النص المفهرس
صفحات 241-260
دخان ٤ - ٥
إلى حلقه دون قصد، فلا يفسد به الصوم،
لعدم إمكان التحرز عنه، لأنه إذا أطبق الفم،
دخل من الأنف.
وفي استنشاق الدخان عمدا خلاف
وتفصيل، ينظر مصطلح: ((صوم)).(١)
القتل بالدخان :
٤ - من حبس شخصا في بيت وسد منافذه
فاجتمع فیه الدخان وضاق نفسه فات، ففیه
القصاص عند الشافعية والحنابلة، وهو مقتضى
قواعد المالكية إن قصد بذلك موته، أما إن قصد
مجرد التعذیب فالدية.
وأما الحنفية فقواعدهم تأبى وجوب
القصاص، (٢) وتفصيل ذلك في مصطلح :
(قصاص، ودية).
إيذاء الجار بالدخان :
٥ - ذهب الحنفية والمالكية وهو المذهب عند
الحنابلة إلی أن من أراد أن يبني في داره تنورا
للخبز الدائم کما یکون في الدکاکین، يمنع،
(١) ابن عابدين ٩٧/٢، و٢٩٥/٥، وفتح القدير ٢٥٨/٢ ط
دار إحياء التراث العربي، وشرح الزرقاني ٢/ ٢٠٤ ط دار
الفكر، والدسوقي ٥٢٥/١، والقليوبي ٥٦/٢، ونهاية
المحتاج ١٦٩/٣، وكشاف القناع ٣٢١/٢
(٢) ابن عابدين ٣٤٨/٥ - ٣٤٩ وما بعدها، والشرح الصغير
٣٣٩/٤، وروضة الطالبين ٩/ ٢٥٤، ومطالب أولي النهى
٨/٦
لأنه يضر بجيرانه ضررا فاحشا لا يمكن التحرز
عنه، إذ یأتي منه الدخان الکثیر.
وذهب الشافعية، وهورواية عن أحمد، وبه
قال بعض أصحاب أبي حنيفة: إلى أنه
لا يمنع، لأنه تصرف في خالص ملكه، ولم
يتعلق به حق غيره، فلم یمنع منه کما لو طبخ في
داره أو خبز فيها .
أما دخان التنور المعتاد في البيوت، ودخان
الخبز والطبیخ فلا خلاف في أنه لا يمنع، لأن
ضرره يسير، ولا يمكن التحرز عنه، فتدخله
المسامحة.(١)
وإذا طبخ الجارما يصل دخانه أورائحته إلى
جاره استحب له أن يهديه من ذلك الطعام
لحديث عبدالله بن عمروبن العاص في ذكر
حقوق الجار، ذكر منها: ((ولا تؤذه بقتارريح
قدرك إلا أن تغرف له منها)). (٢)
(١) ابن عابدين ٣٦١/٤، جواهر الإكليل ١٢٢/٢، ونهاية
المحتاج ٣٣٧/٥، والقليوبي ٣/ ٩٠
(٢) حدیث عبد الله بن عمرو بن العاص: «ولا تؤذه بقتار ربح
قدرك إلا أن تغرف له منها)». ذكره المنذري في الترغيب
(٣٥٧/٣ - ط الحلبي) وعزاه إلى مكارم الأخلاق
للخرائطي، وصدره بصيغة التضعيف.
- ٢٤١ -
دخول ١ - ٤
أيضا: أول ما ينشأ من السحاب، قال
الأخفش: يقال للماء الذي يخرج من
السحاب: خروج.(١)
فالدخول، والخروج بالمعنى الأول ضدان،
وبالمعنى الثاني متباینان.
دخول
التعريف :
١ - الدخول في اللغة نقيض الخروج. (١) وفي
الاصطلاح: هو الانفصال من الخارج إلى
الداخل. (٢) ويطلق أيضا على الوطء على
سبيل الكناية. قال المطرزي: سواء أكان الوطء
مباحا أو محظورا . (٣)
وقال الفيومي : «دخل بامرأته دخولا ، کنایة
عن الجماع أول مرة وغلب استعماله في الوطء
المباح)) ومنه قوله تعالى: ﴿ ... من نسائكم
اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن
فلا جناح عليكم﴾. (٤)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الخروج :
٢ - الخروج في اللغة نقيض الدخول. والخروج
(١) لسان العرب المحيط مادة: ((دخل)).
(٢) الاختیار ٤/ ٥٤
(٣) كشاف القناع ٧٢/٥، والمغرب للمطرزي والمصباح
للفيومي والمعجم الوسيط مادة: ((دخل)).
(٤) سورة النساء/ ٢٣
الحكم التكليفي :
٣ - للدخول بإطلاقيه أحكام تعتريه، وهي
تختلف باختلاف مواطنها، واختلاف ما يتعلق
به الدخول. ونجمل أهمھا فیما یلی:
أولا: أحكام الدخول بالإِطلاق الأول:
دخول المسجد :
٤ - يستحب لمن أراد دخول المسجد أن يقدم
رجله اليمنى، ويؤخر اليسرى عند الدخول،
ويستحب أن يقول: ((اللهم افتح لي أبواب
رحمتك))(٢) وقد ورد أنه يقال: ((أعوذ بالله
العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من
الشيطان الرجيم))(٣) و((باسم الله، اللهم صل
(١) لسان العرب المحيط، ومتن اللغة مادة ((خرج)).
(٢) دلیل قوله: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. حديث أبي حميد
أو أبي أسيد أخرجه مسلم (٤٩٤/١ - ط الحلبي).
(٣) حديث: ((أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم)). أخرجه أبو
داود (٣١٨/١ - تحقيق. عزت عبيد دعاس) من حديث
عبدالله بن عمر، وجود إسناده النووي في الأذكار (ص٨٥ -
ط دار ابن كثير).
- ٢٤٢ -
دخول ٥ - ٦
على محمد وعلى آل محمد وسلم، اللهم اغفر لي
ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك». (١) ويستحب
لمن دخل المسجد صلاة ركعتين تحية المسجد .
وتفصيل ذلك في مصطلح : ((مسجد)).
دخول مكة :
٥ - يختلف حکم دخول مكة باختلاف
الداخل: فالآفاقي لا يجوز له دخولها إلا محرما،
سواء أدخلها حاجا أم معتمرا، واختلف فيما إذا
دخلها لغير النسك.
ومن كان داخل الميقات فله أن يدخل مكة
بغیر إحرام حاجته، لأنه يتكرر دخوله حاجته،
وأما للحج فلا يجوز له دخولها من غیرإحرام،
لأنه لا يتكرر، وكذا لأداء العمرة، لأنه التزمها
بنفسه .
وتفصيل ذلك في مصطلح: ((إحرام)).
ولا بأس بدخول مکة ليلا أونهارا، عند
الحنفية والحنابلة. وقال المالكية والشافعية:
یستحب أن یکون نهارا .
(١) حديث: ((بسم الله، اللهم صل على محمد)) أخرجه
الترمذي (١٢٨/٢ - ط الحلبي) من حديث فاطمة، وابن
السني في عمل اليوم والليلة (ص٢٥ - ط دائرة المعارف
العثمانية)، وإسناداها متكلم فيهما، إلا أنه يقوي أحدهما
الآخر.
وانظر: القوانين الفقهية/ ٥٥، والمجموع ١٧٩/٢،
والأذكار للنووي ٣٢ - ٣٣، والمغني ٤٥٥/١
ويستحب الدخول من باب بني شيبة عند
دخول مكة اقتداء بفعلهپێ، (١) كما يستحب
أن يقول عند الدخول الأدعية المأثورة، (٢)
وتفصيلها في مصطلح: (حج) و(إحرام).
دخول الحائض والجنب المسجد :
٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يجوز
للحائض والنفساء دخول المسجد، والمكث فيه
ولو بوضوء. وكذلك الحكم في الجنب سواء أكان
رجلا أم امرأة، لما روي عن عائشة رضي الله
عنها قالت: جاء رسول الله ◌َله، وبيوت
أصحابه شارعة في المسجد، فقال: ((وجهوا
هذه البيوت، فإني لا أحل المسجد لحائض
ولا جنب». (٣)
واستثنى الفقهاء الدخول في هذه الحالة إذا
کان للضرورة کالخوف على نفس أومال، أو
(١) حديث: ((الدخول من باب بني شيبة عند دخول مكة)»
عزاء ابن حجر في التلخيص (٢٤٣/٢ - ط شركة الطباعة
الفنية) إلى الطبراني من حديث عبدالله بن عمر، وأعله براوٍ
ضعيف في إسناده.
(٢) الاختيار ١/ ١٤١، ١٤٢، ١٤٥، ط دار المعرفة، وجواهر
الإكليل ١/ ١٧٠، ١٧٩ ط مكة المكرمة، والقليوبي
١٠١/٢، ١٠٢ ط دار إحياء الكتب العربية، والمغني
٣٦٨/٣ - ط الرياض)).
(٣) حديث: ((وجهوا هذه البيوت ... )). أخرجه أبو داود
(١٥٨/١ - ١٥٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والبيهقي
(٤٤٢/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية)، ولمح البيهقي إلى
تضعيفه .
- ٢٤٣ -
دخول ٧ - ٨
كأن يكون بابه إلى المسجد ولا يمكنه تحويله
ولا السكنی في غيره.
واختلفوا في دخوله مارا، فذهب الحنفية
والمالكية إلى أنه لا يجوز دخوله للحائض
والجنب ولو مارا من باب لباب. إلا أن لا يجد
بدا فيتيمم ويدخل. وبه قال الثوري
وإسحاق.
وعند الشافعية والحنابلة لا يمنع الجنب من
العبور، وإليه ذهب ابن مسعود وابن عباس
وابن المسيب. وقال الشافعية: إن الحائض إذا
أرادت العبور في المسجد فإن خافت تلويثه حرم
العبور عليها، وإن أمنت التلويث جاز العبور
على الصحيح.
وعند الحنابلة تمنع الحائض من المرور في
المسجد إن خافت تلويثه . (١)
دخول الصبيان والمجانين المسجد :
٧ - قال النووي: يجوز إدخال الصبي المسجد
وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يؤمن منه
تنجیسه .
وصرح المالكية بعدم جواز إدخاله المسجد إن
(١) الاختیار ١٣/١، وابن عابدین ١١٥/١، ١٩٤ ط دار
إحياء التراث العربي، وفتح القدير ١١٤/١، ١١٥ ط
الأميرية، وجواهر الإكليل ٣٢/١ و٢٣/١، ونهاية المحتاج
٢١٨/١ ط مصطفى الحلبي، وروضة الطالبين ١٣٥/١ ط
المكتب الإسلامي، ونيل المآرب ١٠٦/١، والمغني
١٤٠/١
كان لا يكف عن العبث إذا نهي عنه، وإلا
فيكره. وكذلك المجانين، (١) لما ورد مرفوعا:
«جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم،
وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع
أصواتکم، وإقامة حدودکم، وسل سیوفکم،
واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في
الجمع)). (٢)
دخول الكافر المسجد :
٨ - اختلف الفقهاء في جواز دخول الكافر
المسجد، فذهب الشافعية والحنابلة ومحمد بن
الحسن من الحنفية إلى أنه يحرم دخوله المسجد
الحرام، ولا یکره دخوله غیره. إلا أن جواز
الدخول مقيد بالإذن على الصحيح عند
الشافعية والحنابلة، سواء أكان جنبا أم لا، لأنه
لا يعتقد حرمته. فلوجلس الحاكم فيه
للحكم، فللذمي دخوله للمحاكمة، وينزل
جلوسه منزلة إذنه.
ويرى الحنفية جوازه مطلقا إلى المسجد
الحرام وغيره، لما روي أنه سي أنزل وفد ثقيف
(١) ابن عابدين ٤٤١/١، وجواهر الإكليل ١/ ٨٠،
والمجموع ١٧٦/٢، وروضة الطالبين ٢٩٧/١، وتحفة
الراکع والساجد للجراعي ٢٠٤
(٢) حديث: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم)). أخرجه
ابن ماجة (٢٤٧/١ - ط الحلبي) من حديث واثلة بن
الأسقع، وضعفه البوصيري في الزوائد (١/ ١٦٢ - ط دار
الجنان).
- ٢٤٤ -
دخول ٩ - ١٢
في المسجد، وکانوا کفارا، وقال: «ليس على
الأرض من نجسهم شيء))(١) وكرهه المالكية
وهو رواية عند الحنابلة مطلقا إلا لضرورة،
كعمارة لم تمکن من مسلم، أو كانت من الكافر
أتقن. (٢)
دخول الحمام :
٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن دخول الحمام
مشروع للرجال والنساء، لما روي: ((أن
رسول الله ﴾ دخل الحمام وتنوّر))(٣) (استخدم
النورة)، ودخل خالد بن الوليد حمام حمص،
وكان الحسن وابن سيرين يدخلان الحمام،
ولكن إباحة الدخول مقيدة بما إذا لم يكن منه
كشف العورة، وبغير ذلك من الشروط التي
تختلف باختلاف كون الداخل رجلا أو
امرأة. (٤) وتفصيل ذلك في مصطلح: ((حمام)).
(١) حديث: ((ليس على الأرض من نجسهم شيء)) أورده
الجصاص في أحكام القرآن (٨٨/٣ - نشر دار الكتاب
العربي) بلفظ مقارب من حديث عثمان بن أبي العاص
معلقا، ورواه أبو داود في المراسيل (ص ٨٠ - ط الرسالة)
من حديث الحسن مرسلا بلفظ: ((إن الأرض لا تنجس إنما
ینجس ابن آدم».
(٢) الاختيار ١٦٦/٤، وابن عابدين ١١٥/١، و٢٤٨/٥،
وجواهر الإكليل ٢٣/١، و٣٨٣/١ -ط مكة المكرمة،
والمجموع ١٧٤/٢، وروضة الطالبين ٢٩٦/١، ٢٩٧،
ونهاية المحتاج ٢١٨/١، ٢١٩، والمغني ٨/ ٥٣٢
(٣) حديث: ((دخل الحمام وتنور)). أخرجه البيهقي (١٥٢/١ -
ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ثوبان، وضعفه
بقوله: «ليس بالمعروف بعض رجاله».
(٤) الفتاوى الهندية ١٣/١، والاختيار ١٦٨/٤، وابن =
دخول الخلاء :
١٠ - يسن لداخل الخلاء تقديم رجله اليسرى،
ويقول عند الدخول: باسم الله، اللهم إني
أعوذ بك من الخبث والخبائث. لأن التسمية
يبدأ بها للتبرك، ثم يستعيذ. (١) وتفصيل ذلك
في مصطلح: ((قضاء الحاجة)).
دخول مکان فيه منکر :
١١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز
الدخول بقصد المكث والجلوس إلى محل فيه
منکر.
ويجب الدخول إذا کان المنکریزول بدخوله
لنحو علم أو جاه، لإِزالة المنكر. (٢)
دخول المسلم الكنيسة والبيعة :
١٢ - يرى الحنفية أنه يكره للمسلم دخول البيعة
والكنيسة، لأنه مجمع الشیاطین، لا من حيث
إنه ليس له حق الدخول. وذهب بعض
الشافعية في رأي إلى أنه لا يجوز للمسلم دخولها
= عابدين ٣١/٥، والقوانين الفقهية/ ٤٤٣، ٤٤٤،
وحاشية البناني على هامش الزرقاني ٧/ ٤٥، وأسنى
المطالب ٧٢/١، والمغني ١/ ٢٣٠، ٢٣١، والآداب
الشرعية ٣٣٧/٣
(١) ابن عابدين ٢٣٠/١، وجواهر الإكليل ١٨/١،
والقليوبي ٣٨/١، ٤١، ٤٢، ونيل المآرب ٥١/١
(٢) الاختيار ١٦٦/٤، جواهر الإكليل ٣٢٦/١، وقليوبي
٤ / ٢٣٥، الآداب الشرعية ٣/ ٤٤٠ - ٤٤١
- ٢٤٥ -
دخول ١٣ - ١٥
إلا بإذنهم، وذهب البعض الآخر في رأي آخر
إلى أنه لا يحرم دخولها بغير إذنهم. وذهب
الحنابلة إلى أن للمسلم دخول بيعة وكنيسة
ونحوهما والصلاة في ذلك، وعن أحمد یکره إن
كان ثَمّ صورة، وقيل مطلقا، ذكر ذلك في
الرعاية، وقال في المستوعب: وتصح صلاة
الفرض في الكنائس والبيع مع الكراهة، وقال
ابن تمیم: لا بأس بدخول البیع والکنائس التي
لا صور فیھا، والصلاة فيها. وقال ابن عقيل:
يكره كالتي فيها صور، وحكى في الكراهة
روايتين. وقال في الشرح: لا بأس بالصلاة في
الكنيسة النظيفة روي ذلك عن ابن عمر وأبي
موسی وحکاه عن جماعة، وکره ابن عباس
ومالك الصلاة في الكنائس لأجل الصور، وقال
ابن عقيل: تكره الصلاة فيها لأنه کالتعظيم
والتبجيل لها، وقيل: لأنه یضر بهم. (١)
ویکره دخول کنائسهم یوم نیروزهم
ومهرجانهم. قال عمر رضي الله عنه:
(لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم
عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم). (٢)
دخول البيوت :
١٣ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمرء دخول
(١) ابن عابدين ٢٤٨/٥، وجواهر الإكليل ٣٨٣/١،
والقليوبي ٢٣٥/٤، والآداب الشرعية ٣/ ٤٤٠ - ٤٤١
(٢) الآداب الشرعية ٤٤٢/٣
بیت مسکون غیر بیته إلا بعد الاستئذان والإِذن
له بالدخول، وفي ذلك تفصيل ينظر في
مصطلح : (استئذان).
ثانيا: أحكام الدخول بالإِطلاق الثاني
(الوطء):
أثر الدخول في المهر :
١٤ - لا خلاف بين الفقهاء في أن من سمی مهرا
لزمه بالدخول، لأنه تحقق به تسلیم المبدل، وإن
طلقها قبل الدخول لزمه نصفه، لقوله تعالى :
﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد
فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾. (١)
وتفصيل ذلك في مصطلح : (مهر).
أثر الدخول في العدة :
١٥ - أجمع الفقهاء على أن الطلاق إذا كان بعد
الدخول، فالعدة لغير الحامل ثلاثة قروء، أو
ثلاثة أشهر على حسب الأحوال، لقوله تعالی :
﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾(٢)
وقوله تعالى : ﴿واللائي يئسن من المحيض من
(١) سورة البقرة/ ٢٣٧
وانظر فتح القدير ٣/ ٢٣٤ ط دار إحياء التراث العربي،
والاختيار ١٠٢/٣، والقوانين الفقهية/ ٢٠٦، والقليوبي
٢٢٠/٣، ونيل المآرب ١٩٣/٢، ١٩٥، ١٩٦
(٢) سورة البقرة/ ٢٢٨
- ٢٤٦ -
دخول ١٥، درء الحد، دراهم ١ - ٢
نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم
يحضن﴾ . (١)
وعدة الحامل وضع حملها لقوله تعالى :
﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
حملهن﴾(٢) وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر
وعشرة أيام لقوله تعالى : ﴿والذين يتوفون منكم
ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر
وعشرا﴾. (٣)
وإذا كان الطلاق قبل الدخول فلا عدة لقوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات
ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم
عليهن من عدة تعتدونها﴾. (٤) وتفصيل ذلك في
مصطلح: (عدة). (٥)
درء الحد
انظر: (شبهة ، حدود).
(١) سورة الطلاق/ ٤
(٢) سورة الطلاق/ ٤
(٣) سورة البقرة/ ٢٣٤
(٤) سورة الأحزاب / ٤٩
(٥) الاختيار ٣/ ١٧٢، ١٧٣، والقوانين الفقهية/ ٢٣٤،
٢٣٥، والقليوبي ٣٩/٤، ونيل المآرب ٢٧٢/٢، ٢٧٣
دراهم
التعريف :
١ - الدراهم جمع درهم، وهو لفظ معرب، وهو
نوع من النقد ضرب من الفضة كوسيلة
للتعامل، وتختلف أنواعه وأوزانه باختلاف
البلاد التي تتداوله وتتعامل به . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الدنانير :
٢ - الدنانير جمع دينار، وهو معرب، قال
أبو منصور: دينار أصله أعجمي غير أن العرب
تکلمت به فصار عربیا .
والدينار اسم للقطعة من الذهب المضروبة
المقدرة بالمثقال. (٢) فهي تختلف عن الدراهم في
أنها من الذهب في حين أن الدراهم من الفضة.
(١) لسان العرب والمصباح المنير والمعجم الوسيط والمغرب
مادة: «دره)).
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والأموال لأبي
عبيد/ ٦٢٩، وفتوح البلدان / ٤٥١ ومقدمة ابن خلدون
/ ١٨٣
- ٢٤٧ -
دراهم ٣ - ٦
ب - النقد :
٣ - للنقد ثلاثة معان فيطلق على الحلول أي
خلاف النسيئة، وعلى إعطاء النقد، وعلى تمييز
الدراهم وإخراج الزيف منها، ويطلق النقد
ويراد به ما ضرب من الدراهم والدنانير التي
يتعامل بها الناس. (١)
ج - الفلوس :
٤ - الفلوس جمع فلس، وتطلق الفلوس ويراد
بها ما ضرب من المعادن من غير الذهب
والفضة، وصارت عرفا في التعامل وثمنا
باصطلاح الناس. (٢)
د - سكة :
٥ - السكّ : تضبيب الباب أو الخشب
بالحدید.
والسگّة : حدیدة قد کتب عليها، ويضرب
عليها الدراهم، وهي المنقوشة ثم نقل إلى أثرها
وهي النقوش الماثلة على الدنانير والدراهم، ثم
نقل إلى القيام على ذلك، وهي الوظيفة فصار
(١) لسان العرب والمصباح المنير ومغني المحتاج ٣٨٩/١،
والمغني ٤/ ٥٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص١٧٩
(٢) لسان العرب والمصباح المنير والبدائع ٢٣٦/٥، والشرح
الصغير ٢١٨/١ ط الحلبي، والأحكام السلطانية لأبي
يعلى / ١٧٩
علما عليها في عرف الدول، وتسمى الدراهم
المضروبة سكة . (١)
الدرهم الإسلامي وكيفية تحديده وتقديره:
٦ - كانت الدراهم المضروبة قبل الإِسلام
متعددة مختلفة الأوزان، وكانت ترد إلى العرب
من الأمم المجاورة فکانوا یتعاملون بها،
لا باعتبار العدد بل بأوزان اصطلحوا عليها،
وجاء الإسلام وأقرهم على هذه الأوزان كما جاء
في قول النبي قال: ((الوزن وزن أهل مكة،
والمكيال مكيال أهل المدينة)). (٢)
ولما احتاج المسلمون إلى تقدير الدرهم في
الزكاة كان لا بد من وزن محدد للدرهم يقدر
النصاب على أساسه، فجمعت الدراهم
المختلفة الوزن وأخذ الوسط منها، واعتبرهو
الدرهم الشرعي، وهو الذي تزن العشرة منه
سبعة مثاقيل من الذهب، فضربت الدراهم
الإِسلامية على هذا الأساس، وهذا أمر متفق
عليه بين علماء المسلمين، فقهاء ومؤرخین،
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والأحكام السلطانية لأبي
يعلى ص١٨٣، وللماوردي ص١٥٥، ومقدمة ابن
خلدون/ ١٨٣
(٢) حديث: ((الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل
المدینة)». أخرجه أبو داود (٣/ ٦٣٣ - ٦٣٤ - تحقيق عزت
عبيد دعاس) من حديث ابن عمر، وصححه الدارقطني
والنووي کما في التلخيص لابن حجر (١٧٥/٢) - ط شركة
الطباعة الفنية).
- ٢٤٨ -
دراهم ٦ - ٧
لكنهم اختلفوا في العهد الذي تم فيه هذا
التحدید، فقيل إن ذلك تم في عهد عمر بن
الخطاب رضي الله تعالی عنه، وقيل إن ذلك تم
في عهد بني أمية، وسواء أكان ذلك تم في عهد
عمر أم في عهد بني أمية فإن الدرهم الشرعي
الذي استقر الأمر عليه هو الذي ضرب في عهد
عبدالملك بن مروان وكان هو أساس التقادير
الشرعية.
لكن الفقهاء والمؤرخين أثبتوا أن الدرهم
الشرعي لم يبق على الوضع الذي استقر عليه
الإجماع في عهد عبدالملك، بل أصابه تغییر کبیر
في الوزن والعيار من بلد إلى بلد، وصار أهل
كل بلد يستخرجون الحقوق الشرعية من
نقودهم بمعرفة النسبة التي بينها وبين مقاديرها
الشرعية إلى أن قيل: يفتى في كل بلد
بوزنهم . (١)
ونشأ من ذلك اضطراب في معرفة الأنصبة،
وهل تقدر بالوزن أوبالعدد؟ وأصبح الوصول
(١) فتوح البلدان للبلاذري/ ٤٥١ إلى ٤٥٤ وهامش الأحكام
السلطانية لأبي يعلى ١٧٥ - ١٧٨ والأحكام السلطانية
للماوردي/ ١٥٣ - ١٥٤، ومقدمة ابن خلدون/ ١٨٣ -
١٨٤، والأموال لأبي عبيد/ ٦٢٩ - ٦٣٠، وحاشية ابن
عابدين ٢٨/٢ - ٣٠، وبدائع الصنائع ١٦/٢، والأبيّ
شرح صحيح مسلم ١٠٩/٣، والمجموع ٥/ ٤٧٤ - ٤٧٦
تحقيق المطيعي، ومغني المحتاج ٣٨٩/١، ونهاية المحتاج
٨٤/٣، والمغني ٣/ ٤ ط الرياض.
إلى معرفة الدينار الشرعي المجمع عليه غاية
تمنع هذا الاضطراب. وإلى عهد قريب لم يصل
الفقهاء إلى معرفة ذلك حتى أثبت المؤرخ علي
باشا مبارك - بواسطة استقراء النقود الإِسلامية
المحفوظة في دور الآثار بالدول الأجنبية - أن
دینار عبد الملك بن مروان یزن ٤,٢٥ جرام من
الذهب، وبذلك یکون وزن الدرهم ٢,٩٧٥
جراما من الفضة.
وهذا هو الذي يعتبر معيارا في استخراج
الحقوق الشرعية من زكاة، ودية، وتحدید
صداق، ونصاب سرقة، وغير ذلك.(١)
من یتولی ضرب الدراهم :
٧ - ضرب الدراهم وظيفة ضرورية للدولة، إذ
بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في
النقود عند المعاملات، ويتقى الغش بختم
السلطان عليها بالنقوش المعروفة. (٢) وقد قال
الإِمام أحمد في رواية جعفر بن محمد: لا يصلح
ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن
السلطان، لأن الناس إن رخص لهم ركبوا
العظائم، فقد منع الإِمام أحمد من الضرب بغیر
إذن السلطان لما فيه من الافتیات علیه . (٣)
(١) فقه الزكاة ٢٥٣/١، والخراج للدكتور الريس / ٣٥٢ -
٣٥٤
(٢) مقدمة ابن خلدون / ١٨٣
(٣) الأحكام السلطانية لأبي يعلى / ١٨١
- ٢٤٩ -
دراهم ٨
وفي الروضة للنووي : يكره للرعية ضرب
الدراهم وإن كانت خالصة، لأن ضرب
الدراهم من شأن الإِمام . (١)
وذكر البلاذري أن عمر بن عبدالعزيز أتي
برجل يضرب على غير سكة السلطان فعاقبه
وسجنه وأخذ حدیده فطرحه في النار، وحکی
البلاذري أن عبدالملك بن مروان أخذ رجلا
يضرب على غير سكة المسلمين فأراد قطع يده
ثم ترك ذلك وعاقبه، قال المطلب بن عبدالله بن
حنطب: فرأيت من بالمدينة من شيوخنا حسنوا
ذلك من فعله .(٢)
حكم كسر الدراهم وقطعها :
٨- اختلف الفقهاء في حكم كسر الدراهم
وقطعها، فذهب مالك وأحمد وأكثر فقهاء المدينة
إلى كراهية ذلك مطلقا، لحاجة ولغير حاجة،
لأنه من جملة الفساد في الأرض وينكر على
فاعله، وقد روي عن النبيێے: ((أنه نهى عن
كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم)). (٣)
والكراهة عند الإِمام أحمد للتحريم على ما
(١) الروضة للنووي ٢٥٨/٢، والمجموع ٤٦٨/٥
(٢) فتوح البلدان للبلاذري عن طريق الواقدي/ ٤٥٥
(٣) حديث: ((نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم)).
أخرجه ابن ماجه (٧٦١/٢ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن مسعود، ونقل المناوي في فيض القدير (٣٤٦/٦
- ط المكتبة التجارية) عن العراقي وعبدالحق الأشبيلي أنهما
ضعفاه .
جاء في رواية جعفر بن محمد ورواية المروزي
ورواية حرب - وقد سئل عن كسر الدراهم -
فقال: هو عندي من الفساد في الأرض وكرهه
كراهة شديدة. لكنه صرح في رواية أبي طالب
أنها كراهة تنزيه، قال أبو طالب: سألت أحمد
عن الدراهم تقطع فقال: لا، نهى النبي وكليه
عن کسر سكة المسلمین، وقيل له: فمن کسره
عليه شيء؟ قال: لا، ولكن قد فعل ما نهى عنه
النبي ول﴾، قال أبو يعلى: وقوله: لا شيء
علیه، معناه لا ماثم علیه.
وذهب أبو حنيفة وفقهاء العراق إلى أن
کسرها غير مكروه.
وفصل قوم، فقال الشافعي: إن كسرها
لحاجة لم يكره له، وإن كسرها لغير حاجة كره
له، لأن إدخال النقص على المال من غير حاجة
سفه .
واعتبر ابن عبد البرحال البلد فقال: إن
كراهة القطع محمول عندي على بلد لا يجوز فيه
القطع، ولا ينفق المقطوع من الدراهم نفاق
الصحيح .
واعتبر ابن القاسم من المالكية قطع السكة
مانعا من الشهادة، وروى عنه ابن المواز: إلا أن
يعذر بجهل، وقال عنه العتبي: لا يجوز وإن
كان جاهلا .
وقال سحنون: ليس قطع الدنانير والدراهم
بجرحة .
- ٢٥٠ -
دراهم ٩
قال بعض الشيوخ: وهذا الاختلاف إنما هو
إذا قطعها وهي وازنة فردها ناقصة والبلد لا تجوز
فيه إلا وازنة، وهي تجري فيه عددا بغیروزن،
فانتفع بما قطع منها، وينفقها بغیروزن فتجری
مجرى الوازنة، فلا خلاف في أن ذلك جرحة،
ولو قطعها وکان التبایع بها بالمیزان فلا خلاف أن
التبايع بها ليس بجرحة، وإن كان عالما فذلك
مكروه .
أما قطع الدراهم لصياغتها حلیا للنساء،
فقد قال ابن القاسم وابن وهب: لا بأس أن
يقطع الرجل الدنانير والدراهم حليا لبناته
ونسائه .
وقد منع الإِمام أحمد أن تقطع للصياغة، قال
في روایة بکر بن محمد - وقد سأله عن الرجل
يقطع الدنانير والدراهم يصوغ منها - قال:
لا تفعل، في هذا ضرر على الناس، ولكن
يشتري تبرا مكسورا بالفضة. (١)
إنفاق الدراهم المغشوشة :
٩ - اختلف الفقهاء في إنفاق الدراهم
المغشوشة .
فأجاز الحنفية الشراء بالدراهم الزائفة
(١) الكافي لابن عبدالبر ٢/ ٦٤٤، والتبصرة بهامش فتح العلي
٢١٩/١، والأحكام السلطانية للماوردي/ ١٥٥ - ١٥٦،
والأحكام السلطانية لأبي يعلى / ١٨٢ - ١٨٣، وفتوح
البلدان للبلاذري / ٤٥٥
ولا يتعلق العقد بعينها، بل يتعلق بجنس تلك
الدراهم الزيوف إن كان البائع يعلم بحالها
خاصة لأنه رضي بجنس الزیوف، وإن كان
البائع لا يعلم لا يتعلق العقد بجنس المشار
إليه، وإنما يتعلق بالجيد من نقد تلك البلد، لأنه
لم يرض إلا به إذا كان لا يعلم بحالها.
ويجيز المالكية ذلك بشرط أن تباع لمن لا يغش
بها الناس بل لمن يكسرها ويجعلها حليا أو غيره.
فإن باع لمن يغش به فسخ البيع .
وفي مغني المحتاج إن علم معيار الفضة في
الدراهم المغشوشة صحت المعاملة بها معينة،
وفي الذمة اتفاقا، وإن كان مجهولا ففيه أربعة
أوجه، أصحها الصحة مطلقا، لأن المقصود
رواجها وهي رائجة، ولحاجة المعاملة بها .. ثم
قال: ومن ملك دراهم مغشوشة کره له إمساكها
بل يسبكها ويصفيها، قال القاضي أبو الطيب:
إلا إن كانت دراهم البلد مغشوشة فلا يكره
إمساکھا .
وعند الحنابلة إن كان الغش يخفى لم يجز
التعامل بها رواية واحدة، وإن كان ظاهرا فعلی
روايتين: المنع والجواز. (١)
وينظر تفصيل ذلك في: (صرف، ربا،
غش).
(١) البدائع ١٩٨/٥، والشرح الصغير ٢٢/٢ ط الحلبي،
ومغني المحتاج ١/ ٣٩٠، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
/ ١٧٩، والمغني ٤ / ٥٧
١
- ٢٥١ -
دراهم ١٠ - ١٢
مس المحدث للدراهم التي عليها شيء من
القرآن:
١٠ - اختلف الفقهاء في حكم مس المحدث -
حدثا أصغر أو أكبر- الدراهم التي عليها شيء
من القرآن.
فأجاز ذلك المالكية وهو الأصح عند
الشافعية، وفي وجه عند الحنابلة. وسبب الجواز
أنه لا يقع عليها اسم المصحف فأشبهت كتب
الفقه، ولأن في الاحتراز من ذلك مشقة،
والحاجة تدعو إلى ذلك، والبلوى تعم فعفي
عنه .
ومنع من ذلك الحنفية وهو مقابل الأصح عند
الشافعية والوجه الثاني للحنابلة، لأن الدراهم
التي عليها شيء من القرآن كالورقة التي كتب
فيها قرآن.
وكره ذلك عطاء والقاسم والشعبي لأن
القرآن مكتوب عليها .(١)
دخول الخلاء مع حمل الدراهم التي عليها
اسم الله:
١١ - يكره عند جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
(١) البدائع ٣٧/١، والهندية ٣٣٩/١، والدسوقي ١٢٥/١،
والمجموع ٧٠/٢ - ٧١، ومغني المحتاج ٣٨/١، والمغني
١٤٨/١، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٨٠
والشافعية) دخول الخلاء مع حمل الدراهم التي
نقش عليها اسم الله أوشيء من القرآن، لكن
قال الحنفية: إن اتخذ الإِنسان لنفسه مبالا طاهرا
في مکان طاهر لا یکره، وقال المالکیة: إن كانت
الدراهم مستورة بشيء أوخاف عليها الضياع
جاز الدخول بها.
واختلفت الأقوال عند الحنابلة. فجاء في
كشاف القناع أنه لا بأس بدخول الخلاء ومع
الرجل الدراهم والدنانیر علیها اسم الله، قال
أحمد: أرجو ألا يكون به بأس، وفي المستوعب
إن إزالة ذلك أفضل، قال في تصحیح الفروع:
ظاهر كلام كثير من الأصحاب أن حمل الدراهم
ونحوها کغيرها في الكراهة، وذكر ابن رجب أن
أحمد نص على كراهة ذلك في رواية إسحاق بن
هانیء وقال في الدراهم : إذا كان فيه اسم الله أو
مكتوبا علیه قل هو الله أحد یکره أن يدخل
اسم الله الخلاء.(١)
التصوير على الدراهم ونحوها من النقود:
١٢ - صرح الحنفية والشافعية بأن الصور التي
على الدراهم والدنانير جائزة، وعلل الحنفية
ذلك لصغرها وعلله الشافعية بأنها ممتهنة .
وينظر مصطلح : ( تصوير ) ف/٥٧
(ج١٢٢/١٢).
(١) الفتاوى الهندية ٣٢٣/٥، والدسوقي ١٠٧/١، وأسنى
المطالب ٤٦/١، وكشاف القناع ١/ ٥٩
- ٢٥٢ -
دراهم ١٣ - ١٥
تقدير بعض الحقوق الشرعية بالدراهم:
حدد الإِسلام مقادير معينة بالدراهم في
بعض الحقوق الشرعية ومن ذلك :
أ - الزكاة :
١٣ - اتفق الفقهاء على أن نصاب الفضة الذي
يجب فيه الزكاة مائتا درهم، قال ابن قدامة :
لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام. وقد بینته
السنة وذلك في قوله{چلہے: ((لیس فیما دون خمس
أواق من الورق صدقة». (١)
والأوقية أربعون درهما بغیر خلاف، فیکون
ذلك مائتي درهم .
وأجمع العلماء على أن في مائتي درهم خمسة
دراهم.(٢)
وينظر التفصيل في: (زكاة).
ب - الدية :
١٤ - ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة) إلى أن الدية إن كانت من الفضة
فإنها تقدر باثني عشر ألف درهم، لما روي عن
ابن عباس: ((أن رجلا من بني عدي قتل،
(١) حديث: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)).
أخرجه البخاري (الفتح ٣٢٣/٣ - ط السلفية)، ومسلم
(٢/ ٦٧٥ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد.
(٢) المغني ٣/٣
فجعل النبي ( 18 ديته اثني عشر ألفا)). (١)
وذهب الحنفية إلى أن الدية بالدراهم تقدر
بعشرة آلاف درهم، لما روي عن عمر رضي الله
عنه: ((أن النبي صل﴿ قضى بالدية في قتيل بعشرة
آلاف درهم))، (٢) وهذا بالنسبة للرجل
المسلم.(٣)
وينظر تفصيل ذلك في: (ديات).
ج - السرقة :
١٥ - حدد المالكية والحنابلة النصاب الذي
يقطع به السارق بالنسبة للدراهم بثلاثة
دراهم، أوما قیمته ثلاثة دراهم، لما روى ابن
عمر: ((أن رسول الله صل قطع في مجن ثمنه ثلاثة
دراهم» . (٤)
وحدد الحنفية النصاب بعشرة دراهم،
(١) حديث ابن عباس: ((أن رجلا من بني عدي قتل فجعل
النبي® ديته اثني عشر ألفا)). أخرجه أبو داود (٤/ ٦٨١ -
٦٨٢ تحقيق عزت عبيد دعاس)، وصوب النسائي وابن
حبان وغيرهما إرساله، كذا في نصب الراية للزيلعي
(٣٦١/٤ - ط - المجلس العلمي).
(٢) حديث عمر: ((أن النبي# قضى بالدية في قتيل بعشرة
آلاف درهم». أورده الزيلعي في نصب الراية (٣٦٢/٤ -
ط المجلس العلمي) وقال: ((غريب)) يعني: أنه لا أصل له
کما ذکر في مقدمة كتابه.
(٣) المغني ٧/ ٧٥٩ - ٧٦٠، والهداية ١٧٨/٤
(٤) حديث ابن عمر: ((قطع رسول الله ﴾# في مجن ثمنه ثلاثة
دراهم». أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ٩٧ - ط السلفية)،
ومسلم (١٣١٣/٣ - ط الحلبي).
- ٢٥٣ -
دراهم ١٦ - ١٧
واستدلوا بما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده عن النبي وسلم أنه قال: ((لا يقطع
السارق إلا في عشرة دراهم)). (١)
أما الشافعية فقد قدروا نصاب السرقة بربع
دینار أوما قیمته ربع دینار، (٢) كما روت عائشة
رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله له
يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا)). (٣)
وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في:
(سرقة).
د - المهر :
١٦ - اختلف الفقهاء هل يتقدر أقل الصداق
أم لا؟
٠
فذهب الحنفية والمالكية إلى أن أقل الصداق
یتقدر بما تقطع فیه ید السارق، وذلك مقدر عند
الحنفية بعشرة دراهم، وعند المالكية بثلاثة
(١) حديث: ((لا يقطع السارق إلا في عشرة دراهم)). أخرجه
الدارقطني (١٩٣/٣ - ط دار المحاسن)) من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ونقل الزيلعي في
نصب الراية (٣٥٩/٣ - ط المجلس العلمي) عن ابن
عبد الهادي في التنقيح أنه أعله بعدم سماع الراوي عن
عمرو بن شعيب منه .
(٢) البدائع ٧/ ٧٧، وجواهر الإكليل ٢٩٠/٢، والمهذب
٢٧٨/٢، والمغني ٨/ ٢٤٢
(٣) حديث عائشة: ((كان يقطع السارق في ربع دينار
فصاعدا)). أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ٩٦ - ط
السلفية)، ومسلم (١٣١٢/٣ - ط الحلبي)، واللفظ
لمسلم.
دراهم، واستدل الحنفية بما روي عن جابر
رضي الله عنه أنه قال: لا مهردون عشرة.
وعند الشافعية والحنابلة لا حد لأقله. (١)
وينظر تفصيل ذلك في: (صداق).
اعتبار وزن الدرهم الشرعي في الحقوق
الشرعية المقدرة بالدراهم :
١٧ - ما حدده الإِسلام في الحقوق الشرعية
مقدرا بالدراهم، کالزكاة، والدیة، ونصاب
السرقة، وغير ذلك يعتبر في هذا التقدير الوزن
دون العدد باتفاق الفقهاء.
وإنما اعتبر الوزن في الدراهم دون العدد،
لأن الدراهم اسم للموزون، لأنه عبارة عن قدر
من الموزون مشتمل على جملة موزونة من
الدوانیق والحبات، حتی لو کان وزنها دون
المائتین وعددها مائتان، أو قيمتها لجودتها
وصياغتها تساوي مائتين فلا زكاة فيها. (٢)
واعتبار الوزن في الدراهم إنما هو في الحقوق
المقدرة من قبل الشرع، أما المعاملات التي تتم
بين الناس من بيع وشراء، وإجارة، وقرض،
ورهن، وغير ذلك فلا يشترط فيها ذلك، وإنما
(١) البدائع ٢٧٥/٢ - ٢٧٦، والشرح الصغير ٤٠٩/٢ ط
الحلبي، والمهذب ٥٦/٢، والمغني ٦/ ٦٨٠
(٢) بدائع الصنائع ١٦/٢، وابن عابدين ٢٨/٢ - ٢٩،
والمجموع للنووي ٤٧٨/٥ تحقيق المطيعي، والمغني ٣/٣
- ٢٥٤ -
دراهم ١٨، دردي الخمر، درك
يجري فيها ما يتعامل به الناس، ولذلك يقول
ابن عابدين: إذا أطلق الدرهم في العقد
انصرف إلى المتعارف، وكذلك إذا أطلق
الواقف . (١)
وينظر تفصيل ذلك في أبوابها.
دردي الخمر
ما يجوز التصرف فيه بالدراهم وما لا يجوز:
١٨ - يختلف الفقهاء في بعض التصرفات، هل
يجوز التصرف فيها بالدراهم أو لا يجوز؟ ومن
ذلك مثلا: إجارة الدراهم، أورهنها، أو وقفها
على الإِقراض، أو على القراض (المضاربة) أو
غير ذلك.
انظر : أشربة
درك
انظر : ضمان الدرك
ففي الوقف مثلا يقول ابن قدامة: ما
لا یمکن الانتفاع به مع بقاء عینە کالدنانیر
والدراهم لا يصح وقفه في قول عامة الفقهاء
وأهل العلم.
وأجاز مالك وبعض الشافعية وقفها. (٢)
وينظر تفصيل ذلك في أبوابها .
(١) ابن عابدين ٢/ ٣٠
(٢) المغني ٥/ ٦٤٠، وجواهر الإكليل ٣٠٥/٢، والمهذب
٤٤٧/١
- ٢٥٥ -
دعاء ١ - ٢
دعاء
التعريف :
١ - الدعاء لغة مصدر دعوت الله أدعوه دعاء
ودعوى، أي ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما
عنده من الخير. وهو بمعنى النداء يقال: دعا
الرجل دعوا ودعاء أي : ناداه، ودعوت فلانا
صحت به واستدعیته، ودعوت زيدا نادیته
وطلبت إقباله. ودعا المؤذن الناس إلى الصلاة
فهو داعي الله، والجمع: دعاة وداعون. ودعاه
يدعوه دعاء ودعوى: أي: رغب إلیه، ودعا
زيدا: استعانه، ودعا إلى الأمر: ساقه إليه.(١)
والدعاء في الاصطلاح : الكلام الإِنشائي
الدال على الطلب مع الخضوع، ويسمى أيضا
سؤالا . (٢)
وقد قال الخطابي : حقيقة الدعاء استدعاء
العبد من ربه العناية واستمداده إياه المعونة،
وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والبراءة من الحول
والقوة التي له، وهو سِمَة العبودية وإظهار الذلة
(١) لسان العرب المحيط، وتاج العروس، والمصباح المنير.
(٢) قواعد الفقه للبركتي.
البشرية، وفيه معنى الثناء على الله، وإضافة
الجود والكرم إلیه.(١)
٢ - وقد ورد في القرآن الكريم بمعان منها:
أ- الاستغاثة : كما في قوله تعالى: ﴿قل أُرایتکم
إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغيرَ الله
تدعون إن كنتم صادقين. بل إياه تدعون
فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون
ما تشرکون﴾ . (٢)
ب - العبادة : كما في قوله تعالى: ﴿إِن الذین
تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾. (٣) وقوله
تعالی : ﴿واصبر نفسك مع الذین یدعون ربهم
بالغداة والعشي﴾ . (٤) وقوله تعالى: ﴿لن ندعو
من دونه إلها لقد قلنا إذاً شططا﴾ . (٥)
ج - النداء : ومنه قوله تعالى: ﴿یوم یدعوکم
فتستجيبون بحمده﴾.(٦) وقوله: ﴿قالت إن
أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾. (٧)
د - الطلب والسؤال من الله: وهو المراد هنا كما في
قوله تعالى : ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني
(١) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٢٧/٥ -٢٨
دار الفكر.
(٢) سورة الأنعام ٤٠ - ٤١
(٣) سورة الأعراف / ١٩٤
(٤) سورة الكهف / ٢٨
(٥) سورة الكهف/ ١٤
(٦) سورة الإسراء/ ٥٢
(٧) سورة القصص/ ٢٥
- ٢٥٦ -
دعاء ٣ - ٥
قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾. (١)
وقوله تعالى : ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب
لكم﴾.(٢)
ويوافق هذا المعنى ما يقال: دعوت الله
أُدعوه دعاء، أي ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت
فيما عنده من الخير، والداعي اسم الفاعل من
الدعاء، والجمع دعاة، وداعون، مثل قاض
وقضاة وقاضون. (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستغفار :
٣ - الاستغفار في اللغة طلب المغفرة بالقول
والفعل، وفي اصطلاح الفقهاء أيضا يستعمل
في ذلك المعنى .
والمغفرة في الأصل الستر، والمراد بالاستغفار
طلب التجاوز عن الذنب، فالمستغفر يطلب من
الله تعالى المغفرة، أي عدم المؤاخذة بالذنب
والتجاوز عنه. (٤) قال تعالى: ﴿والذين إذا
فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله
فاستغفروا لذنوبهم﴾. (٥)
والنسبة بين الاستغفار والدعاء العموم
(١) سورة البقرة/ ١٨٦
(٢) سورة غافر/ ٦٠
(٣) لسان العرب المحيط، والمصباح المنير.
(٤) البحر المحيط ٣٠١/٥ طبع مطبعة السعادة.
(٥) سورة آل عمران/ ١٣٥
والخصوص المطلق، فكل استغفار دعاء، وليس
كل دعاء استغفارا. (١)
ب - الذكر :
٤ - الذكر هو التلفظ بالشيء وإحضاره في
الذهن بحیث لا يغيب عنه. (٢)
وذكر الله بالمعنى الأعم شامل للدعاء وغيره .
وبالمعنى الأخص الذي هو تمجيد الله وتقديسه
وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العليا مباين
للدعاء، وانظر مصطلح : (ذكر).
حكم الدعاء :
٥ - قال النووي : إن المذهب المختار الذي عليه
الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف
كلها من السلف والخلف أن الدعاء
مستحب. (٣)
وقد يكون الدعاء واجبا كالدعاء الذي
تضمنته سورة الفاتحة أثناء الصلاة. وكالدعاء
الوارد في صلاة الجنازة، وكالدعاء في خطبة
الجمعة عند بعض الفقهاء. ر: (صلاة، صلاة
الجنازة، خطبة).
(١) مدارج السالكين ٣٠٨/١ طبع السنة المحمدية، ومرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٣/ ٤٦٠، وشرح ثلاثيات
مسند أحمد ٣/ ٩٠٢
(٢) قواعد الفقه للبرکتي
(٣) الأذكار ص ٦٠٨ تحقيق محيي الدين.
- ٢٥٧ -
دعاء ٦
ثم هل الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا
بما سبق به القدر؟
نقل النووي عن القشيري قوله: اختلف
الناس في أن الأفضل الدعاء أم السكوت
والرضا؟ فمنهم من قال: الدعاء عبادة
لقوله : ((الدعاء هو العبادة)). (١) ولأن الدعاء
إظهار الافتقار إلى الله تعالى.
وقالت طائفة: السكوت تحت جريان الحكم
أتم، والرضا بما سبق به القدر أولى .
وقال قوم : يكون صاحب دعاء بلسانه ورضا
بقلبه ليأتي بالأمرين جميعا . (٢)
فضل الدعاء :
٦ - ورد في فضل الدعاء نصوص كثيرة من
الكتاب والسنة نورد بعضھا فیما يلي:
قال تعالى : ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني
قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا
لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. (٣)
ومعنى القرب هنا كما نقل عن الزركشي،
أنه إذا أخلص في الدعاء، واستغرق في
(١) حديث: ((الدعاء هو العبادة)). أخرجه أبو داود (٢/ ١٦١ -
تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤٥٦/٥ - ط الحلبي)
من حديث النعمان بن بشير وقال الترمذي: «حدیث حسن
صحیح)).
(٢) الأذكار ص٦٠٩
(٣) سورة البقرة/ ١٨٦
معرفة الله، امتنع أن يبقى بينه وبين الحق
واسطة، وذلك هو القرب. (١)
وقال تعالى: ﴿ادعوربكم تضرعا وخفية إنه
لا يحب المعتدين﴾. (٢)
وقال تعالى: ﴿قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن
أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾. (٣)
وقال تعالى : ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب
لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي
سیدخلون جهنم داخرين﴾ . (٤)
وروى النعمان بن بشير عن النبي لو أنه
قال: ((إن الدعاء هو العبادة)). (٥) ثم قرأ:
﴿ادعوني أستجب لكم﴾ الآية.
وقال علام: ﴿الدعاء مخ العبادة﴾(٦)
وقال ◌َ: ((إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع
الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين)). (٧)
وروى أبو هريرة أنه وي لو قال: ((ليس شيء
(١) إتحاف السادة المتقين ٢٨/٥
(٢) سورة الأعراف/ ٥٥
(٣) سورة الإسراء/ ١١٠
(٤) سورة غافر/ ٦٠
(٥) حديث: ((إن الدعاء هو العبادة)). سبق تخريجه ف/ ٥
(٦) حديث: ((الدعاء مخ العبادة)). أخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٦
ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك، وقال: ((هذا حديث
غریب)» .
(٧) حديث: ((إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه
يديه ... )) أخرجه الترمذي (٥٥٧/٥ - ط الحلبي) من
حدیث سلمان، وقال: «حديث حسن غريب»
- ٢٥٨ _
دعاء ٧
أكرم على الله عز وجل من الدعاء)). (١)
وقالرَءٌ: ((ما على الأرض مسلم يدعو الله
بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء
مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)). (٢)
وقال ◌َله: ((سلوا الله تعالى من فضله، فإنه
تعالى يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار
الفرج)). (٣)
أثر الدعاء :
٧ - الدعاء عبادة، وله أثر بالغ وفائدة عظيمة،
ولولا ذلك لم يأمرنا الحق عز وجل بالدعاء ولم
يرغب النبي ◌َّ فيه، فكم رفعت محنة بالدعاء،
وكم من مصيبة أو كارثة كشفها الله بالدعاء،
وقد أورد القرآن الكريم جملة من الأدعية
استجابها الله تعالی بمنّه وفضله وكرمه، وكان
من جملة أسباب النصر في بدر دعاء النبي ◌َلچر،
(١) حديث: ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء)). أخرجه
الترمذي (٤٥٥/٥ - ط الحلبي) وقال ابن القطان: ((رواته
كلهم ثقات، وما موضع في إسناده ينظر فيه إلا عمران،
وفيه خلاف)). كذا في فيض القدير (٣٦٦/٥ ط (المكتبة
التجارية).
(٢) حديث: ((ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة)) أخرجه
الترمذي (٥٦٦/٥ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن
الصامت، وقال: ((حسن صحيح)).
(٣) حديث: ((سلوا الله تعالى من فضله)). أخرجه الترمذي
(٥٦٥/٥ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن مسعود، وقال
الترمذي: «هکذا روی حماد بن واقد هذا الحدیث، ولیس
بالحافظ)) وانظر إتحاف السادة المتقين مع الإحياء ٣٠/٥
والدعاء سبب أكيد لغفران المعاصي، ولرفع
الدرجات، ولجلب الخير ودفع الشر.
ومن ترك الدعاء فقد سد على نفسه أبوابا
كثيرة من الخير.
وقال الغزالي: فإن قلت: فما فائدة الدعاء
والقضاء لا مردّ له؟
فاعلم أن من القضاء ردّ البلاء بالدعاء،
فالدعاء سبب لردّ البلاء واستجلاب الرحمة، كما
أن الترس سبب لردّ السهام، والماء سبب
لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس
يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء
یتعالجان .
وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى
أن لا يحمل السلاح، وقد قال تعالى :
﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾، (١) كما أنه
ليس من شرطه أن لا يسقي الأرض بعد بث
البذر، فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت
البذر وإن لم يسبق لم ينبت، بل ربط الأسباب
بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح
البصر أو هو أقرب، وترتيب تفصيل المسببات
على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير
هو القدر، والذي قدر اخير قدره بسبب، والذي
قدر الشر قدر لرفعه سببا، فلا تناقض بين هذه
الأمور عند من انفتحت بصيرته .
(١) سورة النساء/ ١٠٢
- ٢٥٩ -
دعاء ٧ - ٨
ثم في الدعاء من الفائدة أنه يستدعي حضور
القلب مع الله وهو منتهى العبادات، ولذلك
قال ◌َله: ((الدعاء مخ العبادة)). (١)
والغالب على الخلق أن لا تنصرف قلوبهم
إلى ذكر الله عز وجل إلا عند إلمام حاجة وإرهاق
ملمة، فإن الإِنسان إذا مسه الشر فذو دعاء
عريض.
فالحاجة تحوج إلى الدعاء، والدعاء يرد
القلب إلى الله عز وجل بالتضرع والاستكانة،
فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات.
ولذلك صار البلاء موكلا بالأنبياء عليهم
السلام، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، لأنه
يرد القلب بالافتقار والتضرع إلى الله عز وجل،
ويمنع من نسيانه، وأما الغنى فسبب للبطر في
غالب الأمور، فإن الإِنسان ليطغى أن رآه
استغنى . (٢)
وقال الخطابي : فإن قيل فما تأويل قوله
تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾(٣) وهو وعد
من الله يلزم الوفاء به، ولا يجوز وقوع الخلف
فيه؟ قيل هذا مضمر فيه المشيئة، كقوله تعالى :
﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن
شاء﴾ (٤)
(١) حديث: ((الدعاء مخ العبادة)). سبق تخريجه ف/ ٦
(٢) إحياء علوم الدين ٣٣٦/١ - ٣٣٧، ٣٣٩ ط الاستقامة
بالقاهرة .
(٣) سورة غافر/ ٦٠
(٤) سورة الأنعام/ ٤١
وقد یرد الكلام بلفظ عام مراده خاص، وإنما
يستجاب من الدعاء ما وافق القضاء، ومعلوم
أنه لا تظهر لكل داع استجابة دعائه، فعلمت
أنه إنما جاء في نوع خاص منه بصفة معلومة .
وقد قيل: معنى الاستجابة: أن الداعي يعوّض
من دعائه عوضا ما، فربما كان ذلك إسعافا
بطلبته التي دعا لها، وذلك إذا وافق القضاء،
فإن لم يساعده القضاء، فإنه يعطى سكينة في
نفسه، وانشراحا في صدره، وصبرا يسهل معه
احتمال ثقل الواردات عليه، وعلى كل حال فلا
يعدم فائدة دعائه، وهو نوع من الاستجابة . (١)
آداب الدعاء :
٨ - أ - أن يكون مطعم الداعي ومسكنه وملبسه
وكل ما معه حلالا . (٢) بدليل ما ورد عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ولايته :
((أيها الناس: إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا
طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمربه المرسلين،
فقال تعالى : ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات
واعملوا صالحا﴾(٣) وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين
(١) شأن الدعاء للخطابي ص١٢ - ١٣ دمشق دار المأمون
للتراث.
(٢) إحياء علوم الدين للغزالي ٣١٢/١ ومابعدها، والبركة في
فضل السعي والحركة ٤/٣ وما بعدها، تحفة الذاكرين
ص٣٤ ومابعدها
(٣) سورة المؤمنون / ٥١
- ٢٦٠ -