النص المفهرس
صفحات 181-200
حوالة ٢٩ - ٣٠ النقل والتحويل كأحلتك، وأتبعتك، وبالقبول: كل مايدل على الرضا بهذا النقل والتحويل، نحورضيت، وقبلت، وفعلت. ومن القبول: أحلني، أو لتحلني (بلام الأمر)، على الأصح من خلاف فقهي عام، لدلالته على الرضا، ویغني عن إعادته مرة أخری بعد الإيجاب. والإِيجاب عند الحنفية: هوقول الطرف البادىء بالعقد، والقبول هو القول المتمم له من الطرف الآخربأية ألفاظ تدل على معنى الحوالة. ويقوم مقام الألفاظ كل مايدل دلالتها، كالكتابة، وإشارة الأخرس المفهمة، ولو كان الأخرس قادرا على الكتابة فيما اعتمدوه. فالإِیجاب أن يقول كل واحد منهما: قبلت، أو رضيت، أو نحو ذلك مما يدل على الرضا. (١) ويكفي عند الحنفية أن يجري الإيجاب والقبول بين اثنين فحسب أيا كانا من الأطراف الثلاثة لتنعقد الحوالة، لكنها عندئذ قد تنعقد ناجزة أو موقوفة على رضا الثالث بحسب کون الثالث أي الثلاثة هو: (١) البدائع ١٥/٦، فتح القدير على الهداية ٤٤٣/٥ والبحر على الكنز ٢٦٧/٦، ٢٦٨. وقد يطلق القبول - بشيء من التجوز - ويراد به التعبير في مجلس العقد عن الرضا، سواء تمثل في المبادأة أم في التعقيب المتمم (ابن عابدين على الدر ٢٩٠/٤). والأشباه والنظائر بحاشية الحموي ٢٩٩/٢، ومغني المحتاج على المنهاج ٥/٢ أ - فإن جرى الإيجاب والقبول بين المحال والمحال عليه وكان الثالث هو المحيل، انعقدت الحوالة ناجزة دون توقف على إجازته، بناء على رواية الزيادات وهي الصحيحة، وخلافا لرواية القدوري التي اشترطت رضاه، ولو خارج مجلس العقد. ب - وإن كان الثالث هو المحال عليه انعقدت موقوفة على إجازته ولو خارج مجلس العقد. جـ - وإن كان الثالث هو المحال، انعقدت موقوفة أيضا على إجازته ولو خارج مجلس العقد، أخذا بمذهب أبي يوسف الذي اعتمدته المجلة (م/٦٨٣) تيسيرا على الناس في معاملاتهم، وإن شرط أبو حنيفة ومحمد قبوله في مجلس العقد، واعتبره شيوخ الحنفية المصحح في المذهب.(١) تغير الحوالة بألفاظ معينة : ٣٠ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وأكثر المالكية إلى أنه لا تقيد بألفاظ معينة في عقد الحوالة، شأنها في ذلك كسائر العقود، إذ العبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ . (١) البدائع ١٦/٦، ٢٦٩، والبحر على الكنز ٢٦٨/٦، ٢٦٩ خلافا لما قرره صاحب البدائع من اشتراط مجلس العقد. وقد وافقه على ذلك صاحب البحر أولا، ثم عاد في موضع آخر فنقل هو ومحشوه خلافه (أي عدم اشتراط مجلس العقد) عن البزازية والخانية والخلاصة والدرر والغرر. - ١٨١ - حوالة ٣١ - ٣٣ ولذا قالوا: إن الكفالة بشرط أن يبرأ الأصيل، حوالة، والحوالة بشرط ألا يبرأ كفالة فيتبع المعنى جريان أحكام الحوالة أو الكفالة، کما نص عليه في البحر. فإذا اختلفت الأطراف المعنية ولا بينة: أهي كفالة بشرط براءة الأصيل - أي حوالة معنى - أم بدون شرط البراءة؟ فالمصدق هو الدائن الطالب، لأن الأصل بقاء حقه في مطالبة الأصيل، فلا ينتقل إلا بإقراره. فتنعقد عندهم بکل مایفید معناها، کنقلت حقك إلی فلان، أو جعلت ما أستحقه على فلان لك بحقك عليّ، أوملكتك الدين الذي علیه بحقك علي، أو أتبعتك دیناك على فلان، أو اقبض دیني علیہ لنفسك، أو خذ۔ أو اطلب - دینك منه .(١) وذهب بعض المالكية إلى أنه يشترط في الصيغة لفظ الحوالة، واعتمده خليل في مختصره، واشترط لفظة الحوالة دون بدیل، وهو الذي جرى عليه أبو الحسن من أئمة المالكية . (٢) ٣١ - ولا تنعقد الحوالة عند الشافعية بلفظ البيع (١) مجمع الأنهر ١٢٥/٢ وجامع الفصولين ١٦٩/١ والبحر الرائق ٢٣٩/٦ ونصت على ذلك المجلة م (٦٤٨) و(٦٤٩) ومرشد الحيران م(٨٩١) والفتاوى الهندية ٣٠٤/٣ ومغني المحتاج ٢ /١٩٤ وكشف المخدرات ٢٥٤ والإنصاف ١١٥/٥ وغاية المنتهى ١١٤/٢ (٢) اخرشي على خليل ٢٣٣/٤ مراعاة للفظ، وقيل: تنعقد مراعاة للمعنى، كالبيع بلفظ السلم. (١) والمالكية يتوسعون مالا يتوسع غيرهم، وهم بصدد صيغة الحوالة فيقولون : إنها تحصل (ولو بإشارة أو كتابة) ويطلقون ذلك إطلاقا يتناول القادر - على النطق - والعاجز، ثم يعقبون بمقابل ضعيف عندهم - وإن اعتمدہ بعض متأخريهم - قائلين: وقيل: لا تكفي الإشارة والكتابة إلا من الأخرس. (٢) الصيغة : ٣٢ - الصيغة تدل على التراضي ويتناول بحث التراضي العناصر الثلاثة التالية : ١ - رضا المحيل ٢ - رضا المحال ٣ - رضا المحال عليه. ويلاحظ أن رضا المحال والمحال علیه مختلف في اعتبارهما من شرائط الانعقاد أو من شرائط النفاذ . أولا : رضا المحيل : ٣٣ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى (١) مغني المحتاج على المنهاج ٢/ ١٩٤ وكشاف القناع ٣٨٣/٣ (٢) الدسوقي على الشرح الكبير ٣٢٧/٣ وبلغة السالك على أقرب المسالك ١٥٣/٢ - ١٨٢ - حوالة ٣٤ - ٣٥ اشتراط رضا المحيل، وعللوه بأنه مخير في جهات قضاء الدین، فلا تتعین علیه جهة قهرا، كجهة الدين الذي له على المحال عليه. (١) ٣٤ - واشترط الحنفية أن تقع الحوالة عن رضا من المحيل لأنها إبراء فيه معنى التمليك، فيفسدها الإِكراه كسائر التمليكات . (٢) وفي اشتراط رضاه اختلاف بین روايتي القدوري والزيادات: ووجه رواية القدوري الموجبة: أن ذوي المروءات قد يأنفون من أن يحمل عنهم أحد شيئا من دیونهم، فلابد من رضاهم، ثم يطرد الباب كله على وتيرة واحدة. ووجه الرواية الصحيحة النافية: أن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه، والمحیل لا يلحقه به ضرر، بل فيه نفعه عاجلا وآجلا: أما عاجلا فلأنه سيكفي المطالبة بدينه في الحال، وأما آجلا فلأن المحال عليه لا یرجع علیه إن لم یکن بأمره قد قبل حوالة دينه، فلم يبق معنی لاشتراط رضاه. لكن كثيرا من محققي المذهب لا يرون أن هناك في الحقيقة خلافا: فإن القدوري لم يوجب رضا المحيل لنفاذ عقد الحوالة، بل ليسقط بالوفاء دين المحیل في ذمة المحال علیہ ۔ إن کان - ولیرجع هذا إلی المحیل بما أدی عنه إن لم یکن مدینا له. (١) الخرشي على خليل ٢٣٢/٤ ومغني المحتاج على المنهاج ١٩٢/٢ - ١٩٣ والمغني لابن قدامة ٥٨/٥ (٢) البدائع ١٦/٦ فإنه لا رجوع على المحيل ولا سقوط لدينه ما لم يرض(١) ثانيا : رضا المحال : ٣٥ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى وجوب رضا المحال للمعنی نفسه الآنف في رضا المحيل، ولأن الدين حقه، فلا ينتقل من ذمة إلى ذمة إلا برضاه، إذ الذمم تتفاوت يسارا وإعسارا، وبذلا ومطلا، وتتأثر بذلك قيمة الدین نفسه، ولا سبیل إلی إلزامه بتحمل ضرر لم يلتزمه. (٢) واشترط أبو حنيفة ومحمد أن يكون هذا الرضا في مجلس العقد، حتى إذا كان غائبا عن المجلس ثم بلغه خبر الحوالة فأجازها، لم تنفذ الحوالة، لأنها لم تنعقد أصلا إذ أن رضا المحال عندهما ركن في انعقادها. أما عند أبي يوسف فیکتفی منه بمجرد الرضا، أينما كان ولو خارج مجلس العقد، فيكون شريطة نفاذ. وأما الحنابلة فلا يوجبون رضا المحال، إلا (١) فتح القدیر ٤٤/٥، وابن عابدين على الدر ٢٨٩/٤ : اشترط مرشد الحيران رضا الأطراف الثلاثة كشرائط صحة انعقاد في المادة (٨٨٢)، ولكنه بعد أن اشترط رضا المحيل لصحة الحوالة في هذه المادة عاد في المادة (٨٨٧) إلى عدم اشتراط رضا المحيل لصحة الحوالة، وإنما للرجوع عليه. أما المجلة فقد صححت في المادة (٦٨١) الحوالة المنعقدة بين المحال والمحال علیه وحدهما. (٢) فتح القدير على الهداية ٤٤٤/٥ - ١٨٣ - حوالة ٣٥ - ٣٦ على احتمال ضعيف عندهم. بل يجبر المحال على القبول، إذا كان المحال عليه مليئا غير جاحد ولا مماطل. وقال بعض الحنابلة: يستغنى بتاتا عن قبول المحال، فإن قبل فذاك، وإن لم يقبل فلا بأس، والحوالة نافذة برغمه . (١) قال صاحب الإِنصاف: في رواية عن الإِمام أحمد: لا يبرأ المحيل إلا برضا المحال. فإن أبى أجبره الحاكم، لكن تنقطع المطالبة بمجرد الحوالة .. وقيل: يتوجه أن للمحال مطالبة المحيل قبل إجبار الحاكم . ومبنى الروايتين: أن الحوالة هل هي نقل للحق أو تقبيض؟ فإن قلنا: هي نقل للحق، لم يعتبر لها قبول. وإن قلنا: هي تقبيض، فلابد من القبض بالقول، وهو قبولها. فيجبر عليه المحال. ا.هـ. واستدل الحنابلة بظاهر حديث أبي هريرة عند الجماعة: قال رَّةٍ: ((مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)). ويفسره لفظ (١) فتح القدير على الهداية ٥ /٤٤٤ وأبو السعود على ملا مسكين ٢٠/٣ وبرأي أبي يوسف أخذت المجلة في المادة (٦٨٣) فاعتبرت رضا المحال شريطة نفاذ إذا عقدت الحوالة بإرادة الطرفين الآخرين. والخرشي على خليل ٢٣٢/٤ - ٢٣٣ والمهذب ٣٣٧/١ - ٣٣٨ والفروع ٦٢٦/٢ والإنصاف ٢٢٨/٥ وقواعد ابن رجب ص٣٢ أحمد وابن أبي شيبة: ((ومن أحيل على مليء فليحتل)). (١) فقد أمر صلوات الله عليه الدائن بقبول الحوالة أو الالتزام بمقتضاها، والأمر بأصل وضعه للوجوب، ولیس هنا ما يصرفه عن هذا الأصل. كما استدلوا بالمعقول: فإن الدائن الذي یہیء له مدینه مثل دینه عدا ونقدا من يد أخرى فيأبى أن يأخذه، ويصر على أن ينقده إياه مدينه بالذات، لا يكون إلا متعنتا معاندا. (٢) ثالثا : رضا المحال عليه : ٣٦ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنابلة والمالكية في المشهور عندهم والشافعية في الأصح) إلى أنه لا يشترط رضا المحال عليه لقول الرسول ول# ((من أحيل على ملىء فليتبع))(٣) ولم يقل على ملىء راض)). (٤) ولأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره كما لو وكل غيره بالاستيفاء. وذهب الحنفية في المشهور عندهم إلى اشتراط رضا المحال علیه سواء أكان مدینا أم لا ، وسواء أتساوی الدینان أم لا ، لأن الناس (١) الحدیثان تقدم تخريجهما ف/ ٧ (٢) الإنصاف ٢٢٨/٥ والمهذب ٣٣٨/١ (٣) حديث: ((من أحيل على مليء ... )) سبق تخريجه ف/٧ (٤) الرهوني على خليل ٣٩٥/٥ وبداية المجتهد ٢٩٩/٢ ومغني المحتاج ١٤٩/٢ والمغني لابن قدامة ٦٠/٥ - ١٨٤ - حوالة ٣٧ - ٣٨ يتفاوتون في تقاضي ديونهم رفقا وعنفا، ويسرا وعسرا، فلا يلزم من ذلك بما لم يلتزمه . وقياسا على المحال فإن المحال عليه مثله في أنه طرف في الحوالة لا تمام لها بدونه فليكن مثله في اشتراط رضاه. (١) اختلاف المتعاقدين في أن المقصود بالحوالة وکالة : ٣٧ - قد يختلف المحيل والمحال في حقيقة العقد الواقع بينهما: هل كان حوالة أو وكالة عن المحیل بقبض الدين من المحال عليه . ٣٨ - وفي هذه المسألة عند الحنفية احتمالان: أ - إما أن يختلفا في اللفظ المستعمل بينهما نفسه: هل كان لفظ الحوالة أو الوكالة؟ ب - وإما أن يتفقا على أن اللفظ المستعمل بينهما كان لفظ الحوالة ولكن المحیل یقول: إنه إنما أراد بذلك وكالة بقبض دين له على الثالث، أما المحال فيدعي أن المقصود بالحوالة معناها الظاهر المتبادر الحقيقي وليس الوكالة . ففي الحالة الأولى : يكون من الواضح أن القول للمحيل في عدم الحوالة لأنها عقد ملزم، فلا يثبت عليه إلا ببينة، إذ الأصل عدمه وعلى مدعيه إثباته . وفي الحالة الثانية : يقبل في القضاء زعم المحيل بيمينه أنه إنما أراد الوكالة، لأن لفظ (١) فتح القدير على الهداية ٥ /٤٤٤، والبحر على الكنز ٢١٧/٦ الحوالة صالح لمعنى الوكالة أيضا بطريق المجاز ومستعمل بمعناها في العرف الفقهي، كما وقع في كلام محمد بن الحسن وغيره، ولاسيما أن : الأصل عدم الحوالة وبقاء حق المحيل دينا، فإذا أنكر المحيل ولا بينة، لم يكن عليه إلا اليمين، لنص الحديث المشهور: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)). (١) ولا يكون استعمال لفظ الحوالة بمثابة إقرار من المحيل بدين عليه للمحال مادام لفظها صالحا لمعنى الوكالة. وبهذا الأصل يتمسك لقول محمد - في رواية ابن سماعة - أن للمحيل أن يقبض المال في غيبة المحال، وأن ینهی عن دفعه إليه بدعوى أنه حين أحاله إنما أراد توکیله. وإن کان الذي رواه بشر- واعتمدوه ویعزی إلی أبي یوسف - خلاف ذلك، بناء على أن تصديقه في دعواه هذه هو من قبيل القضاء على الغائب. نعم إذا كان في صيغة التعاقد نفسها - وراء ظاهر اللفظ - مايكذب هذا الادعاء، فلا سبيل إلى قبوله، ولذا ينصون على أنه إذا وقعت الحوالة بصيغة : اضمن عني کذا من المال لفلان، کانت دعوی الوكالة كذبا مرفوضا، لأن الصيغة لا تحتملها . (٢) (١) حديث: ((البينة على المدعي واليمين ... )) أخرجه البيهقي (٢٥٢/١٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبداللهبن عباس، وإسناده صحيح . (٢) الزيلعي على الكنز ١٧٣/٤، والفتاوى الهندية ٣٠٤/٣ وأبو السعود على ملا مسکین ٢٢/٣ - ١٨٥ - حوالة ٣٩ - ٤١ ٣٩ - وقد ذهب بعض الحنفية إلى أن قبول قول المحيل بأن الحوالة كان المقصود بها وكالة، وتعليله بأن كلمة الحوالة مستعملة في الوكالة، فلا تكون إقرار بدين المحال، لا يستقيم إلا بناء على أن كلمة الحوالة مستعملة في المعنيين (معني الحوالة، ومعنى الوكالة) على سواء، لتكون من قبيل اللفظ المشترك، ولا يكفي أن يكون استعمالها في الوكالة من قبيل المجاز المتعارف - إلا عند الصاحبين - لأن الحقيقة مقدمة على المجاز عند الإِمام، ولذا تكلف شمس الأئمة السرخسي فحمل المسألة على : ما إذا ادعى المحال أن ما على المحال عليه ليس إلا ثمن مال له هو، وأن المحیل کان وکیلا عنه في بیعه. فالدین دینه هو، وقد وصل إليه حقه. وإذن يكون القول للمحيل، لأن أصل المنازعة وقع بینهما في ملك ذلك المال، والید کانت للمحیل فالظاهر أنه له. وعلق عليه الكمال بن الهمام بقوله: (ظاهره تخصيص المسألة بنحو هذه الصورة، وليس كذلك بل جواب المسألة مطلق في سائر الأمهات، والحق أن لا حاجة إلى ذلك بعد تجويز كون اللفظ : (أحلتك بألف) يراد به ألف للمحيل، لأن ثبوت الدين على الإِنسان لا يمكن بمثل هذه الدلالة، بل لابد من القطع بها من جهة اللفظ أو دلالته، مثل: له عليّ أو في ذمتي، لأن فراغ الذمة كان ثابتا بيقين فلا يلزم فيه ضرر شغل ذمته إلا بمثله من اللفظ، ومنه قوله: اتزنها، في جواب: ((لي عليك ألف)) للتيقن بعود الضمير في اتزنها على الألف المدعاة بخلاف مجرد قوله: أحلتك). (١) ٤٠ - ويترتب على ذلك: أ - أنه إذا كان المحال قد قبض بالفعل دين الحوالة، التي أنكر المحیل حقيقتها، بدعوى أنها وکالة، فإنه يؤمر برد ما قبضه إلى المحیل، إذ قد سقط - بسقوط دعواه - حقه فيه . ب - إذا كان المحيل صادقا في دعواه - وليس كاذبا يريد الحيلة - فإن الحوالة لا يكون قد طرأ عليها أي تغيير، إلا بحسب ظاهر الحال، وهي إذن لم تنعقد من الأصل حوالة حقيقية، بل وكالة. (٢) ٤١ - رأي غير الحنفية: الذي قرره الحنفية في هذه الحالة، هو قول المزني عند الشافعية، وقد اعتمدوه، لأن الأصل بقاء الدين في محله، ولكن أبا العباس بن سریج منهم ينازع فيه، وعنده أن مدعي الحوالة هو الذي يصدق بيمينه، لأن استعمال صيغة الحوالة بلفظها یؤیده، فالظاهر معه، كما لوتنازع اثنان على ملك دار، وهي في يد أحدهما، وسيأتي الفصل في الموضوع وفق القواعد المقررة (ر: ف/٤٢). وواضح أن حكم المسألة يبقى كما هو، إذا (١) فتح القدير ٤٥٠/٥ (٢) ابن عابدين على الدر ٢٩٣/٤ - ١٨٦ - حوالة ٤٢ - ٤٣ كان النزاع منصبا على اللفظ الذي استعمل : أكان لفظ الحوالة أم لفظ الوكالة . والفرض أن لا بينة لأحدهما، وإلا عمل بها في هذه الصورة الأخيرة لإمكانہا، وهذا مما نص عليه الشافعية، كما نصوا على أن منكر الحوالة هو في معتمدهم المصدق على كل حال - لأن الأصل معه - ولو كان منكرها وزاعم الوكالة هو المحال نفسه لأمرما، كما لوتبين له إفلاس المحال علیه . ومن أهم ما صرحوا به أيضا أن محل الخلاف إنما هو فيما إذا كان المحيل مقرا بدين المحال، وإلا فلا يتجه سوى تصديق المحيل، وللمحال تحلیفه على نفي دينه، لأنه، أي المحیل، متمسك عندئذ بنفس الأصل الأول الذي لا تتحقق حوالة إلا بعد تحققه وهو کونه مدینا للمحال . وكما وافق الشافعية - في المعتمد لديهم - الحنفية في الأصل، وافقوهم في الاستثناء أيضا - إذ هو مما لا يقبل النزاع، فذكروا أنه إذا كان في صيغة التعاقد ما یکذب المحیل - كما لو قال : أحلتك بالمائة التي لك في ذمتي على فلان مديني - فالقول قول المحال عندئذ، لأن هذا لا يحتمل غير الحوالة وكل ما قرره الشافعية، أصلا واستثناء ووفاقا وخلافا وترجيحا، ذكره الحنابلة حذو القذة بالقذة. ٤٢ - والقولان اللذان ذكرهما الشافعية يوجدان أيضا عند المالكية. فابن القاسم یری رأي المزني، وابن عبدالملك يرى رأي أبي العباس، وإن كان الذي يوجد لكل منهما إنما هو نصوص جزئیة قام أصحابهما بتخريج نظائرها عليها، وقد جرى خليل على الثاني، ولكنهم نقدوه وآثروا الأول. (١) ومن آثار هذا الخلاف: فيما نص عليه الشافعية والحنابلة حالات واحتمالات تختلف في الأحكام تبعا لما إذا كان منكر الحوالة ومدعي الوكالة هو المحيل أو المحال. وتفصيل ذلك كما يلي: ٤٣ - الحالة الأولى - حين يكون المحيل هو منكر الحوالة : أ ۔ فعند من یقولون بترجیح زعم مثبتھا (وهو المحال) تثبت الحوالة بيمينه وتترتب عليها آثارها، وفي طليعة هذه الآثار براءة المحيل، ومطالبة المحال عليه . ب - وعند من يقولون بترجيح زعم منكرها (وهو المحيل) تنتفي الحوالة وتثبت الوكالة بيمينه، ثم تبرز بعد ذلك احتمالات ثلاثة: لأن المحال إما أن يكون قد قبض المال من المحال عليه، أولم (١) مغني المحتاج على المنهاج ١٩٧/٢ ونهاية المحتاج ٤ /٤١٧ والمغني لابن قدامة ٦٣/٥ - ٦٤ والفروع ٦٢٩/٢ ومطالب أولي النهى ٣/ ٣٣١ والخرشي على خليل ٢٣٧/٤ وكلامهم إنما هو في حالة الاتفاق لى وقوع العقد بلفظ الحوالة، ولكن حالة الاختلاف في اللفظ أولى بما رجحوه. - ١٨٧ - حوالة ٤٤ - ٤٦ يقبضه، وفي الحالة الأولى: إما أن يكون المال باقیا عنده أو هالکا . ٤٤ - الاحتمال الأول: أن المحال لم يقبض المال : في هذه الحالة ينعزل الوكيل من الوكالة بإنكاره إياها، فلا يكون له الحق في القبض من المحال عليه، وهل يرجع بدينه على المحيل؟ الصواب: نعم، لأن المحيل ينكر الحوالة، وقيل: لا يرجع، مؤاخذة له بقول نفسه لأن مقتضى الحوالة التي يدعيها براءة المحيل، وثبوت حقه على المحال عليه - ولو قبضه المحيل منه - لأنه في نظره وزعمه ليس إلا قبض ظالم ما ليس له بحق . ٤٥ - الاحتمال الثاني : أن المحال قبض المال، ومازال عنده : في هذه الحالة يكون على المحال رد ما قبضه إلی المحیل، وللمحیل استرداده منه، ثم يرجع هو على المحیل بدینه، لأنه إن كان محالا فقد استرد منه المحيل ما قبضه على أساس الحوالة فعلى المحيل أن يفيه دينه، وإن كان وكيلا فحقه باق في ذمة المحيل. هکذا قالوا، مع تسلیمهم بأنه دائن، ولم يقولوا بالمقاصة، لأن الذى بيده عين والذي له دين، والمقاصة عندهم إنما تكون بين دينين متساويين جنسا وقدرا وصفة: فليس لها هنا موضع . نعم إن خشي ضیاع حقه كان له، بينه وبين الله، أخذ ما معه على سبيل الظفر بالحق . وهناك من يقول: ليس للمحال حق الرجوع بدینه، مؤاخذة له بمقتضى قوله، لأنه بإقراره بالحوالة مقر ببراءة ذمة المحيل من هذا الدين. ٤٦ - الاحتمال الثالث : أن المحال قبض المال، ولکنه هلك عنده : فلا حق للمحيل على المحال، ولا للمحال على المحيل، سواء أكان التلف بتفريط منه أم بدون تفريط . فإن كان بتفريط، فلأنه إما ماله قد تلف بيده، وذلك إذا كان في الواقع صادقا في زعمه الحوالة، وإما مال لزمه ضمانه، فيثبت عليه مثل ما له عند المحيل ويتقاصان . وأما إن كان بغير تفريط، فلان المحيل مقر بأن المال إنما تلف في يد أمينه، أي وكيله بمقتضى دعواه، والفرض أن لا تعدي. وإن کان البغوي من كبار الشافعية، ينازع في هذا، بناء على أن أخذ الوكيل لنفسه يوجب ضمانه ويقول: إنه يضمن لثبوت وكالته، كما أنه، أي المحال، مقر بأنه قد استوفى حقه، وتلف عنده . (١) (١) نهاية المحتاج على المنهاج بحواشيه ٤ /٤١٧ ومغني المحتاج ١٩٧/٢ والمهذب ٣٣٩/١ والمغني لابن قدامة ٦٤/٥ و ٦٥ والفروع ٦٢٩/٢ - ١٨٨ - حوالة ٤٧ - ٥٠ ٤٧ - (الحالة الثانية): حين يكون المحال هو منكر الحوالة : أ - فعند من يقولون بترجيح زعم مثبتها (وهو المحيل): تثبت الحوالة بيمينه، وتترتب عليها أحكامها، فيبرأ المحيل، ويطالب المحال عليه، ثم ما قبض منه یکون للمحال، لأنا إذا نظرنا إلى جانب المحيل، فهذا هو مقتضى الحوالة التي أقر هوبها، وإذا نظرنا إلى جانب المحال، فإنه ظافر بجنس حقه الذي يأبى المحيل تسليمه إليه . ب - أما عند من يقولون بترجيح زعم نافيها (وهو المحال) فتثبت الوكالة بيمينه ويعتبروكيلا بالقبض عن المحيل، كما أن المحيل في تمسكه بأن العقد كان حوالة يكون معترفا بدين المحال في ذمته . ثم الاحتمالات بعد ذلك ثلاثة: لأن المحال إما أن يكون قد قبض المال من المحال عليه، أو لم يقبضه، وفي الحالة الأولى: إما أن يكون المال باقیا عنده أو هالكا . ٤٨ - (الاحتمال الأول) أن المحال لم يقبض المال : وفي هذه الحالة يأخذ المحال حقه من المحيل، ثم يكون للمحيل مطالبة المحال عليه بدینہ، لأن الواقع إن کان وکالة۔ کما ثبت ظاهرا - فدينه مازال في ذمة مدينه لم يقبضه الوكيل بعد، وإن كان في الواقع حوالة، فإن المحال لم يعمل بمقتضاها، لأنها اعتبرت في الظاهر وكالة، وبدلا من أن يأخذ المحال حقه من المحال عليه، أخذه من المحيل ظلما وعدوانا، فیکون له - رغم إقراره بأن ما في ذمة المحال عليه هو للمحيل - أن يأخذه لنفسه وفاء بما أخذه المحال منه، کالظافر بجنس حقه، وهذا هو الذي رجحه ابن المقري من متأخري الشافعية والقاضي من الحنابلة. وإن كان ثم من يمنعه من أخذه، وقوفا عند مؤاخذته بإقراره هذا. ٤٩ - (الاحتمال الثاني) أن المحال قبض المال، ومازال عنده : في هذه الحالة يكون له الحق في تملك ما قبض. لأنه مع ثبوت الوكالة يعتبر ظافرا بجنس حقه الذي يأبى المحيل تسليمه إليه تمسكا بالحوالة التي تتضمن إقرار المحيل له بدينه . ٥٠ - (الاحتمال الثالث) المحال قبض المال، ولكنه هلك عنده : وفي هذه الحالة - تفريعا على الوكالة التي ثبتت - إن كان قد تلف بتفريط منه لزمه ضمانه، وثبت عليه مثل ما له في ذمة المحيل، فیتقاصان، وإن کان من غیر تفريط، فقد هلك على صاحبه وهو المحيل، ويرجع هوبدينه - ١٨٩ - حوالة ٥١ - ٥١م عليه، وعلى كل حال يبرأ المحال عليه، بالدفع إلی المحال، لأنه إن كان محالا ، فذاك حقه، وإن کان وکیلا، فقد دفع إليه بمقتضى عقد الوكالة. ٥١ - تنبيه: عدم تضمين المحال في هذه الحالة الأخيرة عندما يتلف المال بيده دون تفريط - ولها نظائر - مبني على أنه إذا انتفت الحوالة في هذا التنازع المشروع ثبتت الوكالة، وقد عبر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في المهذب بذلك فعلا : فهو يقول في هذا الشق من القضية (وإن قلنا بقول المزني، وحلف المحال ثبت أنه وکیل)، كما عبر به البغوي في خلافيته الآنفة الذكر (ر: ف/ ٤٢). ولكن الجويني يحكي وجها آخر بتضمين المحال، ويعلله بأن الأصل فيما يتلف في يد إنسان من ملك غيره هو الضمان، ولا يلزم من تصديقه في نفي الحوالة، ليبقى حقه، تصديقه في إثبات الوكالة لیسقط عنه الضمان. کما إذا اختلف المتبایعان في قدم العيب وحدوثه، وصدقنا البائع بيمينه في منع الرد بذا العيب، ثم وقع الفسخ، بتحالف أو غيره، فإنه لا يمكّن من المطالبة بأرش ذلك العيب، ذهابا إلى أنه حادث بمقتضى يمينه.(١) [ولعل مثل هذا الملحظ هو الذي حدا (١) المهذب ٣٣٩/١ ونهاية المحتاج ٤١٧/٤ ومغني المحتاج ١٩٧/٢ - ١٩٨ والمغني لابن قدامة ٦٥/٥ و ٦٦ بالمتأخرين من الشافعية إلى العدول عن عبارتي الشيرازي والبغوي إلى مثل قولهم: (وبالحلف تندفع الحوالة)، ولكنهم لم يعولوا على هذا الوجه، بل ولم يلتفتوا إليه بأكثر من هذه الإشارة - إن صح - أنها مقصودة ومضوا في التفريع على أساس ثبوت الوكالة]. مجلس العقد : ٥١م - ذهب المالكية في المشهور عندهم والشافعية في الأصح إلى أن الحوالة تنعقد بالإِيجاب من المحيل، والقبول من المحال. ولا یکون قبولا بمعناه المتبادر عند الإطلاق، بلا قرينة صارفة إلا في مجلس العقد وهو مجلس علم المحال بالإِيجاب غير المرجوع عنه بكتابة أو غيرها . ويجبر المحال على القبول عند الحنابلة إذا أحيل على مليء. أما المحال عليه فلا يشترط رضاه، لا في العقد ولا خارجه، لأنه مدین للمحيل، فلا شأن له بمن هو مكلف بالتأدية إليه أو إلى من يختاره. لكن الإيجاب من المحيل کاف وحده عند الحنابلة، فھم یکتفون في مجلس العقد بإيجاب المحيل فقط . ويشترط بعض المالكية حضور المحال عليه وإقراره، أو حضوره وعلمه .(١) (١) الخرشي على خليل ٢٣٢/٤ والمنتقى على الموطأ ٦٩/٥ ومغني المحتاج ٥/٢ وشرح ابن سودة للتحفة = - ١٩٠ - حوالة ٥٢ - ٥٣ واشترط ابن القاسم من المالكية حضور المحال عليه وإقراره أو حضوره وعلمه، ووافقه من المالكية طائفة کبیرة کابن يونس وابن عرفة وأبي الحسن، حتى لقد استنبط ابن سودة في شرح التحفة من اجتماع كل هؤلاء أن هذا الرأي هو المعتمد، وبناء عليه تفسخ الحوالة على الغائب. وبالرغم من ذلك فالذي جرى علیه خلیل والقرافي وابن سلمون - واشتهر عند المالكية - عدم اشتراط هذه الشريطة وهو في الأصل قول ابن الماجشون وينسب إلى مالك نفسه، (١) وعليه عامة الموثقين والأندلسيين. (٢) وهو قول من عدا المالكية من الفقهاء. (٣) ٥٢ - وذهب الحنفية إلى أن شريطة الإيجاب والقبول أن يكونا بمجلس واحد هو مجلس ٣٣/٢ ومطالب أولي النهى ٣٢٧/٣. نص مرشد = الحيران في المادة ٨٨٢ على عدم اشتراط حضور المحال عليه مع اشتراط رضاه. كما قررت المجلة في المادة ٦٨٢ صحة الحوالة المنعقدة بين المحيل والمحال دون حضور المحال عليه، إذا أخبر بها وقبلها. (١) هذا صحیح استنباطا من نصوصه. فقد قال فیمن أحيل عليه بأكثر من الدين الذي عليه: ((تكون حوالة في مقداره، حمالة في الباقي)) فإنه صريح في أنه لا يشترط إقراره، وإذا كان لا يشترط إقراره ولا الكشف عن ذمته فلا معنی لاشتراط حضوره. (٢) الخرشي على خليل ٢٣٥/٤ وحواشي التحفة للعراقي ٣٣/٢ - ٣٤ (٣) ابن عابدين ٢٩٠/٤ ومغني المحتاج ١٩٧/٢ - ١٩٨ ومطالب أولي النهى ٣٢٧/٣ العقد، وقد يسمى: محل الإِيجاب، وقد عرفنا أن كلا من الابتداء والتعقیب یمکن أن یکون · من كل واحد من الأطراف الثلاثة لكل حوالة، وبذلك تنعقد الحوالة إلا أنها تكون ناجزة أو موقوفة، نحو ما أسلفناه (ر: ف/ ٢٩). وقد لخصه صاحب النهر من الحنفية - على طريقة أبي حنيفة ومحمد - بقوله: (الشرط قبول المحتال في المجلس، ورضا المحال عليه ولو غائبا). (١) الشروط التي يشترطها الأطراف : ٥٣ - يشترط الحنفية كما سبق (ر: ف/ ٢٤) في صيغة الحوالة عدم وجود شرط غير جائز، من مبطل، كالتعليق والتأقيت، أو مفسد كالتأجيل إلى أجل مجهول جهالة فاحشة. ففي جامع الفصولين: (إن تعليق التمليكات والتقييدات لا يجوز، فالتمليك، كبيع وهبة وإجارة، وأما التقييد فكعزل الوكيل وحجر المأذون). (٢) (١) ابن عابدين على الدر المختار ٢٩٠/٤ وعلى وزانه يقال - على طريقة أبي يوسف التي آثرناها -: ((الشريطة قبول أحدهما في المجلس، ورضا الآخر ولو غائبا)) وواضح أنه عندما يقال: قبول في مجلس العقد یکون المفروض سبق الإيجاب فيه نفسه. (٢) جامع الفصولين ٢/٢ والبحر ٢٤١/٦، وستأتي قريبا أمثلة هذه الأنواع من الشروط . - ١٩١ - حوالة ٥٤ - ٥٧ وهذا النص ينطبق على الحوالة، لما فيها من معنى المعاوضة والتقييد أيضا، إذ كل من المحال والمحال عليه يلتزم بها التزامات جديدة. ٥٤ - أما التأقيت، والتأجيل إلى الأجل المجهول جهالة فاحشة: فلأن التأقیت ینافي طبيعة الحوالة - أعني نقل الدين - فلوقبل الحوالة قابل لمدة سنة واحدة، مثلا، فلا حوالة أصلا، ولأن التأجيل بالأجل المجهول جهالة فاحشة يفضي إلى النزاع المشكل، مثال ذلك: أن يقول الملتزم : قبلت حوالة الدين الذي لك على فلان، على أن أؤديه إليك عند هطول المطر، أو عند هبوب الريح، وهذا شرط لا منفعة فيه لأحد فيلغو، وتكون الحوالة حالة بخلاف التأجيل بالأجل المعلوم كغاية شهر كذا، أو المجهول جهالة محتملة کموسم حصاد القمح هذا العام، فإنه تأجيل بأجل متعارف، ولا غرر فیه أصلا، أولا غرر يذكر. وصرح فقهاء الحنفية في الحوالة بأن تأجيل عقدها لا يصح، ولكن تأجيل الدين فيها يصح، فلوقال لآخر: ضمنت بما لك على فلان علی أن أحیلك به علی فلان إلی شهر، انصرف التأجيل إلى الدين لأن تأجيل عقدها لا یصح .(١) ٥٥ - ومقتضى قواعد المالكية الحكم بصحة أن (١) ابن عابدين ٢٦٦/٤، ٢٩٥ والبحر ٢٤١/٦ يشترط البائع على المشتري أن يحيل عليه دائنه، وهذا على ما قرره أبو إسحاق التونسي المالكي من الاكتفاء بأن يكون الدين في الحوالة مقارنا لثبوتها ولا يشترط أن يكون سابقا عليها . وعند الشافعية أنه لوشرط العاقد في الحوالة رهنا أو ضمينا فالمعتمد أنه لا يجوز، وقالوا في خيار الشرط: إنه لا يثبت في عقدها لأنه لم يبن على المغابنة . ويرى الحنابلة أن الحوالة لا يدخلها خيار وتلزم بمجرد العقد، ويرون كذلك أنه لو شرط على المحتال أن يؤخر حقه أو يؤخر بعضه إلى أجل ولو معلوما لم تصح الحوالة، لأن الحال لا يتأجل بالتأجيل . (١) أطراف الحوالة : أولا - المحيل وشرائطه : ٥٦ - يشترط في المحيل عدة شرائط لصحة العقد، وشريطة واحدة لنفاذه (ر: ف / ٩٤). فشرائط صحة الحوالة في المحيل نوعان : النوع الأول : شرائط تتعلق بأهلية المحيل : ٥٧ - أ- العقل: يشترط في المحيل أن يكون عاقلا، فلا تنعقد حوالة المجنون والصبي اللذين لا تمييز لديهما. إذ العقل من شرائط أهلية التصرفات كلها . (١) مغني المحتاج ١٩٥/٢ وكشاف القناع ٣٨٣/٣ - ٣٨٥ وبداية المجتهد ٢ / ١٦٠ - ١٩٢ - حوالة ٥٨ - ٦٠ ب - نفاذ التصرفات المالية : ذهب بعض الفقهاء إلى أن الحوالة تصح من المحجور عليه لفلس بشريطتين: إذن القاضي، وعدم ظهور دائن آخر. وعليه بعض الشافعية . ولكنهم ضعفوه، لأن الحجر لحق الغرماء بعامة، وقد یکون ثم دائن آخر في الواقع ونفس الأمر. والرأيان يردان في حوالة السفیه بإذن وليه، إلا أن القول بالجوازهنا في حالة الحجر للسفه أقوى، حتى لقد قطع به إمام الحرمين. ويرى كثير من الفقهاء أن الإِجازة اللاحقة لتصرف السفيه كالإِذن السابق. ومن هؤلاء الحنفية والمالكية. فإذا كان الدين على اثنين فأحالا به، وأحدهما نافذ التصرف والآخر بخلافه - أو كانا هما المحال عليهما معا، وأحدهما غير نافذ التصرف - فيجري فيه الخلاف المعروف في نتيجة تفريق الصفقة . (١) النوع الثاني : مديونية المحيل للمحال: ٥٨ - صرح المالكية والشافعية والحنابلة بأن من شروط الحوالة، أن يكون المحيل مدينا للمحال ولو بدین حوالة سابقة، أو دین کفالة، أوبدین مرکب من هذا كله أو بعضه. وعللوه بأن لیس من المتصور حوالة دين لا وجود له. ويثبت الدين بطرق الإِثبات المقررة فقها، وينص المالكية على الاكتفاء بإقرار المحال بثبوته . (١) مجمع الأنهر ٤٢٢/٢، ٤٢٣، ٤٢٦، والخرشي على خليل ٢٠٤/٤ ومغني المحتاج على المنهاج ١٤٨/٢، ١٧٢ واشترط الحنفية أن يكون المحیل مدینا للمحال. وإلا كانت الحوالة على مدين وكالة بالقبض، أوهبة دين، أوبيع دين من غيرمن هو عليه، وهذه الهبة وهذا البيع باطلان عندهم.(١) ثانيا : المحال وشرائطه : ٥٩ - يشترط جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية) في المحال لانعقاد الحوالة أن يكون عاقلا، لأن قبوله الحوالة شريطة أورکړ فيها، وغير العاقل ليس من أهل القبول، فلا يصح احتيال مجنون ولا صبي غير مميز. ولم يتعرض الحنابلة لهذا الشرط، لأنهم لا يشترطون رضا المحال ـ إلا على احتمال ضعيف لهم - بل المحال عندهم يجبر على القبول إذا أحيل على مليء. (٢) ثالثا : المحال عليه وشرائطه : ٦٠ - أن المحال عليه أجنبي على الأصح - عن (١) ابن عابدين على الدر المختار ٤٨١/٤ ومغني المحتاج ١٩٨/٢ والمغني لابن قدامة ٥٦/٥، ٦١ ٦٩ والخرشي على خليل ٢٣٣/٤ ونهاية المحتاج على المنهاج ٤ / ٤١٠، ونیل المآرب ٣٨٢/١ (٢) الخرشي على خليل ٢٣٢/٤، ٢٣٣ والمهذب ٣٣٧/١، ٣٣٨، وقد أخذ بهذه الشريطة مرشد الحيران في المادة ٨٨٠ والمجلة في المادة ٦٨٤، والفروع ٦٢٦/٢ والإنصاف ٢٢٨/٥ وقواعد ابن رجب ٣٢ - ١٩٣ - حوالة ٦١ عقد الحولة عند أكثر منكري الحوالة المطلقة - وإذن فليس يشترط فيه شيء من هذه الشرائط التي يذكرها الحنفية سوى مراعاة مصلحة القاصر، لأنه عندهم ليس إلا محل استيفاء الحق كالدار يكون فيها المتاع، أو الكيس تكون فيه النقود. ويشترط في المحال عليه عند الحنفية أن يكون متمتعا بأهلية الأداء الكاملة، وذلك بأن تتوافر فيه الصفتان التاليتان : الأولى : الأهلية : ٦١ - أن يكون عاقلا، لما قدمناه في المحال، فلا تصح الحوالة على مجنون أو صبي لا تمییز له. كما يشترط أن يكون بالغا، فلا يصح من الصبي قبولها بحال، قياسا على الكفالة، وما دام ليس في ذمته ولا عنده للمحیل ما يفي بالدين المحال به، لأن قبول هذه الحوالة حينئذ تبرع ابتداء، إن كانت الحوالة بأمر المحيل، وتبرع ابتداء وانتهاء إن لم تكن بأمره، إذ لا يملك حق الرجوع عليه في هذه الحالة الأخيرة، سواء بعد ذلك أكان الصبي مأذونا في التجارة أم غير مأذون، بل وسواء قبوله بنفسه وقبول وليه له، لأنه من التصرفات الضارة، فلا یملکه الولي. والتقیید - بکونه ليس في ذمته ولا عندہ للمحیل ما یکفي ۔ليس في كلام الحنفية. ولكن ابن عابدين استظهره في حاشيته على البحر فإذا اختل هذا القيد - بأن كان في ذمته أو عنده للمحیل ما یکفي سداد دينه۔ فينبغي ألا يشترط بلوغه لأصل انعقاد الحوالة، بل لنفاذها، فتنعقد موقوفة على إجازة وليه إن کان دون البلوغ. وعندئذ ينبغي أن تكون شريطة البلوغ هذه شريطة نفاذ مطلوبة في المحال عليه بالنسبة إلى الحوالة المقيدة بالدين الذي عليه، لأن فيها معنى المعاوضة انتهاء، حيث يقضى فيها دين بدين بطريق التقاص، فتحتاج إلى إذن الولي أو إجازته . أما إذا كانت الحوالة مطلقة فإن بلوغ المحال عليه عندئذ شريطة انعقاد لابد منها ، لأنها كما قال صاحب البحرهنا: إن كانت بأمر المحيل كانت تبرعا ابتداء، معاوضة انتهاء، وإن كانت بدون أمره كانت تبرعا ابتداء وانتهاء فهي من المضار التي لا يملكها على الصغير وليه كسائر التبرعات، فلا تصح من غير البالغ ولو بإذن وليه أو إجازته . وكون المحال عليه مدینا للمحيل أو عنده مال له لا يمنع إطلاق الحوالة دون ارتباطها بالدين أو المال الذي للمحیل عنده، إلا أن یقال : إنها عندئذ تنعقد مقیدة حکما بهذا المال أو الدين ولو صدرت بصيغة مطلقة، وتكون موقوفة - ١٩٤ - حوالة ٦٢ - ٦٣ على إجازة الولي، فليتأمل. (١) الثانية : قدرة المحال عليه على الوفاء بما التزم به : ٦٢ - يشترط الحنفية في المحال عليه أن يكون قادرا على تنفيذ الحوالة، فلوقبل الحوالة مقيدة بشرط الإِعطاء من ثمن دار المحيل، فهي حوالة فاسدة، لأنه لا يقدر على بيع دار لیست له. فإن كان ثم إذن سابق من صاحب الدار ببيعها صحت الحوالة، لانتفاء المانع، لكنه لا يجير على البيع، وإن كان وجوب الأداء في الحوالة متوقفا عليه، فإذا باع الدار مختارا يجبر على الأداء، كما لو قبل الحوالة إلى الحصاد، فإنه لا يجبر على الأداء قبله. وكذا لوقبل الحوالة على أن يؤدي من ثمن داره هو، فإنه لا يجبر على الأداء حتى يبيع مختارا، لكن إن شرط قيامه بهذا البيع في صلب عقد الحوالة أجبر علیه، قياسا على الرهن، إذا شرط فيه بيع المرهون عند عدم الوفاء، فإنه يكون شرطا ملزما، لا يملك الراهن الرجوع فيه. هكذا جمع صاحب الظهيرية بين قولين: (أحدهما) إطلاق الإِجبار، (والثاني) إطلاق عدمه، فحمل الأول على حالة الاشتراط، والثاني على عدمه. (٢) (١) حواشي ابن عابدين على البحر ٢٦٨/٦، والمهذب ٣٣٨/١ والإنصاف ٢٢٨/٥ (٢) البحر على الكنز ٢٦٩/٦ وابن عابدين على الدر = ملاءة المحال عليه : ٦٣ - لم يشترط الحنفية، ولا الشافعية، ملاءة المحال عليه . ويرى المالكية أن حق المحتال يتحول على المحال، بمجرد عقد الحوالة، وإن أفلس المحال علیه، أو جحد الدین الذي علیه بعد تمام الحوالة وسواء كان الفلس سابقا على عقد الحوالة، أو طارئا عليها إلا أن يعلم المحيل وحده بإفلاس المحال عليه، فإن حق المحال لا يتحول على ذمة المحال عليه ولا تبرأ ذمة المحيل بذلك. ويرى الرهوني اشتراط ملاءة المحال عليه للزوم الحوالة إذا لم يرض المحال بالحوالة . ویری اخرشي بطلان الحوالة في حالة جهل المحال عدم ملاءة المحال عليه وعلم المحيل ذلك. أما الحنابلة فيشترطون ملاءة المحال عليه للزوم الحوالة إذا لم يرض المحال بالحوالة، على معتمد الحنابلة، أو إذا جهل حال المحال علیه، علی رواية عندهم، وینصون على أن من قبل الحوالة على مليء بعدما أفلس(١) كان رضاه = المختار ٢٩٥/٤. وإلى هذا ذهبت المجلة في المادة ٦٩٦ ومرشد الحيران في المادة ٨٩٥ (١) المغني لابن قدامة ٥ /٦٠ وواضح أنهم يعنون أن المحال يحسب أنه مازال مليئا. والخرشي على خليل ٢٣٥/٤ - ٢٣٦، والرهوني ٤٠٧/٥ والبجيرمي على المنهج ٢٣/٣ - ١٩٥ - حوالة ٦٤ معيبا فلا يعتبر، بل يحق له فسخ الحوالة. وقد اعتبر أحمد في المليء الذي يجب قبول الحوالة عليه ملاءته بماله، وبقوله، وببدنه، أي أن يكون قادرا على الوفاء، غير جاحد، ولا مماطل، كما هو المتبادر، وكما فهم ابن قدامة في المغني. ولكن متأخري الحنابلة على أن الملاءة بالقول تعني عدم الجحد وعدم المماطلة، ويفسرون الملاءة بالبدن بإمكان إحضار المحال عليه إلى مجلس الحكم. ولذا لا يجب عندهم على المحال قبول الحوالة علی ابیه، دون رضاه، ولا علی من في غیربلده، لأنه لا یمکن إحضارهما إلى مجلس الحكم، وبالتالي لا يجبر المحال على هذا القبول. ولم يعتبروا في القدرة على الوفاء أن تكون ناجزة، فذو المال الذي لا تصل إلیه یده الآن لأمر ما، هو مليء مادام على ما سبق وصفه. (١) ٦٤ - وقال الحنفية إذا كان المحال ولي قاصر کوصي يتيم، أو كان صغيرا مميزا، أجازوليه الإِحالة، فإنه يشترط أن يكون المحال عليه حينئذ أملأ من المدين الأول صيانة لحق الصغير، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾(٢) والصغير بمثابة (١) المغني لابن قدامة ٦٠/٥ ومطالب أولي النهى ٣٢٨/٣. (٢) سورة الأنعام/ ١٥٣ والإِسراء/٣٥ اليتيم. لكن ابن عابدين في حواشيه على البحر نقل نصوصا مذهبية تنافيه: وذلك إذ يقول ۔ نقلا عن کتاب أحکام الصغار- (ذكر فخر الدين في بيوع فتاواه: الأب والوصي إذ قبلا الحوالة على شخص دون المحيل في الملاءة - إن وجب ـ أي الدين - بعقدهما جاز عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يجوز عند أبي یوسف، وإن لم یکن واجبا بعقدهما (كالإِرث) لا يصح في قولهم. وذكر صدر الإِسلام أبو اليسر في باب الخلع من المبسوط - في حيلة هبة صداق الصغيرة - أن الأب يحتال على نفسه شيئا، فتبرأ ذمة الزوج من ذلك القدر، ولو كان الأب مثل الزوج في الملاءة فينبغي أن تصح أيضا، وقد اكتفى ابن نجيم في البحر بحكاية القولين عند التساوي في الملاءة.(١) وصرح الشافعية بصحة احتيال ولي القاصر بشريطة واحدة: أن تقتضي ذلك مصلحة القاصر نفسه، أخذا من نص التنزيل الحكيم: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم (١) حواشي البحر لابن عابدين مع البحر ٢٦٨/٦، ٢٧٥، والبدائع ١٦/٦. والمنطق يقتضي عدم اشتراط الأملئية، لأن أرباب الولايات الشرعية إنما يتصرفون على وجه الغبطة والنظر لمن تحت ولايتهم. فإن ثبت أن القول الآخر هو الصحيح في المذهب، فلا كلام. وقد أخذت المجلة بهذه الشريطة في المادة ٦٨٥ وكذا مرشد الحيران في المادتين ٨٨١ و٨٨٩ - ١٩٦ - حوالة ٦٥ - ٦٦ خير﴾(١) دون تقييد بأي قيد آخر. ولذا أبطلوا احتیاله علی مفلس، علم إفلاسه أم جھل، واحتياله بدین موثق علیه برهن أو ضمان، لما في انفكاك الوثيقة من الضرر البین. وقد سئل السيوطي عن رجل له على رجل دین، فمات الدائن وله ورثة، فأخذ الأوصياء من المدين بعض الدين، وأحالهم على آخر بالباقي، فقبلوا الحوالة وضمن لهم آخر فمات المحال عليه، فهل لهم الرجوع على المحيل أم لا؟ فأجاب - يطالبون الضامن وتركة المحال عليه - فإن تبين إفلاسهما تبين فساد الحوالة، لأنها لم تقع على وفق المصلحة للأيتام، فيرجعون على المحيل)). (٢) ومن أمثلة المصلحة أن يكون المحيل بمال اليتيم فقيرا، أو مماطلا، أو مخوف الامتناع بسطوة، أو هرب أوسيء القضاء على أية صورة، والمحال علیه بعكس ذلك كله، فتكون الحوالة من مصلحة القاصر. إمكان إحضار المحال عليه مجلس الحكم : ٦٥ - تفرد بهذه الشريطة الحنابلة، وقد فسر الزركشي (في شرح الخرقي) القدرة بالبدن - في صدد بحث الملي ثم الذي يجبر المحال على إتباعه (١) سورة البقرة/ ٢٢٠ (٢) نهاية المحتاج على المنهاج ٤٠٩/٤ - ٤١٠ والبجيرمي على المنهج ٢٠/٣ و٢٣، والحاوي للفتاوى ١٦٧/١ - بإمكان حضوره لمجلس الحكم: أ - فلا يصح عندهم أن يحيل ولد على أبيه إلا برضا الأب، لأنه لا يملك طلب أبيه. قال ابن نصر الله: هذه المسألة لم يذكرها أحد ممن تقدم من الأصحاب. وظاهره صحة الحوالة علی أمه ولو بغير رضاها. ب - كما لا يلزم بقبول الحوالة على أبيه (أي أب المحال). جـ - ولا يلزم المحال بقبول الحوالة على من في غير بلده . د - ولا يلزم المحال كذلك بقبول الحوالة على ذي شوكة . (١) مديونية المحال عليه للمحيل عند من لا يجيز الحوالة المطلقة : ٦٦ - لا يشترط الحنفية هذه الشريطة، الإِجازتهم الحوالة المطلقة، ومن فروع هذا الأصل ما نقلوه في الهندية عن المحيط ونصه: (لو أن مسلما باع من مسلم خمرا بألف درهم، ثم إن البائع أحال مسلما على المشتري حوالة مقيدة - بأن قال: أحلت فلانا عليك بالألف التي لي عليك - ثم اختلفوا: فقال المحال عليه (وهو المشتري): الألف كان من ثمن خمر، وقال المحيل (وهو البائع): كان من ثمن متاع، فالقول قول البائع المحيل، فإن أقام (١) مطالب أولي النهى ٣٢٧/٣ و٣٢٩ - ١٩٧ - حوالة ٦٧ المحال عليه بينة على المحيل بذلك قبلت بينته. وإن لم تكن الحوالة مقيدة بل كانت مطلقة - بأن قال البائع للمشتري: أحلت فلانا عليك بألف درهم - لا تبطل الحوالة، وإن أثبت المشتري على المحيل أن الألف التي عليه كانت ثمن خمر). أما غير القائلين بالحوالة المطلقة فيشترطون في المحال عليه أن يكون مدينا للمحيل بدين الحوالة . (١) ٦٧ - والذي يموت وهو مدين تظل ذمته مشغولة بدینه حتی یؤدی عنه، فإن لم تكن له ترکة لا يسقط دينه من ذمته ما لم يتبرع متبرع بقضاء دينه، وعلى هذا يكون لدائنه بعد موته أن يحيل بدينه عليه، لا على تركته، لأنها من ناحية ليست شخصا، ولا تحقق للحوالة إلا على شخص يسمى محالا عليه، ومن ناحية أخرى هي إما عين، ولا تصح الحوالة على عين عند غير الحنفية، وإما دين له وهذا ينتقل للوارث، وعليه الوفاء مما ورث أو من غيره . أما الأصل المقرر من أن ذمة الميت تخرب بموته ۔ أو بعبارة أخرى: إن الميت لا ذمة له - فإنما هو بالنسبة إلى المستقبل، لا الماضي. هكذا نص الشافعية . (١) الفتاوى الهندية ٣٠٤/٣ وقد أخذت المجلة بجواز الحوالة المطلقة في المادة ٦٨٦ و کذلك مرشد الحیران في المادة ٨٧٨ وهو ظاهر مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة. ودين المحيل أعم من أن يكون دين حوالة، أو ضمان، أو غيرهما (ر: ف/٥٨). ومثله في هذا التعميم الدين الذي يحال عليه في الحوالة المقيدة. ومن المسائل الواردة تفریعا على هذا الأصل: ما إذا أقرض شخص اثنين مائة دینار- علی کل منهما خمسون - وتضامنا، ثم أحال على أحدهما بخمسين دينارا، هل تنصرف الحوالة إلى الخمسين الأصلية التي عليه -حتی ینفك رهنها إن كان فيها رهن - أم توزع عليها وعلى الخمسين الأخرى التي ضمنها عن رفيقه، أم يرجع إلى إرادة المحيل؟ رجحوا الرجوع إلى إرادة المحيل، فإن لم تكن له إرادة، كان بالخيار يصرفها إلى ما شاء من ذلك بإرادة جديدة محدثة، هكذا نص الشافعية . (١) محل الحوالة وشرائطه (المال المحال به، والمال المحال عليه): يتفرع الكلام في نوعية المال المحال به والمال المحال عليه على النحو التالي : (١) الخرشي على خليل ٢٣٢/٤ ومغني المحتاج على المنهاج ١٤٩/٢، ١٩٨ ونهاية المحتاج على المنهاج ٤١٤/٤ ومطالب أولي النهى ٣٢٦/٣ لكن أبا حنيفة (رضي الله عنه)،« وحده دون صاحبيه يرى عدم صحة كفالة دين الميت بعد موته إذا لم يترك مالا، لأن دينه عندئذ كالساقط من الذمة لعدم إمكان المطالبة به. (ر: كشف الأسرار على أصول البزدوي ٣١٥/٤ - ١٩٨ - حوالة ٦٨ - ٧١ ١ - حوالة الدين . ٢ - حوالة العين . ٣ - حوالة المنفعة. ٤ - حوالة الحق . أولا : حوالة الدين : ٦٨ - لا خلاف في جواز أن يكون المال المحال به دينا. وكذلك المال المحال عليه - عند من يشترط وجوده - فلا خلاف في جواز أن يكون دینا . ثانيا : حوالة العين : ٦٩ - الحوالة بعين - مطلقة كانت أو مقيدة - لا تصح، إذ لا يتصور فيها النقل الحكمي. أما الحوالة على العين - أي في الحوالة المقيدة - أيا كان نوع العين، فلا تعرف عند غير الحنفية. إذ غير الحنفية جميعا شارطون في المال المحال عليه أن يكون دينا. فالعين لا تصح الحوالة عليها، سواء أكانت أمانة أم مضمونة، کودیعة، ومال مضاربة أو شرکة، ومرهون بعد فکاکه، وموروث، وباق في يد ولي بعد رفع الحجر عن قاصره، وعارية، ومغصوب، ومأخوذ على سوم الشراء، ومقبوض بعقد فاسد. (١) (١) البحر ٢٧٦/٦ ونهاية المحتاج على المنهاج ٤١٤/٤ ومغني المحتاج على المنهاج ١٩٤/٢ والخرشي على خليل ٢٣٣/٤ وغاية المنتهى في الجمع بين الإِقناع والمنتهى ١١٥/٢ والفروع ٦٢٣/٢ ثالثا : حوالة المنفعة : ٧٠ - لا تصح كذلك، إذ المنفعة كالعين، لا يتصور فيها النقل الحكمي. أما الحوالة على المنفعة فلم نجد في نصوص الفقهاء ما يشعر بجواز كونها مالا محالا عليه . والظاهر أن ذلك لكون المنافع التي يستحقها إنسان بسبب ما، إنما تستوفى شخصيا من قبل صاحبها، وهي دائما من غیر جنس الدين المحال به . رابعا : حوالة الحق : لا تصح کذلك حوالة الحق. وقد نص الفقهاء على أن الحوالة إنما تكون بدين. (١) شرائط المال المحال به والمحال عليه : أولا : کون المال المحال به لازما: ٧١ - يشترط في المال المحال به عند الحنفية أن يكون دينا لازما. قياسا على الكفالة : بجامع أن كلا من الكفالة والحوالة عقد التزام بها على مدين. فالأصل أن كل دين تصح به الكفالة تصح به الحوالة وما لا فلا. ومقتضى ذلك ألا تصح حوالة الزوجة بنفقتها المفروضة ۔ بالقضاء أو بالتراضي - غیر المستدانة، لأنها دين ضعيف يسقط بالطلاق (١) البحر الرائق ٢٩٦/٦، وابن عابدين ٢٩٠/٤ - ١٩٩ - حوالة ٧١ وبموت أحد الزوجين. لكنهم نصوا على صحة الكفالة بها استحسانا. ومن قواعدهم أن کل دین تصح کفالته تصح حوالته، ما لم یکن مجهولا . وإذن فتصح حوالة دین النفقة هذا، بل تصح بالنفقة غير المفروضة - رغم أنها تسقط بمضي شهر - إذا تمت الحوالة قبل سقوطها، وإلا فلا تصح، لأنهم كذلك قالوا في الكفالة بها، وأولوا به قول من نفي صحة الكفالة بها، معللا بأنها ليست دينا أصلا. أما مهر الزوجة فدین قوي صحیح يصدق عليه أنه لا ينقطع استمرار وجوبه إلا بالأداء أو الإِبراء، وإن أمكن أن یعرض له ما يبطل حكم العقد نفسه، كالطلاق المنصف للمهر قبل الدخول فتصح الحوالة بالمهر بلا نزاع. (١) وأما دين الزكاة فليس دينا حقيقة بالمعنى الخاص من كل وجه - ولذا لا يستوفى من تركة المتوفى - فلا تصح الحوالة به. وهذا كله عند الحنفية، أما غيرهم فلا يشترطون اللزوم بإطلاق الفقهاء عدا المالكية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة. ومما فرعه المالكية على اشتراط اللزوم أن الحوالة لا تصح بالدين الذي يستدينه صبي أو (١) مجمع الأنهر ١٢٣/٢ وابن عابدين على الدر المختار ٢٥١/٤، ٢٦٣ والمجلة م٦٨٨ سفيه ويصرفه فيما له عنه غنى، لأن الولي لا يقره. والذي اعتمده الشافعية، أن الشرط هو أن یکون الدین لازما، أو آیلا إلى اللزوم بنفسه: فاللازم هو الذي لا خيار فیه، والآيل إلى اللزوم كالثمن في مدة الخيار، لأن الأصل في البيع لزوم الثمن، وأن الخيار عارض في طريق اللزوم، وبزوال العارض يعود الأصل تلقائيا. ثم بمجرد الحوالة بالثمن في مدة الخيار يبطل خيار الطرفين، لأن تراضيهما بالحوالة إجازة للعقد الذي بنيت عليه، ولأن بقاء الخيار في الثمن ينافي اللزوم الذي في طبيعة عقد الحوالة. (١) وعلى هذا فإن الجعل المشروط للعامل في الجعالة، لا تصح الحوالة به عند الشافعية قبل تمام العمل، لأنه لم يلزم بعد، وقد لا يلزم قط، ثم هو إذا لزم فليس لزومه بنفسه، بل بواسطة العمل. أما الكثرة الغالبة من الحنابلة فقد جروا على عدم اعتبار هذه الشريطة أصلا. ولذا فهم مصرحون بصحة الحوالة بمال الكتابة، ويجعل "العامل في الجعالة حتى قبل الشروع في العمل. ومنهم من يضيف إيضاحا لوجهة نظرهم أن (١) أبو السعود على ملا مسکین ٧/٣، وقد يمكن اعتباره دینا ضعيفا للسبب عينه. والخرشي على خليل ٤ /٢٣٣ ومغني المحتاج على المنهاج ١٩٤/٢ والإنصاف ٢٢٥/٥ - ٢٠٠ -