النص المفهرس

صفحات 61-80

خراج ٢٠ - ٢٢
والمالكية والشافعية وأحمد في رواية، وذلك لأنها
فيء وليست غنيمة.
وذهب أحمد في رواية ثانیة إلی أن حكمها
حكم الأرض المفتوحة عنوة فلا تصير وقفا على
المسلمين إلا بوقف الإِمام لها، لأنها مال ظهر
علیه المسلمون بقوتهم فلا یکون وقفا بنفس
الاستيلاء كالمنقول.(١)
أما أرض العرب فكلها أرض عشرية، لأن
النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين لم
يأخذوا الخراج من أرض العرب، ولأنه بمنزلة
الفيء فلا يثبت في أراضيهم، کما لا تثبت
الجزية في رقابهم، وانظر مصطلح : (أرض،
وأرض العرب). (٢)
النوع الثالث: الأرض التي افتتحها
المسلمون عنوة :
٢٠ - اختلف الفقهاء في تقسيم الأرض التي
افتتحت عنوة بين الفاتحين.
فیری بعضهم وجوب تقسيمها، ویری
آخرون وقفها، ويرى بعضهم تخيير الإِمام بين
هذين الأمرين. راجع مصطلح: (أرض).
(١) الكاساني: البدائع ٩٣٦/٢، المنتقى: للباجي ٢٢١/٣،
الأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٧، الأحكام
السلطانية للفراء ص١٤٨، وكشاف القناع للبهوقي
٩٥/٣، المبدع لابن مفلح ٣٧٨/٣ - المكتب الإسلامي.
(٢) الهداية بشروحها ط بيروت (٢٧٨/٥)، والأموال لأبي
عبيد ص٩٨، والمنتقى للباجي ٢٢٢/٣ والأحكام
السلطانية للماوردي ص١٤٧
· شروط الأرض التي تخضع للخراج:
الشرط الأول: أن تكون الأرض خراجية .
٢١ - اتفق الفقهاء على أن الأرض التي تخضع
لوظيفة الخراج، لابد أن تكون خراجية، ولذا
فلا تجب وظيفة الخراج على الأرض العشرية،
كالأرض التي أسلم عليها أهلها طوعا .
والأرض الخراجية: هي الأرض التي صولح
عليها أهلها، وكذا الأرض التي جلا عنها أهلها
خوفا وفزعا من المسلمين، والأرض التي فتحت
عنوة وتركها الإِمام في أيدي أهلها یزرعونها
وينتفعون بها بخراج معلوم، سواء أسلم أهلها . .
بعد فتحها أو لم يسلموا.
الشرط الثاني: أن تكون الأرض الخراجية
نامية .
٢٢ - اتفق الفقهاء على اشتراط هذا الشرط،
فلا تخضع الأرض الخراجية لوظيفة الخراج إلا
إذا كانت نامية .
والنماء إما أن يكون حقيقيا، بأن تكون
الأرض مُغلّة بالفعل، كأن تكون مزروعة
بالأشجار المثمرة كالنخيل والعنب وغيرهما.
وإما أن يكون النماء تقدیریا، بأن تكون
الأرض بيضاء صالحة للزراعة. وصلاحيتها
للزراعة بأن تكون تربتها قابلة للزراعة، وأن
ينالها الماء.
ولذا فلا يجب الخراج في الأرض المبنية
مساكن ودورا، ولا في الأرض الموات التي
- ٦١ -

خراج ٢٢ - ٢٣
لا تصلح للزراعة، كأن تكون نزة - لا تمسك
الماء - أو سبخة، لعدم الانتفاع بها في الزراعة،
ولأن عمر رضي الله عنه لم يُدخلها في الوقف،
ولم يفرض عليها الخراج. (١)
روى أبو عبيد عن عبدالله الثقفي قال:
(وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه على
أهل السواد على كل جريب(٢) عامر أو غامر
درهما وقفيزا، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم
وخمسة أقفزة، وعلى جريب الشجرة عشرة
دراهم وعشرة أقفزة). (٣)
وقد علق أبو عبيد على هذا الحديث بقوله:
(وفي تأويل حديث عمر من العلم أنه جعل
الخراج على الأرضين التي تغل من ذوات الحب
والثمار، والتي تصلح للغلة من العامر والغامر،
وعطل من ذلك المساكن والدور التي هي منازلهم
فلم يجعل عليها فيها شيئا). (٤)
(١) الكاساني: البدائع ٩٣٣/٢، المبسوط السرخسي
٧٩/١٠، حاشية الدسوقي ١٩٨/٢، الصاوي: بلغة
السالك - دار الباز بمكة المكرمة ٣٦١/١، حاشية
الشرقاوي ٤٢٢/١، دار المعرفة ببيروت، النهاية للرملي
٧٤/٨، كشاف القناع للبهوي ٩٨/٣، المبدع لابن
مفلح ٣٨٢/٣ - المكتب الإسلامي ببيروت، الأحكام
السلطانية للفراء ص١٦٩
(٢) الجريب: الوادي، ثم استعير للقطعة المتميزة من
الأرض، ويختلف مقداره بحسب اصطلاح کل إقلیم،
فقيل: إنه عشرة آلاف ذراع مربع، وقيل ثلاثة آلاف
وستمائة ذراع مربع.
(٣) الأموال لأبي عبيد ص٩٨
(٤) نفس المرجع ص١٠٢
ولأن الخراج بمثابة أجرة الأرض وما لا منفعة
فیه لا أجر له.
انتقال الأرض العشرية إلى الذمي، وما يجب
فيها :
٢٣ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى جواز بيع الأرض العشرية من
الذمي، إلا أن الحنابلة قالوا بالجواز مع الكراهة
لإفضائه إلى إسقاط عشر الخارج منها.
واستدلوا لما ذهبوا إليه من جواز بيع الأرض
العشرية للذمي ، بأنها مال مملوك للمسلم كسائر
أملاكه فلا یمنع من بیعه للذمي أو غيره.
وذهب مالك وأحمد في رواية إلى منع المسلم
من بيعها إلى الذمي، لأن بانتقالها إلى الذمي
يسقط العشر فيتضرر الفقراء. (١)
وأما بالنسبة إلى الوظيفة المفروضة على أهل
الذمة إذا تملكوا الأرض العشرية، فقد اختلف
الفقهاء فيها على النحو التالي:
ذهب الشافعية والحنابلة في الرواية الراجحة
عندهم، والثوري، وشريك وأبو عبيد إلى أن
الأرض لا تصير خراجية بمجرد انتقالها إلى
(١) الكمال بن الهمام: فتح القدير ٥/ ٢٨٠، الفتاوي الهندية
٢٤٠/٢، دار إحياء التراث العربي ببيروت ط٣ -
١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠م. الأحكام السلطانية للماوردي
ص١١٩، المغني لابن قدامة ٧٢٩/٢
- ٦٢ -

خراج ٢٣
الذمي ولا يفرض عليها عشر، ولا خراج لفقد
موجبهما .
فالخراج يجب على الأرض التي خضعت
للمسلمين بالغلبة، أو الصلح ولا يجب بالبيع
ولا بمجرد انتقالها إلى ذمي .
والعشر يجب في الخارج من الأرض العشرية
على المسلم، ولا يجب على الذمي، لأن العشر
عبادة، والذمي ليس من أهلها .
كما قاسوا هذه المسألة على مسألة انتقال
الحيوانات السائمة إلى الذمي فكما تسقط زكاة
السائمة بانتقالها إلى الذمي، يسقط العشر عن
الأرض العشرية بانتقالها إلى الذمي .
وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنها تصير
خراجية، ويؤخذ من الذمي الذي انتقلت إليه
الخراج لا العشر، لأن العشر في معنى العبادة،
والذمي ليس من أهلها فلا يجب عليه العشر كما
لا تجب عليه الزكاة المعهودة، ولهذا لا تجب عليه
ابتداء. وإذا تعذر إيجاب العشر وجب اخراج
إذ لابد من فرض وظيفة على الأرض في دار
الإِسلام.
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في وقت
صيرورتها خراجية، ففي رواية تصير خراجية
بالشراء. وفي رواية أخرى لا تصير خراجية مالم
يوضع عليها الخراج، وإنما يؤخذ الخراج إذا
مضت من وقت الشراء مدة یمکنه أن يزرع
/ فیھا، سواء زرع أم لم يزرع.
وذهب مالك وأحمد في رواية وأبویوسف إلى
أنها تعتبر خراجية ويؤخذ من الذمي العشر
مضاعفا، كما فعل عمر رضي الله عنه مع
نصارى تغلب. ولأن انتقالها إلى الذمي يؤدي
إلى إسقاط العشر، وهذا يؤدي إلى الإِضرار
بالفقراء، فإذا تعرض أهل الذمة لذلك ضوعف
عليهم العشر كما لو اتجروا بأموالهم إلى غير
بلدهم ضوعفت عليهم الزكاة فأخذ منهم نصف
العشر. ويوضع المأخوذ منهم موضع الخراج.
وذهب محمد بن الحسن الشيباني إلى أنها
تبقى عشریة، ولا یؤخذ منهم سوى العشر،
وذلك لأن الأصل أن کل أرض ابتدأت بضرب
حق عليها لا يتبدل الحق بتبدل المالك،
کاخراج، والجامع بينهما أن كل واحد منهما مؤونة
الأرض لا تعلق له بالمالك، حتی یجب في أرض
غير مملوكة، فلا يختلف باختلاف المالك.
واختلفت الرواية عن محمد بن الحسن في
موضع المأخوذ ومصرفه، فقيل: يوضع موضع
الصدقة لأنه قدر الواجب لم یتغیر عنده، فلم
تتغیر صفته أيضا.
وروي عنه أنه يوضع موضع اخراج، لأن
مال الصدقة لا يؤخذ منه لكونه مالا مأخوذا من
كافر، فیوضع موضع الخراج.
وذهب ابن أبي ليلى إلى وجوب العشر
- ٦٣ -

خراج ٢٤ - ٢٦
والخراج معا، فأما العشر فاستصحابا، وأما
الخراج فغرم يلحقه بمصيرها إليه.(١)
إحياء الأرض الموات :
٢٤ - إذا كان المحبي للأرض الموات ذميا،
فیری بعض الفقهاء جواز ذلك - بإذن الإِمام -
سواء أكانت هذه الأرض ضمن دار الإِسلام،
أم دار العهد، ولا فرق بينه وبين المسلم في ذلك
إلا في وظيفة الأرض، فالمسلم يجب عليه في
بعض الحالات العشر، أما الذمي فلا يجب عليه
سوی الخراج لأنه ألیق بحاله.(٢)
ویری آخرون عدم جواز إحياء الذمي أرض
الموات في بلاد العرب. ويرى بعضهم عدم
جواز إحياء الذمي أرض الموات في دار الإِسلام.
انظر: (إحياء الموات) ف٢٢ و٢٣
مقدار الخراج :
٢٥ - ذهب الحنفية إلى أنه يجب في کل جریب
يصلح للزراعة قفيزودرهم، وفي جريب الرطبة
(الفصفصة) خمسة دراهم، وفي جريب الكرم
(١) البدائع للكاساني ٩٢٧/٢ - ٩٢٨، الأحكام السلطانية
للماوردي ص١١٩، الأحكام السلطانية للفراء
ص١٢٣، المغني لابن قدامة ٧٢٩/٢
(٢) الفتاوى الهندية ٢٣٧/٢، المغني لابن قدامة ٥٦٦/٥،
الاستخراج في أحكام الخراج لابن رجب ص١١، أحكام
أهل الذمة لابن القيم ١٠١/١
(العنب) عشرة دراهم. وما سوى ذلك من
الأصناف كالزعفران، والقطن وغيرها، يوضع
عليها بحسب الطاقة.
ونهاية الطاقة أن يبلغ الواجب نصف
الخارج، ولا يزاد عليه، لأن التنصيف عين
الإِنصاف.(١)
واستدلوا برواية أبي عبيد عن محمد بن
عبد الله الثقفي قال: وضع عمر على أهل
السواد على كل جريب عامر أو غامر درهما
وقفيزا، وعلى جريب الحنطة خمسة دراهم
وخمسة أقفزة، وعلى جريب الشجرة عشرة
دراهم وعشرة أقفزة، وعلى جريب الكرم عشرة
دراهم وعشرة أقفزة - قال ولم يذكر النخل - وعلى
رءوس الرجال ثمانية وأربعین، وأربعة وعشرين،
واثني عشر.
٢٦ - وذهب مالك إلى عدم التقيد بتقدير إمام
من الأئمة السابقين، فلم يأخذ بأي رواية من
الروايات السابقة، وإنما قال: المرجع فيه إلى
قدر ما تحتمله الأرض من ذلك لاختلافها في
حواصلها، ويجتهد الإِمام في تقدير ذلك مستعينا
عليه بأهل الخبرة.
واستدلوا برواية أبي عبيد أيضا من حديث
(١) الكمال بن الهمام: فتح القدير ٢٣٥/٤، المرغيناني:
الهداية - مطبعة مصطفى الحلبي بالقاهرة ١٥٧/٢،
الزيلعي: تبيين الحقائق ٢٨٣/٣، الفتاوى الهندية
٢٣٨/٢، وأبو عبيد: الأموال ص٩٨.
- ٦٤ -

خراج ٢٧ - ٢٩
الشعبي أن عمر بعث ابن حنيف إلى السواد
فطَّز الخراج فوضع على جريب القصب ستة
دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم،
وعلى جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى
جريب الزيتون اثني عشر. ووضع على الرجل
الدرهم والدرهمين في الشهر. (١)
٢٧ - وذهب الشافعية إلى أن قدر الخراج في
کل سنة، ما فرضه عثمان بن حنيف لما بعثه عمر
ماسحا وهو على كل جريب شعير درهمان،
وعلى كل جريب حنطة أربعة دراهم. وعلى
کل جریب شجر، وقصب سکر ستة دراهم،
وعلی کل جریب نخل ثمانية دراهم، وعلى كل
جريب كرم عشرة دراهم، وعلى كل جريب
زيتون اثنا عشر درهما. (٢)
٢٨ ۔ وذهب الحنابلة إلى أنه يجب في کل جریب
درهم وقفیز، وعلی جریب النخل ثمانية دراهم،
وعلى جريب الرطبة (٣) ستة دراهم.
(١) ابن هبيرة: الإفصاح - مطبعة الكيلاني بالقاهرة ١٩٨٠،
٢٨٤/٢، أبو عبدالله الدمشقي: رحمة الأمة في اختلاف
الأئمة على هامش الميزان للشعراني - دار إحياء الكتب
العربية بالقاهرة ١٧٢/٢ وأبو عبيد: الأموال ص٩٧
(٢) النووي: روضة الطالبين ٢٧٦/١٠ - المكتب الإسلامي
ببيروت - ط٢ - ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥م، الشربيني الخطيب،
مغني المحتاج في شرح المنهاج ٢٣٥/٤، حاشية البجيرمي
٢٦٢/٤ - المكتبة الإسلامية بتركيا.
(٣) الرطبة: (بفتح الراء وسكون الطاء) نبات يقيم في =
واحتجوا بما رواه عمروبن ميمون حيث
قال: شهدت عمر بن الخطاب رضي الله عنه-
وأتاه ابن حنيف - فجعل يكلمه، فسمعته
يقول: وضعت على كل جريب من الأرض
درهما وقفيزا من طعام لا يشق ذلك عليهم
ولا يجهدهم. (١)
الزيادة والنقصان على ما وظفه عمر رضي الله
عنه :
٢٩ - اختلف الفقهاء الذين أخذوا بتقديرات
عمر رضي الله عنه للخراج في جواز الزيادة
والنقصان على ما وظفه عمر.
فذهب الشافعية والإِمام أحمد في رواية،
ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف في رواية إلى
جواز الزيادة والنقصان، لأن الخراج مبني على
طاقة الأرض وقدرتها على التحمل.
واستدلوا لذلك بما روي عن عمر رضي الله
عنه حیث قال لعثمان بن حنيف، وحذيفة بن
اليمان: (لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق)(٢)
فإذا كانت الأرض تطيق الزيادة يزاد بقدر
الأرض سنینا كلما جز نبت، كالقضبة وهي كل نبات
=
اقتضب فأکل طریا .
المطلع للبعلي ص٢٣٣، المصباح المنير للفيومي ص٣١٣
(١) ابن مفلح: المبدع: ٣٨١/٣ - المكتب الإسلامي،
وانظر: الخراج والنظم المالية للريس ص٣٢١ - ٣٢٥
وأبوعبيد: الأموال ص١٠١.
(٢) صحيح البخاري ٢٠٤/٤
-- ٦٥ -

خراج ٢٩ - ٣١
ما يراعى عند تقدير الخراج:
الطاقة، كما إذا كانت لا تطيق تلك الوظيفة لقلة
ريعها فتنقص . (١)
وذهب أبو حنيفة وأبو یوسف في رواية ثانية
إلی جواز النقصان دون الزیادة، لقول عثمان بن
حنيف، وحذيفة لعمر بن الخطاب: (ولو زدنا
لأطاقت)(٢) فلم يزد عمر مع أنه أخبر بأن
الأرض تطيق الزيادة. (٣)
وذهب أحمد في رواية ثانية إلى جواز الزيادة
دون النقصان، لقول عثمان بن حنيف لعمر:
(والله لوزدتُ عليهم لأجهدتهم) (٤) فدل على
إباحة الزيادة ما لم يجهدهم، ولأن الإِمام ناظر في
مصالح المسلمین کافة، فجازله الزيادة فیه دون
النقصان (٥)
وذهب أحمد في رواية ثالثة، إلى عدم جواز
الزيادة والنقصان لأن اجتهاد عمر رضي الله عنه
أولى من غيره، إذ هو كالإجماع لعدم إنكار
الصحابة عليه . (٦)
(١) الكمال بن الهمام: فتح القدير ٢٨٣/٥، السرخسي:
المبسوط ٧٩/١٠، الماوردي: الأحكام السلطانية
ص١٥٠ ابن رجب: الاستخراج في أحكام الخراج
ص٦٧
(٢) صحيح البخاري ٢٠٤/٤
(٣) الكمال بن الهمام: فتح القدير ٢٨٣/٥، السرخسي:
المبسوط ٧٩/١٠
(٤) صحيح البخاري ٢٠٤/٤
(٥) ابن رجب: الاستخراج في أحكام اخراج ص٦٧
(٦) نفس المرجع.
٣٠ - ينبغي لواضع الخراج أن ينظر إلى تربة
الأرض، ومدى إنتاجيتها وخصوبتها، فما يوضع
على الأرض الجيدة يختلف عما يوضع على
الأرض الرديئة .
وما یوضع على الأرض التي تزرع في کل
عام، يختلف عما يوضع على الأرض التي تزرع
في عام، وتراح في عام. فيراعى عند ابتداء
وضع الخراج على الأرض التي لا تزرع في كل
عام حالها، واعتبر العلماء أصلح الأمور لأرباب
هذه الأرض، وأهل الفيء يكون في خصلة من
ثلاث.
أ - إما أن يجعل خراجها على الشطر من خراج
ما يزرع .
ب- وإما أن يمسح کل جریبین منها بجريب
ليكون أحدهما للمزروع والآخر للمتروك.
ج - وإما أن يضعه بكماله على مساحة المزروع
والمتروك، ويستوفي من أربابه الشطر من مساحة
أرضهم .(١)
خفة مؤونة السقي وكثرتها :
٣١ - من الأمور التي تراعى أيضا عند تحديد
(١) الماوردي: الأحكام السلطانية ص ١٥٠، ابن القيم:
أحكام أهل الذمة ١١٨/١، البهوتي: كشاف القناع
٩٨/٣، ابن مفلح: المبدع ٣٨٢/٣
- ٦٦ -

خراج ٣٢ - ٣٤
وظيفة الأرض العشرية خفة مؤونة السقي
وكثرتها. فقد أوجب النبي ◌َّ العشر في الخارج
من الأرض العشرية التي تسقى بماء السماء
والأنهار، وأوجب نصف العشر في الخارج من
الأرض العشرية التي تسقى بماء الآبار الذي
يحتاج في إخراجه إلى مؤونة .
وكذلك الأمر بالنسبة للأرض الخراجية، فما
يوضع على الأرض التي تسقى بماء الأمطار، أو
العيون، أو الأنهار يزيد عما يوضع على الأرض
الخراجية التي تسقى بماء الآبار.
نوعية الزروع والثمار المزروعة في الأرض
الخراجية :
٣٢ - الخراج الذي يوضع على الأرض التي
تزرع بالقمح، أو الشعير، يختلف عما يوضع
على الأرض التي تزرع بالأشجار المثمرة
کالعنب، والنخیل، وذلك لاختلاف قيمة كل
نوع عن الآخر.
٣٣ - قرب الأرض الخراجية من المدن والأسواق
وبعدها عنہا :
فما يوضع على الأرض القريبة من المدن
والأسواق يختلف عما يوضع على الأرض البعيدة
عن المدن والأسواق لأن بعدها عن المدن
والأسواق يزيد من المؤونة والكلفة.
ماينزل بأرباب الأرض الخراجية من نوائب
وملمات .
٣٤ - ينبغي لواضع الخراج أن يحسب حساب
النوائب، والملمات التي قد تنزل بأرباب الأرض
فيترك لهم من غاية ما تحتمله الأرض نسبة معينة
لمواجهة تلك النوائب، والملمات .
كما أمر النبي وقير في خرص الثمار المزكاة حيث
قال: ((إذا خرصتم فجذوا ودعوا الثلث فإن لم
تدعوا أو تجذوا الثلث فدعوا الربع))(١) وقد علل
النبي ﴿ ذلك بقوله: ((فإن في المال العربية
والوطية))(٢) وقال عمر رضي الله عنه: ((خففوا
على الناس في الخرص فإن في المال العرية(٣)
(١) حديث: ((إذا خرصتم فجذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا
أو تجذوا ... )). أخرجه أبو داود (٢٦٩/٢ - تحقيق عزت
عبيد دعاس) من حديث سهل بن أبي حثمة، وفي إسناده
راو فیه لین.
(٢) حديث: ((فإن في المال العربية والوطية)). أخرجه أبو عبيد
القاسم بن سلام في کتاب الأموال (ص٥٨٦ - نشر دار
الفکر - بيروت) من حديث مکحول مرسلا.
(٣) قال أبو عبيد: العرية تفسر تفسيرين: الأول: كان مالك
ابن أنس يقول: هي النخلة يهب الرجل ثمرتها للمحتاج
يعريه إياها، فيأتي المعرى - وهو الموهوب له - إلى نخلته
تلك ليجتنيها، فيشق على المعري - وهو الواهب - دخوله
عليه لمكان أهله في النخل قال: فجاءت الرخصة للواهب
خاصة أن يشتري ثمرة تلك النخلة من الموهوبة له
بخرصها تمرا.
وأما التفسير الثاني فهو أن العرايا، هي النخلات
يستثنیها الرجل من حائطه إذا باع ثمرته، فلا يدخلها في
البيع، ولکنه یبقیها لنفسه وعیاله فتلك الثنیا، لا تخرص
علیه لأنه قد عفی هم عما یأکلون تلك الأيام فهي =
- ٦٧ -

خراج ٣٤ - ٣٥
والأكلة . (١)
وقد راعى عثمان بن حنيف ذلك التخفيف
عندما وضع الخراج على أرض السواد فقال:
(حملناها أمرا هي مطيقة له، ما فيها كثير
فضل)(٢) فدل ذلك على أنه قد كان فيها فضل
وإن کان یسیرا فقد تركه لهم. وقال أيضا: (ولو
زدنا لأطاقت). (٣)
وقد نبه الماوردي على ذلك بقوله :
(ولا يستقصي في وضع الخراج غاية ما يحتمله،
وليجعل منه لأرباب الأرض بقية يجبرون بها
النوائب والحوائج، حكي أن الحجاج كتب إلى
عبدالملك بن مروان يستأذنه في أخذ الفضل من
( أموال السواد، فمنعه من ذلك، وكتب إليه
لا تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على
العرايا سميت بذلك لأنها أعريت من أن تباع، أو
تخرص في الصدقة. وللعربية تعريفات أخرى تنظر في
مصطلح : (بيع العرايا) ج٩ من الموسوعة.
فالمعنى الثاني هو المقصود في حديث النبي مقلد .
وأما الوطية فهي السابلة وهم الذين يطئون بلاد الثمار
مجتازين: أبو عبيد: الأموال ص٦٥٦ - ٦٥٨، وانظر
الماوردي (ص١٤٩).
(١) أثر عمر: ((خففوا على الناس في الخرص فإن في المال.
العربية والأكلة».
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب ((الأموال))
(ص٥٨٧ - نشر دار الفكر - بيروت) من طريق الأوزاعي
قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب قال : .. فذكره، وإسناده
ضعيف لانقطاعه .
(٢) صحيح البخاري ٢٠٤/٤
(٣) نفس المرجع.
درهمك المتروك، وأبق لهم لحوما يعقدون بها
شحوما) . (١)
استيفاء الخراج :
إذا وضع الخراج على أرض خراجية فلابد
من استيفائه بعد حلول وقت الوجوب ليصرف
في مصارفه الشرعية من سد المصالح العامة .
وقت استيفاء الخراج :
٣٥ - لمعرفة وقت استيفاء الخراج لابد من بيان
وقت الوجوب، لأن الاستيفاء - غالبا - ما يكون
بعد حلول وقت الوجوب .
أ ۔ وقت وجوب الخراج
٣٥م - وقت وجوب الخراج يختلف تبعا لنوع
الخراج المفروض على رقبة الأرض.
فإذا كان المفروض خراج مقاسمة، يكون
وقت الوجوب عند کمال الزرع وتصفيته،
ويتكرر الواجب بتكرر الخارج من الأرض، لأن
الخراج يتعلق بالخارج من الأرض. (٢)
أما إذا كان المفروض خراج وظيفة، فلا
يؤخذ إلا مرة واحدة في السنة، ولا یتکرر، ولو
(١) الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٥٩
(٢) مثلا خسرو: درر الحكام في شرح غرر الأحكام - مطبعة
أحمد كامل بالقاهرة ١٣٢٩هـ - ٢٩٧/١، الماوردي:
الأحكام السلطانية ص١٤٩، أبو يعلى: الأحكام
السلطانیة ص١٦٨، ابن رجب: الاستخراج ص٧٢،
ابن القيم: أحكام أهل الذمة ١١٦/١
- ٦٨ -

خراج ٣٥ - ٣٦
استغلها صاحبها في السنة عدة مرات، وذلك
لأن عمر رضي الله عنه لم يأخذ الخراج من أهل
الذمة إلا مرة واحدة في السنة، ولأن ربع عامة
الأراضي يكون في السنة مرة واحدة، وإنما یبنی
الحكم على العام الغالب.
والوظيفة المفروضة، إما أن تكون على
مساحة الأرض، وإما أن تكون على مساحة
الزرع .
فإذا كانت على مساحة الأرض، فيجب
الخراج عند نهاية السنة القمرية، لأنها السنة
المعتبرة شرعا.
وإذا كانت على مساحة الزرع فيجب
الخراج عند نهاية السنة الشمسية، لأنها السنة
التي تكون عليها الأمطار ويزرع الزرع.
وممن ذهب إلى أن خراج الوظيفة يجب عند
نهاية السنة، المالكية والشافعية والحنابلة. (١)
وذهب أبو حنيفة إلى أن الخراج يجب في أول
السنة، ولكن بشرط بقاء الأرض النامية في يده
سنة، إما حقيقة، وإما تقديرا، ويأخذه الإِمام
عند بلوغ الغلة. (٢)
(١) ابن رشد: المقدمات على هامش المدونة ٣٩٧/١ -٣٩٨،
الرملي: نهاية المحتاج ٧٤/٨، الماوردي: الأحكام
السلطانية ص١٤٩، أبويعلى: الأحكام السلطانية
ص١٦٨
(٢) الفتاوى الهندية ٢٤٣/٢
ب - تعجيل الخراج :
٣٦ - المقصود بتعجيل الخراج استيفاؤه ممن
وجب عليه قبل خلول وقت وجوبه. فهل يجوز
للإِمام مطالبة أهل الذمة بالخراج قبل حلول
وقته؟
أجاز الحنفية والحنابلة تعجيل الخراج لسنة أو
. سنتين، لأن سببه الأرض النامية، وهو بمثابة
الأجرة على الأرض، ولأنه حق مالي عجل رفقا
فجاز تقدیمه علی أجله کالدين. (١)
ومقتضى قياس المالكية والشافعية جواز
تعجيله لسنة أوسنتين، لأن الخراج عندهم
أجرة، والأجرة يجوز تقديمها قبل استيفاء
المنفعة .
ولو تعجل الإِمام الخراج قبل وجوبه ثم
انقطع وجوبه فهل يرد الإِمام ما أخذه إلى
صاحب الأرض؟
فرق الحنفية بين ما إذا كان المأخوذ قد
صرف، وبین ما إذا كان باقیا . فإن كان باقيا رده
الإِمام عليه .
وإن كان قد صرف فلا شيء له، كالزكاة
المعجلة لأن مذهبهم في الخراج أنه صلة واجبة
باعتبار الأرض. (٢)
(١) الفتاوى الهندية ٢٤٤/٢، داماد: مجمع الأنهر ١/ ٦٦٩،
ابن رجب: الاستخراج في أحکام اخراج ص٧٣
(٢) الفتاوى الهندية ٢٤٤/٢
- ٦٩ -

خراج ٣٧ - ٣٨
وذهب الحنابلة إلى رده على صاحب
الأرض مطلقا - أي سواء كان المأخوذ باقيا أو قد
صرف - لأنه أجرة محضة، وليس بقربة ليقع
نفلا. (١)
أما بالنسبة للمالكية والشافعية فالظاهر أنهم
يرون الرد على صاحب الأرض مطلقا، لأن
الخراج عندهم أجرة. ولم نجد نصا لهم بذلك.
ج - تأخير الخراج :
٣٧ - إذا تأخر صاحب الأرض الخراجية عن
أداء ما وجب عليه، فإما أن یکون موسرا، وإما
أن يكون معسرا .
فإن کان موسرا ومطل حبس به، إلا أن يوجد
له مال فيباع في خراجه كالمديون. وإذا لم يوجد
له غير أرض الخراج فيترك الأمر للإِمام، إما أن
يبيع منها بقدر الخراج، وإما أن يؤجرها عليه،
ويستوفي الخراج من أجرتها ويرد الباقي إلى
صاحب الأرض. وإن نقصت الأجرة عن
الخراج كان على صاحب الأرض نقصانها. (٢)
وإذا كان صاحب الأرض معسرا وجب
إنظاره ویکون دينا في ذمته، ولا يسقط عنه
الخراج عند الشافعية، والحنابلة، والصاحبين
(١) ابن رجب: الاستخراج في أحکام اخراج ص٧٣
(٢) الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٥١، أبو يعلى:
الأحكام السلطانية ص١٧٢، ابن القيم: أحكام أهل
الذمة ١٢٣/١
من الحنفية، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة
فنظرة إلى ميسرة﴾، (١) ولأن الخراج أجرة
للأرض، والأجرة لا تسقط بالإِعسار كأجرة
الدار والحوانيت. (٢)
وذهب أبو حنيفة إلى أن الخراج يسقط
بالإِعسار كما تسقط الجزية، لأنه صلة واجبة
باعتبار الأرض - أي ليس بدلا عن شيء _ (٣)
وبالنسبة للمالكية، فالظاهر أن رأيهم موافق
لرأي الشافعية والحنابلة بناء على أصلهم في أن
خراج الأرض أجرة، ولم نجد لهم نصا في ذلك.
الشخص الذي يستوفى منه الخراج:
٣٨ - المطالب بالخراج هو من بيده الأرض
الخراجية سواء أكانت بيده ابتداء أم انتقلت
إليه . (٤)
واشترط الحنفية لمطالبة المشتري بالخراج، أن
تبقى الأرض في يده مدة يتمكن فيها من
الانتفاع بالزراعة أو غيرها. وقدروا هذه المدة
(١) سورة البقرة/ ٢٨٠
(٢) الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٥١، ابن مفلح:
المبدع ٣٨٢/٣، البهوتي: كشاف القناع ٩٨/٣ - ٩٩،
الكاساني : بدائع الصنائع ٤٣٣/٩، حاشية ابن عابدين
١٩٢/٤ - ٢٠١
(٣) الكاساني: بدائع الصنائع ٤٣٣/٩، حاشية ابن عابدين
١٩٢/٤ - ٢٠١
(٤) الفتاوى الهندية ٢٣٩/٢، الباجي: المنتقى ٢٢٢/٣،
الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٥١، البهوتي: كشاف
القناع ٩٨/٣ ، ابن مفلح: المبدع ٣٨٢/٣
- ٧٠ -
١
:

خراج ٣٨
بثلاثة أشهر. ولذلك قالوا : إذا باع رجل أرضا
خراجية من غيره، فباعها المشتري من غيره
بعد شهر، ثم باعها المشتري الثاني من غيره
كذلك حتى مضت السنة، ولم تكن هذه الأرض
في ملك أحدهم ثلاثة أشهر، لا خراج على
أحدٍ . (١)
وإذا آجر من بيده الأرض الخراجية أرضه، أو
أعارها، أو أعطاها مزارعة، فخراجها على
المؤجر أو المعير، لا على المستأجر أو المستعير
عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والشافعية وأحمد في رواية، لأن الخراج يتعلق
بنماء الأرض وهو للمالك، وما يأخذه المالك أو
المؤجر من الأجرة عوض عن ذلك النماء، أو
المنفعة الحاصلة من الأرض. فلا يكون النفع له
والخراج على غيره. وكذلك المستعير إنما دخل
على أن ينتفع بالأرض مجانا فلا يؤخذ منه
الخراج.(٢)
وذهب أحمد في رواية ثانية إلى أن الخراج
يجب على المستأجر أو المستعير قياسا على
العشر، ولأن الخراج من تمام تربة الأرض فهو
بمنزلة السقي والحرث، وتهيئتها للزراعة، ولأن
(١) الفتاوى الهندية ٢٣٩/٢
(٢) الفتاوى الهندية ٢٣٩/٢، الكاساني: بدائع الصنائع
٣٢/٢، الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٥١، ابن
رجب: الاستخراج في أحكام الخراج ص٩٣، ابن
القيم: أحكام أهل الذمة ١٢١/١
المستأجر هو المنتفع بالأرض حقيقة . (١)
وإذا غصب الأرض الخراجية غاصب، فإما
أن يعطلها عن الزراعة، وإما أن يزرعها
ويستغلها. فإذا عطلها عن الزراعة فلا خراج
على أحد، وإذا زرعها الغاصب واستغلها،
فإما أن تنقصها الزراعة، وإما أن لا تنقصها،
فإذا لم تنقصها الزراعة فيجب خراجها على
الغاصب .
وإذا نقصتها الزراعة، يكون الخراج على
صاحب الأرض، لأن الغاصب ضامن
للنقص، ولما كان ضامنا للنقص صار
کالمستأجر.
هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو یوسف.
وقال محمد بن الحسن الشيباني: ينظر إلى
ضمان نقصان الأرض وإلى الخراج. فإن كان
ضمان النقصان أكثر من الخراج، فالخراج على
رب الأرض. فيأخذ من الغاصب غرامة
النقصان ویؤدي الخراج منه. وإن کان ضمان
النقصان أقل من الخراج، فالخراج على
الغاصب ويسقط عنه ضمان النقصان. (٢)
ويؤخذ من نصوص المالكية والشافعية
والحنابلة في تضمين الغاصب أجرة الأرض
المؤجرة، ومن قواعدهم في ضمان المنافع، أن
(١) ابن رجب: الاستخراج ص٩٣، ابن القيم: أحكام أهل
الذمة ١٢١/١
(٢) الكاساني: البدائع ٩٣٢/٢
- ٧١ -

خراج ٣٩ - ٤٠
غاصب الأرض الخراجية يضمن الخراج، لأن
الخراج بمنزلة الأجرة . (١)
من له حق استيفاء الخراج :
٣٩ - قرر الفقهاء أن الخارج من الأموال العامة
التي يتولى أمرها الأئمة والسلاطين. فالإِمام هو
الذي يقدر الخراج ابتداء، ويطالب به، ويقرر
صرفه وفق ما تقتضيه المصلحة العامة، وذلك
لأن الإِمام وكيل عن الأمة في استيفاء حقوقها
ممن وجبت عليهم، وفي تدبير شئونها. قال
القرطبي : (الأموال التي للأئمة والولاة فيها .
مدخل ثلاثة أضرب: ما أخذ من المسلمين على
طريق التطهير لهم كالصدقات والزكوات.
والثاني: الغنائم وما يحصل في أيدي
المسلمين من أموال الكافرين بالحرب، والقهر،
والغلبة .
والثالث: الفيء وهو ما رجع للمسلمين من
أموال الكفار عفوا صفوا من غير قتال،
ولا إيجاف، كالصلح، والجزية، والخراج،
والعشور المأخوذة من تجار الكفار). (٢)
وبناء على ذلك فالمطالب بالخراج هو
الإِمام، ويجب على أرباب الأرض الدفع إليه،
(١) الدسوقي ٣١/٤، الجمل على المنهج ٤٨٨/٣، ومغني
المحتاج ٢٨٩/٢، والقليوبي ٣٧/٣، المغني ٢٤٦/٥
(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن - دار إحياء التراث
العربي - بيروت ١٤/١٨
لأن مصرف الخراج غير معين فيفتقر إلى اجتهاد
الا مام .
ءِ
دفع الخراج إلى أئمة العدل :
٤٠ - الإِمام العادل: هو الذي اتفق المسلمون
على إمامته وبيعته، وقام بتدبير شئون الأمة وفق
شرع الله عز وجل، فإذا طلب من ذوي الأموال
مالا لا يطلبه إلا بحق، وإذا قسم أموالا عامة
قسمها وفق شرع الله، وحسب ما تقتضيه
المصلحة العامة، كما قال رسول الله ول الله: ((ما
أعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم أضع حيث
أمرت)).(١)
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: ((إني أنزلت نفسي وإياكم من
هذا المال بمنزلة والي اليتيم (٢) فإن الله تبارك
وتعالى قال: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن
كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾(٣)
فإذا طلب الإِمام العادل الخراج من أرباب
الأرض الخراجية، وجب عليهم الدفع إليه،
ولا يجوز لأحد توزيع خراج نفسه بنفسه، وإذا
أدی شخص اخراج إلى مستحقه بنفسه فللإِمام
أخذه منه ثانيا، لأن حق الأخذ له.
(١) حديث: (( ما أعطيكم ولا أمنعكم)). أخرجه البخاري
(الفتح ٢١٧/٦ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(٢) أبو يوسف: الخراج ص٣٦
(٣) سورة النساء /٦
- ٧٢ -

خراج ٤١
أما إذا تعذر الدفع إليه فعلى الشخص أن
یتصدق به . (١)
دفع الخراج إلى أئمة الجور والظلم :
٤١٠ - الإِمام الجائر: هو الذي يقوم بتدبير شئون
الأمة وفق هواه، فيقع منه الجور والظلم على
الناس.
فإذا طلب الإِمام الجائر الخراج من أرباب
الأرض الخراجیة، وجب عليهم دفعه إلیه عند
جماهير الفقهاء، وإذا أدوا إليه الخراج سقط
عنهم ولا يطالبون به من قبل أئمة العدل. (٢)
قال الكاساني: (وأما سلاطين زماننا الذين
أخذوا الصدقات، والعشور، والخراج،
لا يضعونها مواضعها فهل تسقط هذه الحقوق
عن أربابها؟ .
اختلف المشايخ فیه، ذکر الفقیه أبو جعفر
الهندواني: أنه يسقط ذلك کله وإن كانوا
لا يضعونها في أهلها، لأن حق الأخذ لهم
فيسقط عنهم بأخذهم، ثم إنهم لم يضعوها
مواضعها فالوبال عليهم.
(١) ابن مودود: الاختيار لتعليل المختار - دار المعرفة - بيروت
١٤٥/٤، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٨ ،
الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٦، أبو يعلى: الأحكام
السلطانية ص٢٨، ابن رجب: الاستخراج في أحكام
الخراج ص١١٥
(٢) الكاساني: البدائع ٨٨٤/٢، الحطاب: مواهب الجليل
٣٦٤/٢، الشربيني الخطيب: مغني المحتاج ١٣٢/٤
وقال الشيخ أبوبكر بن سعيد: إن الخراج
يسقط، ولا تسقط الصدقات، لأن الخراج
يصرف إلى المقاتلة، وهم يصرفون إلى المقاتلة
ويقاتلون العدو، ألا ترى أنه لو ظهر العدو،
فإنهم يقاتلون ويذبّون عن حريم المسلمین،
فأما الزكوات والصدقات فإنهم لا يضعونها في
أهلها)) (١) واستدلوا لوجوب طاعة الإِمام الجائر،
فيما يجوز من أمره كطلب الخراج، بقول
النبي ◌ُّ: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء
كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي .
وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا: فما تأمرنا؟
فقال: أوفوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم
حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم)). (٢)
قال الشوكاني - في بيان معنى «ثم أعطوهم
حقهم)) : - أي ادفعوا إلى الأمراء حقهم الذي
لهم المطالبة به وقبضه، سواء کان يختص بهم أم
يعم، وذلك من الحقوق الواجبة، كالزكاة، وفي
الأنفس كالخروج إلى الجهاد. (٣)
واستدلوا أيضا بقوله اله: ((إنها ستكون
بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا : يارسول الله
(١) الكاساني: المرجع السابق.
(٢) حديث: ((كانت بنو إسرائيل)). أخرجه البخاري (الفتح
٤٩٥/٦ ط ١السلفية) ومسلم (١٤٧١/٣ - ١٤٧٢ ط
الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) الشوكاني: نيل الأوطار ١٩٤/٧
- ٧٣ -

خراج ٤٢ - ٤٤
کیف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: تؤدون الحق
الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم)). (١)
دفع الخراج إلى البغاة :
٤٢ - البغاة: هم الذين يقاتلون الإِمام متأولين
كالخوارج وغيرهم، والذين يخرجون على
الإِمام، أويمتنعون عن الدخول في طاعته، أو
یمنعون حقا وجب علیھم کالزكاة وشبهها
فيدعون إلى الرجوع للحق. (٢)
فإذا غلب أهل البغي على بلد، ونصّبوا
إماما فجبى الخراج من أرباب الأرض
الخراجية، فقد وقع ذلك موقعه، وسقط عنهم
ولم يطالبهم به إمام أهل العدل مرة ثانية، عند
جماهير الفقهاء، من الحنفية والشافعية والحنابلة
وابن الماجشون من المالكية، وذلك لأن عليا
رضي الله عنه لما ظهر على أهل البصرة لم
يطالبهم بشيء مما جبي منهم. ولأن في ترك
احتسابه ضررا عظيما، ومشقة كبيرة فإن البغاة
قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة فلولم
يحتسب ذلك لأدى إلى ثني الواجب في تلك
المدة، ولأن حق الإِمام في الجباية مرهون
بالحماية، وهي غير موجودة عند تغلب البغاة
على بلد معين. (٣)
(١) حديث: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها)).
أخرجه مسلم (١٤٧٢/٣ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن مسعود.
(٢) ابن جزي: القوانين الفقهية ص٢٩٣
(٣) الكاساني: البدائع ٤٤٠٢/٩، ابن جزي: القوانين=
وقال المالكية: يجب على من أخذوا منه
الخراج الإِعادة، لأنه أعطاه إلى من لا ولاية له
صحيحة فأشبه ما لو أخذها آحاد الرعية
غصبا. (١)
دفع الخراج إلى المحاربين ((قطاع الطريق)):
٤٣ - المحاربون: هم الذين يعرضون للناس
بالسلاح، فيغصبون المال مجاهرة، أويقتلون،
أو يخيفون الطريق. (٢)
فإذا أخذ المحاربون الخراج من أهله لم يقع
ذلك موقعه، ولم يسقط عنهم الخراج بأدائه إلى
المحاربين، لأنه كالمأخوذ غصبا. (٣)
طرق استيفاء الخراج :
الطريقة الأولى - العمالة على الخراج:
٤٤ - تعيين عامل الخراج من اختصاصات
الإِمام أو نائبه، ويكون هذا العامل بهذا التعيين
الفقهية ص٢٩٤ الشافعي: الأم - دار المعرفة ببيروت
=
٢٢٠/٤، الشربيني الخطيب: مغني المحتاج ١٣٣/٤،
أبو يعلى: الأحكام السلطانية ص٥٥، المرداوي: الإنصاف
- مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة ط ١ - ١٣٧٥ - ١٩٥٦م-
٣١٨/١٠
(١) الإمام مالك: المدونة ٢٤٤/١، الحطاب: مواهب الجليل
٣٦٤/٢، القرافي: الفروق - دار المعرفة ببيروت
١٧١/٤
(٢) ابن مفلح: المبدع ١٤٤/٩
(٣) الماوردي: الأحكام السلطانية ص٦٣، أبو يعلى: الأحكام
السلطانية ص٥٨
- ٧٤ -

خراج ٤٥
وكيلا عن الإِمام في استيفاء الخراج وقبضه،
فتكون جبایته للخراج محددة بما رسمه له
الإِمام، ولا يجوز له تقسيم ما جباه من أموال
الخراج إلا بإذن الإِمام، لأن هذه الأموال
لا تصرف إلا باجتهاد الإِمام .
وعامل اخراج - باعتبار أنه وکیل ۔ أمین إذا
أدى الأمانة فلا يضمن النقصان ولا يملك
الزيادة . (١)
شروط تعيين عامل الخراج :
يشترط في عامل الخراج: الإِسلام،
والحرية، والأمانة، والكفاية، والعلم والفقه.
وبيان ذلك فيما يأتي :-
١ - الإِسلام:
٤٥ - عامل الخراج قد يكون مختصا بتقدير
الخراج ووضعه، وقد یکون مختصا بجبایته ونقله
من أرض الخراج إلى بيت المال.
فإذا كان مختصا بوضع الخراج وتقديره فيشترط
فيه الإِسلام، لأن هذا العمل ولاية شرعية،
ويحتاج إلى الأمانة .
ولذا فلا يولى الذمي تقدير الخراج،
ووضعه، عند جمهور الفقهاء.
قال أبو طالب: سألت أبا عبدالله - يعني
(١) الماوردي: الأحكام ص١٣٠، أبو يعلى: الأحكام
ص١٤٠ - ١٨٦، أبو يوسف: الخراج ص١٠٧
أحمد بن حنبل - يستعمل اليهودي والنصراني في
أعمال المسلمين مثل الخراج؟ قال: لا يستعان
بهم في شيء. (١)
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم
خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من
أفواههم وما تخفي صدورهم أکبر، قد بینا لكم
الآيات إن كنتم تعقلون﴾. (٢)
قال القرطبي : (نهى الله عز وجل المؤمنين
بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار، واليهود،
وأهل الأهواء دخلاء، وولجاء، يفاوضونهم في
الآراء، ويسندون إليهم أمورهم). (٣)
وقال إنْكِيا الهراسي : (في الآية دلالة على أنه
لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمور
المسلمين) . (٤)
وذكر ابن كثير في تفسيره: قيل لعمر بن
الخطاب رضي الله عنه: إن هاهنا غلاما من
أهل الحیرة نصرانیا کاتبا، فلو اتخذته کاتبا،
فقال: (قد اتخذت إذاً بطانة من دون
المؤمنين). (٥)
(١) ابن القيم: أحكام أهل الذمة ٢٠٨/١
(٢) سورة آل عمران/١١٨
(٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٧٨/٤
(٤) الكيا الهراسي: أحكام القرآن - مطبعة حسان بالقاهرة
٦٨/٢
(٥) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم - دار المعرفة ببيروت
١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢م ٩٨/١
- ٧٥ -

خراج ٤٥
عقب ابن كثير على هذا الأثر بقوله: (ففي
هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة
لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة
على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم
التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل
الحرب، ولهذا قال تعالى: ﴿لا يألونكم
خبالا﴾ . (١)
واستدلوا لذلك أيضا بقوله وعليه :
((لا تستضيئوا بنار المشركين))(٢) أي
لا تستنصحوهم، ولا تستضيئوا برأيهم.
وروي عن معاوية رضي الله عنه أنه أرسل
إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه خطابا جاء
فيه : ياأمير المؤمنين، فإن في عملي كاتبا نصرانيا
لا یتم أمر الخراج إلا به فكرهت أن أقلده دون
أمرك. فكتب إليه عافانا الله وإياك، قرأت
كتابك في أمر النصراني، أما بعد، فإن النصراني
قد مات والسلام. (٣)
وقد سار الخلفاء الذين لهم ثناء حسن في
الأمة على نهج عمر رضي الله عنه في استبعاد
(١) المرجع السابق.
(٢) حديث: ((لا تستضيئوا بنار المشركين)). أخرجه النسائي
(١٧٧/٨ - ط المكتبة التجارية) من حديث أنس بن
مالك، وفي إسناده «أزهر بن راشد» وهو مجهول کما في
ميزان الاعتدال (١٧١/١ ط الحلبي).
(٣) ابن القيم: أحكام أهل الذمة ٢١١/١
أهل الذمة عن الوظائف التي فيها اطلاع على
دواخل المسلمين.
فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد
عماله: أما بعد، فإنه بلغني أن في عملك كاتبا
نصرانيا يتصرف في مصالح المسلمين والله تعالى
يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين
اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب
من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم
مؤمنين﴾(١) فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسانا -
يعني ذلك الكاتب - إلی الإِسلام، فإن أسلم
فهومنا، ونحن منه، وإن أبی فلا تستعن به،
ولا تتخذ أحدا على غيردين الإِسلام في شيء
من مصالح المسلمين. فأسلم حسان وحسن
إسلامه. (٢)
ولأن من شروط متولي هذا العمل الأمانة
والنصح للمسلمين، والحرص على مصالحهم.
وهذه الشروط غير متحققة في المشركين، وقد
نبه الله المسلمين على صفاتهم فهم لا يحبون
الخير للمسلمين، ويغشون، ولا ينصحون،
قال تعالى فيهم: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل
الکتاب ولا المشرکین أن ینزل علیکم من خير
من ربكم﴾. (٣)
وقال تعالى: ﴿إِن يثقفوكم يكونوا لكم
(١) سورة المائدة / ٥٧
(٢) ابن القيم: أحكام أهل الذمة ٢١١/١
(٣) سورة البقرة / ١٠٥
- ٧٦ -

خراج ٤٦ - ٤٨
أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء
وودوا لو تكفرون﴾. (١)
ولهذا ولغيره منع الفقهاء أن يستعمل الذمي
في عمل يختص بوضع الخراج وتقديره. أما إذا
كان مختصا بجبايته ونقله، فيختلف الحكم.
فإذا كان يجبیه من الذمیین جاز أن یکون ذميا،
وإن كانت معاملته مع المسلمین الذین بأيديهم
الأرض الخراجية ففي جواز ذلك وجهان .
والأصح عدم الجواز كما قال النووي . (٢)
٢ - الحرية :
٤٦ - تشترط في عامل الخراج المختص بتقدير
الخراج ووضعه الحرية. ولذا فلا يولى العبد
تقدير الخراج ووضعه، لأن هذا العمل ولاية
شرعية. أما إذا كان العامل جابيا فتشترط
الحرية إن لم يستقر في هذا العمل إلا عن
استنابة، ولا تشترط إن استغنى عن الاستنابة،
لأنه يكون في هذه الحالة كالرسول للمأمور. (٣)
٣ - الأمانة :
٤٧ - تشترط في عامل الخراج الأمانة. ولذا فلا
(١) سورة الممتحنة /٢
(٢) النووي: روضة الطالبين - المكتب الاسلامي ببيروت
٣٦٧/٦ الماوردي: الأحكام السلطانية ص ١٣٠،
أبو يعلى: الأحكام السلطانية ص١٤٠
(٣) المراجع السابقة.
يولى الخائن وغير الثقة، لئلا يخون فيما أؤتمن
عليه، ولا يغش فيما قد استنصح فيه، قال
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله
والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾(١)
وقال تعالى : ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد
الذي أؤتمن أمانته وليتق الله ربه﴾. (٢)
قال أبو يوسف في كتاب الخراج الذي وجهه
إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد: (ورأيت أن
تتخذ قوما من أهل الصلاح، والدين، والأمانة
فتوليهم الخراج). (٣)
٤ - الكفاية :
٤٨ - تشترط في عامل الخراج الكفاية بحيث
يكون مضطلعا بالحساب، والمساحة، وكيفية
خرص الثمار، وذلك لأن عمر رضي الله عنه
قال: (فمن رجل له جزالة وعقل يضع الأرض
مواضعها، ويضع على العلوج ما
يحتملون). (٤) فأخبر بعثمان بن حنيف فعینه،
لأنه كان ذا بصر وعقل، وتجربة .
قال ابن أبي الربیع ۔ في بیان ما تتحقق به
كفاية عامل الخراج - :
ينبغي أن يكون خبيرا بحفر الأنهار، ومجاري
(١) سورة الأنفال / ٢٧
(٢) سورة البقرة / ٢٨٣
(٣) أبو يوسف: الخراج ص١٠٦، ١١٠
(٤) أبو يوسف: المرجع السابق ص٢٧
- ٧٧ -

خراج ٤٩ - ٥٢
المياه، وأن يكون عارفا بالمساحات، وتخمين
الغلات، وأن يكون عالما بفصول السنة،
ومجاري الشمس، وأن يكون بصيرا بالحساب
وکسوره وترتیبه، وأن يكون له دربة بعقد
الجسور، والقناطر والمصالح، وأن يكون له خبرة
بما يدفع عن الزرع في الأراضي، وأن يكون
خبيرا بأوقات الزرع وأحوال الأسعار، وأن
يكون عالما بحقوق بيت المال وما يجب له . (١)
هذا إن تولى وضع الخراج وتقديره، أما إن
اقتصرت مهمته على طلب جبایته فلا يشترط
فيه ذلك.
٥ - العلم والفقه :
٤٩ ۔ إن تولی وضع الخراج اعتبر فيه أن یکون
فقيها من أهل الاجتهاد، وإن ولي جباية الخراج
صحت ولايته، وإن لم يكن فقيها مجتهدا. (٢)
آداب عامل الخراج:
١ - الرفق بأهل الخراج :
٥٠ - ينبغي لعامل الخراج أن يكون رفيقا بأهل
الخراج. ومن مظاهر الرفق في استيفاء الخراج
أيضا أن يأخذهم بالخراج كلما خرجت غلة،
فیأخذهم بقدر ذلك حتى يستوفي تمام اخراج في
آخر الغلة، ومعنى ذلك أن يوزع الخراج على
(١) أحمد بن أبي الربيع: سلوك المالك في تدبير الممالك.
مطبعة الهدف ببيروت (١٩٧٨م) ص١٦٠
(٢) الماوردي: الأحكام السلطانية ص١٥٢
قدر الغلة، حتى إن الأرض إذا كانت تزرع في
الربيع والخريف قسم الخراج نصفين، فيأخذ
نصف الخراج من غلة الربيع، ويؤخر النصف
الثاني إلى غلة الخريف. (١)
٢ - العدل والإنصاف :
٥١ - يجب على عامل الخراج أن يكون عادلا في
وضع اخراج، وتقديره، فیساوي بين الناس في
هذه المعاملة، ولا يحابي القريب على البعيد،
ولا الشريف على الوضيع، ويأخذ منهم القدر
الواجب عليهم بلا زيادة ولا نقصان. (٢)
٣ - العفة :
٥٢ - يجب على عامل الخراج أن يكون عفيف
النفس، فلا يطلب رشوة من أحد، ولا يقبل
هدية من أهل الخراج، لما روى عبدالله بن
عمرو قال: ((لعن رسول الله له الراشي
والمرتشي)). (٣)
قال الخطابي: الراشي المعطي، والمرتشي
الآخذ. وإنما يلحقهما العقوبة معا إذا استويا في
(١) الفتاوى الهندية ٢٤٣/٢، أبو يوسف: الخراج ص١٠٩
(٢) الفتاوى الهندية ٢٤٣/٢
(٣) حديث: ((لعن رسول الله ﴿ الراشي والمرتشي)). أخرجه
أبو داود (٤ /٩ - ١٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس).
والترمذي (٦١٤/٣ - ط الحلبي) وقال الترمذي:
((حديث حسن صحيح)).
- ٧٨ -
'48

خراج ٥٢ - ٥٣
القصد والإِرادة. فرشا المعطي لينال به باطلا
ويتوصل به إلى ظلم. فأما إذا أعطى ليتوصل به
إلی حق أويدفع عن نفسه ظلما، فإنه غيرداخل
في هذا الوعيد. وروي أن ابن مسعود أخذ في
شيء وهو بأرض الحبشة، فأعطى دينارين حتى
خلي سبيله.
وروي عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد
وعطاء أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن
نفسه، وماله، إذا خاف الظلم. (١).
وروى البخاري ومسلم عن أبي حميد
الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل
النبي 18 رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على
الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي
لي. فقال: فهلا جلس في بیت أبیه، أوبیت أمه
فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده
لا يأخذ أحدكم شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله
على رقبته إن كان بعيرا له رغاء، أوبقرة لها
خوار، أو شاة تیعر. (٢) ثم رفع بیده حتى رأينا
عفرة إبطيه . (٣)
اللهم هل بلغت. اللهم هل بلغت.
ثلاثا)) . (٤)
(١) الخطابي: معالم السنن ١٦١/٤
(٢) تيعر: أي تصوت، واليعار: صوت الشاة.
(٣) العفرة: بياض ليس بالخالص.
(٤) حديث: أبي حميد الساعدي: ((استعمل النبي # رجلا
من الأزد ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢٢٠/٥ ط
السلفية) ومسلم (١٤٦٣/٣ ط الحلبي).
فهذا الحديث يدل على أن الهدايا التي
يقدمها أهل الخراج إلى العمال حرام .
قال الخطابي : في هذا بيان أن هدايا العمال
سحت، وأنه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا
المباحات، وإنما يهدى إليه للمحاباة، وليخفف
عن المهدي، ويسوغ له بعض الواجب عليه،
وهو خيانة منه، وبخس للحق الواجب عليه
استیفاؤه لأهله.(١)
واجب الإِمام تجاه عمال الخراج:
١ - الرقابة الفعالة على عمال الخراج:
٥٣ - لضمان تحقيق العدل بين الناس لابد أن
تکون هناك رقابة فعالة علی عمال الخراج. وقد
نصح أبو يوسف أمير المؤمنين هارون الرشيد
بذلك حيث قال: وأنا أرى أن تبعث قوما من
أهل الصلاح والعفاف ممن يوثق بدينه وأمانته
يسألون عن سيرة العمال وما عملوا به في البلاد
وكيف جبوا الخراج على ما أمروا به، وعلى
ما وظف على أهل الخراج واستقر، فإذا ثبت
ذلك عندك وصح، أخذوا بما استفضلوا من
ذلك أشد الأخذ حتى يؤدوه بعد العقوبة
الموجعة والنكال حتى لا يتعدوا ما أمروا به
وما عهد إليهم فيه. فإن کل ما عمل به والي
الخراج من الظلم والعسف فإنما يحمل على أنه
قد أمر به، وقد أمر بغيره، وإن أحللت بواحد
(١) الخطابي: معالم السنن ٨/٣
- ٧٩ -

خراج ٥٤ - ٥٥
منهم العقوبة الموجعة انتهى غيره واتقى وخاف،
وإن لم تفعل هذا بهم تعدوا على أهل الخراج
واجترؤوا علی ظلمهم وتعسفهم وأخذهم بما
لا يجب عليهم. وإذا صح عندك من العامل
والوالي تعد بظلم وعسف وخيانة لك في رعيتك
واحتجاز شيء من الفيء، أو خبث طعمته، أو
سوء سيرته فحرام عليك استعماله، والاستعانة
به، وأن تقلده شيئا من أمور رعيتك، أو تشركه
في شيء من أمرك. بل عاقبه على ذلك عقوبة
تردع غيره من أن يتعرض لمثل ما تعرض له،
وإياك ودعوة المظلوم فإنها دعوة مجابة . (١)
٢ - ضرورة منح عمال الخراج رواتب تكفيهم:
٥٤ - لاجتناب وقوع عمال الخراج في الرشوة
وأكل أموال الناس بالباطل، لابد أن تصرف لهم
أجور ((رواتب)) مجزية تفي بحاجاتهم وتكفي
نفقاتهم، وقد ذكر أبو يوسف في كتاب الخراج:
أن أبا عبيدة بن الجراح قال لعمر بن الخطاب
رضي الله عنهما: دنست أصحاب رسول اللّه اله
فقال له عمر: ياأبا عبيدة إذا لم أستعن بأهل
الدين على سلامة ديني فبمن أستعين؟ قال: أما
إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة .
يقول: إذا استعملتهم على شيء فأجزل
لهم في العطاء والرزق، لا يحتاجون. (٢)
(١) أبو يوسف : الخراج ص١١
(٢) نفس المرجع ص١١٣
الطريقة الثانية : نظام التقبيل ((التضمين)):
٥٥ - نشأ عن تطبيق الخراج بعض الظواهر
الاقتصادية، کنظام التقبيل ((التضمین)) حيث
بدأ وجود هذا النظام في العصر الأموي، وانتشر
في العصر العباسي. ومن الأمثلة على تطبيق
هذا النظام في ذلك العصر، أن أبا جعفر
المنصور کتب إلی نوفل بن الفرات - عامل خراج
مصر - سنة ١٤١ هـ أن اعرض على محمد بن
الأشعث ضمان خراج مصر. فإن ضمنه فأشهد
عليه، واشخص إلىّ (أي عد أنت إلي) وإن
أبى فاعمل على الخراج. فعرض عليه ذلك
فأبی .(١)
والتقبيل في اللغة: مصدر قبل أي كفل،
یقال قبل (بالفتح) إذا کفل أو قبل (بالضم) إذا
صار قبيلا أي كفيلا. (٢)
والتقبيل في الاصطلاح : أن یتکفل شخص
بتحصيل الخراج، وأخذه لنفسه مقابل قدر محدد
يدفعه. وهو ما يعرف باسم نظام الالتزام. وقد
عرفه أبو عبيد بقوله: (أن يتقبل الرجل النخل
والشجر، والزرع النابت، قبل أن يستحصد
ويدرك). (٣)
(١) المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - دار
صادر ببيروت ٣٠٦/١
(٢) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث - دار الفكر ببيروت
١٠/٤.
(٣) أبو عبيد: الأموال ص ١٠٠
- ٨٠ -