النص المفهرس

صفحات 61-80

خيار تفرق الصفقة ٧
ولا ينفسخ العقد بظهور الاستحقاق
ولا بالقضاء به، بل يظل موقوفا إلى أن يرجع
المشتري على بائعه بالثمن، بحيث لو أجاز
المستحق بعدما قضي له، أوبعدما قبضه قبل أن
يرجع المشتري على بائعه يصح، على ما حققه
ابن الحمام. (١)
أما الاستحقاق الجزئي فهو ما يقع على
بعض المبيع، سواء ظهر الاستحقاق بعد
القبض، أو قبله، أو بعد قبض بعضه، ولا فرق
في كون المستحق هو الجزء المقبوض أو غيره.
ذهب الحنفية إلى أن الاستحقاق الجزئي إما
أن يظهر قبل القبض، وإما بعده: فإذا استحق
بعض المعقود عليه قبل القبض - والمراد قبض
الكل، فلا عبرة بقبض بعض المبيع فهو كما لو لم
يقبض - فحكم ذلك البعض المستحق أنه
موقوف، فإذا لم يجز المستحق فللمشتري
الرجوع على البائع بثمنه، وحينئذ يبطل العقد
في ذلك البعض، أما الباقي فللمشتري فيه
الخيار: إن شاء رضي به بحصته من الثمن.
وإن شاء رده، سواء كان استحقاق ما استحق
يوجب العيب في الباقي أو لا يوجب.
والوجه في بطلان العقد في بعض السلعة
المستحقة: التبين من أن ذلك القدر لم يكن ملك
(١) أحكام الاستحقاق (الكلي) يرجع إلى فتح القدير والعناية
٣٠٤/٥، ٣٠٥ ورد المحتار ١٩٠/٥ - ٢٠٨ (ط٢
الحلبي).
البائع، ولما لم توجد الإِجازة من المالك - وتلاه
استرجاع المشتري للثمن - انفسخ العقد في
ذلك البعض.
أما ثبوت الخيار في الباقي فلتفرق الصفقة
على المشتري قبل التمام، وتمام الصفقة بعد
الرضا بالقبض - وهو لم يحصل - فكان ظهور
الاستحقاق قبل القبض مفرقا للصفقة قبل
تمامها فله خیار الرد.(١)
وإذا ظهر الاستحقاق الجزئي بعد القبض،
كان حكم الجزء المستحق مماثلا لما سبق، وأما
الباقي فیفترق حکمه بحسب کون المبیع یتعیب
بالاستحقاق أولا .
فإن كان المبيع من القیمیات، وکان شيئا
واحدا حقيقة وتقديرا، كالدار والكرم والثوب
ونحوها، أو كان شيئين من حيث الصورة وهو
واحد من حيث المعنى، كمصراعي الباب
ونحوه، فإن استحقاق البعض يقتضي الخيار في
الباقي، لأن الاستحقاق أوجب عيبا في الباقي،
هو عيب الشركة في الأعيان .
أما إن كان المعقود عليه شيئين صورة ومعنى
كالدارين أو الثوبين، أو كان من المكيلات أو
الموزونات، كصبرة قمح، أو جملة وزني فإن
(١) بدائع الصنائع ٢٨٨/٥، فتح القدير ١٧٦/٥ - ١٧٧، رد
المحتار ٤ /٩٠، المبسوط ١٠٢/١٣، العناية شرح الهداية
١٧٦/٥ - ١٧٧
- ٦١ -

خيار تفرق الصفقة ٧ - ٨
استحقاق البعض لا یوجب للمشتري خیارا بل
يلزمه أخذ الباقي بحصته من الثمن، لأنه
لا ضرر في التبعيض. وهناك رواية عن أبي
حنيفة بأن له الرد، دفعا لضرر مؤونة
القسمة . (١)
أما عند الشافعية، فقد ذكر ابن حجر
صورتها في قوله: (إنسان اشتری من آخر أرضا
مشتملة على نخل، ثم تقايلا، ثم ادعى البائع
بطلان الإِقالة، وحكم له الحاكم الشرعي بذلك
بشرطه، ثم بعد ذلك ظهر أن من الأرض
المذكورة مغرس نخلة من النخل المذكور مملوكا
لغير البائع حين البيع .
فهل يتخیر المشتري حينئذ بها، وإذا قلتم
نعم، فهل يمنع خياره بملك البائع المغرس
المذكور وإعطائها له، أو إعطاء مستحقها إياها
للمشتري، أو لا؟)) وذهب إلى أن المشتري
يتخير بذلك، لتفريق الصفقة عليه .
ولو أراد مالك المغرس (غير البائع) هبته
للمشتري لا يسقط بذلك خياره. وهو ظاهر،
أما الخفي فهوما إذا ملك البائع ذلك المغرس،
ولما علم ثبوت الخيار للمشتري وهبه له ۔ أو
أعرض عنه - فهذا يتردد فيه النظر. وعلى هذا
دلالات من نصوص الفقهاء . (٢)
(١) بدائع الصنائع ٢٨٩/٥، فتح القدير ١٧٦/٥
(٢) الفتاوی الکبری ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٦
ثانيا : خيار الهلاك الجزئي :
٨ - في الهلاك الجزئي للمعقود عليه، قبل
القبض يثبت للمشتري الخيار بين الإِمضاء
والرد، لتفرق الصفقة عليه .
وهذا أمر مشترك بين حالات الهلاك المتنوعة
بالنظر إلى السبب، ثم تختلف كيفية الإِمضاء
(بعد استبعاد حالة هلاكه بفعل أجنبي حيث
يستوي حكمها وحكم الهلاك الكلي من التخيير
بين الإِمضاء وتضمين المتعدي أو الفسخ
والتخلية بين الأجنبي والبائع) والتفاوت في
الحكم ذو حالتين: الهلاك بفعل البائع، وفيها
یسقط من الثمن قدر النقص، سواء كان نقص
قدر، أو نقصان وصف. والهلاك بسبب
سماوي، أو بفعل المعقود عليه حيث يتصور منه
ذلك. فمع ثبوت الخيار، يطرح من الثمن
حصة الفائت إن كان النقص في القدر. أما إن
كان نقصان وصف فلا يسقط شيء من الثمن
((والمراد بالوصف ما يدخل تحت البيع بلا ذكر
كالأشجار والبناء في الأرض، والأطراف في
الحيوان، والجودة في الكيلي والوزني)). (١)
أما الشافعیة فقد نصوا علی أنه إذا تلف أحد
الشيئين المعقود عليهما صفقة واحدة، قبل
القبض، يفسخ العقد في التالف بلا خلاف.
أما في الباقي فلهم فيه طريقان: أحدهما أنه
(١) رد المحتار ٤٦/٤، بدائع الصنائع ٢٣٩/٥
- ٦٢ -

خيار تفرق الصفقة ٨، خيار التفليس، خيار تلقي الركبان، خيار التولية
علی الخلاف فیمن باع ملكه وملك غيره، لأن
ما يحدث قبل القبض كالموجود في حال العقد في
إبطال العقد، وأصحهما القطع بأنه لا ينفسخ
لعدم عّتي الفساد هناك.
فإذا قيل بعدم انفساخ العقد فللمشتري
الخيار في الفسخ في الباقي ، لتفرق الصفقة
عليه، والأصح أنه لا يلزمه إلا قسط الباقي،
لأن العوض هنا قابل المبيعين مقابلة صحيحة
حال العقد وانقسم العوض عليهما فلا يتغير
بهلاك بعضه .
هذا إذا كان المقبوض باقيا في يد المشتري ،
فإن تلف في يده ثم تلف الآخر في يد البائع ففي
الانفساخ في المقبوض خلاف مرتب على
الصورة السابقة، وأولى بعدم الانفساخ لتلفه في
ضمان المشتري. وإذا قیل بعدم الانفساخ،
فهل له الفسخ؟ فیه وجهان: أحدهما نعم، ویرد
قیمته ویسترد الثمن إن كان سلمه، وأصحهما
لا، بل علیه حصته من الثمن.
وقد علل الشافعية حجب الخيار عن البائع
بأنه لم يلحقه نقص فيما يخص ملکه.
وبماله حكم تلف بعض الصفقة، ما لو
انقطع بعض المسلم فيه عند المحل، وكان
الباقي مقبوضا أو غير مقبوض، قال النووي :
((فإذا قلنا: لو انقطع الجميع لم ينفسخ العقد كان
المسلم بالخيار: إن شاء فسخ العقد في الجميع
وإن شاء أجازه في الجميع. وهل له الفسخ في
القدر المنقطع والإِجازة في الباقي؟ فيه
قولان . (١)
خيار التفليس
انظر: إفلاس
خيار تلقي الركبان
انظر: بيع منهي عنه
خيار التولية
انظر: تولية
(١) المجموع شرح المهذب ٣٨٣/٩، ٣٨٦ - ٣٨٧
- ٦٣ -

خيار الرؤية ١ - ٢
خيار الرؤية
التعريف :
١ - سبق تعريف الخيار لغة في مصطلح: ((خيار))
بوجه عام .
أما لفظ (الرؤية) من المرکب الإضافي (خیار
الرؤية) فهو مصدر لفعل رأی یری ومعناه لغة:
النظر بالعين وبالقلب. (١)
أما خيار الرؤية اصطلاحا: فهو حق يثبت به
للمتملك الفسخ، أو الإِمضاء عند رؤية محل
العقد المعين الذي عقد عليه ولم يره، والإِضافة
في خيار الرؤية من إضافة السبب إلى المسبب
أي خيار سببه الرؤية .(٢)
وخيار الرؤية يثبت بحكم الشرع نظرا
للعاقد الذي أقدم على شراء ما لم يره، فربما
لا یکون موافقا له، فقد أباح له الشارع ممارسة
حق الخيار بين فسخه أو الاستمرار فيه، وهكذا
لا يحتاج خیار الرؤية إلی اشتراط عند جمهور
(١) المصباح المنير، والمغرب، والقاموس المحيط مادة: ((رأى)).
(٢) رد المحتار ٢٢/٤، فتح القدير ١٣٧/٥، البحر الرائق
١٨/٦
القائلين به، إلا المالكية فهو عندهم خيار إرادي
يشترط في بیع الغائب أحیانا تصحیحا له.
وخيار الرؤية - بالرغم من سلكه في عداد
خیارات الجهالة ۔ هومن الخيارات التي يراد بها
إتاحة المجال للعاقد ليتروى وينظر هل المبيع
صالح لحاجته أم لا؟
خیار الرؤية والمذاهب فيه :
٢ - القول بخيار الرؤية إيجابا أو نفيا مرتبط كل
الارتباط ببيع الشيء الغائب صحة وفسادا.
ومن الضروري التعجيل ببيان المراد بالغيبة
في قولهم (العين الغائبة) فالمراد خصوص غيبتها
عن البصر بحيث لم تجر رؤيتها عند العقد. سواء
أكانت غائبة أيضا عن مجلس العقد أو حاضرة
فيه لكنها مستورة عن عين العاقد، فهي تسمى
غائبة في كلتا الحالين، ويستوي في غيابها عن
المجلس أن تكون في البلد نفسه أوفي بلد آخر
من حيث مفهوم الغيبة وإن اختلف الحكم
أحیانا .
فالغائب هنا هو غير المرئي، إما لعدم
حضوره، وإما لانتفاء رؤيته بالرغم من
حضوره، فليس كل حاضر مرئيا، فقد يكون
حاضرا غير مرئي . (١)
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣/ ٢٧ وتفريعات غير
المالكية واستعمالاتهم تدل عليه أيضا، والمحلى ٣٤١/٨
- ٦٤ -

خیار الرؤية ٣ - ٥
مشروعية بيع الغائب :
٣ - بيع الغائب مع الوصف صحيح عند
الجمهور في الجملة وينظر التفصيل في مصطلح :
(بیع) ف٤٣ ,٤٤ (ج٩ / ٢٣)
مشروعية خيار الرؤية :
٤ - اختلف الفقهاء في مشروعية خيار الرؤية
على ثلاثة أقوال:
١ -إثبات خیار الرؤية، بحکم الشرع-دون
حاجة إلى اتفاق الإِرادتين عليه - وتمكين العاقد
بموجبه من الفسخ أو الإِمضاء على سبيل
التروي، ولو کان ما اشتراه موافقا لما وصف له
عند العقد. وهذا ما ذهب إليه الحنفية.
٢ - القول بخيار رؤية يشترطه المشتري في بيع
ما لم يره ليصح عقده، وهو لا يثبت بحكم
الشرع بل هو إرادي محض يجب على العاقد
اشتراطه في بعض صور بيع الغائب وبدونه
يفسد العقد، وهذا تحقيق ما ذهب إليه المالكية.
٣ - نفي خيار الرؤية مطلقا، وهو القول الجديد
المعتبر في مذهب الشافعية، وأشهر الروايتين في
مذهب أحمد.
أدلة الحنفية ومن معهم:
٥ - احتج الحنفية بقوله تعالى: ﴿أحل الله
البيع﴾. (١) وهذا على عمومه، فيشمل بيع
العين الغائبة، ولا يخرج منه إلا بيع منعه کتاب
أو سنة أو إجماع.
وبقوله : ((من اشترى شيئا لم يره فهو
بالخيار إذا رآه)). (١)
وقد جاء من رواية مكحول مرسلا بلفظه
وزيادة: ((إن شاء أخذه، وإن شاء تركه». (٢)
ومن الآثار المروية عن الصحابة ما أخرجه
الطحاوي عن علقمة بن وقاص الليثي أن
طلحة بن عبيد الله اشتری من عثمان بن عفان
مالا، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت - وكان المال
بالكوفة لم یرہ عثمان حین ملکه۔ فقال عثمان: لي
الخيار لأني بعت ما لم أر. فقال طلحة: لي
الخیار، لأني اشتریت ما لم أر، فحكما بينهما
جبيربن مطعم فقضى أن الخيار لطلحة
ولا خيار لعثمان. (٣)
(١) حديث: ((من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه ... ))
أخرجه الدارقطني (٥/٣ - ط دار المحاسن) من حديث أبي
هريرة، وقال الدارقطني: ((هذا باطل لا يصح))، وذلك
لراوٍ متهم بالوضع في سنده، وأعله ابن القطان بعلة
أخرى، وهي جهالة الراوي عن ذاك المتهم، كذا في نصب
الراية للزيلعي (٩/٤ - ط المجلس العلمي بالهند).
(٢) روایة مکحول، أخرجها الدارقطني (٤/٣ - ط دار
المحاسن) وقال: ((هذا مرسل، وأبو بكر بن أبي مريم
(الراوي عن مكحول) ضعيف).
(٣) معاني الآثار، للطحاوي ٤/ ١٠، وقد أورده استطرادا في
(تلقي الجلب) ولم يبوب لخيار الرؤية. ونصب الراية ٤/ ١٠
وقال: أخرجه الطحاوي ثم البيهقي، وكذلك في فتح
الباري ٥/ ٥٢٤ والمجموع ٣١٦/٩
(١) سورة البقرة/ ٢٧٥
- ٦٥ -

خيار الرؤية ٦ - ٩
واستدلوا به من المعقول:
بالقیاس علی النكاح، فإنه لا يشترط رؤية
الزوجين بالإِجماع، والقياس على بيع مَاله
صوان كالرمان والجوز. (١)
دليل المانعين :
٦ - ودليل من لم يقل بخيار الرؤية أن بيع الغائب
أصلا لا يصح كما سبق. وأما المالكية فخيار
الرؤية عندهم هو أشبه بخيار الشرط، لأنه يجب
على العاقد اشتراطه ليصح بيع الغائب.
سبب ثبوت الخيار :
٧ - إن سبب ثبوت هذا الخيار هو عدم الرؤية،
کما يدل على ذلك الحدیث، واسمه ، وتعريفه،
وقال آخرون: إن سببه هو الرؤية نفسها،
فالإِضافة إلى الرؤية هي من إضافة الشيء إلى
سببه (ويصح أن تكون من إضافة الشيء إلى
شرطه كما ذهب إليه بعض المصنفين). (٢) ولا
ينبني على هذا الاختلاف كبير فائدة.
المراد بالرؤية :
٨ - المراد بالرؤية في هذا المجال: العلم بالمقصود
الأصلي من محل العقد، سواء أكان ذلك العلم
(١) المجموع ٣٣١/٩
(٢) فتح القدير ١٣٧/٥
يحصل بالرؤية البصرية أو بأي حاسة من
الحواس، كاللمس، والجسّ، أو الذوق، أو
الشم، أو السمع. فهو في كل شيء
بحسبه .(١)
وفي رؤية ما سبيل العلم به الرؤية لا يشترط
رؤية جميعه، بل يكفي رؤية ما يدل على العلم
بالمقصود، ويختلف ذلك بين كون المحل شيئا
واحدا، أو أشياء لا تتفاوت آحادها كالمثليات.
ففي الشيء الواحد يعتبررؤية ما يدل على
العلم بالمقصود، وله أمثلة كثيرة في كتب
الفقه. (٢)
الرؤية في المثليات :
٩ - المحل المعقود عليه إما مثلي وإما قيمي،
وتختلف الرؤية المعتبرة - أو الاطلاع والعلم - في
أحدهما عن الآخر.
والمراد بالمثلي هنا ما كان معينا من المثليات،
لأنه بمنزلة الأعيان، أما إذا كان موصوفا في
الذمة فهو دين ولا يجري في العقد عليه خيار
الرؤية لأنه مختص بالأعيان. (٣)
(١) رد المحتار ٦٨/٤ وإنما مثلوا له بالدفوف التي تنقر في الغزو
حثا علی الإِقدام، لیکون المثل مما لا خلاف في إباحة التبايع
فيه .
(٢) الفتاوى الهندية ٣/ ٦٢ الفصل الثاني فيما تكون رؤية بعضه
كرؤية الكل في إبطال الخيار. وفتح القدير والعناية شرح
الهداية ١٤٢/٥
(٣) المبسوط ٧٢/١٣، والهداية وفتح القدير، والعناية
١٤٢/٥، والهندیة ٦٤/٣، والبدائع للكاساني ٢٩٤/٥
- ٦٦ -

خيار الرؤية ١٠
الرؤية في القيميات :
١٠ - القيميات أو الأشياء غير المثلية ويطلق
عليها: العدديات المتفاوتة، کالدواب،
والأراضي، والثياب المتفاوتة، ونحوذلك، لابد
فيها من رؤية ما يدل على المقصود من الشىء
الواحد، أو رؤية ذلك من کل واحد منها إذا كان
المبيع أكثر من واحد من تلك الأشياء المتفاوتة،
كعدة دواب مثلا، لأن رؤية البعض لا تعرف
الباقي للتفاوت في آحاده. (١)
صور خاصة من الرؤية :
أ - الرؤية من خلف زجاج : لا تكفي عند
أبي حنيفة حتی یری ما فیه أوما خلفه دون
حائل، وعن محمد أنه يكفي، لأن الزجاج
لا يخفي صورة المرئي، وروى هشام أن قول
محمد موافق لقول أبي حنيفة. (٢)
ب۔ الرؤية لما هو في الماء: کسمك (یمکن أخذه
من غير اصطياد) قال بعضهم: يسقط خياره،
لأنه رأى عين المبيع، وقال بعضهم: لا يسقط،
وهو الصحيح، لأن المبيع لا يرى في الماء على
حاله بل يرى أكبر مما هو، فهذه الرؤية لا تعرف
المبيع. (٣)
(١) فتح القدير والعناية ١٤٢/٥ - ١٤٣
(٢) فتح القدير ١٤٤/٥، والفتاوى الهندية ٦٣/٣ نقلا عن
الخلاصة .
(٣) فتح القدير ١٤٤/٥، والفتاوى الهندية ٣/ ٦٣ نقلا عنه
وعن السراج الوهاج.
ج - الرؤية بوساطة المرآة: قالوا: لا يسقط
خياره، لأنه ما رأى عينه بل مثاله. (١)
د- الرؤية من وراء ستررقيق: تعتبر رؤية،
على ما في فتاوى قاضيخان. (٢)
هـ ـ الرؤية في ضوء يسترلون الشىء: كرؤية
ورق أبيض أو قماش، في ضوء يسترمعرفة
بياضه كضوء النار، ليلا أونهارا، لا تعتبر رؤية
مسقطة لقيام الخيار. (٣)
و- الرؤية بالنسبة للأعمى : لا يثور التساؤل فيه
إلا فيما سبيل معرفته الرؤية بالبصر، أما
ما يعرف بالذوق، أو الشم، أو الجسّ، فهو في
ذلك کالبصیر، أما ما لابد من رؤيته كالدار
ونحوها والنموذج في المثليات فيغني عن الرؤية
الوصف بأبلغ ما يمكن، فإذا قال: قد رضيت،
سقط خياره، لأن الوصف يقام مقام الرؤية
أحيانا، كالسلم، والمقصود رفع الغبن عنه،
وذلك يحصل بالوصف وإن كان بالرؤية أتم . (٤)
(١) فتح القدير ١٤٤/٥، ورد المحتار ٦٨/٤ كلاهما عن
التحفة: وهو في الهندية ٦٣/٣ نقلا عن السراج. وعلى
هذا يجري الحكم في رؤية صورة الشيء الفوتوغرافية، لأنه
أشبه شيء بالمرآة فضلا عن احتمال التغير ما بين رؤية
الصورة ورؤية الحقيقة .
(٢) الهندية ٣/ ٦٣
(٣) نهاية المحتاج ٤١٦/٣
(٤) فتح القدير ٥/ ١٤٧، والمبسوط ٧٧/١٣ والبدائع
٢٩٨/٥، والكلام عن الرؤية بالنسبة للأعمى شامل للرؤية
التي توجد قبل الشراء، أو قبل القبض فتمنع =
- ٦٧ -

خيار الرؤية ١١ - ١٢
دور العرف في تحديد الرؤية الجزئية الكافية :
١١ - تناول الفقهاء بالبيان المسهب بعض تلك
الأشياء القيمية (المتفاوتة الآحاد) وخاصة ما
تكثر الحاجة إلى تداوله، فذكروا ما تكفي رؤيته
من كل منها لاعتبار الخيار حاصلا عقب تلك
الرؤية المقتضبة، فيعتبر حينئذ الرضا والفسخ
بعدها. والخلاف في الرؤية الكافية المثبتة للخيار
قد نشأ بناء على العرف المكاني أو الزماني،
وذلك يتيح المجال لوسم جميع ما ذكروه بهذا
الميسم، أي أنه تصوير للعرف في مكان أوزمان
معين، وأنه لا ضير في الانعتاق عن تلك القيود
إذا كان العرف قد تغير، أما فيما كانت العلة في
الاجتزاء برؤية بعضه مستمدة من العقل أو
الوضع اللغوي، فذلك باق لبقاء عوامل
اعتباره. (١)
شرائط قيام خيار الرؤية :
أ - كون المحل المعقود عليه عينا:
١٢ - المراد بالعين ما ينعقد العقد على عينه،
لا على مثله، وهو مقابل الدين (بمعنى ما يعين
بالوصف ويثبت في الذمة). قال ابن الهمام:
لا يتصور في النقد وسائر الدیون خيار رؤية،
= قيام الخيار وهو في ذلك كالبصير، ومثل الأعمى فاقد
شيء من الحواس الأخرى (البدائع ٢٩٢/٥).
(١) انظر الهداية، وشرحها العناية ١٤٣/٥، وفتح القدير
١٤٣/٥، والفتاوى الهندية ٦٢/٣
لأن العقد ينعقد على مثلها لا على عينها.
حتى لوباعه هذا الدينار بهذه الدراهم،
لصاحب الدینار أن يدفع غيره، وكذا لصاحب
الدراهم. بخلاف الأواني والحلي.
والوجه فيه أن المعقود علیه إذا کان مما
لا یتعین بالتعیین لا ینفسخ العقد برده، لأنه إذا
لم يتعين للعقد لا يتعين للفسخ فيبقى العقد،
وقيام العقد يقتضي ثبوت حق المطالبة بمثله،
فإذا قبض يرده هكذا إلى ما لا نهاية له، فلم
يكن الرد مفيدا، لأن العقد إنما يرد على المملوك
بالعقد، وما لا يتعين بالتعيين لا يملك بالعقد
وإنما يملك بالقبض فلا يرد عليه الفسخ . (١)
وكذلك لا حاجة لخيار الرؤية في غير الأعيان
لأن المقصود من البيع تحقيق الرضا، ورضاه في
بيع الدين موكول بالوصف، فإذا تحقق الوصف
حصل الرضا وانتفى ما يقتضي ثبوت الخيار. (٢)
فيشترط لثبوت خيار الرؤية أن يكون محل
العقد (المبيع مثلا) من الأعيان (أي الأموال
العينية) وهى ما تتعين بالتعيين ولا يحق لدافعها
تبديلها . (٣)
(١) فتح القدير ٣٦٧/٥ و١٣٩، ورد المحتار ٦٣/٤، والعناية
١٤٠/٥
(٢) فتح القدير ٣٦٧/٥
(٣) فتح القدير ٣٦٧/٥، البدائع ٣٩٢/٥
- ٦٨ -

خيار الرؤية ١٢ - ١٤
ومثال الأعيان: الأراضي والدواب وكل ما لم
یکن من المثلیات.
أما المثلیات فبعضها أعیان وبعضها دیون،
بحسب تعيين العاقد لها، فإذا عقد علی مکیل
أو موزون معين بالإشارة أو أية وسيلة تجعل
العقد ینصب علیها دون أمثالها فهي حينئذ
عين، ويثبت فيها خيار الرؤية، أما إذا قال:
بعتك كذا من الحنطة، وبین أوصافها، فهي قد
ثبتت في الذمة ولم تقع على معين، بالرغم من
كونها عنده لكنه لم يعينها للعقد. وعلى هذا قال
قاضیخان في فتاویه: ((المکیل والموزون إذا كان
عينا فهو بمنزلة سائر الأعيان، وكذا التبرمن
الذهب والفضة والأواني، ولا يثبت خيار الرؤية
فيما ملك دينا في الذمة كالسلم (أي المسلم
فیه)، والدراهم والدنانیر عینا كان أو دینا،
والمكيل والموزون إذا لم يكن معينا فهو بمنزلة
الدراهم والدنانير)). (١)
قال ابن الهمام: ومنه - أي الأعيان - بيع إناء
من فضة أو ذهب لأنه ليس من الأثمان
الخالصة. وكذا رأس مال السلم إذا كان عينا.
يثبت فيه خيار الرؤية للمسلم إليه، أما الدراهم
والدنانير فقد تمحضت ديونا فهي لا تقبل
التعيين. (٢)
(١) فتاوى قاضيخان، بهامش الهندية ١٨٧/٢
(٢) فتح القدير ٨٣/٥ و١٣٩، ورد المحتار ٢٢/٤ و ٦٣
ب - كون المعقود عليه في عقد يقبل الفسخ: أي
ینفسخ بالرد :
١٣ - وذلك كالبيع، فإذا رد المبيع انفسخ
العقد، وكالإِجارة - إذا رد العين المأجورة -
والصلح عن دعوى المال برد المال المصالح عنه،
والقسمة برد النصيب، فإن هذه العقود تنفسخ
برد محلها فيثبت فيها خيار الرؤية، أما مثل المهر
في عقد النكاح، أو البدل في الخلع، وبدل
الصلح في عقد الصلح عن دم العمد ونحوها،
فإن تلك العقود المشتملة عليها لا تنفسخ برد
هذه الأموال بالرغم من أنها أعيان.
ذلك أن الرد لما لم يوجب الانفساخ بقي
العقد قائما، وقيامه یوجب المطالبة بالعین لا بما
يقابلها من القيمة . فلو كان له أن يرده كان له أن
یرده أبدا. إذ کلما آلت إليه عين بديلة ثبت فيها
خيار رؤية وردّ وهكذا، فلابد من أن يكون
العقد مما ینفسخ بالرد ليكون لثبوت خيار الرؤية
فیه جدوی. (١)
ج - عدم الرؤية عند العقد، أو قبله، مع عدم
التغير:
١٤ - سبب ثبوت الخيار أن الرؤية السابقة تمنع
ثبوت الخيار إذا توفر فيها أمران، أحدهما: عدم
التغير، فبالتغير يصير شيئا آخر فيكون مشتريا
شيئا لم يره.
(١) فتح القدير ٥/ ١٤٠، وعنه رد المحتار ٦٣/٤
- ٦٩ -

و
5
خيار الرؤية ١٤ - ١٦
والأمر الثاني : لابد أن يكون عالما وقت
العقد أن ما يعقد عليه هو مرئيه السابق، فلولم
یعلم به کأن رأی ثوبا ثم اشتراه ملفوفا بساتر
وهو لا يعلم أنه ذلك الذي رآه فله الخيار. لعدم
ما یوجب الحكم عليه بالرضا.
وسواء في الرؤية أن تكون للمعقود عليه
كله، أو لنموذج منه، أو الجزء الدال على
الكل.
واشترط بعضهم في الرؤية السابقة أن
تحصل مع قصد الشراء حينئذ، فلورآه لا لقصد
الشراء ثم اشتراه يثبت له الخيار عند هؤلاء.
وهذا القيد جاء في الفتاوى الظهيرية وجامع
الفصولين مصدرا بلفظ ((قيل)) - وهي صيغة
تمريض - لكن ابن نجيم في البحر قال عقبه:
((ووجهه ظاهر، لأنه لا يتأمل التأمل المفيد)» ثم
قال الحصكفي صاحب الدر المختار: ((ولقوة
مدركه عولنا عليه)) غير أن ذلك لم يرق للخير
الرملي والمقدسي، كما ذكر ابن عابدين، بحجة
أنه خلاف الظاهر من الرواية، وأنه مناف
لإطلاقاتهم. (١)
واعتبار عدم رؤية المعقود عليه شرطا لقيام
الخیار، هو ما جری علیه الكاساني - وهو شدید
الوضوح في ظاهره - لكن الكمال بن الهمام عبارة
(١) فتح القدير ٥٤٤/٤، ورد المحتار ٦٩/٤، البدائع
٢٩٢/٥
توهم خلافه وهي قوله في تحليل لفظ: (خيار
الرؤية): الإِضافة من قبيل إضافة الشيء إلى
شرطه، لأن الرؤية شرط ثبوت الخيار، وعدم
الرؤية هو السبب لثبوت الخيار عند الرؤية. فهو
قد اعتبر الرؤية شرطا، وعند الكاساني الشرط
عكسه: عدم الرؤية . (١)
د - رؤية المعقود عليه، أو ما هو بمنزلتها بعد
العقد :
١٥ - أشار ابن الهمام إلى أن الرؤية شرط ثبوت
الخيار كما رأينا، ومن لم ينص على ذلك في عداد
الشروط اكتفى بالبيان الصريح بأن وقت ثبوته
هو وقت الرؤية. (٢) قال ابن عابدين: الرؤية
بعد الشراء شرط ثبوت الخيار. (٣)
من يثبت له الخيار :
١٦ - هناك اتجاهات للفقهاء فيمن يثبت له
الخيار.
الاتجاه الأول: أنه للمشتري فقط ، ولیس
للبائع خیار الرؤیة فیما باعه ولم يره، کمن ورث
شيئا من الأعيان في بلد بعید فباعه قبل رؤيته،
(١) فتح القدير ١٣٧/٥، ورد المحتار ٦٣/٤، والبدائع
٢٩٢/٥
(٢) كالكاساني فقد قصر الشرائط على اثنتين: هما الأولى
والثانية، ثم استغنى عن الثالثة بالتبويب لها بعنوان (بيان
وقت ثبوت الخيار) البدائع ٢٩٥/٥
(٣) رد المحتار ٦٣/٤ و٦٦، وفتح القدير ١٣٧/٥.
- ٧٠ -

خيار الرؤية ١٧
وهو ما استقر عليه مذهب الحنفية، وهذا اخر
القولين عن أبي حنيفة، فقد كان يقول أولا
بثبوته للبائع أيضا ثم رجع وقال: العقد في حق
البائع لازم، والخيار للمشتري فقط. واستدلوا
بنص الحديث المثبت لخيار الرؤية، وقالوا: إن
عدم الخيار ولزوم العقد هو الأصل.
وفي بيع المقايضة يثبت خيار الرؤية
للطرفین، لأن كليهما يعتبر مشتريا. (١)
الاتجاه الثاني: يثبت خيار الرؤية للبائع
أيضا، وهو القول المرجوع عنه لأبي حنيفة،
والقول القديم للشافعي، ورواية مرجوحة عن
أحمد، وذلك على افتراض الأخذ بالخيار عند
الشافعية والحنابلة، وقد صححوا عدم الأخذ
به. (٢)
العقود التي يثبت فيها خيار الرؤية :
١٧ - يثبت خيار الرؤية في عقد البيع، والمراد به
هنا الشراء، لأن الخيار يثبت فيه للمشتري
وحده دون البائع والعقد من وجهته شراء.
أما في (عقد السلم) فإذا كان رأس مال
السلم عینا یثبت خيار الرؤية فیه للمسلم إليه.
ولا يثبت في رأس مال السلم إن كان دينا كما
(١) البدائع ٢٩٢/٥، المبسوط ١٣/ ٧١، الفتاوى الهندية
٥٨/٣، وفتح القدير ١٤٠/٥
(٢) فتح القدير ١٤٠/٥، والمجموع ٣٢٢/٩، والمغني
٤٩٦/٣ م٢٧٧٣
لا يثبت في المسلم فيه بتاتا، لأن شرطه
الأساسي أن يكون من الديون.
ولا مدخل لخيار الرؤية في الصرف عند
الحنفية لأنه بیع دین بدين. (١)
ويثبت خيار الرؤية في الاستصناع
للمستصنع المشتري، ولو أتى به الصانع على
الصفة المشروطة، لأنه غير لازم في حقه ولا
يثبت للصانع إذا أراه المستصنع ورضي به في
ظاهر الرواية، وروي عن أبي حنيفة الخيار لهما،
وروي عن أبي یوسف لزومه في حقهما .(٢)
أما الصانع فليس له خيار الرؤية في ظاهر
الرواية .
وكذلك في عقد الإِجارة لا يثبت إلا في إجارة
الأعيان، کإجارة دار بعینها، أو سيارة بذاتها،
إذا كان المستأجر قد عقد الإجارة دون أن يرى
المأجور.
وفي عقد القسمة يثبت في قسمة غير
المثليات، أي في نوعين فقط من الأنواع الثلاثة
للمال المقسوم، هما قسمة الأجناس المختلفة
جزما، وقسمة القيميات المتحدة الجنس
كالثياب من نوع واحد، أو البقر والغنم، أما في
قسمة المثليات المتحدة الجنس كالمكيلات.
(١) البدائع ٢٠٩/٥ - ٢١٠، والبحر الرائق ٢٦/٦ -٢٨،
جامع الفصولین ٣٣٤/١
(٢) فتح القدير ١٣٩/٥ و٥٣٣، البدائع ٢١٠/٥، ٢٩٢،
ورد المحتار ٤ / ٦٣، ٩٣
- ٧١ -

خیار الرؤية ١٨ - ٢٠
٠
والموزونات، فلا يثبت خيار الرؤية فيها، لأنها
مما لا تتعين بالتعيين.
وهذا إذا كان أحد المقتسمین لم یر نصيبه عند
· القسمة .
وفي عقد الصلح على ما سبق.
وقت ثبوت الخيار :
١٨ - وقت ثبوت خيار الرؤية هو وقت الرؤية،
لا قبلها. ولذا لو أمضى العقد قبل رؤية المعقود
عليه ورضي به صريحا بأن قال: أجزت أو
رضیت أوما یجری هذا المجری، ثم رآه کان له
أن يرده بخيار الرؤية. لأن النص أثبت الخيار
بعد الرؤية فلوثبت له حق الإِجازة قبلها وأجاز لم
يثبت له الخيار بعدها، وهذا خلاف النص،
ولأن المعقود عليه قبل الرؤية مجهول الوصف.
والرضا بالشيء قبل العلم به وبوجود سببه
محال، فكان ملحقا بالعدم. (١)
ولهذا لم يصح إسقاط الخيار قبل الرؤية أو
التنازل عنه بقوله: رضيت المبيع أو أمضيت
العقد، لأنه لا يصح إسقاط الخيار قبل ثبوته
بالرؤية، وإسقاط الشيء فرع لثبوته، فلا
يمكن الإسقاط قبل الثبوت. فلو أسقط
المشتري خياره قبل الرؤية لم يسقط ، وظل له
(١) فتح القدير ١٣٩/٥، البدائع ٢٩٦/٥، المعاملات
الشرعية للشيخ أحمد إبراهيم ص ١١٠، ومختصر المعاملات
الشرعية للشيخ علي الخفيف ص١٥٢
حق ممارسته عند الرؤية. قال السرخسي : إن في
الرضا قبل الرؤية هنا إبطال حکم ثبت بالنص
وهو الخيار للمشتري عند الرؤية . (١)
إمكان الفسخ قبل الرؤية :
١٩ - قول الحنفية بإمكان الفسخ قبل الرؤية
ليس بناء على الخيار - لعدم ثبوته قبل الرؤية -
بل لما في العقد من صفة عدم اللزوم للجهالة
المصاحبة له عند العقد، حیث اشتراه دون أن
يراه، فهو كالعقود الأخرى غير اللازمة،
ففسخه ممكن لهذا السبب، ثم إذا رآه ثبت له
خيار الرؤية، فكان سببا آخر للفسخ ولا مانع
من اجتماع الأسباب على مسبب واحد.
أمد خيار الرؤية :
٢٠ - للفقهاء في بيان مدى الزمن الصالح للرضا
أو الفسخ بعد الرؤية اتجاهان:
الأول: على التراخي، فليس لخيار الرؤية
مدى محدود، بل هو مطلق غير مؤقت بمدة.
فهويبدأ بالرؤية ويبقى إلى أن يوجد ما يبطله -
ولو في جميع العمر - ولا يتوقت بإمكان الفسخ .
وهذا هو اختيار الكرخي من مشايخ الحنفية،
(١) فتح القدير والعناية ١٣٩/٥، المبسوط ٧١/١٣، البدائع
٢٩٧/٥
ويلحظ أن ابن الهمام حقق وجود الخلاف في صحة
الفسخ قبل الرؤية، وأنه لا رواية فيه عن الإمام، والخلاف
من مشايخ الحنفية.
- ٧٢ -

خیار الرؤية ٢١ - ٢٣
وهو الأصح والمختار كما قال ابن الهمام وابن نجیم
وغيرهما.
وذلك لأن النص مطلق، ولأن سبب خیار
الرؤية اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي
سببه .
الثاني: على الفور، فهو موقت بإمكان الفسخ
بعد الرؤية، حتى أنه لورآه وتمكن من الفسخ ولم
يفسخ سقط خياره بذلك ولزم العقد، وإن لم
يوجد منه تصريح بالرضا أو مسقط آخر للخيار
حيث يعتبر ذلك دلالة على الرضا. وهذا قول
لبعض فقهاء الحنفية. (١)
أثر الخيار في حكم العقد قبل الرؤية:
٢١ - حكم العقد قبل الرؤية حكم العقد الذي
لا خيار فيه، وهو ثبوت الحل للمشتري في المبيع
للحال، وثبوت الملك للبائع في الثمن للحال،
لأن ركن العقد في البيع، أو الإِجارة، أو
القسمة، أو الصلح صدر مطلقا عن شرطه.
وكان ينبغي أن يلزم العقد لولا أنه ثبت الخيار
(شرعا) احتياطا للمشتري، بخلاف خيار
الشرط، لأن الخيار ثمة ثبت بإرادة العاقدين فأثر
في ركن العقد بالمنع من الانعقاد في حق الحكم
تحقيقا لرغبة العاقد في تعليق العقد. (٢)
(١) البدائع ٢٩٥/٥، والفتح ١٣٩/٥، ورد المحتار
٤/ ٦٥، والهندية ٥٨/٣ منقولا عن البحر.
(٢) البدائع ٢٩٢/٥
هذا على القول بصحة الفسخ قبل الرؤية،
فالعقد غير لازم عند هؤلاء، أما من منع
الفسخ فهويرى أن العقد بات، فلا يلحقه فسخ
ولا إجازة إلى أن تحصل الرؤية، وقد مال ابن
الهمام إلى هذا. (١)
أثر الخيار على حكم العقد بعد الرؤية:
٢٢ - منذ قيام خيار الرؤية (بتحقق شرطه، وهو
الرؤية) يغدو العقد غير لازم بالاتفاق ، ولكن
لا یترتب عليه أي أثر في حکم العقد، فلا یمنع
انتقال الملك في البدلين، لأن سبب العقد قد
وجد خاليا من تعليق حكم العقد، فيظل أثره
کاملا كانتقال الملك وغيره.
وقد خالف في هذا المالكية، فذهبوا إلى أن
الملك مع خيار الرؤية لا ينتقل لعدم استقرار
العقد باحتمال الفسخ، والملك إنما هو في العقد
المستقر. ولا يخفى أن استقرار العقد لا يعوق
ترتب الحکم، وإنما ينشأ عنه تمكن صاحب
الخيار من رفع العقد بالفسخ. (٢)
سقوط الخيار :
٢٣ - يسقط خيار الرؤية بالأمور التالية ، سواء
حصلت قبل الرؤية أو بعدها:
أ - التصرفات في المبيع بما يوجب حقا للغير، كما
(١) فتح القدير ١٣٩/٥
(٢) فتح القدير ٥/ ١٣٩، البدائع ٢٩٢/٥، المجموع
٢٩٩/٩، الخرشي ٣٤/٥
- ٧٣ -
٤

خيار الرؤية ٢٣
لوباع الشيء الذي اشتراه ولم يره لشخص آخر
بیعا لا خیار فیه، أو رهنه، أو آجره، أو وهبه مع
التسليم، لأن هذه التصرفات لا تكون إلا مع
الملك، وملك صاحب الخیار ثابت فيها،
فصادفت المحل ونفذت، وبعد نفوذها لا تقبل
الفسخ والرفع، فبطل الخيار ضرورة، كما أن
إبطالها فيه ضياع لحقوق الغير التي ترتبت لهم
بهذه التصرفات، ففسخ البيع أولى من إبطال
(١)
حقوقهم . (١)
ويستثنى من ذلك ما لا يوجب حقا للغير
كالبيع بشرط الخيار للبائع، أو المساومة بقصد
العرض على البيع، أو الهبة من غير تسليم،
لأن ذلك لا يربو على صريح الرضا، وهو
لا يبطله قبل الرؤية. ثم إن التصرف الذي
تعلق فیه حق الغیرلوعاد إلی ملکه برد
قضائي، أوبفك الرهن، أو فسخ الإِجارة قبل
الرؤية ثم رآه فله الخيار. (٢)
ب- تغیر المبيع بغیر فعله:
حصول التغير إما بطروء الزيادة عليه مطلقا
(المنفصلة أو المتصلة، المتولدة أو غيرها) على أن
تكون مانعة للرد، وإما بالنقص والتعيب - في
(١) البدائع ٢٩٥/٥، فتح القدير ١٤١/٥، ١٤٩، رد المحتار
٧٢/٤
(٢) فتح القدير ٢٤٢/٥
قول أبي حنيفة - والنقص المراد هنا هوما يحصل
بآفة سماوية، أو بفعل أجنبي، أو بفعل البائع
على التفصيل المذكور في خياري الشرط
والعیب، كما ذكر الكاساني. (١)
ج - تعیب المبيع في يد المشتري:
لأنه بالتعيب لا يمكن إرجاع المبيع إلى
البائع كما استلمه المشتري، والفسخ يكون
بالحالة التي كان عليها المبيع عند العقد وقد
استلمه سليما فلا يرده معيبا، ولذا يسقط الخيار.
د - إجازة أحد الشريكين فيها اشترياه ولم يرياه
دون صاحبه، وذلك عند أبي حنيفة، حذرا من
تفريق الصفقة على البائع، كما مر في خيار
العيب.
هـ ـ الموت: واعتباره مسقطا موضع خلاف.
وسیأتي تفصيله. (٢)
حكم صريح الإِسقاط في خيار الرؤية :
ذكر الكاساني أن الأصل أن كل ما يبطل
خيار الشرط والعيب يبطل خيار الرؤية، إلا أن
خيار الشرط والعيب يسقط بصريح الإِسقاط،
وخيار الرؤية لا يسقط بصريح الإِسقاط لا قبل
(١) البدائع ٢٩٦/٥
(٢) فتح القدير ١٥٩/٥، والعناية شرح الهداية ١٥٩/٥،
١٦٠، والبدائع ٢٩٦/٥
- ٧٤ -

خيار الرؤية ٢٤ - ٢٧
الرؤية ولا بعدها، لأن خيار الرؤية ثبت شرعا
حقا لله تعالى فلا يسقط بإسقاط العبد، وأما
خيار الشرط والعيب فقد ثبتا بالاشتراط حقيقة،
أو دلالة، وما ثبت حقا للعبد يحتمل السقوط
بإسقاطه مقصودا، لأن الإِنسان يملك التصرف
في حق نفسه مقصودا، استيفاء وإسقاطا، فأما
ما ثبت حقا لله فالعبد لا يملك التصرف فيه
إسقاطا مقصودا، لأنه لا يملك التصرف في حق
غيره مقصودا، لكنه يحتمل السقوط بطريق
الضرورة، بأن يتصرف في حق نفسه، ويتضمن
ذلك سقوط حق الشرع، فيسقط حق الشرع في
ضمن التصرف في حق نفسه. (١)
انتهاء الخيار :
٢٤ - ينتهي الخيار بإجازة العقد إجازة قولية أو
فعلية، والإِجازة القولية هي الرضا بالعقد،
صراحة أوبما يجري مجراها. أما الإِجازة الفعلية
فتكون بطريق الدلالة، بأن يوجد من المشتري
تصرف يدل على الرضا. أما الفسخ فمنه
اختياري، ومنه ضروري دون إرادة العاقد.
انتهاؤه بالإجازة :
الإِجازة الصريحة أو بما يجري مجراها:
٢٥ - تتم الإِجازة الصريحة بالتعبير عن الرضا،
(١) البدائع ٢٨٢/٥ و٢٩٧ لخيار العيب، و٢٦٧ لخيار
الشرط.
وهو بكل عبارة تفيد إمضاء العقد، أو اختياره،
مثل: أجزته، أو رضیته، أو اخترته. وفي معنی
الرضا الصريح ما شابهه وجرى مجراه سواء أعلم
البائع بالإِجازة أم لا، لأن الأصل في البيع
المطلق اللزوم . (١)
الإِجازة بطريق الدلالة :
٢٦ - هي أن يوجد من المشتري تصرف في المبيع
بعد الرؤية يدل على الرضا، ومن هذه
التصرفات القبض بعد الرؤية .
والتصرف في المبيع تصرف الملاك بأن كان
ثوبا فقطعه، أو أرضا فبنى عليها، لأن إقدامه
على هذه التصرفات دليل الرضا، ولولا هذا
التقدير لكان متصرفا في ملك الغیروهو حرام،
فجعل ذلك إجازة، صيانة له عن ارتكابه. (٢)
انتهاء الخيار بالفسخ
٢٧ - الفسخ إما إن يكون اختياريا، أو
ضروريا، كما ذكر الكاساني، وصورة الفسخ
الاختياري (الذي ينتهي به الخيار تبعا) هي أن
يقول: فسخت العقد، أو نقضته، أورددته،
وما يجري هذا المجرى.
وأما الفسخ الضروري فله صورة واحدة
(١) البدائع ٢٩٥/٥، ٢٩٦، والهداية وفتح القدير ١٤٥/٥
(٢) فتح القدير ١٤١/٥، العناية ٥/ ١٤١، البدائع ٢٩٦/٥
- ٧٥ -

خيار الرؤية ٢٨ - ٢٩، خيار الرجوع
ذكرها الكاساني، وهي أن يهلك المبيع قبل
القبض، فينفسخ العقد ضرورة، وينتهي معه
خيار الرؤية لذهاب المجل. (١).
شرائط الفسخ :
٢٨ - يشترط للفسخ ما يأتي:
أ - قيام الخيار، لأن الخيار إذا سقط بأحد
المسقطات لزم العقد، والعقد اللازم لا يحتمل
الفسخ .
ب - أن لا يتضمن الفسخ تفريق الصفقة على
البائع، فإن رد بعض المبيع دون بعضه لم يصح .
وكذا إذا رد البعض وأجاز البيع في البعض لم
يجز. سواء كان قبل قبضه المعقود عليه أو بعده،
لأن خيار الرؤية يمنع تمام الصفقة، ففي بقاء
خيار الرؤية في البعض تفريق للصفقة على
البائع قبل تمامها وهو باطل . (٢)
وذلك منسجم مع كونه عندهم لمطلق التروي،
لا لتحاشي الضرر أو الخلف في الوصف،
وغايته أن ينظر المشتري أيصلح له أم لا، ومع
اعتبارهم إياه خيارا حكميا من جهة الثبوت
فقد قالوا إنه مرتبط بالإِرادة من حيث
الاستعمال. (١)
خيار الرجوع
انظر: بيع
ج - علم البائع بالفسخ، عند أبي حنيفة
ومحمد. وقال أبو يوسف: ليس بشرط، وقد
توسع الكاساني في دلائل هذا الخلاف.
انتقال خيار الرؤية :
٢٩ - خيار الرؤية عند الحنفية لا ينتقل بالموت،
(١) البدائع ٢٩٨/٥، فتح القدير ١٤١/٥
(٢) البدائع ٢٩٨/٥، ٢٩٩، فتح القدير ١٤٠/٥، الفتاوى
الهندية ٣ / ٦٠ نقلا عن البحر، المبسوط ١٣ / ٧٤
(١) البدائع ٢٩٦/٥، وبالتوسع أيضا في خيار الشرط
٢٦٨/٥
- ٧٦ -

خيار الشرط ١ - ٣
خيار الشرط
التعريف :
١ - الخيار في اللغة: اسم مصدر من الاختيار،
ومعناه طلب خير الأمرين، أو الأمور. (١)
أما (الشرط) - بسكون الراء - فمعناه
اللغوي: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه،
والجمع شروط، وبفتحها: العلامة، والجمع
أشراط، والاشتراط: العلامة يجعلها الناس
بینهم . (٢)
٢ - أما في الاصطلاح فقد قال ابن عابدين:
((إن خيار الشرط مركب إضافي صار علما في
اصطلاح الفقهاء على: ما يثبت (بالاشتراط)
لأحدٍ المتعاقدين من الاختيار بين الإِمضاء
والفسخ ... ))(٣)
وقد عرّفه من المالكية (ابن عرفة) - بملاحظة
(١) لسان العرب مادة: ((خير))، والمصباح أيضا.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٣/ ٢٦٠، لسان العرب مادة:
«شرط)).
(٣) رد المحتار ٤ /٤٧
الكلام عن (بيع الخيار) - بقوله: (بيع وقف بتّه
أولا على إمضاء يتوقع).
واحترز بعبارة وقف بتّه عن بيع البت، وهو
ما ليس فيه خیار.
كما ذكروا أن قيد (أولا) لإخراج خيار العيب
ونحوه (خيارات النقيصة) لأن أمثال هذا الخيار
لم تتوقف أولا ، بل آل أمرها إلى الخيار، أي لأن
التخيير فيها يثبت فيما بعد، حين ظهور
العیب.(١)
٣ - ولخيار الشرط أسماء أخرى دعاه بها بعض
المصنفین، منها:
أ - الخيار الشرطي (بالوصفية لا بالإِضافة)
والسبب في هذه التسمية ظاهر، والغرض من
وصفه بالشرطي تمييزه عن الخيار (الحكمي)
الذي يثبت بحكم الشرع دون الحاجة إلى
اشتراط، کخیار العیب.
وهذه التسمية متداولة كثيرا عند المالكية . (٢)
ب-خيار التروي، لأنه شرع للتروي وهو
النظر والتفكر في الأمر والتبصر فيه قبل إبرامه.
وهذه التسمية يستعملها الشافعية أكثر من
غیرهم.(٣)
ج - بيع الخيار، وهذا الاسم واقع على العقد
(١) حدود ابن عرفة، شرح ابن سودة على تحفة ابن عاصم
٣٥/١، وشرح الخرشي لمختصر خليل ١٩/٤
(٢) حاشية الدسوقي ٣/ ٩١
(٣) نهاية المحتاج ٣/٤
- ٧٧ -

خيار الشرط ٤
الذي اقترن بخيار الشرط، ویعبر به أصحاب
المذاهب كلهم وبخاصة المالكية . (١)
مشروعيته :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى الأخذ بخيار
الشرط واعتباره مشروعا لا ينافي العقد.
واستدلوا بالسنة والإجماع .
فأما السنة: فاستدلوا بما رواه الدارقطني عن
محمد بن إسحاق، قال: أخبرنا نافع، أن
عبدالله بن عمر حدثه أن رجلا من الأنصار كان
بلسانه لوثة، وكان لا يزال يغبن في البيوع،
فأتى رسول الله ﴿ فذكر ذلك له، فقال: ((إذا
بعت فقل: لا خلابة، مرتين)).
وقال محمد بن إسحاق: وحدثني محمد بن
یحیی بن حبان قال: هو جدي منقذ بن عمرو،
وكان رجلا قد أصابته آمّة في رأسه، فكسرت
لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة
ولا يزال يغبن، فأتى رسول الله ﴿ فذكر له
ذلك، فقال: ((إذا بعت فقل: لا خلابة، ثم
أنت في کل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال،
فإن رضیت فأمسك، وإن سخطت فارددها
على صاحبها)). وقد كان عمّر طويلا، عاش
ثلاثین ومائة سنة، وکان في زمن عثمان بن عفان
رضي الله عنه حین فشا الناس وکثروا، يتبايع
البيع في السوق ويرجع به إلى أهله وقد غبن
غبنا قبيحا، فيلومونه ويقولون: لم تبتاع؟
فيقول: أنا بالخيار إن رضيت أخذت، وإن
سخطت رددت، قد كان رسول الله ◌َدليل جعلني
بالخيار ثلاثا، فيرد السلعة على صاحبها من
الغد وبعد الغد فيقول: والله لا أقبلها، قد
أخذت سلعتي وأعطيتني دراهم، قال يقول: إن
رسول اللهټ﴾ قد جعلني بالخيار ثلاثا. فكان يمر
الرجل من أصحاب رسول الله صل﴾ فيقول
للتاجر: ويحك إنه قد صدق، إن رسول الله ◌َآچيل
قد كان جعله بالخيار ثلاثا . (١)
واحتج بعضهم بإحدى روايات حديث
((المتبايعان كل منهما بالخيار على صاحبه ما لم
يتفرقا)) التي فيها قوله عليه الصلاة والسلام:
((إلا بيع الخيار) وفي رواية: ((إلا صفقة
خيار)). (٢) فحمل هؤلاء ذلك الاستثناء على
حالة اشتراط الخيار، وقالوا في معناه: هوخيار
كل من المتعاقدين في الإِقدام على العقد، أو
(١) حديث: ابن عمر: ((إذا بعت فقل لا خلابة ... )).
أخرجه الدارقطني (٥٦/٣ - ط دار المحاسن) هكذا مطولا
وإسناده حسن. وأخرج البخاري (الفتح ٣٣٧/٤ - ط
السلفية) ذكر أمر النبي للرجل أن يقول: لا خلابة.
(٢) ((المتبایعان بالخيار)) أخرجه البخاري (الفتح ٣٢٨/٤ - ط
السلفية) من حديث عبدالله بن عمر، وفي روايته: ((إلا بيع
الخيار)) ومسلم (١١٦٣/٣ - ط الحلبي). وأخرجه الترمذي
(٥٤١/٣ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمرو، وفي
روايته «إلا أن تكون صفقة خيار)).
(١) بداية المجتهد ٢ / ١٧٤
- ٧٨ -

خيار الشرط ٥
الإِحجام عنه قبل التفرق، فيمكن أن يمتد
فيكون له الخيار أطول من تلك الفترة إذا كان
البیع مشترطا فیه خیار. (١)
وأما الإِجماع: فاستدل به لخيار الشرط
كثيرون، قال النووي: ((وقد نقلوا فيه الإِجماع))
وقال في موضع آخر: ((وهو جائز بالإجماع)). لكنه
أشار في موضع ثالث إلى أن صحته المجمع
عليها هي فيما ((إذا كانت مدته معلومة)).
وقال ابن الهمام: ((وشرط الخيار مجمع
علیه)). (٢)
صيغة الخيار :
٥ - لا يتطلب ثبوت الخيار التعبير بصيغة معينة،
فکما يحصل بلفظ اشتراط (الخيار) يحصل بكل
لفظ يدل على ذلك المراد، مثل لفظ (الرضا) أو
(المشيئة) بل يثبت ولو لم يتضمن الكلام لفظ
الخيار أوما هو بمعناه، فيما إذا ورد عند التعاقد
أو بعده ما هو كناية عن الخیار، کما يؤخذ من
الفتاوى الهندية حيث جاء فيها: ((إذا باع من
آخر ثوبا بعشرة دراهم، ثم إن البائع قال
للمشتري: لي عليك الثوب أو عشرة دراهم
(١) الفواكه الدواني ٢/ ١٢٤ والدرر البهية للشوكاني وشرح
صديق حسن خان ٢/ ١٢٢
(٢) فتح القدير شرح الهداية ١١١/٥، والمجموع شرح
المهذب، للنووي ٩/ ١٩٠ و٢٢٥
(وقبل المشتري بذلك) قال محمد: هذا عندنا
خيار، كذا في المحيط)). وذكر ابن نجيم نقلا
عن المعراج أنه لو قال البائع: خذه وانظر إليه
اليوم فإن رضيته أخذته بكذا، فهو خيار. ونقل
عن الذخيرة مثل هذا الاعتبار فيما لوقال: هو
بیع لك إن شئت اليوم.
ومن ذلك اشتراط الخيار في الثمن، أو المبيع
بدلا عن اشتراطه في العقد، فيكون بمثابة
اشتراطه فيه، فقد نصوا على أنه لوقال
المشتري على أني بالخيار في الثمن أو في المبيع
فهو كقوله: على أني بالخيار (في العقد).
ومن ذلك: التواطؤ على ألفاظ أو تعابير
بأنها یتولد عنها الخيار، سواء كان ارتباط هذه
التعابير بنشوء الخيار منبعثا عن الاستعمال
الشرعي مباشرة أو العرف. فمما اعتبر من
الألفاظ المتواطأ على أنها يراد بها الخيار، تبعا
للاستعمال الشرعي، عبارة ((لا خلابة)) شريطة
علم العاقدين بمعناها . (١)
قال النووي : اشتهر في الشرع أن قوله :
((لا خلابة)) عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام،
فإذا أطلق المتعاقدان هذه اللفظة، وهما عالمان
بمعناها کان کالتصریح بالاشتراط، وإن کانا
جاهلين لم يثبت الخيار قطعا، فإن علمه البائع
دون المشتري فوجهان مشهوران، حکاهما
(١) الفتاوى الهندية ٣٩/٣، ٤٠
- ٧٩ -

خيار الشرط ٥ - ٧
المتولي وابن القطان وآخرون (أصحهما)
لا یثبت، (والوجه الثاني) یثبت، وهذا شاذ
ضعيف، بل غلط، لأن معظم الناس
لا يعرفون ذلك والمشتري غیر عارف به.(١)
ومن ذلك العقد مع شرط الاستثمار خلال
وقت محدد، كما لوقال: بعتك على أن أستأمر
فلانا، وحدد لذلك وقتا معلوما، فهو خيار
صحيح لدى الحنابلة. وقالوا: إن له الفسخ قبل
أن يستأمره ((لأنا جعلنا ذلك كناية عن الخيار))
واختلف الشافعية في جواز الفسخ قبل
الاستثمار، والأصح عندهم أنه ليس له ذلك قبل
أن یستأمره. (٢)
هذا إذا ضبط شرط الاستثمار بمدة معلومة،
أما إذا لم يضبط، فالشافعية يرون في الأصح أنه
غیر سائغ. أما الحنابلة فحكمه عندهم حكم
الخيار المجهول، لا يصح على الراجح. (٣)
وذهب المالكية إلى أن العادة تقوم مقام
التصريح بالخيار. قال الزرقاني من المالكية: ((لو
جرت العادة باشتراطه (أي خيار الشرط) كان
خيارا، لأنها - أي العادة - كالشرط صراحة)).
فإذا تعارف الناس على ثبوت الخيار في بيع
(١) البحر الرائق ٦/ ٦، والمجموع شرح المهذب ١٩٢/٩
(٢) المغني لابن قدامة ٥٢٦/٣ الشرح الكبير على المقنع
١٠٢/٤ والمجموع شرح المهذب ٩/ ٢١٠ و٢١٢ - ٢١٣
(٣) المغني ٥٢٦/٥ والمجموع ٢١٣/٩
سلعة من السلع ثبت الخيار فيها بلا شرط. (١)
ومن المقرر أن الأخرس تقوم إشارته مقام
الصيغة، فإن لم تفهم إشارته أوجن أو أغمي
عليه، قام وليه من أب أو وصي أو حاكم
مقامه . (٢)
شرائط قيام الخيار :
٦ - لا يقوم خيار الشرط بمجرد حدوث
الاشتراط في العقد، بل لابد من وجود الشرائط
الشرعية له، فإذا اكتملت تلك الشرائط غدا
خيار الشرط قائها مرعي الاعتبار، وإذا اختل
شيء منها اعتبر العقد لازما بالرغم من اشتراط
الخيار في العقد. غير أن تلك الشرائط ليست
موضع اتفاق بين المذاهب، فهي متفاوتة العدد
بین مذهب وآخر، وفیما یأتي بيانها:
أولا : شريطة المقارنة للعقد :
٧ - المراد من المقارنة للعقد أن يحصل اشتراط
الخيار مع انعقاد العقد أو لاحقا به، لا أن يسبق
الاشتراط العقد. فلا يصح اشتراط الخيار قبل
إجراء العقد، إذ الخيار كالصفة للعقد فلا يذكر
قبل الموصوف. وبيان الصورة المحترز منها
(١) حاشية العراقي على ابن سودة شرح منظومة الأحكام
٣٥/١ والمدخل إلى الفقه الإسلامي للدكتور مصطفى
شلبي ٤٧١
(٢) المغني ٣/ ٥٠٧
- ٨٠ -