النص المفهرس
صفحات 281-300
دعوى ١٩ - ٢١ من المدعى عليه. ولكن قد يكون كل من الطرفین مدعیا ومدعی علیه في آن واحد، وذلك كاختلافهما في قسمة الملك، أوكما إذا اختلفا في قدر ثمن مبیع أو صداق اختلافا یوجب تحالفهما، ففي هذه الحالة لا يمكن تطبيق أحد تلك الآراء السابقة، وإنما ترفع الدعوى إلى أقرب القضاة من المتخاصمين، فإن تساویا في المسافة أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة كان القول له في تعيين القاضي المختص. (١) الرأي الرابع: وهو قول ضعيف في المذهب الحنبلي، هو منع المتنازعين من التقاضي إلى أن يتفقا على قاض معين. (٢) وإنما ضعفه فقهاء الحنابلة لأنه قد يؤدي إلى ظلم أحد الطرفين، إذ لا بد من أن یکون أحدهما محتاجا إلى رفع الدعوى أكثر من الآخر، وغالبا ما يكون هذا المحتاج هو المدعي، وبذلك تتاح للآخر الفرصة في التعنت والعناد إذا طلب منه الاتفاق على قاض معين. أنواع الدعاوى : ١٩ - للدعاوى تقسيمات مختلفة، وأنواع كثيرة (١) حاشية الشرواني وحاشية العبادي على تحفة المحتاج ١١٩/١٠، منتهى الإِرادات - القسم الثاني ص٥٧٥، كشاف القناع ١٧٢/٤، القواعد لابن رجب ص٣٦٣، ٣٦٤ (٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٦٩ - مطبعة مصطفى الحلبي - الطبعة الثانية ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦م يعود معظمها إلى اعتبارين : الاعتبار الأول: يعود إلى مدى صحة الدعاوى، وهذا بدوره يعود إلى مقدار توفر الشروط الشرعية فيها . الاعتبار الثاني: يعود إلى تنوع الشيء المدعى . أنواع الدعاوى باعتبار صحتها : ٢٠ - أولا: الدعوى الصحيحة: وهي الدعوى المستوفية لجميع شرائطها، وتتضمن طلبا مشروعا. وهذه الدعوى يترتب عليها جميع أحكامها، فیکلف الخصم بالحضور، وبالجواب إذا حضر، وتطلب البينة من المدعي إذا أنكر خصمه، وتوجه اليمين إلى المدعى عليه إن عجز المدعي عن البينة. ٢١ - ثانيا: الدعوى الفاسدة: وهي الدعوى التي استوفت جميع شرائطها الأساسية، ولكنها مختلة في بعض أوصافها بصورة یمکن إصلاحها وتصحيحها، كأن يدعي شخص على آخر بدين، ولا يبين مقداره، أو يدعي عليه استحقاق عقار، ولا يبين حدوده. وترجع أسباب الفساد في الدعوى إلى تخلف أحد شرطین هما : أ - شرط المعلومية: معلومية المدعى، كما في المثالين السابقين، أو معلومية سبب الاستحقاق فیما يشترط فيه ذكره من الدعاوى. - ٢٨١ - دعوى ٢١ - ٢٢ ب - الشروط المطلوبة في التعبير المكون للدعوى، كما لو كانت الدعوى في طلب عين من الأعيان، ولم يذكر المدعي فيها أنها بيد المدعى عليه، أو يكون مترددا في الألفاظ التي يستعملها، كأن يقول: أشك أو أظن أن لي على فلان ألف درهم مثلا. ففي جميع هذه الحالات لا ترد الدعوى، وإنما يطلب من المدعي إكمال ما ينقصها، فإن فعل ذلك نظرت دعواه، وطلب الجواب من خصمه، وإلا فترد إلى أن يصححها.(١) وهذا الاصطلاح في تسمية هذه الأنواع من الدعاوى بالفاسدة اختص به فقهاء الحنفية . غير أن فقهاء الشافعية ذكروا هذا النوع من الدعاوى، وجعلوا له الأحكام ذاتها، إلا أنهم يسمونها بالدعاوى الناقصة. والدعوى الناقصة عندهم هي : كل دعوى يفتقر الحاكم في فصل الخصومة معها إلى شيء آخر. (٢) وقد جعلوا الدعوى الناقصة على ضربين: ناقصة الصفة وناقصة الشرط : أما ناقصة الصفة فهي الدعوى التي لم يفصل المدعي فيها أوصاف الشيء المدعى اللازم ذكرها، كأن يهمل ذكر حدود العقار المدعى، أو (١) المبسوط ٧٨/١٦، تبصرة الحكام ١/ ١٠٤، تحفة المحتاج ٢٩٧/١٠، المغني ٨٦/٩ (٢) أدب القضاء للغزي ق ١٠ أ - مخطوط بدار الكتب (٩٠٧ فقه شافعي). مقدار الدين، وفيها يجب على القاضي أن يسأل المدعي عن النقص، فإن أكمله صحت الدعوی وإلا فلا . وأما ناقصة الشرط فيقصدون بها دعوى النكاح التي لا يذكر فيها الولي والشهود. (١) ولا يختلف حكم هذه الدعاوى عند المذاهب الأخرى عما ذهب إليه الحنفية والشافعية . وهناك نوع من الدعاوى عند فقهاء المالكية تكون ناقصة في حكمها لنقصان شرط من شروطها. وهذه هي الدعاوى التي ينقصها حصول خلطة أو معاملة بين المدعي والمدعى عليه، فإنها تسمع، ولكن المدعى عليه لا يطالب باليمين إذا عجز المدعي عن إثباتها بالبينة. والفرق بين هذا النوع والدعوى الفاسدة بالمعنى السابق، أن هذه الدعوى صحیحة في ذاتها، وتترتب عليها أحكامها جميعها إلا اليمين. والشرط الناقص فيها لا یمکن استكماله خلافا للدعوى الفاسدة. ٢٢ - ثالثا: الدعوى الباطلة: وهي الدعوى غير الصحيحة أصلا، ولا يترتب عليها حكم، لأن إصلاحها غير ممكن. وتعود أسباب البطلان في الدعاوي إلى فقد أحد الشروط الأساسية المطلوبة فيها. ومن أمثلة الدعوى الباطلة (١) الحاوي للماوردي جـ١٣ ق ٤٥ ب - مخطوط بدار الكتب المصرية (٥٠١ فقه شافعي) - ٢٨٢ - دعوى ٢٢ - ٢٣ الدعوى التى يرفعها الشخص، ولا يكون له في رفعها صفة، کأن یکون فضولیا، فلا تسمع دعواه وتكون باطلة. وكذلك الدعوى المرفوعة على من ليس بخصم، والدعوى المرفوعة ممن ليس له أهلية التصرفات الشرعية، والدعوى التي لا تستند إلى حق ولو في الظاهر، كمن يطلب في دعواه الحكم على آخر بوجوب إقراضه مالا لأنه معسر، ودعوی ما ليس مشروعا، كدعوى المطالبة بثمن خمر، أو خنزير، أو ميتة. وقد تسمى هذه الدعاوى عند غير الحنفية بالدعاوي الفاسدة، وهو اصطلاح عام عندهم يدخل تحته جميع الدعاوى المختلة في أية ناحية من نواحيها الأساسية، وقد صنفها الماوردي من علماء الشافعية إلى صنفين: LL الصنف الأول: ما عاد فساده إلى المدعي، وذلك کمسلم ادعی نكاح مجوسية، فهذه دعوى باطلة لامتناع مقصودها في حق المدعي . الصنف الثاني: ما عاد فساده إلى الشيء المدعى، وجعل هذا الصنف على ثلاثة أضرب : الضرب الأول: دعوى ما لا تقر الید علیه، كالخمر والخنزير. الضرب الثاني: دعوى ما تقرعليه اليد، ولا تصح المعاوضة عنه، كجلد الميتة والسماد النجس، فهذه تقر عليها اليد، للانتفاع بجلد الميتة إذا دبغ، وبالسماد في الزروع والشجر، فإذا توجهت الدعوى إلى شيء من هذا، لم يخل من أن يكون باقيا أو تالفا، فإن كان تالفا كانت الدعوى باطلة، لأنه لا يستحق بتلفها مثل ولا قيمة، وإن كانت باقية لم يخل أن يدعيها بمعاوضة أو بغیر معاوضة، فإن كانت الأولى، کأن يدعیھا بالابتیاع، كانت الدعوى باطلة، إلا أن يكون قد دفع ثمنها، فتكون دعواه متوجهة إلى الثمن إن طلبه، ویکون ذكر ابتياعها إخبارا عن السبب الموجب لاسترجاع الثمن. أما إذا ادعاها بغير معاوضة، فقد صحت دعواه من أحد ثلاثة أوجه: دعوى غصبها، ودعوى الوصية بها، ودعوى هبتها . الضرب الثالث: دعوى ما تقر اليد عليه ملكا، ولا يجوز أن ينتقل من مالك إلى مالك، وهذا كالوقف، فالدعوى فيه على المالك فاسدة، ولا يجوز أن يسمعها القاضي على مالك، لاستحالة انتقاله عن ملكه إلى ملك غیرہ.(١) ٢٣ - الدعاوى الممنوع سماعها: وهذه الدعاوى صحيحة في أصلها، وإنما منع القضاة من سماعها، لاقتضاء المصلحة ذلك، وهذه کدعوى ما تقادم زمانه في ید المدعى عليه أو ذمته، قال في الدر المختار: (القضاء مظهر لا مثبت، ویتخصص بزمان ومكان وخصومة، (١) الحاوي للماوردي ج١٣ ق ٤٤ ب، ٤٥ أ - ٢٨٣ - دعوى ٢٣ - ٢٥ حتى لو أمر السلطان بعدم سماع الدعوى بعد خمس عشرة سنة، فسمعها لم ينفذ) قال ابن عابدین: (سلاطين آل عثمان يأمرون قضاتهم في جميع ولاياتهم أن لا يسمعوا دعوى بعد مضي خمس عشرة سنة سوى الوقف والإِرث، ونقل في الحامدية فتاوى من المذاهب الأربعة بعدم سماعها بعد النهي المذکور، لكن هل یبقی النهي بعد موت السلطان الذي نهی بحیث لا يحتاج بعده إلی نهي جديد؟ أفتى في الخيرية بأنه لابد من تجديد النهي، ولا يستمر ... ). (١) وعدم سماع الدعوى بمرور الزمان إنما هو للنهي عنه من السلطان، فيكون القاضي معزولا عن سماعها ، لما تقدم من أن القضاء یتخصص بالزمان، فإذا أمر السلطان بسماعها بالرغم من مرور الزمان عليها فإنها تسمع، والغرض من النهي قطع الحيل والتزوير، وعدم سماع القاضي لها إنما هو عند إنكار الخصم، فلو اعترف تسمع، إذ لا تزویر مع الإقرار. وعدم سماعها لا يكون إلا حيث يتحقق تركها المدة المقررة، فلوادعى المدعي في أثنائها، لم يمنع من سماع دعواه ثانية، ما لم یکن بين الدعوى الأولى والثانية هذه المدة، وشرط الدعوى القاطعة للمدة أن تكون في مجلس القاضي، فلو أن شخصا ترك دعواه مدة خمس (١) حاشية ابن عابدين ٣٤٢/٤ - مطبعة مصطفى الحلبي ١٣٨٦ هـ. عشرة سنة ولم يدَّع عند القاضي، بل طالب خصمه بحقه مرارا في غير مجلس القاضي، فمقتضى ما تقدم أن لا تسمع دعواه. وترك الدعوی إنما يتحقق بعد ثبوت حق طلبها، فلو مات زوج المرأة، أو طلقها بعد عشرين سنة مثلا من وقت النكاح فلها طلب مؤخر المهر، لأن حق طلبه إنما ثبت لها بعد الموت أو الطلاق، لا من وقت النكاح. ومثله ما لو أخر المدعي دعواه مدة التقادم لإِعسار المديون، ثم ثبت يساره بعد ذلك، فتحسب المدة من وقت ثبوت اليسار. (١) أنواع الدعاوى باعتبار تنوع الشيء المدعى: ٢٤ - المدعى في الدعوى لا يخلومن أن يكون أحد الحقوق التي قررها الشارع، وهذه الحقوق تعود في مجملها إما إلى حفظ النوع الإِنساني وبقاء النسل وما يتبع ذلك، وإما إلى حفظ الفرد الإِنساني وما يتبعه من حفظ عرضه وعقله ودينه وغير ذلك. (٢) وقد شرعت الدعاوى من أجل حماية هذه الحقوق، فتتنوع بتنوعها، وذلك من جهات مختلفة : ٢٥ - أولا : المدعى قد یکون فعلا محرما وقع من (١) حاشية ابن عابدين ٣٤٣/٤ (٢) العناية ٦/ ١٣٧ بهامش فتح القدير - مطبعة مصطفى محمد ١٣٥٦ هـ. - ٢٨٤ - دعوى ٢٦ شخص ويوجب عقوبته، كالقتل، أو قطع الطريق، أو السرقة، أو غير ذلك من أسباب العدوان، وقد لا يكون كذلك، بأن يدعي شخص عقدا من بيع، أو قرض، أورهن، أو غيرها. فيتفرع على ذلك تقسيم الدعاوى إلى قسمین رئیسیین هما: دعاوی التهمة، ودعاوی غير التهمة . وفائدة هذا التقسيم تظهر في الإِجراءات وطرق الإِثبات المتبعة في كل من القسمين : ١ -فإن بعض دعاوی التهم والعدوان لا يثبت إلا بنصاب معين من الشهود يزيد على النصاب المطلوب في الدعاوى الأخرى. وکثیرمنها لا یثبت بالنکول إذا صدر من المدعی علیه. ٢ - ثم إن كثيرا من الفقهاء قد أجازوا في حق المتهم في دعاوى التهمة أساليب من الإجراءات لا يجوز اتخاذها في الدعاوى الأخرى، وذلك كحبس المتهم إذا كان ممن تلحقهم التهمة المنسوبة إليه، أو كان مجهول الحال. (١) ٢٦ - ثانيا: المدعى إما أن یکون عینا، أو دینا، أو حقا شرعيا محضا. وبناء على ذلك يمكن تصنيف الدعاوى إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول: دعاوى العين: وهي التي يكون محلها عينا من الأعيان، والعين إما أن تكون عقارا فتسمى بدعوى العقار، أو تكون منقولا فتسمی دعوى المنقول. (١) تبصرة الحكام ٢/ ١٥٣، ١٥٨ - ١٥٩ الصنف الثاني: دعاوى الدين: وهي ما يكون محلها دينا في الذمة، مهما كان سبب هذا الدين، سواء أکان عقد قرض، أم ثمن مبيع، أم ضمانا لشيء أتلفه المدعى عليه . الصنف الثالث: دعاوى الحقوق الشرعية: ويقصد بها الدعاوى التي يطلب فيها الحقوق الأخرى التي لا تدخل في زمرة الأعيان ولا زمرة الديون، وليس لها خصائصها من قابلية الانتقال بعوض أو بغيره، ومعظمها يتعلق بالحقوق العائلية من نسب ونكاح وحضانة وغیر ذلك. ومنها دعاوى الشفعة .. (١) ويستفاد من هذا التصنيف لأنواع الدعاوى أمران هما: ١ - معرفة الخصم الذي توجه إليه الدعوى، فقد وضع الفقهاء قواعد- سیأتي ذكرها - لتعيين المدعى عليه في كل صنف من تلك الأصناف، وجعلوا لكل نوع قاعدة خاصة، لمعرفة من هو الخصم في الدعوى. ٢ - معرفة الطريقة التي يعلم بها المدعى في كل نوع، فجعلوا لعلومیة المدعى في دعاوی الدین قاعدة عامة، وكذلك لدعاوی العین، ودعاوى الحقوق المحضة. وفي كل مرة يريد القاضي تحديد الشيء المدعى في الدعوى ينبغي عليه أن يعرف من أي صنف هي. (١) أدب القضاء لابن أبي الدم ص١٥٤ - ط دار الكتب الحديثة - الكويت - ٢٨٥ - دعوى ٢٧ - ٢٩ ٢٧ - ثالثا: المدعى قد یکون حقا أصليا، وقد یکون یدا وتصرفا، وبناء عليه تنقسم الدعاوى إلى قسمين: دعاوى الحق، ودعاوى الحيازة أو دعاوى وضع اليد، وفي الأولى يطلب الحكم بالحق الأصلي، وهو حق الملك وما يتفرع عنه من الحقوق، ويطلب في الثاني الحكم بوضع اليد على العين محل الدعوى. والحيازة مصلحة يرعاها الشارع ويحميها إلى أن يتبين ارتكازها على سبب باطل، فلا يعترف بها عندئذ وإن طالت. ولذلك صرح کثیر من الفقهاء بأن اليد أو (الحيازة) حق مقصود للإنسان،(١) فيصح أن تطلب بالدعوى، سواء أطلب الحكم بها أم طلبت إعادتها لمن سلبت منه، أم طلب دفع التعرض لها أم غير ذلك. ومن الدعاوى التي شرعت لهذا الغرض : ٢٨ - أ- دعوى دفع التعرض: والتعرض المقصود في هذا المقام هو أن يحاول غير ذي حق الاستيلاء على ما هو لغيره بالقهر والغلبة، أو بالاستعانة بقضاء القاضي، فيرفع صاحب الحق دعوى يطلب بها منع تعرضه له إن لم يستطع دفعه بنفسه . وقد قرر فقهاء الشافعية أن التعرض هو كل ما يستضربه صاحب الحق المدعى : إما بمد الید إلی ملکه، أوبما یمنعه من التصرف فيه، أو (١) المبسوط ٣٥/١٧، العناية ٢٥٦/٦ - ٢٥٧، الشرح الصغير ٤/ ٣٢٠ بملازمته علیه وقطعه عن أشغاله.(١) وقد أجاز الفقهاء هذه الدعوى مهما كان محلها عقار أو منقولا ، (٢) بل ذهب الشافعية إلى جوازها لدفع تعرض موجه إلى ذمة شخص آخر، کأن يطالبه بدین یدعيه في ذمته، فيتضرر من هذه المطالبة، كأن يلازمه في نفسه أو يشنع عليه في جاهه، أو غير ذلك. أما إذا كانت مطالبته لا تضره، فإنها لا تصح دعوى دفع التعرض منه. (٣) وتختلف هذه الدعوى عن دعوى قطع النزاع بأن هذه الأخيرة عبارة عن طلب إنسان غيره عند القاضي بدون أن يعارضه في شيء يضره، ويقول للقاضي : بلغني أن فلانا يريد منازعتي ومخاصمتي، وأريد قطع النزاع بيني وبينه، فأطلب إحضاره، حتى إذا كان له علي حق فليبينه أمامك بالحجة، وإلا فليعترف أني بريء من كل حق يدعيه، فهذا القول لا يسمع منه، لأن المدعي لا يجبر على الخصومة . (٤) ٢٩ - ب - دعوى استرداد الحيازة: يجوز (١) الحاوي للماوردي ج١٣ ق٤٤ ب، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٥٠٧ - ٥٠٨ - طبع دار الكتب العلمية، بیروت. (٢) البحر الرائق ٧/ ١٩٤، الحاوي جـ ١٣ ق ٤٤ ب، المغني ٨٥/٩ (٣) الحاوي جـ ١٣ ق ٤٤ ب (٤) البحر الرائق ٧/ ١٩٤ - ٢٨٦ - دعوى ٣٠ - ٣١ لصاحب اليد المحقة أن يطلب من القاضي إعادة حيازته المغصوبة منه بالقهر أو الحيلة أو الخداع، فلمالك العين أو مستعيرها أو مستأجرها أو مرتهنها أن یرفع الدعوى لاسترداد ما سلب منه، إلا إذا كان سالب الحيازة محقا فيما فعل فیقضی له بحقه وحيازته. شروط الدعوى : ٣٠ - يشترط لصحة الدعوى جملة شروط بعضها في القول الذي يصدر عن المدعي يقصد به طلب حق لنفسه، وبعضها في المدعي والمدعى عليه، وبعضها في المدعى به، وبعضها في رکن الدعوى. أولا : ما يشترط في القول الذي يصدر عن المدعي ويطلب به حقا لنفسه : يشترط في هذا القول عدة شروط، وهي : ٣١ - الشرط الأول: أن لا تكون الدعوى مناقضة لأمر سبق صدوره عن المدعي . (١) والتناقض في اصطلاح الأصوليين تقابل (١) المبسوط ٩٦/١٧، بدائع الصنائع ٢٢٣/٦ - ٢٢٤، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨٧ - المطبعة الحسينية بمصر ١٣٢٢ هـ، القوانين الفقهية لابن جزي ص٢٩١، تبصرة الحكام ١٣٦/١ - ١٣٧، شرح المحلي على المنهاج ٤/ ٣٣٤، تحفة المحتاج ٢٩٦/١٠، مغني المحتاج ٤/ ١١٠ طبع سنة ١٣٧٧ هـ، الفروع ٨٠٨/٣، غاية المنتهى ٤٤٨/٣، كشاف القناع ٢٠٣/٤ الدليلين المتساويين على وجه لا يمكن الجمع بینھما بوجه. (١) والمقصود به في هذا المقام أن يسبق من المدعي ما یعارض دعواه بحیث به يستحيل الجمع بين السابق واللاحق، (٢) وذلك كما لو ادعى شخص أن هذه الدار وقف علیه، ثم ادعاها لنفسه أو لغيره، فلا تقبل لوجود التناقض بين الدعويين، إذ الوقف لا يصير ملكا . (٣) والتناقض المانع من سماع الدعوى قد يقع من المدعي في الدعوى الأصلية، كما لوطلب شخص شراء شيء من غيره، أو هبته منه، أو إيداعه عنده أو إجارته له، ثم ادعى ملكية هذا الشيء، وكما لوخطب رجل امرأة يريد نكاحها، ثم ادعى أنه زوجها. (٤) وقد يقع من المدعى عليه في دفع من الدفوع التي يقدمها، كما لو ادعى شخص على آخر وديعة، فأنكرها المدعى عليه، فأقام المدعي البينة على الإيداع، فدفع المدعى عليه بردها أو هلاكها، (١) كشاف اصطلاحات الفنون المجلد الثاني ص١٤١٣ (٢) الفواكه البدرية ص٩٨ (٣) درر الحكام وحاشية الشرنبلالي ٢/ ٣٥٥، تنوير الأبصار والدر المختار ص١٨/٧ (٤) جامع الفصولين ١٤٩/١ - المطبعة الأزهرية - الطبعة الأولى ١٣٠٠ هـ، شرح المحلي على المنهاج ٤/ ٣٤٤ - ٢٨٧ - دعوى ٣٢ - ٣٣ فلا یقبل دفعه، لتناقضه مع إنكاره السابق . (١) ويجمع هذه الأمثلة وأشباهها أن من ادعي عليه بحق من الحقوق فجحد أن يكون عليه شيء، فلما خاف أن تقوم عليه البينة بذلك أقر به وادعى فيه وجها من وجوه الإسقاط، لم ينفعه ذلك ولم يقبل منه. (٢) ولا يتحقق التناقض المانع من سماع الدعوى إلا بشروط هي : ٣٢ - أ - أن يكون الأمران المتناقضان (وهما الدعوى وما صدر قبلها من قول أو فعل) صادرين عن شخص واحد، وهو المدعي، أو عن شخصين هما في حكم الشخص الواحد، كما هو الحال في الوكيل والموكل، والوارث والمورث. فلو أن الوکیل ادعی عینا لموكله، وكان هذا الموكل قد سبق منه إقرار بأن تلك العين ليست له، وإنما هي لغيره، لم تقبل دعوى الوكيل لمناقضتها لإِقرار الموكل. (٣) ٣٣ -ب-أن لا یقع من المدعي توفیق بین دعواه وما صدر عنه مما یناقضها، وقد ذهب إلى هذا (١) جامع الفصولين ١٤٩/١، العقد المنظم للحكام ١٩٨/٢، تبصرة الحكام ١٣٦/١ - ١٣٧ (٢) تبصرة الحكام ١٣٦/١ (٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٨٧، تحفة المحتاج وحاشية الشرواني ٢٩٦/١٠ جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة وزفر من الحنفية). (١) وأما فقهاء الحنفية فقد اختلفت آراؤهم في هذا الشرط على أربعة أقوال: الأول : مثل رأي الجمهور. (٢) الثاني: أنه لا يشترط وقوع التوفيق الفعلي من المدعي بين المتناقضين، وإنما يشترط عدم إمکان التوفيق بينهما بأي وجه من الوجوه، وذلك في جميع صور التناقض، وسواء أوقع في الدعوى الأصلية، أم وقع في الدفع من المدعى عليه، وسواء أكان وجه التوفیق بیّنا أم مبهما. (٣) فبناء على هذا الرأي إذا دفع الخصم بتناقض خصمه في دعواه اكتفي لرد هذا الدفع أن يتصور القاضي إمكان الجمع بين المتناقضين، ولا يشترط سؤال المتناقض - ظاهرا - أن يوفق بينهما فعلا . فلو أن شخصا ادعى داراً بهبة أو شراء من أبيه، ثم ادعاها إرثا منه تسمع دعواه الثانية لإِمکان التوفیق بین الکلامین، بأن یکون قد ابتاع الدار من أبيه، فعجز عن إثبات ذلك لعدم (١) القوانين الفقهية ص٢٩١، أدب القضاء لابن أبي الدم ق٥١ ب، مختصر الفتاوى المصرية ص٦٠٨، جامع الفصولين ١/ ١٢٨، درر الحكام ٣٥/٢ (٢) جامع الفصولين ١/ ١٥٢ (٣) جامع الفصولين ١/ ١٥١ -١٥٢، طبع ١٣٠٠هـ، حاشية ابن عابدين ١٤/٧ طبع ١٣٨٦هـ - ٢٨٨ - دعوى ٣٣ - ٣٤ البينة، ثم ورثها بعد ذلك. غير أنه لوادعى أولا انتقال الدار إلیه بالإِرث، ثم ادعاها بالشراء لم تقبل دعواه الأخرى، للتناقض وتعذر التوفيق . (١) الثالث: أنه يشترط عدم إمكان التوفيق إذا وقع التناقض في كلام المدعى عليه (أي: في دفعه للدعوى الأصلية). أما إذا وقع التناقض من المدعي في الدعوى الأصلية، فلا يشترط في اعتباره عدم إمكان التوفيق، وإنما عدم وقوع التوفيق الفعلي من المتناقض. ويعتبر التناقض مانعا من سماع الدعوى، وإن كان التوفيق ممكنا، إذا لم يقم المدعي بالتوفيق الفعلي بين أقواله المتناقضة . (٢) الرابع: أنه يشترط عدم التوفيق الفعلي لاعتبار التناقض مانعا من سماع الدعوى إذا كان ظاهرا لنفي وإثبات، وكان التوفيق خفيا، وإلا فیشترط عدم الإِمكان، فمن كان قد ادعى لغيره عيناً لا يمكن أن يدعیها لنفسه بعد ذلك، مع أنه يحتمل أن یکون قد اشتراها منه بعد تاریخ الدعوى السابقة، فإن وفق بهذا فعلا، وبرهن عليه قبلت دعواه وسمعت بينته، وإلا فلا، (٣) لأن دعواه الأولى إقرار بالملك لغيره (١) جامع الفصولين ١٢٨/١ (٢) الدر المختار مع تكملة حاشية ابن عابدين ١٦/٧، المجاني الزهرية ص ١٠ (٣) درر الحكام ٢/ ٣٥٥، جامع الفصولين ١/ ١٢٤ ونفي للملك عن نفسه، ودعواه الثانية إيجاب الملك لنفسه ونفيه عن غيره، فتناقض النافي والمثبت، فلابد من التوفيق الفعلي في هذه الحالة، لظهور التناقض وخفاء التوفيق. بخلاف ما لوادعى شخص على آخر مبلغا من المال، فدفع المدعى عليه بأنه أداه له في مكان كذا، فلما لم يستطع إثبات ذلك دفع بأنه أداه الدين في مكان آخر غير الذي ذكره في الدفع الأول، فيقبل دفعه الثاني، لإِمكان التوفيق بأن يكون أداه مرتين لقطع مطالبته. (١) /٣٤ - ج - ويشترط لتحقق التناقض المانع من سماع الدعوى أن لا يكون الكلام الأول قد كذب شرعا بالقضاء، (٢) فلوادعى شخص على آخر أنه كفل له عن مدیونه بألف، فأنكر الكفالة، وبرهن الدائن أنه کفل عن مدیونه، وحكم به القاضي، وأخذ المکفول له منه المال، ثم إن الكفيل ادعى على المديون أنه كفل عنه بأمره وبرهن علی ذلك، قبلت هذه الدعوى وسمعت البینة، وإن كانت هذه الدعوى مناقضة لما سبق منه من إنكار الكفالة عندما ادعاها عليه الدائن، وذلك لأن إنكاره السابق (١) جامع الفصولين ١/ ١٤٦ (٢) الفواكه البدرية ص٩٩، الدر المختار وتكملة حاشية ابن عابدين ١٨/٧، جامع الفصولين ١/ ١٤٠ - ٢٨٩ - دعوى ٣٥ بطل أثره بتكذيب الحاكم له. (١) هذا وقد قرر فقهاء الحنفية أن التناقض يغتفر في الدعوى في المسائل التي تخفى أسبابها مثل مسائل النسب وبعض المسائل المتعلقة بالطلاق وغيرها . (٢) ما يرتفع به التناقض : ٣٥ - يرتفع التناقض عند فقهاء الحنفية بأمرين اثنين هما: التوفيق الفعلي بين المتناقضين، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك، وتصديق الخصم . فلو أن شخصا ادعی علی آخر ألف دينار بسبب القرض، ثم ادعاه عليه بسبب الكفالة، فصدقه المدعى عليه سمعت دعواه بالرغم من تناقضه. (٣) هذا وقد قرر الحنفية أن التناقض يغتفر فيما كان مبنيا على الخفاء. ففي مجلة الأحكام العدلية (م١٦٥٥): ((يعفى عن التناقض إذا ظهرت معذرة المدعي وكان محل خفاء)). ومن أمثلة ذلك ما أفتى به في الحامدية من أنه إذا مات زيد عن ورثة بالغين، وخلّف حصته (١) جامع الفصولين ١/ ١٤٠، تكملة حاشية ابن عابدين ١٨/٧ (٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٢٤، درر الحكام ٢٥٦/٢، الفواكه، البدرية ص ١٠٠، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٨٧، جامع القصولين ١٣٥/١ - ١٣٦ (٣) الدر المختار مع التكملة ١٧/٧ - ١٨ من دار، وصدّق الورثة أن بقية الدار لفلان وفلان، ثم ظهر أن مورثهم المذكور اشترى بقية الدار من ورثة فلان وفلان في حال صغر المصدقين، وأنه خفي عليهم ذلك، تسمع دعواهم، لأن هذا تناقض في محل الخفاء فيكون عفوا. ومن ذلك دعوى النسب أو الطلاق، لأن النسب مبني على أمر خفي وهو العلوق، إذ هو مما يغلب خفاؤه على الناس، فالتناقض في مثله غير معتبر، والطلاق ينفرد به الزوج. ومن ذلك: المدين بعد قضاء الدين لوبرهن على إبراء الدائن له. والمختلعة بعد أداء بدل الخلع لو برهنت على طلاق الزوج قبل الخلع. (١) وغير ذلك. وهكذا كل ما كان مبنيا على الخفاء فإنه يعفى فيه عن التناقض. هذا هو الصحيح من مذهب الحنفية كما أفتى في الحامدية، وهو قول الأكثرين من فقهاء مذهب المالكية، فقد نقل الحطاب عن القرافي أنه: إذا أقر الوارث أن ما تركه أبوه میراث بین الورثة على ما عهد في الشريعة وعلى ما تحمل عليه الديانة، ثم جاء بشهود أخبروه أن أباه أشهدهم أنه تصدق عليه في صغره بهذه الدار (١) مجلة الأحكام وشرحها للأتاسي ٥/ ١٤٤ - ١٤٥، ودرر الحكام ٢٢٨/٤، وتنقيح الفتاوى الحامدية ٢٩/٢ - ٣٠ و١٧٥، والزيلعي وهامشه ٩٩/٤ - ١٠٠، والبدائع ٢٢٤/٦ - ٢٩٠ - دعوى ٣٥ - ٣٧ وحازها له، أو أقرّ الأب أنه ملکها عليه بوجه شرعي، فإنه إذا رجع عن إقراره بأن الترکة کلها موروثة إلا هذه الدار المشهود له بها دون الورثة واعتذر بإخبار البينة له، وأنه لم يكن عاما، بذلك بل أقربناء على العادة ومقتضى ظاهر الشريعة، فإنه تسمع دعواه ويقبل عذره ويقيم بينته، ولا یکون إقراره السابق مكذبا للبينة وقادحا فیها، لأن هذا عذر عادي يسمع مثله. ونقل عن سحنون ما يخالف ذلك. (١) والأصح عند الشافعية: أن البينة تقبل للعذر، ومقابل الأصح لا تقبل للمناقضة . (٢) وهذا على ما جاء في نهاية المحتاج والقليوبي . وفي حواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج: لو أقر مدين لآخر، ثم ادعى أداءه إليه وأنه نسي ذلك حالة الإِقرار سمعت دعواه للتحليف فقط. فإن أقام بينة بالأداء قبلت على ما أفتى به بعضهم لاحتمال ما قاله، فلا تناقض، كما لو قال: لا بينة لي، ثم أتى ببينة تسمع.(٣) وعند الحنابلة: لا تسمع البينة بعد الإِنکار، فمن ادعي علیه بحق فأنكره، ثم ثبت علیه الحق فادعى القضاء أو إبراء المدعي له سابقا (١) الحطاب ٢٢٣/٥، والفروق للقرافي ٣٨/٤ (٢) نهاية المحتاج ٨/ ٢٥٠، وقليوبي ٤/ ٣٠٥ (٣) حواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج ٣٩٩/٥ على زمن إنكاره، كما لوادعى عليه ألفا من قرض أو ثمن مبيع فقال: ما اقترضت منه وما اشتریت منه، فثبت أنه اقترض أو اشتری منه ببينة أو إقرار فقال: قضيته أو أبرأني قبل هذا الوقت، لم يقبل منه ذلك وإن أقام به بينة، لأن إنكار الحق يقتضي نفي القضاء أو الإِبراء منه، لأنهما لا يكونان إلا عن حق سابق، فيكون مکذبا لنفسه .(١) ٣٦ - الشرط الثاني: أن تكون الدعوى بتعبيرات جازمة وقاطعة ولا تردّد فيها، فلا تصح الدعوى بنحو: أشك أو أظن أن لي على فلان مبلغ كذا، أو أنه غصب مني دابتي. (٢) وقد استثني من هذا الشرط دعاوي الاتهام (الدعاوي الجنائية)، فإنها تجوز بالألفاظ المترددة، فإذا قال: أتهمه بسرقة دینار مثلا، فإن دعواه تسمع، لأن دعاوي الاتهام ترجع في أساسها إلى الشك والظن. (٣) ٣٧ - الشرط الثالث: أن يذكر المدعي في دعواه أنه يطالب بالحق الذي يدعيه: وهذا الشرط اختلف فيه الفقهاء، وفي معظم المذاهب قولان بخصوصه. الراجح منهما: عدم اشتراطه، والاكتفاء بدلالة الحال. واشترطه أصحاب (١) شرح منتهى الإرادات ٤٩٣/٣، والمغني ٢٣٦/٩ - ٢٣٧ (٢) حاشية الدسوقي ١٤٤/٤، لب اللباب ص٢٥٥ (٣) حاشية الدسوقي ٤ / ١٤٤ - ٢٩١ - دعوى ٣٧ - ٤٠ المتون والشروح من فقهاء الحنفية ولم يصرحوا بتصحیحه، بینما صرح أصحاب الفتاوى منهم بتصحيح خلافه. وعدم اشتراطه ظاهر مذهب المالكية، وأحد قولين في المذهب الشافعي، والراجح عند الحنابلة. واحتج القائلون باشتراطه بأن حق الإِنسان يجب إيفاؤه بطلبه، والحكم حق المدعي، فيجوز أن يكون غير طالب له إن لم يصرح بذلك، وإنما ذكر القضية على سبيل الحكاية والاستفتاء، فإذا طلبه تبين غرضه، وبأن القاضي نصب لقطع الخصومات، لا لإنشائها، فإذا طلب المدعي القضاء له بحقه أجابه إلی طلبه، وإن سکت سکت، فإن نظر في الدعوى من غيرما طلب للحق من المدعي كان منشئا للخصومة، وهو ما لم يجعل القضاء لأجله . واحتج الآخرون بأن المقدمات ودلائل الحال تشیر إلی أن المدعي لا يقصد بدعواه إلا الحكم له بحقه، وتسليمه إليه، وكون المدعي يقول ذلك حكاية بعيد جدا، لأن مجالس القضاء لم تنشأ لهذا الغرض. (١) (١) بدائع الصنائع ٢٢٢/٦، العناية وتكملة فتح القدير ١٤٤/٦، الفواكه البدرية ص١٠٦، الهداية وتكملة فتح القدير ٦/ ١٤٧، تبصرة الحكام ٣٨/١ طبع ١٣٠١هـ، = ٣٨ - الشرط الرابع: أن تكون الدعوى بلسان المدعي عينا: وهذا الشرط اختص به أبو حنيفة، فلم يجز التوكيل إلا أن يكون في المدعي عذر مقبول، أو يرضى خصمه بالتوكیل. وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم اشتراطه، وجواز التوكيل بالخصومة شاء المدعى عليه أم أبى.(١) ٣٩ - الشرط الخامس: أن يذكر المدعي في دعوى العين أن المدعى به في يد الخصم. ويستثنى من هذا الشرط دعوى منع التعرض، لأن الخصم فيها يتعرض للمدعي ويكون العين في يد هذا الأخير. (٢) ثانيا : شروط المدعي والمدعى عليه: يشترط في كل من المدعي والمدعى عليه شرطان: شرط الأهلية، وشرط الصفة. ٤٠ - شرط الأهلية: لما كانت الدعوى تصرفا = الحاوي الكبيرج ١٣ ق٤٤ أ، المغني ٨٦/٩، الروض الندي ص٥١٢، غاية المنتهى ٤٩٩/٣، كشاف القناع ٢٠٣/٤ (١) بدائع الصنائع ٢٢٢/٦، تبصرة الحكام ١١١/١ طبع ١٣٠١ هـ، فتح المعين وترشيح المستفيدين ص٢٤٥، منتھی الإِرادات - القسم الأول ص٤٤٤ (٢) العناية ٦/ ١٤٤، مواهب الجليل ١٢٥/٦، مغني المحتاج ٤ /٤٦٥، الشرواني على تحفة المحتاج ٢٩٦/١٠، الحاوي الکبیر ١٣/ ق ٤٣ب - ٢٩٢ - دعوى ٤٠ يترتب عليه أحكام شرعية وكذلك الجواب عنها، فقد ذهب الفقهاء في الجملة على أن يكون كلّ من المدعي والمدعى عليه أهلا للقيام بالتصرفات الشرعية. (١) وأما من ليس أهلا فيطالب له بحقه ممثله الشرعي من ولي أو وصي . والحنفیة لا يشترطون کمال الأهلية في كلا الطرفين، ويكتفون بالأهلية الناقصة، وكذلك المالكية في حق المدعي، (٢) ويشترط الرشد عندهم في المدعى عليه. والشافعية والحنابلة یستثنون بعض الحالات ولا يشترطون فيها کمال الأهلية، وتفصيل ذلك فيما يأتي : ١ - ذهب الحنفية إلى أنه يجوز للصبي المميز المأذون له أن یرفع الدعوى وأن یکون مدعی عليه، (٣) وذلك لأن الدعوى والجواب عليها من التصرفات الدائرة بين النفع والضرر، فتصح من الصبي الذي أذن له وليه، ولا تصح ممن لم يؤذن له . ٢ - والمالكية يفرقون بين المدعي والمدعى عليه: (١) درر الحكام ٢/ ٣٣٠، الفتاوى الهندية ٤/ ٢، تبصرة الحكام ١٣٣/١، المنهاج مع شرح المحلي ٤/ ١٦٣، مغني المحتاج ٤٠٧/٤ - ٤٠٨، إعانة الطالبين ٤/ ٢٤١، الفروع ٨٠٨/٣، كشاف القناع ٢٧٧/٤ (٢) جامع أحكام الصغار على هامش جامع الفصولين ٣٠٣/١ - ٣٠٤، مغني المحتاج ٤٠٧/٤ - ٤٠٨ (٣) درر الحكام ٢/ ٣٠٣، المجاني الزهرية على الفواكه البدرية ص٨٨، جامع أحكام الصغار ١/ ٣٧ فأما المدعي فلا يشترط فيه الرشد، وتصح الدعوى من السفيه والصبي، ولا يشترطون أن یکون مأذونا له كما هو الحال عند الحنفية . (١) وأما المدعى عليه، فتشترط فيه الأهلية الكاملة، فإن كان عديمها أو ناقصها لم تصح الدعوی علیه . ٣ - وأما الشافعية فالأصل عندهم اشتراط البلوغ في المدعي والمدعی علیه، ولكنهم قالوا: تسمع الدعوى على المحجور عليهم فيما يصح إقرارهم به، فتسمع الدعوى بالقتل على السفيه . (٢) ٤ - وقال الحنابلة: تصح الدعوى على السفيه فیما یؤخذ به حال سفهه، فتصح عليه دعوى الطلاق والقذف: (٣) والفقهاء الذين يجيزون القضاء على الغائب، وهم غير الحنفية قالوا بسماع الدعوى على الصغير والمجنون والميت إذا كان مع المدعي بينة بما يدعيه، وكانت حاضرة لديه وبشروط أخرى ستأتي. ويحلفه القاضي يمينا سماها بعضهم ((يمين الاستظهار))، ويذكر فيها (١) مواهب الجليل ١٢٧/٦ (٢) المنهاج وشرح المحلي وحاشية قليوبي ٤/ ١٦٣ - ١٦٤، تحفة المحتاج ٢٩٣/١٠، مغني المحتاج ٤/ ١١٠ طبع ١٣٧٧ هـ. (٣) منتهى الإرادات - القسم الثاني ص٦٢٨، الفروع ٨٠٨/٣، كشاف القناع ٤/ ٢٧٧ - ٢٩٣ - دعوى ٤١ أنه لم يستوف ما ادعى به ممن أقام البينة عليهم، ولا أبرأهم من ذلك.(١) وأما الحنفية، فلأنهم لا يجيزون الدعوى إلا على خصم حاضر ومكلف، ولا يجيزون القضاء على الغائب، وإن أحضر المدعي بينة بدعواه، فهم من طريق أولى لا يجيزون سماع الدعوى على الصغير أو المجنون أو الميت، حيث هم أضعف حالا من الغائب. شرط الصفة : ٤١ - المقصود به أن يكون كل من المدعي والمدعى عليه ذا شأن في القضية التي أثيرت حولها الدعوى، وأن يعترف الشارع بهذا الشأن ويعتبره كافيا لتخويل المدعي حق الادعاء، ولتكليف المدعى عليه بالجواب والمخاصمة. ويتحقق ذلك في المدعي إذا كان يطلب الحق لنفسه، أولمن يمثله. (٢) ويحق للدائن أن يرفع دعوی لمدینه یطالب فيه بحقوقه إذا أحاط الدین بأمواله وأشهر إفلاسه. والقاعدة في هذا عند الشافعية: أن من يدعي حقا لغيره، فإن كان هذا الحق منتقلا إليه صحت دعواه، وإلا فلا، فتصح الدعوى من - (١) مغني المحتاج ٤٠٧/٤ - ٤٠٨، والدسوقي ١٦٢/٤، ٢٢٧ (٢) تبصرة الحكام ١/ ١٠٩ الوارث فیما یدعیه لمورثه، ولا تصح من الدائن الذي يرفع دعوى لمدينه إذا لم يشهر إفلاسه. (١) « والمدعى عليه أيضا يجب أن يكون ذا صفة، فلا تصح الدعوى إلا إذا رفعت في وجه من يعتبره المشرع خصما، ويجبره على الدخول في القضية، ليجيب بالاعتراف أو بالإِنكار. والقاعدة في ذلك: أن من ادعى على إنسان شيئا، فإن كان المدعى عليه لو أقر يصح إقراره، ويترتب علیه حکم، فإنه يكون بإنكاره خصما في الدعوى، وتصح بتوجيهها إلیه. أما إذا كان لا يترتب على إقراره حكم لم يكن خصما بإنكاره، (٢) وبناء على هذه القاعدة حدد الفقهاء الخصم في مختلف أنواع الدعاوي : أ - ففي دعاوي العين يكون الخصم من كانت هذه العين في يده. (٣) وذلك لأن أي شخص ليست العین المدعاة في يده لیس له أن يقرّ بها، والحائز لها هو الذي يملك أن يقرّبها، فهو إذن الخصم في دعواها. والید التي يكون صاحبها خصما في الدعوى هي التي تدل على الملك في الظاهر، فإن لم تكن (١) تحفة المحتاج ١١/ ٣١٠، مغني المحتاج ١٤٧/٢ طبع الحلبي ١٣٧٧ هـ (٢) مواهب الجليل ٦/ ١٢٥ (٣) الهداية والعناية والتكملة ١٤٦/٦، درر الحكام ٣٣٠/٢، جامع الفصولين ٣٨/١، تبصرة الحكام ١/ ١٠٤ طبع ١٣٠١ هـ، الأم ٦/ ٢٣٦، إعانة الطالبين ٢٤١/٤ - ٢٩٤ - دعوى ٤٢ کذلك بأن کانت یدا طارئة، کید مستأجر، أو مستعیر، أو مرتهن، لم يصح توجیه الدعوى إلى صاحبها منفردا، ولكن يطلب من الحائز العرضي الحضور إلى مجلس القضاء ليؤمر بتسليم الشيء المدعى عند إثبات الدعوى. وإذا وجهها المدعي إليه، كان لهذا الحائز العرضي أن يدفع الدعوى بأن يده ليست يد ملك، وإنما هي يد عارضة، بشرط أن يبرهن علی دفعه، وعندئذ ترد دعوى المدعي. ويطلب منه رفعها في مواجهة المالك. (١) وهذا الذي تقدم مختص بدعاوي الملك المطلق عن السبب، أما إذا ادعى المدعي أن فلانا غصب منه ماله، لم يكن للمدعى عليه دفع هذه الدعوى بحجة أن العين المدعاة ليست في يده، لأن الأصل في دعوى الفعل - كما سيأتي - أنها يصح توجيهها ضد الفاعل. (٢) ٤٢ - ويتفرع على ما تقدم مايأتي : ١ - إذا باع رجل ملك غيره، وسلمه بدون إذنه، کان الخصم هو المشتري، ولکن محل (١) الهداية ٢١٢/٦، درر الحكام ٣٤٣/٢، جامع الفصولين ١/ ١٣٠ - ١٣١، نهاية المحتاج ١٦٨/٨، ١٦٩، المغني ٣٠١/٩، كشاف القناع ٦/ ٢٧٥ طبع ١٣٦٧ هـ (٢) الهداية والتكملة ١١٢/٦، درر الحكام ٣٤٣/٢، جامع الفصولين ١/ ١٣٠ - ١٣١، الفتاوى الهندية ٤٣/٤، نهاية المحتاج ١٦٨/٨، المغني ٩/ ٣٠١، كشاف القناع ٦/ ٢٧٥ طبع ١٣٦٧ هـ. ذلك إذا طلب المدعي استرداد العین، أما إذا أراد التضمين سمعت الدعوى على البائع الغاصب وإن كانت العین في يد غيره، لأنها تکون دعوی فعل عندئذ. ٢ - إذا توفي شخص عن تركة فيها أعيان وله ورثة، وأراد شخص الادعاء بعين من أعيانها کان الخصم له هو الوارث الذي في يده تلك العين، ولا تسمع الدعوى بها على غيره من الورثة . (١) ٣ - إذا بيع عقار، فطلب الشفيع أخذه بالشفعة، فإن تسلمه المشتري کان هو الخصم للشفیع، وإن لم يتسلمہ کان الخصم له كلا من البائع والمشتري، لأن الأول واضع اليد، فيحضر من أجل التسليم، والآخر مالك، فلا تسمع الدعوى إلا بحضورهما جميعا. (٢) ٤ - إذا باع شخص لغيره عينا، ولم يسلمها إلیه، فأراد آخر ادعاء ملكيتها، كان الخصم له كلا من البائع والمشتري، لأن الأول واضع الید، فلابد من حضوره لیؤمر بالتسليم عند ثبوت الدعوى، وأما إذا سلمها البائع للمشتري كان الخصم هو المشتري. ففي جميع الحالات التي تكون فيها العين المدعاة في يد غير (١) البحر الرائق ١٩٤/٧، جامع الفصولين ص ٥٢، أدب القضاء للغزي ق ٢ أ. (٢) جامع الفصولین ١/ ٥٢ - ٢٩٥ - دعوى ٤٢ - ٤٣ المالك يشترط في صحة الدعوى بالملك حضور الاثنين . (١) والحق أن المدعى عليه هو المالك للعين، وإن لم تکن یده علی المدعى به فعلا، ولكنها عليه حكما، والآخر حيازته لها عرضية ومؤقتة، ولأنه هو الذي يترتب على إقراره حكم، وإنما يطلب حضور الآخرين لغاية أخرى، وهي الحكم عليهم بتسليم العين للمدعي عند ثبوت الدعوى. ٥- وفي دعاوي الدین، الخصم هومن كان الدین في ذمته أو نائبه، لأن المدین هو الذي إذا أقربالدين حمل نتيجة إقراره وألزم به. وبناء على ذلك لا توجه الدعوى ضد حائز العين التي یتملكها المدین، کالمستأجر منه، ولا الغاصب منه، ولا المستعیر منه. ٦ - وفي دعوى الفعل كالغصب وغيره، الخصم هو الفاعل، (٢) أي الذي يدعى عليه أنه قام بالفعل. ٧ - وفي دعوى القول، الخصم هو القاتل، أي الذي يدعی علیه أنه قال القول، فدعوى الطلاق تقيمها الزوجة على زوجها، وكذلك دعوى القذف أو الشتم . ٨ - وفي دعوى العقد، الخصم هو المباشر له، أو (١) البحر الرائق ١٩٤/٧، جامع الفصولين ٣٨/١ (٢) درر الحكام ٢/ ٣٤٤ من قام مقامه، كالوكيل، أو الوارث، أو الوصي . ٩ - وفي دعوى الحق، کحق الحضانة والرضاع، الخصم هو كل شخص له شأن في الدعوى، وهو الذي ينازع المدعي في ذلك الحق، ويمنعه من التمتع به. دعوى الحسبة : (١) ٤٣ - الدعوی هي طلب شخص حقه من آخر في حضور الحاکم کما سبق، فھي اصلا تحتاج إلى طالب (المدعي) ومطلوب (المدعى) ومطلوب منه (المدعى عليه). وإذا كان المدعى من حقوق العباد فلا تتحقق الدعوی بغیر الطلب من مدع معین کما هو الأصل. أما إذا كان من حقوق الله تعالى كالحدود والتعدي على ما يرجع منافعه للعامة، فلا تحتاج إلى مدع خاص، وتقبل فيها شهادة الحسبة. (أي: للأجرلا الإِجابة مدع) مع مراعاة طرق الإثبات الخاصة بها حسب تنوع موضوعاتها . (١) الحسبة: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، فهي وظيفة دينية وحق ثابت لكل مسلم وللمحتسب، إلا أنه متعين على المحتسب بحكم الولاية، أما على غيره فداخل في فروض الكفاية (الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤٠) وللمقارنة بين الحسبة والقضاء ينظر مصطلح : (حسبة). - ٢٩٦ - دعوى ٤٣ فقد ورد في المجلة أنه يشترط سبق الدعوى في الشهادة بحقوق الناس. قال الأتاسي : لأن ثبوت حقوقهم يتوقف على مطالبتهم، ولو بالتوكيل. بخلاف حقوق الله تعالی، حیث لا يشترط فيها · الدعوى، لأن إقامة حقوق الله تعالى واجبة علی کل احد، فکل احد خصم في إثباتها، فصار كأن الدعوى موجودة . وفي موضع آخر قال: ينتصب أحد العامة خصما عن الباقين من العامة في المحال التي منفعتها عائدة إلى العموم. ثم قال نقلا عن جامع الفصولين: بنى حائطا على الفرات واتخذ علیه رحى، أو بنى في طريق العامة، فخاصمه أحد یقضی علیه بهدمه. (١) وذكر في الدر في بحث الشهادة: والذي تقبل فيه الشهادة حسبة بدون الدعوى أربعة عشر. قال ابن عابدين: هي الوقف للفقراء أو للمسجد ونحوه (أي للعامة)، وطلاق الزوجة، وتعليق طلاقها، وحرية الأمة وتدبيرها، واخلع، وهلال رمضان، والنسب، وحد الزنى، وحد الشرب، والإِيلاء، والظهار، وحرمة المصاهرة، ودعوى المولى نسب العبد، والشهادة بالرضاع. (١) مجلة الأحكام العدلية م١٦٩٦، وشرحها للأتاسي. ٢٤٨/٥، وانظر درر الحكام ٤/ ٣٤٤ ثم قال: ولا يخفى أن شاهد الحسبة لابد أن يدعي ما یشهد به إن لم يوجد مدع آخر. وعلى هذا فكل ما تعتبر فيه الشهادة حسبة يصدق عليه أنه تقبل فيه الدعوى حسبة . ثم علق على كلام الدر نقلا عن الأشباه: ولیس لنا مدع حسبة إلا في دعوى الموقوف علیه، فقال: مراده أنه لا یسمی مدعيا، أو أن مدعي الحسبة لا يحلف له الخصم عند عدم البينة، فلا يتحقق بدون الشهادة. (١) وذكر المالكية في بحث الشهادة(٢) أنه تجب المبادرة في حق الله بالرفع للحاكم بقدر الإمكان إن استدیم ارتكاب التحریم عند عدم الرفع، كعتق الرقيق، مع كون السيد يتصرف فيه تصرف المالك من استخدام وبيع ووطء ونحو ذلك، وكطلاق لزوجة مع كون المطلق لم ينكف عنها فتجب المبادرة بالرفع، وکوقف على معين أو غيره، ولا سيما إذا كان مسجدا أو رباطا أو مدرسة، وواضع اليد يتصرف تصرف الملاك، فتجب المبادرة بالرفع لرده إلى أصله. وکرضاع بين زوجين. وإن لم يستلزم ارتكاب التحريم بأن كان التحريم ينقضي بالفراغ من متعلقه کالزنی وشرب الخمر، خیر في الرفع وعدمه، والترك أولى لما فيه من الستر المطلوب في غير (١) حاشية ابن عابدين ٤٠٢/٣ - ٤٠٣ بتصرف يسير. (٢) الشرح الصغير للدردير ٢٤٧/٤ - ٢٤٩ - ٢٩٧ - دعوى ٤٣ - ٤٥ المجاهر، وإلا فالرفع أولى. (١) ومثله ما ذکر في کتب الشافعیة حیث قالوا : وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى كالصلاة، والزكاة، والصوم، بأن يشهد بتركها، وفیما له حق مؤكد، کطلاق، وعتق، وعفو عن قصاص، وبقاء عدة وانقضائها، بأن یشهد بها ذکر لیمنع ما يترتب عليه. وكذلك في حد لله تعالى، بأن يشهد بموجبه، كحد الزنى، والسرقة، وقطع الطريق. والأفضل فيه الستر إذا رأى فيه المصلحة، وكذا النسب على الصحيح. كما ذكروا منها الرضاع. قال الشربيني: تقبل فيه شهادة أم الزوجة وبنتها مع غيرهما حسبة بلا تقدم دعوى، لأن الرضاع تقبل فيه شهادة الحسبة، كما لوشهد أبوها وابنها، أو ابناها بطلاقها من زوجها حسبة . (٢) وقال في محل آخر: وما تقبل فيه شهادة الحسبة هل تسمع فيه دعواها؟ وجهان: أوجههما: ((تسمع، لأنه لا حق للمدعي في المشهود به، والوجه الثاني: أنها تسمع في غير حدود الله)). (٣) (١) الشرح الصغير للدردير ٢٤٧/٤ - ٢٤٩، وجواهر الإكليل ٢٣٦/٢ (٢) المحلي وحاشية القليوبي وعميرة عليه ٣٢٢/٤، ٣٢٣، ومغني المحتاج ٣/ ٤٢٤، ٤٣٧/٤ (٣) مغني المحتاج ٤/ ٤٣٧ وذكر الحنابلة أيضا في باب الشهادة أنها تقبل في حقوق الله الخالصة حسبة، کما تقبل فیما كان حقا لآدمي غير معين، ولا تفتقر إلى تقدم الدعوى. قال ابن قدامة: الحقوق على ضربين: ٤٤ - أحدهما: حق لآدمي معين، كالحقوق المالية والنكاح وغيره من العقود، والعقوبات كالقصاص، وحد القذف، والوقف على آدمي معین، فلا تسمع الشهادة فیه إلا بعد الدعوى، لأن الشهادة فیه حق لآدمي، فلا تستوفى إلا بعد مطالبته وإذنه، ولأنها حجة على الدعوى ودليل لها فلا يجوز تقدمها عليها . ٤٥ - الضرب الثاني: ما كان حقا لآدمي غير معين، كالوقف على الفقراء والمساكين، أو جميع المسلمين، أو على مسجد، أو سقاية، أو مقبرة مسبلة، أو الوصية لشيء من ذلك ونحو هذا، أو ما كان حقا لله تعالى كالحدود الخالصة لله تعالى، أو الزكاة، أو الكفارة، فلا تفتقر الشهادة به إلى تقدم الدعوى، لأن ذلك ليس له مستحق معين من الآدمیین يدعیه ویطالب به. ولذلك شهد أبوبكرة وأصحابه على المغيرة، وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر، وشهد الذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر أيضا من غير تقدم دعوی فأجيزت شهادتهم، ولذلك لم يعتبر في - ٢٩٨ - دعوى ٤٦ - ٤٧ ابتداء الوقف قبول من أحد ولا رضى منه، وكذلك ما لا يتعلق به حق أحد الغريمين كتحريم الزوجة بالطلاق، أو الظهار، أو إعتاق الرقیق، تجوز الحسبة به ولا تعتبر فیه دعوی. (١) هذا ، وقد تقدم ما قاله ابن عابدين أن کل ما تعتبر فيه الشهادة حسبة يصدق عليه أنه تقبل فيه الدعوى حسبة . (٢) ثالثا: شروط المدعى به : ٤٦ - الشرط الأول - يشترط في المدعى به أن يكون معلوما، (٣) والمراد بعلم المدعى به تصوره، أي تميزه في ذهن المدعي والمدعى عليه والقاضي. (٤) وذلك لأن المقصود بالدعوى هو إصدار الحكم فيها، والمقصود بالحكم فصل الخصومة بإلزام المحقوق بردّ الحق إلى صاحبه، ولا إلزام مع الجهالة. وبناء علیه لا یصح الحكم بما لا إلزام فيه، وهكذا لا يتحصل مقصود الدعوى بدون العلم (١) المغني ٢١٥/٩ - ٢١٦ (٢) ابن عابدين ٤٠٣/٣ (٣) بدائع الصنائع ٢٢٢/٦، حاشية الشلبي ٢٩٢/٤، تهذيب الفروق ١١٤/٤، ١١٧، حاشية الدسوقي ٢٩٢/٤، المهذب ٢/ ٣١١، المغني ٩/ ٨٤، نيل المآرب بشرح دليل الطالب ٢/ ١٤٣، كشاف القناع ٢٧٧/٦ طبع ١٣٦٧ هـ (٤) تهذيب الفروق ١١٤/٤، حاشية العدوي على الخرشي ٧/ ١٥٤، حاشية الدسوقي ٤ / ١٤٤ فوجب اشتراطه لصحتها. ومن جهة أخرى فإن صحة الشهادة مرهونة بمطابقتها للدعوى، فإن كانت الدعوى مجهولة المدعى به لم تصح الشهادة علیھا، لأنها لا تصح على المجهول، فتكون الدعوى مرفوضة لعدم إمكان إثباتها . (١) حدود هذا الشرط : ٤٧ - للمدعى به جوانب متعددة: فهناك ذات الشيء المدعى، وهذا يختلف حدوده حسب الأحوال، فیفصل فیه بین ما یکون عینا وما یکون دینا، والأول یفصل فيه بین ما هو عقار وما هومنقول. كما أن الدعاوى الأخرى التي يطلب بها غير العين والدين، كدعوى النسب لها قواعد تختلف في تحدید المدعى به. وهناك سبب استحقاق المدعى به، وهو عبارة عن الواقعة الشرعية التي يعتمد عليها المدعي في استحقاق ما يدعيه، وهناك أيضا شروط هذا السبب، وقد وضع بعض علماء الشافعية قاعدة عامة في كيفية العلم بالمدعى به، فقالوا: (إنما يقدح في صحة الدعوى جهالة تمنع من استيفاء المحكوم به، وتوجيه المطالبة نحوه، حیث یکون المدعى به مجهولا یتردد بین أن یکون هذا أو ذاك، أما إذا سلم المدعى به من هذا، وكان (١) بدائع الصنائع ٢٢٢/٦، حاشية الشلبي ٢٩٢/٤، نيل المآرب ١٤٣/٢ - ٢٩٩ - دعوی ٤٨ محصورا بما يضبط به فلا)(١) وفيما يلي تفصيل هذا الشرط حسب أنواع الدعاوي المختلفة: کیفیة العلم بالمدعى به في دعاوي العین: المدعى به في دعوی العین إما أن يكون عقارا، وإما أن يكون منقولا ، ولكل طريقة خاصة في التعريف به : ٤٨ - في دعوى العقار: يشترط في هذه الدعوى ذكر ما يميز العقار المدعى عن غيره، واتفق الفقهاء على أن ذلك لا يكون إلا بذكر حدوده، وناحيته من البلد الموجود فيها . (٢) لكن بعض الفقهاء اشترطوا تخصيصه بقيود أكثر من تلك، فاشترطوا ذكر المحلة والسكة التي ينتمي إليها ذلك العقار، مع ذكر جهة الباب التي يفتح عليها. هذا إذا لم يكن مشهورا، وأما في العقار المشهور فلا يشترط لتحدیده غیر ذکر اسمه عند جمهور الفقهاء والصاحبين. (٣) وعند أبي حنيفة لابد من ذكر الحدود في (١) أدب القضاء - الغزي ق٣ أ. (٢) بدائع الصنائع ٢٢٢/٦، تنوير الأبصار ٣٩١/١، تبصرة الحكام ١٠٥/١ طبع ١٣٠١هـ. إعانة الطالبين ٢٤١/٤، المغني ٩/ ٨٥، كشاف القناع ٢٧٨/٦ طبع ١٣٦٧هـ. (٣) تنوير الأبصار مع قرة عيون الأخيار ٣٩١/١، المنهاج مع شرح المحلي ٣١١/٤، فتح المعين وإعانة الطالبين ٢٤٣/٤، كشاف القناع ٢٧٨/٦ طبع ١٣٦٧هـ. تعريف العقار سواء أكان مشهورا أم غير مشهور. (١) ويشترط في تعريف الحدود عند الحنفية أن يذكر أسماء أصحابها وأنسابهم إلا المشهورين منهم، فیکتفی بأسمائهم، ویکتفی عندهم بذکر ثلاثة حدود للعقار، واستدلوا على جواز الدعوی بذکر ثلاثة حدود بأنّ للأکثر حکم الكل غالبا، واشترط زفر أن تذكر جميع الحدود، (٢) وهو المفتى به عند الحنفية، وقد روي عن أبي يوسف الاكتفاء بالحدين والحدّ الواحد، وصرحوا بأن الخطأ في ذکر واحد من الحدود الأربعة يجعل الدعوى غير مقبولة، لأن ذلك يورث الشك في معرفة المدعي لما يدعیه، ولعدم انطباق الدعوى على محل النزاع، ولا يقاس على حالة الابتداء. (٣) وأما غير الحنفية فقد اشترطوا ذكر جميع الحدود لأن التعريف لا يتم إلا بذكر الحدود الأربعة، وأضاف علماء الشافعية أنه قد یکتفی بثلاثة وأقل منها إذا عرف العقار بها. وقالوا: إن المعرفة في العقار لا تتقيد بالحدود الأربعة، فقد (١) تنوير الأبصار والدر المختار مع قرة عيون الأخيار ١/ ٣٩١ (٢) تنوير الأبصار والدر المختار وقرة عيون الأخيار ١/ ٣٠٠، ٣٩١، ٣٩٢، وتبصرة الحكام ١٠٥/١، ونهاية المحتاج ١١١/٨، وفتح المعين وإعانة الطالبين، والمنهاج والمحلي وحاشية قليوبي وحاشية عميرة ٣١١/٤، وكشاف القناع ٢٧٨/٦ (٣) قرة عيون الأخيار ٣٩٢/١ - ٣٠٠ -