النص المفهرس

صفحات 81-100

خيار الشرط ٧
ما جاء في الفتاوى الهندية(١) عن العتابية أنه «لو
قال: جعلتك بالخيار في البيع الذي نعقده، ثم
اشتراه مطلقا لم يثبت الخيار في البيع عند
أبي حنيفة».
ويعتبر بمنزلة المقارنة للعقد ما لو ألحق
اشتراط الخيار بالعقد بعدئذ، بتراضي
المتعاقدين، فذلك في حكم حصوله في أثناء
العقد أو بمجلس العقد عند الملتزمین بمجلس
العقد. (٢)
ذهب إلى تلك التسوية بين المقارنة واللحاق
الحنفية. ومن مستندهم القياس لهذا على ما في
النكاح من جواز الاتفاق بعد العقد على
ما يتصل به، كالزيادة في المهر أو الحط منه،
ودليل هذا الحكم المقيس عليه قول الله
عز وجل: ﴿ولا جناح علیکم فیما تراضیتم به
من بعد الفريضة﴾. (٣) قال ابن الهمام: (٤) يجوز
إلحاق خيار الشرط بالبيع، لوقال أحدهما بعد
البيع ولو بأيام: جعلتك بالخيار ثلاثة أيام صحّ
بالإجماع - أي إجماع أئمة الحنفية - ثم ذكر أن
إلحاق الخيار بعد العقد جار مجری إدخاله في
العقد تماما من حيث نوع الخيار المشروط ومدته
وبقية أحكامه. (٥)
(١) الفتاوى الهندية ٣/ ٤٠، والمجموع للنووي ٩/ ١٩٤
(٢) رد المحتار ٥٤٤/٤، المادة ٣٩ من مجلة الأحكام العدلية.
(٣) سورة النساء/ ٢٤
(٤) فتح القدير ٤٩٨/٥
(٥) الفتاوى الهندية ٣٩/٣ نقلا عن المحيط، أيضا ..
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يلحق
خیار الشرط بالعقد بعده، بل لا بد من وقوعه في
صلب العقد، أو في مجلسه. واستدل ابن قدامة
لمذهب الحنابلة المانع من تأخر الخيار عن العقد
بأن العقد بعد انتهاء المجلس أصبح لازما، فلم
يصر جائزا بقول المتعاقدين. (١) وذكر ابن تيمية
أن من أصول الشافعي وأحمد أن إلحاق الزيادة
(في الأجرة) والشروط بالعقود اللازمة لا يصح.
وبين هذين الاتجاهين مذهب ثالث اشترك
مع المذهب الأول في النتيجة واختلف عنه في
تحديد طبيعة هذا التصرف، فقد أجاز المالكية
إلحاق الخيار بالعقد بعد أن وقع على النيات،
سواء كان إلحاقه من أحدهما أومن كليهما،
فيصح الاشتراط اللاحق، ويلزم من التزمه بعد
صدور العقد خالیا منه، لكنه - وهذا هو الفارق
عن المذهب الأول - بمثابة بيع مؤتنف، بمنزلة
بيع المشتري لها من غير البائع .. صارفيه
المشتري بائعا .. كما ذكر المالكية أنه لو جعل
البائع الخيار للمشتريّ، بناء على المذهب من
أن اللاحق للعقود لیس کالواقع فیھا، فما
أصاب السلعة في أيام الخيار فهو من المشتري .
وأشار خليل وشراحه إلى أن القول بجواز إلحاق
الخيار إنما هو بعد انتقاد البائع الثمن، أما إلحاقه
قبل انتقاده فلا يساويه في الجواز لما في الحالة
(١) المغني ٣/ ٤٩٤م ٢٧٧١ .
- ٨١ -

خيار الشرط ٨ - ٩
الثانية من (فسخ دین في دین) وأصل ابن
القاسم منعه .
وقد ذكروا في خلال مناقشة هذين القولين
وجها متفقا عليه هو أن ((جعل الخيار لأحد
العاقدين ليس عقدا حقيقة، إذ المقصود منه
تطبيب نفس من جعل له الخيار لا حقيقة
البيع)). قال الخرشي والدسوقي: لكن المرجح
الأول وهو المعتمد، أي اقتصار الجواز على ما لو
نقد الثمن، وإن كان ظاهر المدونة التسوية
بينهما. (١)
ثانيا : شريطة التوقيت أو معلومية المدة:
٨ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لابد من تقييد
الخيار بمدة معلومة مضبوطة من الزيادة
والنقصان ، فلا يصح اشتراط خيار غير مؤقت
أصلا، وهو من الشروط المفسدة عند الجمهور،
وسيأتي الكلام فيه بالتفصيل.
قال الكاساني: والأصل فيه أن شرط الخيار
یمنع انعقاد العقد في حق الحکم للحال، فكان
شرطا مغيرا مقتضى العقد، وأنه مفسد للعقد
في الأصل، وهو القياس، إلا أنا عرفنا جوازه
استحسانا (بخلاف القياس) بالنص ، فبقي
(١) الدسوقي ٩٣/٣، ٩٤، ١٧٧ نقلا عن المدونة بالمعنى،
ونص ما في المدونة: بمنزلة بيعك إياه بالثمن من غيره
(١٧٧/٤)، والخرشي على خليل ٤/ ٢١
ما وراء المنصوص عليه على أصل القياس.(١)
والحكمة في توقيت المدة أن لا يكون الخيار
سببا من أسباب الجهالة الفاحشة التي تؤدي
إلى التنازع، وهو مما تتحاماه الشريعة في
أحكامها.
٩ - وللمدة الجائز ذكرها حدان: حد أدنى،
وحد أقصى .
أما الحد الأدنی فلا توقیت له، ولیس له قدر
محدود بحیث لا يقل عنه فيجوز مهما قل، لأن
جواز الأكثر يدل بالأولوية على جواز الأقل،
ومن هنا نص بعض الحنفية وغيرهم على أنه
يجوز ((ولو لحظة)).
قال الكاساني : (أقل مدة الخيار ليس
بمقدر). ونحوه نصوص غير الحنفية من غیر
خلاف یعرف. (٢)
وأما الحد الأقصى للمدة الجائزة فقد
اختلفت فیه المذاهب اختلافا کثیرا، یمکن
حصره في الاتجاهات الفقهية التالية: التفويض
للمتعاقدين مطلقا - التفويض لهما في حدود
المعتاد - التحديد بثلاثة أيام.
(١) جاء في المدونة: ((أرأيت لو أني بعت - أو اشتريت - من
رجل سلعة، فلقیته بعد یوم أو یومین، فجعلت له اخيار-
أولي الخيار - أياما، أيلزم هذا الخيار أم لا؟ قال: نعم))
١٧٧/٤
(٢) بدائع الصنائع ٢١٣/٥، والمجموع ٩/ ١٩٠
- ٨٢ -

خيار الشرط ١٠ - ١١
الاتجاه الأول - التفويض للمتعاقدين مطلقا:
١٠ - مقتضى هذا الاتجاه جواز اتفاق المتعاقدین
في خيار الشرط على أي مدة مهما طالت ، وهو
مذهب أحمد، ومحمد بن الحسن وأبي يوسف،
وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، وابن
المنذر، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور،
وعبيد الله بن الحسن العنبري ، لكنه قال:
لا يعجبني الطويل. (١)
فعند هؤلاء الفقهاء تجوز الزيادة عن ثلاثة
أيام، لما في النصوص المثبتة للخيار من الإِطلاق
وعدم التفصيل، ولأن الخيار حق يعتمد الشرط
من العاقد فرجع إليه في تقديره. أويقال: هو
مدة ملحقة بالعقد فتقديرها إلى المتعاقدين.
وهناك صورة نادرة تشبه ما سبق في الحد
الأدنى للمدة لكنها تستحق الإِشارة إليها، لما في
بحثها من تقييد الخيار بأن لا ينافي العقد ويفقده
غايته. تلك الصورة ما لوشرط المتعاقدان مدة
طويلة خارجة عن العادة ((كألف سنة، ومائة
سنة)) فقد استوجه صاحب غاية المنتهى أن
لا يصح لإِفضائه - على هذه الصيغة ونحوها -
(١) المجموع ٩/ ١٩٠، واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى
ص١٦، الأصل للإِمام محمد تحقيق شحاتة ص٢ و٣،
المبسوط ٤١/١٣، مختصر الطحاوي ٧٥، البحر الرائق
٥/١، الفتاوى الهندية ٣٨/٣، المقنع ٣٥/٢، المغني
٤٩٨/٣ ٢٧٧٩٢، مطالب أولي النهى ٨٩/٣، الفروع
٨٣/٤، منتهى الإرادات ٣٥٧/١
إلى المنع من التصرف في الثمن والمثمن، وهذا
المنع مناف للعقد الذي جعله الشارع إرفاقا
للمتعاقدين، وقد وافقه الشارح على ذلك.(١)
الاتجاه الثاني - التفويض للمتعاقدين في حدود
المعتاد :
١١ - وهذا مذهب مالك وحده. فيتحدد أقصى
مدة الخيار الجائزة بقدر الحاجة، نظرا لاختلاف
المبيعات، فللعاقد تعيين المدة التي يشاء على أن
لا يجاوز الحد المعتاد في کل نوع. (٢)
قال ابن رشد: وأما عمدة أصحاب مالك
فهو أن المفهوم من الخيار هو اختبار المبيع، وإذا
کان ذلك کذلك وجب أن یکون ذلك محدودا
بزمان إمكان اختبار المبيع، وذلك يختلف
بحسب کل مبيع. (٣)
وبما أن لهذا الاتجاه الفقهي تقديرات محددة
بحسب الحاجات المعقود علیها فقد جرى
تصنيفها لدی المالکیة إلی زمر:
(١) مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى وحاشيته ٨٩/٣.
(٢) الشرح الكبير على خليل وحاشية الدسوقي ٩٥/٣،
والخرشي على خليل، وحاشية العدوي ١٩/٤، والخطاب
على خليل، ٤١٢/٤، والقوانين الفقهية ص٢٦٣، ولباب
اللباب لابن راشد، وبداية المجتهد لابن رشد ٢/ ٢٠٩
(٣) بداية المجتهد ٢/ ٢١٠
- ٨٣ -
١

خيار الشرط ١٢ - ١٥
العقار :
١٢ - وأقصى مدته شهر، وما ألحق به هوستة
أيام، فأقصى المدة التي يجوز مد الخيار إليها في
العقار (٣٦) يوما. وهناك اليومان الملحقان بزمن
الخيار وهما للتمكين من رد المبيع إذا كان حين
انتهاء المدة (الشهر والأيام الستة) بيد المشتري
وهو يريد الفسخ، والحكم عند المالكية أن يلزم
المبيع على من هوبيده عند انتهاء المدة دون فرق
بین أن يكون الخيار له أو للعاقد الآخر. فاليومان
الملحقان هما لهذا الغرض (دفع اللزوم عن
المشتري دون إرادته). أما زمن الخيار للعقار فهو
شهر وستة أيام.
الدواب :
١٣ - وتختلف المدة فيها بحسب المقصود من
الخيار فيها، فإن كان الخيار لمعرفة قوتها وأكلها
وسعرها فأقصی مدته ثلاثة أيام. وإن کان خیار
الشرط متضمنا أنها للاختبار في البلد نفسه فالمدة
يوم واحد وشبهه، أما إن كان خارجه فأقصى
المدة بريد(١) عند ابن القاسم، وبریدان عند
أشهب. وقد ألحق بالثلاثة الأيام يوم واحد
لتمکین المشتري من رد المبيع، کما سلف.(٢)
بقية الأشياء :
١٤ - وتشمل: الثياب، والعروض، والمثليات.
(١) البريد: سير نصف يوم بالسير المعتاد.
(٢) الدسوقي ٩٣/٣
وأقصى المدة ها ثلاثة أيام ويلحق بها يوم. وقد
أطلق الخرشي لفظ (المثليات) على كل ما عدا
(الرقيق والعقار والدواب) وبالرغم من شمول
المثليات للخضر والفواكه إلا أن لهذين الصنفين
حکما خاصا بهما من حيث المدة نظرا لطبيعتهما
الخاصة من تسارع التلف إليهما، فالخضر
والفواكه بخاصة أمد الخيار فيهما بقدر الحاجة،
أو بعبارة أخرى المدة التي لا تتغير فيها . (١)
الاتجاه الثالث - التحديد بثلاثة أيام:
١٥ - وهذا التحدید بثلاثة أيام بلیالیھا مهما كان
المعقود عليه، مع المنع من مجاوزتها. وهو مذهب
أبي حنيفة وصاحبه زفر، والشافعي في الوجه
المشهور عنه . (٢)
وقد احتج لهذا التحدید بما جاء في حديث
حبّان بن منقذ السابق ذكره لإثبات الخيار فيه
على ثلاثة أيام. (٣)
والبيان الدقيق لمستند أبي حنيفة في تحدید
الثلاثة الأیام هو ماذكره صاحبه أبو یوسف، فقد
(١) الشرح الكبير على خليل وحاشية الدسوقي عليه ٩٣/٣ -
٩٥، الخرشي على خليل بحاشية العدوي ١٩/٤ - ٢١
(٢) البدائع ٥/ ١٧٤، والبحر الرائق ٦/ ٦، ورد المحتار
٥٦٨/٤، والفتاوى الهندية ٣٨/٣، والمبسوط ٤١/١٣،
وفتح القدير ١١١/٥، والمجموع ٩/ ١٩٠، ونهاية المحتاج
١٧/٤
(٣) الحدیث تقدم تخريجه ف٤
- ٨٤ -

خيار الشرط ١٥ - ١٦
قال في بيان مذهب الإِمام: (لا يكون الخيار
فوق ثلاثة أيام، بلغنا عن رسول الله ولي أنه
کان یقول: ((من اشترى شاة محفلة(١) فهو بخير
النظرین ثلاثة أيام : إن شاء ردها ورد معها
صاعا من تمر أو صاعا من شعير)). (٢) فجعل أبو
حنيفة الخيار كله على قول رسول الله وَالخير .
وکان ابن أبي لیلی یقول: (الخیار جائز شهرا
كان أوسنة وبه نأخذ). (٣) ونحوه مستند
الشافعي، كما رواه البيهقي في معرفة السنن قال
الشافعي : الأصل في البيع بالخيار أن يكون
فاسدا، ولكن لما شرط رسول الله * في المصراة
خيار ثلاث في البيع، وروي عنه أنه جعل لحبان
بن منقذ خيار ثلاث فيما ابتاع، انتهينا إلى ما
قال ◌َّدٍ. (٤)
كما احتجوا له من المعقول بأن الخيار مناف
(١) المراد بالمحفلة، وهي المصراة وهي الشاة التي لم تحلب أياما،
ليجتمع اللبن في ضرعها للبيع - مختار الصحاح.
(٢) حديث: ((من اشترى شاة محفلة ... )) أخرجه مسلم
(١١٥٨/٣ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، بلفظ ((من
اشترى شاة مصراة، فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء
أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعا من تمر)).
(٣) اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، لأبي يوسف ١٦،
جامع الفصولین ٣٢٩/١
(٤) نصب الراية ٤/ ٦ نقلا عن معرفة السنن للبيهقي، ولم يدع
ابن حزم فرصة التنديد بأبي حنيفة لأنه احتج بحديث
المصراة في التحديد بالثلاث ثم لم يأخذ بخيار التصرية
(إحكام الأحكام ٩٩/٣).
لمقتضى العقد وقد جاز للحاجة، فيقتصر على
القليل منه، وآخر القلة ثلاث، واحتج بمثل
ذلك النووي بعدما أشار إلی حدیث حبان. (١)
الزيادة على الثلاث :
١٦ - إذا زادت مدة خيار الشرط على ثلاثة أيام
بلياليها لدى هذا الفريق من الفقهاء القائل
بالتحديد بها، فالعقد فاسد عند أبي حنيفة
وزفر، وباطل عند الشافعي، ذهابا منه إلى أن
إسقاط الزيادة لا يصحح العقد بعد مفارقة
المجلس فقط، بل في المجلس أيضا على
المشهور، لأن المجلس ثبت لعقد صحیح،
لا لفاسد، لوقوعہ علی وجہ لا یثبت دائما.
غير أن أبا حنيفة وحده ذهب إلى أن إسقاط
شرط الخيار الزائد عن الثلاث - أو إسقاط
الزيادة - يصحح العقد، ولوحصل ذلك
الإسقاط بعد مفارقة مجلس العقد، وذلك ما لم
تمض الأيام الثلاثة. وخالفه صاحبه زفر فذهب
إلى أن إسقاط الزائد لا يصحح العقد لأن
(١) المجموع ٩/ ١٩٠ وقد جاء في البدائع ٥/ ١٧٤ مناقشة
مبنية على خلاف أبي حنيفة وصاحبيه في جواز الزيادة على
الثلاث اعتمد فيها على النص في الحديث على الثلاث.
كما أطال ابن الهمام في الفتح ٥/ ٥٠٠ في الاستدلال
للتحديد بالثلاث بها مداره أن الخيار شرع مقيدا بالثلاث
يقصد حدیث حبان وقد سبق ما فيه.
- ٨٥ -

خيار الشرط ١٧
البقاء على حسب الثبوت . (١)
وذهب المالكية إلى أن من الصور المفسدة:
- اشتراط مشاورة من لا يعلم ما عنده إلا بعد
فراغ المدة بأمد، كما لو اشترط الخيار في العقار
لمدة أربعين يوما مع أن المدة المحددة للعقار
أقصاها ثمانية وثلاثون يوما .
- اشتراط مدة زائدة على مدة تلك السلعة
بكثير، أما لو بزيادة يوم أو بعضه فلا يضر. (٢)
الخيار المطلق :
١٧ - في الخيار المطلق عن المدة تتجه المذاهب
إلى أربعة اتجاهات: بطلان العقد أو فساده -
بطلان الشرط دون العقد - صحة العقد وتعدیل
الشرط - صحة العقد وبقاء الشرط بحاله.
أ - بطلان العقد أو فساده، فالبطلان هو ما ذهب
إليه من الفقهاء الشافعية والحنابلة - في إحدى
الروايتين - وذهب الحنفية إلى فساده ولم يفرقوا
هنا بين الجهالة المتفاحشة أو المتقاربة كالحصاد
(١) بدائع الصنائع ١٧٨/٥ وفتح القدير ٥٠٠/٥ -٥٠١
والمجموع شرح المهذب ٩/ ١٩٠ و١٩٤، الفتاوى الهندية
٣٩/٣، والبدائع ٣٠٠/٥، والبحر الرائق ٦/٦،
والمبسوط ٦٣/١٣، المحيط البرهاني مخطوط (ورقة
٧٦٥).
(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي ٩٤/٣ - ٩٥،
والخرشي ٤/ ٢١.
مثلا، كما ذكر الكاساني، ثم إن أبا حنيفة
وصاحبيه ذهبوا إلى أن صاحب هذا الخيار
المفسد لو أبطل خياره، أو بينه، أو سقط بسبب
ما ولزم البيع في الأيام الثلاثة التالية للعقد عند
الصاحبين (خلافا لأبي حنيفة المشترط حصول
ذلك قبل مضي الأيام الثلاثة) انقلب العقد
صحيحا عند الجميع - بل لوبعد الثلاثة عند
الصاحبين - لحذف المفسد قبل اتصاله بالعقد
لأنهما يجيزان الزيادة عن الثلاثة . (١)
ب - بطلان الشرط دون العقد، وهورواية لأحمد
ومذهب ابن أبي لیلی.
ج - صحة العقد وتعديل الشرط، فالخيار المطلق
أو المؤيد هنا يخول القاضي تحديد المدة المألوفة في
العادة لاختبار مثل السلعة التي هي محل
العقد، لأن الخيار مقيد في العادة، فإذا أطلقا
حمل عليه. وهذا مذهب مالك. (٢)
وقد اختار ابن تيمية أن العاقدين إن أطلقا
الخيار ولم یوقتاه بمدة توجّه أن يثبت ثلاثا، لخبر
حبان بن منقذ. (٣)
د - صحة العقد وبقاء الشرط بحاله: فيبقى
الخيار مطلقا أبدا كما نشأ حتى يصدر
(١) بدائع الصنائع ١٧٤/٥ و١٧٨، والفتاوى الهندية ٣٨/٣
- ٣٩، والمجموع ٩/ ١٩١، والمغني لابن قدامة ٥٢٧/٣،
والمقنع ٣٥/٢
(٢) المقدمات ٢ / ٥٦٠
(٣) الاختيارات، لعلاء الدين البعلي ص٧٤
- ٨٦ -

خيار الشرط ١٨ - ٢٠
ما يسقطه. وهذا مذهب ابن شبرمة، وقول
لأحمد.(١)
تأبيد الخيار :
١٨ - من الشروط المفسدة: شرط خيار مؤيد في
البيع بأن قال (أبدا) أو (أياما). (٢)
التوقيت بوقت مجهول :
١٩ - من الشروط المفسدة: شرط خيار مؤقت
بوقت مجهول سواء كانت جهالة متفاحشة،
کهبوب الرياح، ومجيء المطر، وقدوم فلان،
وموت فلان، ووضع الحامل ونحوه. أو جهالة
متقاربة، كالحصاد والدياس، وقدوم الحاج. (٣)
ثالثا - شريطة الاتصال، والموالاة
٢٠ - المراد بالاتصال أن تبدأ مدة الخيار من فور
إبرام العقد، أي لا يتصور أن تتراخی عنه، فلو
شرط المتعاقدان الخيار ثلاثة أيام مثلا من آخر
الشهر، أو تبدأ من الغد، أو تبدأ متى شاء .. أو
(١) المغني ٥٢٧/٣، والمقنع ٣٥/٢
(٢) البدائع ١٧٤/٥ و١٥٧، الفتاوى الهندية ٣٨/٣، البحر
الرائق ٥/٦
(٣) البدائع ١٧٤/٥، الخرشي على خليل ٢١/٤ وقال:
يستمر العقد لو أسقط الشرط، الدسوقي على الشرح
الكبير ٩٤/٣، شرح الروض لزكريا الأنصاري ٢/ ٥٠،
والبحر ٦/ ٥ نقلا عن التتارخانية.
شرطا خيار الغددون اليوم، فسد العقد لمنافاته
لمقتضاه، والمراد بالمقتضى هنا: حصول آثاره
مباشرة. هذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية
والحنابلة، قال النووي: (ويشترط أن تكون
المدة متصلة بالعقد. لا يجوز أن يشترط خيارا
متراخيا عن العقد)(١) لكن الحنفية لا يبطلون
هذا العقد لأنه يمكن تصحيحه نظرا لذهابهم
إلى التفرقة بين البطلان والفساد، والفاسد من
العقود منعقد ويحتمل بعضه التصحيح، وسبیل
ذلك هنا اعتبار المدة الفاصلة بين العقد وبين
مبدأ المدة المحددة مشمولة بالشرط، فقد ذكروا
أن اشتراط خیار أیام غير متصلة بالعقد، مثل
ما لو کان العقد في آخر رمضان واشترط خيار
یومین بعد رمضان فهو جائز، وله ثلاثة أيام
(اليوم الآخر من رمضان واليومان مما بعده).
وهكذا يحمل كلامه على إرادة المدة المتصلة
وما بعدها. أما إذا كان الاشتراط غير قابل
للحمل على ذلك فهو عقد فاسد مستحق
للفسخ بإرادة كل من العاقدين وبإرادة
القاضي، ومثاله في الصورة السابقة - عند
الشافعية - ما لو ذکر أنه لا خيار له في رمضان،
وله کذا یوما مما بعده فالعقد فاسد. (٢)
(١) المجموع للنووي ١٩١/٩، والبدائع ٣٠٠/٥، والمغني
٥٠٢/٣
(٢) الفتاوى الهندية ٣/ ٣٩ (نقلا عن فتاوى قاضيخان
١٨٣/٢) والبحر الرائق ٥/٦
- ٨٧ -

١
خيار الشرط ٢١ - ٢٣
٢١ - ويتبع شريطة الاتصال شريطة أخرى
يمكن تسميتها ((الموالاة)) لأن المراد بها: تتابع
أجزاء مدة الخيار. فلوشرطا الخيار لمدة ثلاثة أيام
علی أنه یوما يثبت ویوما لا يثبت ففیه عند
الحنابلة وجهان :
أحدهما - وهو اختيار أبي الوفاء بن عقيل - :
الصحة في اليوم الأول، لإِمكانه، والبطلان فيما
بعده، لأن العقد إذا لزم في اليوم الثاني لم يعد
إلى عدم اللزوم.
والوجه الآخر: (احتمال) بطلان الشرط
کله، لأنه شرط واحد تناول الخيار في أيام، فإذا
فسد في بعضه فسد جمیعه. (١)
رابعا - تعیین مستحق الخيار :
٢٢ - مستحق الخيار أو صاحب الخيار: هوذلك
الشخص الذي يكون إليه استعمال الخيار
وممارسته سواء كان هو مشترطه أو خوّل إلیه من
العاقد الآخر، وسواء أكان طرفا في العقد أم كان
أجنبيا عنه، ولا يصح تطرق الجهالة إلى
مستحق الخيار، فلو اتفق العاقدان على أن
الخيار لأحدهما لا بعينه، ولم يبينا هل هو البائع
أم المشتري، أو تعاقدا على أن يكون الخيار
لشخص ما یعینه أحدهما فيما بعد، أولمن يشاء
أحدهما، فهذا كله فيه جهالة مفضية للنزاع.
ولذا صرح ابن قدامة بأنه لا يصح، لأنه مجهول
ولأنه يفضي إلى التنازع. لذا كان لابد من
تعیین مستحق الخيار تعيينا مشخصا أهو للبائع
أو للمشتري، وکذلك تعیینه بالذات إن كان
أجنبيا عن العقد، وعدم الاكتفاء بذكر الصفة
(مثلا) كقوله: على أن يكون الخيار لأحد
التجار أو الخبراء دون تحدید. وقال النووي :
(لو يشرط الخيار لأحدهما دون الآخر ففي صحة
البيع قولان، الأصح: الصحة. (١)
ما يثبت فيه خيار الشرط :
٢٣ - خيار الشرط لا يثبت في غير العقود،
والعقود التي يمكن فيها وقوع خيار الشرط هي
العقود اللازمة القابلة للفسخ، لأن فائدته إنما
تظهر فيها فقط. أما العقود غير اللازمة فهي بما
تتصف به من طبيعة عدم اللزوم لا فائدة
لاشتراط خیار فيها. وأما العقود التي لا تقبل
الفسخ فيتعذر قيام الخيار فيها، لأنه يناقض
طبيعتها .
والبيع هو المجال الأساسي لخيار الشرط،
وجريان الخيار في البيع اتفاقي، لأنه هو العقد
الذي وردت فیه أخبار مشروعیته، والبيع عقد
لازم قابل للفسخ (بطريق الإقالة) فهویقبل
(١) المغني ٤٩٩/٣ م٢٧٨٠، والمجموع ٩/ ٢٠٧. وقال
النووي: له شرط الخيار لأحدهما دون الآخر ففي صحة
البيع قولان، الأصح: الصحة.
(١) المغني ٥٢٨/٣
- ٨٨ -

خيار الشرط ٢٣
الفسخ بخيار الشرط. بل يدخل الخيار في البيع
الفاسد كما هونص الهداية للمرغيناني، كما
لا فرق بين كون البيع، بيع مساومة، أوبيع
أمانة كالمرابحة وأخواتها . (١)
أما المستثنيات من البيع فهي : السلم،
والصرف، وبيع الربوي بجنسه، وقد عبر عنها
بعض الحنابلة بقوله: كل بيع قَبْضُ عِوَضه شرطٌ
لصحة العقد. (٢) وهي عقود يبطلها خيار الشرط
إن لم يحصل إسقاطه في المجلس قبل التفرق. (٣)
وقد نبه ابن عابدين على أن استثناء السلم
والصرف مخل بالضابط، وهو ثبوته في العقد
اللازم المحتمل الفسخ، فهما أي السلم
والصرف. كذلك. (٤)
وقد ذهب المالكية إلی جوازه في السلم إلى
أجل قصیر. (٥) وتفصيل ذلك في (سلم)،
(صرف).
ويجري خيار الشرط في الإجارة مطلقا عند
الحنفية والمالكية، أما الشافعية والحنابلة فقيدوا
(١) الهداية ٣٦٧/٥ بهامش الفتح.
(٢) المقنع وحواشيه ٣٥/٢
(٣) البدائع ٢٠١/٥
(٤) حواشي ابن عابدين على البحر ٦/ ٤، البدائع ٢٠١/٥،
المبسوط ٢٤/١٤، المقنع وحواشيه ٣٥/٢، المجموع
١٩٢/٩، المغني ٥٣١/٣
(٥) المدونة ١٠/ ٢١، والمواق ٤٢٢/٤ والمقدمات لابن رشد
١٩٠/٢
الخيار بالإِجارة التي في الذمة، أما الإِجارة المعينة
فيدخلها الخيار إذا كانت لمدة غيرتالية للعقد.
أما إن كانت لمدة تبدأ من فور العقد فلا يصح
شرط الخيار فيها، لأنه يُفضي إلى فوات بعض
المنافع، أو إلى استيفائها في مدة الخيار، وكلاهما
غير جائز، وفي وجه للحنابلة: تجوز في المدة
التالية للعقد أيضا، فإن فسخ رجع بقيمة
المنافع . (١)
والحوالة: اختلف في قبولها خيار الشرط على
رأیین:
الأول: تقبله، وعلیه الحنفية وهو احتمال
للحنابلة ۔ کما ذکر ابن قدامة ــ فیجوز عندهم
اشتراط الخيار في الحوالة لكل من المحال،
والمحال علیه - وهما اللذان يجب رضاهما في
عقدها - أما المحيل - ورضاه غير واجب في
الأصح - فليس له اشتراط الخيار أصالة أي
باعتباره طرفا في العقد، أما إن اشترط له كما
يشترط الأجنبي من قبل أحد العاقدين، بأن
اشترطه له المحال أو المحال علیه فیجوز، ولکن
تطبق أحكام الاشتراط لأجنبي، وهي ثبوته له
على وجه النيابة فيكون له وللمشترط. وعلل
ابن قدامة قبول الحوالة لخيار الشرط بأنها
معاوضة يقصد بها العوض.
الثاني: عدم قبول الحوالة لخيار الشرط، وهو
(١) البدائع ٢٠١/٥، والمجموع ١٩٢/٩، والمغني ٥٣١/٣
- ٨٩ -
.

خیار الشرط ٢٣ - ٢٤
مذهب الشافعية والحنابلة، لأن عقد الحوالة لم
يبن على المغابنة. ولم نعثر المالكية على رأي في
هذه المسألة. (١)
وكذلك القسمة: اختلف الرأي فيها
بحسب النظر إليها هل هي بيع كما قال الحنفية
أم هي تمييز حقوق كما يرى الشافعية والحنابلة
وهو مفاد مذهب المالكية. ومن أثبت خيار
الشرط فيها من الحنابلة احتج بأن خيار الشرط لم
یشرع خاصا بالبيع، بل هو للتروي وتبین أرشد
الأمرين، وهذا المعنى موجود في القسمة.
والقسمة أنواع: قسمة الأجناس المختلفة،
وهي قسمة تراضٍ لا إجبار فيها - وقسمة
الجنس من المثليات، وهي تقبل الإِجبار
ولا يدخلها خيار الشرط - وقسمة الجنس الواحد
من القيميات، كالبقر والغنم، أو الثياب من
جنس واحد وهي تقبل الإِجبار ويدخلها خيار
الشرط على الصحيح المفتى به. (٢)
والكفالة: يدخلها خيار الشرط عند الحنفية
خلافا للمالكية والشافعية والحنابلة. وللكفالة
خصيصة في باب خيار الشرط من حيث التوقيت
إذ يجوز فيها أكثر من ثلاثة أيام عند أبي حنيفة
(١) البحر الرائق ٢٧٢/٤، ورد المحتار ٤٨/٤، والمهذب
٣٣٨/١، والمغني ٥/ ٥٤، والمقنع وحواشيه ٢/ ٣٤
(٢) رد المحتار ١٦٧/٥، وجامع الفصولين ٢٤٣/١، وبلغة
السالك ٢٣٨/٢، والمدونة ١٩٨/١٤، ومغني المحتاج
٤٢٤/٤، والقواعد لابن رجب ٤١٣
خلافا لمذهبه في اشتراط التحدید بالثلاث، لأن
الكفالة عقد مبني على التوسع. (١)
والوقف : يجري فيه خيار الشرط عند أبي
یوسف، فقد ذهب إلی أن الواقف إذا شرط في
الوقف الخيار لنفسه مدة معلومة جاز الوقف
والشرط، وأما عند محمد، فالوقف باطل،
وشرط الخيار فاسد، وهو قول الشافعي
وأحمد. (٢)
وتفصيله في (وقف).
اشتراط الخيار للمتعاقدين :
٢٤ - من المقرر أن خيار الشرط يصح اشتراطه
لأي واحد من المتعاقدين أو لكليهما (ففي البيع
مثلا: البائع والمشتري). وهو ما ذهب إليه
جمهور الفقهاء، ولا یعرف في ذلك خلاف، إلا
ما روي عن سفيان الثوري وابن شبرمة من أنه
يختص بالمشتري، ولیس للبائع أن يشترطه
لنفسه، (ومقتضى هذا النقل عنهما أن مجال
الخيار عندهما هو عقد البيع فقط) وعند هذين
إذا اشترطه البائع فسد العقد. (٣)
(١) المبسوط ١٩٩/١٧، المجموع ١٧٧/٩، كشاف القناع
٢٠٣/٣
(٢) رد المحتار ٣/ ٣٦٠، المغني ٣/ ٥٣١، البحر الرائق ٦/ ٤،
المجموع ١٧٧/٩، وكشاف القناع ٢٠٣/٣، الأشباه
بحاشية الحموي ٣٢٨/١
(٣) المغني ٣/ ٥٢٤ ط٤، فتح القدير ٥٠٠/٥، البحر الزخار،
٣٤٨/٣، وفتح القدير ٥/ ٥٠٠
- ٩٠ -

خيار الشرط ٢٥
وفي اشتراطه للعاقدین أو أحدهما لا فرق أن
ينشأ الاشتراط من العاقد لنفسه أو منه للعاقد
الآخر، وهو أمر يحصل كثيرا، إذ يجعل البائع
الخیار للمشتري، کما لو قال البائع: بعت لك
ذا الشيء على أنك بالخيار، فإذا صدر القبول
من المشتري كان الخيار له، ويثبت الخيار لمن
شرط له وحده دون العاقد المشترط، إلا إذا
شرطه لنفسه أيضا ورضي الآخر. (١)
اشتراط الخيار للأجنبي عن العقد :
٢٥ - يصح اشتراط الخيار لأجنبي عن العقد،
سواء وقع الاشتراط من العاقدين أومن
أحدهما، وسواء أكان الأجنبي المشترط له الخيار
شخصا واحدا معینا من العاقدین کلیھما أو كان
عن کل منهما شخص غیرمن اشترطه الآخر،
على ما نص عليه الشافعية، وهو غير محتاج إلى
نص عن غيرهم، لأن دلائل الجواز تشمله.
وأصل هذا الحكم (صحة الاشتراط
الأجنبي) موضع اتفاق بين الفقهاء، على أن
يكون المجعول له الخيار ممن يجوز قوله -
لا كالطفل غير المميز - وإلا بطل الخيار. (٢)
(١) رد المحتار ٥٨/٤
(٢) فتح القدير ٥١٦/٥، والبدائع ١٧٤/٥، والمجموع
١٩٦/٩، وبداية المجتهد ٢/ ٢١٢، ٥٥١/٤، ومغني
المحتاج ٤٦/٢، ونهاية المحتاج ٥/٤، وحاشية الجمل على
شرح المنهج ٢/ ١١١
ومستند هذا الحكم عند الحنفية
الاستحسان، فهو على خلاف القياس، ولذا
خالف فيه زفر مستدلا بأن الخيار من مواجب
العقد وأحكامه، فلا يجوز عنده اشتراطه لغیر
العاقدین.
واستدل القائلون بالجواز بأن ثبوته
بالاستحسان لمسيس الحاجة إليه، لأن فيه
مصلحة ظاهرة حين يكون المتعاقد قليل الخبرة
بالأشياء ويخشى الوقوع في الغبن فیلجأ إلى من
هو أبصر منه ویفوض إليه الخيار. وفضلا عن
هذا أن ثبوت الخيار للأجنبي ليس أصالة بل هو
بطريق النيابة عن العاقد الذي جعله له۔علی
ما ذهب إليه الفقهاء - فيقدر الخيار للعاقد
اقتضاء، ثم يجعل الأجنبي نائبا عنه، تصحيحا
لتصرف العاقد.(١)
فإذا جعل الخيار لأجنبي، فما هي صفة هذا
الجعل؟ وما أثره؟ للفقهاء في هذه المسألة
وجهتان :
إحداهما: أنه يعتبر بمثابة توكيل لغيره
يقتضي ثبوت الخيار لنفسه، فالخيار للعاقد
والأجنبي معا. وهذا مذهب الحنفية والمالكية
والحنابلة. بل إن الحنابلة جعلوا الخيار لهما أيضا
فيما لو قصر العاقد الخيار على الأجنبي وقال: هو
(١) البدائع ٥/ ١٧٤، وفتح القدير ٥١٦/٥ -٥١٧، ورد
المحتار ٥٨/٤
- ٩١ -

خيار الشرط ٢٦
له دوني، وذهب أبو یعلی منهم إلى أنه حينئذ
لا یصح.(١)
الوجهة الأخرى: أنه یثبت للأجنبي وحده،
وهو الأصح عند الشافعية وقالوا: إن جعل الخيار
للأجنبي تفویض۔۔ أو تحکیم - لا توكيل. وينظر
تفصيله في كتب الشافعية.
شرط الاستثمار (أو المؤامرة (٢)) أو المشورة:
٢٦ - مما يتصل بمعرفة صاحب الخيار قضية
اشتراط مشورة فلان من الناس، أو استثماره:
أي معرفة أمره وامتثاله، فذهب المالكية إلى أن
لكل من المستأمر والمستأمر الاستقلال في الرد
والإِمضاء (بخلاف ما لوكان على خياره
ورضاه، فلا استقلال له دون من شرط له،
وهذا في المشورة المطلقة، أما إذا قال على
مشورته إن شاء أمضى وإن شاء رد فهذا بمنزلة
الخيار). (٣)
وللمالکیة هاهنا تفصیل بحسب صيغة جعل
الخيار للأجنبي، فهي إما أن تكون بلفظ
المشورة، وإما أن تكون بلفظ الخيار أو الرضا.
فإذا قال: علی مشورة فلان، فإن للعاقد-
(١) البدائع ١٧٤/٥، المجموع ١٩٦/٩، والشرح الكبير
٤ / ١٠٠، كشاف القناع ٣/ ٢٠٤، المقدمات ٢ /٥٦٠
(٢) هي (مفاعلة) من الأمر، بمعنى اشتراطهما أو أحدهما
استثمار من سمياه والرجوع لأمره.
(٣) الدسوقي على الشرح الكبير ٩٨/٣
بائعا كان أو مشتريا - أن يستبد بإبرام العقد أو
فسخه دون أن يفتقر ذلك إلى مشورته. لأنه
لا يلزم من المشاورة الموافقة، ومشترط المشورة
اشترط ما یقوی به نظره.
أما إذا قال: على خيار فلان أورضاه، ففي
ذلك أقوال أربعة، والمعتمد منها أنه تفويض
فلیس للعاقد ۔ بائعا کان أو مشتریا ۔ أن يستقل
بإبرام العقد أو فسخه، ذلك أن اشتراط الخيار-
أو الرضا۔ للأجنبي عندهم لیس توکیلا بل هو
تفويض، حيث إنه باشتراط الخيار لغيره
مُعْرِض عن نظر نفسه، وقد ألحقوا بلفظ الخيار أو
الرضا لفظ المشورة - السابق ذكره - إذا جاء
مقيدا با يدنوبه إلى هذين اللفظين مثل أن
يقول: على مشورة فلان إن شاء أمضى وإن
شاء رد، فحكم هذا كالخيار والرضا. (١) ومن
هنا يعلم أنه يلحق باللفظين ما في معناهما من
ألفاظ مستحدثة تؤدي المعنى نفسه كالرغبة
والرأي .
وعند الشافعية في هذا اتجاهان:
أحدهما: أنه ليس له أن يفسخ حتى يقول:
استأمرته فأمرني بالفسخ، والاتجاه الآخر - وعليه
الحنابلة -: أنه لا يشترط استئماره، وأن نص
الشافعي الذي اعتمده المثبتون قد جاء بقصد
الاحتياط لئلا يكون كاذبا. ونحوه ما ذكر
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ٩٨/٣، والخرشي ٤/ ٢٥
- ٩٢ -

خيار الشرط ٢٧
ابن حزم عن ابن عمر أنه فضل (إن أخذت)
على (إن رضيت)، إذ قد يرضى، ثم يدعي أنه
لم یرض، وقد صحح النووي الرأي الأول. (١)
ولابد من تعيين من سيشاوره. أما لوقال:
علی أن أُشاور(کما یقع کثیرا)، لم یکف. قال
الأذرعي: والظاهر يكفي، وهو في هذا شارط
الخيار لنفسه. (٢)
ولم نعثر للحنفية على نص في هذه المسألة.
النيابة في الخيار :
٢٧ - الخيار يثبت للعاقد المشترط الخيار لنفسه
مهما كانت صفة العاقد، فسواء أكان مالكا
للمعقود عليه، أم وصيا يعقد لمصلحة الموصى
علیه، أم وليا لمصلحة المَوْنيّ علیه، أم كان
يعقد بالوكالة.
ذلك أن اشتراط الخيار في حال الولاية أو
الوصاية هو من باب النظر والرعاية للصغير
فذلك لهما. وأما في الوكالة، فلأن تصرفه بأمر
الموكل وقد أمره بالعقد أمرا مطلقا فيظل على
إطلاقه، فيشمل العقد بخيار أو بدونه.
وكذلك المضارب أو الشريك شرکة عنان أو
مفاوضة، يملك شرط الخيار في معاملات
الشركة بمقتضى إطلاق عقد الشركة.
(١) المجموع ٢١٢/٩، شرح الروض ٥٢/٢، المغني
٥٢٦/٣ ط٤
(٢) شرح الروض ٢/ ٥٢
وهذا شامل لما لوشرط الخيار لنفسه أو للعاقد
الآخر الذي يشاطره التعاقد على ما ذكر
الحنفية . (١)
أما الشافعية فقد قالوا بصحته في الوكالة - في
أصح الوجهين - إذا اشترطه الوكيل لنفسه أو
لموكله، لأنه لا ضرر فيه، كما منعوا الوكيل بالبيع
أن يشترط الخيار للمشتري، وكذلك العكس،
فليس للوكيل بالشراء أن يشترط الخيار للبائع،
فإن فعل الوكيل ذلك بطل العقد، وهذا ما لم
يأذن الموكل في الصورتين، والأصح عند
الشافعیة أنه لا يتجاوز الخیار من شرط له فلا
يثبت للموكل إذا اشترطه الوكيل لنفسه
ولا العكس - وهو ظاهر النص عن الشافعي -
لأن ثبوته بالشرط فكان لمن شرطه خاصة . أما
إذا أذن له الموكل في شرط الخيار وأطلق، فشرط
الوکیل کذلك بإطلاق، ففيه أوجه، أصحها أنه
للوكيل، لأن معظم أحكام العقد متعلقة به
وحده(٢) ولا يلزم العقد برضا الموكل، لأن الخيار
منوط برضا وكيله .
والحنابلة كالشافعية في صحة اشتراط الوكيل
اخیار لنفسه، لا للعاقد الآخر مع احتمال الجواز
عندهم فيها بناء على الرواية التي تقول: للوكيل
(١) البدائع ١٧٤/٥
(٢) المجموع ٩/ ١٩٤، ونهاية المحتاج ١٥/٤، ومغني المحتاج
٤٦/٢
- ٩٣ -

خيار الشرط ٢٨
التوکیل .(١)
ثم إن على الوكيل أن يفعل ما فيه حظ
الموكل، لأنه مؤتمن. (٢)
وکما يثبت الخيار لصاحبه على وجه الانفراد
إذا كان المشتري أو البائع واحدا، یثبت
للمتعدد أيضا إذا كان الطرف المتعاقد متعددا،
كما لوباع شريكان شيئا، أوباع المالك سلعة
لاثنين واشترطا الخيار لهما.
آثار الخيار :
أولا : أثر الخيار على حكم العقد:
٢٨ - حكم الخيار أنه يمنع ثبوت حكم العقد،
فلا يترتب علیه الحکم المعتاد للحال في حق من
له الخيار، وذلك موضع اتفاق بين أبي حنيفة
وصاحبيه، وهو عند أبي حنيفة في حق العاقد
الآخر أيضا، وقال صاحباه: الحكم نافذ في حق
من لا خيارله، لأنه لا مانع بالنسبة له -
وسيترتب على ذلك انتقال الملك عنه - ولذا قال
الكاساني: (هو للحال موقوف، على معنى أنه
لا يعرف حكمه للحال، وإنما يعرف عند سقوط
الخيار) والعلة في القول بأنه موقوف الحكم أنه
لا يدرى أيتصل به الفسخ أو الإِجازة. ثم قال
بعدئذ: «فيتوقف في الجواب للحال، وهذا
(١) المغني ٣/ ٥٢٣
(٢) شرح الروض ٢/ ٥٢
تفسير التوقف عندنا، وقال في موطّن آخر:
شرط الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم
للحال)». (١).
وتبین من منع ثبوت الحكم في حق من له
الخيار، أنه لو كان الخيار لكل من المتعاقدين لم
يترتب على العقد حكمه في الحال، فلا يخرج
المبيع من ملك البائع، ولا الثمن من ملك
المشتري اتفاقا بین أئمة الحنفية، فلا يفترق
هذا العقد عن العقد الباتّ إلا من حيث تعرضه
للفسخ بموجب خيار الشرط الذي زلزل حكم
العقد وجعله عرضة للفسخ. ففي حال اشتراط
الخيار للطرفين لا يثبت حكم العقد أصلا. (٢)
وإلى مثل ذلك ذهب الشافعية في صورة
اشتراط الخيار للطرفين، حيث نصوا على أنه
موقوف، لا يحكم بانتقاله للمشتري، ولا أنه
للبائع خالصا حتى ينقضي الخيار. (٣)
وعند المالكية ملكية محل الخيار باقية للبائع،
ولم تنتقل إلى المشتري، فحكم العقد المشتمل
علی خیار أنه ممنوع عن نفاذه أيا كان صاحب
الخيار. (٤)
(١) البدائع ٢٦٤/٥ و١٧٤/٥
(٢) رد المحتار ٥٣/٤، تبيين الحقائق ١٦/٤، البحر الرائق
٣/٦، الفتاوى الهندية نقلا عن قاضيخان ٣/ ٤٠، فتح
القدير ٣٦٧/٥.
(٣) المجموع ٢٢٨/٩
(٤) القوانين الفقهية ٢٦٤، والدسوقي على الشرح الكبير
١٠٣/٣، بداية المجتهد ١٧٥/٢
- ٩٤ -

خيار الشرط ٢٩ - ٣٠
ثانيا : أثر الخيار على انتقال الملك :
يختلف أثر الخيار على انتقال الملك بین کون
الخیار للمتعاقدین أو کونه لأحدهما.
أ - كون الخيار للمتعاقدين :
٢٩ - إذا كان خيار الشرط ثابتا لكل من
المتعاقدين فلا تغيير يحصل في قضية الملك
للبدلین، فمحل اخیار للبائع باقٍ علی ملكه،
والثمن للمشتري أيضا. ذلك موقف الحنفية،
يقول الكاساني: فلا ينعقد العقد في حق الحكم
في البدلين جميعا، فلا يزول المبيع عن ملك
البائع ولا يدخل في ملك المشتري، وكذا
الثمن ... لأن المانع من الانعقاد في حق الحكم
موجود في الجانبين جميعا وهو الخيار. (١) ويقرب
منه موقف الشافعية بملاحظة اختیارهم وصف
هذه الحالة بأن الملك موقوف بانتظار انقضاء مدة
الخيار لعدم أولوية أحدهما، فإن فسخ العقد
ظهر عنده أن الملك مازال للبائع، وإن تم ظهر
أن الملك انتقل للمشتري منذ العقد.(٢)
والمذاهب الأخرى لا تفرد هذه الحالة بالحكم،
بل ینصب نظرها إلى خيار البائع، فهو المؤثر في
القضیة فیما إذا كان الخيار له وللمشتري .
والرأي الثاني في المسألة على النقيض مما
(١) البدائع ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥
(٢) المجموع ٩/ ٢٣٠، نهاية المحتاج ٤/ ٢٠، مغني المحتاج
٤٨/٢
سبق، فالملك في العقد المقترن بخيار الشرط
ينتقل إلى المشتري بالعقد نفسه، سواء أكان
الخيار لهما أم لأحدهما أيا كان، وهذا هو ظاهر
المذهب عند الحنابلة، وقد علّوه بأن العقد مع
الخيار كالعقد المطلق عنه. (١)
ب - كون الخيار لأحدهما:
٣٠ - تختلف مذاهب الفقهاء في تحديد المالك
لمحل الخیار إذا كان الخيار لأحد المتعاقدین دون
الآخر، وتنحصر الآراء في ثلاثة: بقاء الملك،
انتقاله، التفصيل بحسب صاحب الخيار.
١ - ذهب الرأي الأول إلى القول بأن الملك باق
لصاحب المحل كما كان قبل حصول العقد وهو
البائع، ولا فرق بین أن يكون الخيار للمتعاقدين
أو لأحدهما. بهذا قال مالك وأصحابه وهو
مذهب الليث والأوزاعي. وقد عبر المالكية عن
هذه المسألة بقولهم: إن بيع الخيار منحل
لا منعقد، بمعنى أنه على ملك البائع لم
ينتقل، فالإِمضاء اللاحق بعدئذ ناقل للملك
لا مقرر. (٢)
فقد اعتبر هؤلاء يد المشتري على محل
الخيار يد أمانة، وأن البائع هو المالك (والضامن
أيضا) واحتجوا بأن العقد الذي وقع فيه الخيار
(١) كشاف القناع ٢٠٦/٣
(٢) بداية المجتهد ٢/ ٢١١، الدردير على خليل بحاشية
الدسوقي ١٠٣/٣، الخرشي ٤/ ٣٠
- ٩٥-

خيار الشرط ٣٠ - ٣١
عقد غير لازم، فلم یترتب عليه حکم، أي هو
عقد غير نافذ في الجملة: لم ينتقل الملك عن
البائع، كما لو لم يقع قبول من العاقد الآخر
(المشتري مثلا).
٢ - الرأي الثاني وهو قول عند المالكية: إن الملك
للمشتري، فالإِمضاء تقرير لا نقل. (١)
وعن أحمد رواية أنه موقوف في هذه الحالة
أيضا حتى ينقضي الخيار. (٢)
٣ - والرأي الثالث قائم على التفصیل بحسب
صاحب الخيار.
فإذا كان الخيار للبائع فالملك باق له، لأن
اشتراط الخيار منه إبقاء على ملكه فلا ينتقل
إلى المشتري، ولهذا نتائج عديدة أبرزها أن
المشتري ۔ بالرغم من العقد- لا يملك التصرف
في محل الخيار، كما أن تصرفات البائع تنفذ،
وتعتبر فسخا للعقد، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة
وصاحباه والشافعي في أظهر الأقوال. (٣) وهذا
القول للشافعية قائم على التفصيل بين كون
الخيار البائع أو المشتري - وهو الأظهر - وهناك
أقوال ثلاثة أخرى (مطردة في حال كون الخيار
(١) الخرشي ٤/ ٣٠
(٢) المغني ٣/ ٥١١، كشاف القناع ٢٠٦/٣، القواعد لابن
رجب ٣٧٧
(٣) البدائع ٢٦٤/٥، فتح القدير ٥٠٤/٥، البحر الرائق
٩/٦، وحاشية ابن عابدين ٥٣/٤، وشرح الروض
٥٣/٢، المجموع ٢٣٠/٩، نهاية المحتاج ٤/ ٢٠، مغني
المحتاج ٤٨/٢
لهما أو لأحدهما) أحدها: أن المبيع ملك
للمشتري والثمن ملك للبائع، والثاني: أن
المبيع باق على ملك البائع ولا يملكه المشتري
إلا بعد انقضاء الخيار من غير فسخ، والثمن
باق على ملك المشتري. والثالث: أن الملك
موقوف إلى تمام البيع للحكم بأن المبيع كان
ملکا للمشتري منذ العقد، أو أنه باق على
ملك البائع . (١)
وأما إذا كان الخيار للمشتري فاملك زائل
عن البائع عند هؤلاء، حیث لا مانع في حقه،
لأن العقد لازم من جهة من لا خيار له وهو
البائع. والتصرف في محل الخيار مقصور على من
له الخيار، لأنه شرع نظرا له وحده، وعلى هذا
القدر اتفق أبو حنيفة وصاحباه، وهو مذهب
الشافعية، ويمكن التعبير عنه بأن الملك منتقل
عمن لا خيار له. (٢)
ثالثا: أثر الخيار على ضمان المحل :
٣١ - اختلف الفقهاء فيمن يتحمل تبعة هلاك
محل الخيار على النحو الآتي :
فالحنفية فرقوا في هذه المسألة بین عدة صور:
(١) المجموع ٩/ ٢٣٠
(٢) البحر الرائق ٦/ ١٣، وتبيين الحقائق ١٦/٤، وحاشية ابن
عابدين ٤/ ٥٣، وشرح الروض ٥٣/٢، والمجموع
٢٣٠/٩، ونهاية المحتاج ٤/ ٢٠، ومغني المحتاج ٤٨/٢
- ٩٦ -

خيار الشرط ٣١
١ - إذا کان الخیار للبائع - وبالأولی إذا کان له
وللمشتري ۔ وهلك محل الخيار بید البائع قبل
القبض فالضمان على البائع بالاتفاق بين
أبي حنيفة وصاحبیه، لأنه لم يخرج عن ملكه
اتفاقا، ولم ينضم إلى الخیار القبض ليكون له أثر
في تعدیل ارتباط تبعة الهلاك بالملك، ولا إشكال
عند الحنفية في انفساخ العقد، كما هو الحال في
البيع المطلق عن الخيار. (١)
٢ - إذا هلك محل الخيار في يد المشتري بعد
القبض وبعد انقضاء الخيار فالضمان منه، لأنه
غدا بانقضاء الخیار بيعا مطلقا. والضمان حينئذ
بالثمن لأنه هلك بعدما أبرم البيع، وإبرامه إذا
كان الخيار للبائع لعدم فسخ البائع في المدة،
وإن كان الخيار للمشتري فلأن هلاكه بمثابة
الإِجازة. (٢)
٣ - إذا کان الخيار للبائع وقد قبض المشتري محل
الخيار فهلك في يد المشتري خلال مدة الخيار
فالضمان على المشتري، لأن البيع قد انفسخ
بهلاك المحل إذ كان موقوفا، لأجل خيار البائع،
ولا نفاذ للموقوف إذا هلك المحل، فبقي في يد
المشتري مقبوضا على جهة العقد (أي
المعاوضة)، لا على وجه الأمانة المحضة
كالإِيداع والإِعارة، لأن البائع لم يرض بقبض
المشتري له إلا على جهة العقد. وكذلك
(١) فتح القدير ٥٠٤/٥، والبدائع ٢٧٢/٥
(٢) فتح القدير ٥٠٤/٥
الشافعية، وسووا بين هذه الحالة وبين إيداع
المشتري إياه بعد القبض عند البائع.
أما كيفية ضمانه فهو أنه يضمن بالقيمة - إن لم
یکن مثلیا (لأن ضمانہ حینئذ بالمثل) - والضمان
بالقيمة، لا بالثمن، هو الشأن فيما قبض على
جهة العقد، كالمقبوض على سوم الشراء. (١)
وقد جعل الکاساني ضمانه أولی من ضمان
المقبوض على سوم الشراء.
٤ - إذا کان الخيار للمشتري وقد قبض محل
الخیار فهلك في يده، فالضمان منه أيضا، ولکن
الضمان هنا بالثمن.
وبین هذه الحالة وسابقتها فرق من حیث
كيفية الضمان فهنا الضمان بالثمن ، وهناك
الضمان بالقيمة، وقد أشار صاحب الهداية إلى
وجه الفرق، وتابعه الشراح مفصلين الوجه
نفسه، بأنه إذا كان الخيار للمشتري وهلك
المبيع فإنه بمثابة تعيب آل إلى تلف، لأن التلف
لا یعری عن مقدمة عیب، فبدخول العيب
على محل الخيار لا يملك المشتري (صاحب
الخيار) الردّ على البائع حال قيام العيب، كائنا
ما كان العيب، فإذا اتصل به الهلاك لم يبق الردّ
(١) المقبوض على سوم الشراء هو ما أخذه المشتري على قصد
الابتیاع للنظر والاختبار من غیر إبرام البيع فهلك في يده.
ومن المقرر أن ضمانه هو فيما إذا كان القبض بعد تسمية
الثمن، أما إذا لم يسم ثمنا فلا ضمان في الصحيح (فتح
القدير ٥٠٤/٥)، العناية على الهداية بهامش فتح القدير
٥٠٤/٥
- ٩٧ -
١

خيار الشرط ٣٢ - ٣٣
سائغا، فيهلك المحل بعد أن انبرم العقد
بمقدمات الهلاك، وبلزوم العقد يجب الثمن
لا القيمة .
أما في حالة كون الخيار للبائع وتلف المبيع
عند المشتري بعد القبض، فإن تعيب المبيع
وإشرافه على اهلاك لا یمنع الرد حكما، لأن
خيار البائع لم يسقط لأنه لم يعجز عن التصرف
بحکم اخيار الذي لورضي به یتمکن من
الاسترداد، فإذا هلك علی ملکه فینفسخ العقد
ضرورة لعدم المحل فیکون ضمانه کالمقبوض
على سوم الشراء، أي بالقيمة، لا بالثمن
لفقدان العقد. (١)
٣٢ - أما عند المالكية فالضمان منسجم مع الملك
الذي جعلوه ثابتا مطلقا للبائع، فالضمان عليه
أيضا إلا في استثناءات يدعو إليها إعواز المشتري
الدليل على حسن نيته وعدم تفريطه، لأن
ضمان البائع للتلف خاص بما لو كان تلفا
بحادث سماوي، أو ضياع، ويتمثل الأصل في
صورتین :
الأولى: إذا قبض المشتري محل الخيار،
فالضمان على البائع، إذ هو أقدم ملكا، فلا
ينتقل الضمان عنه إلا بتمام انتقال ملكه. (٢)
وذلك الأصل ثابت فيما إذا كان محل الخيار مما لا
یغاب عليه (أي: مما لا يمكن إخفاؤه) ، حيث
(١) الهداية وفتح القدير والعناية والكفاية ٥٠٦/٥
(٢) المواق على خليل نقلا عن ابن يونس ٤/ ٤٢٢
لم يظهر كذب المشتري في دعواه التلف دون
صنعه .
الثانية: إذا كان محل الخیار مما یغاب عليه ولكن
ثبت تلفه أو ضياعه ببینة (لأن هلاكه ظاهر بغیر
صنعه، وأنه غير متعد في قبضه كالرهن
والعارية).
وفيما وراء هذا الأصل، أوبعبارة أخرى فيما
كان محترزا عنه بقيود الصورتين السابقتين
(صورة ما لا يغاب عليه ولم يثبت كذب
المشتري، وصورة ما یغاب علیه وثبت أن
التلف ليس بصنع المشتري) یکون الضمان
على المشتري. (١)
٣٣ - أما الشافعية فقد جاء في شرح الروض أنه
لو تلف المبيع بآفة سماوية بعد القبض والخيار
للبائع وحده، انفسخ البيع، لأنه ينفسخ بذلك
عند بقاء يده، فعند بقاء ملکه أولى، ولأن نقل
الملك بعد التلف لا يمكن، وإن كان المبيع
مودعا مع البائع فإن البیع ینفسخ بتلفه لأن يده
كيد المشتري ويرد البائع عليه الثمن وله في
المسألتين على المشتري القيمة في المتقوم، والمثل
في المثلي ولو كان الخيار للمشتري وحده أولهما
فتلف المبيع بعد قبضه لم ينفسخ البيع لدخوله في
ضمانه بالقبض ولم ينقطع الخيار كما لا يمتنع
(١) المواق على خليل ٤٢٢/٤، والخرشي على خليل ٤/ ٣٠،
والدسوقي ١٠٤/٣
- ٩٨ -

خیار الشرط ٣٤ - ٣٥
التحالف بتلف المبيع ولزم المشتري الثمن إن تم
العقد، وإن فسخ فالقيمة أو المثل على المشتري
واسترد الثمن، ولو أتلفه متلف ولوبعد قبضه
والخيار للبائع وحده انفسخ البيع كما في صورة
التلف، وإن کان الخیار لهما أو للمشتري وحده
وأتلفه أجنبي ولو قبل القبض لم ينفسخ، أي
البيع، لقيام البدل اللازم له من قيمة أومثل
مقامه وتلزمه القيمة للمشتري لفوات عين المبيع
والخيار بحاله وإن أتلفه المشتري ولوقبل
القبض، والخيار له أولهما استقر عليه الثمن،
لأنه بإتلافہ المبيع قابض له أو أتلفه البائع، ولو
بعد القبض فكتلفه بآفة . (١)
٣٤ - وأما الحنابلة فقد جعلوا الملك للمشتري،
وذهبوا إلى أن ضمان محل الخيار على المشتري
لأنه ملکه، وغلته له فکان من ضمانہ کما بعد
انقضاء الخيار. ومئونته عليه. (٢) وهذا على
إطلاقه (قبل القبض أوبعده) إذا كان محل الخيار
من غير المكيل أو الموزون ونحوهما كالمعدود
والمذروع، شريطة أن لا يكون عدم القبض
ناشئا من منع البائع.
أما إذا كان محل الخيار من المكيل أو الموزون
ونحوهما فلابد من القبض لیکون ضمانه على
المشتري، فإن كان القبض لم يحصل فالضمان
(١) شرح الروض ٢/ ٥٤
(٢) المغني لابن قدامة ١٥٣/٣
حينئذ على البائع. ولا يعتبر الحكم في المكيل
والموزون استثناء، بل هو الذي تقتضيه أصول
الحنابلة من اعتبارهم القبض ضمیمة لا بد منها
في المکیل والموزون لينتقل ضمانه عن البائع إلى
المشتري، وهو حكم يتفق فيه البيع المقيد
بالخيار، والبيع المطلق. وعلله ابن قدامة بأنه
يتعلق به حق توفية، وجاء في كشاف القناع أن
المراد بالقبض في المکیل والموزون هو اكتياله أو
وزنه، وليس مجرد التخلية كما هو عند الحنفية،
فبالاکتیال یعرف هل وصل إلى المشتري حقه
کاملا أم نقص منه أوزاد عنه.(١)
أثر الخيار على زيادة المبيع وغلتّه ونفقته.
٣٥ - قسم الحنفية الزوائد التي قد تطرأ على
المبيع إلى الأقسام التالية :
١ - الزيادة المتصلة المتولدة، كالسِمَن في الحيوان
وزيادة وزنه، والبرء من داء كان فيه، والنضج في
الثمر، والحمل الذي يحدث زمن الخيار (أما
الموجود عند العقد فهو معقود علیه، کالأم،
فيقابله قسط من الثمن على ما قال
الشافعية).
(١) المغني ٢١٩/٤ مع الشرح الكبير وفي المغني: وقبض كل
شيء بحسبه، فإن کان مکیلا أو موز ونا بيع کیلا أو وزنا
فقبضه بكيله ووزنه (٤/ ٢٢٠) ونحوه في كشاف القناع
٢٤٦/٣
- ٩٩ -

٠٠٠
خيار الشرط ٣٥ - ٣٦
٢ - الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل،
ومثالها: الصبغ والخياطة، والبناء في الأرض،
والغرس فيها، ولتّ السویق بسمن.
٣ - الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل،
ومثالها: الولد، والثمر، واللبن، والبيض،
والصوف.
٤ - الزيادة المنفصلة غير المتولدة من الأصل.
ومثالها: غلّة المأجور، وأرش الجناية على عضو
من الحيوان، والعُقر وهو ما يعتبر مهرا للوطء
بشبهة .(١)
هذا تقسيم الحنفية للزوائد، وهم أكثر
الفقهاء عناية بتنويعها، نظرا لتفاوت أحكامها
عندهم بحسب تلك الأنواع.
أما غير الحنفية فما بين موحد النظرة إلى
الزيادة، أو مكتف بتقسيم الزوائد إلى متصلة أو
منفصلة وإدارة الحكم على ذلك فقط.
وإن للزوائد في محل الخیار احکاما أهمها
اثنان: أحدهما: لمن يكون ملك الزوائد،
والثاني كونها تمنع الرد، أي تعدم الخيار بإلزام
صاحبه بالإِجازة دون الفسخ. ذهب الحنفية
إلى أن الأصل في الزيادة أنها تمنح الردّ ويسري
امتناع الرد على جميع أنواعها سوى الزيادة
المنفصلة غير المتولدة اتفاقا، والزيادة المتصلة
المتولدة علی خلاف. فحیث یمتنع الرد ینبرم
(١) بدائع الصنائع ٥/ ٢٧٠، والفتاوى الهندية ٤٨/٣ نقلا
عن السراج الوهاج والنهر الفائق وغيرهما .
العقد ويلزم، وتكون الزوائد مطلقا للمشتري
الذي صار إليه ملك الأصل. أما في الزيادة
المنفصلة غير المتولدة حیث لا يمتنع الرد، وفي
الزيادة المتصلة المتولدة حيث اختلف في
امتناعه، فقد اختلفوا فیمن يملك تلك الزوائد
على النحو الآتي . (١)
الزيادة المنفصلة غير المتولدة :
٣٦ - إذا كانت زوائد محل الخيار من نوع
المنفصلة غير المتولدة من الأصل، ففيها يجري
الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه. وهذا
الخلاف لا مجال له إن اختار المشتري امضاء
العقد لأنه حينئذ یتملك الأصل والزوائد
اتفاقا، لأنه بالإِمضاء تبين أن الزوائد كسب
ملكه فكانت ملكا له، أما إن اختار المشتري
الفسخ وإعادة محل الخيار إلى البائع فهل يعيد
معها الزوائد أم لا؟ قال أبو حنيفة: يرد الأصل
مع الزوائد بناء على أن ملك المبيع كان موقوفا،
فإذا حصل الفسخ تبين أنه لم يدخل في ملك
المشتري فالزیادة حصلت على ملك البائع فترد
إليه مع الأصل. وعند الصاحبين: المبيع دخل
في ملك المشتري فكانت الزوائد حاصلة على
ملكه، فيظهر أثر الفسخ في الأصل لا في الزوائد
(١) البحر الرائق ١٥/١٦ نقلا عن التتارخانية، ونقله عنها ابن
عابدين أيضا ٤/ ٥٤
- ١٠٠ -