النص المفهرس
صفحات 201-220
حوالة ٧٢ الحوالة بمنزلة الوفاء. وكذلك يجيزون الحوالة بالثمن في مدة الخيار، بل هذا أولى لأنه آيل إلى اللزوم. (١) ثانيا : كون المال المحال به أو عليه يصح الاعتیاض عنه : أ - المال المحال به : ٧٢ - اشترط الشافعیة صحة الاعتیاض عن المال المحال به، ورأوا أنها تغني عن شريطة اللزوم أو الأيلولة إليه. فما لا يصح الاعتياض عنه - کالمسلم فیه، وکل مبیع قبل قبضه، ودین الزكاة - لا تصح الحوالة به برغم لزومه . والمالكية، وجماهير الحنابلة، يصرحون بهذه الموافقة، كلّ على طريقته . ومما يستدل به لعدم صحة الاعتياض عن المسلم فيه حديث أبي سعيد أنهم﴿ قال: ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره»(٢) لكن قالوا إن في إسناده عطية بن سعد العوفي، قال (١) مغني المحتاج على المنهاج ١٩٤/٢، ٢٠٢، والبجيرمي على المنهج ٢١/٣، والباجوري على ابن قاسم ٣٩٢/١ والأشباه والنظائر للسيوطي ص١٥١ ومطالب أولي النهى ٣٢٥/٣ - ٣٢٦ (٢) حديث: ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)). أخرجه أبو داود (٧٤٤/٣ - ٧٤٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وابن ماجه (٧٦٦/٢ - ط الحلبي) وأعله المنذري بضعف أحد رواته. مختصر السنن (١١٣/٥ - نشر دار المعرفة) المنذري: لا يحتج بحديثه، ويغني عنه النهي الثابت عن بيع ما لم يقبض. (١) وقد نص بعض الحنفیة علی صحة ضمان المسلم فيه، ومعنى ذلك صحة الحوالة به أيضا، إذ من قواعدهم أن کل دین صح ضمانه صحت حوالته ما لم يكن مجهولا . وصرح به السرخسي في المبسوط، كما صرح به بعض الحنابلة تنزيلا له منزلة الموجود لصحة الإبراء منه . لكن الشافعية وموافقیهم يفرقون في دين السلم من حيث تصحيحهم ضمانه دون الحوالة به بأن دين السلم لا يصح الاعتیاض عنه، وأن الحوالة اعتياض، لأنها بيع بخلاف الضمان . وظاهر أن كل من يجيز أخذ القيمة عن الزكاة، لا يسلم بهذا التعليل (عدم صحة الاعتياض) لمنع الحوالة بدين الزكاة، فالذي لا يرى علة مانعة أخرى يصرح بجواز الحوالة به . ومن الشافعية أنفسهم من يصرح أيضا بصحة الحوالة بدين الزكاة، على أنها استيفاء لا بیع. وقد تقدم أن الثمن في مدة الخيار تصح الحوالة به عند كثيرين، كالشافعية والحنابلة، (١) حديث: (( نهى عن بيع ما لم یقبض)). ورد فيه حديث عبدالله بن عمر مرفوعا: ((من ابتاغ طعاما فلا يبعه حتى يقبضه)). أخرجه البخاري (الفتح ٣٤٩/٤ - ط السلفية). - ٢٠١ - حوالة ٧٣ - ٧٥ لأن الحوالة متسامح فيها استثناء لأنها إرفاق كما تقدم . (١) ٧٣ - ولاعتبار هذه الشريطة نص المالكية - خلافا لأشھب ـ علی امتناع أن یکون الدینان (المحال به والمحال عليه) طعامين من بيع (سلم). بل هم يقتصرون على هذا القدر في صياغة هذه الشريطة، لأن الذي يمتنع عندهم بيعه قبل قبضه إنما هو طعام المعاوضة لا غير. (٢) (ومقتضى هذه العلة أن تمتنع عندهم أيضا الحوالة بدين على دين، وأحدهما طعام من بيع والآخر من قرض). وهذا هو الذي قرره أبو الوليد ابن رشد. (٣) وقد جرى عليه خليل في البيوع، ولكنه جرى هنا في الحوالة على عدم امتناع هذه الصورة، متى كان أحد الدینین حالا ۔ کما حكي عن مالك نفسه، وعليه عامة أصحابه عدا ابن القاسم - ركونا إلى قول (١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٢٦٣/٤، والمبسوط ٤٧/٢٠، والإنصاف ٢٢٣/٥، والنهاية على المنهاج وحواشيها ٤١٠/٤ - ٤١١ ومغني المحتاج على المنهاج ١٩٤/٢. ولعل هذا من قبيل التفريع على الأصل الآخر: أعني أن الحوالة استيفاء لا بيع (الأشباه والنظائر للسيوطي ١٥١). (٢) فقد أجاز أشهب الحوالة إذا اتفق الطعامان في سبب الاستحقاق من سلم أو غيره، وتساوت رؤوس الأموال أو الأثمان، وتكون عندئذ من قبيل التولية (بداية المجتهد ٣٠٠/٢ والتحفة لابن عاصم وحواشيها للعراقي ٣٤/٢). (٣) وهو جدير بأن يمثل المذهب المالكي حقا. ابن يونس: إن هذا هو الأصوب، تغلیبا جانب الدين الآخر الذي ليس بطعام معاوضة. أما ابن القاسم فلم يصححها إلا بشريطة حلول الدینین كليهما فهو تنزيل للحلول منزلة القبض. (١) ب - المال المحال عليه : ٧٤ - الذين اشترطوا صحة الاعتياض عن المال المحال عليه هم الذين اشترطوا مثلها في المحال به، فعلى ما هناك لا تصح الحوالة برأس مال السلم، وعلى ما هنا لا تصح الحوالة عليه وكذا المسلم فیه، وکل مبيع قبل قبضه، ودین الزكاة وإن كان عند الحنابلة في كل من دين السلم المسلم فيه، ورأس ماله وجه بصحة الحوالة عليه وبه. (٢) وواضح بناء هذه الشريطة على أن الحوالة بیع وقد فرغنا من ذلك قبلا (ر: ف/ ١١) ثالثا : كون المال المحال به أو عليه مستقرا: أ - المال المحال به : ٧٥ - الدين المستقر هو الذي لا يتطرق إليه انفساخ بتلف مقابله، أو فواته بأي سبب كان كتعذر المال المسلم فيه في عقد السلم. (١) الخرشي على خليل ٢٣٥/٤ والتحفة لابن عاصم وحواشيها للعراقي ٣٤/٢ (٢) الرشيدي على النهاية على المنهاج ٤ /٧٨ والفروع ٦٢٤/٢ والإنصاف ٢٢٣/٥ - ٢٠٢ - حوالة ٧٦ - ٧٧ فالمهر قبل الدخول وقبل الموت، والأجرة قبل استيفاء المنفعة، أوقبل مضي المدة، والثمن قبل قبض المبيع، وما شاكل ذلك، کلها دیون لازمة يصح الاعتیاض عنها، ولكنها غير مستقرة لأنها عرضة للسقوط بفوات مقابلها، كردة الزوجة، وموت الأجير أو المستأجر، وتلف المبيع فلا تصح الحوالة بها، وبالأولى إذا اختلت شريطة أخرى، كالثمن فى مدة الخيار، لانتفاء لزومه . وهذه الشريطة يجزم بها كثير من الحنابلة وإن لم يكونوا جمهورهم، على أن بعضهم يدعي أنه الأشهر عندهم.(١) ب - المال المحال عليه : ٧٦ - لم يصرح باشتراط استقراره سوى الحنابلة أيضا نقلا عن نص أحمد، وفي التفريع على ذلك يقول ابن قدامة : دين السلم ليس بمستقر، لكونه بعرض الفسخ، لانقطاع المسلم فيه) ثم يقول: (وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول لم يصح، لأنه غير مستقر، وإن أحالها الزوج به صح، لأن له تسليمه إليها، وحوالته به تقوم مقام تسليمه، (١) الفروع ٦٢٥/٢ ولا يظهر لهذه الشريطة وجه وجیه في المحال به، مادام المدين يملك حق إيفاء دينه قبل استقراره، كما سنرى في كلام ابن قدامة المقدسي الذي سننقله قريبا في المال المحال عليه، وفي كلام المجد ابن تيمية . وإن أحالت به بعد الدخول صح لأنه مستقر، وإن أحال البائع بالثمن على المشتري في مدة الخيار لم يصح في قياس ما ذكر، وإن أحاله المشتري به صح، لأنه بمنزلة الوفاء، وله الوفاء قبل الاستقرار). ويلحظ هنا أن ابن قدامة في كلامه هذا يجري على عدم التفريق بين الدين غير اللازم كمال الكتابة، والثمن في مدة الخيار، وبين الدين اللازم غير المستقر كدين السلم، والمهر قبل الدخول، كما أنه جرى على عدم اشتراط الاستقرار إلا في الدين المحال عليه دون المحال به، فصحح إحالة الزوج لزوجته بمهرها قبل الدخول، ومنع الإِحالة منها عليه، لأن له الإِحالة به حيث يصح منه التسليم. ومع ذلك ففي الحنابلة من ينازع في اعتبار هذه الشريطة، فالمجد ابن تيمية في ((المحرر)) لم يستثن من الديون التي تصح الحوالة بها وعليها سوى دين السلم - فمنع الحوالة به وعليه - وهذا الذي استثناه منازع في منعه عندهم: فقد حکی صاحب الإِنصاف صحة الحوالة بدين السلم وعليه مطلقا. (١) رابعا : كون المال المحال عليه ناشئا عن معاوضة مالية : ٧٧ - وهذه الشريطة شريطة لزوم. فالذي يخالع (١) الفروع وتصحيحه ٦٢٥/٢ والإنصاف ٢٢٣/٥ والمغني ٥٥/٥ - ٥٦ - ٢٠٣ - حوالة ٧٨ - ٧٩ زوجته على مال، ثم يحيل على هذا المال، فتموت الزوجة ولو موسرة قبل أن يقبضه المحال، أو تفلس - كما استظهروه - يكون للمحال الرجوع عليه بدينه. هذه حوالة صحيحة ولازمة ابتداء، ولكنها قد تتحول عن هذا اللزوم كما رأينا. هكذا قرره ابن المواز من المالكية . (١) خامسا : كون المال المحال به أو عليه معلوما : أ - المال المحال به : ٧٨ - اشترط الفقهاء هذه المعلومية وذلك لما في الجهالة من الغرر المفسد لكل معاوضة، والحوالة لا تخلومن معنى المعاوضة، كما سلف، فلا تصح الحوالة بمجهول، كالحوالة بما سيثبت على فلان. (٢) ولا نزاع في هذه الشريطة، سواء أقلنا: إن الحوالة اعتياض، أم قلنا إنها استيفاء، لأن المجهول يمتنع الاعتیاض عنه لما فيه من الغرر، كما يتعذر استيفاؤه وإيفاؤه لما يثيره من نزاع مشكل يحتج فيه كل من الخصمين بالجهالة (١) ولم نجده لغيره في أي مذهب آخر، والمالكية أنفسهم مترددون في قبوله (ر: الخرشي على خليل وحواشيها ٢٣٣/٤) ولو قبل فليس منافيا للزوم العقد، بل عقد الحوالة لازم ما لم يوجد ما يقتضي التخيير فيه، كعقد البيع فإنه لازم بعد مدة الخيار، وقد يلحقه بعد ذلك خيار العیب مثلا . (٢) البحر الرائق ٢٧٠/٦ احتجاجا متعادلا حتی لو کانت علی شخص ما ديون كثيرة لا يعلم مقدارها، فقال لدائنه: أحلتك على فلان بكل ما لك علي، لم تصح الحوالة. ٧٩ ۔ وکثیرون يحددون بوضوح کیف یکون المال معلوما هنا. ومن هؤلاء الشافعية والحنابلة إذ يقولون: (كل ما لا يصح السلم فيه لا تصح الحوالة به): فهم إذن يشرطون معلومية قدره کمائة ثوب، ومعلومیة جنسه، کقطن أو صوف، ومعلومیة صفاته التي تختلف باختلافها الأغراض اختلافا بينا، أي صفاته الضابطة، أو كما قالوا: (صفاته المعتبرة في السلم) كالطول والعرض، والرقة، والصفاقة، والنعومة والخشونة، واللون، وما إلى ذلك.(١) وذلك يعني عدم صحة الحوالة بإبل الدية، لأنها لا تعلم إلا بالسن والعدد وهذا لا يكفي لضبطها المعتبر في السلم، وهذا هو الذي اعتمده فيها الشافعية وأبو الخطاب من الحنابلة ، وإن كان هنالك من يقول بصحة الحوالة بها وعليها، كما لو كان لرجل، وعليه، خمس من الإِبل أرش موضحة، (٢) فيحيل بهذه على تلك، وإلى هذا ذهب القاضي من الجنابلة، (١) وقد يجمعه كل تحديد المصنع الذي لا ينتج إلا ما هذه صفته . (٢) الموضحة: درجة من شج الرأس في الجنايات وهي التي تكشف العظم. (المصباح المنير مادة وضح). - ٢٠٤ - حوالة ٨٠ - ٨٢ وهو قول للشافعي نفسه، اكتفاء بالعلم بسنها وعددها، فليس الضبط بالصفات المطلوبة في السلم إذن بحتم ليتحقق معنى العلم بالمحال به، ولحسم ما عساه ينشأ من نزاع يعتبر أقل ما يقع عليه الاسم في السن والقيمة وسائر الصفات، كما قرره القاضي من الحنابلة (وإن کان قیاس کلام الشافعية في الضمان أن يراعى فيما وراء السن والعدد حال غالب إبل البلد). (١). ب - المال المحال عليه : ٨٠ - يصرح الشافعية والحنابلة باشتراط معلومية الدینین (المحال به، والمحال علیه) لدی المتعاقدين المحيل والمحال. (٢) ولم نجد في كلام فقهاء الحنفية والمالكية تصريحا باشتراط معلومية المال المحال عليه في الحوالة المقيدة، كما هو موجود في المال المحال به، ولكن يستنتج من قواعد الحنفية هذا الاشتراط.(٣) (١) المهذب ٣٣٧/١ وحاشية الباجوري على ابن قاسم ٣٩٥/١ والمغني لابن قدامة ٥٧/٥ والفروع ٦٢٣/٢ (٢) نهاية المحتاج ٤ /٤١٢ والبجيرمي على المنهج ٢٢/٣. (٣) من هذه الدلائل أن تعليل الحنفية لشريطة المعلومية في المال المحال به «بأن المجهول يمتنع الاعتیاض عنه لما فيه من الغرر)» قد يفيد اشتراط المعلومية في المال المحال عليه کذلك. سادسا : کون المال المحال به أو علیه ثابتا قبل الحوالة : أ - المال المحال به : ٨١ - صرح المالكية باشتراط ثبوت المال المحال به في الذمة قبل الحوالة. وفرعوا عليه أنه لا يصح أن يسلف (يقرض) شخص آخر نقودا أو طعاما مثلا، على أن يستوفي المسلف ممن هو مدين للمستلف بمثل ذلك، إذ من الواضح في هذه الحالة أن الدين المحال به لم يثبت إلا مع الحوالة في وقت واحد. وبعض المالکیة یصرحون، بأن لا بأس أن تکتري من رجل داره بدین لك حال أو مؤجل على رجل آخر، وتحیله عليه في الوقت نفسه. وعند الحنابلة أن المحیل إذا أحال شخصا غير مدين له على من عليه دين للمحيل فهي وكالة جرت بلفظ الحوالة. (١) ب - المال المحال عليه : ٨٢ - اشترط المالكية والحنابلة، ثبوت المال المحال عليه قبل الحوالة، وفرع الباجي من المالكية على هذه الشريطة أن المدين لو أحال على غير مدينه ثم أعطى المحال عليه ما يقضي به دين الحوالة، فأفلس هذا أومات قبل أن (١) الرهوني على خليل ٣٩٧/٥، ٤٠٢ - ٤٠٣، والمنتقى للباجي على الموطأ ٦٧/٥ وكشاف القناع ٣٨٤/٣ - ٢٠٥ - حوالة ٨٣ - ٨٥ يقضي الدين، يكون للمحال الحق في الرجوع على المحیل بدینه، ثم يرجع هذا بدوره على المحال عليه بما كان أعطاه، لكن هذا هو حكم الحمالة عندهم، وهذه الواقعة هي من الحمالة وإعطاؤه بعد ذلك ما يقضي به لا تتحول به هذه الحمالة إلى حوالة . ولكن الشافعية ينصون على خلاف هذا. فقد قال الخطيب: (فإن قيل: إن صحة الحوالة - أي بالثمن على المشتري - زمن الخيار مشكل، إذا كان الخيار للبائع أولهما (يعني البائع والمشتري)، لأن الثمن لم ينتقل عن ملك المشتري، أجيب بأن البائع إذا أحال فقد أجاز، فوقعت الحوالة مقارنة للملك وذلك كاف». (١) سابعا : کون المال المحال به أو علیه حالا : أ - المال المحال به : ٨٣ - لا تصح الحوالة بدين لم يحل أجله بعد، إلا إذا كان الدين المحال عليه قد حل، إذ لو لم يحل هو أيضا فلا أقل من أن يلزم بيع الكالىء بالکالیء، وینضاف إلیه محذور آخر هوربا النساء، إن جمعت الدينين علة ربوية واحدة. هكذا قرر المالكية هذه الشريطة بإطلاقها هذا، على طريقة ابن القاسم. (٢) (١) المنتقى ٧٠/٥ ومغني المحتاج على المنهاج ١٩٤/٢ (٢) اخرشي على خلیل ٢٣٤/٤ واشترط الحنفية أن يستمر حلول المال المحال به إن كان حالا ، في الحوالة بمال القاصر وما شاكلها من كل من تجب فيه رعاية الأصلح لصاحبه، لأن الحوالة به إلى أجل إبراء مؤقت فلا يجوز اعتبارا بالإِبراء المؤيد الذي لا يملكه الولي في مال القاصر، وقد أطلق أبو يوسف هنا، ولم يفصل تفصيل أبي حنيفة ومحمد بين الدين الواجب بعقد الأب أو الوصي، فيجوز تأجيله، والدين الواجب بغير عقدهما - كالإِرث والإِتلاف - فلا يجوز. (نقله في البحر عن المحيط) ثم قال: وكذا قبول الحوالة من المتولي أي (ناظر الوقف) فهي على هذا التفصيل. (١) وهذه الشريطة ليست إلا تطبيقا جزئيا للأصل العام، الذي لا يختلف عليه، في تصرفات الولي من أنها منوطة بالمصلحة (ر: ف/ ٩٦). ب - المال المحال عليه : ٨٤ - اشترط المالكية حلول المال المحال عليه، ولو لم يكن الدين المحال به حالا . ثامنا : کون المال المحال به أو علیه مثلیا : ٨٥ - لا خلاف بين الفقهاء في صحة الحمالة (١) البحر ٢٧٥/٦ فإذا كانت رعاية المصلحة تقتضي التأجيل - كما في زمان النهب والسلب ـ ماذا یکون حکمه؟ لم أر هم نصا، والمنطق جوازه. - ٢٠٦ - حوالة ٨٥ - ٨٦ بالدين أو الحوالة عليه إن كان المال مثليا، وذهب جمهور الفقهاء - وهو الأصح عند الشافعية - إلى صحة الحوالة بالدين القيمي أو الحوالة عليه، لأن ما له صفات ضابطة ففي ضبطه بها بلاغ، كما لا يجادل في ذلك أحد في باب السلم، فيقاس القيمي المنضبط على المثلي ما دام كلاهما دينا في الذمة له صفات تضبطه تضاف إلى معرفة النوع والقدر: کالثياب، والدواب - على ما فيها من الخلف المعروف - والصوف، والقطن، والشعر، والأخشاب، والأحجار، والحديد، والرصاص، والبلور، والزجاج، والفخار، (١) والورق، والكتب والآلات مادامت ذات صفات ضابطة کإنتاج مصنع بعينه. بل لمجتهد أن يعتبر هذه الأشياء (١) المهذب ٢٠٧/١، ٣٣٧ والمغني لابن قدامة ٥٧/٥ أقول : إن المذهب الحنفي لا يقتصر في تحديد المال المثلي على المكيل والموزون بل يضيف إليه المعدود المتقارب كالبيض والجوز، والمذروع المتماثل الأجزاء كالمنسوجات القطنية والصوفية اليوم. فالمثلي عندهم كل ما تضبطه هذه المقاييس الأربعة (الكيل والوزن والعد والذرع) بحيث لا تتفاوت أفراده تفاوتا يعتد به في الوفاء، بل محل کل فرد منه محل الآخر دون فرق يذكر، حتى إن البطيخ إذا كان العرف علی بیعه بالعدد کان قیمیا لتفاوت أفراده حجما وإذا بيع بالوزن كان مثليا، وعلى هذا تكون معظم الأنواع التي ذكرت أعلاه من ورق، وقطن، وزجاج، وحديد الخ. مثلية . (ر: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد ج٣ في الفقرات / ٨٢ - ٩٩) الأخيرة حينئذ من قبيل المثلي الذي لا تفاوت فيه یذکر. وذهب قلة من الشافعية والحنابلة إلى اشتراط کون المال المحال به أو علیه مثلیاً، بل من الشافعية وغيرهم من يشترط خصوص الثمنية ولا يكتفى بمطلق المثلية، فلا حوالة على هذا القول إلا بالذهب أو الفضة، أو ما يجري مجراهما في التعامل النقدي . والمراد عند هؤلاء جميعا بالمثلية أن يكون الدين من جنس ما يكال أويوزن ويضبطه الوصف، کالنقود والحبوب والأدهان، فلا تصح الحوالة بالقيمي، وهو ما خرج عن هذا النمط كالثياب المتفاوتة، والحيوان، فقد يثبت شيء من غير المثلي في الذمة، کما لو بيع بوصف، أو التزم صداقا، أو بدل خلع، ولکن لا یحال به، لأن المقصود بالحوالة الوصول إلى الحق دون تفاوت، وهذا لا یکون إلا في المثليات. (١) تاسعا : کون المالین المحال به أو علیه متساويين جنسا وقدرا وصفة : ٨٦ - لم يشترط الحنفية التساوي بين المالين المحال به والمحال عليه في الحوالة المقيدة جنسا أو (١) مغني المحتاج على المنهاج ١٩٤/٢، وبداية المجتهد ٢٩٩/٢، ونهاية المحتاج على المنهاج ٤١١/٤ والفروع ٦٢٣/٢ - ٢٠٧ - حوالة ٨٧ قدرا أو صفة، وإنما الكلام في اشتراط ذلك يجري على غير مذهبهم. وتفصيل ذلك فيما يلي : أ - المال المحال به : ٨٧ - المراد بالصفة ما يشمل الجودة والرداءة، والحلول والتأجيل، وقدر الأجل، لا صفة التوثق برهن أو ضمان، بل هذه تسقط عن كلا الدينين بمجرد الحوالة، لأنها بمثابة القبض، فلا تصح الحوالة بنقود فضية على ذهبية، أو ذهبية على فضية، ولا بقمح على شعير، ولا بضأن على معز، ولا عكسه، ولا بخمسة أثواب، مثلا على عشرة، ولا بعشرة على خمسة (نعم إذا كان له عشرة على آخر، فأحال على خمسة منها بخمسة صحت الحوالة لتحقق الشريطة، ولا بالمغشوش على الخالص ولا بالخالص على المغشوش، ولا بحالّ على مؤجل، ولا بمؤجل على حالٌ، ولا بمؤجل إلى شهر على مؤجل إلى شهرين ولا عكسه. ولكنها تصح بمائة دينار ذهبية من نقود بلد بعينه، أو مائة أردب من القمح الهندي، أو مائة شاة من الضأن التركي مضبوطة الوصف سنا ولونا - وما إليها - على مائة مثلها، والدينان حالان، أو مؤجلان إلى أجل واحد كسنة مثلا . والحكمة في اشتراط هذه الشريطة، أن الحوالة - سواء جرينا على أنها معاوضة أو ليست بمعاوضة - عقد إرفاق يقصد به الإيفاء والاستيفاء، لا الإِسترباح والإِستكثار، فلو أذن بالتفاوت فيها لتباری المتعاملون بها، کل یرید أن يغبن الآخر، ويصيب منه أكثر مما يترك له، وهذا خلاف موضوعها. ثم بالنسبة إلى من لا يشترطون رضا المحال، كيف يعقل إجباره مع اختلاف الدینین؟ ومبالغة في اتقاء التفاوت منع القاضي أبو الطيب من الشافعية صحة الحوالة بألف على شخصين، كل منهما مدين للمحيل بألف على التضامن، على أن يطالب المحال أيهما شاء، وعلل المنع بأن المحال يستفيد زيادة في المطالبة، إذ كان قبل الحوالة يطالب واحدا، فصار بعدها يطالب اثنين. وإن كان الشيخ أبو إسحاق من الشافعية أيضا يخالفه، ويصحح هذه الحوالة، لأن المحال، مهما استفاد من زيادة مطالبة، فلن يأخذ إلا قدر حقه، وما يزال المتأخرون من الشافعية متأرجحين بين هذين الرأيين: فبينا يصحح البلقيني والسبكي الأول، يأخذ الرملي الكبير بالثاني . هكذا قرر الشافعية هذه الشريطة، وفق ما استقر عليه المذهب، وإن كان منهم من ينازع في شريطة التساوي في الصفة إذا كان التفاوت - ٢٠٨ - حوالة ٨٨ - ٩٠ لمصلحة المحال، لأن المحيل إذن متبرع بالزيادة على سبيل إحسان القضاء. (١) ٨٨ - وهذه الشريطة يقررها أيضا المالكية والحنابلة، (ر:ف/٨٣)، باستثناء ما تفرد به المالكية من أن محل المنع عند الاختلاف بالجودة والرداءة، أو القلة، والكثرة إذا لم يقبض المحال من المحال عليه قبل تفرقهما. وهؤلاء جميعا يحاذون الشافعية في تقريراتهم الآنفة الذكر، حتى إن الخلاف فيما إذا كان التفاوت لمصلحة المحال ينص الحنابلة على بقائه كما هو، وإن كان المالكية يعكسون الموقف: فيمنعون التحول على الأعلى صفة أو الأكثر قدرا، قولا واحدا، ويترددون ويختلفون في التحول على الأدنى أو الأقل. وينص المالكية على أن لا خلاف في صحة الحوالة مع التفاوت في القدر، إذا وقعت بلفظ الإِبراء من الزيادة والحوالة بالباقي، كما لو قال الدائن بألف: أبرأتك من ثلاثمائة، وأحلني على مدينك فلان بالباقي، فيقول: أحلتك وهذا واضح جدا. (٢) الاستعاضة في الحوالة : ٨٩ - المراد بالاستعاضة أن يتراضى المحال (١) نهاية المحتاج ٤١٢/٤ وفتاوى السيوطي ١٦٧/١ ومغني المحتاج على المنهاج ١٩٥/٢، ٤١٣/٤ والبجيرمي على المنهج ٢٢/٣ (٢) الخرشي على خليل ٢٣٥/٤ والإنصاف ٢٢٧/٥ والمحال عليه بعد صحة الحوالة بدفع عوض عن المحال به . والاستعاضة جائزة عند الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة. ولا نص فيها عن الشافعي ولا عن قدماء أصحابه. ولم نطلع على مذهب المالكية في ذلك. وقيد الحنفية والحنابلة الجواز بان لا يكون العوضان ربویین، فإن کانا كذلك وجب التقابض في المجلس. (١) ب - المال المحال عليه : ٩٠ - سلف الكلام في هذه الشريطة بالنسبة للدين المحال به، وهو بعينه الكلام هنا فلا حاجة إلى إعادته، بيد أنه ينبغي التنبيه هنا على أن هذه الشريطة تفسر في كلام بعض الشافعية بالمساواة في الواقع، وفي اعتبار المتعاقدين (المحيل والمحال) - أي في رأيهما ومبلغ علمهما - ومعنى ذلك أنه إذا تساوی الدینان في الواقع ونفس الأمر، ولكنهما جهلا هذا التساوي أو جهله أحدهما فالحوالة باطلة، وكذلك تكون الحوالة باطلة إذا اعتقد التساوي، ولا تساوي، في الحقيقة . (٢) (١) الفروع ٦٢٦/٢ ومطالب أولي النهى ٣٢٥/٣ والمبسوط ٤٧/٢٠ (٢) نهاية المحتاج على المنهاج ٤١٢/٤ والبجيرمي على المنهج ٢٢/٣. = - ٢٠٩ - حوالة ٩١ - ٩٢ عاشرا : قبض المال المحال علیه (إن کان رأس مال سلم أو ربويا يوافق المحال به في علة الربا). ٩١ - صرح الحنفية باشتراط قبض المال المحال عليه إن كان رأس مال سلم أوربويا يوافق المحال به في علة الربا، ونص عبارة السرخسي في مبسوطه: (ولأنه - أي دين الحوالة - يثبت في ذمة المحال علیه على الوجه الذي کان في ذمة المحيل، حتى لو كان بدل صرف أو سلم لا يجوز الاستبدال به مع المحال عليه) كما لا يجوز مع المحيل، ويبطل عقد الصرف والسلم بافتراق المتعاقدين قبل القبض من المحال عليه. ولم يذكر المالكية القبض هنا في حوالة الطعام على الطعام، لكنهم نصوا على ضرورته في حالة الصرف خاصة وعبارتهم في عقد حوالته: (لا بد من القبض قبل افتراق كلامهم، وقبل طول مجلسهم، وإلا فسد). ولم يتردد الشافعية في رفض هذه الشريطة ولو في الربويات، لأن المعاوضة في الحوالة - بعد القول بها - ليست على سنن سائر المعاوضات. ونص عبارة الشافعية كما يلي: (هي - أي الحوالة - بيع ذين بدين جوّز للحاجة، ولهذا لم يعتبر وعلى هذا التفسير تغني هذه الشريطة عن شريطة = العلم بكلا الدينين، لأن العلم بالتساوي يستلزم العلم بالمتساويين. التقابض في المجلس، وإن كان الدينان ربويين) (١) أما في رأس مال السلم، فيقول البجيرمي فيما كتبه على شرح المنهاج من كتب الشافعية المعتمدة: (لا تصح الحوالة بما لا يعتاض عنه، (٢) ولا تصح الحوالة عليه، كدين السلم، أي مسلما فيه ورأس مال (أيهما كان). ما لا يشترط في الحوالة : ٩٢ - لا يشترط أن يكون سبب الدينين في الحوالة من نوع واحد، بأن يكون كلاهما من قرض، أوبيع، أو ضمان مثلا، فلا مانع أن يكون أحد ديني الحوالة من عقد معاوضة، والآخر دين إتلاف مثلا. أو أحدهما صداقا، والآخر بدل خلع، أو بدل قرض، أو أجرة. (٣) كما لا يشترط أيضا أن يكون الدين المحال به ثابتا على المحيل ثبوتا أصليا. فالدين الذي یکون في غير محله الأصیل، كما لو كان من حوالة أوكفالة، تصح الحوالة به، بأن يحيل (١) المبسوط ٢٠ /٤٧ والخرشي على خلیل وحواشيه ٢٣٥/٤ أما رأس مال السلم فأصولهم تقتضي امتناع الحوالة به وعليه ولكن لم نجد لهم فيه نصا. نهاية المحتاج على المنهاج وحواشیھا ٤٠٨/٤ (٢) أي لا يجوز الاعتیاض عنه شرعا قبل قبضه . (٣) مغني المحتاج على المنهاج ٢ /١٩٤ وكشف المخدرات ٢٢٥ - ٢١٠ - حوالة ٩٣ المحال علیه أو الکفیل علی مدین له هو. بل يجوز أيضا للمحال أن يحيل دائنه على المحال عليه، وللمكفول له أن يحيل دائنه على الكفيل. (١) وهذا في الأصل موجود في كتب الشافعية، مع زيادة تعدد المحالين مع بقاء المحال عليه واحدا. ونص عبارة الرافعي في الشرح الكبير هكذا: (إذا أحلت زيدا على عمرو، ثم أحال عمرو زیدا على بكر، ثم أحال بكر على آخر، جاز. وقد تعدد المحال عليهم وزيد المحال واحد. ولو أحلت زيدا على عمرو، ثم أحال زيد بكرا على عمرو، ثم أحال بكر آخر على عمرو جاز، والتعدد ها هنا في المحتالين، وعمرو المحال علیه واحد. ولو أحلت زیدا علی عمرو، ثم ثبت لعمرو علیك مثل ذلك الدين فأحال زیدا علیك جاز). (٢) الجزاء على تخلف إحدى شرائط الانعقاد (بطلان الحوالة) : ٩٣ - إذا عدمت شرائط انعقاد الحوالة كلا أو بعضا فالنتيجة المقررة فقها هي بطلانها، أي عدم انعقادها، جزاء لمخالفة تلك الشرائط . (١) نهاية المحتاج على المنهاج ٤١٧/٤ والمهذب ٣٤٢/١ ومغني المحتاج على المنهاج ٢/ ٢٢٠ والمغني لابن قدامة ٦٩/٥ (٢) فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع ٣٥٥/١٠ وهذا مبدأ متفق عليه بين فقهاء الشريعة ولا مجال للخلاف فيه، وإلا لم يبق أية ثمرة لشرائط الانعقاد (وهذا معروف في الأحكام العامة للتعاقد مما يسمى اليوم: نظرية العقد). ولكن قد يختلف الفقهاء في اشتراط بعض الشرائط لانعقاد الحوالة، فمن يشترط لانعقاد شريطة ما ، يحكم ببطلان الحوالة عند فقد هذه الشريطة، ويخالفه في ذلك من لا يشترطها. ومن المقرر في القواعد أنه يستوي في النتيجة تخلف جميع المقومات وشرائط الانعقاد وتخلف بعضها فقط، فإن تخلف بعض العناصر الأساسية، كتخلف الكل من حيث النتيجة وهي البطلان . ومن الواضح أنه حيثما يتقرر بطلان الحوالة فإن هذا البطلان يستتبع آثاراً، إذ يجب فيه عندئذ نقض ما قد تم تنفيذه من العقد قبل تقرير بطلانه، ثم رد ما يستلزم هذا النقض رده مما قبض دون حق، كما هو معلوم من الأحكام العامة في التعاقد. وسيأتي في آثار الحوالة والأحكام المترتبة عليها أن الحوالة الصحيحة التي نفذت بدفع المحال عليه إلى المحال دين الحوالة يترتب فيها للمحال عليه حق الرجوع على المحيل. غير أنهم في الحوالة الباطلة أو الفاسدة قد أعطوا المحال عليه الخيار في الرجوع على المحيل - ٢١١ - حوالة ٩٤ - ٩٥ أو على المحال القابض، لأنه قبض ما ليس له بحق نظرا لبطلان الحوالة . شرائط النفاذ : أولا : بلوغ المحيل والمحال، والمحال عليه بحسب الأحوال: ٩٤ - أ - يشترط الحنفية لنفاذ الحوالة أن يكون المحيل بالغا، لأن في الحوالة معنى المعاوضة، ومعاوضات الصبي المميز لا تنفذ إلا بإجازة وليه. فحوالته منعقدة موقوفة على الإِجازة. (١) والبلوغ شرط صحة عند الجمهور. فإذا كان المحیل مميزا غيربالغ ففيه الخلاف المشهور بين الفقهاء في تصرفات الصغير المميز إذا باشرها بنفسه: أتكون باطلة، أم موقوفة على إجازة وليه، إن رآها وفق مصلحته؟ وتفصيل ذلك في مصطلح (أهلية) و(صغر). ب - ويشترط الحنفية لنفاذ الحوالة أن يكون المحال بالغا، لما قلناه في المحيل، ولذا ينعقد احتيال الصبي المميز، ولكنه لا ينفذ إلا بإجازة وليه، وهذه الإِجازة مشروطة بأن يكون المحال عليه أملأ من المحيل. وهذه الشريطة يوافق عليها المالكية (١) قررت هذه الشريطة المجلة (م/٦٨٥) ومرشد الحيران (م/٨٨١) والشافعية، ويخالف فيها الحنابلة، لأنهم لا یشترطون رضا المحال، إلا على احتمال ضعيف للحنابلة . (١) جـ - أما شريطة بلوغ المحال عليه، فسبق بحثها كشريطة انعقاد أثناء بحث المحال عليه وشرائطه (ر: ف / ٦٢). ثانيا: ولاية المحال على المال المحال به : ٩٥ - يشترط لنفاذ الحوالة أن تكون للمحال على المال المحال به ولاية. فالفضولي لا يكون محالا إلا بإجازة من له الولاية، أما الوكيل فإن کان وکیلا بالقبض فليس له أن يحتال أصلا، لأن المقصود من وكالته الاستيفاء لا الإِبراء، وإن كان وكيلا في العقد ففي قبوله حوالة الثمن خلاف مشهور: جوزها منه الطرفان أبو حنيفة ومحمد، على الأملأ والأفلس مطلقا - ويضمن للموكل لأن الحوالة إبراء مؤقت فتعتبر بالمطلق - ومنعها أبو يوسف. وقد أجرى الخلاف في البدائع بين أبي حنيفة مجوزا، والصاحبين مانعین . واستدل لهما: بأن هذه الحوالة هي تصرف في (١) مغني المحتاج على المنهاج ١٧٢/٢ والخرشي على خليل ٢٣٢/٤ و٢٣٣ والمهذب ٣٣٧/١ - ٣٣٨ والفروع ٦٢٦/٢. وأخذت بها المجلة في المادة ٦٨٥ ومرشد الحيران في المادة ٨٨١. - ٢١٢ - حوالة ٩٥ - ٩٦ ملك الموكل من غير إذنه، فلا ينفذ عليه كتصرف الأجنبي . واستدل لأبي حنيفة: بأن الوكيل بقبوله الحوالة إنما تصرف بالإِبراء في حق نفسه (وهو قبض الثمن) بمقتضى عقد الوكالة لأن قبض الثمن من حقوق العبد التي تعود للوكيل بالبيع، فإيراؤه المشتري عن الثمن أو قبوله الحوالة به إسقاط لحق نفسه وهو القبض فینفذ علیه، لأن الحوالة كالإِبراء تمنع مطالبة المحيل، ويسقط بذلك الثمن من ذمة المشتري تبعا لسقوط حق القبض، ولكن لا يسقط حق الموكل في الثمن الذي هوعوض ملكه. وإنما يسقط الثمن من ذمة المشتري تبعا، لأنه لولم يسقط مع سقوط حق الوكيل في قبضه لبقي دينا غير قابل للقبض، وهذا لا نظيرله في الشرع، كما أنه غير مفيد. فلذا يسقط الثمن من ذمة المشتري تبعا لسقوط حق الوكيل في قبضه، ولکن یضمنه الوكيل للبائع الموكل، لأن الوکیل بتصرفه هذا قد تجاوز إلی حق غيره وهو الثمن نفسه حیث أتلفه على صاحبه بالإِبراء أو قبول الحوالة به . وقد لخصه في مجمع الأنهر بأن حقوق العقد للعاقد، والحوالة من هذه الحقوق. واحتيال الوكيل في البيع، بثمن المبيع بالصورة المشروحة لم نجد حكمه منصوصا عند غير الحنفية. أما النائب الشرعي عن الصغير، وليّاً كان كالأب أووصيا، فلا يملك عند الحنفية حق الاحتيال بمال هذا الصغير على ما قرره السرخسي في المبسوط بإطلاقه، على خلاف عامة الكتب. ونص عبارته: لو احتال بمال ابنه الصغیر، أو اليتيم الذي تحت وصایته، لم يجز، لأن الحوالة إبراء الأصيل، وهو لا يملكه في مال القاصرين. (١) ٩٦ - وأما احتيال ولي القاصر، كأبيه أو وصيه بدينه، فلم نر في المذاهب الأخرى إطلاق عدم جوازه، كما فعل السرخسي من الحنفية . بل في كلام بعضهم - كما هو مقتضى إطلاق حديث الحوالة - التصريح بصحتها بشريطة واحدة: أن تقتضيها مصلحة القاصر نفسه - أخذا من نص التنزيل الحكيم: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾(٢) - دون تقيد بأي قيد آخر. ولذا أبطلوا احتياله على مفلس سواء أعلم إفلاسه أم جهل، وكذا احتیاله بدین موثق علیه برهن أو ضمان، لما في انفكاك الوثيقة من الضرر البينّ بالقاصر. وقد سئل السيوطي عن رجل له على رجل دين، فمات الدائن وله ورثة فأخذ الأوصياء من المدين بعض الدين، وأحالهم على آخر بالباقي (١) البدائع ٢٨/٦ موضحا. ومجمع الأنهر ٢٧٧/٢، والمبسوط ٧١/٢٠ وجامع الفصولين ١٨/٢ وحواشي ابن عابدين على البحر شرح الكنز ٢٦٨/٦، ٢٧٥ (٢) سورة البقرة/ ٢٢٠ - ٢١٣ - حوالة ٩٧ - ٩٩ فقبلوا الحوالة وضمنها لهم آخر، فمات المحال عليه، فهل لهم الرجوع على المحيل أم لا؟ فأجاب: يطالبون الضامن وتركة المحال علیه، فإن تبین إفلاسهما فقد بان فساد الحوالة، لأنها لم تقع على وفق المصلحة للأيتام، فيرجعون على المحيل. (١). ومن أمثلة المصلحة أن يكون المحيل بمال اليتيم فقيرا أو بماطلا، أو مخوف الامتناع بسطوة أو هرب، أوسيء القضاء على أية صورة، والمحال عليه بعكس ذلك كله فتصح الحوالة حينئذ، لأنها أصلح للقاصر. ٩٧ - وكون احتيال الفضولي موقوفا على إجازة من له الولاية على دين الحوالة، هو اتجاه فقهي يوجد أيضا عند كثيرين غير الحنفية، كالمالکیة، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية. ولكن الذي عند الشافعية في الجديد، وهو المعتمد عند الحنابلة أن حوالة الفضولي كسائر تصرفاته باطلة من أصلها، فلا تعود بالإِجازة صحيحة. وهذه قاعدة عامة، أخذت من حديث ثابت في بياعات الفضولي عند أبي داود والترمذي (الذي اعتبره حسنا) ونصه: ((لا بيع إلا فيما تملك)). وطردوا هذا فيما عدا البيع(٢) فأصبح (١) مغني المحتاج ٢ /١٥ ونهاية المحتاج على المنهاج ٤ / ٤٠٩ - ٤١٠ والبجيرمي على المنهج ٢٠/٣ و٢٣ والحاوي للفتاوى ١٦٧/١ (٢) شرح النيل ٦٢٧/٤ وبداية المجتهد ١٧٢/٢ والفروع= قاعدة. ومثله حديث حكيم بن حزام ((أنه مَل قال: لا تبع ما ليس عندك)). (١) ثالثا: قبول المحال والمحال عليه : ٩٨ - أ) قبول المحال - إذا لم يكن هو أحد الطرفين المنشئین للعقد ۔ لیس شريطة انعقاد إلا عند أبي حنيفة ومحمد. أما أبو يوسف فيكتفي برضا المحال، ولو خارج مجلس العقد، على أن يكون إذن شريطة نفاذ. وهذا هو الذي أخذت به مجلة الأحكام العدلية في المادة ٦٨٣ ب) ورضا المحال عليه كذلك - ولو خارج مجلس العقد - شريطة نفاذ باتفاق أئمة المذهب الحنفي الثلاثة . هذا، وقد سبق الكلام بالتفصيل على فقه هذه المسألة والخلاف الاجتهادي فيها بين المذاهب بما فيه الكفاية. أحكام الحوالة : ٩٩ - إذا تمت الحوالة بأركانها وشرائطها ترتبت : ٤٦٦/٢ ومغني المحتاج على المنهاج ١٥/٢ ونيل الأوطار ١٥٥/٥. وحديث ((لا بيع إلا فيما تملك)). أخرجه ابوداود (٢ / ٦٤٠ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عمروبن شعيب عن أبيه عن جده، وإسناده حسن. (١) حديث: ((لا تبع ما ليس عندك)). أخرجه الترمذي (٤ /٤٣٠ - تحفة الأحوذي - ط السلفية) وحسنه الترمذي. - ٢١٤ - حوالة ١٠٠ - ١٠١ عليها آثارها التي من أجلها شرعت، واعترتها على الجملة أحكام عدة وهي : أ- لزوم الحوالة : ١٠٠ - الحوالة عقد لازم دون خلاف، ولكن قبولها للخيارات محل اختلاف بين الفقهاء، فالشافعية والحنابلة يقرون أنها لا تقبل الخيارات إلا أن من أهل المذهبين من أجاز فيها خيار المجلس ۔ وفي ذلك يقول صاحب ((المهذب)) من الشافعية: (لا يجوز خيار الشرط فيه - أي عقد الحوالة - لأنه لم يبن على المغابنة، فلا يثبت فيه خيار الشرط. وفي خيار المجلس وجهان: أحدهما يثبت، لأنه بيع، فیثبت فيه خيار المجلس کالصلح . الثاني: (وهو الأصح) لا يثبت، لأنه يجري مجرى الإِبراء، ولهذا لا يجوز بلفظ البيع، فلم یثبت فيه خیار المجلس فهو جازم - كما يظهر من كلامه - بعدم قبول الحوالة خيار الشرط عند الشافعیة .(١) والمالكية يشترطون للزوم الحوالة أن يكون الدين المحال عليه عن عوض مالي، فإذا اختلت الشريطة لم تكن الحوالة لازمة، وعنهم في بعض تفسیرات المذهب، أن يسار المحال عليه كذلك من شرائط لزوم العقد. (١) المهذب ٢٣٨/١ والمغني لابن قدامة ٥٤/٥ ١٠١ - وصرح الحنفية بأن الحوالة من العقود اللازمة التي لا يمكن فسخها أو إبطالها من جانب واحد ما لم يشرط له الخيار. (١) ومدة خيار الشرط ثلاثة أيام عند أبي حنيفة وأية مدة تعلم نهايتها عند الصاحبين. وقد صرحوا بجواز اشتراط الخيار لمن يجب رضاه في الحوالة، وهو على الصحيح المحال والمحال عليه فحسب، كما يتبادر من كلام بعضهم. (٢) ثم قال الحنفية: إذا شرط الخيار للمحال أو المحال عليه أو كليهما، فبدا لهذا أو ذاك في مدة الخيار أن يعدل عن العقد فذلك له، لأن أحد الشخصین أو کلیھما قد يجهل صاحبه بعض جهالة، ثم بعد تقصي أحواله يبدوله أن هذه الحوالة ليست في مصلحته فيراجع نفسه قبل فوات الأوان . وقد لا يجهل، ولكن تتغير حتى في هذه الفترة القصيرة، ظروف المحال عليه إلى أسوأ، أو المحيل إلى أفضل، أويقع التغيران كلاهما، فيؤثر المحال أن يعود من حيث بدأ. أما المحيل فشرط الخيار له أصالة بینّ جدا، على القول بأنه طرف في العقد، فقد يأنف - (١) ويقول ابن نجيم في الأشباه ١٩٢/٢: ((الحوالة لازمة إلا في مسألتين» ولم یبينهما . (٢) البحر ٢٧٢/٦ وابن عابدين على الدر المختار ٤٨/٤ - ٢١٥ - حوالة ١٠٢ - ١٠٣ بعد شيء من الروية - أن یتحمل عنه فلان دینه، وقد یکون ذا صلة خاصة بالمحال علیه، ويعلم أن فيه ضعفا، وأن مكان المحال سيثقل علیه فتأخذه به رأفة، ویعید الدین إلى نفسه كرة أخرى، ثقة بأنه أقدر على معالجة صاحبه .(١) وانفساخ الحوالة عند الحنفية لأمر عارض كالتوى وموت المحيل في الحوالة المقيدة أو مطلقا - على الخلاف عندهم - لم يمنع من الحكم عليها بأنها عقد لازم (ر: ف / ١٣٨، ١٤١). ١٠٢ - وقد أفاد ابن نجيم في البحر نقلا عن الخلاصة والبزازية أن الحوالة على ثلاثة أوجه: لازمة وجائزة وفاسدة. فاللازمة: أن یحیل المدین دائنه على آخر ويقبل الحوالة، سواء أكانت مقيدة أم مطلقة . والجائزة: أن يقيدها بأن يعطي المحال عليه الحوالة(٢) من ثمن دار نفسه، فلا يجبر المحال عليه على البيع، وهو بمنزلة ما لو قبل الحوالة على أن يعطي عند الحصاد، فإنه لا يجبر على أداء المال قبل الأجل. (٣) (١) ابن عابدين ٥٨/٤ والبحر ٢٧٢/٦ (٢) يلحظ أن الحوالة هنا مستعملة بمعنى المال المحال به. (٣) ظاهره أنه ينتظر حتى بيع الدار حينما يشاء، وعندئذ يطالب بالتأدية من الثمن، والمسألة في البزازية بهامش الفتاوى الهندية ٢٧/٦، وقد تقدم الخلاف في الإجبار على البيع في هذه المسألة، والتوفيق بين الرأيين في شرائط المحال عليه، فلیرجع إليه (ف/٦٢) والفاسدة: أن يقيد فيها المحال عليه بالأداء من ثمن دار المحيل، لأنها حوالة بما لا يقدر على الوفاء به، وهو بیع دار غيره، فإن الحوالة بهذا الشرط لا تکون توکیلا ببيع دار المحیل . (١) (أي لكي يكون بحكم الوكالة قادرا على الوفاء). ب - الشروط اللاحقة : ١٠٣ - اختلف الفقهاء في الشروط الواقعة بعد العقد - أيا كان هذا العقد - هل تلحقه أم لا؟ فشرط الشافعية والحنابلة للحاق الشروط التي لم تشرط في صلب العقد وقوعها قبل لزوم العقد. (٢) وللحنفية في ذلك قولان: قول باللحاق، ویعزی إلی أبي حنيفة، وقول بعدمه ويعزى إلى الصاحبين، وعلى القول باللحاق: ١ - لا فرق بين أن يقع الشرط في مجلس العقد، وأن يقع خارجه، خلافا لمن شرط اتحاد المجلس. (٣). ٢ - إذا كان الشرط فاسدا يفسد العقد لحاقه إلا (١) البحر ٢٦٩/٦، وجامع الفصولين ١٧١/١ وابن عابدين ١٢٠/٤ (٢) البجيرمي على المنهج ٢٠٩/٢، ومطالب أولي النهى ٦٦/٣ (٣) البحر ٢٦٩/٦، وجامع الفصولين ١٧١/١، وابن عابدين على الدر ١٢٠/٤ - ٢١٦ - حوالة ١٠٤ أنه إذا خرج مخرج الوعد (ولنسمه شرطا وعديا) لا یفسده، بل لا بأس حينئذ بأن یکون في صلب العقد . ثم هل يكون هذا الشرط الوعدي ملزما أو غير ملزم؟ في ذلك قولان مصححان في المذهب، بعد أن يكون الشرط الوعدي في ذاته ليس من المحظورات الشرعية . فالقائل بعدم اللزوم جار على المشهور من أن الوعد لا يجب الوفاء به قضاء. والقائل باللزوم ملحظه أن المواعيد قد تلزم، فتجعل هنا لازمة لحاجة الناس الى لزومها . (١) هذا تقرير القاعدة في ذاتها عند الحنفية على صعید العقد بوجه عام أيا كان نوعه . فإذا أريد تطبيقها هنا على عقد الحوالة - بوجه خاص يجب أن یفرق عند الحنفية - كما هو واضح بين نوعين من الشروط، ونوعين من العبارات التي تصاغ بها. النوع الأول من الشروط الملحقة: شروط فاسدة : ١٠٤ - ١) كما لو اشترط أحد الأطراف شرطا ملحقا بعد العقد أن تكون الحوالة عقدا غير لازم: بمعنى أن يكون لمن شاء من أطرافها، أو لطرف معين أن ينقضها متى شاء، دون تقيد بمدة معينة .(١) ٢) أو يشترط المحيل أن الحوالة ماضية قطعية قطعت كل علاقة بينه وبين المحال علیه لا تتأثر بموت محيل، ولا بموت محال عليه أو إفلاسه، ولا رجوع عليه للمحال سواء وفيت الحوالة أم لا . (٣) أو يشترط ما يشبه المقامرة من نوع آخر، كما لو شرط في الحوالة المقيدة أن لا رجوع عليه فيها، ولو تلف المال الذي قیدت به أو استحق . وواضح أن هذا النوع من الشروط مناف لمقتضى العقد في قواعد الحنفية فهي شروط فاسدة في نفسها. ثم إن قلنا بلحاقها بعقد الحوالة إذا شرطت بعد العقد فإنها تفسده أيضا، وإن لم نقل بلحقاها اقتصر فسادها عليها بذواتها، ولم يتعد إلى العقد نفسه. على أنه حين يصاغ الشرط من هذه الشروط وأمثالها بصيغة الوعد (كأن يقول المحال بعد العقد: إني ملتزم بهذه الحوالة أبداً ولن أرجع عليك بحال من الأحوال، أويقول المحيل: إننا ملتزمان بهذه (١) أما نصهم على أن للمحال أن يشرط لنفسه حق الرجوع على المحيل متى شاء، ويكون له شرطه (الفتاوى الهندية ٣٠٥/٣) فمحمله - فیما أرى - أن الحوالة حينئذ كفالة، نظير ما لو تمت الحوالة على أن المحيل ضامن (الفتاوى الخانية بهامش الهندية ٧٨/٣ وإن قرره المتأخرون على خلاف ذلك (مرشد الحيران م٨٩٧) (١) المراجع السابقة . - ٢١٧ - حوالة ١٠٥ - ١٠٥م الحوالة، ولكنني سأذعن لإِرادتك إن بدا لك أن تفسخها أنت) فالذي يبدو أن هذا لا یغیرشیئا من مقتضى العقد. أما جعله أمرا جائزا بطريق العدة، فهذا وما إليه مما يجيء فيه الخلاف في لزوم الوعد وعدم لزومه . النوع الثاني من الشروط الملحقة: شروط صحيحة : ١٠٥ - ١) وذلك كاشتراط المحال أن يعطيه المحال علیه بالدین رهنا أو أن یکون موسرا . ٢) أو اشتراط المحال عليه أن يكون الدين المحال على الأصيل مؤجلا عليه هو. ٣) أو أن يشترط لأحد الأطراف الخيار ثلاثة أيام، أو مدة ما معلومة على ما سلف (ر: ف/ ١٠١) فإن هذه مصالح لا ريب فيها، وليس في شيء منها حظر شرعي - إذا كانت المعاملة في المثالين الأخيرين ليست من قبيل الصرف - فهذا النوع من الشروط لو أن العاقد شرطها في أثناء العقد لصحت وتم العقد على وفق أغراضه الصحيحة تلك، إذ هي بين شرط ملائم لعقد الحوالة، أومأذون فیه بترخيص الشارع - وإن لم يكن من مقتضى العقد نفسه - فلو نسي اشتراط شيء منها في أثناء العقد فاتفقا على إلحاقه جاز إلحاقا، كما يجوز ابتداء على أنه قد يعتبر اشتراط يسار المحال عليه من مقتضيات العقد، بدليل الرجوع على المحيل إذا توي الدین. حتی إنه لو فاته اشتراط ذلك في العقد لم یکن من بأس في أن يتدارك، ولوبعد مدة مدیدة، وهم قد صرحوا بمثل ذلك في خيار الشرط المتعلق بعقد البيع، ونص عبارتهم: (لو قال أحدهما بعد البيع، ولو بأيام: جعلتك بالخیار ثلاثة أيام صحّ إجماعا)، (١) ومجال التيسير في الحوالة أوسع منه في البيع. ولاخفاء في هذا بناء على قول اللحاق بالعقد في الشروط المتراخية عنه، أما على القول المقابل، فلا يستقيم. ١٠٥ م - أما الشرط الفاسد أو الصحيح في نفسه، من تلك الشروط عند الجمهور ففيها التفصيل التالي : (أ) إن اشتراط عدم الرجوع على المحيل، إذا توي المال على المحال عليه، ليس مخالفا لمقتضى العقد عند أحد من غير الحنفية، حتى يكون فاسدا، بل هو اشتراط مقتضى العقد وأحد لوازمه غير المنفکة عند کثیرین، بحيث لو شرط خلافه في صلب العقد لخرج العقد عن أن يكون حوالة حقيقية أولبطل، والبطلان حينئذ هو مختار الشافعية. (ر: ف / ٣١ و١٥٦) وإن كان الذي حكاه الباجي من المالكية عن سحنون صحة الشرط، ولعله أحد الأوجه التي (١) ابن عابدين على الدر ٤٧/٤، ١٢١، والبحر ٢٦٧/٦ - ٢١٨ - حوالة ١٠٥م - ١٠٦ أشار إليها الخطيب عند الشافعية . (١) (ب) إذا شرط في الحوالة تقدیم رهن بالدين أو كفيل فقد اختلف الشافعية في صحة هذا الشرط، وقد سبق ذلك (ر: ف/ ٥٤ - ٥٥) (ج) اشتراط يسار المحال عليه لا ينازع أحد أن هذا من مصالح العقد، ومع ذلك فهناك من يرى مانعا من لزومه لوشرط، كالشافعية في الأصح عندهم، ذلك أنهم يقولون إن إعسار المحال عليه نقص كالعيب في المبيع (على أساس أن الحوالة عند الشافعية من قبيل بيع الدين) فلولزم شرط انتفاء الإِعسار بحيث إذا اختل كان الخيار المحال - في فسخ الحوالة والإِبقاء علیھا ۔ لوجب أن يكون له الخيار بمجرد وجود الإعسار عند العقد من غير شرط، على قاعدة خیار العیب، وليس الأمر كذلك. وهناك من يرى أنه شرط لازم، ويثبت الخيار عند انتفاء الشرط، وعلى هذا الحنابلة وأبو العباس بن سريج من الشافعية وموافقوه، أما الإِعسار فعیب، واشتراط انتفائه غير مجد على ما تبین. ولذا يقول ابن قدامة: (قد يثبت بالشرط ما لا يثبت بإطلاق العقد بدلیل اشتراط في المبيع). ومن ثم لجأ السيوطي، أو من نقل عنهم في الأشباه، إلى بناء القول بعدم لزوم شرط (١) المنتقى على الموطأ ٦٧/٥، ومغني المحتاج ٩٦/٢ اليسار على أن الحوالة استيفاء والقول بلزومه على أنها بيع. (١) (د) وأما شرط المحال عليه تأجيل الدين بالنسبة إليه بعدما كان حالاً على المحيل، فإن الشافعية والحنابلة يمنعون تأجيل الحال، ويقولون: (الحال لا يتأجل) أي لا يعتبر تأجيله ملزما. ولكن المالكية يتوسعون في قابلية الدين للتأجيل ما لا يتوسع غيرهم حتى إنهم ليجيزون تأجيل دين القرض، وينفذون شرطه . (٢) (ر: ف / ٢٤). أحكام الحوالة : ١٠٦ - لعقد الحوالة أثران رئيسيان هما براءة ذمة المحيل من الدين الذي أحال به، واشتغال ذمة المحال علیه بالدين، وفيما يلي بيان لهذين الأثرين وما يتبعهما بالنسبة إلى : ١ - أثر الحوالة في علاقة المحيل والمحال. ٢ - أثر الحوالة في علاقة المحال والمحال عليه. ٣ - أثر الحوالة في علاقة المحيل والمحال عليه. ١ - أثر الحوالة في علاقة المحيل والمحال: ويظهر ذلك الأثر فيما يلي : (١) الشبراملسي مع نهاية المحتاج على المنهاج ٤١٣/٤، الأشباه للسيوطي ١٥١، ١٥٢، المهذب ٣٣٨/١، والمغني لابن قدامة ٥٩/٥ - ٦٠ (٢) فتح العلي المالك ٢١٢/١ - ٢١٩ - حوالة ١٠٧ - ١٠٨ براءة المحيل من دين المحال ثم من مطالبته : ١٠٧ - اتفق الفقهاء على أنه متى صحت الحوالة فقد فرغت ذمة المحيل مما كان عليه لدائنه الذي قبل الاحتيال به، وبالتالي لا یکون لهذا الدائن حق المطالبة . لكن الحنفية قيدوا براءة ذمة المحيل وسقوط حق المطالب بعدم التوي - على اختلاف في تفسير التوى - إلا في حالات استثنوها ونصوا عليها . (١) كون الحوالة تنقل الدين والمطالبة : ١٠٨ - ويترتب على كون الحوالة تنقل الدين والمطالبة معاً النتائج التالية : (أ) متی بریء المحیل وکان له کفیل، بریء كفيله تبعا، إذ لا معنى لمطالبته بدين لا وجود له . ب) لو أحال الكفيل المكفول له على غير المدين المكفول (الأصيل) برىء الكفيل المحيل والمدين الأصيل معا، لأن الحوالة بإطلاقها تنصرف إلى الدين، وهو على الأصيل، فيبرأ الأصيل أولا ، ثم الكفيل المحيل تبعا، هذا ما لم ينص في الحوالة على براءة الكفيل المحيل وحده (١) البحر ٢٧١/٦، وأبو السعود على ملا مسكين ٢١/٣، وابن عابدين ٤/ ٢٥٠، وفتح القدير ٤٤٥/٥، والبدائع ١٧/٦-١٨ فحسب، وإلا برىء هو وحده، قياسا على صلح الكفيل مع الطالب في الموضعين، ثم إن توي المال عاد الدائن المحال على أيهما شاء وفقا للحكم العام في الحوالة عند الحنفية . وبراءة المكفول والكفيل معا أصالة وتبعا إذا أحال أحدهما الدائن لا ينازع فيها الشافعية ولا الحنابلة . (١) أما المالكية فيوافقون على براءتهما بإحالة الأصيل، لأن الکفیل تبع له، لكنهم ينازعون في العكس: إذ لا يبرأ الأصيل عندهم بحالة الكفيل، وإنما يبرأ الكفيل وحده لأن الأصل لا يتبع الفرع. (٢) ومما يتصل بهذه المسألة ما يقوله الحنفية : ج - (إن الكفالة متى انعقدت بأمر المكفول عنه فإنها توجب دینین: دينا للطالب علی الکفیل، ودينا للكفيل على المكفول عنه، إلا أن هذا الأخير مؤجل إلى وقت الأداء) ومعنى هذا أنه يتسنى للكفيل أن يحيل المكفول له على الأصيل (١) البحر وحواشيه ٢٦٩/٦، و٢٧١، والمهذب ٣٤٢/١، ونهاية المحتاج ٤ /٤٤٤، والمغني لابن قدامة ٨٣/٥، والفروع ٦٢٣/٢، ومطالب أولي النهى ٢٩٦/٣ و٢٩٨ (٢) الخرشي على خليل ٢٤٣/٤ وهو كلام حسن الجرس، ولكن أي طائل تحته؟ ماداموا هم أنفسهم معترفين بأن الحوالة كالقبض، كما وقع في كلامهم غير مرة، ومن ذلك قول الخرشي نفسه: (بمجرد الحوالة يتحول حق المحتال على المحال عليه، وتبرأ ذمة المحيل لأن الحوالة كالقبض) (الخرشي على خليل ٢٣٥/٤) - ٢٢٠ -