النص المفهرس

صفحات 261-280

حياء ٥
وتعالى. كقوله تعالى : ﴿إن الله لا يستحي أن
يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾(١) وما رواه
سلمان عن رسول الله ◌َلم قال: ((إن الله حيي
کریم یستحي إذا رفع الرجل إلیه یدیه أن يردهما
صفرا خائبتين)). (٢)
والحياء بمعناه الشرعي مطلوب، وقد حث
علیه النبي (پ﴿ ورغب فيه، لأنه باعث على
أفعال الخير ومانع من المعاصي، ويحول بين المرء
والقبائح، ويمنعه مما یعاب به ویذم، فإذا كان
هذا أثره فلا شك أنه خلق محمود، لا ينتج إلا
خیرا، فالذي يهم بفعل فاحشة فيمنعه حياؤه
من اجتراحها، أويعتدي علیه سفیه فيمنعه
حياؤه من مقابلة السيئة بالسيئة، أويسأله سائل
فيمنعه حياؤه من حرمانه، أویضمه مجلس
فيمسك الحياء بلسانه عن الكلام، والخوض فيما
لا یعنیه، فالذي یکون للجیاء في نفسه هذه
الآثار الحسنة، فهو ذو خلق محمود، فقد ورد أن
النبي ◌َّ مرّ على رجل يعظ أخاه في الحياء،
فقال له : «دعه فإن الحياء من الإيمان)). (٣)
(١) سورة البقرة/ ٢٦
(٢) تفسير الرازي ١/ ١٣١ ومابعدها.
وحديث: ((إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل
يديه)). أخرجه الترمذي (٥/ ٥٥٧ - ط الحلبي) وقال:
«هذا حديث حسن غريب)).
(٣) حديث: ((دعه، فإن الحياء من الإيمان)). أخرجه البخاري
(الفتح ٧٤/١ - ط السلفية)، ومسلم (٦٣/١ - ط الحلبي)
من حديث عبدالله بن عمر.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((الحياء لا يأتي إلا
بخير)) (١) وقال ◌َله: ((الإِيمان بضع وسبعون
شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من
الإِيمان))(٢) وقال عليه الصلاة والسلام: ((الحياء
والإِيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع
الآخر))(٣) وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن لكل
دين خلقا وخلق الإِسلام الحياء)) (٤) وفي
الصحيحين: ((كان النبي ◌َّلي: أشد حياء من
العذراء في خدرها، فإذا رأی شیئا یکرهه عرفناه
في وجهه))، (٥) وعنه ل: ((إن مما أدرك الناس
(١) حديث: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)). أخرجه البخاري
(الفتح ٥٢١/١٠ - ط السلفية)، ومسلم (١/ ٦٤ - ط
الحلبي) من حديث عمران بن حصين.
(٢) حديث: ((الإِيمان بضع وسبعون شعبة)). أخرجه مسلم
(٦٣/١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث: ((الحياء والإِيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما
رفع الآخر)). أخرجه الحاكم (١/ ٢٢ - ط دائرة المعارف
العثمانية) من حديث عبدالله بن عمر، وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي.
(٤) حديث: ((إن لكل دين خلقا وخلق الإِسلام الحياء)).
أخرجه ابن ماجه (١٣٩٩/٢ - الحلبي) من حديث أنس،
وضعفه البوصيري كما في مصباح الزجاجة (٤ / ٢٣٠ - ط
دار العربية)
(٥) حديث: كان النبي وَل: ((أشد حياء من العذراء في
خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه)). أخرجه
البخاري (الفتح ٥١٣/١٠ - ط السلفية)، ومسلم
(٤/ ١٨٠٩ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري.
- ٢٦١ -

حياء ٥ - ٦
من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع
ماشئت». (١)
قال العلماء: الحياء من الحياة، وعلى حسب
حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة
الحياء من موت القلب والروح، (٢) وأولى
الحياء: الحياء من الله، والحياء منه ألا يراك
حيث نهاك، ويكون ذلك عن معرفة ومراقبة،
وهو معنى قوله له: ((الإحسان: أن تعبد الله
كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). (٣)
وروى الترمذي من حديث عبدالله بن
مسعود رضي الله عنهما مرفوعا: ((استحيوا
من الله حق الحياء. قال: قلنا: إنا نستحي
والحمد لله، قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء
من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى،
والبطن وما حوى، وتتذكر الموت والبلى، ومن
أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد
استحيى من الله حق الحياء))(٤) قال الجنيد
(١) حديث: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا
لم تستح فاصنع ماشئت)). أخرجه البخاري (الفتح
٥٢٣/١٠ - ط السلفية) من حديث عبدالله بن مسعود.
(٢) مدارج السالکین ٢/ ٢٥٩
(٣) حديث: («الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن
تراه فإنه يراك)) أخرجه البخاري (الفتح ١/ ١١٤ - ط
السلفية) ومسلم (٣٩/١ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة.
(٤) حديث: ((استحيوا من الله حق الحياء)). أخرجه الترمذي
(٦٣٧/٤ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن مسعود . =
رحمه الله: ((الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير
فيتولد بينهما حالة تسمى: الحياء)).
وقال ابن القيم: ومن كلام الحكماء أحيوا
الحياء بمجالسة من يستحيى منه، وعمارة القلب
بالهيبة والحياء، فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه
(١)
خير.(١)
٦ - ويجري في الحياء الأحكام التكليفية: فإن
کان المستحیی منه محرما، فالحياء منه واجب،
وإن كان الحياء منه مكروه فهو مندوب، وإن
کان المستحیی منه واجبا فالجیاء منه حرام، وإن
کان من مباح فهو عرفي أو جائز. (٢)
فالحياء من تعلم أمور الدين وما يجب على
الإِنسان العلم به ليس بحياء شرعي. فعن
عائشة رضي الله عنها قالت: ((نعم النساء نساء
الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في
الدين)) (٣) وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها
قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله والده
فقالت: يارسول الله: إن الله لا يستحيي من
الحق، هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟
= وهو حديث حسن طرقه .
(١) مدارج السالکین ٢٥٩/٢ - ٢٦٠
(٢) عمدة القاري ١٥٢/١ فتح الباري ١/ ٧٤
(٣) حديث عائشة: ((نعم النساء نساء الأنصار ... )). أخرجه
مسلم (١/ ٢٦١ - ط الحلبي).
- ٢٦٢ -

حياء ٧
فقال رسول الله وَله: ((نعم، إذا رأت الماء)). (١)
والحياء من مواجهة الظلمة، والفساق
وزجرهم، وترك الجهر بالمعروف، والنهي عن
المنكر حياء ليس بحياء، وإنما هو عجز ومهانة،
وتسميته حياء: من إطلاق بعض أهل العرف:
أطلقوه مجازا لمشابهته الصورية للحياء
الشرعي . (٢)
أخذ مال الغير بسبب الحياء :
٧ - صرح الشافعية والحنابلة أنه: إذا أخذ مال
غيره بالحياء کأن يسأل غيره مالا في ملأ فدفعه
إليه بباعث الحياء فقط، أو أهدي إليه حياء هدية
يعلم المهدى له: أن المهدي أهدى إليه حياء لم
یملکه، ولا يحل له التصرف فيه، وإن لم يحصل
طلب من الآخذ، فالمدار مجرد العلم بأن
صاحب المال دفعه إليه حياء، ولا مروءة،
ولا لرغبة في خیر، ومن هذا: لو جلس عند قوم
يأكلون طعاما، وسألوه أن يأكل معهم، وعلم
أن ذلك لمجرد حیائهم، لا يجوز له أکله من
طعامهم، كما يحرم على الضيف أن يقيم في
بيت مضيفه مدة تزيد على مدة الضيافة
الشرعية وهي ثلاثة أيام فيطعمه حياء.
(١) حديث أم سلمة: ((جاءت أم سليم ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٨٨/١ -ط السلفية)، ومسلم
٢٥١/١ - ط الحلبي).
(٢) عمدة القاري ١٥٢/١
فللمأخوذ بالحياء حكم المغصوب، وعلى الآخذ
رده، أو التعويض عنه، ويجب أن يكون
التعويض بقيمة ما أخذ أو أكل من زادهم، وقال
ابن الجوزي : هذا كلام حسن لأن المقاصد في
(١)
العقود معتبرة .
ولم نطلع على مذهب الحنفية والمالكية في
ذلك.
(١) نهاية المحتاج ٥/ ١٤٦، حاشية الجمل ٣/ ٤٦٩، مطالب
أولي النهى ٤ / ٣٨٠ - ٣٨١
- ٢٦٣ -

حياة ١ - ٦
حياة
التعريف :
١ - الحياة في اللغة نقيض الموت، والحي من كل
شيء نقيض الميت. وهي عبارة عن قوة مزاجية
تقتضي الحس والحركة، وفي حق الله تعالى هي
صفة تليق به جل شأنه. (١)
وعرف الجرجاني الحياة: بأنها صفة توجب
للموصوف بها أن يعلم ويقدر. (٢) وعلى هذا
لا يخرج المعنى الاصطلاحي للحياة عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الروح :
٢ - قال الفراء: الروح، هو الذي يعيش به
الإِنسان، لم يخبر الله تعالى به أحدا من خلقه.
قال تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح
من أمر ربي﴾. (٣).
(١) القاموس المحيط ٣٢٣/٤ ولسان العرب ٧٧٣/١
(٢) التعريفات ص١٢٦
(٣) سورة الإسراء/ ٨٥
ب - النفس :
٣ - قال أبوبكربن الأنباري : من اللغويين من
سوى بين النفس والروح، وقال: هما شيء
واحد، وقال غيرهم: الروح هو الذي به الحياة
والنفس هي التي بها العقل.(١)
ج - الاستھلال
:
٤ - الاستهلال مصدر استهل، يقال: استهل
الصبي بالبكاء أي رفع صوته وصاح عند
الولادة، وكل شيء ارتفع صوته فقد استهل.(٢)
(٣)
وفي الحديث: ((إذا استهل المولود ورث)).
والاستهلال أمارة من أمارات الحياة.
د - الموت :
٥ - الموت : صفة وجودية خلقت ضداً للحياة.
وقيل: صفة عدمية. (٤)
والصلة بين الموت والحياة التضاد.
الأحكام المتعلقة بالحياة :
أولا : بدء الحياة :
٦ - بدء الحياة الآدمية الأولى كان بنفخة من
(١) لسان العرب في المادة.
(٢) لسان العرب مادة: ((هلل))
(٣) حديث: ((إذا استهل المولود ورث)). أخرجه أبوداود
(٣٣٥/٣ - تحقيق عزت دعاس ) من حديث أبي هريرة،
والحاكم (٣٤٩/٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
جابر بن عبدالله وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) لسان العرب في المادة، والتعريفات ص٣٠٤، والخرشي
١١٣/٢
- ٢٦٤ -

حياة ٦
روح الله تعالى في الصورة التي سواها الله
عز وجل من طين لآدم عليه السلام، كما قال
سبحانه: ﴿إِذ قال ربك للملائكة إني خالق
بشرا من طین، فإذا سويته ونفخت فيه من
روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة
كلهم أجمعون، إلا أبليس استكبر وكان من
الكافرين﴾ (١)
واتفق الفقهاء على أن بدء الحياة الحقيقية
المعتبرة في ذرية آدم عليه السلام يكون بنفخ
الروح في الجنين، لما روى عبدالله بن مسعود
رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله أَليل وهو
الصادق المصدوق قال: ((إن أحدكم يجمع خلقه
في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة
مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك
ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع
كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله وشقي أو
سعيد)). (٢)
واختلف الفقهاء في موعد نفخ الروح: هل
هو بعد أربعين ليلة، أوبعد اثنتين وأربعين، أو
بعد مائة وعشرين، وينظر تفصيل ذلك في
«جنین)) و((روح)).
واختلفوا في الجنين قبل نفخ الروح: هل
(١) سورة ص/ ٧١ - ٧٤
(٢) حديث: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ٣٠٣/٦ - ط السلفية ومسلم
(٢٠٣٦/٤ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
يعتبر حيا، أو أصلا للحي، أولا يعتبر كذلك:
فذهب الجمهور إلى أن حياة الجنين تبدأ
ويعتد بها منذ نفخ الروح، أما قبلها فلا تكون
حياته حقيقية بل حياة اعتبارية يظهر أثرها في
بعض الأحكام والتصرفات، كتعلق حقه
بالإِرث، وصحة الإيصاء له بشرطه إلى غير
ذلك، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿ولقد خلقنا
الإِنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في
قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا
العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا
العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله
أحسن الخالقين﴾ (١) لأن قوله تعالى: ﴿ثم
أنشأناه خلقا آخر﴾ أي بنفخ الروح حیث یبدأ
في الجنين الإِحساس والتأثر، قال القرطبي :
اختلف الناس في الخلق الآخر، فقال
ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك
وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان
جمادا . (٢)
واستدلوا كذلك بحديث ابن مسعود السابق
الذي يدل على أن تعلق الروح بالجنين إنما
يكون بعد الأربعين الثالثة، وأن الجنين يجمع في
بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل
ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم تنفخ فيه
الروح وبها يكون حيا، وأفاض ابن القيم في
(١) سورة المؤمنون / ١٢
(٢) تفسير القرطبي ١٢/ ١٠٩
- ٢٦٥ -

حياة ٦ - ٧
الاستدلال بهذا الحدیث ثم قال: إن الجنین قبل
نفخ الروح کان فيه حرکة نمو واغتذاء کالنبات،
ولم تكن حركة نموه واغتذائه بالإِرادة، فلما
نفخت فيه الروح انضمت حرکة حسیته وإرادته
إلی حرکة نموه واغتذائه. (١)
وذهب بعض الفقهاء إلى أن حياة الجنين
تبدأ من حين تلقيح ماء المرأة بماء الرجل
واستقرار ما حصل من ذلك في الرحم، ولكنهم
لا يعتبرون حياة الجنين في تلك المرحلة حياة
کاملة لإِنسان حي بالفعل، وإنما الإِنسان كائن
بالقوة، حياته حياة اعتبارية، قال الغزالي: أول
مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط
بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك
جناية، فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية
أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة
ازدادت الجناية تفاحشا، ومنتهى التفاحش في
الجناية بعد الانفصال حيا، وإنما قلنا: مبدأ
سبب الوجود من حيث وقوع المني في الرحم
لا من حيث الخروج من الإِحليل لأن الولد
لا يخلق من مني الرجل وحده بل من الزوجين
جميعا . (٢)
ويتفق الفقهاء على أن الحياة الإِنسانية
الكاملة المعتبرة اعتبارا كاملا في الأحكام
الشرعية تبدأ بولادة الشخص حیا.
(١) التبيان في أقسام القرآن ص ٢٥٠ - ٢٥٥
(٢) إحياء علوم الدين ٢/ ٥١
ثانيا : انتهاء الحياة :
٧ - تنتهي حياة الإنسان بنزع الروح، أي
بالموت.
وأمارات الموت معروفة، ورد بعضها في
حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت:
دخل رسول الله صل على أبي سلمة وقد شق
بصره فأغمضه، ثم قال: ((إن الروح إذا قبض
تبعه البصر)) .(١)
قال الزركشي : وشخوص البصر هو الحالة
التي يشاهد فيها الميت ملك الموت، وهذه الحالة
هي التي لا تقبل فيها التوبة، (٢) قال الله
تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون
السیئات حتی إذا حضر أحدهم الموت قال إني
تبت الآن ... ﴾(٣)
وذكر الفقهاء من أمارات انتهاء الحياة:
شخوص البصر، وانقطاع النفس، وانفراج
الشفتين، وسقوط القدمین، وانفصال الزندین،
وميل الأنف، وامتداد جلدة الوجه، وانخساف
الصدغين، وتقلص الخصيتين مع تدلي
(٤)
جلدتهما . (٤)
(١) حديث: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)). أخرجه مسلم
(٦٣٤/٢ - ط الحلبي).
(٢) المنثور ١٠٧/٢
(٣) سورة النساء/ ١٨
(٤) رد المحتار ٢/ ٥٧٠، الخرشي ١٢٢/٢. المجموع
١٢٥/٥ - ١٢٦، المنثور ١٠٧/٢، والمغني ٤٥٢/٢
- ٢٦٦ -

حياة ٨
ثالثا : الحفاظ على الحياة :
٨ - يكون الحفاظ على الحياة بفعل ما يمسكها
والكف عما يهلكها أو يضرها، والمكلف مأمور
بإحياء نفسه وعدم إلقائها إلى التهلكة، قال الله
تعالى: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة﴾، (١) وقرر الفقهاء أن حفظ النفوس
آكد الضروريات التي تجب مراعاتها بعد حفظ
الدين. (٢) وقال الشاطبي: تكاليف الشريعة
ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه
المقاصد ثلاثة أقسام : ضرورية، وحاجية
وتحسينية، والضرورية: هي التي لابد منها في
قيام مصالح الدين والدنيا . . والحفظ لها يكون
بأمرين: أحدهما ما یقیم أركانها ويثبت قواعدها
وذلك مراعاتها من جانب الوجود، والثاني
ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها
وذلك مراعاتها من جانب العدم .. وحفظ
النفس والعقل من جانب الوجود كتناول
المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات
مما يتوقف عليه بقاء الحياة، ومجموع
الضروريات خمسة: حفظ الدين، والنفس
والعقل، والنسل، والمال. (٣)
ويجب على المسلم فعل ما یمسك حیاته من
أکل وشرب ولباس وسکن ونحو ذلك، ومما ورد
(١) سورة البقرة/ ١٩٥
(٢) الخرشي ٨/ ٢
(٣) الموافقات ٨/٢ - ١٠
في ذلك قول الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا
ولا تسرفوا ... ﴾(١)
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال
ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل
والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة، فأما ما تدعوا
إليه الحاجة هو ما سد الجوعة وسكن الظمأ
فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ
النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع
بالنهي عن الوصال، لأنه یضعف الجسد ویمیت
النفس ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه
الشرع ويدفعه العقل. (٢).
والمضطر في المخمصة الذي لا يجد إلا محرما
كالميتة، أو مال الغير، ويغلب على ظنه الهلاك إن
لم یأکل من هذا المحرم، يلزمه منه بقدرما يدفع
عن نفسه الهلاك لقول الله عز وجل: ﴿فمن
اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ (١) وقوله
سبحانه وتعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة﴾ (٤) على تفصيل في ذلك يرجع إليه
في (مخمصة) و(مضطر) و(ميتة).
والمكلف مأمور شرعا بالكف عما يتلف الحياة
أو يضرها، قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا
(١) سورة الأعراف/ ٣١
(٢) تفسير القرطبي ٧/ ١٩١
(٣) سورة البقرة/ ١٧٣
(٤) سورة البقرة/ ١٩٥
- ٢٦٧ -

حياة ٩ - ١١
أنفسكم﴾ (١) وقد احتج عمرو بن العاص
رضي الله عنه بهذه الآية ، حين امتنع عن
الاغتسال بالماء البارد، حين أجنب في غزوة ذات
السلاسل خوفا على نفسه من الهلاك، فأقره
النبي ◌َ ◌ّ على ذلك.(٢)
رابعا : الجناية على الحياة :
وهي قسمان: جنایة الشخص علی حیاته،
وجناية على حياة غيره .
أ - جناية الشخص على حياته :
٩ - حرم الشرع تحريما قاطعا أن يجني الشخص
على حياته ، قال الله تعالى: ﴿ ولا تقتلوا
أنفسكم﴾(٣)
وقال رسول اللهالله: ((کان فیمن قبلكم رجل
به جرح فجزع، فأخذ سکینا فجز بها يده، فما
رقا عنه الدم حتی مات، قال الله تعالی : «بادرني
عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة)). (٤)
وقال : «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في
(١) سورة النساء/ ٢٩
(٢) حديث احتجاج عمروبن العاص بآية ﴿ولا تقتلوا
أنفسكم) أخرجه أبوداود (٢٣٨/١ - تحقیق عزت عبيد
دعاس) وقواه ابن حجر في الفتح (١ /٤٥٤ - السلفية).
وانظر تفسير القرطبي ٥/ ١٥٧
(٣) سورة النساء / ٢٩
(٤) حديث: ((كان فيمن قبلكم رجل به جرح ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٤٩٦/٦ - ط السلفية) من حديث
جندب.
يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا
فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو
یتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن
تردی من جبل فقتل نفسه فهو یتردی في نار
جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)). (١)
وحرم الشرع أن يقتل الإِنسان نفسه ويجني
علی حیاته، لأن نفسه التي يزهقها ليست ملكا
له، فالأنفس ملك لله تعالی .(٢)
ب - جناية الشخص على حياة غيره:
١٠ - الحياة التي يجنى عليها، إما أن تكون حياة
حقيقية مستقرة، أو مستمرة لشخص حي، وإما
أن تكون حياة اعتبارية وهي حياة الجنين.
الجناية على حياة شخص حي :
١١ - الجناية على حياة شخص حي تكون
بالقتل أي بفعل ما يكون سببا لزهوق النفس
وهو مفارقة الروح للجسد، قال أبو البقاء: إذا
اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال: قتل، وإذا
اعتبر بفوت الحياة يقال: موت. (٣)
والقتل عند جمهور الفقهاء ثلاثة أقسام :
عمد، وشبه عمد، وخطأ، وعند بعضهم أربعة
أقسام، وعند آخرين خمسة أقسام، بإضافة
(١) حديث: ((من قتل نفسه بحديدة ... )) أخرجه مسلم
(١٠٣/١ - ١٠٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) شرح السنة ١٥٣/١٠ - ١٥٥
(٣) الكليات ٤/ ٥٠
- ٢٦٨ -

حياة ١١
ما جرى مجرى الخطأ، والقتل بسبب، (١) وفي
بيان كل من هذه الأقسام وموجبه تفصيل ينظر
في «دية)) و((قتل)) و((قود)) و((جناية)).
وقد أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير
حق، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، أما
الكتاب فمنه قول الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا
النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ (٢) وقوله
سبحانه: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا
خطأ ... ﴾(٣) وقوله عز وجل: ﴿ومن يقتل
مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها
وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا
(٤)
عظيما﴾. (٤).
وأما السنة فمنها قول رسول الله وَله: ((لا يحل
دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني
(١) رد المحتار ٣٣٩/٥ -٣٤٢، الخرشي ٧/٨ -٨، والمحلي
على المنهاج ٩٦/٤، والمغني ٦٣٦/٧، كشاف القناع
٥٠٥/٥
(٢) سورة الإسراء/ ٣٣
(٣) سورة النساء/ ٩٢، قال القرطبي: قوله تعالى:
﴿وما كان ... ﴾ ليس على النفي وإنما على التحريم
والنهي، كقوله تعالى: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا
رسول الله .. .) ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن يقتل
مؤمنا قط لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده أبدا، كقوله
سبحانه: ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾، ولا يفهم من
خطابه دلیل قتل الكافر لمسلم لأن المسلم محترم الدم، وإنما
خص المؤمن بالذكر تأكیدا حنانه وأخوته وشفقته وعقيدته،
تفسير القرطبي ٣١٢/٥ - ٣١٣
(٤) سورة النساء/ ٩٣
رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني،
والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق
للجماعة))(١) وقوله عليه: ((قتل المؤمن أعظم
عند الله من زوال الدنيا)). (٢)
والحياة عند الجناية عليها إما أن تكون
مستمرة ، أو مستقرة ، أو حياة عيش المذبوح.
والحياة المستمرة: هي التي تبقى إلى انقضاء
الأجل بموت أو قتل.
والحياة المستقرة: تكون بوجود الروح في
الجسد ومعها الحركة الاختيارية والإِدراك دون
الحركة الاضطرارية .. كما لو طعن إنسان وقطع
بموته بعد ساعة أويوم أو أيام وحركته الاختيارية
موجودة .
وحياة عيش المذبوح: هي التي لا يبقى معها
إبصار ولا نطق ولا حركة اختيار. (٣) ويختلف
حكم الجناية على الحياة باختلاف هذه
الأحوال.
وفي ذلك تفصيل ينظر في (قود) و(جناية)
و(قصاص).
(١) حديث: ((لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله
إلا الله)). أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ٢٠١ - ط السلفية)
ومسلم (١٣٠٢/٣ - ١٣٠٤ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن مسعود.
(٢) حديث: ((قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال
الدنيا ... )). أخرجه النسائي (٨٢/٧ - ط المكتبة
التجارية) من حديث عبدالله بن عمرو.
(٣) المنثور ١٠٥/٢، حاشية الجمل ٢٣٨/٥، مغني المحتاج
١٢/٤ - ١٣
- ٢٦٩ -

حياة ١٢ - ١٣
الجناية على حياة الجنين:
١٢ - إذا ضرب بطن امرأة حامل فألقت - بسبب
ذلك - جنينها وهي حية، فإما أن تلقيه ميتا أو
حیا :
أ - إن ألقته ميتا ففيه غرة باتفاق الفقهاء، لما
روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
((اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما
الأخری بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا
إلى رسول الله له فقضى رسول الله صل﴾ أن دية
جنينها غرّة عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة
(١)
((
على عاقلتها .
والغرة : العبد أو الأمة في هذه الجناية، سمیا
بذلك لأنهما من أنفس الأموال، ويستوي في
ذلك أن يكون الجنين الملقى ميتا ذكرا أو أنثى
الإطلاق الخبر، ولئلا يكثر التنازع في الذكورة
والأنوثة لعدم الانضباط.
وتتعدد الغرة بتعدد الجنين الملقى .
وتجب مع الغرة الكفارة عند الشافعية
والحنابلة، لأن الجنين المجني عليه آدمي
معصوم، ولأن الكفارة حق الله تعالى .. خلافا
للحنفية والمالكية الذين قالوا: إن الكفارة
مندوبة لا واجبة .
١٣ - واختلف الفقهاء في الجنين الملقى الذي
يجب فيه ما سبق :
(١) حديث أبي هريرة: ((اقتتلت امرأتان من هذيل ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ٢٥٢/١٢ - ط السلفية) ومسلم
(١٣١٠/٣ - ط الحلبي).
فقال الحنفية: إن ما استبان بعض خلقه
کظفر وشعر فهو کمن كان تام الخلق فيما ذكر من
الأحكام، وأضاف ابن عابدين: أنه لا يستبين
خلقه إلا بعد مائة وعشرين يوما، وظاهر ما قدمه
عن الذخيرة أنه لابد من وجود الرأس، وفي
الشمني: لو ألقت مضغة ولم يتبين شيء من
خلقه فشهد ثقات من القوابل أنه مبدأ خلق
آدمي ولو بقي لتصور فلاغرة فیه، وتجب فیه عندنا
حكومة .
وقال المالكية: في الجنين ما سبق من الأحكام
وإن کان علقة أي دما مجتمعا إذا صب عليه ماء .
حار لا يذوب.
وقال الشافعية: إذا ألقت المرأة بالجناية عليها
لحما، قال القوابل : - أي أربع منهن، أو رجل
وامرأتان، أو رجلان - فيه صورة خفية - أي
تخفى على غير القوابل - كنحويد أو رجل
لا يعرفها غيرهن ففيه الغرة والكفارة. ولو قلن:
ليس فيه صورة ظاهرة ولا خفية ولكنه أصل
آدمي لو بقي لتصور فلا غرة فيه ولا كفارة.
وقال الحنابلة: إن ألقت مضغة فشهد ثقات
من القوابل أن فيه صورة خفية ففيه غرة، وإن
شهدن أنه مبتدأ خلق آدمي لوبقى تصور ففيه
وجهان: أصحهما: لاشيء فيه لأنه لم يتصور
فلم يجب فيه كالعلقة، ولأن الأصل براءة الذمة
فلا تشغل بالشك، والثاني: فيه غرة لأنه مبتدأ
خلق آدمي أشبه ما لو تصور.
- ٢٧٠ -

حياة ١٤
ب - إن ألقت المرأة الحامل - بسبب الجناية
علیھا ۔ جنینها حیا ثم مات بسبب ذلك بعد تمام
انفصاله حیا ففيه الدية كاملة لتيقن حياته وموته
بالجناية، وفيه مع الدية الكفارة.
وقد اتفق الفقهاء على أن الجنين إن استهل
صارخا بعد انفصاله ثبتت حياته وترتب عليها
الأحكام الشرعية المنوطة بها، لكنهم اختلفوا فيما
تثبت به الحياة من الأمور الأخرى كالعطاس
والأرتضاع والتنفس والحركة ... (١) وينظر
التفصيل في (استهلال).
وإن ضرب بطن امرأة حامل فلم تلق جنينها
وماتت وهو في بطنها فلا شيء فيه
بخصوصه . (٢)
وفي جناية المرأة الحامل على حياة جنينها
تفصيل في (إجهاض).
خامسا : الحياة المعتبرة في الإِرث:
١٤ - من شروط الإِرث تحقق موت المورث أو
إلحاقه بالموتی حكما، وتحقق حياة الوارث بعده أو
إلحاقه بالأحياء.
(١) اللجنة تری أن الحكم ببقاء الحیاة أو انتهائها يرجع فيه إلى
أهل الخبرة.
(٢) تفسير القرطبي ٥/ ٣٢١، رد المحتار ٥/ ٣٧٧ -٣٧٨،
جواهر الإكليل ٢٦٦/٢ -٢٧٢، مواهب الجليل
٢/ ٢٥٠، نهاية المحتاج ٧/ ٣٦٠ - ٣٦٦، حاشية الجمل
٩٩/٥ - ١٠٠، المغني ٧ /٧٩٩ - ٨١٥
والحكم باستحقاق الإِرث واضح متفق عليه
في حالة التحقق من موت المورث ومن حياة
الوارث بعده، بأن كانا حيين ثم مات المورث
موتا حقیقیا وتحققت حیاة الوارث بعده، لكن
هناك صورا أخری لا یکون فيها الحکم واضحا
أو متفقا عليه، منها: الحمل الذي له حق في
الإرث، والذین یموتون معا في وقت واحد
ولا يعلم السابق منهم.
أما الحمل فإن حياته تلحق - تقديرا - بالحي
عند وفاة مورثه، وقد اشترط الفقهاء للحكم
بتوريث الحمل شرطين :
أحدهما : أن يعلم أنه كان موجودا حال
موت المورث.
الثاني: أن ينفصل كله حيا حياة مستقرة.
على تفصيل ينظر في (إرث):ف/١٠٩،
١١٥.
وأما الذين يموتون معا في وقت واحد
ولا يعلم سابق منهم وهم في الأصل يتوارثون.
فقد اتفق جمهور الفقهاء ورواية عن أحمد على
أنهم في هذه الحالة لا يتوارثون، وتركة كل منهم
الباقي الورثة الأحياء، لما روى الحاكم بسند
صحيح أن أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما
توفيت هي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه في يوم واحد فلم يدر أيهما مات
قبل فلم ترثه ولم يرثها، ولأن من شروط الإِرث
تحقق حياة الوارث بعد موت المورث وهو هنا
- ٢٧١ -

حياة ١٥ - ١٦
منتف، ولا توارث بالشك، ولأنا إن ورثنا
أحدهم فقط فھو تحکم، وإن ورثنا كلا منالآخر
تيقنا الخطأ. والرواية الأخرى عن أحمد: يرث
بعضهم من بعض من تلاد ما له،أیقدیمه دون
طارفه وهو ما ورثه ممن مات معه .
وإن علم أن أحدهم مات قبل صاحبه بعينه
ثم أشكل، أعطي كل وارث اليقين، ووقف
الباقي المشكوك فيه، حتى يتبين الأمر، أو
يصطلحوا، لأن الحق لا يعدوهم، والمرء يملك
التصرف في خالص حقه، وذلك عند الحنفية
والحنابلة، وقال الشافعية: يوقف الميراث حتى
يتبين الأمر أو يصطلحوا، لأن التذكر غير ميئوس
سادسا : الحياة المعتبرة في الصيد والذبائح
١٥ - اتفق الفقهاء على أن الذكاة الشرعية
بأنواعها (من ذبح أونحر أو عقر أو صید) لابد
منها إباحة ما يؤكل لحمه من الحيوان أو الطير.
واتفقوا على أن من شروط الذكاة الشرعية
أن تكون بالحيوان أو الطير عند الذبح أو الصيد
حياة، وإلا كان ميتة ولم تعمل الذكاة عملها من
حيث الإباحة، لكنهم اختلفوا في الحياة المعتبرة
شرعا عند الذبح أو الصيد. وقد اتفقوا على أنه
(١) رد المحتار ٥/ ٥٠٩، الزرقاني ٢٢٩/٨، أسنى المطالب
١٧/٣ - ١٩، قليوبي ١٤٩/٣، والمغني ٣٠٨/٦ -٣١٢ -
٣١٦، العذب الفائض ٩١/٢،١٨/١ - ٩٢
إذا كانت فيه حياة مستقرة فيحل بالذكاة، أما
إذا لم يبق فيه إلا مثل عيش المذبوح فقد اختلفوا
في أن الذكاة تحله أو لا، على تفصيل ينظر في
(ذبائح).
کما اختلف فیما إذا ذبحت شاة مثلا وکان في
بطنها جنین، هل تعتبر ذکاتها ذکاة له من حیث
أن حياته تابعة لحياتها أو مستقلة عنها، وينظر
التفصيل في: (ذبائح).
سابعا : الحياة المعتبرة في غسل السقط وتكفينه
والصلاة عليه .
١٦ - اتفق الفقهاء على أن السقط إذا استهل
ثبتت له أحكام الحي وحقوقه، ومنها وجوب غسله
وتكفينه والصلاة عليه، لما روى جابر بن عبدالله
رضي الله تعالى عنهما أن النبي وَلّ قال: ((إذا
استهل الصبي ورث وصلي عليه)). (١) ولأنه قد
ثبت له حكم الدنيا في الإِسلام والميراث والدية
فغسل وصلي عليه كغيره .
واختلفوا في السقط إن لم يستهل :
فقال الحنفية: السقط إن لم يستهل غسل
وسمي - في الأصح المفتى به على خلاف ظاهر
الرواية - إكراما لبني آدم، وأدرج في خرقة ودفى
(١) حديث: ((إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه ... ))
أخرجه الترمذي (٣٤١/٣ - ط الحلبي) والحاكم (٤ / ٣١٩
- ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه
الذهبي
- ٢٧٢ -

حياة ١٦ - ١٧
ولم يصل عليه سواء أكان تام الخلق أم لا . (١)
وقال المالكية: يكره غسل سقط لم يستهل
صارخا، ولو تحرك أو عطس أوبال أو رضع ، إلا أن
تتحقق الحياة بعلامة من علاماتها فيجب
غسله، ويغسل دم السقط الذي لم يستهل
ويلف بخرقة ویوارى. (٢)
وقال الشافعية : إن لم يستهل السقط ولم
يتحرك، فإن لم يكن له أربعة أشهر كفن بخرقة
ودفن، وإن تم له أربعة أشهر ففيه قولان: قال
في القديم: يصلى عليه لأنه نفخ فيه الروح
فصار كمن استهل، وقال في الأم: لا يصلى
علیه، وهو الأصح لأنه لم يثبت له حكم الدنيا في
الإرث وغيره فلم يصل علیه، فإن قلنا يصلى
عليه غسل كغير السقط، وإن قلنا لا يصلى
عليه ففي غسله قولان: قال البويطي : في
مختصره لا يغسل، لأنه لا يصلى عليه فلا يغسل
کالشهید، وقال في الأم : یغسل لأن الغسل قد
ينفرد عن الصلاة كما نقول في الكافر.
وقال الحنابلة: السقط إن خرج ميتا فقال
أحمد: إذا أتى له أربعة أشهر غسل وصلي عليه
لما روى المغيرة أن النبي لة قال: ((والسقط
يصلى عليه)) (٢) ولأنه نسمة نفخ فيها الروح
(١) رد المحتار ٥٩٥/١
(٢) الدسوقي ١/ ٤٢٧
(٣) المهذب ١/ ١٣٤
وحديث: ((والسقط يصلى عليه ... )) أخرجه أبو داود =
فيصلى عليه كالمستهل ... فأما من لم يبلغ أربعة
أشهر فلا يغسل ولا يصلى عليه ويلف في خرقة
ويدفن لعدم وجود الحياة. (١)
ثامنا : الحياة المعتبرة في قبول التوبة :
١٧ - يقبل الله تعالى توبة العبد المذنب المكلف
- كرما منه تعالى وفضلا - ما لم يغرغر، كما جاء
في الحديث الشريف: ((إن الله عز وجل يقبل
توبة العبد ما لم يغرغر)) (٢) أي ما لم تصل روحه
حلقومه، من الغرغرة وهي جعل الشراب في
الفم وإدارته إلى أصل الحلقوم فلا يبلع، وهذا
مأخوذ من قوله تعالى : ﴿وليست التوبة للذين
يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت
قال إني تبت الآن ... ﴾ (٢) الآية، وفسر
ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت، وقال
غيره: المراد تيقن الموت لا خصوص رؤية ملكه
لأن كثيرا من الناس لا يراه.
وقيل : السرفي عدم قبول التوبة حين اليأس
من الحياة أن من شروطها عزم التائب على أن
= (٥٢٣/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم
(٣٦٣/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي.
(١) المغني والشرح الكبير ٢/ ٣٣٧
(٢) حديث: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ... )).
أخرجه الترمذي (٥٤٧/٥ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن عمر، وحسنه .
(٣) سورة النساء/ ١٨
- ٢٧٣ -

حياة ١٧، حيازة ١
لا یعود إلی الذنب، وذلك إنما يتحقق مع تمکن
التائب من الذنب وبقاء الاختيار.
قال ابن علان: والحاصل أنه متی فرض
الوصول لحالة لا تمكن الحياة بعدها عادة
لا تصح منه حينئذ توبة ولا غیرها، وهذا مراد
الحديث بقوله: ((يغرغر)). ومتى لم يصل لذلك
صحت منه التوبة وغيرها. (١)
(١) دليل الفالحين ٧٨/١ - ٧٩، رد المحتار ٥٧١/١
حيازة
التعريف :
١ - الحوزلغة الجمع وضم الشيء، وكل من
ضم شيئا إلى نفسه من مال أو غيره فقد حازه
حوزا وحيازة واحتازه احتيازا. (١)
وفي الاصطلاح قال الدردير: الحيازة: هي
وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه.
والحيازة بهذا التعريف بمعنى القبض.
يؤيده قول ابن أبي زيد القيرواني: ولا تتم
هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة.
فإن مات قبل أن تحاز عنه فهي ميراث.
وفي القوانين الفقهية: القبض: هو الحوز.
وفي کتب المالكية استعمال كلمة (حوز) بدل
(حيازة).
قال صاحب البهجة: الحوز وضع اليد على
الشيء المحوز. (٢)
(١) تاج العروس ولسان العرب، والمصباح المنير مادة:
(جوز).
(٢) الدسوقي مع شرح الدردير ٢٣٣/٤، والقوانين الفقهية
ص٣٢٨، والشرح الصغير ٣١٩/٤، والبهجة في شرح
التحفة ١٦٨/١، والرسالة مع غرر المقالة ص٢٢٨،
والخرشي ٢٤٢/٧
- ٢٧٤ -

حيازة ٢ - ٤
بم تكون الحيازة :
٢ - قال الحطاب: الحيازة تكون بثلاثة أشياء:
أضعفها: السكنى والازدراع، ويليها: الهدم،
والبناء، والغرس، والاستغلال، ويليها
التفويت بالبيع والهبة، والصدقة، والنحلة،
والعتق، والكتابة، والتدبير، والوطء، وكل
ما يفعله الشخص في ماله.(١)
وفي کون الحيازة سندا للملکیة خلاف بین
الفقهاء، يتضح من خلال البحث. وتطلق
الحيازة على الحيازة الصحيحة والباطلة، سواء
كانت اليد الحائزة متعدية أو مأذونة من المالك
الحقيقي، أو مدعية الملك، فكلها حيازة.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القبض :
٣ - القبض لغة: مصدر قبضت الشيء قبضا:
أخذته، وهو في قبضته، أي : في ملكه، وقبض
عليه بيده ضم عليه أصابعه. (٢)
والقبض في الاصطلاح: هو حيازة الشيء
والتمكن منه .
قال الكاساني: ومعنى القبض هو التمكين
والتخلي وارتفاع الموانع عرفا وعادة حقيقة.
وقد تقدم قول ابن جزي: القبض: هو
الحوز. (٣)
(١) الخطاب ٢٢٢/٦
(٢) المصباح المنير.
(٣) البدائع ١٤٨/٥، والقوانين الفقهية ص٣٢٨
فتبين أن القبض والحيازة شىء واحد .
ر: مصطلح (تقابض).
ب - وضع اليد :
٤ - يقال في اللغة: الأمر بيد فلان أي: في
تصرفه، والدار في يد فلان أي : في ملكه.(١)
وأما في الاصطلاح فقد قال القرافي في
الفروق: اليد عبارة عن القرب والاتصال،
وأعظمها ثياب الإِنسان التي عليه ونعله
ومنطقته، ويليه البساط الذي هو جالس عليه،
والدابة التي هوراكبها، وتليه الدابة التي هو
سائقها أوقائدها، والدار التي هو ساكنها، فهي
دون الدابة لعدم الاستيلاء على جميعها.
وتقدم بينة ذي اليد المعتبرة، وأما اليد التي
لا تعتبر في الترجيح ألبتة فعبارة عن حيازة
بطريق تقتضي عدم الملك بحق، كالغصب
والعارية. (٢) إذا علمنا ذلك بأنفسنا أو
بالبينة. (٣) واليد بهذين المعنيين نفس معنى
الحيازة بمعنييها .
(١) المصباح المنير مادة: (ید)،
(٢) مجلة الأحكام العدلية م ١٧٥٩، والفروق ٧٨/٤،
وتهذيب الفروق بهامشه ٤/ ١٣٠، والخطاب ٢٠٩/٦ -
٢١٠
(٣) المصادر السابقة ومغني المحتاج ٤/ ٤٨٠، ونهاية المحتاج
٨/ ٣٤٠، والمبدع ١٠/ ١٤٧
- ٢٧٥ -

حيازة ٤م - ٦
ج - التقادم :
٤م - التقادم لغة: مصدر تقادم، يقال: تقادم
الشيء أي : صار قديما.
وفي الاصطلاح يعبر عن التقادم بمرور
الزمان. كما في مجلة الأحكام العدلية.
والتفصيل في مصطلح : ( تقادم ) من
الموسوعة . (١)
أحكام الحيازة :
٥ - تقدم أن الحيازة تكون عن طريق مشروع
وعن طريق غير مشروع، فالطرق غير المشروعة
كالغصب، والسرقة، والحرابة، هي من
الكسب غير المشروع، وتنظر في مصطلحاتها .
وهذه الحيازة ليست مشروعة ولا عبرة بها شرعا .
لأن الشيء المحوز هنا لا یکون للذي بيده بل
لمالکه الأصلي.
وأما الطرق المشروعة فتكون بحيازة بیت
المال للأرض التي مات أربابها بلا وارث وآلت
إلى بيت المال، أو فتحت عنوة أو صلحا، ولم
تملك لأهلها بل أبقيت رقبتها للمسلمين إلى يوم
القيامة . (٢)
وتكون بإحياء الموات، والاصطياد،
واحتشاش الكلأ من الأرض المباحة،
واستخراج ما في باطن الأرض من المعدن
(١) الموسوعة ١١٨/١٣، ١٢٢ وما بعدها.
(٢) الموسوعة ٣/ ١١٩
والركاز، واللقطة. وتنظر في مصطلحاتها .
وتكون أيضا عن طريق العقد، سواء أكان
عن طريق الإِرادة المنفردة أم عن طريق إرادتين،
وينظر كل عقد في مصطلحه .
ثم الحيازة بمعنى القبض تنظر أحكامها في
مصطلح (قبض).
الحيازة كدليل على الملكية :
٦ - الأصل أن الإِنسان یتصرف فيما يملكه بوجه
شرعي، فساكن الدار، وسائق السيارة، أو
الدراجة وصاحب الدكان الغالب أنهم يملكون
ما يتصرفون فيه، ولكن قد يُمَكِّن المالك غيره
من التصرف، إما بعوض أو بدون عوض - وقد
یکون المتصرف متعدیا کالغاصب والسارق ۔
فاحتمال الفصل بين الملکیة والتصرف احتمال
قائم، ولکن کلما طالت مدة التصرف دل ذلك
على أن المتصرف مالك إلى أن يحصل
الاطمئنان بملكية الحائز للشيء حسبما یشهد به
العرف.
ومن هنا كانت علاقة الحائز بمدعي ملكية
الشيء المحوز لها تأثیر حسبما یشهد به العرف
من التسامح أو المشاحة. فالعرف یشهد أن
الأجنبي لا يسكت عن تصرف الأجنبي في
عقاره عشر سنوات وأكثر وهو حاضر ساکت،
بينما يشهد العرف أن الأب يتسامح مع ابنه في
تصرفه في مال الأب عشرين سنة أو أكثر.
- ٢٧٦ -

حيازة ٦
فكانت الصلة بين الحائز وبين مدعي الملكية
مؤثرة في مدة الحيازة كما أن حضور مدعي
الملكية وبعده والمسافة الفاصلة بين المتنازع فيه
وبين القائم بالحق لها تأثيرها، وكذلك الشيء
المحوز فحيازة الدور والأرضین لیست کحيازة
الثياب والحيوان، فإذا كان المالك قد يتسامح في
سکنی داره الخمس سنوات مثلا فإنه لا يتسامح
في استعمال دابته مثل هذه المدة. كما أن أنواع
التصرف مختلفة فهناك التصرف بالسكنی ،
وأقوى منها التصرف بالهدم والبناء وقلع الشجر
وغراسة الأرض، وأقوى من ذلك التصرف
بالبيع والهبة والصدقة من وجوه التفويت فكانت
أحكام الحيازة تتأثر بهذه الاعتبارات .
وذهب الحنفية وأحمد - في الرواية المشهورة
عنه - إلى أن من ادعى شيئا في يد غيره فأنكره
وكان لكل واحد منهما بينة، فبينته على المدعي
(الخارج) تقدم على بينة المدعى عليه
(الداخل).
وقال إسحاق: لا تسمع بينة المدعى عليه
بحال.
واستدلوا بقول النبي م®: ((البينة على
المدعي واليمين على المدعى عليه)) (١) فجعل
(١) حديث: ((البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه)) ..
أخرجه بهذا اللفظ البيهقي (٢٥٢/١٠ ط دائرة المعارف
العثمانية) من حديث ابن عباس وأشار إلى شذوذ هذا
اللفظ، ورواه بإسناد صحيح بلفظ: ((البينة على
المدعي، واليمين على من أنكر)).
جنس البينة في جانب المدعي، فلا يبقى في
جانب المدعى عليه بينة . ولأن بينة المدعي أكثر
فائدة فوجب تقديمها، كتقديم بينة الجرح على
التعديل، ودليل كثرة فائدتها: أنها تثبت شيئا لم
يكن، وبينة المنكر إنما تثبت ظاهرا تدل اليد عليه
فلم تكن مفيدة، ولأن الشهادة بالملك يجوز أن
یکون مستندها رؤية الید والتصرف، فإن ذلك
جائز عند كثير من أهل العلم، فصارت البينة
بمنزلة اليد المفردة، فتقدم عليها بينة المدعي
على المدعى عليه (صاحب اليد) كما أن
شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي
الأصل لم تكن لهما مزية .
وعن أحمد رواية ثانية: إن شهدت بينة
الداخل بسبب الملك، وقالت: نتجت في ملكه
أو اشتراها، أو نسجها، أو كانتْ بينته أقدم
تاريخا قدمت، وإلا قدمت بينة المدعي، وهو
قول أبي حنيفة وأبي ثور في النتاج والنساج فيما
لا یتکرر نسجه.
وذهب المالكية والشافعية إلى أن الحيازة
لا تنقل الملك عن المحوز عليه إلى الحائز باتفاق
ولكنها تدل عليه، فيكون القول معها قول
الحائز: إنه يملكه بیمینه .
فإذا كانت للمدعي بينة وللمدعى عليه بينة
قدم صاحب اليد ببينته، لأنهما استويا في إقامة
البينة، وترجحت بينته بيده كالخبرين اللذين
مع أحدهما قیاس فیقضی له بها.
- ٢٧٧ -

حيازة ٦ - ٧
لما روي عن جابر بن عبدالله ((أن النبي والآ.
اختصم إليه رجلان في دابة أو بعير، فأقام كل
واحد منهما البينة بأنها له أنتجها فقضى
رسول الله ◌َّ للذي هي في يده)).(١)
وبتقدیم بينة المدعی علیه بکل حال، قال
شريح والشعبي والحكم وأبو عبيد، وقال: هو
قول أهل المدينة وأهل الشام، وروي عن
طاوس . (٢).
وللتفصيل ينظر في (دعوى، شهادة،
تقادم).
هذا ، وللمالكية تفصيلات انفردوا بها في
مسائل الحيازة، ولا سيما بمعنى دليل الملك أو
سببه، بیانها فيما يلي :
يقول ابن رشد: إن الحيازة على ست
مراتب :
أ - أضعفها حيازة الأب على ابنه، وحيازة الابن
على أبيه .
(١) حديث جابر: أن النبي لة اختصم إليه رجلان في دابة.
أخرجه البيهقي (٢٥٦/١٠ - ط دائرة المعارف العثمانية)،
وضعفه ابن حجر في التلخيص (٤ / ٢١٠ ط شركة الطباعة
الفنية).
(٢) البدائع ٦/ ٢٥٥، وتكملة فتح القدير ١٥٦/٦، والحطاب
٦/ ٢٢١ - ٢٢٢، والدسوقي ٢٣٣/٤، والفروق للقرافي
٤ / ٧٨، وتهذيب الفروق بهامشه ٤/ ١٣٠، ومغني المحتاج
٤/ ٤٨٠، والمهذب ٢/ ٣١١، والمغني ٢٧٥/٩ - ٢٧٦،
والموسوعة ١٢/ ١٢٢ وما بعدها.
ب - ويليها حيازة الأقارب الشركاء بالميراث أو
بغير الميراث بعضهم على بعض.
جـ ـ تليها حيازة القرابة بعضهم على بعض فيما
لا شرك بينهم فيه ، والأختان ، والموالي
الأشراك(١) بمنزلتهم.
د - ويليها حيازة الموالي والأختان بعضهم على
بعض فیما لا شرك بینهم فیه.
هـ ـ وتليها حيازة الأجنبيين الأشراك بعضهم
علی بعض فیما لا شرك بینهم فيه .
و- حيازة الأجنبيين الذين لا شركة بينهم فيه. (٢)
وكلما كانت الرابطة قوية وجب أن تكون
الحيازة ضعيفة التأثير في ادعاء الملك، فلابد له
من قوة تسندها، إما طول مدة، وإما نوع قوي
من التصرف على ما سیتبین بعد.
أنواع الحيازة :
٧ - الحيازة تكون بنوع من الأنواع الآتية :
أ) في العقار: السكنى، الازدراع ونحو ذلك. وفي
المنقول: الركوب في الدواب. اللبس في
الثياب. الانتفاع في الأواني ونحو ذلك.
ب) النوع المتوسط في العقار: الهدم والبناء فيما
(١) الاشراك جمع شرك وهو المشارك، القاموس مادة:
((شرك)).
(٢) البيان والتحصيل ١٤٧/١١
- ٢٧٨ -
٠٠

حيازة ٨ - ١٠
لا يحتاج إليه لبقاء الأصل، والغرس للأشجار
ونحو ذلك، وفي المنقول الاستغلال وهو إيجار
الدواب، والثياب، وقبض الأجرة ونحو ذلك.
جـ) النوع الأقوى: التفويت بالبيع، والهبة
والصدقة، والنّحل، وما أشبه ذلك مما لا يفعله
الرجل إلا في ماله. (١)
أثر الحيازة :
٨ - يقول ابن رشد: إن مجرد الحيازة لا تنقل
الملك عن المحوز عليه إلى الحائز، ولکنه یدل
على الملك كإرخاء الستور، ومعرفة العفاص
والوكاء، وما أشبه ذلك من الأشياء. (٢) معنى
هذا أن الحائز لا ينتفع بالحيازة إلا إذا جهل
الوجه الذي حاز به أو ادعى شراء، وأما إذا
عرف وجه دخوله في حوزه ککراء، أو عمری، أو
إسكان، أو إرفاق، أو إجارة ونحو ذلك، فإن
طول الحوز لا ينقل الملك.
شروط الحيازة بين الأجانب غير الشركاء:
٩ - يقول خليل: إن حاز أجنبي غير شريك
وتصرف ثم ادعى حاضر ساكت بلا مانع عشر
سنين لم تسمع دعواه، ولا بينته إلا بإسكان
ونحوه .(
(١) نفس المرجع.
(٢) مواهب الجليل ٦/ ٢٢١
(٣) المواق بهامش الحطاب ٦/ ٢٢١
فالحوز عند المالكية يكون دالا على ملك
الحائز إذا توفر مايلي :
أولا : أن يتصرف الحائز: والتصرف المجمع
عليه هو ما كان كالهدم والبناء فيما لا ضرورة
داعية إليه. أما السكنى ونحوها، فقد اختلف
فيها والمشهور أنه حيازة. يقول ابن رشد: وأما
حيازة الأجنبيين بعضهم على بعض فيما
لا شركة بينهم فيه، فالمشهور في المذهب أن الحيازة
تکون بينهم في العشرة أعوام. وإن لم یکن هدم
ولا بنيان، وفي كتاب الجدار لابن القاسم أنها
لا تكون حيازة إلا مع الهدم والبنيان، وهو قول
· ابن القاسم في روایة حسن بن عاصم عنه،
ويشهد لهذا القول ما أخرجه مالك في الموطأ
بلاغا (أن عبد الرحمن بن عوف تكارى أرضا.
فلم تزل في يديه بكراء حتى قال ابنه وهو
أبو سلمة أو حميد: فما كنت أراها إلا لنا من طول
ما مکثت في یدیه حتی ذکرها لنا عند موته فأمر
بقضاء شيء كان عليه من كرائها ذهب أو
ورق).(١)
١٠ - ثانيا: أن يكون المدعي حاضرا عالما، فلو
کان المدعي غائبا غيبة بعيدة فهو باق على حقه
ويختلف تقدير الغيبة بين الرجل والمرأة، والبعد
والقرب، وتقدير الغيبة عند فقهاء المالكية هو
بالمراحل .
(١) البيان والتحصيل ١٥٢/١١، وشرح الزرقاني على الموطأ
١٧٥/٣
- ٢٧٩ -

حيازة ١٠
فإذا كان المدعي على سبعة مراحل فأكثر فهو
باق على حجته ولو طال أمد غيابه ما طال،
فالغائب في مثل هذا البعد معذور، سواء أكان
رجلا أم امرأة، وإذا كان على ثلاث أو أربع
مراحل فالمرأة معذورة بلا خلاف، وكذلك
الرجل إن أبدى عذره في عدم القيام، وإن لم
يتبين عذره، فقال ابن القاسم: هو على حقه له
القيام معللا بأنه كم ممن لا يتبين عذره للناس
وهو معذور. وقال ابن حبيب: من كان على
ثلاث مراحل لا قيام له بعد الأجل إن لم يتبين
عذره ، فابن القاسم جعله معذورا: وابن حبيب
جعله غیر معذور حتی یثبت خلاف ذلك. (١)
وحدد ابن عرفة موطن الخلاف قائلا: الخلاف
في القريب هو إذا علم، وأما إذا لم يعلم فلا
حيازة عليه وإن كان حاضرا، غير أنه في الغالب
محمول علی غیر العلم حتى يثبت علمه، وفي
الحاضر محمول على العلم حتى يتبين أنه لم
يعلم. (٢)
واستحب مطرف وأصبغ للغائب إذا علم
ومنعه مانع من الحضور لطلب حقه أن يشهد أنه
علم، وأن سكوته عن المطالبة إنما هو لأجل
العذر. مع تأكيدهما على أنه إذا علم ولم يشهد لم
يوهن ذلك حجته إلا أن يطول الزمان جدا،
(١) البيان والتحصيل ١٨٠/١١
(٢) حاشية البناني ٧/ ٢٢٤
مثل السبعين والثمانين سنة وما قاربها، ويكون
مع ذلك سماع مستفيض بأنها ملك للذين هي
بأيديهم تداولوها هم ومن كان قبلهم بما يجاز به
الملك، فيكون ذلك كالحيازة على الحاضر، وإن
كانت الغيبة بعيدة، قال ابن حبيب: وبقولهما
أقول. (١)
فالغائب يكون على حجته إذا اجتمع
أمران: أن يطول ذلك جدا فيما تهلك فيه
البينات ، وتتعاقب الأجيال كالسبعين والثمانين،
وأن يتأيد الحوز بشهادة سماع أن الحائز ومن سبقه
مالكون لما تحت أيديهم.
وإذا كانت الغيبة على مسافة يوم فالرجل هو
كالحاضر، وأما المرأة فهي على حقها. قال ابن
فرحون : فرع: وفي الطرر لابن عات ومغيب
المرأة على مسيرة اليوم لا يقطع حجتها لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل لامرأة
تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع
ذي محرم عليها)). (٢)
قاله بعض الشيوخ المتأخرين . (٣).
والمراد بالعلم هو العلم الشامل لأمرين .
العلم بأن الحائز يتصرف في ملكه، وأن يعلم أن
(١) التبصرة لابن فرحون ٨٥/٢
(٢) حديث: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر
مسيرة ... )) أخرجه مسلم (٢/ ٩٧٧ - ط الحلبي) من
حديث أبي هريرة.
(٣) التبصرة لابن فرحون ٨٥/٢
- ٢٨٠ -