النص المفهرس
صفحات 41-60
دولة ١٠
المال بصرف هذه الأموال في مصارفها کل
بحسبه، ولا بد أن یکون له سجل هو دیوان بیت
المال لضبط ما يرد إليه وما يصدر عنه من أموال،
ولضبط مصارفها كذلك.
وللتفصيل انظر مصطلح: ((بيت المال)). (١)
سابعا : الوزراء :
١٠ - لما كان المتعذر على الإِمام القيام بنفسه
بأعباء الحکم وتسییر شئون الدولة مع کثرتها کان
لابد له من أن يستنيب الوزراء ذوي الكفاية
لذلك.
والوزیر إما أن یکون وزیر تفويض، أو وزير
تنفیذ. أما وزير التفويض فهومن يفوض له
الإِمام تدبير أمور الدولة وإمضاءها باجتهاده،
وله النظر العام في شئون الدولة، وهو وکیل عن
الإِمام فيما ولي عليه، وأسند إليه، ويشترط في
وزير التفويض ما يشترط في الإِمام باستثناء كونه
قرشیا، وکونه مجتهدا على خلاف فيه، وکما يجوز
لوزير التفويض أن يباشر شئون الدولة، يجوز له
أن يستنيب من يباشرها، وكل ما صح من
الإِمام صح من الوزير إلا أمورا ثلاثة :
أحدها: ولاية العهد، فإن للإمام أن یعهد،
وليس ذلك للوزير.
ثانيها: أن للإِمام أن يطلب الإِعفاء من
الإمامة، وليس ذلك للوزير.
ثالثها: أن للإِمام أن يعزل من قلده الوزير،
وليس للوزير عزل من قلده الإِمام .
والوزارة ولاية تفتقر إلى عقد، والعقود لا
تصح إلا باللفظ الصريح المشتمل على
شرطين: أحدهما: عموم النظر، والثاني:
النيابة .
فإذا اقتصر الإِمام على عموم النظر دون
النيابة كان اللفظ خاصا بولاية العهد، إذ أن
نظره عام كنظر الإِمام إلا أنه لا ينوب عنه حال
حياته، وأما إذا اقتصر على النيابة دون عموم
النظر كانت نيابة مبهمة لم تبين ما استنابه فیه،
فلابد أن يجمع له بين عموم النظر والنيابة لتنعقد
وزارة التفويض .
أما وزير التنفيذ فلا يستقل بالنظر كوزير
التفويض، فتقتصر مهمته على تنفيذ أمر الإِمام
فهو واسطة بين الإِمام والرعية يبلغهم أوامره
ويخبرهم بتقليد الولاة، ولذا لا يحتاج وزير
التنفيذ إلى عقد وتقليد، وإنما يراعى فيها مجرد
الإِذن، وتقصر في شروطها عن شروط وزارة
التفويض. ولما قصرت مهمته على تبليغ الخليفة
والتبليغ عنه، اشترط فيه الأمانة، والصدق،
وقلة الطمع، وأن يسلم من عداوة الناس فيما
بينه وبينهم، وأن يكون ضابطا لما ينقل، وأن
لا يكون من أهل الأهواء. وقد یشارك وزير
التنفيذ في المشورة والرأي فلابد من أن يكون
(١) الموسوعة ٨/ ٢٤٢
- ٤١ -
دولة ١١ - ١٣
صاحب حنكة وتجربة تؤديه إلى إصابة الرأي
وحسن المشورة. (١)
إمارة الحرب :
١١ - تتولى هذه الإمارة ولاية الحرب وحماية
الدولة من الاعتداء عليها من الخارج.
وهي إما أن تكون إمارة خاصة مقصورة على
سياسة الجيش، وإعداده، وتدبير الحرب. أو
أن تتسع صلاحيتها فيما يفوض إليها الإِمام
فتشمل قسم الغنائم، وعقد الصلح .
ويلزم أمير الجيش في سياسته للجيش عشرة
أشياء .
١) حراستهم من غرة يظفر بها العدو منهم.
٢) تخير موضع نزولهم لمحاربة العدو.
(٣) إعداد ما يحتاج الجيش إليه .
٤) أن يعرف أخبار عدوه .
٥) ترتيب الجيش في مصاف الحرب.
٦) أن يقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر.
٧) أن يعد أهل الصبر والبلاء منهم بثواب الله .
٨) أن يشاور ذوي الرأي منهم .
٩) أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله تعالى من
حقوقه .
١٠) أن لا یمکن أحدا من جيشه أن يتشاغل
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، ٢٣، ٢٧ - ٢٩،
الغيائي ١٤٩ - ١٥٨، بدائع السلك ١٨٥/١، ١٨٦
بتجارة أو زراعة، حتى لا ينصرف عن مصابرة
العدو. (١)
وتجهيز المثبتين في ديوان الجند من الغزاة في
سبيل الله واجب باتفاق الفقهاء، ومحله بيت
مال المسلمين، فإن لم يوجد، فعلى أفراد
المسلمين وأغنيائهم.
وللتفصيل انظر مصطلح: ((جهاد)).
زوال الدولة :
١٢ - تزول الدولة بزوال أحد أركانها: الشعب،
أو الإِقليم، أو المنعة (السيادة) أو بتحولها من دار
إسلام إلى دار حرب .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: ((دار
الإسلام)).
تعدد الدول الإسلامية :
١٣ - يتعلق حكم تعدد الدول الإِسلامية بحكم
تعدد الأئمة حيث إن الدولة الإِسلامية تمثل
شخص الإِمام، لأنه مصدر السلطة فيها، وعنه
تصدر جمیع سلطات الدولة وصلاحياتها .
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز
كون إمامين في العالم في وقت واحد، ولا يجوز إلا
إمام واحد، ودليله قوله وسلم: ((إذا بويع لخليفتين
فاقتلوا الآخر منهما)). (٢)
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٣٥ - ٥٤
(٢) حديث: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)). أخرجه
مسلم (١٤٨٠/٣ - ط. الحلبي) من حديث أبي سعيد
الخدري.
- ٤٢ -
دولة ١٤
ولأن في تعدد الدول الإِسلامية مظنة للنزاع
والفرقة، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك
بقوله: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا
فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾. (١)
وفي أحد أوجه التفسير أن المراد بالريح في
الآية الكريمة هو الدولة قاله أبو عبيد. (٢)
انظر التفصيل في مصطلح : (الإِمامة
الكبرى).
واجبات الدولة العامة : (٣)
١٤ - يتعين على الدولة ممثلة بمجموع سلطاتها
أن ترعى المصالح العامة للمسلمين الداخلين
تحت ولايتها، وجماع هذه المصالح يعود إلى :
١) حفظ أصول الدين وإقامة الشريعة. وتنظر
الأحكام المتعلقة بهذه المصلحة في مصطلحات :
(إمامة كبرى، ردة، بدعة ، ضروريات،
وجهاد).
٢) إقامة الحدود، وعقوبة المستحق وتعزيره.
وتنظر أحكامها في مصطلحات: (قصاص،
تعزير).
(١) سورة الأنفال/ ٤٦
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٣٧
(٣) بدائع السلك في طبائع الملك ١٨٥/١ - ٣٩٧، ٢ /٦٣٣ -
٦٩٨، ويراجع كذلك مصطلح (إمامة كبرى) و(أولو
الأمر).
٣) حفظ المال العام للدولة، ويراجع في هذا
مصطلح بيت المال.
٤) إقامة العدل وتنفيذ الأحكام وقطع
الخصومات، وينظر في ذلك مصطلح:
(قضاء).
٥) رعاية أهل الذمة، ويراجع مصطلح : (أهل
الذمة).
٦) تكثير العمارة، وينظر في مصطلح: (عمارة).
٧) إقامة السياسة الشرعية، وينظر مصطلح :
(سياسة شرعية).
- ٤٣ -
دیات ١ - ٢
دیات
التعريف :
١ - الدیات جمع دية، وهي في اللغة مصدر ودی
القاتل القتيل يديه دية إذا أعطى وليه المال الذي
هو بدل النفس، وأصلها وِذْية، فهي محذوفة
الفاء کعدة من الوعد وزنة من الوزن . وكذلك
هبة من الوهب. والهاء في الأصل بدل من فاء
الكلمة التي هي الواو، ثم سمي ذلك المال
(دية) تسمية بالمصدر. (١)
وفي الاصطلاح عرفها بعض الحنفية بأنها
اسم للمال الذي هوبدل النفس. (٢)
ومثله ما ذکر في کتب المالكية. حيث قالوا في
تعريفها: هي مال يجب بقتل آدمي حر عوضا
عن دمه . (٣)
لكن قال في تكملة الفتح : الأظهر في تفسير
الدية ماذكره صاحب الغاية آخرا من أن الدية:
(١) المصباح المنير، والمغرب مادة: ((ودي)).
(٢) اللباب شرح الكتاب ٤٤/٣، وتكملة فتح القدير
٩/ ٢٠٤، ٢٠٥
(٣) كفاية الطالب ٢٣٧/٢، ٢٣٨
اسم لضمان (مقدر) يجب بمقابلة الآدمي أو
طرف منه، سمي بذلك لأنها تؤدى عادة وقلما
يجري فيها العفو لعظم حرمة الآدمي. (١)
وهذا ما يؤيده العدوي من فقهاء المالكية
حيث قال بعد تعريف الدية: إن ما وجب في
قطع الید مثلا یقال له دیة حقیقة، إذ قد وقع
التعبیر به في کلامهم.(٢)
أما الشافعية والحنابلة فعمموا تعريف الدية
ليشمل ما يجب في الجناية على النفس وعلى
ما دون النفس. قال الشافعية: (هي المال
الواجب بالجناية على الحر في نفس أو فيما
دونها) . (٣)
وقال الحنابلة: (إنها المال المؤدى إلى مجني
عليه، أو وليه، أو وارثه بسبب جناية). (٤)
وتسمى الدية عقلا أيضا، وذلك لوجهين :
أحدهما أنها تعقل الدماء أن تراق، والثاني أن
الدية كانت إذا وجبت وأخذت من الإِبل تجمع
فتعقل، ثم تساق إلى ولي الدم. (٥)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القصاص :
٢ - القصاص من القص، وهو في اللغة بمعنى
(١) تكملة فتح القدير ٢٠٤/٩، ٢٠٥، والاختيار ٣٥/٥
(٢) كفاية الطالب مع حاشية العدوي ٢٣٧/٣، ٢٣٨
(٣) نهاية المحتاج ٢٩٨/٧، ومغني المحتاج ٤/ ٥٣
(٤) مطالب أولي النهى ٦/ ٧٥، وكشاف القناع ٥/٦
(٥) الاختيار ٥/ ٥٨
- ٤٤ -
دیات ٣ - ٧
القطع، والقصاص في الشرع هو القود، وهو أن
يفعل بالجاني مثل ما فعل. (١) فإذا قتل قتل
مثله، وإذا جرح جرح مثله. (ر: قصاص).
ب - الغرة :
٣ - الغرة من كل شيء أوله، والغرة: العبد أو
الأمة، ومن معانيها في الشرع: ضمان يجب في
الجناية على الجنين، وتبلغ قيمتها نصف عشر
الدية، وهي خمس من الإِبل أو خمسمائة درهم
على تفصيل يذكر في مصطلح : (غرة)، سميت
غرة لأنها أول مقادير الدية، وأقل ما قدره الشرع
في الجنايات. (٢)
ج - الأرش :
٤ - الأرش يطلق غالبا على المال الواجب في
الجناية على ما دون النفس، فهو أخص من
الدية بهذا المعنى، لأنها تشمل المال المؤدى
مقابل النفس وما دون النفس. وقد يطلق
الأرش على بدل النفس أيضا، فيكون بمعنى
الدية . (٣)
د - حكومة عدل :
٥ - من معاني حكومة العدل رد الظالم عن
(١) التعريفات للجرجاني، والمصباح المنير.
(٢) ابن عابدين ٣٧٧/٥، وجواهر الإكليل ٣٠٣/١،
وحاشية الجمل ١٠١/٥، والمغني ٧/ ٨٠٤
(٣) اللباب شرح الكتاب ٣/ ٤٤، وتكملة الفتح ٩/ ٢٠٤،
٢٠٥، والاختيار ٣٥/٥، والتعريفات للجرجاني.
الظلم. وتطلق عند الفقهاء على الواجب يقدره
عدل في جناية ليس فيها مقدار معين من المال.
فهي تختلف عن الأرش والدية في أنها غير مقدرة
في الشرع، وتجب وتقدر بحكم العدل. (١)
هـ - الضمان :
٦ - الضمان لغة: الالتزام، وشرعا: يطلق على
معنیین :
أ - المعنى الخاص: وهو دفع مثل الشيء في
المثليات، وقيمة الشيء في القيميات. (٢)
فهو بهذا المعنى يطلق غالبا على ما يدفع
مقابل إتلاف الأموال، بخلاف الدية التي تدفع
مقابل التعدي على الأنفس.
ب - المعنى العام الشامل للكفالة: وعرفها
جمهور الفقهاء بأنه التزام دين أو إحضار عين أو
بدن. ويقال للعقد المحصل لذلك أيضا، أوهو
شغل ذمة أخرى بالحق . (٣)
مشروعية الدية :
٧ - الأصل في مشروعية الدية قوله تعالى:
﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية
(١) تبيين الحقائق ٦/ ١٣٣، وتكملة الفتح ٢١٨/٩
(٢) مجلة الأحكام العدلية م/ ٤١٥، والزرقاني ٦ / ١٤٤، ١٤٦
(٣) القليوبي ٣٢٣/٢، وجواهر الإكليل ١٠٩/٢، ومطالب
أولي النهى ٢٩٢/٣
- ٤٥ -
ديات ٧ - ٩
مسلمة إلى أهله﴾،(١) وسنة نبيهمێ، فقد روى
أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن
جده أن رسول اللّه ◌َلل كتب إلى أهل اليمن
كتابا فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع
عمروبن حزم فقرئت على أهل اليمن هذه
نسختها: من محمد النبي ◌َّل إلى شرحبيل بن
عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والحرث بن
عبد كلال قَيْل ذي رُعَین ومعافر وهمدان أما
بعد، وكان في كتابه: ((أن من اعتبط مؤمنا قتلا
عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول،
وأن في النفس الدية مائة من الإِبل، وفي الأنف
إذا أوعِب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي
الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذّكر
الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية،
وفي الرِّجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة
ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة
خمس عشرة من الإِبل، وفي كل أصبح من
أصابع اليد والرجل عشر من الإِبل، وفي السن
خمس من الإِبل، وفي الموضحة خمس من الإِبل،
وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب
ألف دينار)) وفي رواية زيادة ((وفي اليد الواحدة
نصف الدية)). (٢)
(١) سورة النساء/ ٩٢
(٢) حديث أبي بكر بن محمد بن حزم عن أبيه عن جده في
الديات والفرائض: أخرجه النسائي (٥٨/٨ - ٥٩ ط المكتبة
التجارية)، وخرجه ابن حجر في التلخيص (٤ /١٧ - ١٨ -=
وقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في
الجملة .
والحكمة في وجوبها هي صون بنيان الآدمي
عن الهدم، ودمه عن اهدر.(١)
أقسام الدية :
٨ - تختلف الدية ومقدارها بحسب اختلاف نوع
الجناية وصفة المجني عليه.
فهناك دية النفس ودية الأعضاء، كما أن
هناك دية مغلظة ودية غير مغلظة، فدية العمد
إذا سقط القصاص بسبب من أسباب سقوطه
كالعفو، أو عدم توفر شرط من شروط القصاص
أو بوجود شبهة، دية مغلظة، كما أن دية شبه
العمد مغلظة، ودية الخطأ وما يجري مجراه دية
غير مغلظة. وهذا في الجملة، وسيأتي تفصيل
هذه المسائل مع بيان معنى العمد وشبه العمد
والخطأ. وأسباب التغليظ والتخفيف في الدية،
واختلاف الفقهاء في بعض الفروع فيما بعد.
شروط وجوب الدية :
٩ - أ - يشترط لوجوب الدية أن يكون المجني
عليه معصوم الدم، أي مصون الدم، وهذا
باتفاق الفقهاء .
= ط شركة الطباعة الفنية)، وتكلم على أسانيده، ونقل
تصحيحه عن جماعة من العلماء.
(١) الاختيار ٣٥/٥، والفواكه الدواني ٢/ ٢٥٧، والمهذب
١٩١/٢، ١٩٦ وكشاف القناع ٥/٦، والمغني لابن قدامة
٥٥٨/٧
- ٤٦ -
دیات ١٠ - ١١
فإذا كان مهدر الدم، کان کان حربیا، أو
مستحق القتل حدا أو قصاصا فلا تجب الدیة
بقتله لفقد العصمة. ولبيان معنى العصمة
وشروطها ينظر مصطلح : (عصمة).
وأما الإِسلام فليس من شرائط وجوب الدية
لا من جانب القاتل ولا من جانب المقتول،
فتجب الدية سواء أكان القاتل أو المقتول مسلما،
أم ذميا، أم مستأمنا .
وكذلك لا يشترط العقل والبلوغ، فتجب
الدية بقتل الصبي والمجنون اتفاقا، كما تجب في
مال الصبي والمجنون (مع خلاف وتفصيل).
وذلك لأن الدية ضمان مالي فتجب في حقهما، (١)
وسیأتي تفصيله فيمن تجب عليه الدية.
ب - وجود المجني عليه بدار الإِسلام:
١٠ - ويشترط لوجوب الدية عند الحنفية أن
يكون المجني عليه بدار الإِسلام، قال
الكاساني: وعلى هذا فإن الحربي إذا أسلم في
دار الحرب فلم يهاجر إلينا فقتله مسلم أو ذمي
خطأ لا تجب الدية عند أصحابنا .
ولا يشترط جمهور الفقهاء هذا الشرط فيرون
أن العصمة تحصل بالإِسلام أو الأمان، فيدخل
(١) البدائع للكاساني ٢٥٣/٧، والتاج والإكليل على هامش
الحطاب ٦/ ٢٣١، والإقناع ١٧٣/٤، وكشاف القناع
٥/٦
فیھا المسلم۔ ولو کان في دار الحرب - کما يدخل
فيها الذمي، والمستأمن، والمعقود معهم عقد
الموادعة، والهدنة. (١)
أسباب وجوب الدية :
أولا : القتل :
١١ - القتل هو لغة: إزهاق الروح، يقال: قتلته
قتلا: إذا أزهقت روحه .
وأطلقه الفقهاء أيضا على الفعل المزهق،
أي القاتل للنفس، أو فعل ما يكون سببا لزهوق
النفس، والزهوق هو مفارقة الروح البدن. (٢)
وقسم الشافعية والحنابلة القتل إلى عمد،
وشبه عمد، وخطأ .
وقسمه الحنفية إلى خمسة أقسام: العمد،
وشبه العمد، والخطأ، وما يجرى مجرى الخطأ،
والقتل بالسبب .
وعند المالكية ليس هناك إلا قتل العمد،
وقتل الخطأ .
وتفصيله في مصطلح : (قتل).
(١) المراجع السابقة، وانظر الزرقاني ٤/٨، والقليوبي
٤/ ٢٢١
(٢) المصباح المنير، والبدائع ٢٣٣/٢، وتكملة الفتح
٢٤٤/٨، والاختيار ٢٣/٥ - ٢٦، وجواهر الإكليل
٢٥٦/٢، والحطاب ٦/ ٢٤٠ - ٢٤٢، ومغني المحتاج
٢/٤ - ٤، ٣٢، وكشاف القناع ١٣/٥، ٥٠٤ - ٥٠٥
- ٤٧ -
دیات ١٢ - ١٣
أنواع القتل الذي تجب فيه الدية :
الأول: القتل الخطأ:
١٢ - اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في القتل
الخطأ، وإنما تجب الدية والكفارة. فكل من قتل
إنسانا ذكراً أو أنثى، مسلما أو ذميا، مستأمنا أو
مهادنا، وجبت الدية، لقوله تعالى: ﴿ومن قتل
مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى
أهله إلا أن يصدقوا﴾(١) وقوله سبحانه: ﴿وإن
کان من قوم بینکم وبينهم میثاق فدية مسلمة
إلى أهله﴾. (٢)
ودية الخطأ تجب على عاقلة الجاني مؤجلة في
ثلاث سنين باتفاق الفقهاء لحديث أبي هريرة
رضي الله عنه قال: «اقتتلت امرأتان من هذیل
فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في
بطنها، فقضى رسول الله وَل بدية المرأة على
عاقلتها))(٣) أي على عاقلة القاتلة.
ودلیل تأجیلھا کما قال الكاساني: إجماع
الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، فإنه روي
أن عمر رضي الله عنه قضى بذلك بمحضر من
الصحابة، ولم ينقل أنه خالفه أحد، فيكون
إجماعا . (٤)
(١) سورة النساء/ ٩٢
(٢) سورة النساء/ ٩٢
(٣) حديث أبي هريرة: ((اقتتلت امرأتان من هذيل)). أخرجه
البخاري (الفتح ٢٥٢/١٢ - ط السلفية) ومسلم
(١٣١٠/٣ - ط الحلبي).
(٤) البدائع ٧/ ٢٥٥، ٢٥٦، والمغني ٧ / ٧٦٩، ٧٧١، =
حكمة وجوب دية الخطأ على العاقلة :
١٣ - الأصل وجوب الدية على الجاني نفسه،
لأن سبب الوجوب هو القتل، وأنه وجد من
القاتل، ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره، لقوله
تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى)، (١) ولهذا لم
تتحمل العاقلة ضمان الأموال، ودية العمد.
لكنه ترك هذا الأصل في دية الخطأ بنص
الحديث السابق، وبفعل الصحابة كما تقدم،
والحكمة في ذلك كما قال البهوتي : إن جنايات
الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على
الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة
إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل
والإِعانة له تخفيفا. (٢)
وقال الكاساني: في حكمته: إن حفظ القاتل
واجب على عاقلته، فإذا لم يحفظوا فقد فرطوا،
والتفريط منهم ذنب.
ويدخل القاتل في تحمل دية الخطأ مع العاقلة
عند الحنفية والمالكیة فیکون فيها يؤدي مثل
أحدهم، خلافا للشافعي والحنابلة كما
سيأتي.(٣)
= والشرح الكبير للدردير ٢٨١/٤، ومغني المحتاج
٥٥/١، والمهذب ٦/٢
(١) سورة الأنعام/ ١٦٤
(٢) كشاف القناع ٦/ ٦، وانظر الشرح الكبير للدردير
٢٨١/٤
(٣) البدائع ٧/ ٢٥٥، واللباب شرح الكتاب ٢/ ٧١
- ٤٨ -
دیات ١٤
وفي بيان المراد من العاقلة، وتحديدها،
وكيفية تحميلها الدية، ومقدار ما تتحمله العاقلة
من الدية خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح :
(عاقلة).
١٤ - ودية القتل الخطأدية مخففة، ولا تغلظ في
أي حال عند الحنفية والمالكية، خلافا للشافعية
والحنابلة حيث قالوا بتغليظها في ثلاث حالات:
١ - إذا حدث القتل في حرم مكة، تحقيقا
للأمن.
٢ - إذا حدث القتل في الأشهر الحرم، أي ذي
القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب.
٣ - إذا قتل القاتل ذا رحم محرم له. ففي هذه
الحالات تجب دية مغلظة، لما روى مجاهد أن
عمر رضي الله عنه قضى فيمن قتل في الحرم، أو
في الأشهر الحرم، أو مَخْرمَا بالدية وثلث الدية.
ولا تغلظ الدية في القتل في المدينة عند جمهور
الفقهاء. وفي وجه عند الشافعية تغلظ، لأنها
كالحرم في تحريم الصيد فكذلك في تغليظ
الدية . (١)
أما تغليظ الدية في القتل العمد وشبه العمد
فسيأتي تفصيله في موضعه، مع بيان معنى
التغليظ والتخفيف في الدية.
وتجب الدية من صنف المال الذي يملكه من
تجب عليه الدية. فإن كانت من الإِبل تؤدى في
(١) مغني المحتاج ٤/ ٥٤، والمهذب ١٩٦/٢، ١٩٧، والمغني
٧/ ٧٧٢، ٧٧٤
القتل الخطأ أخماسا باتفاق الفقهاء، وهي
عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون،
وعشرون حقة، وعشرون جذعة اتفاقا. (١)
واختلفوا في العشرين الباقية: فقال الحنفية
والحنابلة: هي من بني المخاض، وهذا قول ابن
مسعود، والنخعي، وابن المنذر أيضا. (٢)
لما ورد في حديث عبدالله بن مسعود
رضي الله عنه وقد رفعه إلى النبي وسلم أنه قال:
((في دية الخطأ: عشرون حقة، وعشرون
جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت
لبون، وعشرون بني مخاض ذكر)). (٣) (راجع
بيان هذه الأنواع من الإِبل في مصطلحاتها).
أما المالكية والشافعية فقالوا في العشرين
الباقية: هي من بني اللبون، وهذا قول عمر بن
عبدالعزيز، وسليمان بن يسار، والزهري،
والليث، وربيعة، لما روي أن النبي ◌ّ ((ودى
الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة)) (٤) وليس
(١) البدائع ٢٥٤/٧، وبداية المجتهد ٢/ ٢٧٥، ومغني
المحتاج ٥٤/٤، والمهذب ١٩٧/٢، والمغني ٧٦٩/٧،
٧٧١
(٢) البدائع ٧/ ٢٥٤، والمغني ٧ / ٧٧٠
(٣) حديث ابن مسعود في دية الخطأ: ((عشرون حقة ... )).
أخرجه أبو داود (٤ / ٦٨٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
والدار قطني (١٧٣/٢ - ط دار المحاسن)، وضعفه
الدار قطني، وأطال في بيان وجوه تضعيفه.
(٤) حديث: ((ودى الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة)) . =
- ٤٩ -
دیات ١٥ - ١٦
فیها ابن مخاض.(١)
والدية من الذهب ألف دينار باتفاق
الفقهاء، أما من الورق (الفضة) فهي عشرة
آلاف درهم عند الحنفية، واثنا عشر ألف درهم
عند جمهور الفقهاء، وسیأتي تفصيله عند
الكلام عن مقدار الدية .
الثاني : القتل شبه العمد:
١٥ - القتل شبه العمد هو القتل بما لا يقتل
غالبا، كما هو تعبير الشافعية والحنابلة، أوهو
القتل بما لا يفرق الأجزاء، كما هو تعبير
الحنفية. ولا يقول به المالكية كما تقدم.
ولا خلاف بين الفقهاء ممن يقولون بشبه
العمد في أنه موجب للدية .
والدية في شبه العمد مغلظة. ودليل وجوبها
وتغليظها في القتل شبه العمد قولهال#: ((ألا وإن
قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا
مائة من الإِبل، أربعون في بطونها أولادها)). (٢)
= أخرجه البخاري (الفتح ٢٢٩/١٢ - ٢٣٠ - ط السلفية)
من حديث سهل بن أبي حثمة.
(١) المهذب ٢/ ١٩٧، ومغني المحتاج ٥٤/٤، وبداية المجتهد
٢/ ٣٧٥، ط المكتبة التجارية.
وبنت مخاض: هي الإِبل التي طعنت في السنة الثانية.
وبنت لبون: هي التي طعنت في الثالثة. وحقة: هي التي
طعنت في الرابعة. وجذعة: هي التي طعنت في الخامسة
(اللباب ٤٤/٢).
(٢) حديث: ((ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط =
وتجب هذه الدية على عاقلة الجاني عند
جمهور القائلين بشبه العمد، وبه قال الشعبي
والنخعي، والحكم، والثوري، وإسحاق،
وابن المنذر، وذلك لشبهة عدم القصد، لوقوع
القتل بما لا يقصد به القتل عادة، أو لا يقتل
غالبا . (١)
ولا يشترك فيها الجاني عند الشافعية
والحنابلة، ويشترك فيها عند الحنفية كما في القتل
الخطأ.
ودليل وجوبها على العاقلة ما روي عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: ((اقتتلت امرأتان من
هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها
وما في بطنها، فقضى رسول الله , له بدية المرأة
على عاقلتها)). (٢)
وقال ابن سیرین، والزهري، والحارث
العكلي وابن شبرمة، وقتادة، وأبو ثور: إنها تجب
على القاتل في ماله، لأنها موجب فعل قصده،
فلم تحمله العاقلة، كالعمد المحض. (٣)
وجوه تغليظ الدية وتخفيفها في شبه العمد :
١٦ - إن القتل شبه العمد واسطة بين العمد
= والعصا)). أخرجه النسائي (٤١/٨ - ط شركة الطباعة
الفنیة) وصححه ابن القطان کما في التلخيص لابن حجر
(١٥/٤ - ط شركة الطباعة الفنية).
(١) البدائع ٧/ ٢٥١، ٢٥٥ ومغني المحتاج ٤/ ٥٥، والمغني
لابن قدامة ٧ / ٧٦٦، ٧٦٧
(٢) الحدیث تقدم تخريجه ف١٢
(٣) المغني ٢٦٧/٧، وما بعدها.
- ٥٠ -
ديات ١٦ - ١٧
والخطأ، فمن جهة أن القاتل قصد الفعل يشبه
العمد، ومن جهة أنه لم يقصد القتل يشبه
الخطأ، ولهذا روعي في عقوبته التغليظ
والتخفيف معا، فتغلظ الدية فيه من ناحية
أسنان الإبل، وتخفف من ناحية وجوبها على
العاقلة، ومن ناحية التأجیل فتؤدی من قبل
العاقلة في ثلاث سنين في آخر كل سنة ثلثها .
قال ابن قدامة: لا أعلم في أنها تجب مؤجلة
خلافا بين أهل العلم، وروي ذلك عن عمر
وعلي وابن عباس رضي الله عنهم. (١)
ولا تغلظ الدية في غير الإِبل عند الفقهاء،
لأنها مقدرة، ولم يرد النص في غير الإِبل فيقتصر
على التوقيف. (٢)
واختلف الجمهور في أسنان الإِبل الواجبة في
دية القتل شبه العمد :
فقال الشافعية وهورواية عند الحنابلة وقول
محمد من الحنفية: إنها مثلثة، ثلاثون حقة،
وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها
أولادها. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، وهو
المشهور عند الحنابلة: هي مائة من الإِبل
أرباعا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس
وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة،
(١) مغني المحتاج ٤/ ٥٥، والمغني لابن قدامة ٧ / ٧٦٦، ٧٦٧
(٢) اللباب ٢/ ٤٤، وكشاف القناع ١٩/٦
وخمس وعشرون جذعة . (١)
وفي بيان مقدار ما تتحمله العاقلة خلاف
وتفصيل: (ر: عاقلة).
الثالث: القتل العمد:
١٧ - الأصل أن القتل العمد موجب للقصاص
بدليل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب
عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد
بالعبد والأنثى بالأنثى ... الآية﴾. (٢)
فمن قتل شخصا عمدا عدوانا يقتل قصاصا
باتفاق الفقهاء.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الدية ليست
عقوبة أصلية للقتل العمد، وإنما تجب بالصلح
(برضا الجاني)، كما هورأي الحنفية والمالكية، أو
بدلا عن القصاص، ولو بغيررضا الجاني، كما
هو المعتمد عند الشافعية. فإذا سقط القصاص
لسبب ما وجبت الدیة عندهم.
وذهب الحنابلة وهو قول عند الشافعية: إلى
أن الدية عقوبة أصلية بجانب القصاص في
القتل العمد. فالواجب عندهم في القتل العمد
أحد شيئين: القود أو الدية، ويخير الولي بينهما
ولو لم يرض الجاني. (٣)
(١) اللباب شرح الكتاب ٤٤/٣، ٧١، ومغني المحتاج
٤/ ٥٥، والمغني ٧/ ٧٦٥ - ٧٦٧
(٢) سورة البقرة/ ١٧٨
(٣) البدائع ٢٤١/١، والدسوقي ٢٣٩/٤، ومغني المحتاج
٤/ ٤٨، وكشاف القناع ٥٤٣/٥ - ٥٤٥
- ٥١ -
دیات ١٨ - ١٩
تغليظ الدية في القتل العمد:
١٨ - الدية في القتل العمد مغلظة، سواء أوجب
فيه القصاص وسقط بالعفو، أولشبهة أو
نحوهما، أم لم يجب أصلا، كقتل الوالد ولده.
واختلفوا في كيفية تغليظ الدية في القتل
العمد :
فقال المالكية والحنابلة : تجب أرباعا، خمس
وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس
وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت
لبون، وتجب في مال الجاني حالة، وذلك تغليظا
على القاتل.
لكن المالكية قالوا: تثلث الدية في قتل الأب
ولده عمدا إذا لم يقتل به .
ففي هذه الحالة يكون التثليث بثلاثین حقة،
وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة أي حاملا .
وقال الشافعية: دية العمد مثلثة في مال
الجاني حالة فهي مغلظة من ثلاثة أوجه: كونها
على الجاني، وحالة، ومن جهة السن. (١)
ولا تؤجل الدية في القتل العمد عند جمهور
الفقهاء، لأن الأصل وجوب الدية حالة بسبب
القتل، والتأجيل في الخطأ ثبت معدولا به عن
الأصل، لإِجماع الصحابة رضي الله عنهم، أو
معلولا بالتخفيف على القاتل، حتى تحمل عنه
(١) الفواكه الدواني ٢ / ٢٥٨، ٢٥٩، جواهر الإكليل
٢٦٥/٢، وكشاف القناع ١٩/٦، ٢٠، ومغني المحتاج
٤/ ٥٣ - ٥٥
العاقلة، والعامد يستحق التغليظ، ولهذا وجب
في ماله لا على العاقلة .
وقال الحنفية: التغليظ في القتل العمد
كالتغليظ في شبه العمد من ناحية أسنان الإِبل،
فتجب أرباعا عند أبي حنيفة وأبي يوسف،
وأثلاثا عند محمد، كما تقدم في شبه العمد . إلا
أنها تجب في مال الجاني وحده ولا تحملها
العاقلة، لأنها جزاء فعل ارتکبه قصدا وقد
قال الله تعالى : ﴿ولا تزر وازرة وزر
أخرى﴾. (١) وقال ◌َله: ((ولا يجني جان إلا على
نفسه». (٢)
وتجب الدية في القتل العمد مؤجلة أيضا في
ثلاث سنين عند الحنفية (خلافا لجمهور
الفقهاء) لأن الأجل وصف لکل دیة وجبت
بالنص، فدية القتل العمد مغلظة من وجهين
فقط: أحدهما من ناحية الأسنان، والثاني أنها
تجب في مال الجاني. (٣)
حالات وجوب الدية في القتل العمد :
أ - العفو عن القصاص:
١٩ - رغب الشارع في العفو عن القصاص فقال
(١) سورة الأنعام/ ١٦٤
(٢) حديث: ((لا يجني جان إلا على نفسه)». أخرجه الترمذي
(٤/ ٤٦١ - ط الحلبي) من حديث عمرو بن الأحوص،
وقال: ((حديث حسن صحيح)).
(٣) البدائع ٧/ ٢٥٦، ٢٥٧
- ٥٢ -
دیات ٢٠
سبحانه وتعالى : ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب
عليكم القصاص في القتلى﴾(١) ثم قال:
﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف
وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم
ورحمة﴾، (٢) وفي الحديث عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن النبي وَلّ قال: ((ما نقصت
صدقة من مال، ولا عفا رجل عن مظلمة إلا
زاده الله عزا)). (٣)
واتفق الفقهاء على أنه إن عفا عن القصاص
مجانا فهو أفضل.
وتجب الدية في العفو عن القصاص في
الحالات التالية :
١ - عفو جميع أولياء القتيل:
٢٠ - إذا عفا جميع أولياء القتيل ولم يكن بينهم
صغير ولا مجنون يسقط القصاص عند جميع
الفقهاء، وتسقط الدية أيضا عند الحنفية وهو
الراجح عند المالكية، لأن موجب العمد هو
القصاص، وهو الواجب عينا أي متعينا
عندهم، فليس للأولياء أن يجبروا الجاني على
دفع الدية، وإنما لهم أن يعفوا مجانا أو يقتصوا
(١) سورة البقرة/ ١٧٨
(٢) سورة البقرة/ ١٧٨
(٣) حديث: ((ما نقصت صدقة من مال ... )). أخرجه مسلم
(٢٠٠١/٤ - ط الحلبي) وأحمد (٢٣٥/٢ - ط اليمنية) من
حديث أبي هريرة، واللفظ لأحمد.
منه، فإذا سقط القصاص بالعفو فلا بدیل له من
الدية، إلا عن طريق التراضي والصلح بين
الأولياء والجاني، وإذا حصل الصلح بينهم جاز
العفو على الدية أو أكثر أو أقل منها برضا الجاني،
لأن بدل الصلح غير مقدر.(١)
وقال الشافعية والحنابلة: للأولياء أن يعفوا
عن القود على الدية بغير رضا الجاني.
والمذهب عند الشافعية أنه لو أطلق العفو ولم
يتعرض للدية بنفي أو إثبات فلا تجب الدية بناء
على القول الراجح عندهم، وهو أن موجب
العمد القود، لأن القتل لم يوجب الدية على
هذا القول، والعفو إسقاط شيء ثابت،
لا إثبات معدوم .
وعلى قول آخر عندهم : تجب الدیة، لأن
الواجب أحدهما، فإذا ترك أحدهما وهو القود
وجب الآخر أي الدية .
وقال الحنابلة: يخير الأولياء بين القود وأخذ
الدية، لقوله { ل: «من قتل له قتيل فهو بخير
النظرين، إما أن يودى وإما أن يقاد))(٢) وحيث
إن الدية دون القصاص فللولي أن ينتقل إليها
ولو سخط الجاني، لأنها أقل من حقه .
(١) البدائع للكاساني ٢٤٧/٧، والدسوقي مع الشرح الكبير
للدردير ٤/ ٢٣٩، ٢٤٠
(٢) حديث: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين)). أخرجه
البخاري (الفتح ١٢ /٢٠٥ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٨٩
- ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
- ٥٣ -
دیات ٢١ - ٢٢
وإن عفا مطلقا بأن لم یقیده بقود ولا دية، أو
قال: عفوت عن القود، فله الدية، لانصراف
العفو إلى القود في مقابلة الانتقام، والانتقام إنما
يكون بالقتل. (١)
٢ - عفو بعض الأولياء:
٢١ - إذا عفا بعض الأولياء عن القود دون
البعض سقط القصاص عن القاتل، لأنه سقط
نصيب العافي بالعفو، فيسقط نصيب الآخر في
القود ضرورة، لأنه لا يتجزأ فلا يتصور استيفاء
بعضه دون بعض .
وفي هذه الحالة يبقى للآخرين نصيبهم من
الدية، وذلك باتفاق الفقهاء لإِجماع الصحابة
رضي الله عنهم، فإنه روي عن عمر
وعبدالله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم
أنهم أوجبوا، في عفو بعض الأولياء، للذين لم
یعفوا نصيبهم من الدیة، وذلك بمحضر من
الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُنقل أنه أنكر
أحد عليهم، فيكون إجماعا.
ويستوي في هذه الحالة عفو أحد الأولياء مجانا
أو إلى الدية.
ولا يصح العفو عن القصاص من قبل
الصغير والمجنون، وإن كان الحق ثابتا لهما،
(١) مغني المحتاج ٤٨/٤، ٤٩، والمهذب ١٨٩/٢، كشاف
القناع ٥/ ٥٤٣، ٥٤٤، والمغني ٧٤٢/٧، ٧٤٤
وهذا باتفاق الفقهاء، لأنه من التصرفات المضرة
المحضة، فلا يملكانه كالطلاق والعتاق
ونحوهما . (١)
ب - موت الجاني (فوات محل القصاص):
٢٢ - صرح الحنفية والمالكية بأن القاتل إذا مات
أو قتل سقط القصاص بفوات محله ولا تجب
الدية، لأن القصاص في العمد هو الواجب
عينا، لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب
عليكم القصاص في القتلى﴾. (٢) الآية، حتى
لا يملك الولي أن يأخذ الدية من القاتل بغير
رضاه .
وقال الحنابلة: إن مات القاتل أو قتل وجبت
الدية في تركته، لأن الواجب بقتل العمد أحد
شيئين: القود أو الدية، ويخير الولي بينهما، ولو لم
يرض الجاني. فإذا تعذر استيفاء القصاص
بموت الجاني بقي حقه في استيفاء الدية.
والشافعية في المسألة قولان: الأول وهو
المعتمد: أن موجب القتل العمد القود عینا،
وهذا متفق مع قول الحنفية والمالكية، إلا أنهم
قالوا: إن الدية بدل عند سقوط القصاص بعفو
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ٢٤٦/٧ -
٢٤٧، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٤/ ٢٦١،
والمهذب للشيرازي ٢/ ١٩٠، والمغني لابن قدامة ٧٤٤/٧
(٢) سورة البقرة/ ١٧٨
- ٥٤ -
دیات ٢٣ - ٢٥
أو غيره کموت الجاني، فتجب الدية بغير رضا
الجاني.
وفي قول آخر: موجب العمد أحد شيئين
(القود أو الدية) مبهما لا بعينه، وعلى كلا
القولين تجب الدية عند سقوط القصاص بموت
الجاني عند الشافعية . (١)
ج - الدية في أحوال سقوط القصاص:
٢٣ - إذا وجد ما يمنع القصاص، فتجب الدية
بدلا عنه، وقد ذكر الفقهاء لوجوب الدية حال
سقوط القصاص بسبب الشبهة أمثلة، منها:
١ - قتل الوالد ولده :
٢٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا قتل الوالد
ولده فلا قصاص، حديث: ((لا یقاد الأب من
ابنه))(٢) وإنما سقط القصاص عن الوالد لشبهة
الجزئية وتجب عليه الدية في ماله.
وفي حكم الوالد الجد والوالدة عند جمهور
الفقهاء. وفي رواية عند الحنابلة تقتل الأم بقتل
ولدها .
(١) البدائع ٧/ ٢٤١، والدسوقي مع الشرح الكبير للدردير
٢٣٩/٤، مغني المحتاج ٤٨/٤، كشاف القناع ٧/ ٥٤٣،
٥٤٥.
(٢) حديث: ((لا يقاد الأب من ابنه ... )) أخرجه البيهقي في
السنن (٣٨/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
عبدالله بن عمر، ونقل الزيلعي في نصب الراية (٣٣٩/٤ -
ط المجلس العلمي) عن البيهقي أنه صححه.
وهذا بخلاف قتل الولد للوالد فيجب
القصاص عند الجميع. وعلل الفقهاء ذلك بأن
القصاص شُرع لتحقيق حكمة الحياة بالزجر
والردع، والحاجة إلى الزجر في جانب الولد لا في
جانب الوالد. ولأن الوالد كان سببا في حياة
الولد فلا یکون الولد سببا في موته .
وقال المالكية: إذا قتل الرجل ابنه متعمدا،
واعترف بقصد قتله، أو فعل به فعلا من شأنه
القتل مثل أن يذبحه أو يشق بطنه، ولا شبهة له
في ادعاء الخطأ، يقتل به قصاصا. (١)
٢ - الاشتراك مع من لا قصاص عليه :
٢٥ - لو اشترك اثنان في قتل رجل أحدهما عليه
القصاص لو انفرد، والآخر لا يجب عليه لو
انفرد، كالصبي مع البالغ، والمجنون مع
العاقل، والخاطىء مع العامد فإنه لا قصاص
على أي واحد منهما، وهذا مذهب الحنفية
والشافعية والحنابلة، وهو مذهب المالكية في
شريك المخطىء والمجنون. فتجب على
المتعمد نصف الدية في ماله ونصفها على عاقلة
المخطىء والمجنون. واستدلوا لسقوط القصاص
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٢٣٥، وحاشية ابن عابدين ٣٤٣/٥،
مغني المحتاج ١٨/٤، والمهذب ١٧٤/٢، والمغني
٦٦٦/٧، ٦٦٧، والدسوقي ٢٤٢/٤، والفواكه الدواني
٢٥٩/٢
- ٥٥ -
دیات ٢٥ - ٢٦
في هذه الحالات۔۔ کما قال الکاساني - بتمکن
الشبهة في فعل كل واحد منهما، لأنه يحتمل أن
يكون فعل من لا يجب عليه القصاص لو انفرد
مستقلا في القتل، فيكون فعل الآخر فضلا. (١)
وفي شريك الصبي قال المالكية: عليه
القصاص إن تمالاً على قتله عمدا، وعلى عاقلة
الصبي نصف الدیة، لأن عمده کخطئه. وإن
لم یتمالآً على قتله وتعمدا قتله، أو تعمد الكبير
فعليه نصف الدية في ماله، وعلى عاقلة الصبي
نصفها .
أما إذا اشترك أجنبي مع الأب في قتل ولده
فالجمهور: (المالكية والشافعية وهو الراجح عند
الحنابلة) على أنه يقتل شريك الأب، وعلى
الأب نصف الدية مغلظة عند من يقول بعدم
القصاص عليه .
وقال الحنفية، وهو رواية عند الحنابلة:
لا قصاص على واحد منهما، لتمكن الشبهة في
فعل كل واحد منهما، كشريك الخاطىء والصبي
والمجنون، وعلى ذلك فعلى كل واحد منهما
نصف الدية . (٢)
وتفصيله في: (قصاص).
(١) البدائع ٢٣٥/٧، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٥٧، والدسوقي
مع الشرح الكبير ٢٤٦/٤، ٢٤٧، والمغني ٧ / ٦٧٦،
٦٧٧، ٦٨٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٠، ٢١، وحاشية
القليوبي ١٠٨/٤
(٢) البدائع ٧/ ٢٣٧، وجواهر الإكليل ٢٥٧/٢، =
٣ - إرث الولد حق الاقتصاص من أصله:
٢٦ - إذا ورث الولد القصاص من أحد الأبوين
على الآخر يسقط القصاص وتجب الدية وذلك
الشبهة الوراثة. فلوقتل أحد الأبوين صاحبه
ولهما ولد لم يجب القصاص، لأنه لووجب لوجب
لولده، ولا يجب للولد قصاص على والده. لأنه
إذا لم يجب بالجناية عليه فلأن لا يجب له بالجناية
على غيره أولى . وسواء أكان الولد ذكرا أم
أنثى. أو کان للمقتول ولد سواه أو من يشاركه
في الميراث أم لم يكن، لأنه لوثبت القصاص
لوجب له جزء منه ولا يمكن وجوبه. وإذا لم
يثبت بعضه سقط كله، لأن القصاص
لا يتبعض، وصار كما لو عفا بعض مستحقي
القصاص عن نصيبه منه. وهذا عند من يقول
بعدم وجوب القصاص علی الوالد بسبب قتل
ولده، وهم الجمهور.
وكذا لو قتل رجل أخاه أو أحدا یرث ابنه حق
القصاص أو شیئا منه.
وهناك أنواع أخرى تمنع القصاص. (١) ينظر
تفصيلها في مصطلحات: (قصاص، قتل،
شبهة).
= والدسوقي ٢٤٦/٤، ٢٤٧، ومغني المحتاج ٤/ ٢٠،
والمغني ٧/ ٦٣٦ ، ٦٦٦.
(١) الزيلعي ١٠٥/٦، ١٠٦، والفواكه الدواني ٢٥٧/٢،
ونهاية المحتاج ٧/ ٢١، المغني لابن قدامة ٦٦٨/٧ - ٦٦٩
- ٥٦ -
دیات ٢٧ - ٢٨
د - القتل بالتسبب:
٢٧ - ذهب الحنفية إلى عدم وجوب القصاص
في القتل بالسبب مطلقا، بل تجب الدية لأنهم
اشترطوا في القصاص أن يكون القتل مباشرة،
ولا يشترط ذلك عند سائر الفقهاء فيقتص من
القاتل في بعض حالات التسبب عندهم.
وهذا في الجملة، وإن اختلفوا في بعض
الحالات، ولم يقولوا بالقصاص في حالات
أخرى بل قالوا بوجوب الدية. (١)
وتفصيله في مصطلح : (قتل بالتسبب).
ما تجب منه الدية: (أصول الدية) :
٢٨ - اتفق الفقهاء على أن الإِبل أصل في
الدية، فتقبل إذا أديت منها عند جميع
الفقهاء. (٢) واختلفوا فيما سوى الإِبل: فذهب
المالكية وأبو حنيفة إلى أن أصول الدية أي
ما تقضى منه الدية من الأموال ثلاثة أجناس :
الإِبل والذهب والفضة، لقول النبي وقال : ((إن
(١) البدائع ٢٣٩/٧، ٢٧٤، والمهذب ١٩٤/٢، المغني
٦٤٥/٧، ٨٢٢، ٨٢٣، الدسوقي مع الشرح الكبير
٢٤٣/٤، ٢٤٤، والمواق ٦/ ٢٤١، ومغني المحتاج ٤/ ٦،
وجواهر الإكليل ٢/ ٢٤٥
(٢) البدائع ٧/ ٢٥٣، ٢٥٤، والفواكه الدواني ٢/ ٢٥٧،
وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٦٦/٤، ومغني
المحتاج ٤/ ٥٥، ٥٦، وكشاف القناع ١٨/٦، ١٩،
والمغني ٧/ ٧٥٩ ومابعدها.
في النفس مائة من الإِبل))، (١) وقوله عليه
الصلاة والسلام: ((على أهل الذهب ألف دينار
وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم)). (٢)
فالدية على أهل الإِبل مائة من الإِبل،
وعلى أهل الذهب ألف دينار من الذهب وعلى
أهل الورق (الفضة) اثنا عشر ألف درهم، عند
المالكية والشافعية والحنابلة: لقوله : ((على
أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا
عشر ألف درهم)) ولما روى ابن عباس رضي الله
عنهما ((أن رجلا قتل فجعل رسول الله (ێ﴾ ديته
اثنى عشر ألفا)).
قال النفراوي المالكي : صرف دینار الدیة اثنا
عشر درهما، كدينار السرقة والنكاح، بخلاف
دينار الجزية والزكاة فصرفه عشرة دراهم، وأما
دينار الصرف فلا ينضبط. (٣)
(١) حديث: ((إن في النفس مائة من الإِبل)). تقدم من حديث
عمرو بن حزم ف/ ٧
(٢) حديث: ((على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق
اثنا عشر ألف درهم)» .
مرکب من حدیثین، الأول تقدم من حديث عمرو بن
حزم ف/ ٧، والثاني ورد من قضائه مثل#، أخرجه أبوداود
(٤ / ٦٨١ - ٦٨٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث
ابن عباس، وأعل بالإِرسال كما في التلخيص لابن حجر
(٤ /٢٣ ط شركة الطباعة الفنية).
(٣) الزينعي ١٢٧/١، والفواكه الدواني ٢/ ٢٥٧، ومغني
المحتاج ٥٦/٤، وكشاف القناع ٨/٦، والمغني ٧/ ٧٦٠
وحديث: أن رجلا قتل فجعل رسول الله وَالر ديته اثنى
عشر ألفا.
تقدم في التعليق على الحديث السابق .
- ٥٧ -
دیات ٢٨
وقال الحنفية: الدية من الورق عشرة آلاف
درهم لقول عمر رضي الله عنه: (الدية عشرة
آلاف درهم)، وكان ذلك بمحضر من الصحابة
رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد،
فيكون إجماعا مع أن المقادير لا تعرف إلا سماعا
فالظاهر أنه سمعه من رسول الله چالر، ولما روى
ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌َّ ((قضى
بالدية في قتیل بعشرة آلاف درهم»
ولأن الدينار مقوم في الشرع بعشرة دراهم،
كما في الزكاة، فإن نصاب الفضة في الزكاة مقدر
بمائتي درهم، ونصاب الذهب فيها بعشرين
دینارا .
قال الزيلعي : يحمل ما رواه الشافعي ومن
معه على وزن خمسة، وما رویناه على وزن
ستة، وهكذا كانت دراهمهم في زمان
رسول الله ﴿ إلى زمان عمر رضي الله عنه
فاستويا. (١) وبهذا ظهر أن الاختلاف في مقدار
الدیة یرجع إلى سعر صرف الدينار.
والمذهب عند الحنابلة، وهو قول الصاحبين
من الحنفية أن أصول الدية خمسة: الإِبل
(١) البدائع ٧/ ٢٥٤
وحديث: ((قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف
درهم .. . » قال عنه الزيلعي: «غريب» کذا في نصب
الراية (٣٦٢/٤ - ط المجلس العلمي) يعني أنه لا أصل
له.
والذهب والورق والبقر والغنم، وهذا قول عمر
وعطاء وطاوس وفقهاء المدينة السبعة، وابن أبي
ليلي. وزاد عليها أبو يوسف ومحمد من الحنفية -
وهو رواية عن أحمد - الحلل، فتكون أصول
الدية ستة أجناس.
واستدلوا بما روى عمروبن شعيب عن أبيه
عن جده، أن عمر قام خطيبا فقال: (ألا إن
الإِبل قد غلت .. ففرضها على أهل الذهب
ألف دينار وعلى أهل الورق اثنى عشر ألفا
وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء
ألفي شاة، وعلى أهل الحُلل مائتي حلة). (١)
وعلى ذلك فأي شيء أحضره من عليه الدية
من الجاني أو العاقلة من هذه الأصول لزم الولي
أو المجني عليه أخذه، ولم يكن له المطالبة بغيره،
سواء أكان من أهل ذلك النوع أم لم یکن، لأنها
أصول في قضاء الواجب يجزیء واحد منها،
فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه. (٢)
وقال الشافعي : وهو رواية عن أحمد وظاهر
كلام الخرقي من الحنابلة، وقول طاوس وابن
المنذر: إن الأصل في الدية الإِبل لا غير،
لقوله : ((ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد
ما كان بالسوط والعصا مائة من الإِبل)). (٣)
ولأن النبي ◌َّي فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ
(١) المغني ٧/ ٧٥٩، والبدائع ٧/ ٢٥٣، ٢٥٤
(٢) الزيلعي ٦/ ٢٧، والمغني ٧/ ٧٦١
(٣) حديث: ((ألا إن قتيل الخطأ)). تقدم فقرة/ ١٥
- ٥٨ -
دیات ٢٨ - ٣٠
بعضها وخفف بعضها، ولا يتحقق هذا في غیر
الإِبل، ولأنه بدل متلف (وجب) حقا لآدمي،
فكان متعينا كعوض الأموال. (١)
وعلى ذلك فمن تجب عليه الدیة وله إبل
تؤخذ الدیة منها سليمة من العيوب، وأيهما أراد
العدول عنها إلى غيرها فللآخر منعه،
ولا يعدل إلى نوع آخر أو قيمته إلا بتراض من
المؤدي والمستحق، لأن الحق متعين في الإِبل
فاستحقت كالمثل في المثليات المتلفة .
ولو عدمت إبل الدية حسا بأن لم توجد في
موضع یجب تحصيلها منه، أو شرعا بأن وجدت
فیه بأکثر من ثمن مثلها، فالواجب ألف دينار
على أهل الدنانير أواثنا عشر ألف درهم فضة
على أهل الدراهم، وهذا قول الشافعي في
القديم لحديث: ((على أهل الذهب ألف دينار
وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم))(٢) وفي
القول الجدید للشافعي تجب قيمتها وقت وجوب
تسليمها بنقد بلده الغالب بالغة ما بلغت، لأنه
بدل متلف، فيرجع إلى قيمتها عند إعواز
الأصل. (٣) وقال المالكية: أهل البوادي من كل
(١) مغني المحتاج ٤/ ٥٥، ٥٦، والمغني لابن قدامة ٧٥٩/٧،
٧٦٠
(٢) حديث: ((على أهل الذهب ألف دينار)). تقدم في نفس
الفقرة.
(٣) مغني المحتاج ٤/ ٥٥، ٥٦، والمغني لابن قدامة ٧/ ٧٦١،
وكشاف القناع ١٨/٦
إقليم من أهل الإِبل فإن لم يوجد عندهم إلا
الخيل والبقر فلا نص، والظاهر تكليفهم بما
يجب على حاضرتهم من ذهب أو فضة، وقيل :
يكلفون قيمة الإِبل. (١)
مقدار الدية :
أولا : مقدار الدية في النفس :
أ - دية الذكر الحر :
٢٩ - لا خلاف بين الفقهاء في أن دية الذكر الحر
المسلم هي مائة من الإِبل أوما يقوم مقامها على
ما سبق تفصيله. كما أنه لا خلاف في مقدار
الدية من البقر والغنم والحلل عند من يقول
بها . (٢)
دية الأنثى :
٣٠ - ذهب الفقهاء إلى أن دية الأنثى الحرة
المسلمة هي نصف دية الذكر الحر المسلم،
هكذا روي عن النبي وَليل وعن عمر وعلي وابن
مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهم. قال ابن
المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن
دية المرأة نصف دية الرجل، لما روى معاذ عن
النبي ◌َ لي قال: ((دية المرأة على النصف من دية
(١) الفواكه الدواني ٢/ ٥٧
(٢) الزيلعي ١٢٦/٦، ١٢٧، والبدائع ٢٥٣/٧، ٢٥٤،
وجواهر الإكليل ٢٦٦/٢، والمغني لابن قدامة ٧/ ٧٦٠
ومابعدها.
- ٥٩ -
دیات ٣٠ - ٣٢
الرجل)). (١) ولأنها في الشهادة والميراث على
النصف من الرجل فكذلك في الدية .
وهذا في دية التّفس، أما في دية الأطراف
والجروح فاختلفوا: فقال الحنفية والشافعية إنها
على النصف من دية أطراف وجراح الرجل
أيضا، لما روي عن علي رضي الله عنه قال:
(عقل المرأة على النصف من الرجل في النفس
وفیما دونها). وروي ذلك عن ابن سیرین، وبه
قال الشوري واللیث وابن أبي ليلى وابن شبرمة
وأبو ثور، واختاره ابن المنذر: لأنهما شخصان
تختلف ديتهما في النفس فاختلفت في الأطراف.
وقال المالكية والحنابلة: تساوي المرأة الرجل في
دية الأطراف إلى ثلث دية الرجل. فإذا بلغت
الثلث رجعت إلى عقلها، فإذا قطع لها ثلاث
أصابع فلها ثلاثون من الإِبل کالرجل، وإذا
قطع لها أربع أصابع فإنها تأخذ نصف ما يأخذه
الرجل: أي تأخذ عشرين من الإبل، وروي
ذلك عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت
رضي الله عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب
وعمر بن عبدالعزيز، وعروة والزهري، وهو قول
فقهاء المدينة السبعة، وذلك لما روى عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده قال: قال
رسول الله ◌َله: ((عقل المرأة مثل عقل الرجل
(١) حديث: دية المرأة على النصف من دية الرجل)) أخرجه
البيهقي (٩٥/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال:
«إسناده لا یثبت مثله)».
حتى يبلغ الثلث من ديتها)). (١) وهو نص يقدم
على ما سواه. (٢)
دية الخنثى :
٣١ - إذا كان المقتول خنثى مشكلا ففيه نصف
دية ذكر ونصف دية أنثى عند المالكية والحنابلة،
لأنه يحتمل الذكورية والأنوثية، وقد يئسنا من
انكشاف حاله فيجب التوسط بينهما بكلا
الاحتمالين. (٣)
وقال الحنفية: إذا قتل خطأ وجبت دية المرأة
ويوقف الباقي إلى التبين. (٤)
وقال الشافعية: الخنثى كالأنثى في الدية
فيجب في قتلها نصف الدية، لأن زيادته عليها
مشكوك فيها . (٥)
دية الكافر :
٣٢ - اتفق الفقهاء على أنه لا دية للحربي لأنه
لا عصمة له .
(١) حديث: عقل المرأة مثل عقل الرجل ... )) أخرجه
النسائي (٤٤/٨ - ٤٥ - ط المكتبة التجارية) وفي إسناده
ضعف كما في نصب الراية (٣٦٤/٤ - ط المجلس
العلمي).
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٦٨/٥، والاختيار للموصلي
٣٦/٥، والفواكه الدواني ٢٥٩/٢، ومغني المحتاج
٥٦/٤، ٥٧، والمغني لابن قدامة ٧٩٧/٧ وما بعدها.
(٣) مواهب الجليل للحطاب وبهامشه التاج والإكليل للمواق
٤٣٣/٦، والمغني ٨/ ٦٢
(٤) حاشية ابن عابدين ٣٦٩/٥
(٥) مغني المحتاج ٥٧/٤، وروضة الطالبين ١٥٩/٩
- ٦٠ -