النص المفهرس

صفحات 81-100

خراج ٥٦
حكم التقبيل ((التضمين)) :
٥٦ - لم يرتض كثير من العلماء هذا النظام
واعتبروه باطلا غير مشروع. وممن ذهب إلى
ذلك أحمد، وأبويوسف، وأبو عبيد، والماوردي
وغيرهم. (١) قال الماوردي: فأما تضمين العمال
لأموال العشر، والخراج، فباطل لا يتعلق به في
الشرع حکم. (٢)
واستدلوا لذلك بما روی أبو عبيد - بسنده-
إلى جبلة بن سحيم قال: سمعت ابن عمر
رضي الله عنه يقول: «القبالات ربا» وروي
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
((القَبالات حرام))(٣) قال أحمد: (هو أن يتقبل
بالقرية وفيها العلوج والنخل، ومعناه حكمه
حكم الربا)(٤) وقالوا: يترتب على هذا النظام
الظلم والعسف، وخراب الديار. وقد كتب
أبو يوسف إلى هارون الرشيد يحذره من تطبيق
هذا النظام ما نصه : (ورأيت أن لا تقبل شيئا من
السواد ولا غير السواد من البلاد، فإن المتقبل
إذا كان في قبالته فضل عن الخراج، عسف
بأهل الخراج وحمل عليهم ما لا يجب عليهم،
(١) أبو يعلى: الأحكام السلطانية ص١٨٦، أبو يوسف:
الخراج ص١٠٥، أبو عبيد: الأموال ص١٠٠،
الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٧٦
(٢) الماوردي: المرجع السابق.
(٣) أبو عبيد: المرجع السابق.
(٤) الفراء: المرجع السابق.
وظلمهم، وأخذهم بما يجحف بهم ليسلم مما
دخل فيه، وفي ذلك وأمثاله خراب البلاد وهلاك
الرعية .
والمتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في
قبالته، ولعله أن يستفضل بعد أن يتقبل به
فضلا كثيرا، وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه
على الرعية وضرب لهم شديد، وإقامته لهم في
الشمس وتعليق الحجارة في الأعناق، وعذاب
عظيم ينال أهل الخراج مما ليس يجب عليهم من
الفساد الذي نهى الله عنه، وإنما أكره القبالة،
لأني لا آمن أن يحمل هذا المتقبل على أهل
الخراج ما ليس يجب عليهم، فيعاملهم بما
وصفت لك فیضر ذلك بهم فيخربوا ما عمروا،
ويدعوه فينكسر الخراج). (١)
والأصل في كراهته هذا أنه بيع ثمر لم يبد
صلاحه، ولم يخلق بشيء معلوم، فأما المعاملة
على الثلث، والربع، وكراء الأرض البيضاء،
فليستا من القبالات ولا يدخلان فيهما، وقد
رخص في هذين، ولا نعلم المسلمين اختلفوا في
كراهة القبالة .
فإذا أمن الإِمام عدم الظلم، والجور،
والعسف ورضي أهل الخراج بهذا النظام، فقد
قال أبو يوسف: لا بأس به ، وإن جاء أهل
طسوج - ناحية - أو مصر من الأمصار ومعهم
(١) أبو يوسف: الخراج ص ١٠٥ - ١٠٦
- ٨١ -

خراج ٥٧
رجل من البلد المعروف موسر، فقالوا: هذا
أخف علینا، نظر في ذلك: فإنکانصلاحا لأهل
هذا البلد والطسوج، قبل وضمن وأشهد عليه
وصير معه أمير من قبل الإِمام یوثق بدینه،
وأمانته، ويجري عليه من بيت المال، فإن أراد
ظلم أحد من أهل الخراج، أو الزيادة عليه أو
تحمیله شيئا لا يجب علیه، منعه الأمیرمن ذلك
أشد المنع .
وأمير المؤمنين أعلى عينا بما رأى من ذلك،
وما رأى أنه أصلح لأهل الخراج، وأوفر على
بيت المال عمل عليه من القبالة، والولاية بعد
الإِعذار والتقدم إلى المتقبل، والوالي يرفع الظلم
عن الرعية، والوعيد له إن حملهم ما لا طاقة لهم
به، أو بما ليس بواجب عليهم، فإن فعل ففوا له
بما أوعد به، لیکون ذلك زاجرا وناهيا لغيره إن
شاء الله . (١)
وسيأتي التفصيل في مصطلح : (قبالة).
مسقطات الخراج :
أولا : انعدام صلاحية الأرض للزراعة :
٥٧ - المقصود بانعدام صلاحية الأرض للزراعة
هو أن يطرأ على الأرض الخراجية طارىء خارج
عن فعل الإِنسان، يمنع صاحبها من الانتفاع
(١) الخراج لأبي يوسف ص ١٠٥ و١٠٦ والأموال لأبي عبيد
ص٧١ .
بها كانقطاع الماء عنها، أو غلبته عليها بحيث
تصبح غير صالحة للزراعة.
فإذا تعرضت الأرض الخراجية لذلك سقط
عنها الخراج عند جماهير الفقهاء، سواء أكان
الخراج الواجب مقاسمة، أم وظيفة، فيسقط
خراج المقاسمة، لأن الوجوب متعلق بالخارج
من الأرض حقيقة وهو غير موجود. ويسقط
خراج الوظيفة، لأن الوجوب متعلق بالتمكن
من الانتفاع بالأرض وهو غير موجود. (١)
هذا في حالة عدم إمكانية إصلاحها
وإعمارها، أما إذا أمكن إصلاحها وإعمارها
فيجب على الإِمام أن يعمر الأرض ويصلحها
من بيت مال المسلمين من سهم المصالح،
ولا يجوز إلزام أهلها بعمارتها من أموالهم.
فإن سألهم أن يعمروها من أموالهم ويعتد لهم
بما أنفقوا عليها من خراجها فرضوا بذلك جاز.
وإذا كان سهم المصالح عاجزا عن سد نفقات
إصلاح هذه الأرض أجبر أهلها عليه، لأن في
ذلك مصلحة لهم ولأصحاب الفيء، وإن
أمكن الانتفاع بتلك الأرض بعد أن بارت في
(١) حاشية ابن عابدين ١٩٠/٤، الكمال بن الهمام: فتح
القدير ٢٨٤/٥، الزيلعي: تبيين الحقائق ٢٧٤/٣،
الباجي: المنتقى ٢٢٢/٣، الماوردي: الأحكام السلطانية
ص١٥٠، أبو يعلى: الأحكام السلطانية ص١٦٨،
البهوتي: منتهى الإرادات ١١٩/٢، ابن القيم: أحكام
أهل الذمة ١١٦/١
- ٨٢ -

خراج ٥٨
غير الزراعة كالرعي والصيد وغير ذلك، يوضع
علیها خراج جدید بحسب ما تحتمله .
وهذه الأرض تختلف عن أرض الموات، فإن
أرض الموات مباحة . (١)
ثانيا : تعطيل الأرض عن الزراعة:
٥٨ - إن كان التعطيل من غير جهة صاحب
الأرض، كأن يدهم البلاد عدو يمنع أهل
الأرض من زراعتها والانتفاع بها، أو يلحقهم
جور من الولاة لم تمكنهم الإِقامة عليه. فهذا
يسقط الخراج عنهم حتى تعود الأرض كما كانت
ويتمكنوا من الانتفاع بها. (٢)
وإن كان التعطيل من جهة صاحب الأرض
فإما أن يكون ذلك بتفريط منه، أو بغير تفريط.
فإذا عطلها بتفريط منه كأن يتركها بلا زراعة
واستغلال وهو متمکن من الانتفاع بها، وقادر
على زراعتها سقط عنه خراج المقاسمة اتفاقا،
وذلك لأن خراج المقاسمة يتعلق بالخارج من
الأرض حقيقة وهو غير موجود. (٣)
ولا يقر المفرط على عدم استغلاله للأرض
(١) الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٥٠، ابن القيم: أحكام
أهل الذمة ١١٧/١
(٢) المرجعان السابقان .
(٣) حاشية ابن عابدين ١٩١/٤، الزيلعي: تبيين الحقائق
٢٧٤/٣ - ٢٧٥، الباجي: المنتقى ٢٢٤/٣، الماوردي:
الأحكام السلطانية ص ١٥٠، الفراء: الأحكام السلطانية
ص١٧٢، ابن القيم: أحكام أهل الذمة ١٢٤/١.
الخراجية، بل يؤمر بزراعتها واستغلالها لئلا
يتضرر أصحاب الفيء.
وأما خراج الوظيفة فلا يسقط عند جمهور
الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، لأنه
يتعلق بالتمكن من الانتفاع بالأرض وهو
موجود، ولأن الخراج بمنزلة الإِجارة فإذا عطل
المستأجر الانتفاع بالمؤجر لم تسقط الأجرة.
وذهب المالكية إلى سقوط خراج الوظيفة
بتعطيل الأرض عن الزراعة، سواء عطلها مختارا
أم معذورا، لعدم تحقق الانتفاع بالأرض.(١)
وإذا عطلها بلا تفريط منه كأن ترك زراعتها
لعدم قوتها وقدرته الجسمية، أولعدم قدرته على
تحمل تكاليف الزراعة ونفقاتها يسقط خراج
المقاسمة اتفاقا، لأنه يتعلق بالخارج من الأرض
حقيقة . (٢)
وأما خراج الوظيفة فيسقط عند المالكية لعدم
تحقق الانتفاع بالأرض.
وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى عدم سقوط الخراج.
وعلى الإِمام أن يتصرف في الأرض تصرفا
يحقق المصلحة لأهل الفيء، ولصاحب
الأرض.
ومن التصرفات التي نص عليها الفقهاء:
ما قاله الشافعية والحنابلة: من أن للإِمام أن يأمر
(١) المراجع السابقة.
(٢) المراجع السابقة.
- ٨٣ -

خراج ٥٨ - ٥٩
صاحب الأرض بتأجيرها لمن يقوم بزراعتها وإلا
رفع يده عنها، ولا تترك بيده خرابا وإن دفع
خراجها، لئلا تصير بالخراب مواتا، فيتضرر
أهل الفيء بتعطيلها .(١)
وقال الحنفية: الإِمام بالخيار إن شاء دفع
الأرض لغير صاحبها مزارعة، ويأخذ الخراج
من نصيبه ويمسك الباقي له، وإن شاء آجرها
وأخذ الخراج من الأجرة، وإن شاء زرعها من
بيت المال فإذا حصلت الغلة أخذ قدر الخراج
وما أنفق، ويحفظ الباقي لمستغل الأرض.
وقال أبو يوسف: للإِمام أن يدفع للعاجز
كفايته من بيت المال قرضا ليعمل ويستغل
أرضه .
فإذا لم يجد الإِمام من يعمل في تلك الأرض
مزارعة أو بالأجرة أو غيرذلك، فیری أبو يوسف
ومحمد بيعها وأخذ الخراج من ثمنها، ويحفظ
الباقي لمستغل الأرض.
ويرى أبو حنيفة عدم جواز بيعها، وإنما
يحجرها للمصلحة العامة، مع أنه لا یری جواز
الحجر على الكبير إلا أن هذا الحجر يعود نفعه
على العامة . (٢)
(١) الماوردي: الأحكام السلطانية ص ١٥٢، أبو يعلى:
الأحكام السلطانية ص١٧٢، البهوتي: كشاف القناع
٩٩/٣، ابن القيم: أحكام أهل الذمة ١٢٤/١
(٢) الفتاوى الهندية ٢٤٠/٢ - ٢٤١، حاشية ابن عابدين
١٩١/٤
ثالثا : هلاك الزرع بآفة سماوية :
٥٩ - إذا زرع صاحب الأرض الخراجية أرضه
بزرع ما، فأصابته آفة سماوية لا يمكن الاحتراز
عنها، کغرق، أو حرق، أو شدة برد، أو جراد أو
غير ذلك، فإما أن يكون الهلاك قبل الحصاد،
وإما أن يكون بعده.
أ - فإذا هلك الزرع بآفة سماوية قبل الحصاد
يسقط خراج المقاسمة إذا أدت تلك الآفة إلى
هلاك جميع الزرع، لأن خراج المقاسمة يتعلق
بالخارج من الأرض حقيقة.
وأما خراج الوظيفة فيسقط عن صاحب
الأرض عند الحنفية، لأنه مصاب ويستحق
المعونة، ولأن الخراج صلة واجبة باعتبار
الأراضي، فلا يمكن إيجابها بعد هلاك الزرع
بآفة سماوية، لأنه ظهر أنه لم يتمكن من استغلال
الأرض.
واشترط الحنفية لسقوط الخراج بهذا السبب
شرطين :
الأول : أن لا تبقى من السنة مدة یتمکن فيها
من زراعة الأرض مرة أخرى، فإن بقيت من
السنة مدة يتمكن فيها من أن يزرع الأرض ثانية
لم يسقط الخراج لتحقق الانتفاع بالأرض،
وقدروا المدة بثلاثة أشهر.
والثاني: أن لا يبقى من الزرع ضعف
الخراج الموظف على الأرض، فإن بقي من
الزرع ضعف الخراج الموظف على الأرض لم
- ٨٤ -

خراج ٥٩ - ٦٠
یسقط اخراج ویؤخذ من الزارع، لأنه لا يزيد
على النصف. وإن بقي أقل من ضعف الخراج
الموظف على الأرض لا يؤخذ منه الخراج
الموظف، ويكتفى في هذه الحالة بأخذ نصف
الخارج من الأرض بعد خصم نفقات
الزراعة . (١)
هذا ما جاء في كتب الحنفية، أما المالكية
والشافعية والحنابلة فلم نجد لهم نصا في هذه
المسألة.
ب - إذا هلك الخارج من الأرض بآفة سماوية
لا يمكن الاحتراز عنها، كغرق، وحرق يسقط
خراج المقاسمة، لتعلقه بالخارج من الأرض
حقيقة .
جاء في حاشية ابن عابدين: ولوهلك
الخارج في خراج المقاسمة قبل الحصاد أو بعده
فلا شيء عليه لتعلقه بالخارج حقيقة، وحكمه
حكم الشريك شركة الملك فلا يضمن إلا
بالتعدي . (٢)
وأما خراج الوظيفة فلا يسقط بهلاك الخارج
(١) الكمال بن الهمام: فتح القدير ٢٨٤/٥، السرخسي:
المبسوط ٨٣/١٠، حاشية ابن عابدين ١٩٠/٤، داماد:
مجمع الأنهر ٦٦٨/١، الفتاوى الهندية ٢٤٢/٢، ابن
عبدالبر: الكافي - مكتبة الریاض الحديثة ط٢ - ١٤٠٠ هـ
٧٦١/٢، روضة الطالبين ٢٤٠/٥، الشربيني الخطيب:
مغني المحتاج ٣٥٥/٢، ابن قدامة: المغني ٤٨٦/٥، ابن
مفلح : المبدع ١٠٦/٥
(٢) حاشية ابن عابدين ١٩٠/٤
بعد الحصاد عند الحنفية، لأن خراج الوظيفة
يجب في الذمة، ويتعلق بالتمكن من الانتفاع
بالأرض وزراعتها، وبالحصاد قد تحقق الانتفاع
بالأرض، وحصلت الزراعة بالفعل فلا يسقط
الخراج الموظف بهلاك الخارج بعد الحصاد.
جاء في الفتاوى الهندية: ذكر شيخ الإِسلام
(خواهر زادة) أن هلاك الخارج قبل الحصاد
يسقط الخراج، وهلاكه بعد الحصاد
لا یسقطه .(١)
وبالنسبة للمذاهب الأخرى كالمالكية
والشافعية والحنابلة فلم نقف لهم على نصوص
في هذه المسألة.
رابعا : إسقاط الإِمام للخراج عمن وجب
عليه :
٦٠ - إذا رأى الإِمام إسقاط الخراج عمن بيده
أُرض خراجية لمصلحة، أولکون من بيده تلك
الأرض يقوم بعمل من الأعمال التي يحتاجها
المسلمون، كالقضاء، أو التدريس، أو حماية
الثغور الإِسلامية، أو التجسس على الأعداء
لمعرفة ما عندهم من وسائل القوة المادية والمعنوية
أو غير ذلك.
فهل يجوز هذا التصرف من الإِمام أو لا؟
ذهب الحنابلة وأبو يوسف من الحنفية إلى
جواز ذلك، لأن الإِمام له حق النظر في مصالح
(١) الفتاوى الهندية ٢٤٢/٢
- ٨٥ -

خراج ٦٠ - ٦١
المسلمين، وفعل ما فيه مصلحة لهم، ومن
القواعد الفقهية التي قررها الفقهاء في ذلك أن :
(تصرف الإِمام على الرعية منوط بالمصلحة)(١)
وقالوا: لوصار الخراج في يده جاز له أن
يخص به شخصا إذا رأى المصلحة فيه فجاز له
تركه بطريق الأولى، ولأن صاحب الخراج له
حق في اخراج فصح ترکه علیه.
وقد قيد بعض علماء الحنفية والحنابلة ذلك
بأن يكون الشخص الذي ينوي الإِمام إسقاط
الخراج عنه، ممن يستحقون الخراج كالفقيه
والجندي، والقاضي، والمؤذن وغير ذلك. (٢)
وذهب محمد بن الحسن إلى أنه لا يجوز
للإِمام إسقاط الخراج عمن وجب عليه، لأن
الخراج حق من حقوق المسلمين فلا يجوز للإِمام
إسقاطه كالعشر. (٣) وبالنسبة للمالكية والشافعية
فلم نقف لهم على نصوص في هذه المسألة.
(١) ابن نجيم: الأشباه والنظائر - طبعة مؤسسة الحلبي
بالقاهرة ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٨م ص١٢٣، الزركشي:
المنثور في القواعد - مطبعة الفليج بالكويت من منشورات
وزارة الأوقاف الكويتية ط١ - ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢م
٣٠٩/١
(٢) البهوتي: كشاف القناع ١٠٠/٣، ابن مفلح: المبدع
٣٨٣/٣، حاشية ابن عابدين ١٩٣/٤، الفتاوى الهندية
٢٤٠/٢، أبو يوسف: الخراج ص٨٦، عبدالعزيز
الرحبي: الرتاج المرصد على خزانة كتاب الخراج - مطبعة
الإِرشاد ببغداد ١٩٧٥م١٢ / ٥٨٩
(٣) حاشية ابن عابدين ١٩٣/٤، الفتاوى الهندية ٢٤٠/٢
خامسا : البناء على الأرض الخراجية :
٦١ - اختلف الفقهاء في استمرار وظيفة الخراج
على الأرض الخراجية بعد أن يبنى عليها أبنية
وحوانيت.
١ - فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية
والحنابلة إلى استمرار وجوب الخراج وعدم
سقوطه عن تلك الأرض، لأن الخراج لا يتوقف
على الزرع والغرس. (١) روى يعقوب بن
بختان أنه سأل أحمد بن حنبل، ترى أن يخرج
الرجل عما في يده من دار، أو ضيعة على
ما وظف عمر رضي الله عنه على كل جريب
فيتصدق به؟ فقال ما أجود هذا. فقال يعقوب :
بلغني عنك أنك تعطي من دارك الخراج
فتتصدق به. فقال: نعم. وقد علل علماء
الحنابلة فعل أحمد بقولهم: (إنما كان أحمد يفعل
ذلك لأن بغداد من أرض السواد التي وضع
علیها عمر الخراج، فلما بنیت مساكن، راعى
أحمد حالها الأولى التي كانت عليها في عهد عمر
رضي الله عنه). (٢)
٢ - وذهب الحنفية إلى سقوط الخراج عن
الأرض الخراجية بعد أن يبني عليها من هي بيده
(١) حاشية الدسوقي ١٨٩/٢، الماوردي: الأحكام السلطانية
ص١٥١ أبو يعلى: الأحكام السلطانية ص ١٧٠ البهوتي:
كشاف القناع ٩٨/٣، ابن مفلح: المبدع ٣٨٣/٣
(٢) ابن القيم: أحكام أهل الذمة ١٢٠/١
- ٨٦ -

خراج ٦٢
أبنية وحوانيت، ولا يجب الخراج على الأرض
إلا إذا جعلها بستانا، أو مزرعة، لأن الخراج
يتعلق بنماء الأرض وغلتها . (١)
٣ - ويرى الماوردي أن الخراج يسقط عن الأرض
الخراجية التي بنى عليها من هي بيده أبنية
ضروریة لا غنى له عنها. کأن يبني له بيتا
يسكنه. وأما الأبنية الزائدة على قدر حاجته فلا
تكون سببا في سقوط الخراج عن الأرض
الخراجية كأن يبني عليها أبنية للاستغلال
والنماء. (٢)
سادسا : إسلام مالك الأرض الخراجية أو
انتقالها إلى مسلم :
٦٢ - اتفق الفقهاء على أن الخراج العنوي
لا يسقط عن الأرض الخراجية بإسلام صاحبها
ولا بانتقالها إلى مسلم، لأن الأرض المفتوحة
عنوة موقوفة على جميع المسلمين، والخراج
المضروب عليها بمثابة الأجرة فلا يسقط بإسلام
من بيده هذه الأرض ولا بانتقالها إلى مسلم. (٣)
واختلفوا في الخراج الصلحي (المضروب
(١) الفتاوى الهندية ٢٤٠/٢
(٢) الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٥١
(٣) السرخسي: المبسوط ٨٠/١٠، الباجي: المنتقى
٢٢٤/٣، الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٤٧، ابن
القيم: أحكام أهل الذمة ١٠٢/١
على الأرض التي صالح المسلمون أهلها على
أن لهم الأرض وللمسلمين الخراج) هل يسقط
بعد إسلام صاحبها، أو انتقالها إلى مسلم :
١ - فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية
والحنابلة إلى سقوط الخراج الصلحي إذا أسلم
صاحب الأرض، أو انتقلت إلى مسلم، لما
روى العلاء بن الحضرمي قال: (( بعثني
رسول الله ◌َّه إلى البحرين، أو إلى هجر،
فكنت آتي الحائط يكون بين الأخوة يسلم
أحدهم، فأخذ من المسلم العشر، ومن المشرك
الخراج )).(١) ولأن الخراج الصلحي بمثابة الجزية
التي تتعلق بالكفر، فإذا زال الكفر سقط الخراج
كما تسقط الجزية . (٢)
٢ - وذهب الحنفية إلى عدم سقوط الخراج
الصلحي قياسا على الخراج العنوي، ولأن
الخراج مؤنة الأرض، والأصل فيها أنها لا تتغير
بتبدل المالك إلا لضرورة، فإذا أسلم صاحب
الأرض الخراجية أوباعها من مسلم فلا ضرورة
(١) حديث العلاء بن الحضرمي: ((بعثني رسول الله وال) إلى
البحرين ... )). أخرجه ابن ماجة (٥٨٦/١ - ط
الحلبي)، وأعله البوصيري في الزوائد بجهالة راويين فيه
وبانقطاع فيه .
١
(٢) الخطاب: مواهب الجليل ٢٧٨/٢، ابن عبدالبر: الكافي
٤٨٢/١، الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٤٧، أبو
عبدالله الدمشقي: رحمة الأمة على هامش الميزان
١٧٤/٢، أبو يعلى: الأحكام السلطانية ص١٦٩، ابن
قدامة: المغني ٧٢٥/٢
- ٨٧ -

خراج ٦٣
لتغير المؤنة، لأن المسلم من أهل وجوب الخراج
- أي في الجملة -(١)
- اجتماع العشر والخراج على المسلم:
٦٣ - اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فذهب
جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة
إلى أن المسلم الذي يملك الأرض الخراجية
يطالب بالزكاة ((العشر)) والخراج معا إذا زرعها أو
انتفع بها.
واستدلوا لاجتماع العشر والخراج، بقوله
تعالی : ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما
كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾.(٢)
فالآية عامة في کل أرض ينتفع بها وتزرع
سواء أكانت خراجیة، أو عشریة، كما استدلوا
بعموم قوله ◌َله: ((فيما سقت السماء والعيون أو
كان عثريا(٣) العشر، وما سقي بالنضح نصف
العشر)). (٤) ولأن العشر والخراج حقان مختلفان
ذاتا، وسببا، ومصرفا، ودليلا: أما اختلافهما
ذاتا فلأن العشر فيه معنى العبادة، والخراج فيه
(١) السرخسي: المبسوط ٨٠/١٠، الكمال بن الهمام: فتح
القدير ٢٨٥/٥، الزيلعي: تبيين الحقائق ٢٧١/٣،
أبو يوسف: الخراج ص ٦٣، ٦٩، الكاساني: بدائع
الصنائع ٩٢٨/٢
(٢) سورة البقرة/ ٢٦٧
(٣) العثري: ما يشرب بعروقه من ماء المطر المجتمع في
حفيرة
(٤) حديث: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا
العشر ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٢٤٧/٣ - ط
السلفية) من حديث عبداللهبن عمر .
معنى العقوبة. وأما اختلافهما سببا فلأن العشر
يجب في الخارج من الأرض، والخراج يجب في
الأرض النامية، سواء أكان النماء حقيقيا أم
تقديريا بأن يتمكن من الانتفاع بالأرض.
وأما اختلافهما مصرفا، فلأن مصرف العشر:
الأصناف الثمانية، المحدد فى اية الصدقات،
ومصرف الخراج : المصالح العامة .
وأما اختلافهما دليلا، فلأن دليل العشر:
النص، ودليل الخراج الاجتهاد المبني على
مراعاة المصالح .
وإذا ثبت اختلافهما من هذه الوجوه فلا مانع
من اجتماعهما، ووجوب أحدهما لا يمنع وجوب
الآخر، كاجتماع الجزاء والقيمة عند قتل المحرم
للصيد المملوك . (١)
وذهب الحنفية إلى عدم اجتماع العشر
والخراج في الأرض الخراجية التي يملكها
مسلم، ولا يجب في هذه الأرض سوى الخراج.
واستدلوا لذلك بما روى ابن مسعود
(١) الخطاب: مواهب الجليل ٢٨٧/٢، عليش: منح الجليل
٣٣٦/١، النووي: المجموع شرح المهذب - دار العلوم
للطباعة بالقاهرة ١٩٧٢م ٤٥٤/٥، البكري: إعانة
الطالبين - مطبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة
١٦٢/٢، الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٥١، أبو
يعلى: الأحكام السلطانية ص١٦٩، ابن قدامة: المغني
٢٦/٢، ابن رجب: الاستخراج ص١١٢، ابن القيم:
أحكام أهل الذمة ١٠٢/١
- ٨٨ -

خراج ٦٤
رضي الله عنه عن النبي ◌َلو أنه قال: ((لا يجتمع
على المسلم خراج وعشر)). (١)
وبما روی طارق بن شهاب قال کتب إليّ
عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك - كورة
واسعة من الأرض التي بنيت بها بغداد-أسلمت
فکتب: «أن ادفعوا إليها أرضها تؤدي عنها
الخراج)).(٢)
فأمر عمر رضي الله عنه بأخذ الخراج، ولم
یأمر بأخذ العشر، ولو كان واجبا لأمر به.
ولأنه لم يأخذ أحد من أئمة العدل، وولاة
الجور من أرض السواد عشرا، ولأن سبب
وجوبهما واحد وهو الأرض النامية، فلا يجتمعان
في أرض واحدة كما لا يجتمع زكاتان في مال
واحد كزكاة السائمة والتجارة في الحيوانات. (٣)
مصارف الخراج
:
٦٤ - لم يفرق الفقهاء بين الخراج والفيء في
(١) حديث: ((لا يجتمع على المسلم خراج وعشر ... )) أخرجه
ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢٧١٠/٦ - ط دار
الفكر) وعنه البيهقي (١٣٢/٤ - ط دائرة المعارف
العثمانية)، وأنکر البيهقي وصله ورفعه.
(٢) رواه أبو عبيد في الأموال ص١٢٤
(٣) الكمال بن الهمام: فتح القدير ٢٨٦/٥، حاشية
ابن عابدين ١٩٢/٤، الكاساني : البدائع ٩٣٢/٢ ،
الغنيمي الميداني: اللباب في شرح الكتاب دار الكتاب
العربي ببيروت ط ١٣٩٩/٤ هـ ١٥٢/١، ابن نجيم:
البحر الرائق ١١٨/٥، الجصاص: أحكام القرآن
١٤/٣.
الصرف، كما فرقوا بين الفيء والزكاة من جهة،
ومن جهة ثانية بين الفيء والغنيمة .
فالفيء يتوقف صرفه على اجتهاد الإِمام في
تقدير المصالح، وتقديم الأهم على المهم،
والزكاة تصرف في المصارف الثمانية التي حددتها
آية الصدقات. والغنيمة تخمس، وتقسم
الأربعة الأخماس بين الغانمين كما حددت آية
الغنائم .
قال ابن رشد: (یصرف خراجها - أي خراج
الأرض المفتوحة عنوة - في مصالح المسلمين من
أرزاق المقاتلة وبناء القناطر، والمساجد وغير
ذلك من سبل الخير). (١)
وقال البهوتي : (ومصرف الخراج كفيء لأنه
منه). (٢)
وقال الكاساني: (وأما مصرف النوع الثالث
من الخراج وأخواته فعمارة الدين، وإصلاح
مصالح المسلمين وهو رزق الولاة، والقضاة
وأهل الفتوى من العلماء، والمقاتلة، ورصف
الطرق وعمارة المساجد، والرباطات، والقناطر،
والجسور وسد الثغور، وإصلاح الأنهار التي
لا ملك لأحد فیھا). (٣)
وقال النووي في الروضة: (ما يؤخذ من
خراج هذه الأرض يصرفه الإِمام في مصالح
(١) ابن رشد: بداية المجتهد ٤٠١/١
(٢) البهوتي: كشاف القناع ١٠٠/٣
(٣) الكاساني: بدائع الصنائع ٩٥٩/٢
- ٨٩ -

خراج ٦٥
المسلمين الأهم فالأهم، ويجوز صرفه إلى
الفقراء والأغنياء من أهل الفيء وغيرهم). (١)
هذا ما قرره الفقهاء، لأن الخراج من جملة
الفيء المصروف في مصالح المسلمين.
وانظر أيضا مصطلح: (بيت المال، وفيء).
حكم تخميس الخراج :
٦٥ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والحنابلة إلی أن الفيء لا يخمس، بل يصرف
في مصالح المسلمين، وأن الإِمام يعطي منه
للمقاتلين، والولاة، والقضاة، والعمال، والأئمة
والمؤذنين، والفقهاء، وكل من يحتاج إليه
المسلمون، ويصرف على بناء القناطر،
والمساجد، وشق الطرق وغير ذلك، ويبدأ
الإِمام بالأهم فالمهم، فإن بقي بعد ذلك منه
شيء قسمه بين المسلمين، ولا فرق بين الأغنياء
والفقراء. (٢)
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله
على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل
(١) النووي: روضة الطالبين ٢٧٦/١٠
(٢) الكاساني: بدائع الصنائع ٤٣٤١/٩، حاشية الدسوقي
١٩٠/٢، حاشية الخرشي على مختصر خليل ١٢٩/٣،
الأبي: جواهر الإكليل ٢٦٠/١، الفراء:
الأحكام السلطانية ص ١٣٩، ابن قدامة: المغني
٤٠٤/٦، المرداوي: الإنصاف ١٩٩/٤، البهوتي:
كشاف القناع ١٠٠/٣
ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء
والله على كل شيء قدير﴾. (١)
قال المفسرون: طلب المسلمون من
رسول الله # أن يخمس أموال بني النضيرلما
أجلوا عنها فنزلت هذه الآية تبين أنها فيء لم
تحصل لهم بمحاربتهم، وإنما هو بتسليط
رسول الله صَل فهو له خاصة يفعل منه ما
يشاء. (٢) ويؤيد ذلك ما روي عن عمر
رضي الله عنه أنه قال: كانت أموال بني النضير
مما أفاء الله عز وجل على رسوله مما لم يوجف
المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت
لرسول الله ل خاصة، ينفق على أهله نفقة
سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع(٣) والسلاح عدة
للمسلمين. (٤) هذا ما كان يفعل بالفيء في حياة
النبي ◌َ ﴿، أما بعد وفاته فقد أصبح لجميع
المسلمين، وليس للإِمام خاصة، يصرفه في
مصالح المسلمين، ويقدم الأهم على المهم،
ويؤيد ذلك ما روي عن الإمامين أبي بكر وعمر
رضي الله عنهما أنهما كانا يجعلانه في مصالح
المسلمين عامة .
(١) سورة الحشر /٦
(٢) ابن الجوزي: زاد المسير ٢٠٩/٨
(٣) الكراع: الدواب التي تصلح للحرب.
(٤) الأثر عن عمر: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله عز
وجل ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٩٣/٦ - ط السلفية)
ومسلم (١٣٧٦/٣ - ١٣٧٧ - ط الحلبي)
- ٩٠ -

خراج ٦٥، خرس ١ - ٣
ولذا لا يجوز للإِمام أن يختص بالفيء لنفسه
لأن الإِمام ينصر بسبب قومه لا بسببه خاصة
فكانت أموال الفيء للمسلمين كلهم.
وذهب الشافعية إلى أن الفيء يخمس لقوله
تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل
القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى
والمساكين وابن السبيل﴾.(١)
فذكر الأصناف في هذه الآية من باب
التعديد للأصناف الذين يستحقون هذا المال
ومن ثم فلا يتعدى به هؤلاء. (٢)
انظر: (خمس، وفيء).
92
(١) سورة الحشر / ٧
(٢) الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٢٦، النووي: روضة
الطالبين ٣٥٤/٦، الشيرازي: المهذب مع المجموع
١٨٢/١٨.
خرس
التعريف :
١ - الخرس مصدر خرس، يقال: خرس
الإِنسان خرسا، إذا منع الكلام خلقة، أي
خُلق ولا نطق له. أو ذهب كلامه عِيًّا.
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن هذا
المعنى . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
اعتقال اللسان :
٢ - الاعتقال: الحبس، واعتُقِل لسانه: إذا
حبس ومنع الكلام. (٢) والمعتقل اللسان وسط
بين الأخرس والناطق .
الأحكام المتعلقة بالأخرس :
إسلام الأخرس :
٣ - يصير الكافر مسلما بالإِذعان بالقلب والنطق
بالشهادتين إن كان قادرا على النطق، فإن كان
(١) المصباح المنير ولسان العرب مادة: ((خرس)) وابن عابدين
٥٩٠/٢، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٥٩ والجمل ٤٣٣/٤
. (٢) لسان العرب مادة: (عقل).
- ٩١ -

خرس ٤ - ٥
عاجزا عن النطق لخرس، فإنه يكتفى في إسلامه
بالإِشارة مع قيام القرائن على أنه أذعن بقلبه.
وهذا مذهب المالكية والصحيح عند الشافعية .
وهو ما استظهره ابن نجيم من الحنفية، قال:
والظاهر صحة إسلام الأخرس بالإشارة، ولم أر
الآن فيها نقلا صريحا .
ومقابل الصحيح عند الشافعية اشتراط
صلاة الأخرس بعد إسلامه بالإِشارة .
جاء في روضة الطالبين: يصح إسلام
الأخرس بالإِشارة المفهمة، وقيل: لا يحكم
بإسلامه إلا إذا صلى بعد الإِشارة، وهو ظاهر
نصه في الأم، والصحيح المعروف الأول، وحمل
النص على ما إذا لم تكن الإِشارة مفهمة . (١)
تكبير الأخرس وقراءته في الصلاة:
٤ - تشتمل الصلاة على أقوال وأفعال، ومن
الأقوال ما هو فرض، كتكبيرة الإِحرام
والقراءة، ومنها ما هو سنة كالتكبيرات
الأخرى.
فمن كان عاجزا عن النطق لخرس تسقط عنه
الأقوال، وهذا باتفاق الفقهاء.
واختلفوا في وجوب تحريك لسانه بالتكبير
والقراءة.
(١) الأشباه لابن نجيم / ٣٤٣، والدسوقي ١/ ١٣١ وروضة
. الطالبين ٢٨٢/٨، وأشباه السيوطي ٣٣٨
فعند المالكية والحنابلة - عدا القاضي - وهو
الصحيح عند الحنفية، لا يجب على الأخرس
تحريك لسانه، وإنما يحرم للصلاة بقلبه، لأن
تحريك اللسان عبث، ولم يرد الشرع به.
وعند الشافعية يجب على الأخرس تحريك
لسانه، وشفتیه، وهاته بالتکبیر قدر إمكانه،
قال في المجموع: وهکذا حكم تشهده،
وسلامه، وسائر أذكاره، قال ابن الرفعة: وإن
عجز عن ذلك نواه بقلبه كالمريض.
لكن يظهر أن هذا عند الشافعية بالنسبة
للخرس الطارىء، أما الخرس الخلقي فلا يجب
معه تحريك شيء. (١) ونحو ذلك قال القاضي
من الحنابلة .
وقال ابن نجیم : إن تحریك لسان الأخرس
في تكبيرة الافتتاح والتلبية لازم على القول به،
أو على المفتى به، وأما بالقراءة فلا على
المختار.
الاقتداء بالأخرس :
٥ - لا يجوز اقتداء الناطق بالأخرس ولو كان
الناطق أميا، لأن الأخرس أسوأ حالا من الأمي
لقدرة الأمي على التحريمة، وعجز الأخرس
(١) حاشية ابن عابدين ٣٢٤/١، ومراقي الفلاح ص١١٩
وأشباه ابن نجيم/ ١٢١، وحاشية الدسوقي ٢٣٣/١
والخطاب ٥١٩/١ ونهاية المحتاج ٤٤٣/١، ومغني المحتاج
١٥٢/١، وحاشية الجمل ١/ ٣٣٧، وكشاف القناع
٣٣١/١، والمغني ٤٦٣/١
- ٩٢ -

خرس ٦ - ٧
عن الإِتيان بالتحريمة والقراءة، وهذا باتفاق
الفقهاء. لكنهم اختلفوا في اقتداء الأخرس
بأخرس مثله.
فعند الحنفية والمالكية يجوز اقتداء الأخرس
بأخرس مثله لتساویہما في العجز.
وعند الشافعية والحنابلة لا يجوز اقتداء
الأخرس بأخرس مثله لجواز أن يحسن أحدهما
ما لا يحسنه الآخر، أو أنه قد يكون لأحدهما قوة
بحيث لو كان ناطقا أحسن ما لا يحسنه
الآخر.(١)
إشارة الأخرس في الصلاة :
٦ - من المقرر أن الكلام في الصلاة يبطلها،
فهل تعتبر إشارة الأخرس في الصلاة مثل كلام
الناطق ؟
في قول عند المالكية وهو الصحيح عند
الشافعية: إنها لا تبطل بإشارة الأخرس، لأن
الإِشارة في الصلاة جائزة من الناطق.
واعتبر الحنابلة الإِشارة فعلا لا قولا ، فلا
تبطل الصلاة بها إلا إذا كثرت عرفا وتوالت .
وفي القول الثاني عند المالكية وهو مقابل
(١) ابن عابدين ٣٩٩/١ ومراقي الفلاح ص١٥٧ والشرح
الصغير ١٥٦/١ ط الحلبي، ونهاية المحتاج ١٦٥/٢
والشرواني على التحفة ٢٨٥/٢ وكشاف القناع ١/ ٤٧٦،
والمغني ٢/ ١٩٤
الصحيح عند الشافعية: إن الصلاة تبطل
بإشارة الأخرس، لأن إشارته كالكلام .
وفي قول ثالث عند المالكية: إن قصد الكلام
تبطل صلاته، وإن لم يقصد لم تبطل . (١)
والذي يظهر من كلام الحنفية أن الصلاة
لا تبطل عندهم بالإِشارة.
كما قال الحصكفي : لا بأس بتكليم المصلي
وإجابته برأسه، كما لو طلب منه شيء أو اري
درهما، وقيل: أجَيدٌ؟ فأوما بنعم أولا، أو قيل
کم صلیتم؟ فأشار بيده أنهم صلوا ركعتين. (٢)
ذبح الأخرس وصيده :
٧ - يختلف الفقهاء في كون التسمية عند الذبح
والصيد واجبة أو سنة. ولكنهم يتفقون على حِل
ذبيحة الأخرس وصیده مع عدم تسميته لعدم
قدرته على النطق.
إلا أن الحنابلة قالوا: إن كان المذكي أخرس
أومأ برأسه إلى السماء، ولو أشار إشارة تدل على
التسمية، وعلم أنه أراد التسمية، كان فعله
کافیا لقيام إشارته مقام نطقه .
· وقالوا في الصيد: لا تعتبر التسمية من
الأخرس عند إرسال السهم والجارحة لتعذرها
(١) الحطاب ٢/ ٣٢ وروضة الطالبين ٢٩٢/١، وكشاف
القناع ٣٧٨/١
(٢) ابن عابدين ١/ ٤٣٣ وفتح القدير ٣٥٨/١
- ٩٣ -

خرس ٨ - ١٠
منه، والظاهر أنه لا بد من إشارته بها، كما تقدم
في الذكاة لقيام إشارته مقام نطقه. وما قاله
الحنابلة هو رأي عند الشافعية .
جاء في المجموع: الأخرس إن كانت له
إشارة مفهومة حلت ذبيحته بالاتفاق، وإن لم
تكن له إشارة مفهومة فطريقان: المذهب الحل
أيضا، وبه قطع الأكثرون، والرأي الثاني أنه
يعتبر كالمجنون، وبهذا الرأي قطع البغوي
والرافعي . (١)
تصرفات الأخرس :
٨ - إذا كان للأخرس إشارة معلومة مفهومة،
فإنها تقوم مقام عبارته في تصرفاته العقدية كالبيع
والإِجارة، والهبة، والرهن، والضمان،
والنكاح، وغير ذلك. وكذلك في الحلول
كالطلاق والعتاق والإِبراء.
فالإشارة تعتبر حجة في حق الأخرس، لأن
الشارع تعبد الناطقين بالعبارة، فإذا عجز
الأخرس عن العبارة أقامت الشريعة إشارته مقام
عبارته .
وكذلك تقوم الكتابة المستبينة المرسومة - أي
التي تكتب على النحو الذي تعارفه الناس -
(١) ابن عابدين ١٨٩/٥، ١٩١، والدسوقي ١٠٦/٢،
والمجموع ٧٧/٩، ٨٦، وكشاف القناع ٦/ ٢٠٩، ٢٢٧
وشرح منتهى الإرادات ٤٠٧/٣
مقام عبارته في هذه التصرفات، لأن الكتابة
زیادة بیان . (١)
وهذا قدر متفق عليه بين الفقهاء إلا أن هناك
تقييدات تنظر في مصطلح (إشارة).
طلاق الأخرس :
٩ - ذهب الفقهاء إلى أن طلاق الأخرس
بإشارته المفهمة يقع، وفصل الشافعية والحنابلة
فقالوا: إن إشارة الأخرس بالطلاق إن فهم
طلاقه بها كل أحد، فصريحة، وإن اختص بفهم
الطلاق منها بعض الناس دون بعض فهي كناية
تحتاج إلى نية.(٢)
لعان الأخرس :
١٠ - يختلف الفقهاء في اعتبار إشارة الأخرس أو
كتابته في اللعان، وقيامها مقام عبارة الناطق.
فعند جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية وهو
المعتمد في المذهب عند الحنابلة - إن كان
(١) الهداية / ٢٦٩ - ٢٧٠ وأشباه ابن نجيم/ ٣٤٣ وابن
عابدين ٤٢٥/٢، والدسوقي ٣١٣/٢، ٣٢٧، ٣٨٤،
والتبصرة بهامش فتح العلي ٧٩/٢ - ٨٠، وأشباه السيوطي
/٣٣٨ والمتثور ١٦٤/١ ونهاية المحتاج ٤٢٦/٦ والروضة
٣٩/٨، وكشاف القناع ٣٩٢/٥ ومنتهى الإرادات
٢٤٦/٢ و١٣٠/٣، ٥٧٠ والمغني ٣ /٥٦٦، ٦٠٠
و٢٣٨/٧ والبهجة شرح التحفة ٢/ ٨٤
(٢) فتح القدير ٨/ ٥١١ وابن عابدين ٢/ ٤٢٥ وجواهر
الإكليل ٣٤٨/١، ومغني المحتاج ٢٨٤/٣ وشرح المنتهى
١٣٠/٣
- ٩٤ -
١

خرس ١٠ - ١١
للأخرس (زوجا أوزوجة) إشارة مفهومة صح
لعانه بالإِشارة، كما يصح بالكتابة، ويكرر
الإِشارة أو الكتابة كالناطق الذي يكرر اللفظ.
ويترتب على لعان الأخرس أو الخرساء عند
الجمهور، ما يترتب على لعان الناطق من
أحكام ، كسقوط الحد، ونفي النسب وغير ذلك.
ولولاعن الأخرس بالإِشارة، أو الكتابة ثم
انطلق لسانه فتكلم فأنكر اللعان، أوقال: لم
أرده فعند الشافعية والحنابلة يقبل قوله فيما علیه
فيطالب بالحد، ويلحقه النسب، ولا يقبل قوله
فيما له، فلا ترتفع الفرقة والتحريم المؤبد، وله
أن يلاعن في الحال لإسقاط الحد، ولنفي الولد
إن لم يفت زمن النفي .
وعند المالكية لا يقبل إنكاره مطلقا. (١)
وذهب الحنفية وبعض الحنابلة إلى أنه لا
يصح اللعان من الأخرس أو الخرساء،
لا بالإِشارة ولا بالكتابة، لأن اللعان لفظ يفتقر
إلى الشهادة فلم يصح من الأخرس، لأنه
لا يتأتى منه لفظ الشهادة، وسواء أكانا أخرسين
أم أحدهما.
وقال الحنفية: لو تلاعن الزوجان وهما
ناطقان، ثم زالت أهلية اللعان قبل التفريق
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٦٤ والخرشي ٤/ ١٣٠ والفواكه
الدواني ٨٥/٢، وروضة الطالبين ٣٥٢/٨ -٣٥٣ ونهاية
المحتاج ١١٠/٧ وكشاف القناع ٣٩٢/٥، والمغني
٣٩٦/٧
بخرسهما، أو خرس أحدهما بطل اللعان،
ولا تفريق، ولا حد لدرئه بالشبهة. (١)
إقرار الأخرس :
١١ - تعتبر الإِشارة من الأخرس إذا كانت
مفهومة قائمة مقام العبارة في إقراره، وكذا
الكتابة منه، ويؤخذ بذلك في کل ما أقر به من
حقوق العباد بما في ذلك القصاص. وهذا
باتفاق الفقهاء إلا في قول عند الحنفية: إن
القصاص لا يثبت بإقرار الأخرس . (٢)
واختلف في إقرار الأخرس بما يوجب الحد
كالقذف والزنى والسرقة .
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة وأبو ثور
وابن المنذر إلى أن الأخرس يؤخذ بإقراره بما
یوجب الحد، لأن من صح إقراره بغيرما یوجب
الحد صح إقراره بما يوجبه كالناطق .
وذهب الحنفية - وهو احتمال لكلام الخرقي
من الحنابلة ذكره صاحب المغني - إلى أن
الأخرس لا تعتبر إشارته أو کتابته في إقراره بما
(١) ابن عابدين ٢/ ٥٩٠ والبدائع ٢٤٢/٣ والاختيار ٣/ ١٧٠
والمغني ٣٩٦/٧.
(٢) الأشباه لابن نجيم/ ٣٤٣ وابن عابدين ٥/ ٤٧٠ - ٤٧١
والتبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢/ ٤٠، ٨٠ وجواهر
الإكليل ١٣٢/٢ وأشباه السيوطي/ ٣٣٨، والمنثور
١٦٤/١ وشرح منتهى الإرادات ٢٠٧/٣ - ٢٠٨ وكشاف
القناع ٣٩٢/٥ والمغني ٨/ ١٩٥ - ١٩٦
- ٩٥ -

خرس ١٢ - ١٣
يوجب الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات لكونها
حق الله تعالى . (١)
وينظر التفصيل في مصطلح (إقرار ف ٥٤ -
٥٨، وحد، وقصاص).
شهادة الأخرس :
١٢ - ذهب الحنفية والحنابلة - وهو الأصح عند
الشافعية ۔ إلی أن شهادة الأخرس لا تقبل، لأن
مراعاة لفظ الشهادة شرط صحة أدائها،
ولا عبارة للأخرس أصلا، فلا تقبل شهادته ولو
فهمت إشارته، لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين،
ولذلك لا يكتفى بإشارة الناطق .
لكن قال الحنابلة: إذا أدى الأخرس الشهادة
بخطه فإنها تقبل.
وعند المالكية ومقابل الأصح عند الشافعية
تقبل شهادة الأخرس ويؤديها بإشارة مفهمة أو
كتابة، فإذا قطع الحاكم بفهم مقصوده من
إشارته حكم بها، لأن الشهادة علم يؤديه
الشاهد إلى الحاكم، فإذا فهم عنه بطريق يفهم
(١) الهداية ٤/ ٢٧٠، ابن عابدين ١٤٤/٣، ١٩٢ و٣٥٣/٥
والبدائع ٧/ ٥١، والقوانين الفقهية/ ١٦١ والزرقاني
٨٧/٨، والتبصرة بهامش فتح العلي ٢/ ٨٠، ونهاية
المحتاج ٧/ ١١٠، ٤١٠ ومغني المحتاج ٤/ ١٥٠ وروضة
الطالبين ٩٤/١٠، والمغني ١٩٥/٨ - ١٩٦ وشرح منتهى
الإرادات ٢٠٧/٣ - ٢٠٨
عن مثله قبلت منه، كالنطق إذا أداها
بالصوت. (١)
قضاء الأخرس وفتیاه :
١٣ - النطق من الصفات التي يجب توافرها
فيمن يتولى القضاء، لأن الأخرس لا يمكنه
النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته
وهذا باتفاق عدا وجه مقابل للصحيح عند
الشافعية .
ويرى الحنفية والحنابلة وهو الصحيح عند
الشافعية أن صفة النطق شرط فلا يجوز تولية
الأخرس القضاء ولا يصح قضاؤه.
واعتبر المالكية صفة النطق واجبا غير شرط
في الابتداء والدوام، ولذا يجب عزله. لكن إن
وقع وحكم نفذ حکمه.
وذكر ابن أبي الدم أن في ولاية الأخرس علی
القضاء قولا آخر للشافعية بصحتها إذا فهمت
إشارته . (٢)
(١) البدائع ٦/ ٢٨٦ وابن عابدين ٣٠٢/٤ والتبصرة بهامش
فتح العلي ٧٩/٢ والكافي ٢/ ٨٩٩ وروضة الطالبين
٣٩/٨ و٢٤٥/١١ وأشباه السيوطي/ ٣٣٨ والمهذب
٣٢٥/٢ وكشاف القناع ٦/ ٤١٧ والمغني ٩/ ١٩٠
(٢) ابن عابدين ٣٠٢/٤ والبدائع ٣/٧ وحاشية الدسوقي
٤/ ١٣٠ والفواكه الدواني ٢/ ٢٩٧ ونهاية المحتاج ٢٢٦/٨
وحاشية الجمل ٣٣٧/٥ والروضة ٧/١١، والمهذب
٢٩١/٢ وكشاف القناع ٢٩٥/٦ وأدب القضاء لابن أبي
الدم ص٧٤
- ٩٦ -

خرس ١٤
أما بالنسبة للإفتاء فإنه تصح فتوى الأخرس
وذلك حیث فهمت إشارته .(١)
يمين الأخرس :
١٤ - اختلف الفقهاء في اعتبار إشارة الأخرس
في الیمین.
فذهب الحنفية والمالكية إلى صحة الأيمان
من الأخرس بالإِشارة إذا کان یفهم ویفهم عنه .
قال الحنفية: یستحلف الأخرس فيقول له
القاضي : عليك عهد الله إن كان لهذا عليك
هذا الحق؟، ويشير الأخرس برأسه: أي
نعم. (٢)
واختلفت أقوال فقهاء الشافعية بین انعقاد
اليمين بالإِشارة وعدم انعقادها .
فالقول بعدم انعقاد اليمين بالإِشارة ذكره
السيوطي، قال: تعتبر إشارة الأخرس في
الدعاوى ولا ينعقد بها الأيمان إلا اللعان.
وصرح الزركشي في قواعده بذلك فقال:
إشارة الأخرس كنطقه إلا في مسائل، ومنها:
حلف بالإشارة لا تنعقد يمينه .
وأما القول بانعقاد يمين الأخرس إذا فهمت
إشارته فقد ذكره الزركشي عقب كلامه بعدم
(١) ابن عابدين ٣٠٢/٤ وكشاف القناع ٦/ ٣٠٠
(٢) الأشباه لابن نجيم/ ٣٤٣ والاختيار ١١٤/٢ والتبصرة
بهامش فتح العلي المالك ٢/ ٨٠
الانعقاد فقال: وفي البيان في كتاب الأقضية قال
الشافعي رحمه الله في الأم: إن كان قد وجب
عليه يمين وهو أخرس لا تفهم إشارته وقف
اليمين إلى أن تفهم إشارته، وإن سأل المدعي
أن ترد عليه اليمين لم ترد، لأنه لم يتحقق نکوله.
وفي حاشية الجمل قال: وقع للزركشي في
القواعد عدم انعقاد يمين الأخرس بالإِشارة،
والذي يظهر خلافه أخذا مما صرحوا به في انعقاد
لعانه بالإشارة، ومن قولهم : إن إشارته مثل
العبارة إلا في ثلاثة مواضع: بطلان الصلاة فلا
تبطل بالإِشارة، والحنث، والشهادة.
قال الجمل: ثم رأيت محمدا الرملي اعتمد
انعقاد يمينه بالإِشارة . (١)
واختلفت أيضا أقوال فقهاء الحنابلة. ففي
مطالب أولي النهى الحلف بألفاظ مخصوصة.
فدل على عدم انعقاد يمين الأخرس ثم
قال: لكن صرح في الفروع في باب صلاة
الجمعة بانعقاد اليمين منه كالنية .
وصرح ابن قدامة في المغني بانعقاد يمين
الأخرس فقال: إن توجهت یمین علی ورثة
وفيهم أخرس مفهوم الإِشارة حلف وأعطي
حصته، وإن لم تفهم إشارته وقف حقه. (٢)
(١) الأشباه للسيوطي / ٣٣٨ ومغني المحتاج ٣٤٦/٤ والمهذب
١٣٨/٢، والمنثور في القواعد للزركشي ١/ ١٦٤ - ١٦٥
وحاشية الجمل ٢٨٦/٥
(٢) مطالب أولي النهى ٦/ ٣٥٧ والمغني لابن قدامة ٩/ ٢١٩
- ٩٧ -

خرس ١٥ - ١٦
الخرس بسبب الجناية :
١٥ - اللسان آلة الكلام، والاعتداء على
الإِنسان بما يفقده النطق ويجعله أخرس، إما أن
یکون بقطع اللسان، أو بضرب يؤدي إلى
ذهاب الكلام مع بقاء اللسان .
وذلك إما أن يكون عمدا أو خطأ، وفي
موجب ذلك من قصاص أو دية خلاف
وتفصیل(١) يرجع إليه في (جنایة علی ما دون
النفس، ودية).
الجنایة علی لسان الأخرس :
١٦ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو قول
عند الحنابلة: إلى أن في لسان الأخرس حكومة
عدل، لأنه لا قصاص فیه ولیس له أرش مقدر
لعدم فوات المنفعة، وإنما وجبت حكومة عدل
تشريفا للآدمي، لأن اللسان جزء منه. وقید
الشافعية ذلك بأن لا يذهب بقطعه الذوق،
وإلا ففيه الدية.
وفي القول الثاني للحنابلة: إن فيه ثلث الدیة
لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
(١) ابن عابدين ٣٥٦/٥ والبدائع ٣٠٧/٧، ٣٠٨، ٣١١،
٣١٧ والاختيار ٣١/٥ والدسوقي ٢٥٢/٤، ٢٥٣،
٢٧١، والزرقاني ٨/ ٤٠ والشرح الصغير ٣٨٩/٢ والمدونة
٣١٠/٦ وجواهر الإكليل ٢٥٩/٢ والمهذب ١٨١/٢
ومغني المحتاج ٣٥/٤، والجمل ٣٤/٥ والمغني ٧ / ٧١٦،
٧١٧، ٧٢٣، و١٥/٨، ١٦ وكشاف القناع ٥٥٢/٥،
٥٥٦ - ٥٥٧
رسول الله و ليل قضى في العين العوراء السادَّة
لمكانها إذا طمست بثلث دیتها، وفي اليد الشلاء
إذا قطعت بثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا
نزعت بثلث دیتها . (١)
وهذا إذا كانت الجناية خطأ أو كانت عمدا
من ناطق.
فإن كانت الجناية من أخرس على أخرس
عمدا، فقد نص المالكية والشافعية والحنابلة إذا
أمنت السراية على وجوب القصاص للمماثلة
والتكافؤ، وقواعد الشافعية لا تأبى ذلك، أما
الحنفية فلا قصاص عندهم أصلا في
اللسان .(٢)
(١) حديث عمرو بن شعيب أن رسول الله صل﴿ قضى في
العين ... )) أخرجه النسائي (٥٥/٨ - ط المكتبة
التجارية). وإسناده حسن.
(٢) البدائع ٣٢٣/٧ والدسوقي ٢٥٢/٤، ٢٧٧ والزرقاني
٤٠/٨ والجمل ٦٧/٥، ونهاية المحتاج ٣١١/٧ ومغني
المحتاج ٣٣/٤ والمغني ٤١/٨ و ٧٣٣
- ٩٨ -

خرص ١ - ٣
٦
خرص
التعريف :
١ - الخرص لغة: القول بالظن، ويطلق على
الكذب: (١) ومنه قول الحق تبارك وتعالى:
﴿قتل الخراصون﴾، (٢) ويطلق على حزر
ما على النخل والكرم من الثمار تمرا أوزبيبا.
وروي أن النبي ◌َلي ((أمر بالخرص في النخل
والكرم خاصة)). (٣)
والاصطلاح الشرعي لا يختلف عن ذلك.
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - التخمين، والحدس، والتحري متقاربة
المعنى، وهي تحديد الشيء بالظن والتقدير،
فھي کالخرص في بعض إطلاقاته.
(١) المعجم الوسيط ومصباح المنير مادة: ((خرص))، ومغني
المحتاج ٣٨٧/١
(٢) سورة الذاريات / ١٠
(٣) حديث: ((أمر بالخرص في النخل والكرم خاصة)). ذكره
صاحب المعجم الوسيط (٢٢٦/١) ولم يهتد إلى من أخرجه
بهذا اللفظ ويدل عليه ما رواه أبو داود (٢/ ٢٥٧ ط عزت
عبيد دعاس) من حديث عتاب بن أسيد، بلفظ ((أمر
رسول الله ﴿ أن يخرص العنب كما يخرص النخل)).
وسيأتي تخريجه (ف/ ٣)
الحكم التكليفي :
أولا : الخرص فيما تجب فيه الزكاة :
٣ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه
يستحب للإِمام خرص الثمار على رءوس النخل
والكرم خاصة بعد بدو صلاحها، لتحديد
قدرها وقدر الزكاة فيها .
فيبعث ساعيه ليخرص الثمار على رءوس
النخل والكرم بعد بدو صلاحها، ليعلم
بالخرص والتقدير نصاب الزكاة، والقدر
الواجب إخراجه. (١)
ويشترط المالكية لذلك: أن يحتاج أصحاب
الثمار إلى التصرف فيها، أما إذا لم يحتاجوا إلى
التصرف فيها، فينتظر جفاف ما يجف من الثمار
وتخرج زكاته تمرا أوزبيبا، وما لا يجف ينتظر جذه
ثم يكال البلح، ويوزن العنب، ثم يقدر
جفافهما إذا شك في بلوغهما النصاب. (٢)
واستدل جمهور الفقهاء لمشروعية الخرص:
بما روى الترمذي أن النبي ◌َله: «أمر أن يخرص
العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبا كما
تؤخذ صدقة النخل تمرا)). (٣)
(١) مغني المحتاج ٣٨٦/١ - ٣٨٧، المغني ٢ / ٧٠٦، حاشية
الدسوقي ٤٥٣/٢
(٢) حاشية الدسوقي ٢/ ٤٥٣
(٣) حديث: ((أمر أن يخرص العنب كما يخرص النخل)).
أخرجه أبوداود (٢/ ٢٥٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
والترمذي (٢٧/٣ - ط الحلبي)، من حديث عتاب بن =
- ٩٩ -

خرص ٤ - ٥
وعند الشافعية قول بوجوب الخرص لظاهر
الحديث. (١)
وقال الخطابي : أثبت الحديث النبوي
الخرص والعمل به، وهو قول عامة أهل العلم
إلا ما روي عن الشعبي أنه قال: الخرص
بدعة، وأنكر أصحاب الرأي - يعني الحنفية -
الخرص، وقال بعضهم: إنما كان ذلك الخرص
تخويفا للأگرة لئلا يخونوا، فأما أن يلزم به حکم
فلا، وذلك أنه ظن وتخمین وفیه غرر، وإنما كان
جوازه قبل تحريم الربا والقمار. (٢)
وقت الخرص :
٤ - لا خلاف بين من يرى مشروعية الخرص في
أنه یکون حین یطیب الثمر ویبدو صلاحه،
لقول عائشة رضي الله عنها: ((إن الرسول آل}
كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر
فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن
يؤكل منه)). (٣)
= أسید، وفي إسناده انقطاع بین عتاب بن أسيد والراوي
عنه وهو سعيد بن المسيب، كذا في مختصر أبي داود
للمنذري (٢١١/٢ - نشر دار المعرفة).
(١) مغني المحتاج ٣٨٦/١
(٢) معالم السنن ٢/ ٤٤ وانظر المغني ٢/ ٧٠٦، والأموال لأبي
عبيد ط ــ دار الفكر
(٣) حديث: ((كان يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود خيبر)).
أخرجه أبوداود (٢/ ٢٦٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس)،
وأعله ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٧١ - ط شركة الطباعة
الفنية) بجهالة فیه، ولکن ذکر له شواهد یتقوی بها.
ولأن المقصود من الخرص معرفة قدر الزكاة،
وإطلاق تصرف أرباب الثمار في التصرف فيها،
مما تدعو إليه الحاجة .
ما شرع فيه الخرص:
٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخرص
لا يكون في غير النخل والكرم، لورود الأثر
فيهما، فلا يخرص الحب في سنبله، ولا الزيتون
لأنه لم يرد فيهما أثر، وليسا في معنى المنصوص
حتی یقاسا علیه، والحب مستور في سنبله،
وحب الزیتون متفرق في شجره لا يجمعه عنقود
فیصعب خرصه، ولا حاجة بأهله إلى أكله
غالبا، بخلاف التمر والعنب، فإنهما يؤكلان
رطبا، فيخرص على أهله للتوسعة عليهم
ليخلى بينهم، وبين أكل الثمرة، والتصرف
فیه، ثم يؤدون الزكاة منها على ما خرص.
ولأن ثمرة الكرم، والنخل ظاهرة مجتمعة،
فخرصها أسهل، من خرص غیرها.(١)
وعند المالکیة قول: بجوازخرص غیر التمر،
والعنب إذا احتاج أهله، أو كانوا غير أمناء. (٢)
وقال الزهري والأوزاعي والليث: يخرص
الزيتون ونحوه، لأنه ثمر تجب فيه الزكاة
فیخرص کالرطب والعنب.
(١) المغني لابن قدامة ٢/ ٧١٠، ومغني المحتاج ٣٨٧/١
(٢) مواهب الجليل ٣٨٧/١
- ١٠٠ -