النص المفهرس

صفحات 201-220

خطبة ٣٢ - ٣٤
ويتقيد في ذلك بقدر الحاجة، ومن ثم لو اكتفى
بنظرة حرم ما زاد عليها، لأنه نظر أبيح لحاجة
فیتقید بها .
وسواء في ذلك - عند الشافعية - أخاف
الخاطب الفتنة أم لا .. كما قال إمام الحرمين
والروياني.
أما الحنابلة فقالوا: يكرر الخاطب النظر
ويتأمل المحاسن ولو بلا إذن، ولعله أولى، إن
أمن الشهوة أي ثورانها .(١)
مس ما ينظر :
٣٢ - لا يجوز للخاطب أن يمس وجه المخطوبة
ولا كفيها وإن أمن الشهوة، لما في المس من زيادة
المباشرة، ولوجود الحرمة وانعدام الضرورة
والبلوى. (٢)
الخلوة بالمخطوبة :
٣٣ - لا يجوز خلوة الخاطب بالمخطوبة للنظر
ولا لغيره لأنها محرمة ولم يرد الشرع بغير النظر
فبقيت على التحريم، ولأنه لا يؤمن من الخلوة
الوقوع في المحظور. (٣) فإن النبي وَ لّ قال: ((ألا
(١) رد المحتار ٢٣٧/٥، نهاية المحتاج ١٨٣/٦، كشاف
القناع ١٠/٥
(٢) رد المحتار ٢٣٧/٥، جواهر الإكليل ٢٧٥/١، أسنى
المطالب ١٠٩/٣
(٣) المغني ٦ / ٥٥٣
لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما
الشيطان)). (١)
إرسال من ينظر المخطوبة :
٣٤ - اتفق الفقهاء على أن للخاطب أن يرسل
امرأة لتنظر المخطوبة ثم تصفها له ولو بما لا يحل
له نظره من غير الوجه والكفين فيستفيد بالبعث
ما لا يستفيد بنظره، وهذا لمزيد الحاجة إليه
مستثنى من حرمة وصف امرأة لرجل، وقد روي
أن رسول الله ◌َ أرسل أم سليم تنظر إلى جارية
فقال: ((شمي عوارضها وانظري إلى
عرقوبها)). (٢)
والحنفية والشافعية يرون أن من يرسل للنظر
یمکن أن یکون امرأة أو نحوها ممن يحل له نظرها
رجلا كان أو امرأة کأخیھا، أو مسموح یباح له
النظر.
ویری المالكية أن للخاطب أن يرسل رجلا.
قال الحطاب: والظاهر جواز النظر إلى المخطوبة
على حسب ما للخاطب، وينزل منزلته ما لم
(١) حديث: ((ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما
الشيطان)). أخرجه الترمذي (٤٦٦/٤ - ط الحلبي) من
حديث عمربن الخطاب، وقال: ((حسن صحيح)).
(٢) حديث: ((بعث أم سليم إلى جارية)) أخرجه أحمد
(٢٣١/٣ - ط الميمنية) من حديث أنس بن مالك،
وصوب البيهقي إرساله كما في التلخيص لابن حجر
(١٤٧/٣ - ط شركة الطباعة الفنية).
- ٢٠١ -

خطبة ٣٥ - ٣٦
يخف مفسدة من النظر إليها. (١)
ما يفعله الخاطب إن لم تعجبه المخطوبة :
٣٥ - إذا نظر الخاطب إلى من يريد نكاحها فلم
تعجبه فليسكت، ولا يقل، لا أريدها، لأنه
إيذاء. (٢)
رابعا: ذكر عيوب الخاطب :
٣٦ - من استشير في خاطب أو مخطوبة فعليه أن
يذكر ما فيه من مساوىء شرعية أو عرفية
ولا يكون غيبة محرمة إذا قصد به النصيحة
والتحذير لا الإِيذاء، لقوله عليه لفاطمة بنت
قيس رضي الله تعالى عنها لما أخبرته أن معاوية
وأبا جهم رضي الله عنهما خطباها: ((أما
أبوجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما
معاوية فصعلوك لا مال له))(٣) ولقوله تعالى: ((إذا
استنصح أحدكم أخاه فلينصحه))، (٤) وعنه وَل
(١) رد المحتار ٢٣٧/٥، مواهب الجليل ٤٠٥/٣، نهاية
المحتاج ١٨٣/٦، أسنى المطالب ١٠٩/٣، كشاف القناع
١٠/٥، حاشية الدسوقي ٢١٥/٢
(٢) روضة الطالبين ٢١/٧
(٣) حديث فاطمة بنت قيس: أخرجه مسلم (٢/ ١١١٤ - ط
الحلبي).
(٤) حديث: ((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه)) أخرجه
أحمد (٤١٨/٣ - ٤١٩ - ط الميمنية) من حديث أبي زيد،
وأعله ابن حجر في التلخيص (٢٥٤/٣ - ط المكتب
الاسلامى) إلا أنه ذكر له شواهد تقويه .
أنه قال: ((المستشار مؤتمن))(١) وقال: ((الدين
النصيحة))، (٢) وقد روى الحاكم أن أخا لبلال
رضي الله تعالى عنه خطب امرأة فقالوا: إن
يحضر بلال زوجناك، فحضر، فقال: أنا بلال
وهذا أخي، وهو امرؤ سيّء الخلق والدين. قال
الحاکم : صحيح الإسناد.
ومن استشير في أمر نفسه في النكاح بيّنه،
کقوله: عندي شح، وخلقي شدید ونحوهما،
لعموم ما سبق.
وفصل بعض الفقهاء في ذلك، ومنه قول
البارزي - من الشافعية - لو استشير في أمر نفسه
في النكاح، فإن كان فيه ما يثبت الخيار فيه وجب
ذكره، وإن كان فيه ما يقلل الرغبة فيه ولا يثبت
الخيار، كسوء الخلق والشح، استحب، وإن
كان فيه شيء من المعاصي وجب عليه التوبة في
الحال وستر نفسه. (٣)
خامسا : الخُطبة قبل الخِطبة:
٣٧ - يندب للخاطب أو نائبه تقديم خُطبة قبل
الخِطبة لخبر: ((كل أمرذي بال لا يبدأ فيه
(١) حديث: ((المستشار مؤتمن)). أخرجه الترمذي (٤/ ٥٨٥ -
ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال: ((حسن
صحیح)).
(٢) حديث: ((الدين النصيحة)). أخرجه مسلم (١ / ٧٤ - ط
الحلبي) من حديث تميم الداري.
(٣) جواهر الإكليل ٢٧٦/١، نهاية المحتاج ٢٠٠/٦، حاشية
الجمل ٤ / ١٣٠، كشاف القناع ١١/٥
- ٢٠٢ -

٠
خطبة ٣٦ - ٣٧
بحمد الله فهو أقطع))(١) أي عن البركة، فيبدأ
بالحمد والثناء على الله تعالى، ثم بالصلاة
على رسول الله تَير، ثم يوصي بالتقوى، ثم
يقول: جئتکم خاطبا کریمتکم، وإن كان
وکیلا قال: جاءکم موکلي خاطبا کریمتکم أو
فتاتكم، ويخطب الولي أو نائبه كذلك ثم يقول:
لست بمرغوب عنك أو نحوه.
وتبرك الأئمة بما جاء عن ابن مسعود
رضي الله تعالى عنه أن النبي وَلير (٢) ((علمنا
خطبة الحاجة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه
ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له وأن محمدا عبده ورسوله : ﴿يا أيها
الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا
وأنتم مسلمون﴾(٣) ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم
الذي خلقكم من نفس واحدة ... ﴾ (٤) إلى
قوله: (رقيبا) ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا
(١) حديث: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع))
أخرجه ابن ماجه (٦١٠/١ - ط الحلبي) والدار قطني
(٢٢٩/١ - ط دار المحاسن) من حديث أبي هريرة،
وصوب الدارقطني إرساله.
(٢) حديث عبدالله بن مسعود في خطبة النكاح. أخرجه أحمد
(٣٩٢/١ -٣٩٣ - ط اليمنية) والحاكم (١٨٢/٢ - ١٨٣
- ط دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده انقطاع ولكن له
طرق أخرى تقويه .
(٣) سورة آل عمران/ ١٠٢
(٤) سورة النساء / ١
قولا سديدا﴾(١) إلى قوله (عظيما)))، وكان
القفال يقول بعدها: أما بعد، فإن الأمور كلها
بيد الله، يقضي فيها ما يشاء، ويحكم ما يريد،
لا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر، ولا يجتمع
اثنان ولا يتفرقان إلا بقضاء وقدر وکتاب قد
سبق، وإن مما قضى الله تعالى وقدر أن خطب
فلان بن فلان فلانة بنت فلان .. أقول قولي
هذا واستغفر الله لي ولكم أجمعين. (٢)
سادسا: الرجوع عن الخِطبة :
٣٨ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الخطبة
ليست بعقد شرعي بل هي وعد، وإن تخيل
كونها عقدا فليس بلازم بل جائز من الجانبين،
ولا يكره للولي الرجوع عن الإجابة إذا رأى
المصلحة للمخطوبة في ذلك، لأن الحق لها وهو
نائب عنها في النظر لها، فلا يكره له الرجوع
الذي رأی المصلحة فيه، کما لوساوم في بيع
دارها ثم تبين له المصلحة في تركها، ولا يكره ها
أيضا الرجوع إذا كرهت الخاطب، لأن النكاح
عقد عمري يدوم الضرر فيه، فكان لها
الاحتياط لنفسها والنظر في حظها، وإن رجعا
عن ذلك لغير غرض كره لما فيه من إخلاف
الوعد والرجوع عن القول، ولم يحرم لأن الحق
بعد لم يلزمهما، كمن سام سلعة ثم بدا له ألا
يبيعها .
(١) سورة الأحزاب/ ٧٠
(٢) جواهر الإكليل ٢٧٥/١، نهاية المحتاج ٢٠٢/٦، أسنى
المطالب ١١٧/٣
- ٢٠٣ -

خطبة ٣٨
وقال المالكية: يكره لمن ركنت له امرأة
وانقطع عنها الخطاب لركونها إليه أن يتركها . (١)
سابعا: الرجوع بالهدية إلى المخطوبة أو النفقة
عليها :
٣٩ - إذا أهدى الخاطب إلى مخطوبته أو أنفق
عليها ثم لم يتم الزواج، ففي الرجوع بالهدية
والنفقة خلاف وتفصيل :
قال الحنفیة: إذا خطب بنت رجل وبعث
إليها أشياء ولم يزوجها أبوها فما بعث للمهر
یسترد عینه قائما وإن تغیر بالاستعمال، أو بدله
هالكا لأنه معاوضة ولم تتم فجاز الاسترداد،
وكذا يسترد ما بعث هدية وهو قائم دون الهالك
والمستهلك، لأنه في معنى الهبة، والهلاك أو
الاستهلاك مانع من الرجوع بها.
وقالوا: لو أنفق رجل على معتدة الغير- قال
ابن عابدين: ولاشك أن المعتدة مخطوبة أيضا ۔
يطمع أن يتزوجها بعد عدتها، إن تزوجته
لا رجوع مطلقا، وإن أبت فله الرجوع إن كان
دفع لها، وإن أكلت معه فلا رجوع مطلقا، لأنه
إباحة لا تملیك، أو لأنه مجهول لا یعلم قدره.
وفي المسألة عندهم أقوال أخرى. (٢)
وقال المالكية: يجوز الإِهداء للمعتدة من وفاة
أو طلاق غيره البائن لا الإنفاق عليها فيحرم،
(١) حاشية الجمل ٤ /١٢٩، المغني ٦ /٦٠٧ - ٦٠٨، مواهب
الجليل ٤١١/٣
(٢) رد المحتار ٣٦٤/٢ - ٣٦٦
فإن أهدى لها أو أنفق عليها ثم تزوجت غيره فلا
يرجع عليها بشيء. (٢)
وقال الشافعية: من خطب امرأة ثم أنفق
عليها نفقة ليتزوجها فله الرجوع بما أنفقه على
من دفعه له، سواء أكان مأكلا أم مشربا أم
حلوى أم حليا، وسواء رجع هو أم مجیبه، أم
مات أحدهما، لأنه إنما أنفقه لأجل تزوجها
فیرجع به إن بقي وببدله إن تلف.
ولو كان ذلك بقصد الهدية لا لأجل تزوجه
بها لم يختلف في عدم الرجوع.
وقالوا: لو دفع الخاطب بنفسه أو وکیله أو وليه
شيئا من مأكول، أو مشروب، أو ملبوس
لمخطوبته أووليها، ثم حصل إعراض من
الجانبين أومن أحدهما، أوموت لهما، أو
لأحدهما رجع الدافع أو وارثه بجميع ما دفعه إن
كان قبل العقد مطلقا، وكذا بعده إن طلق قبل
الدخول أومات، لا إن ماتت هي، ولا رجوع
بعد الدخول مطلقا. (٣)
وقال الحنابلة: هدية الزوج ليست من المهر
نصا، فما أهداه الزوج من هدية قبل عقد إن
وعدوه بأن یزوجوه ولم یفوا رجع بها ۔ قاله ابن
تیمیة ۔: لأنه بذلها في نظیر النكاح ولم يسلم له،
وإن امتنع هو لا رجوع له.
وما قبضه بعض أقارب المرأة کالذي يسمونه
(٢) جواهر الإكليل ١٧٦/١
(٣) حاشية الجمل ١٢٩/٤
- ٢٠٤ -

خطبة ٣٨، خطر ١ - ٢
مأكلة بسبب نكاح، فحكمه كمهر فيما يقرره
ويسقطه وينصفه، ويكون لها ولا يملك الولي
منه شيئا إلا أن تهبه له بشرطه إلا الأب فله أن
یأخذ .. ومحل کون حکم المجعول مأکلة کمهر
حيث قبضه أولياء المرأة، أما قبل القبض
فللخاطب الرجوع بما شرطه لهم، لأنه تبرع لم
یقبض فكان له الرجوع به .
ولو اتفق الخاطب مع المرأة ووليها على
النكاح من غير عقد فأعطى الخاطب أباها
لأجل ذلك شيئا من غیر صداق فماتت قبل عقد
لم يرجع به ۔ قاله ابن تیمیة۔لأن عدم التمام لیس
من جهتهم، وعلی قیاس ذلك لومات الخاطب
لا رجوع لورثته.
وتردّ الهدية على الزوج في كل فرقة اختيارية
مسقطة للمهر كفسخ الزوجة العقد لفقد كفاءة
أو لعیپ في الزوج، ونحوه قبل الدخول لدلالة
الحال أنه بشرط بقاء العقد، فإذا زال ملك
الرجوع، كهبة الثواب.
قال صاحب مطالب أولي النهى : ويتجه أن
ما كان من هدية أهداها الخاطب بعد العقد فهو
الذي يردّ بحصول الفرقة، أما ما كان قد أهدي
قبل العقد فلا يرد، لأنه تقررّ بالعقد. وتثبت
الهدية للزوجة مع فسخ للنكاح مقرر الصداق أو
لنصفه فلا رجوع له، لأن زوال العقد لیس من
قبلها . (١)
(١) مطالب أولي النهى ٢١٤/٢ - ٢١٥
خطر
التعريف :
١ - الخَطَر بفتحتين في اللغة، الإشراف على
الهلاك وخوف التلف. ويقال: هذا أمر خطر أي
متردد بین أن یوجد، وأن لا يوجد، ويطلق على
السبق الذي يتراهن عليه. والمخاطرة،
المراهنة، وخاطرته على مال راهنته علیه وزنا
ومعنى. وخطر الرجل: قدره، ومنزلته، فيقال:
رجل خطير أي ذو شأن. والخاطر : هو اسم لما
يتحرك في القلب من رأي أو معنى، يقال: خطر
ببالي کذا، أي وقع فيه .(١)
ولا يخرج الخطر في الاصطلاح عن المعنى
اللغوي .
الحكم التكليفي :
٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أن تعريض النفس
لخطر الهلاك حرام، لأن حفظها من أهم مقاصد
الشريعة. قال الله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأیدیکم
إلى التهلكة﴾ . (٢).
(١) تاج العروس والمصباح، والكليات، التعريفات للجرجاني
مادة: ((خطر)).
(٢) سورة البقرة/ ١٩٥
- ٢٠٥ -

خطر ٢ - ٣
قال الخازن: كل شيء في عاقبته هلاك، فهو
تهلكة. (١) وقال عزمن قائل: ﴿ولا تقتلوا
أنفسكم﴾(٢)
وعن عمروبن العاص رضي الله عنه قال :
احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل
فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتیممت ثم
صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك
للنبي صل﴾، فقال: ((ياعمرو، صليت
بأصحابك الصبح وأنت جنب؟)) فأخبرته
بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني
سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله
كان بكم رحيما﴾ فضحك رسول الله ولي﴾ ولم يقل
شيئا . (٣)
ويتعلق بالخطر الرخص الشرعية، فيباح
بالخطر أكل الميتة للمضطر، وأكل سائر
النجاسات والخبائث اضطرارا، وإساغة الغصة
بالخمر لدفع الخطر عن النفس، ويجب قطع
العضو المتآكل إذا كان في تركه خطر على
النفس (٤) (ر: ضرر، مشقة).
(١) تفسير الخازن ١/ ١٢٤
(٢) سورة النساء/ ٢٩
(٣) حديث عمروبن العاص: ((احتلمت في ليلة باردة)).
أخرجه أبو داود (٢٣٨/١ - تحقيق عزت عبيد دعاس)،
وقواه ابن حجر في الفتح (١/ ٤٥٤ - ط السلفية).
(٤) أسنى المطالب ١٩١/٤، كشاف القناع ٤٥/٣، البدائع
٩٨/٧
الخطر المؤثر في إسقاط العبادات أو تخفيفها:
٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن المشقة تجلب
التيسير عموما، وأن المشقة إذا بلغت حدّ الخطر
على النفس والأطراف ومنافعها توجب
الترخيص، والتخفيف. وقالوا: إن حفظ المهج
والأطراف لإِقامة مصالح الدين أولى من
تعریضها للفوات في عبادة أو عبادات، یفوت بها
أمثالها . (١)
فيجب التيمم إذا كان في استعمال الماء في
الوضوء والاغتسال من الجنابة خطر على نفس،
أو عضو أو منفعته، أو حال بينه وبين الماء عدو،
أو سبع، لأن إلقاء النفس في التهلكة حرام. (٢)
(ر: تیمم، مرض).
ويسقط وجوب الحج إذا كان في السفر خطر
على نفس، أو عضو، أو عرض، أومال، كما
يحرم ركوب البحر لأداء الحج إن غلب الهلاك
فيه، أو تساوى الهلاك والسلامة لما فيه من الخطر
(ر: حج) ويسقط الصوم عن المرضع والحامل،
والمريض، إذا كان في الصوم خطر على المرضع
والحامل، أو على الرضيع والجنين، أوخاف
المريض الموت، أو زيادة المرض (ر: صوم).
(١) الفروق ١١٨/١، الأشباه والنظائر ص ٨٠ - ٨١ - ط دار
الكتب العلمية ١٩٨٣ .
(٢) أسنى المطالب ٧٦/١ - ٨٠، بدائع الصنائع ٤٧/١،
حاشية الدسوقي ١/ ١٤٧ - ١٤٨
- ٢٠٦ -

خطر ٤ - ٦
والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وما جعل
عليكم في الدين من حرج﴾(١) وفي تعريض
النفس والأعضاء للخطر، حرج أي حرج.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: في قوله
تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾، (٢)
قال: إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل الله،
والقروح، فيخاف أن يموت إن اغتسل
(٣)
تیمم .
وعن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا
منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل
أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في
التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر
على الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا على
النبي ﴾ أخبر بذلك، فقال: ((قتلوه
قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء
العي السؤال. إنما يكفيه أن يتيمم،
ويعصب))(٤) فاعتبر النبي و # ذلك قتلا،
والله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾.(٥)
٤ - ويستثنى من قواعد درء الخطر، الجهاد،
فيجوز المخاطرة بالنفس فیه، لأنه قرر مع
(١) سورة الحج/ ٧٨
(٢) سورة المائدة / ٦
(٣) سبل السلام ١٥٣/١ ط المكتبة التجارية
(٤) حديث: ((قتلوه قتلهم الله)). أخرجه أبو داود (٢٣٩/١ -
٢٤٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والدارقطني (١/ ١٩٠ -
ط دار المحاسن)، وأعله الدارقطني
(٥) سورة النساء/ ٢٩
المشقة. وما الجهاد إلا بذل الوسع، والطاقة
بالقتال أو المبالغة في القتال، لهذا حرم انهزام
مائة من المسلمين عن مائتين من الكفار(١) في
قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا
مائتین﴾(٢) وجاء في الأثر «عجب ربنا من رجل
غزا في سبيل الله، فانهزم - يعني أصحابه - فعلم
ما عليه، فرجع حتى أهريق دمه، فيقول الله
تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة
فيما عندي، وشفقة مما عندي، حتى أهريق
دمه)). (٣) (ر: جهاد). ويستثنى أيضا دفع
الصائل على النفس أو المال أو العرض (ر:
صیال).
التعرض للخطر بإزالة غدة، أو عضو متآكل :
٥ - يحرم على الشخص قطع غدة أو عضو
متآكل، إذا كان في القطع خطر على النفس،
وليس في بقائهما خطر أوزاد خطر القطع، وإن
کانت تشینه، لأنه قد يؤدي إلى هلاك نفسه.
أما إذا لم يكن في إزالتها خطر فله إزالتها، لإزالة
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٩٨، ١٧٦، الأشباه والنظائر للسيوطي
ص٨٢، وأسنى المطالب ١٩١/٤، كشاف القناع ٤٥/٣
(٢) سورة الأنفال/ ٦٥
(٣) الأثر: ((عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله)). أخرجه
أبو داود (٤٢/٣ - ٤٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم
(١١٢/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
عبدالله بن مسعود مرفوعا، وصححه الحاكم ووافقه
الذهبي.
- ٢٠٧ -

خطر ٧، خفاء ١ - ٢
الشين. وإن تساوى الخطران، أوزاد خطر
الترك فله قطعها
وإن قطعهما أجنبي بلا إذن، فمات المقطوع
منه لزمه القصاص، وكذا السلطان لتعدي كل
منهما بذلك.
وللأب والجد قطع الغدة والعضو المتآكل،
من الصبي والمجنون مع الخطر في القطع إن زاد
خطر الترك عليه، لأنهما يليان صون مالهما عن
الضياع فبدنهما أولى .
فإن تساوى الخطر والسلامة، أوزاد خطر
القطع، ضمنا لعدم جواز القطع. (١)
ر: (ضمان، وإتلاف).
عقود المخاطرة :
٦ - عقود المخاطرة هي ما يتردد بين الوجود
والعدم، وحصول الربح أو عدمه عن طريق
ظهور رقم معین مثلا، کالرهان والقمار. ونحوهما
السبق لكنه مشروع بشروط، وتفصيل ذلك في
مصطلحاته .
.(١) أسنى المطالب ١٦٣/٤، قليوبي ٢٠٩/٤، ابن عابدين
٣٦٤/٥
خفاء
التعريف :
١ - الخفاء في اللغة من خَفَيتُ الشيء أُخفيه إذا
كتمته أو أظهرته، فهو من الأضداد، وشيء
خفي : خافٍ، ويجمع على خفايا، وخفي عليه
الأمر يخفى خفاء، وخفي الشيء يخفى خفاء
بالفتح والمد.
وبعضهم يجعل حرف الصلة فارقا فيقول:
خفي عليه: إذا استتر، وخفي له: إذا ظهر. (١)
والفقهاء يستعملونه بمعنى الاستتار وعدم
الظهور، وهو عند الأصوليين يكون في الألفاظ
التي يخفى المراد منها بسبب في الصيغة أو خارج
عنها على ما سيأتي . (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاشتباه :
٢ - الاشتباه: الالتباس، واشتبهت الأمور
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) البدائع ١/ ٨١ والجمل ٣٠٨/٣، والتلويح والتوضيح
١٢٦/١، وكشف الأسرار ١/ ٥٢
- ٢٠٨ -

خفاء ٣ - ٥
وتشابهت، التبست فلم تتميز ولم تظهر،
والمتشابهات من الأمور: المشكلات.
والخفاء قد يكون سببا من أسباب الاشتباه
إما لتعدد المعانى المستعملة للفظ، أو لإجمال
ءِ
اللفظ واحتياجه إلى البيان وغير ذلك.(١)
ب - الجهل والجهالة :
٣ - الجهل والجهالة: عدم العلم بالشيء.
قال الجرجاني: الجهل هو اعتقاد الشيء
على خلاف ما هو عليه .
وخفاء الشيء يترتب عليه إما الجهل بوجوده
أصلا، کمن ینکر وجوب الزكاة جهلا منه
لحداثة عهده بالإِسلام، وإما الجهل بمكان
الشيء، كمن علم في ثوبه نجاسة، وخفي عليه
مكانها . (٢)
ما يتعلق بالخفاء من أحكام :
أولا : عند الأصوليين :
٤ - يقسم الأصوليون اللفظ باعتبار خفاء المعنى
ومراتب الخفاء إلى أربعة أقسام:
الأول: الخفي، وهو ما اشتبه معناه وخفي مراده
(أي الحكم الشرعي) بعارض غير الصيغة،
(١) لسان العرب والمصباح المنير والتلويح ١٢٧/١ وكشف
الأسرار ١/ ٥٤
(٢) لسان العرب والمصباح المنير والتعريفات للجرجاني،
والمجموع ٣٣٤/٥ والبدائع ٨١/١
فالخفاء ليس فى اللفظ، ولكنه بسبب عارض،
وذلك كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة
فاقطعوا أيديهما﴾(١) فلفظ السارق ظاهر في كل
سارق لم يعرف باسم آخر، لكنه بالنسبة للطرار
الذي يسرق بشق الثوب، والنباش فيه نوع من
الخفاء، لاختصاص كل منهما باسم غير
السارق.
وإزالة الخفاء تحتاج إلى نظر وتأمل، وبالتأمل
يظهر أن الخفاء قد يكون لزيادة في المعنى الذي
تعلق به الحکم کما في الطرار، فإنه سارق کامل
يأخذ مع حضور المالك، ويقظته فله مزية على
السارق، لأن السارق يأخذ على سبيل الخفية،
ولذلك يأخذ الطرار حكم السارق فيقطع،
وهذا باتفاق .
وقد يكون الخفاء لنقص في المعنى الذي
تعلق به الحکم کما في النباش الذي يسرق أكفان
الموتى، ففيه شبهة نقصان الحرز، وعدم الحافظ
له، ولذا اختلف الفقهاء في حكمه فيقطع عند
الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة وأبي
يوسف)، ولا يقطع عند أبي حنيفة ومحمد.
٥ - الثاني: المشكل : وهو اسم لما يشتبه المراد منه
بدخوله في إشکاله علی وجه لا يعرف المراد منه
إلا بدليل يتميز به من سائر الأشكال.
وقال القاضي أبو زيد الدبوسي : هو الذي
(١) سورة المائدة/ ٣٨
- ٢٠٩ -
٠٠٠٠
.......

خفاء ٦ - ٨
أشكل على السامع طريق الوصول إلى ما فيه
من المعاني، لدقة المعنى في نفسه لا بعارض.
فالخفاء في المشكل إنما هو بسبب ذات
اللفظ، ولا یفهم المراد منه ابتداء إلا بدلیل من
الخارج، كاللفظ المشترك بين معنيين ولا معين
لأحدهما، كقوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أنی
شئتم﴾(١) فلفظ (أنى) مشترك بين معنيين
لاستعماله كأين وكيف، لكن بعد التأمل
والطلب ظهر أن المراد (كيف) دون (أين) بقرينة
الحرث، ودلالة تحريم القربان في الأذى
العارض، وهو الحيض، فإنه في الأذى اللازم
أولی .
٦ - الثالث: المجمل: وهو ما خفي المراد منه
بنفس اللفظ خفاء لا يدرك إلا ببيان المُجْمِل
كلفظ الصلاة والزكاة والربا. فالسبيل إلى
معرفة المراد منه هوبيان الشارع، كالصلاة مثلا
فقد بينت السنة المراد بها في قوله تعالى: ((صلوا كما
رأيتموني أصلي)). (٢)
٧ - الرابع: المتشابه: وهو ما خفي بنفس اللفظ
ولا يرجى دركه أصلا، كالمقطعات في أوائل
السور وبعض صفات الله تعالى التي وردت في
الكتاب والسنة .
(١) سورة البقرة/ ٢٢٣
(٢) حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). أخرجه البخاري
(الفتح ١١١/٢ - ط السلفية) من حديث مالك بن
الحويرث).
هذا، والخفي هو أدنى مراتب الخفاء،
وحكمه الطلب، أي الفكر القليل لنيل المراد.
ويليه المشكل في الخفاء، وحكمه التكلف
والا جتهاد في الفكر.
ويليه المجمل، وحكمه الاستفسار وطلب
البيان من المجمل.
ويلي ذلك المتشابه، وهو أشد خفاء وحكمه
التوقف والتسليم والتفويض لله رب العالمين.
هذا حسب تفصيل الحنفية، وأما غيرهم
فيجعل ذلك كله من قبيل المجمل. (١)
وينظر ما يتعلق بذلك في الملحق الأصولي.
ثانيا : عند الفقهاء :
أثر الخفاء في سماع الدعوى:
٨ - يشترط في صحة الدعوى عدم وقوع
التناقض فيها، لذلك لا تسمع الدعوى التي
يقع فيها التناقض، إلا أن التناقض يغتفر فيما
كان مبنيا على الخفاء، ففي المادة (١٦٥٥) من
مجلة الأحكام العدلية: يعفى التناقض إذا
ظهرت معذرة المدعي وكان محل خفاء.
ومن أمثلة ذلك ما أفتى به في الحامدية من أنه
إذا مات زيد عن ورثة بالغين وخلف حصة من
دار وصدق الورثة أن بقية الدار لفلان وفلان،
ثم ظهر وتبين أن مورثهم المذكور اشترى بقية
(١) كشف الأسرار ٥٢/١ - ٥٥، والتلويح ١٢٦/١ - ١٢٧،
والتقرير والتحبير ١٥٨/١ - ١٥٩
- ٢١٠ -

خفاء ٨ - ٩
الدار من ورثة فلان وفلان في حال صغر
المصدقين وأنه خفي عليهم ذلك، تسمع
دعواهم، لأن هذا تناقض في محل الخفاء فيكون
عفوا.
ومن ذلك دعوى النسب، أو الحرية، أو
الطلاق، لأن النسب مبني على أمر خفي وهو
العلوق من المدعي، إذ هو مما يغلب خفائه على
الناس، فالتناقض في مثله غير معتبر، والطلاق
ينفرد به الزوج، والحرية ينفرد بها المولى .
ومن ذلك: المدين بعد قضاء الدين لوبرهن
على إبراء الدائن له.
والمختلعة بعد أداء بدل الخلع لو برهنت على
طلاق الزوج قبل الخلع وغير ذلك. وهكذا كل
ما كان مبنيا على الخفاء فإنه يعفى فيه عن
التناقض.(١)
هذا هو الصحيح من مذهب الحنفية كما أفتى
به في الحامدية، وهو قول الأكثرين من فقهاء
مذهب المالكية، ومنهم من فرق بين الأصول
والدَّين فتقبل البينة في الأصول، ولا تقبل في
الدّين.
والأصح عند الشافعية أن البينة تقبل للعذر،
ومقابل الأصح لا تقبل للمناقضة .
(١) المادة (١٦٥٥) من مجلة الأحكام وشرحها للأتاسي
١٤٤/٥، ١٤٥ ودرر الحكام ٢٢٨/٤، وتنقيح الفتاوى
الحامدية ٢/ ٢٩ - ٣٠، ١٧٥ والزيلعي وهامشه ٤ / ٩٩ -
١٠٠، والبدائع ٢٢٤/٦
أما الحنابلة فلا تسمع البينة عندهم بعد
الإِنكار. أما إن قال: ما أعلم لي بينة، ثم أتى
ببينة، سُمِعت، لأنه يجوز أن تكون له بينة لم
یعلمها ثم علمها .(١)
وهذا في الجملة، وينظر تفصيل ذلك في
(دعوى).
خفاء النجاسة :
٩ - طهارة البدن والثوب والمكان شرط لصحة
الصلاة، وإذا أصابت النجاسة شيئا من ذلك
وجب إزالتها بغسل الجزء الذي أصابته
النجاسة، وهذا إذا علم مكانه.
أما إذا خفي موضع النجاسة ولم يعلم في أي
جزء هي، فبالنسبة للثوب والبدن يجب غسل
الثوب کله أو البدن کله.
وهذا عند الجمهور ولهم أنه متيقن للمانع من
الصلاة، والنضح لا يزيل النجاسة.
وفي قول عند الحنفية: إذا غسل موضعا من
الثوب يحكم بطهارة الباقي، قال الكاساني :
وهذا غير سديد، لأن موضع النجاسة غير
معلوم، وليس البعض أولى من البعض، وهذا
القول (وهو غسل موضع من الثوب) حكاه
(١) الخطاب ٢٢٣/٥، والفروق للقرافي ٣٨/٤، والتبصرة
بهامش فتج العلي المالك ٢ / ٥٥ - ٥٦، ونهاية المحتاج
٨/ ٢٥٠، وقليوبي ٣٠٥/٤، وشرح منتهى الإرادات
٤٩٣/٣، والمغني ٩/ ٢٣٦ - ٢٣٧، ٢٦٩
- ٢١١ -

خفاء ١٠
صاحب البيان وجها عن ابن سريج من
الشافعية، وعلله بأنه يشك بعد ذلك في نجاسته
والأصل طهارته، قال النووي : وهذا ليس
بشيء، لأنه تيقن النجاسة في هذا الثوب وشك
في زوالها.(١)
وقال عطاء والحكم وحماد: إذا خفيت
النجاسة في الثوب، نضحه كله، وقال ابن
شبرمة: يتحرى مكان النجاسة فيغسله.
قال ابن قدامة: ولعلهم يحتجون بحديث
سهل بن حنيف في المذي عن النبي وَلّم قال:
قلت: يارسول الله کیف بما يصيب ثوبي منه؟
قال: يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به
ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه. (٢) فأمره
بالتحري والنضح. (٣)
١٠ - وأما بالنسبة للمكان فعند الشافعية
والحنابلة إن كانت النجاسة في مكان صغير
كمصلى صغيروبيت، وخفي مكانها، لم يجز أن
يصلي فيه حتى يغسله كله، إذ الأصل بقاء
النجاسة ما بقي جزء منها، وإن كان المكان
واسعا كالفضاء الواسع والصحراء لا يجب
غسله، لأن ذلك يشق علیه، ويصلي حیث
(١) ناقش ابن قدامة هذا الاستدلال في المغني (٨٥/٢).
(٢) حديث سهل بن حنيف: ((يكفيك أن تأخذ كفا من
ماء ... )) أخرجه الترمذي (١٩٧/١ - ١٩٨ ط الحلبي)
وقال: ((حديث حسن صحيح)).
(٣) البدائع ٨١/١ والدسوقي ٧٨/١ - ٧٩ والمجموع
١٣٧/٣ تحقيق المطيعي.
شاء، لأنه لومنع من الصلاة أفضى إلى أن
لا يجد موضعا یصلي فيه، ولا يجب الاجتهاد بل
يسن كما قال الشافعية، قالوا: وله أن يصلي فيه
بلا اجتهاد. (١)
والمالكية قولان في الأرض التي أصابتها
النجاسة ولم يعلم مكانها: قول بالغسل حكاه .
ابن عرفة اتفاقا، وقول بالنضح وهو ظاهر المدونة
ولم يفرقوا بين المكان الضيق والأرض
الواسعة . (٢)
ولم نطلع للحنفية على حكم في ذلك إلا
أنهم يقولون: إن الأرض تطهر بالجفاف وتجوز
الصلاة علیھا، واستدلوا بما رواه أبو داود بسنده
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت أبيت في
المسجد في عهد رسول اللهێے، وكنت فتى شابا
عزبا وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في
المسجد فلم يكونوا يرشّون شيئا من ذلك. (٣)
قال ابن الهمام: فلولا اعتبارها تطهر بالجفاف
كان ذلك تبقية لها بوصف النجاسة مع العلم
بأنهم يقومون عليها في الصلاة إذ لابد منه مع
صغر المسجد وعدم من يتخلف للصلاة في بيته،
وكون ذلك يكون في بقاع كثيرة من المسجد،
(١) مغني المحتاج ١٨٩/١ والمغني ٨٦/٢ وكشاف القناع
١٨٩/١
(٢) الدسوقي ٨٢/١
(٣) حديث عبدالله بن عمر: ((كنت أبيت في المسجد)). أخرجه
أبو داود (١ /٢٦٥ - ٢٦٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
وإسناده صحيح .
- ٢١٢ -

خفاء ١٠ - ١١
لا في بقعة واحدة، حيث كانت تقبل وتدبر
وتبول.(١)
ولو أصابت النجاسة أحد الكمين في الثوب
ولم يعلم في أي كم هي وجب غسلهما جميعا،
وهذا عند الحنفية والحنابلة، وهو المذهب عند
المالكية، وفي وجه عند الشافعية، قاله أبو
إسحاق.
وقال ابن العربي من المالكية : یتحری من
الکمین أحدهما فیغسله، کالثوبین إذا تنجس
أحدهما ولم یعلمه، لكن محل الخلاف عند
المالكية إذا اتسع الوقت لغسل الكمين ووجد
من الماء ما يغسلهما معا، فإن لم يسع الوقت إلا
غسل واحد، أولم يجد من الماء إلا ما يغسل
واحدا، تحری واحدا يغسله فقط اتفاقا، ثم
يغسل الثاني بعد الصلاة إذا ضاق الوقت، أو
عند وجود الماء، فإن لم یسع الوقت غسل واحد
أو لم يسع التحري صلی بدون غسل، لأن
المحافظة على الوقت أولى من المحافظة على
الطهارة من الخبث.
والوجه الثاني عند الشافعية: يتحرى لأنهما
عينان متميزتان فهما كالثوبين. قاله
أبو العباس. (٢)
(١) فتح القدير ١٧٤/١ - ١٧٥ ط دار إحياء التراث العربي
والزيلعي ٧٢/١
(٢) البدائع ١/ ٨١ والدسوقي ٧٩/١، والمهذب ٦٨/١،
وكشاف القناع ١٨٩/١
وما مضى من الحكم في خفاء النجاسة في
الثوب أو البدن، أو المكان، هو مع العلم بوجود
النجاسة وخفاء موضعها من الثوب، أو البدن،
أو المكان، فإن شك في وجود النجاسة مع تيقن
سبق الطهارة جازت الصلاة دون غسل، لأن
الشك لا يرفع اليقين، وهذا عند الجنفية
والشافعية والحنابلة.
أما المالكية فيفرقون بين الشك في نجاسة
البدن ونجاسة غيره من ثوب، أو حصیرمثلا،
فيوجبون غسل البدن، لأنه لا يفسد بذلك
ويوجبون نضح الثوب والحصير، لأنه قد يفسد
بذلك، وإن غسل فقد فعل الأحوط. وهذا في
الجملة . (١)
خفاء العيب في المبيع :
١١ - من الخيارات المعروفة خيار العيب، أو
خيار النقيصة كما يسميه بعض الفقهاء، وهو
خیار یثبت للمشتري حق الرد عند ظهور عيب
معتبر في المبيع إذا توافرت الشروط التي حددها
الفقهاء، لأن سلامة المبيع شرط في العقد
دلالة .
ومن العيوب ما هو ظاهر كالعمى والأصبع
الزائدة، ومنها ما هو خفي كوجع الكبد
والطحال والإِباق والسرقة، والعيوب الخفية
(١) البدائع ٨١/١ والدسوقي ٨١/١ - ٨٢ والمهذب ٣٢/١
وكشاف القناع ٤٥/١
- ٢١٣ -

خفاء ١١
كالظاهرة في إثبات حق الخيار للمشتري
بالشروط التي ذكرها الفقهاء، كجهل المشتري
بالعيب، وألا يكون البائع قد اشترط البراءة من
العيب وثبوت العيب عند المشتري. الخ . مع
مراعاة تفصيل المذاهب في هذه الشروط. (١)
ومما يعتبر من العيوب الخفية العيب الذي
یکون في جوف المأكول کالبطيخ، والجوز،
والبيض ولا يعرف إلا بكسره، فعند الحنفية من
اشتری شیئا من ذلك فکسره فوجده فاسدا،
فإن کان ینتفع به، ولو علفا للدواب، فله أرش
العيب، إلا إذا رضي البائع به، وإن لم ينتفع به
أصلا رجع بكل الثمن لبطلان البيع لأنه ليس
بمال، وإذا كان لقشره قيمة كبيض النعام رجع
بنقصان العيب.
وقال المالكية : لا یرد البيع بظهور عیب باطن
لا يطلع عليه إلا بتغير في ذاته حيوانا كان أو
غيره، کغش بطن الحيوان، وسوس الخشب،
وفساد بطن الجوز، والبندق، والتين، ومرارة
الخیار، وبیاض البطيخ، ولا قيمة لما اشتراه،
(١) البدائع ٥/ ٢٧٥ - ٢٧٦، ٢٧٨ - ٢٧٩، وابن عابدين
٤/ ٧٣ - ٧٤، ٨٧ - ٨٨ وفتح القدير والكفاية عليه ٦/ ٤ -
٥، ٢٥، ٢٨، والدسوقي ١٠٨/٣، ١١٠ وجواهر
الإكليل ٢/ ٣٩ - ٤٠ - ٤١ - ٤٣ وبداية المجتهد ١٨٣/٢،
ومغني المحتاج ٢/ ٥٠ وما بعدها، والمهذب ٢٩٣/١،
والمغني ٤/ ١٦٩ وشرح منتهى الإرادات ٢/ ١٧٥
ویرد البيض لظهور عیبه لأنه يطلع عليه بدون
کسره لأنه مما یعلم فساده قبل کسره، فإن کسره
المشتري رده مکسورا ورجع بجميع ثمنه، وهذا
إذا کسره بحضرة بائعه، فإن کسره بعد أيام فلا
یرده، لأنه لا يدري أفسد عند البائع أم عند
المشتري، وقال ابن حبیب فيما لا يرد کعيب
وجود السوس في الخشب وفساد بطن الجوز:
لا یرد إن کان من أصل الخلقة، ویرد إن کان
طارئا .
وقال الشافعية: ما لقشره قيمة كبيض النعام
يرد ولا أرش في الأظهر، والثاني يرد ولكن يرد
معه الأرش، والثالث لا يرد أصلا كما في سائر
العيوب الحادثة ويرجع المشتري بأرش العيب أو
يغرم أرش الحادث، أما ما لا قيمة له فيتعين فيه
فساد البيع لوروده على غير متقوم.
وقال الحنابلة: إن کسر المشتري ما ليس
مکسوره قیمة، کبيض الدجاج، رجع بثمنه
لتبین فساد العقد من أصله، وإن وجد البعض
فاسدا رجع بقسطه من الثمن، وإن كان
لمكسوره قيمة، كبيض النعام وجوز الهند، خيرٌ
المشتري بین إمساكه وأخذ أرش نقصه، وبین
رده مع أرش کسره وأخذ ثمنه . (١)
(١) الاختيار ٢/ ٢٠ - ٢١ وابن عابدين ٨٥/٤ وجواهر
الإكليل ٢ / ٤١ ومغني المحتاج ٢ /٥٩ - ٦٠ وشرح منتهى
الإرادات ١٧٨/٢ - ١٧٩ وكشاف القناع
- ٢١٤ -

خفاء ١٢، خفارة ١
ظهور دين خفي على التركة :
١٢ - إذا اقتسم الورثة التركة ثم ظهر دين على
الميت بعد القسمة، فإن قضى الورثة الدين
مضت القسمة ولا تُنْقض، وإن امتنعوا من
الأداء يطلب نقض القسمة .
وهذا في الجملة، (١) وينظر التفصيل في
(قسمة، ودین).
(١) مجلة الأحكام المادة ١١٦١ والزيلعي ٢٧٥/٥، والدسوقي
٥١٥/٣ والمهذب ٣٣٤/١، ٣١١/٢، والمغني ١٢٩/٩
خفارة
التعريف :
١ - الخفارة في اللغة من خفر الرجل وخفر به
وعلیه یخفر خفرا: أجاره ومنعه وأمّنه، وكان له
خفيرا يمنعه، وخفرت الرجل: أجرته وحفظته
وخفرته: إذا کنت له خفیرا، أي حامیا وکفیلا،
والاسم الخفارة بالفتح والضم، والخفارة: الذمة
والعهد، والأمان، والحراسة، والإِخفار: انتهاك
الذمة، يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده
وذمامه، والهمزة فيه للإزالة، أي أزلت خفارته
كأشكيته إذا أزلت شكايته. والخَفارة والخُفارة
والخِفارة أيضا: جُعْل الخفير. والخفير:
الحارس، والخفارة حرفة الخفير.
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى
اللغوي .(١)
ويستعمل الفقهاء أيضا لفظ البذرقة - بفتح
الموحدة وسكون الذال المعجمة - قيل معربة :
(١) لسان العرب والمصباح المنير والنهاية لابن الأثير والمعجم
الوسيط، والدسوقي ٢٦/٤، والخطاب ٢ / ٤٩٦ ونهاية
المحتاج ٨/ ٧٥ وكشاف القناع ٣٩١/٢ والمغني ٣٩٧/٨
- ٢١٥ -

خفارة ٢ - ٣
وقيل مولدة: ومعناها الخفارة، أي جُعْل
الخفير، وقال النووي: هي الخفير الذي يحفظ
الحجاج.
وفي المصباح: هي الجماعة التي تتقدم القافلة
للحراسة . (١)
الحكم التكليفي :
٢ - الخفارة بمعنى الحفظ والحراسة، قد تكون
واجبة كحراسة طائفة من الجيش للأخرى التي
تصلي صلاة الخوف إذا أقيمت هذه الصلاة
لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم
الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا
أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم
ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك
وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾. (٢)
وقد تكون مستحبة، كالحراسة والمرابطة في
الثغور.
وقد تكون جائزة، کمن يؤجر نفسه
للحراسة في عمل غير محرم . (٣) وينظر تفصيل
ذلك في: (حراسة، إجارة، جهاد، صلاة
الخوف).
أما الخفارة بمعنى الأمان والذمة فالأصل أنه
(١) المصباح المنير، والخطاب ٢ /٤٩٦
(٢) سورة النساء/ ١٠٢
(٣) البدائع ١/ ٢٤٤ والمغني ٢/ ٤٠١، ٣٥٧/٨ والدسوقي
٢٦/٤ وابن عابدين ٥/ ٤٤
يجوز عقد الأمان بين المسلمين والكفار إذا كان
ذلك في مصلحة المسلمين.
ويجب إعطاء الأمان لمن طلبه ممن يريد
التعرف على شرائع الإِسلام، قال ابن قدامة :
لا نعلم في هذا خلافا، وكتب عمر بن
عبدالعزيز بذلك إلى الناس، (١) وذلك لقوله
تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك
فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه
مأمنه﴾. (٢) وينظر تفصيل ذلك في (أمان،
جهاد).
أولا : الخفارة (بمعنى الجعُل، أو الحراسة)
يذكر الفقهاء الخفارة بمعنى الجعل، أو
الحراسة في بعض المواضع، ومنها :
أ - في الحج :
٣ - يقرر الفقهاء أن أمن الطريق من أنواع
الاستطاعة التي هي من شروط الحج .
فإذا كان في الطريق عدو، أو لص، أو
مكّاس، أو غيرهم ممن يطلب الأموال من
الحجاج، أوكان الطريق غير آمن واحتاج
الحجاج إلى خفير يحرسهم بالأجر، فهل يعتبر
ذلك عذرا يسقط به الحج أم لا؟
أما الحكم بالنسبة للخفارة التي يطلبها
اللصوص أو غيرهم فهو أنه لا تُعتبر عذرا يسقط
(١) المغني ٨/ ٣٩٦ - ٣٩٩
(٢) سورة التوبة/ ٦
- ٢١٦ -

خفارة ٣ - ٤
به الحج، وذلك على القول المعتمد المفتى به
عند الحنفية، وهو مذهب المالكية وقول ابن
حامد والموفق والمجد من الحنابلة، لكن بشرط
أن یکون ما يدفع یسیرا لا يجحف، وبأن یأمن
باذل الخفارة الغدر من المبذول له بأن یعلم
بحكم العادة أنه لا يعود إلى الأخذ ثانيا، لأن
ما لا يجحف مع الأمن بعدم الأخذ ثانیا یعتبر
غرامة يقف إمكان الحج على بذلها، فلم يمنع
وجوب الحج مع إمكان بذلها كثمن الماء وعلف
البهائم .
وعند الشافعية وهو القول الثاني للحنفية
وجمهور الحنابلة: لا يجب الحج ولو كان ما يدفع
يسيرا لأنه رشوة فلا يلزم بذلها في العبادة كالکثیر
الذي يدفع، ولأن في الدفع تحريضا على
الطلب.
وأما الحكم بالنسبة لاستئجار خفير للحراسة
بالأجر فعلى القول المعتمد المفتى به عند الحنفية
وهو مذهب المالكية، وهو الأصح عند الشافعية
أنه لا يسقط الحج بذلك، لكن ابن عرفة من
المالكية اشترط أن تكون الأجرة لا تجحف
بالمال، وقال الشافعية: إن كان ذلك بأجرة المثل
لزمهم إخراجها، لأنها من أهبة النسك فيشترط
في وجوبه القدرة عليها. وهو ظاهر مذهب
الحنابلة .
وعلى القول الثاني عند الحنفية ومقابل
الأصح عند الشافعية لا يجب استئجار من
يحرس، لأن سبب الحاجة إلى ذلك خوف
الطريق وخروجها عن الاعتدال، وقد ثبت أن
أمن الطريق شرط، ولأن لزوم أجرة الخفارة
خسران لدفع الظلم، وهو بمنزلة ما زاد على
ثمن المثل وأجرته في الزاد والراحلة، وهو قول
جماهير العراقيين والخراسانيين من الشافعية. (١)
وينظر تفصيل ذلك في: (حج).
ب - تضمين الخفراء :
٤ - يرى جمهور الفقهاء عدم تضمين الخفراء
(الحراس)، لأن الخفير أمين إلا أن يتعدى أو
يفرط. (٢)
قال الدردير: حارس الدار أو البستان أو
الطعام أو الثياب لا ضمان عليه، لأنه أمين إلا
أن يتعدى أو يفرط، ولا عبرة بما شرط أو كتب
على الخفراء في الحارات والأسواق من الضمان .
قال الدسوقي : اعلم أن أصل المذهب عدم
تضمين الخفراء والحراس والرعاة، واستحسن
(١) ابن عابدين ٢/ ١٤٥ وحاشية الطحطاوي على الدر
٤٨٤/١ وجواهر الإكليل ١٦٢/١ ومنح الجليل ١/ ٤٣٧
والخطاب ٤٩٦/٢ وأسنى المطالب ٤٤٨/١ والمجموع
٥٦/٧ تحقيق المطيعي والمهذب ٢٠٣/١ والمغني ٢١٩/٣
وكشاف القناع ٣٩٢/٢ - ٣٩٣ ومنتهى الإرادات ٣/٢
(٢) ابن عابدين ٤٤/٥ والدسوقي ٢٦/٤ ونهاية المحتاج
٣٠٨/٥ وشرح منتهى الإرادات ٣٧٧/٢
- ٢١٧ -

خفارة ٥ - ٦
بعض المتأخرين تضمينهم نظرا لكونه من
المصالح العامة . (١)
وهذا في الجملة وينظر التفصيل في: (إجارة،
حراسة، ضمان).
ثانيا - الخفارة (بمعنى الذمة والأمان والعهد):
٥ - أ - الخفارة بمعنى الذمة والعهد والأمان قد
تكون بين الله وبين عباده، وذلك أن المسلم
يكون في خفارة الله، أي أمانه وذمته مادام
مطيعا فإذا عصى الله فقد غدر. يروي
البخاري في هذا المعنى قول النبي ◌َليار: ((من
صلی صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا
فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا
تخفروا الله في ذمته))، (٢) والمعنى: لا تغدروا
فمن غدر ترك الله حمایته، قال ابن حجر: وقد
أخذ بمفهوم الحديث من ذهب إلى قتل تارك
الصلاة . (٣)
وروى مسلم في صحيحه قول النبي قالآر :
((من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا
يطلبنکم الله من ذمته بشيء فیدركه فیکبه في نار
(١) الدسوقي ٢٦/٤ ومغني المحتاج ٣٥٢/٢
(٢) حديث: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٤٩٦/١ - ط السلفية) من حديث
أنس بن مالك .
(٣) فتح الباري ١/ ٤٩٦
جهنم)). (١) قال القاضي عياض: المراد نهيهم
عن التعرض لما يوجب المطالبة، والمعنى : من
صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا تتعرضوا له
بشيء فإن تعرضتم فالله يدرككم، وقيل :
المعنى لا تتركوا صلاة الصبح فينقض العهد
الذي بينكم وبين الله عز وجل ويطلبكم به .
وخص الصبح بالذكر لما فيه من المشقة. (٢)
٦ - ب - الخفارة بمعنى الأمان والعهد الذي
يكون بين الناس، وقد ورد في هذا قول
النبى وعليه: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها
أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين)). (٣)
وقال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين
استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه
مأمنه﴾ . (٤)
قال الفقهاء: إذا أعطي الأمان لأهل الحرب
حرم قتلهم، وأخذ أموالهم، والتعرض لهم، لأن
إخفار العهد حرام. ومن طلب الأمان ليسمع
كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام وجب أن
(١) حديث: ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله ... )) أخرجه
مسلم (٤٥٤/١ - ط الحلبي) من حديث جندب بن
عبدالله .
(٢) صحيح مسلم بشرح الأبي ٢/ ٣٢٥
(٣) حديث: ((ذمة المسلمين واحدة ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٢٧٥/١٣ - ط السلفية) من حديث علي بن أبي
طالب .
(٤) سورة التوبة/ ٦
- ٢١٨ -

خفارة ٦، خفاض، خف، خفاش، خفية ١ - ٢
يعطاه ثم يرد إلى مأمنه. (١) وفي ذلك تفصيل
ينظر في: (أمان، جهاد).
خفاض
انظر: ختان
خف
انظر: مسح على الخفين
خفاش
انظر: أطعمة
(١) المغني لابن قدامة ٣٩٦/٨ - ٣٩٩ والبدائع ١٠٧/٧،
ونهاية المحتاج ٨/ ٧٥
خفية
التعريف :
١ - الخفية في اللغة بضم الخاء وكسرها أصلها
من خفيت الشيء أخفيه أي سترته أو أظهرته
فهو من الأضداد. وخفي الشيء يخفى خفاء إذا
استتر. ويقال: فعلته خفیة إذا سترته، قال
الليث: الخفية من قولك: أخفيت الشيء: أي
سترته، ولقيته خفيا أي سرا(١)
وفي التنزيل: ﴿ادعو ربكم تضرعا
وخفية﴾. (٢) وفي الاصطلاح تطلق على
الستر والكتمان دون الإظهار. (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
الاختلاس :
٢ - الاختلاس: السلب بسرعة على غفلة،
(١) المصباح المنير ولسان العرب مادة: ((خفي)) وتفسير القرطبي
٢٢٣،٩/٧
(٢) سورة الأعراف/ ٥٥
(٣) تفسير القرطبي ٧/ ٢٢٣ وحاشية ابن عابدين ١٩٢/٣،
١٩٣، والبدائع ٧/ ٦٥، والشرح الصغير ٤/ ٤٦٩
وحاشية الجمل ١٣٨/٥، وكشاف القناع ٦/ ١٢٩
- ٢١٩ -

خفية ٣ - ٤
ولهذا يقال: الفرصة خلسة. وخلست الشيء
خلسا إذا اختطفته بسرعة على غفلة. واختلسته
كذلك. فالمختلس يأخذ المال عيانا ويعتمد
الهرب، بخلاف السارق الذي يأخذه خفية. (١)
الحکم الإِجمالي ومواطن البحث :
أولا : الخفية في الدعاء:
٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الدعاء خفية
أفضل منه جهرا، لقوله تعالى : ﴿ادعوا ربكم
تضرعا وخفية﴾. (٢) قال القرطبي: تضرعا: أن
تظهروا التذلل، وخفية: أن تبطنوا مثل
ذلك، (٣) فأمر الله عز وجل عباده بالدعاء، وقرن
بالأمر صفات يحسن معها الدعاء، منها الخفية
ومعنى خفية : سرا في النفس ليبعد عن الرياء.
وبذلك أثنى على نبيه زكريا عليه السلام إذ
قال: ﴿إذ نادى ربه نداء خفیا﴾(٤) ونحوه قول
النبي ◌َّ: ((خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما
يكفي)). (٥)
ومن المعلوم في الشريعة أن السر فيما لم يفرض
(١) لسان العرب مادة: ((خلس)) وحاشية الجمل ١٣٩/٥،
والمطلع على أبواب المقنع ص٣٧٥
(٢) سورة الأعراف/ ٥٥
(٣) تفسير القرطبي ٧/ ٩
(٤) سورة مريم/ ٣
(٥) حديث: ((خير الذكر الخفي، وخير الرزق ... )). أخرجه
أحمد (١٧٢/١ - ط الميمنية) من حديث سعد بن أبي
وقاص، وأورده الهيثمي في المجمع (١٠ / ٨١ - ط =
من أعمال البرأعظم أجرا من الجهر، وأن إخفاء
عبادات التطوع أولى من الجهربها لنفي الرياء
عنها، بخلاف الواجبات، لأن الفرائض
لا يدخلها الرياء، والنوافل عرضة للرياء. (١)
واستثنى الفقهاء من ذلك أمورا منها: التلبية
يوم عرفة، فقد نصوا على أن الجهر به أولى من
الخفية على أن لا يفرط في الجهر به. (٢)
ثانيا : الخفية في السرقة :
٤ - اتفق الفقهاء على أن الأخذ على سبيل
الاستخفاء ركن من أركان السرقة الموجبة
للحد. فقد عرفوا السرقة بأنها: أخذ العاقل
البالغ نصابا محرزا ملكا للغيرلا شبهة فيه على
وجه الخفية . (٣)
ومع اختلاف عبارات الفقهاء في تعريف
السرقة وشروطها فإنهم لا يختلفون في اشتراط
أن یکون الأخذ على وجه الخفية، وإلا لا يعتبر
الأخذ سرقة، فلا قطع على منتهب، ولا على
القدسي) وقال: ((رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه محمد بن
=
عبدالرحمن بن لبيبة. وقد وثقه ابن حبان وضعفه ابن
معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح)).
(١) القرطبي ٣٣٢/٣، و٢٢٤/٧
(٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ١٧٥، وجواهر الإكليل ٢٥٦/١،
والقليوبي ٢/ ١١٤
(٣) الاختيار ١٠٢/٤، وابن عابدين ١٩٢/٣، والشرح
الصغير للدردير ٤٦٩/٤، وحاشية الجمل ١٣٩/٥ ،
ومغني المحتاج ١٥٨/٤، وكشاف القناع ١٢٩/٦، والمغني
لابن قدامة ٨/ ٢٤٠
- ٢٢٠ -