النص المفهرس

صفحات 121-140

خصاء ٥
وقال ابن حجر: هو نهي تحريم بلا خلاف في
بني آدم.(١)
ومن النهي الوارد في ذلك ما روی عبدالله بن
مسعود قال: کنا نغزومع رسول الله ێ﴾ ولیس
لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن
ذلك. (٢)
وحديث سعد بن أبي وقاص: ((رد
رسول الله عليه على عثمان بن مظعون التبتل،
ولو أذن له لاختصينا)). (٣)
وفي رواية أخرى أخرجها الطبراني من
حديث عثمان بن مظعون نفسه أنه قال:
((يارسول الله إني رجل تشق علي هذه العزوبة في
المغازي فتأذن لي في الخصاء فأختصي؟ قال:
لا، ولكن عليك بالصيام)). (٤)
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ١٧٧، وفتح الباري
شرح صحيح البخاري ١١٩/٩، والدر المختار ٢٤٩/٥،
والزرقاني ٢٣٧/٣
(٢) حديث عبدالله بن مسعود قال: ((كنا نغزو مع
رسول الله (#). أخرجه البخاري (الفتح ١١٧/٩ - ط
السلفية).
(٣) حديث سعد بن أبي وقاص: ((رد رسول الله لز على
عثمان بن مظعون التبتل)». أخرجه البخاري (الفتح
١١٧/٩ - ط السلفية).
(٤) حديث عثمان بن مظعون: ((يارسول الله إني رجل تشق علي
هذه العزوبة». أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد
(٢٥٣/٤ - ط القدسي)، وقال الهيثمي: ((فيه عبد
الملك بن قدامة الجمحي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه
جماعة، وبقية رجاله ثقات)).
وفي رواية أن عثمان رضي الله عنه قال:
يارسول الله ائذن لي في الاختصاء فقال:
((إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية
السمحة)). (١)
ويروى موقوفا على عمر بن الخطاب:
(لا كنيسة في الإِسلام ولا خصاء)(٢) قال ابن
حجر تعقيبا على هذه الأحاديث:
والحكمة في منع الخصاء أنه خلاف ما أراده
الشارع من تكثير النسل ليستمر جهاد الكفار،
وإلا لو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه
فينقطع النسل فيقل المسلمون بانقطاعه ویکثر
الكفار، فهو خلاف المقصود من بعثة النبي ◌َل﴾ .
كما أن فيه من المفاسد، تعذيب النفس
والتشويه مع إدخال الضرر الذي قد يفضي إلى
الهلاك.
وفيه إبطال معنى الرجولية التي أوجدها الله
فيه، وتغيير خلق الله، وكفر النعمة، وفيه تشبه
بالمرأة واختيار النقص على الكمال. (٣)
(١) حديث: ((إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة)).
أخرجه الطبراني في معجمه الکبیر (٦/ ٧٥ - ٧٦ - ط وزارة
الأوقاف العراقية)، وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(٢٥٢/٤ ط القدسي) وقال: ((فيه إبراهيم بن زكريا، وهو
ضعیف».
(٢) رواه الإِمام أحمد، وانظر أحكام أهل الذمة (٢/ ٦٧٣).
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ١٧٧، وفتح الباري
شرح صحيح البخاري ١١٩/٩.
- ١٢١ -

خصاء ٦ - ٧
ثانيا : في غير الآدمي :
٦ - قرر الحنفية أنه لا بأس بخصاء البهائم، لأن
فيه منفعة للبهيمة والناس.
وعند المالكية : يجوز خصاء المأكول من غير
كراهة، لما فيه من صلاح اللحم.
والشافعية فرقوا بين المأكول وغيره، فقالوا :
يجوز خصاء ما يؤكل لحمه في الصغر، ويحرم في
غيره. وشرطوا أن لا يحصل في الخصاء هلاك.
أما الحنابلة فيباح عندهم خصي الغنم لما فيه
من إصلاح لحمها، وقيل : يكره كالخيل وغيرها
والشدخ أهون من الجب. وقد قال الإِمام أحمد :
لا يعجبني للرجل أن يخصي شيئا، وإنما كره
ذلك للنهي الوارد عن إيلام الحيوان. واستدلوا
بما روي عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله الله
عن إخصاء البهائم نهيا شديدا)). (١)
الأحكام المترتبة على الخصاء:
أ - في العيوب التي يفسخ بها النكاح:
٧ - ذهب الحنفية إلى أن الخصي يأخذ حكم
العنین فیؤجل سنة، ولا فرق عندهم بین سل
(١) حديث: ((نهى عن إخصاء البهائم نهيا شديدا)).
أخرجه البزار (٢٧٤/٢ - كشف الأستار - ط الرسالة) من
حديث عبدالله بن عباس، وقال الهيثمي: ((رجاله رجال
الصحيح)) مجمع الزوائد (٢٦٥/٥ - ط القدسي).
وانظر الهداية مع فتح القدير ٨/ ١٣١، والزرقاني
٢٣٧/٢، وحاشية عميرة على المحلي ٣/ ٢٠٤، المغني
٨/ ٦٢٥، والآداب الشرعية ١٤٤/٣.
الخصيتين أو قطعهما، وبين ما لو كان ذكره لا
ينتشر، لأن آلته لو كانت تنتشر فلا خيار
للزوجة .
وحکم ذلك التأجیل کالعنین لدخوله تحت
اسم العنين، وعندهم أنها إن كانت عالمة بحاله
لا خيار لها، وإن لم تكن عالمة فلها المطالبة
بالفرقة . (١)
وقال السرخسي : الخصي بمنزلة العنين،
لأن الوصول في حقه موجود لبقاء الآلة. ولو
تزوجت وهي تعلم بحاله فلا خيار ها فیه، لأنها
صارت راضية به حين أقدمت على العقد مع
علمها بحاله، ولو رضیت به بعد العقد بأن
قالت: رضیت، سقط خیارها، فكذلك إذا
كانت عالمة به، ولا فرق في قولها رضيت بالمقام
معه بين أن يكون عند السلطان أو غيره، لأنه
إسقاط لحقها . (٢)
وعند المالكية: لها الخيار إذا كان لا يمني، أما
إن أمنى فلا رد به، لأن الخيار إنما هو لعدم تمام
اللذة، وهي موجودة مع الإِنزال. (٣)
وللشافعية إذا وجدت المرأة زوجها خصيا
قولان :
(١) البحر الرائق لابن نجيم ١٢٤/٤، وفتح القدير لابن الهمام
١٣٢/٥، وانظر نیل الأوطار للشوكاني ٢٩٨/٦ - ٢٩٩
(٢) المبسوط السرخسي ٣/ ١٠٤
(٣) الزرقاني ٢٣٦/٣، ٢٣٧
- ١٢٢ -

خصاء ٨
أحدهما: لها الخیار في فسخ النكاح، لأن
النفس تعافه .
والثاني: أنه لا خيار لها لأنها، تقدر على
الاستمتاع به .(١)
وقال الحنابلة: الخصي إن وصل إليها فلا
خيار لها، لأن الوطء ممكن، والاستمتاع حاصل
بوطئه. (٢)
ب - حكم الخصاء في القصاص والدّية:
٨ - سبق أن بينا أن الخصاء هو أخذ الخصيتين
دون الذکر أو معه، وفيما يلي نذكر موجب قطع
الخصیتین دون الذکر أو معه:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القصاص يجري
عند توافر شروطه في الأنثيين لقوله تعالى :
﴿والجروح قصاص﴾(٣) فيقطع الأنثيان
بالأنثیین، لأنه ینتھي إلی حد فاصل یمکن
القصاص فيه فوجب فيه القصاص.
(٤)
وألحق الشافعية إشلال الأنثيين ودقهما
بالقطع في وجوب القصاص. قال النووي : وفي
قطع الأنثيين وإشلالهما القصاص، سواء أقطع
الذكر والأنثيين معا، أم قدم الذكر أو الأنثيين،
(١) المهذب للشيرازي ٦٢/٢ - كفاية الأخيار ٢ /٥٩ - ٦٠
(٢) المغني ٦/ ٦٧٠، وانظر المقنع لابن قدامة ٥٥/١
(٣) سورة المائدة/ ٤٥
(٤) المهذب ٢/ ١٨٣، والمغني ٧/ ٧١٤، والتساج والإكليل
بهامش الخطاب ٦/ ٧٤٧
ولو دق خصییه ففي التهذيب أنه يقتص بمثله
إن أمكن، وإلا وجبت الدية. (١)
ويرى المالكية أنه لا يقتص في الرض، قال
أشهب: إن قطعت الأنثیان أو أخرجتا ففيهما
القود لا في رضهما، لأنه قد يؤدي إلى التلف
لعدم الانضباط في القصاص. (٢)
أما الحنفية فقد جاء في الفتاوى الهندية نقلا عن
الفتاوى الظهيرية، أنه ليس في الكتب الظاهرة
نص يدل على وجوب القصاص في قطع
الأنثيين حالة العمد، (٣) ويقول الكاساني:
ينبغي أن لا يجب القصاص فیھما، حیث لیس
لهما مفصل معلوم فلا يمكن استيفاء المثل. (٤)
وإذا سقط القصاص لعدم توافر أي شرط
من شروطه تجب الدية في الأنثيين، فقد ورد في
كتاب النبي ◌َّ لعمروبن حزم (وفي البيضتين
الدية)(٥) ولأن فيهما الجمال والمنفعة، فإن النسل
یکون بها، فكانت فیهما الدیة کالیدین، وروی
(١) روضة الطالبين ١٩٥/٩
(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٣٨٨/٤، والتاج
والإكليل ٢٤٧/٦
(٣) الفتاوى الهندية ٦/ ١٥
(٤) بدائع الصنائع ٣٠٩/٧
(٥) حديث: ((وفي البيضتين الدية)). أخرجه النسائي (٥٨/٨
- ط المكتبة التجارية) من حديث طويل رواه عمرو بن حزم
وضعف إسناده النووي كما في التلخيص لابن حجر
(١٣١/١ - ط شركة الطباعة الفنية) ولكن ابن حجر أورد
له شواهد تقویه .
- ١٢٣ -

خصاء ٨ .
الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال: مضت
السنة أن في الصلب الدية، وفي الأنثيين الدية .
وفي إحداهما نصف الدية في قول أكثر أهل
العلم، لأن ما وجب في اثنين منه الدیة، وجب
في أحدهما نصفها، كاليدين وسائر الأعضاء،
ولأنهما ذوا عدد تجب فيه الدية فاستوت ديتهما
كالأصابع، وحكي عن سعيد بن المسيب أن في
الیسری ثلثي الدیة، وفي الیمنی ثلثها، لأن
اليسرى أكثر لأن النسل يكون بها . (١)
قال ابن قدامة: وإن رض أنثييه أو أشلهما
کملت دیتهما كما لو أشل یدیه أو ذكره، فإن قطع
أنثييه فذهب نسله لم يجب أكثر من دیة، لأن
ذلك نفعهما فلم تزدد الدیة بذهابه معهما،
كالبصر مع ذهاب العينين، والبطش مع ذهاب
اليدين، وإن قطع إحداهما فذهب النسل لم
يجب أكثر من نصف الدية، لأن ذهابه غير
متحقق . (٢)
هذا موجب قطع الأنثیین دون الذکر، أما إذا
قطع الأنثیین مع الذكر مرة واحدة ففيهما دیتان
باتفاق الفقهاء، دیة للأنثیین ودیة للذکر، لأن
الجاني فوّت منفعة الجماع بقطع الذكر ومنفعة
(١) المبسوط ٢٦/ ٧٠، والشرح الصغير ٣٨٨/٤، بداية
المجتهد ٤٢٢/٢ ط الحلبي، وروضة الطالبين ٢٨٧/٩،
والمهذب ٢٠٨/٢، والمغني ٣٤/٨
(٢) المغني ٨/ ٣٤، ٣٥
الإِنزال بقطع الأنثيين، فقد وجد تفويت منفعة
الجنس في قطع كل منهما فيجب في كل واحد
منهما دية كاملة . (١)
ويرى الحنفية والحنابلة أنه إن قطع الذكر أولا
ثم قطع الأنثيين تجب ديتان، فإن قطع الأنثيين
ثم قطع الذكر لم يلزمه إلا دية واحدة في
الأنثیین، وفي الذکر حکومة العدل، لأنه ذكر
الخصي ولا تكمل الدية في ذكر الخصى. (٢)
وقال الكاساني في تعليله لهذا الحكم: لأن
منفعة الأنثيين كانت كاملة وقت قطعهما،
ومنفعة الذكر تفوت بقطع الأنثيين إذ لا يتحقق
الإِنزال بعد قطع الأنثيين فنقص أرشه. (٣)
ويؤخذ من عبارات المالكية والشافعية أنه
تجب في قطع الأنثيين مع الذكر ديتان سواء
أقطعتا قبل الذكر أم بعده. (٤)
قال المواق: إن قطعت الأنثيان مع الذكر
ففي ذلك ديتان، وإن قطعتا قبل الذكر أو بعده
ففيهما الدية، وإن قطع الذكر قبلهما أو بعدهما
ففيه الدية، ومن لا ذكر له ففي أنثييه الدية،
ومن لا أنثيين له ففي ذكره الدية . (٥)
(١) بدائع الصنائع ٣٢٤/٧، المغني ٣٣/٨، ٣٤، والتاج
والإكليل ٢٤١/٦، وشرح المنهج ٧٩/٥
(٢) بدائع الصنائع ٣٢٤/٧، والمغني ٣٣/٨، ٣٤
(٣) بدائع الصنائع ٣٢٤/٧
(٤) التاج والإكليل ٦/ ٢٦١، وشرح المنهج ١٧٩/٥
(٥) التاج والإكليل ٦/ ٢٦١
- ١٢٤ -

خصاء ٩
كما أن الشافعية يوجبون دية كاملة في
الأنثيين، ودية كاملة في الذكر سواء في ذلك ذکر
الشيخ، والشاب، والصغير، والعنين،
والخصي وغيرهم. (١)
وللتفصيل (ر: جناية على ما دون النفس،
دية، قصاص).
حكم الخصي من بهيمة الأنعام في الأضحية
والهدي:
٩ - أصل ذلك: ما روى أبورافع قال: ضحى
رسول الله مح لهب بكبشين أملحين موجوعين
خصيين. (٢)
وما روی أبو سلمة عن عائشة رضي الله عنها
أو عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن
رسول الله * كان إذا أراد أن يضحي اشترى
كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين
موجوءین فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله
بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن
محمد وعن آل محمد. (٣)
(١) روضة الطالبين ٢٨٧/٩
(٢) حدیث: ((ضحی رسول الله ﴾ بکبشین املحین موجوءین
خصيين)). أخرجه أحمد (٨/٦، ٣٩١ - ط الميمنية) وقال
الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤//٢١ - ط القدسي)
(إسناده حسن)).
(٣) حديث: ((كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين)).
أخرجه ابن ماجه (١٠٤٣/٢ - ١٠٤٤ - ط الحلبي) وحسن
إسناده البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١٥٥/٢ - ط دار
الجنان).
والموجوء هو منزوع الأنثيين كما ذكره
الجوهري وغيره، وقيل: هو المشقوق عرق
الأنثيين، والخصيتان بحالهما .(١)
قال الشوكاني : هذه الأحادیث دلیل علی
استحباب التضحية بالموجوء، واتفقوا على جواز
ذلك وعلى الصفات الواردة في الأحاديث.
ثم قال: إن الظاهر أنه لا مقتضى
للاستحباب، لأنه قد ثبت عنه وليه التضحية
بالفحیل، فیکون الکل سواء. (٢)
وقد نص الحنفية على ذلك بقولهم :
أن يكون من الأجناس الثلاثة، الغنم، أو
الإِبل أو البقر، ويدخل في کل جنس نوعه،
والذكر والأنثى منه، والخصي والفحل لإِطلاق
اسم الجنس على ذلك. (٣)
أما المالكية فيفضلون الفحيل في الأضحية
على الخصي، إن لم يكن الخصي أسمن، وإلا
فهو أفضل، وإن كان بخصية واحدة فيجزىء
إن لم يحصل بها مرض.
وإنما أجزأ لأنه يعود بمنفعة في لحمها، فيجبر
ما نقضى.
وعندهم أيضا سواء كان فوات الجزء خلقة أو
كان طارئا بقطع فجائز لما ذكروا. (٤)
(١) نيل الأوطار للشوكاني ٢٠٩/٥
(٢) المرجع نفسه ٢٠٩/٥ - ٢١٠
(٣) البدائع للكاساني ٦٩/٥
(٤) حاشية الدسوقي ٢/ ١٢٠، ١٢١
- ١٢٥ -

خصاء، ٩، خصوصية، خصومة ١ - ٢
كما نص الشافعية على جواز الهدي
والأضحية بالخصي بقولهم: ويجزىء الخصي
ومكسور القرن، والخصي هو مقطوع الأنثيين،
والمذهب أنه یجزىء، لأن نقصهما سبب لزيادة
اللحم وطيبه، وأغرب ابن كج فحكى فيه
قولین، ووجه عدم الإِجزاء ما فيه من فوات جزء
مأکول مستطاب .(١)
وعند الحنابلة أيضا: أن التضحية بخصي
بلا جب تجزىء، لأن النبي ◌َّ ((ضحى
بكبشين موجوعين)»، وعن عائشة رضي الله عنها
نحوه .
والموجوء: المرضوض الخصيتين سواء أقطعتا
أم سلتا، ولأنه إذهاب عضو غیر مستطاب، بل
يطيب اللحم بزواله ويسمن، أما الخصي
المجبوب فعندهم أنه لا يجزیء. (٢)
خصوصية
انظر : اختصاص
(١) كفاية الأخيار ٢٣٨/٢ - ٢٣٩
(٢) المقنع لابن قدامة ٤٧٤/١ .
خصومة
التعريف :
١ - الخصومة لغة: المنازعة، والجدل، والغلبة
بالحجة . (١)
والمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى
اللغوي، وقد استعمل الفقهاء هذه الكلمة في
رفع الدعوى أمام القضاء. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العداوة :
٢ - العداوة، هي ما يتمكن في القلب من قصد
الإِضرار والانتقام، وأصله من تجاوز الحد في
الشيء. (٣)
قال الراغب: العَدْو التجاوز ومنافاة
الالتئام، فتارة يعتبر بالقلب، فيقال له: العداوة
والمعاداة، وتارة بالمشي، فيقال له العَدْو، وتارة
(١) لسان العرب، المفردات، معجم متن اللغة، المعجم
الوسيط مادة: ((خصم)) وتكملة فتح القدير ٩٦/٦، العناية
٩٦/٦
(٢) المراجع السابقة، ومعين الحكام ٢٢، وتبصرة الحكام
٣٢/١، والروضة ١٣٨/١١
(٣) النهاية ١٩٣/٣، التعريفات ١٩١
- ١٢٦ -

خصومة ٣ - ٥
في الإِخلال بالعدالة في المعاملة، فيقال له
العدوان والعدو، قال الله تعالى: ﴿فيسبوا الله
عَدواً بغير علم﴾.(١)
قال أبو هلال العسكري: الفرق بين المعاداة
والمخاصمة أن المخاصمة، من قبيل القول،
والمعاداة من أفعال القلوب، ويجوز أن يخاصم
الإِنسان غيره من غير أن يعاديه، ويجوز أن
يعاديه ولا يخاصمه. (٢)
ب - الدعوى :
٣ - عرفها الحنفية بأنها قول مقبول عند القاضي
يقصد به طلب حق قبل غيره، أو دفعه عن حق
نفسه. فالخصومة والدعوى من حيث التعريف
متساويان عند الحنفية .
وعرفها الشافعية، بأنها إخبار بحق له على
غيره عند حاكم. فالدعوى عند الشافعية غلب
استعمالها على طلب الحق من المدعي، أما
الخصومة فما يقع من الخصمين (المدعي والمدعى
عليه) أمام القاضي.(٣)
أقسام الخصومة :
٤ - تنقسم الخصومة إلى قسمين:
الأول : ما يكون الخصم فيه منفردا. وهو الذي
(١) سورة الأنعام/ ١٠٨. وانظر المفردات ص٣٢٦
(٢) الفروق ١٠٧
(٣) ابن عابدين ٤١٩/٤، قليوبي وعميرة ٤/ ٣٣٤، مجلة
الأحكام م ١٦١٣
لا يحتاج إلى حضور آخر معه، كمن يترتب
على إقراره حكم، فهو خصم في حالة إنكاره.
ونظائر هذا في مصطلح : (دعوى).
والقسم الثاني: الخصومة التي تحتاج إلى
حضور طرف آخر، كمسائل الوديعة والعارية
والإِجارة والرهن والغصب ونظائرها. (١) وانظر
تفصيلها في مظانها من كتب الفقه والمصطلحات
الخاصة بها في الموسوعة، ومصطلحي : (قضاء
ودعوى).
ضابط الخصومة :
٥ - أ) في المدعي : إذا ادعى أحد شيئا، وكان
یترتب على إقراره حكم إذا أقر، يكون بإنكاره
خصما في الدعوى.
ب - في المدعى عليه: إذا كان لا يصح إقرار
المدعى عليه، أي في حالة إقراره لا یترتب حکم
على إقراره، فبإنكاره لا يكون خصما في
الدعوى. (٢) وذلك كما لوادعى شخص على
ولي الصغیربدین أوبحق فأقر به، فإن إقراره
لا يقبل لما فيه من الإضرار بالمحجور عليه.
ويندرج تحت هذا الضابط مسائل تنظر في
مصطلح : (دعوى).
(١) درر الحكام ١٩٩/٤، والفتاوى الهندية ٣٦/٤
. (٢) درر الحكام ٤/ ٢٠٠
- ١٢٧ -

خصي، خضاب، خطأ ١
خصي
انظر: خصاء.
خضاب
انظر: اختضاب
خطأ
التعريف :
١ - الخطأ لغة نقيض الصّواب.
قال في اللسان: الخطأ والخطاء ضد
الصواب، وفي التنزيل: ﴿وليس عليكم جناح
فيما أخطأتم به﴾(١) عداه بالباء لأنه في معنى
عثرتم أو غلطتم .
وأخطأ الطريق عدل عنه، وأخطأ الرامي
الغرض لم يصبه. وخطّأه تخطئة نسبه الى الخطأ
وقال له أخطأت.
وقال الأموي : المخطىء من أراد الصواب
فصار إلى غيره، والخاطىء من تعمد لما
لا ينبغي .
والاسم الخطيئة على فعيله، وذلك أن تشدد
الياء وتدغم فتقول خطيّة والجمع خطايا . (٢)
وفي النهاية والمصباح: يقال خَطِىء. في دينه
خِطْأ إذا أثم فيه، والخِطء: الذنب والإِثم.
وأخطأ يُخِطىء إذا سلك سبيل الخطأ عمدا أو
(١) سورة الأحزاب/٥
(٢) لسان العرب والصحاح مادة: ((خطو))
- ١٢٨ -

خطأ ٢ - ٣
سهوا. ويقال: خطىء بمعنى أخطأ أيضا.
وقيل: خَطِىء إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد .
ويقال: لمن أراد شيئا ففعل غيره، أو فعل
غير الصواب: أخطأ . (١)
معناه في الاصطلاح :
٢ - قال في التلويح : هو فعل يصدر من الإِنسان
بلا قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود سواه. (٢)
وعرفه الكمال بن الهمام بقوله :
هو أن يقصد بالفعل غير المحل الذي يقصد
به الجناية، كالمضمضة تسري إلى حلق
الصائم، فإن المحل الذي يقصد به الجناية على
الصوم إنما هو الحلق ولم يقصد بالمضمضة بل
قصد بها الفم، وکالرمي إلی صید فأصاب
آدميا، فإن محل الجناية هو الآدمي ولم يقصد
بالرمي بل قصد غيره وهو الصيد. (٣)
الغلط :
٣ - الغلط في اصطلاح جمهور الفقهاء يأتي
مساويا للفظ الخطأ . (٤)
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤٤/٢، والمصباح المنير
مادة: ((خطو)).
(٢) التلويح ١٩٥/٢ ط صبيح، وانظر الموسوعة المجلد
السابع ص١٦٦ مصطلح ((أهلية)).
(٣) تيسير التحرير ٣٠٥/٢
(٤) منهاج الطالبين ١١٥/٢، والمهذب ٢٣٣/١، وحاشية
ابن عابدين ٤٢٢/٧
فقد جاء في حاشية العدوي على الخرشي
تعريف الغلط : بأنه تصور الشيءعلى خلاف ما
هو عليه . (١)
وقریب من هذا التعريف ما قاله الليث: إنه
أي الغلط كل شيء يعيا الإِنسان عن جهة
صوابه من غير تعمد. (٢) وهذا هو معنى الخطأ
بعينه .
وذكر بعض المالكية: فرقا بين الخطأ والغلط
وهو أن متعلق الخطأ الجنان، ومتعلق الغلط
اللسان. (٣) ولكنهم قالوا يأتي الغلط بمعنى
الخطأ ويأخذ حکمه.
قال الدسوقي في حاشيته: في الحنث بالغلط
أي: اللساني نظر، والصواب عدم الحنث فيه،
وما وقع في کلامهم من الحنث بالغلط، فالمراد به
الغلط الجناني الذي هو الخطأ ، كحلفه أن
لا یکلم زیدا، فكلمه معتقدا أنه عمرو،
وكحلفه لا أذكر فلانا فذكره، لظنه أنه غير الاسم
المحلوف عليه . (٤)
وفرق أبو هلال العسكري بين الخطأ والغلط
فقال: إن الغلط هو وضع الشيء في غير
موضعه، ويجوز أن يكون صوابا في نفسه،
والخطأ لا یکون صوابا علی وجه.
(١) حاشية العدوي على الخرشي ١٢٢/٧
(٢) لسان العرب
(٣) شرح الدردير وحاشية الدسوقي عليه ١٤٢/٢
(٤) حاشية الدسوقي ١٤٢/٢
- ١٢٩ -

خطأ ٤ - ٥
ثم قال: وقال بعضهم: الغلط ان یسھی
ترتيب الشيء وأحكامه، والخطأ أن يسهى عن
فعله، أو أن يوقعه من غير قصد له ولكن
لغيره. (١)
وهذا البحث يشمل مصطلحي (خطأ،
وغلط) باعتبارهما یردان علی معنی واحد كما هو
اصطلاح جمهور الفقهاء فإنهم يعبرون عما يجري
على اللسان من غير قصد بلفظ الخطأ، كما في
بيع المخطىء وطلاقه .
والمالكية يعبرون عما يتعلق بالاعتقاد بلفظة
الغلط، كما في الغلط في المبيع، وتأتي تعبيراتهم
مختلفة أحيانا، فمنهم من يعبر بلفظة الخطأ،
ومنهم من يعبر عن ذات المسألة بلفظة الغلط،
کما في الحج والوقوف بعرفة، وفي کثیرمن
المسائل كمسائل الشهادة والرجوع عنها .
الألفاظ ذات الصلة :
۔
أ - النسيان والسهو والغفلة والذهول:
٤ - هذه الألفاظ متقاربة في المعنى عند الفقهاء
والأصوليين.
فقد نقل ابن عابدين عن شرح التحرير
اتفاقهم على عدم الفرق بين السهو والنسيان.
وقال ابن نجيم: المعتمد أنهما مترادفان. (٢)
(١) الفروق اللغوية ص٤١
(٢) تيسير التحرير ٢٦٣/٢، شرح فتح القدير ٣٩٥/١،
وحاشية ابن عابدين ٦١٤/١، والأشباه والنظائر لابن
نجیم ص٣٠٢
وصرح البيجوري بأن السهو مرادف
للغفلة، وأما الذهول فمن العلماء من جعله
مساويا للغفلة، ومنهم من جعله أعم منها،
ومنهم من جعله أخص، وجميع هذه الألفاظ
ترجع إلى عيوب في الإِرادة لمن فاتها العلم،
وما كان منافيا للعلم كان منافيا للإِرادة، وصلتها
بالخطأ أنها أسباب تؤدي إليه والخطأ ينتج
عنها . (١)
ب - الإكراه :
٥ - الإكراه هو حمل الغير على ما لا يرضاه من
قول أو فعل، ولا يختار المكره مباشرته لو خلي
ونفسه، وينقسم إلى ملجىء وغير ملجىء
وتفصيل أحكامه محله مصطلح : (إكراه)
قال الآمدي وغيره: والحق أنه إذا خرج
بالإكراه إلى حد الاضطرار، وصار نسبة ما
يصدر عنه من الفعل إليه نسبة حركة المرتعش
(١) حاشية الجمل ٤٤٦/١، وحاشية ابن عابدين ٧٧/٢،
١٤٧/٦، وجمع الجوامع ٦٨/١، ١٩٣/٢،٦٩. وانظر
غريب الحديث للهروي ١٤٩/٣، والنهاية في غريب
الحديث والأثر ٥٠/٥، وحاشية البيجوري على متن
السنوسية ص ٢٩ - النشر الطيب على توحيد ابن عاشر
٣٥٥/١، والمفردات ص٣٦٢، ٤٩١، والمصباح المنير،
ولسان العرب والشرح الصغير ٢٤٣/٤، نهاية السول في
شرح منهاج الأصول بتحقيق المطيعي ١ - ٣/٥، وتيسير
التحرير ٢٦٤/٢ و٣٠٥ و٣٠٦، والقواعد والفوائد
الأصولية للبعلي ص١٥٣، والإحكام في أصول الأحكام
للآمدي ١١٧/١، وشرح فتح القدير ٣٩٥/١.
- ١٣٠ -

خطأ ٦ - ٨
إلیه، أن تكلیفه به إيجادا وعدما غير جائز إلا
على القول بتكليف ما لا يطاق، وأما إن لم ينته
إلى حد الاضطرار فهو مختار، وتكليفه جائز
عقلا وشرعا، وأما المخطىء فهو غير مكلف
إجماعا فيما هو مخطىء فيه.(١)
جـ ـ الهزل :
٦ - الهزل ضد الجد وهو كل كلام لا تحصيل له
مأخوذ من الهزال. (٢)
وقال ابن الأثير: الهزال واللعب من باب
واحد. (٣) ونحوهما المزاح.
· وفي الاصطلاح: أن لا يراد باللفظ ودلالته
المعنى الحقيقي ولا المجازي بأن لا يراد به شيء
أو یراد به ما لا یصح إرادته به . (٤)
والهزل كالخطأ في أنه من العوارض المكتسبة
إلا أن المخطىء لا قصد له في خصوص اللفظ
ولا في حکمه، والهازل مختار راض بخصوص
اللفظ غير راض بحكمه . (٥)
(١) الإحكام في أصول الأحكام ١١٧/١، نهاية السول في
شرح منهاج الأصول ٣٢١/١، الإبهاج في شرح المنهاج
١٦١/١، القواعد والفوائد الأصولية ص ٣٩، تيسير
التحریر ٢٥٨/٢، ٣٠٧
(٢) المفردات ص٥٤٢
(٣) النهاية ٢٦٣/٥
(٤) تيسير التحرير ٢٩٠/٢
(٥) تيسير التحرير ٣٠٧/٢
د - الجهل :
٧ - الجهل انتفاء العلم بالمقصود بأن لم يدرك
أصلا، ويسمى الجهل البسيط، أو أدرك على
خلاف هيئته في الواقع ويسمى الجهل المركب،
لأنه جهل المدرك بما في الواقع، مع الجهل بأنه
جاهل به كاعتقاد الفلاسفة أن العالم قدیم.
واعتبر الفقهاء الجهل عذرا من باب
التخفيف، وعارضا من العوارض المكتسبة،
مثله مثل الخطأ، وأنه مسقط للإِثم ويعتد به
عذرا في حقوق الله تعالى المنهيات دون
المأمورات، لأن المقصود من المأمورات إقامة
مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها،
والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانا
للمكلف بالانکفاف عنها، وذلك إنما يكون
بالتعمد لارتكابها، ومع الجهل لم يقصد المكلف
ارتكاب المنهي فعذر بالجهل فيه. (١)
ولا يعتبر الجهل عذرا في حقوق الآدميين
مثله في ذلك مثل الخطأ، فيضمن الجاهل
والمخطىء ما يتلفانه من حقوق العباد.
الحكم التكليفي :
٨ - اختلف علماء الأصول في وصف المخطىء
بالحل والحرمة .
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٠٣، ٣٠٤، حاشية
البيجوري على السنوسية ص ٢٩، النشر الطيب ٢٧/٢،
وحاشية البناني على جمع الجوامع ١١١/١ - ١٦٤، غاية
الوصول شرح لب الأصول ص٢٢، ٢٣، والمنثور في
القواعد ١٦/٢ - ٢٠، والفروق في اللغة ١٤٩/٢ - ١٥١
- ١٣١ -

خطأ ٨ - ٩
فقال الأسنوي : بعد أن عرّف الحكم بأنه
خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو
التخيير: من فروع كون الحكم الشرعي لابد
من تعلقه بالمكلفين، أن وطء الشبهة القائمة
بالفاعل، وهو ما إذا وطىء أجنبية على ظن أنها
زوجته مثلا، هل يوصف وطؤه بالحل والحرمة،
وإن انتفى عنه الإِثم، أولا يوصف بشيء منها؟
فيه ثلاثة أوجه:أصحها الثالث، وبه أجاب
النووي في كتاب النكاح من فتاویه، لأن الحل
والحرمة من الأحكام الشرعية، والحكم الشرعي
هو الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين، والساهي
والمخطىء ونحوهما ليسوا مكلفين.
وجزم في المهذب بالحرمة، وقال به جماعة
كثيرة من أصحابنا: (أي الشافعية) والخلاف
يجري في قتل الخطأ، وفي أكل المضطر للميتة.
ثم قال: ومن أطلق عليه التحريم أو الإِباحة
لم يقيد التعلق بالمكلفين بل بالعباد، ليدخل فيه
أيضا صحة صلاة الصبي وغيرها من العبادات
ووجوب الغرامة بإتلافه، وإتلاف المجنون
والبهيمة، والساهي ونحو ذلك مما يندرج في
خطاب الوضع. (١)
وقال الشاطبي : إن بين الحلال والحرام مرتبة
العفو فلا يحكم عليه بأنه واحد من الخمسة
المذكورة. ثم قال: ويظهر هذا المعنى في مواضع
(١) التمهيد ص٤٨، ٤٩ تحقیق الدكتور محمد حسن هيتو.
من الشريعة، منها ما یکون متفقا علیه، ومنها
ما يختلف فيه، فمنها الخطأ والنسيان فإنه متفق
على عدم المؤاخذة به، فكل فعل صدر عن
غافل، أوناس، أو مخطىء ، فهو مما عفي عنه،
وسواء علينا أفرضنا تلك الأفعال مأمورا بها أو
منهيا عنها أم لا . لأنها إن لم تكن منهيا عنها
ولا مأمورا بها ولا مخيرا فيها فقد رجعت إلى
قسم ما لا حکم له في الشرع وهو معنی العفو.
وإن تعلق بها الأمر والنهي، فمن شرط
المؤاخذة به ذكر الأمر والنهي والقدرة على
الامتثال، وذلك في المخطىء، والناسي،
والفاعل محال، ومثل ذلك النائم، والمجنون،
والحائض وأشباه ذلك. ومنها الخطأ في الاجتهاد
وهو راجع إلى الأول، (١) وقد جاء في القرآن:
﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾.(٢)
الأثر المترتب على الخطأ بالنسبة للحقوق من
حيث الصحة والفساد والإِجزاء ونحوه :
٩ - جمهور الفقهاء على أن الخطأ عذر في إسقاط
بعض حقوق الله تبارك وتعالى وليس فيها
كلها، فاعتبره الشارع عذرا في سقوط الإِثم عن
المجتهد لما ثبت في الصحيحين: ((إذا حكم
الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا
(١) الموافقات ١٠٩/١، ١٦١، ١٦٤، ١٦٥
(٢) سورة التوبة / ٤٣
- ١٣٢ -

خطأ ٩
حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)). (١)
وجعله شبهة دارئة في العقوبات فلا يؤاخذ
بحد فيما لوزفت إليه غير امرأته فوطئها على ظن
أنها امرأته .
وکذلك لا قصاص فيما لو رمی إلى إنسان
على ظن أنه صيد فقتله.
وأما حقوق العباد فلا تسقط بالخطأ فيجب
ضمان المتلفات خطأ، كما لورمى إلى شاة
وإنسان على ظن أنها صيد، أو أكل ماله على
ظن أنه ملك نفسه، لأنه ضمان مال لا جزاء
فعل فيعتمد عصمة المحل، وكونه خاطئا
لا ینافيها . (٢)
قال ابن نجيم: قال الأصوليون، أي في
حديث: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان
وما استكرهوا عليه: (٣) إنه من باب ترك الحقيقة
بدلالة محل الكلام، لأن عين الخطأ وأخويه (٤)
غیر مرفوع، فالمراد حكمها وهو نوعان : أخروي
(١) حديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٣١٨/١٣ - ط السلفية) ومسلم (١٣٤٢/٣ - ط
الحلبي) من حديث عمروبن العاص.
(٢) تيسير التحرير ٣٠٦/٢، فواتح الرحموت ١٦٥/١،
ميزان الأصول ص ١٨٨ .
(٣) حديث: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه)). أخرجه ابن ماجه ٦٥٩/١ - ط الحلبي)
والحاكم (١٩٨/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من
حديث عبداللهبن عباس، واللفظ لابن ماجه، وصحح
الحاكم إسناده ووافقه الذهبي.
(٤) يقصد النسيان والإكراه.
وهو المأثم، ودنيوي وهو الفساد، والحكمان
مختلفان فصار الحکم بعد کونه مجازا مشترکا فلا
يعم. أما عندنا فلأن المشترك لا عموم له، وأما
عند الشافعي فلأن المجازلا عموم له فإذا ثبت
الأخروي إجماعا لم يثبت الآخر.
وأما الحكم الدنيوي فإن وقع في ترك مأمور لم
يسقط بل يجب تداركه، ولا يحصل الثواب
المترتب علیه، أو فعل منهي عنه، فإن أوجب
عقوبة كان شبهة في إسقاطها، فمن نسي صلاة
أو صوما، أو حجا، أو زكاة، أو كفارة، أو نذرا،
وجب عليه قضاؤه بلا خلاف، وكذا الوقوف
بغير عرفة غلطا يجب القضاء اتفاقا، ومنها من
صلى بنجاسة مانعة ناسيا، أو نسي ركنا من
أركان الصلاة، أو تيقن الخطأ في الاجتهاد في
الماء والثوب وقت الصلاة والصوم. (١)
وقال الزركشي: المراد من قوله ◌َله: ((رفع
عن أمتي الخطأ والنسيان)) أما في الحكم فإن
حقوق الآدميين العامد والمخطىء فيها سواء،
وكذلك في بعض حقوق الله تعالى كقتل الصيد
(١) الأشياء والنظائر لابن نجيم ص ٣٠٣، وانظر الأشباه والنظائر
للسيوطي ص١٨٧ - ١٩٠، وحاشية ابن عابدين ٦١٥/١،
وكشف الخفاء ومزيل الإلباس - الحديث برقم ١٣٩٤،
٢٩٢٩، المنشور في القواعد ١٢٢/٢ هامش، والجزء
الثاني من مختصر قواعد العلائي وكلام الأسنوي لأبي الثناء
نور الدين محمودبن أحمد الحموي الفيومي المعروف بابن
خطيب الدهشة ص٤٩٧، ٤٩٨.
- ١٣٣ -

خطأ ٩
والخطأ في العبادة مرفوع غير موجب للقضاء إن
لم يؤمن وقوع مثله في المفعول ثانيا، كما لو أخطأ
الحجيج في الوقوف بعرفة، فوقفوا العاشر
لا يجب القضاء، لأن الخطأ لا يؤمن في السنين
المستقبلة. أما إذا أمكن التحرز منه فلا يكون
الخطأ عذرا في إسقاط القضاء كما إذا أخطأ
الحجيج في الموقف فوقفوا في غير عرفة، فيلزمهم
القضاء سواء كانوا جمعا كثيرا أو قليلا، لأن
الخطأ في الموقف يؤمن مثله في القضاء،
وکالحاکم یحکم بالاجتهاد ثم يجد النص بخلافه
لا يعتد بحکمه.
ولو صلى بالاجتهاد ثم تيقن الخطأ بعد
الصلاة وجب القضاء في الأصح، ولو اجتهد في
أوان، أو ثیاب، ثم بان أن الذي توضأ به أو
لبسه كان نجسا لزمته الإِعادة . (١)
وذهب جماعة من العلماء إلى أن الفعل
الواقع خطأ أو نسيانا لغوفي الأحكام، كما
جعله الله لغوا في الآثام. وبيّنَّ النبي ◌َّر ذلك
بقوله: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان،
وما استكرهوا عليه)). (٢)
(١) المنثور في القواعد ١٢٢/٢، ١٢٣
(٢) حديث: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) أخرجه الطبراني
عن ثوبان وفي إسناده يزيدبن ربيعة الرجحي، وهو
ضعیف کما قال الهيثمي (فيض القدير ٣٤/٤، ٣٥) ويدل
علی معناه ما أخرجه ابن ماجة من حديث عبداللهبن عباس
((إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))
وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي =
وقال القرطبي عند الكلام على قوله تعالی :
﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾(١)
المعنى: اعف عن إثم ما يقع منا على هذين
الوجهين أو أحدهما. وهذا لم يختلف فيه أن الإِثم
مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من
الأحکام هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء، أو
يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه: والصحيح
أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم
لا يسقط باتفاق کالغرامات، والدیات،
والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق
كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث
يختلف فيه کمن أكل ناسيا في رمضان، أوحنث
ساهيا، وما كان مثله مما يقع خطأ ونسيانا
ويعرف ذلك في الفروع. (٢)
وممن ذهب إلى أن الفعل الواقع خطأ غير
مؤاخذ عليه مطلقا إلكِيا الهراسي الذي قال
عند الكلام على قوله تعالی : ﴿ربنا لا تؤاخذنا
إن نسينا أو أخطأنا﴾ يقتضي رفع المؤاخذة
بالمنسي، والمؤاخذة منقسمة إلى مؤاخذة في
حكم الآخرة وهو الإِثم والعقاب، وإلى
مؤاخذة في حكم الدنيا وهو إثبات التبعات
والغرامات. والظاهر نفي حكم جميع ذلك.
(ابن ماجة ٦٥٩/١، ط الحلبي، والحاكم ١٩٨/٢ ط
=
دائرة المعارف العثمانية)
(١) سورة البقرة/٢٨٦
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٤٣١/٣، ٤٣٢
- ١٣٤ -

خطأ ١٠ - ١١
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي
الخطأ والنسيان)). يقتضي رفع الخطأ مطلقا
ورفع حكمه. (١)
١٠ - والذي عليه جمهور الأئمة والعلماء أن
ضمان المتلفات والديات وكل ما يتعلق بحقوق
العباد لا يسقط بحال حتى إنهم أطبقوا على أن
الخطأ والعمد في أموال الناس سواء. (٢) لأنه من
قبيل خطاب الوضع وقد تقرر في علم الأصول
أن خطاب الوضع لا يشترط فيه علم المكلف
وقدرته وهو الخطاب بکثیرمن الأسباب
والشروط والموانع، فلذلك وجب الضمان على
المجانين والغافلين بسبب الإِتلاف لكونه من
باب الوضع الذي معناه أن الله تعالى قال: إذا
وقع هذا في الوجود فاعلموا أني حكمت بكذا،
ومن ذلك الطلاق بالإِضرار، والإِعسار،
والتوريث بالأنساب. (٣)
ونقل الخلال عن أحمد قال: من زعم أن
الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله
وسنة رسول الله﴿ فإن الله أوجب في قتل
(١) أحكام القرآن ٤٣٧/١، ٤٣٨
(٢) البهجة شرح التحفة ٢٨٦/٢، ٢٨٧، المتثور في
القواعد ١٢٢/٢، ١٢٣.
(٣) الذخيرة للقرافي ص٦٥، والتمهيد ص١١٨، ١١٩،
الأحكام للآمدي ١١٥/١ - ١١٧، المستصفى ٨٤/١،
٨٥ مطبوع مع فواتح الرحموت، وفواتح الرحموت
١٦٥/١ نفس الطبعة، تيسير التحرير ٣٠٦/٢، ٣٠٧،
فتح الباري ٣٥٦/١٤، ٣٥٧
النفس الخطأ الدية والكفارة، يعني من زعم
ارتفاعهما على العموم في خطاب الوضع
والتكليف. (١)
وقال البعلي في القاعدة الثانية: شروط
التكليف العقل وفهم الخطاب. فلا تكلیف
على صبي، ولا مجنون لا عقل له. وقال أبو
البركات في المسودة: واختار قوم تكلیفهما.
قلت: من اختار تكليفهما، إن أراد: أنه
يترتب على أفعالهما ما هو من خطاب الوضع فلا
نزاع في ترتبه. وإن أراد خطاب التكليف فإنه لا
يلزمهما بلا نزاع، وإن اختلف في مسائل: هل
هي من خطاب الوضع، أم من خطاب
التكليف؟ أو بعض مسائل من مسائل
التكليف. (٢)
قواعد فقهية متعلقة بالخطأ:
قاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه.
١١ - هذه القاعدة ذكرها الحنفية والشافعية .
ومن تطبيقاتها عند الحنفية: أن من فاتته
صلاة العشاء لوظن أن وقت الفجر ضاق
فصلى الفجر قبل الفائتة، ثم تبين أنه کان في
الوقت سعة بطل الفجر، فإذا بطل ينظر، فإن
كان في الوقت سعة يصلي العشاء ثم يعيد
الفجر، فإن لم يكن في الوقت سعة يعيد الفجر
فقط .
(١) کشف اخفاء ومزيل الإلباس ٥٢٢/١، ٥٢٣
(٢) القواعد والفوائد الأصولية ص١٥
- ١٣٥ -

خطأ ١٢ - ١٣
ومنها ما لوظن الماء نجسا فتوضأ به ثم تبین
أنه طاهر جاز وضوؤه.
ومنها ما لوظن المزكي أن المدفوع إليه غیر
مصرف للزكاة فدفع له، ثم تبین أنه مصرف
أجزأه اتفاقا. ولو رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا
صلاة الخوف، فبان خلافه لم تصح، لأن الشرط
حضور العدو.
ولو استناب المريض في حج الفرض ظانا أنه
لا يعيش ثم صح من المرض أداه بنفسه.
ولو ظن أن علیه دینا فأداه فبان خلافه رجع
بما أدی.
ولو خاطب امرأته بالطلاق ظانا أنها أجنبية
فبان أنها زوجته طلقت. (١)
ومن تطبيقاتها عند الشافعية :
١٢ - ما لوظن المكلف في الواجب الموسع أنه
لا يعيش إلى آخر الوقت، تضيق عليه فلولم
يفعله ثم عاش وفعله فأداء على الصحيح .
١
وما لو ظن أنه متطھر فصلی ثم بان حدثه.
وما لوظن دخول الوقت، فصلی، ثم بان
أنه لم يدخل.
أو ظن طهارة الماء فتوضأ به، ثم بان
نجاسته .
أو ظن أن إمامه مسلم، أو رجل قاریء فبان
كافرا، أو امرأة أو أميا.
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص١٦١، شرح المجلة لعلي
حيدر المسمى درر الحكام ٦٤/١ القاعدة ٧٢ .
أو بقاء الليل، أو غروب الشمس، فأكل ثم
بان خلافه .
أو دفع الزكاة إلى من ظنه من أهلها، فبان
خلافه .
أو رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة شدة
الخوف، فبان خلافه، أوبان أن هناك خندقا.
أو استناب على الحج ظانا أنه لا يرجى
برؤه، فبرىء: لم يجز في الصور كلها.
ثم أورد السيوطي وابن نجيم بعض المسائل
المستنشاة من هذه القاعدة، منها ما لوصلى
خلف من يظنه متطهرا فبان حدثه صحت
صلاته.(١)
ولو أنفق على البائن ظانا حملها فبانت
حائلا : استرد.
وشبهه الرافعي : بما إذا ظن أن علیه دینا
فأداه، ثم بان خلافه، وما إذا أنفق على ظن
إعساره، ثم بان يساره. (٢)
١٣ - وقريب من القاعدة المشار إليها عند
المالكية قاعدة الظهور والانكشاف ذكرها
الونشريسي. (٣) ومن تطبيقاتها:
استرجاع النفقة المدفوعة إلى المرأة بناء على
ثبوت الحمل إذا ظهر بعد ذلك أنها لم تكن
حاملا، على المشهور عندهم.
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٥٧
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥٧
(٣) إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص ٢١٥
- ١٣٦ -

خطأ ١٤ - ١٥
ووجوب رد قسمة ميراث المفقود في أرض
الإِسلام في الأجل أو قبله - بعد ما أنفق أولاده
على أنفسهم من ماله. قال مالك فيها بوجوب
رد النفقة . (١)
١٤ - وعند الحنابلة أورد ابن رجب عدة قواعد
في هذا المعنى منها:
القاعدة الخامسة والستون: وهي من تصرف
في شيء یظن أنه لا يملكه فتبین أنه کان یملكه
ففي صحة تصرفه خلاف، ومن تطبيقاتها :
ما لوباع ملك أبيه بغير إذنه ثم تبين أن أباه
كان قد مات ولا وارث له سواه، ففي صحة
تصرفه وجهان ويقال: روايتان. (٢)
ومنها القاعدة الخامسة والتسعون :
من أتلف مال غيره وهويظن أنه ماله، أو
تصرف فيه يظن لنفسه ولاية عليه ثم يتبين خطأ
ظنه، فإن کان مستندا إلى سبب ظاهر من غيره
ثم تبین خطأ ظنه، بأن کان مستندا إلى سبب
ظاهر من غيره، ثم تبين خطأ المتسبب، أو أقر
بتعمده للجناية ضمن المتسبب وإن كان مستندا
إلى اجتهاد مجرد، کمن دفع مالا تحت يده إلى
من يظن أنه مالكه أو أنه يجب الدفع إليه، أو أنه
يجوز ذلك، أو دفع ماله الذي يجب عليه إخراجه
(١) إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ص٢١٥
(٢) القواعد لابن رجب ص ١٢٠
لحق الله إلى من يظنه مستحقا ثم تبين الخطأ
ففي ضمانه قولان . (١)
الخطأ في العبادات:
أ - الطهارة :
أولا - الخطأ في الاجتهاد في الأواني والثياب :
١٥ -من اجتهد في أوان أو ثياب ثم بان الذي
توضأ به أو لبسه كان نجسا لزمته الإعادة، لأنه
ء
تبين له يقين الخطأ فهو كالحاكم إذا أخطأ
النص.
وهذا مذهب الحنفية، وقول عند المالكية،
ومذهب الشافعية وقول ابن عقيل من
الحنابلة . (٢)
ومبنى هذه المسألة عند الحنفية والشافعية
على قاعدة (لا عبرة بالظن البين خطؤه). (٣)
وبناها المالكية على قاعدة. الظن هل
ينقض بالظن أم لا؟ . (٤)
(١) القواعد لابن رجب ص٢٣٢
(٢) درر الحكام شرح غرر الأحكام لمنلا خسرو ١/ ٦١، غمز
عيون البصائر ١٩٣/١، والقوانين الفقهية ص٢٦،
٢٧، والشرح الصغير ٦٥/١، ٦٦، ومنهاج الطالبين
١٣٨/١، المنثور في القواعد ١٢٣/٢، والقواعد
والفوائد الأصولية ص٩٦
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص١٦٠، وشرح الأشباه
المسمى غمز عيون البصائر ١٩٣/١، والأشباه والنظائر
للسيوطي ١٥٧
(٤) إيضاح المسالك في قواعد الإِمام مالك ص١٤٩
- ١٣٧ -

خطأ ١٥ - ١٧
والقول الآخر عندهم أنه يعيد في الوقت
استحبابا .
ولا ترد هذه المسألة على قواعد جمهور
الحنابلة لأنه إذا شك في نجاسة الماء الطاهر، أو
طهارة الماء النجس بنى على اليقين، ولا عبرة
بغلبة الظن، فإن اشتبه علیه لم يتحر فيهما، وهل
يشترط لصحة تيممه مزجهما أو إراقتهما ؟ على
روایتین.(١)
وبنوا هذه المسألة على قاعدة: إذا تعارض
الأصل والظاهر، فإن كان الظاهر حجة يجب
قبوها شرعا، کالشهادة والرواية والإِخبار فهو
مقدم على الأصل بغیرخلاف، وإن لم یکن
كذلك بل كان مستنده العرف والعادة الغالبة
والقرائن أو غلبة الظن ونحو ذلك، فتارة يعمل
بالأصل ولا يلتفت إلى الظاهر، وتارة يعمل
بالظاهر ولا يلتفت إلى الأصل، وتارة نخرج في
المسألة خلاف. (٢)
أما في الثياب إذا اشتبهت علیه ثياب طاهرة
بنجسة لم يجز التحري وصلی في کل ثوب بعدد
النجس وزاد صلاة وينوي بكل صلاة
الفرض. (٣)
(١) الفوائد والقواعد الأصولية ٩٥، والاختيارات الفقهية
ص٥، المغني ٥٧/١، المذهب الأحمد ص٤
(٢) القواعد لابن رجب ٣٦٧، ٣٦٩
(٣) المغني ٧٥/١، القواعد والفوائد الأصولية ص٩٦
ثانيا - الخطأ في الوضوء :
١٦ - إذا غلط في نية الوضوء فنوی رفع حدث
النوم وکان حدثه غيره.
قال المالكية والشافعية والحنابلة: إنه إذا غلط
في النية بأن کان علیه حدث نوم، فغلط ونوى
رفع حدث بول ارتفع حدثه لتداخل الأحداث،
أما إن نوى غيرما صدر منه عمدا لم يصح
وضوؤه لتلاعبه .(١)
ومذهب الحنفية كما ذكره ابن نجيم في
مبحث ((إذا عين وأخطأ)) أن الوضوء والغسل
لا دخل لهما في هذا البحث لعدم اشتراط النية
فيهما. (٢) وقالوا: إن من دخل الماء مدفوعا، أو
مختارا لقصد التبرد، أو لمجرد إزالة الوسخ صح
وضؤوه. وأنه إذا لم ينووتوضأ وصلى فصلاته
صحيحة، لأن الشرط مقصود التحصيل لغيره
لا لذاته، فكيفما فعل حصل المقصود وصار
كستر العورة وباقي شروط الصلاة ولا يفتقر
اعتبارها إلى أن تنوى. (٣)
ثالثا - الخطأ في الغسل :
١٧ - إذا نوى المغتسل رفع جنابة الجماع وكانت
(١) شرح الزرقاني ٦٣/١، والمجموع ٣٣٥/١، الأشباه
والنظائر للسيوطي ١٦، ١٧، وكشاف القناع ٨٦/١
(٢) الأشباه والنظائر ص٣٧
(٣) شرح فتح القدير ٣٢/١
- ١٣٨ -

خطأ ١٧ - ١٨
جنابته من احتلام، وإذا نوت المرأة رفع الجنابة
وکان حدثها من الحيض .
قال الشافعية: إن ذلك لا يضر. (١)
وكذلك عند الحنفية، لأن النية لا تشترط في
الوضوء، والغسل، ومسح الخفين، وإزالة
النجاسة الخفيفة عن الثوب، والبدن،
والمكان. (٢)
وقال المالكية: إذا تساوت الطهارتان في
أنفسهما وفيها تتناولانه من الأحداث والأسباب
وفيها تمنعانه من العبادات فلا خلاف في أن نية
إحدى الطهارتين تنوب عن الأخرى. (٣)
وإذا تساوت الطهارتان عن حدث واختلفت
موانعهما، كالجنابة، والحيض، فإن الحیض
يمنع الوطء ولا تمنعه الجنابة، فإن اغتسلت
الحائض تنوي الجنابة دون الحيض، ففي كتاب
ابن سحنون عن أبيه لا يجزيء الحائض، وفي
كتاب الحاوي للقاضي أبي الفرج يجزىء. (٤)
وقال الزرقاني: الغلط في النية لا يضر
بخلاف المتعمد لأنه متلاعب. (٥)
وقال الدسوقي في حاشيته: وإن نوت امرأة
جنب وحائض بغسلها الحيض، والجنابة معا،
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٦، المجموع ٣٣٥/١
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجیم ص٢٠
(٣) المنتقى ١ / ٥٠
(٤) المنتقى ١ / ٥١
(٥) شرح الزرقاني ١ /١٠١
أو نوت أحدهما ناسية أو ذاكرة للآخر ولم تخرجه
حصلا. (١)
وقال الحنابلة إذا اجتمعت أحداث متنوعة
ولو كانت متفرقة في أوقات توجب وضوءا أو
غسلا ونوى بطهارته أحدها ارتفع هو، أي: الذي
نوى رفعه، وارتفع سائرها، لأن الأحداث
تتداخل فإذا نوى بعضها غير مقيد ارتفع
جميعها، وهذا ما لم يخرج شيئا منها بالنية . (٢)
رابعا : الخطأ في التيمم :
١٨ - من أمثلة الخطأ في التيمم ما يأتي :
أ - قال الحنفية: النية في التیمم لا يجب فيها
التمييز بين الحدث والجنابة، فلو تیمم الجنب
يريد به الوضوء جاز، لأن الشروط يراعى
وجودها لا غير، فإذا تيمم للعصر جاز له أن
يصلي به غيره. (٣) وقال الخصاف: يجب التمييز
لكونه يقع لهما على صفة واحدة فيميز بالنية
كالصلوات المفروضة . (٤)
وأما مالك فقد روي عنه المنع، وروى ابن
مسلمة عنه الجواز. قال الباجي في المنتقى :
اختلف قول مالك وأصحابه في الجنب یتیمم
ناسيا لجنابته ينوي من الحدث الأصغر فمنع منه
(١) حاشية الدسوقي ١٣٣/١
(٢) كشاف القناع ٨٩/١، ٩٠
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣١
(٤) ذات المصدر
- ١٣٩ -

خطأ ١٨ - ١٩
مالك، وجوزه ابن مسلمة، ورواه عن
مالك.(١)
وقال الشافعية: لو نوى المتيمم استباحة
الصلاة بسبب الحدث الأصغر وكان جنبا، أو
بسبب الجنابة وکان محدثا صح بالاتفاق إذا كان
غالطا . (٢)
وقال الحنابلة: يشترط تعيين النية لما تيمم له
کصلاة، وطواف، ومس المصحف من حدث
أصغر أو أكبر، أو نجاسة علی بدنه، لأن التيمم
لا یرفع الحدث وإنما یبیح الصلاة، فلم یکن بد
من التعيين تقوية لضعفه، وصفة التعيين أن
ينوي استباحة صلاة الظهر مثلا من الجنابة إن
كان جنبا، أومن الحدث إن كان محدثا وما أشبه
ذلك. وإن نوى استباحة الصلاة من الحدث
الأكبر والأصغر والنجاسة ببدنه صح تيممه
وأجزأه لأن كل واحد يدخل في العموم. (٣)
ب- إن کان في رحله ماء فأخطأ رحله فطلبه فلم
يجده فتیمم وصلی، مذهب المالكية ووجه عند
الشافعية ومذهب الحنابلة يجزئه التيمم ولا إعادة
عليه لعدم تقصيره، ولأنه غير مفرط في
الطلب.
(١) المنتقى ١/ ٥١
(٢) المجموع ٣٣٥/١، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٧
(٣) كشاف القناع ١ /١٧٥، ١٧٦
والوجه الثاني عند الشافعية تلزمه الإعادة،
ء
لأنه فرط في حفظ الرحل.(١)
ج - إذا كان عالما بالماء وظن أنه قد نفذ فتيمم
وصلى أعاد عند الحنفية اتفاقا، وكذلك عند
المالكية والأصح عند الشافعية وعند الحنابلة،
لأن القدرة على الاستعمال ثابتة بعلمه فلا
ينعدم بظنه، وعليه التحري، فإذا لم يفعل
لا يجزئه التيمم ولأنه كان عالما به وظهر خطأ
الظن .
ومقابل الأصح أنه لا إعادة عليه، لأن ذلك
عذر حال بينه وبين الماء فسقط الفرض بالتيمم
قاله الشافعي في القدیم. (٢)
ب - الصلاة :
أولا : الخطأ في النية:
ومن صوره :
١٩ - الصورة الأولى : الخطأ فيما لا يشترط له
التعيين لا يضر قاله ابن نجيم. (٣)
وقال السيوطى : ما لا يشترط له التعرض
(١) حاشية الدسوقي ١ /١٥٩، ١٦٠، شرح الخرشي
١٩٧/١ والمهذب ٣٤/١، المجموع ٢٦٦/١ وكشاف
القناع ١٦٩/١
(٢) المبسوط ١٢٢/١، حاشية رد المحتار ٢٥٠/١، وحاشية
العدوي على الخرشي ١٩٧/١، الشرح الصغير
١٩٠/١، ١٩١ والمجموع ٢٦٤/٢ وكشاف القناع
١٧٠/١
(٣) الأشباه والنظائر ص٣٤
- ١٤٠ -