب، تاج العروس، المصباح
المنير مادة: ((دون))، وتهذيب الأسماء واللغات ١٠٧/٣
(٢) الدر المختار ٣٠٨/٤، جواهر الإكليل ١/ ٢٥٦، كشاف
القناع ٣١٢/٦، الأحكام السلطانية للماوردي ١٩٩
(١) المراجع السابقة.
- ١٥٦ -

دیوان ٣ - ٥
الحساب يوم القيامة: (( ... فتوضع السجلات
في كفة ... ))(١)
وقيل: السجل حجر كان يكتب فيه، ثم
سمي کل ما یکتب فيه سجلا .
وقال القرطبي: السجل: الصك، وهو اسم
مشتق من السجالة وهي الكتابة . (٢)
واصطلاحا: ما يكتب متضمنا حكم
القاضي، أي ما يكتب من ادعاء، وإجابة،
وبينة، وحكم القاضي. (٣)
والديوان قد يتضمن السجل وغيره من
المحاضر، والحجج، والوثائق، ولا عكس.
ب - المحضر :
٣ - المحضر لغة: السجل.
واصطلاحا: ما يكتب من وقائع الدعوى
دون حکم. (٤)
والديوان يتضمن - عادة - المحضر وغيره من
الأوراق والوثائق .
(١) حديث: ((فتوضع السجلات في كفة)). أخرجه الترمذي
(٢٥/٥ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمرو، وقال:
((هذا حديث حسن غريب)).
(٢) لسان العرب مادة: ((سجل))، والمفردات ٢٢٥، وتفسير
القرطبي ٣٤٧/١١
(٣) الدر المختار ٣٥١/٤، شرح المحلي على المنهاج ٣٠٣/٤،
كشاف القناع ٣١٢/٦
(٤) لسان العرب مادة: ((حضر))، ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٤،
ونقل ابن عابدين عن الدر أن المحضر ما کتب فيه ما جرى
بين الخصمين من إقرار أو إنكار والحكم ببيئة أو نكل على
وجه یرفع الاشتباه، ابن عابدين ٣٠٨/٤
أول من وضع الديوان في الإِسلام :
٤ - أول من وضع الديوان في الإِسلام عمربن
الخطاب رضي الله تعالى عنه. (١)
وتفصيل ذلك في مصطلح أهل الديوان
(الموسوعة ج١١٨/٧).
ما يتعلق بالديوان من أحكام :
اتخاذ الديوان :
٥ - ذهب المالكية إلى أنه يجوز للإمام أن يجعل
ديوانا أي: دفترا يجمع فيه أسماء الجند
وعطاءهم. (٢)
وقال الشافعية - في المعتمد عندهم -: إن
وضع دیوان الجند مستحب كما اقتضاه كلام
الشيخين (النووي والرافعي)، وكلام إمام
الحرمين صريح فيه، وهو ظاهر كلام القاضي
أبي الطيب في المحرر، قال صاحب الأنوار:
يستحب أن يضع الإِمام دفترا، وإن قال بعض
المتأخرين: إن الظاهر الوجوب، لئلا تشتبه
الأحوال ويقع الخبط والغلط. (٣)
وقال الحنابلة: ينبغي للإِمام أن يضع ديوانا
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٩٩، الأحكام السلطانية
لأبي يعلى ص٢٣٧، بدائع الصنائع ٧/ ٢٥٦، نهاية
المحتاج ١٣٨/٦
(٢) جواهر الإكليل ١/ ٢٥٦
(٣) فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى للهيثمي ١٣٥/٣،
القليوبي ٩٨٩/٣
- ١٥٧ -

ديوان ٦ - ٩
فيه أسماء المقاتلة، وقدر أرزاقهم ضبطا لهم، ولما
قدر لهم.(١)
ديوان الدولة وأقسامه :
٦ - ديوان الدولة - ونحوها كالسلطنة أو الإمارة أو
المملكة - وضع لحفظ ما يتعلق بها من الأعمال،
والأموال، ومن يقوم بها من الجيوش والعمال.
وقسم - في أصل وضعه - أربعة أقسام : -
القسم الأول: ما يختص بالجيش من إثبات
وعطاء :
٧ - ذكر الماوردي وأبو يعلى أن الإِثبات في
الديوان معتبر بثلاثة شروط :
وينظر تفصيلها في مصطلح : (أهل
الديوان)، ومصطلح: (عطاء).
الإِخراج أو الخروج من ديوان الجيش:
٨ - إذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض الجيش من
الديوان لسبب أوجبه، أو لعذر اقتضاه جاز،
وإن كان لغير سبب لم يجز لأنهم جيش
المسلمين.
وإذا أراد بعض الجيش إخراج نفسه من
الديوان جاز مع الاستغناء عنه، ولم يجز مع
الحاجة إليه، إلا أن يكون معذورا.
وإذا جرد الجيش لقتال فامتنعوا - وهم أكفاء
(١) مطالب أولي النهى ٥٧٥/٢، المغني ٦/ ٤١٧
من حاربهم - سقطت أرزاقهم، وإن ضعفوا
عنهم لم تسقط .
وإذا مرض بعضهم أو جن ورجي زوال
المرض أو الجنون ولو بعد مدة طويلة أعطي
وبقي اسمه في الديوان لئلا يرغب الناس عن
الجهاد ویشتغلوا بالکسب، فإنهم لا يأمنون هذه
العوارض. باتفاق الشافعية والحنابلة.
وإن لم يرج زوال المرض أو الجنون، فقال
الحنابلة : يخرج من الديوان ويسقط سهمه، لأنه
في مقابل عمل قد عدم، وهو الأظهر عند
الشافعية، ويعطى الكفاية اللائقة به، ومقابل
الأظهر عندهم أنه لا یعطی لعدم رجاء نفعه،
أي: لا يعطى من أربعة أخماس الفيء المعدة
للمقاتلة، ولكن يعطى من غيرها إن كان
محتاجا . (١)
القسم الثاني: ما يختص بالأعمال من رسوم
وحقوق :
٩ - وبيانه من جوانب :
الأول: تحديد العمل بما يتميز به عن غيره،
وتفصيل نواحيه التي تختلف أحكامها، فيجعل
لکل بلد حدا لا یشاركه فیه غیره، ویفصل
نواحي کل بلد إذا اختلفت أحكامها.
الثاني: بيان حال البلد هل فتح عنوة أو صلحا
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٠٦، الأحكام السلطانية
لأبي یعلی ص٢٤٣
- ١٥٨ -

دیوان ٩ - ١٠
وما استقر علیه حکم أرضه من عشر أوخراج،
فإن كان جميعه أرض عشر لم يلزم إثبات
مساحاته، لأن العشر على الزرع دون
المساحة، ویکون ما استؤنف زرعه مرفوعا إلى
ديوان العشر لا مستخرجا منه، ويلزم تسمية
أربابه عند رفعه إلی الدیوان، لأن وجوب العشر
فیه معتبر بأربابه دون رقاب الأرضین، وإذا رفع
الزرع بأسماء أربابه ذکر مبلغ کیله وحال سقيه
بسیح (ماء جار) أو عمل، لاختلاف حكمه
لیستوفی علی موجبه .
وإن كان جميعه أرض خراج لزم إثبات
مساحاته لأن الخراج على المساحة، فإن كان
هذا الخراج في حكم الأجرة لم يلزم تسمية أرباب
الأرضين لأنه لا يختلف بإسلام ولا بكفر، وإن
كان الخراج في حكم الجزية لزم تسمية أربابهم
ووصفهم بإسلام أو کفر لاختلاف حکمه
باختلاف أهله.
وإن کان بعضه عشرا وبعضه خراجا فصل
في دیوان العشرما کان منه عشرا، وفي دیوان
الخراج ما كان منه خراجا، لاختلاف الحكم
فيهما، وأجري على كل واحد منهما ما يختص
بحکمه.
الثالث: بيان أحكام الأرض الخراجية وما استقر
عليها من مقاسمة على الزرع أو ورق (فضة)
مقدر على الخراج.
الرابع : ذكر من في كل بلد من أهل الذمة
وما استقر عليهم في عقد الجزية، فإن كانت
مختلفة باليسار والإِعسار سموا في الدیوان مع ذکر
عددهم، ليختبر حال يسارهم وإعسارهم، وإن
لم تختلف في اليسار والإِعسار جاز الاقتصار على
ذکر عددهم ووجب مراعاتهم في كل عام ليثبت
من بلغ ويسقط من مات أو أسلم، لينحصر
بذلك ما يستحق من جزیتهم.
الخامس: ذکر أجناس المعادن في البلد ۔ إن كان
من بلدان المعادن - وعدد كل جنس، ليستوفى
حق المعدن منها .
السادس: إن کان البلد ثغرا یتاخم دار الحرب
وكانت أموال الكفار قد دخلت دار الإِسلام
معشورة عن صلح استقر معهم وأثبت في دیوان
عقد صلحهم وقدر المأخوذ منهم من عشر، أو
خمس، أوزيادة، أو نقصان، فإن كان يختلف
باختلاف الأمتعة، والأموال فصلت فیه، وكان
الديوان موضوعا لإخراج رسومه، ولاستيفاء
ما يرفع إليه من مقادير الأمتعة المحمولة إليه.(١)
القسم الثالث: ما يختص بالعمال من تقليد
وعزل :
١٠ - وبيانه فيما يلي :
الأول: ذکر من يصح منه تقلید العمال، وهو
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٠٦ - ٢٠٩، الأحكام
السلطانية لأبي یعلی ٢٤٤ - ٢٤٦
- ١٥٩ -

ديوان ١٠
معتبر بنفوذ الأمر وجواز النظر، وهذا يكون من
أحد ثلاثة: السلطان المستولي علی کل الأمور،
أو وزير التفويض، أو عامل عام الولاية كعامل
إقليم أو مصر عظيم يقلد في خصوص الأعمال
عاملا .
أما وزير التنفیذ فلا يصح منه تقلید عامل إلا
بعد المطالعة والاستثمار.
الثاني: ذكر من يصح أن يتقلد العمالة، وهو من
استقل بکفایته ووثق بأمانته، فإن كانت عمالة
تفويض تفتقر إلى اجتهاد روعي فيها الحرية
والإِسلام، وإن كانت عمالة تنفيذ لا اجتهاد
للعامل فيها، لم يفتقر إلى الحرية والإِسلام.
الثالث: ذكر العمل الذي يتقلده، وهذا يعتبر
فيه ثلاثة شروط :
أ - تحدید الناحية بما تتميز به عن غيرها.
ب - تعيين العمل الذي يختص بنظره فيها من
جباية أو خراج أو عشر.
جـ - العلم برسوم العمل وحقوقه على تفصيل
بنفي عنه الجهالة .
فإذا استكملت هذه الشروط في عمل علم به
المولّي والمولّى صح التقليد ونفذ.
الرابع: بيان زمان النظر، ولا يخلو من ثلاثة
أحوال:
أ - أن يقدر بمدة محصورة، فیکون التقدير بهذه
المدة مجوزا للنظر فيها، ومانعا من النظر بعد
انقضائها، ولا يكون النظر في المدة المقدرة لازما
من جهة المولي، وله صرفه والاستبدال به إن
رأی ذلك صلاحا .
ب - أن يقدر بالعمل، فيقول المولِّي: قلدتك
خراج ناحية كذا في هذه السنة، أوقلدتك
صدقات بلد كذا في هذا العام، فتكون مدة
نظره مقدرة بفراغه عن عمله، فإذا فرغ
انعزل عنه، وهو قبل فراغه يجوز أن يعزله
المولي، وعزله لنفسه معتبر بصحة جاريه(١)
وفساده.
جـ - أن يكون التقليد مطلقا فلا يقدر بمدة
ولا عمل، فيقول المولي مثلا: قلدتك خراج
الكوفة، أو أعشار البصرة، أو حماية بغداد، وهو
تقلید صحیح وإن جهلت مدته.
الخامس: في جاري (مقابل) العامل على
عمله، ولا يخلو من ثلاثة أحوال:
أ - أن يسمي معلوما، فيستحق المسمَّى إذا وفى
العمالة حقها، فإن قصر فيها روعي تقصيره،
وإن زاد في العمل روعيت الزيادة.
ب - أن يسمي مجهولا، فيستحق جاري مثله
فيما عمل، فإن كان جاري العمل مقدرا في
الديوان، وعمل به جماعة من العمال، صارذلك
القدر هو جاري المثل، وإن لم يعمل به إلا واحدا
لم يصر ذلك مألوفا في جاري المثل.
جـ - أن لا يسمى بمجهول ولا بمعلوم، وفيما
(١) الجاري هو ما يجرى عليه من الرزق (المرتب).
- ١٦٠ -