النص المفهرس

صفحات 81-100

خَلِف ٦
صفة المحلوف عليه :
٦ - يحلف على البت في فعله، وكذا فعل غيره
إن كان إثباتا، وإن كان نفيا فعلى نفي العلم .
وجملة الأمر أن الأيمان كلها على البت
والقطع إلا على نفي فعل الغير، فإِنها على
نفي العلم. وعلى هذا أبو حنيفة ومالك
والشافعي .
وقال الشعبي والنخعي : كلها على العلم.
وذكر ابن أبي موسى رواية عن أحمد وذكر
أحمد حديث الشيباني عن القاسم بن عبدالرحمن
عن النبي ◌َ﴾ ((لا تضطروا الناس في أيمانهم أن
يحلفوا على ما لا يعلمون))(١) ولأنه لا يكلف
ما لا علم له به، وحمل ابن قدامة حديث
القاسم بن عبد الرحمن على اليمين على نفي
فعل الغير. (٢)
مثال البت: ادعى عليه أنه ضرب فلانا
واعتدى عليه، فيحلف على البتات لأنه فعل
النفس .
مثال العلم : ادعى أحد دينا على ميت في
مواجهة وارثه بسبب فيحلف الوارث على نفي
(١) حديث: ((لا تضطروا الناس في أيمانهم)) أخرجه
عبد الرزاق في المصنف (٤٩٤/٨ - ط المجلس العلمي
بالهند) من حديث القاسم بن عبدالرحمن مرسلا .
(٢) بدائع الصنائع ٢٢٨/٦، مجلة الأحكام العدلية م٣٥٥،
والدر ٤٢٦/٤، ومغني المحتاج ٤ / ٤٧٣، المغني ٢٣١/٩
العلم: والله لا أعلم أن أبي فعل ذلك لكونه
فعل للغير.
وتفرد الحنفية بتقسيم الحلف إلى حلف على
السبب أو على الحاصل.
والمقصود بالسبب: وقوع سبب الحق المدعى
أو عدم وقوعه .
والمقصود بالحاصل: بقاء العقد المثبت للحق
أو عدم بقائه: أن العقد يحتمل الارتفاع
كالنكاح يرتفع بالطلاق، والبيع بالإِقالة .
مثال الحلف على السبب: دعوى عقد بيع
موجب لتملك عين والكفالة لاشتغال الذمة
وتوجه المطالبة، فهو يمين منصب على نفس
السبب المؤدي إلى حصول مسببه هل هو واقع
أو لا؟ .
والحلف على الحاصل: يكون في الأشياء
التي تقع ثم قد ترتفع برافع كالنكاح والطلاق
والغصب، فيحلف على الحاصل باللّه ما بينكما
نكاح قائم، وما هي بائن منك الآن، وما يجب
عليه ردّه. أي إلى الآن لم يزل حاصلا باقيا
أم لا. (١).
قال صاحب معين الحكام : الاستحلاف
على قسمين :
أحدهما : على العقود الشرعية، والآخر
على الفعال الحسية .
(١) شرح المجلة للأتاسي ٤١٤/٥ - ٤١٨
- ٨١ -

خَلِف ٦ - ٧
أما الأول فهو أن القاضي يحلفه على
الحاصل بالعقد بالله ما له قبلك ما ادعى من
الحق، ولا يحلفه على السبب وهو البيع
والإِجارة والكفالة ونحوها، وروي عن أبي
یوسف یحلفه على السبب بالله ما اشتريت، ولا
استأجرت، ولا كفلت ونحوها، إلا أن يعرض
للقاضي فيقول: كم من مشتر أو مستأجر يفسخ
العقد فيحلفه على الحاصل، لأن اليمين تجب
علی حسب الدعوی ودفعه، والدعوى وقع في
العقد لا في الحاصل به .
وأما القسم الثاني وهو الاستحلاف على
الأفعال الحسية وهي نوعان:
نوع يستحلف على الحاصل لا على السبب
كالغصب والسرقة إن كان المغصوب والمسروق
قائما، يحلفه بالله ماهذا الثوب لهذا ولا عليك
تسليمه ولا تسليمه شيء منه إلى المدعي، وإن
كان مستهلكا يستحلف على القيمة لا غير.
وأما النوع الثاني وهو ما إذا ادعى على رجل
أنه وضع علی حائطه خشبة، أو بنی علیه بناء،
أو أجری علی سطحه، أو في داره میزابا أو فتح
عليه في حقه بابا، أورمى ترابا في أرضه أو ميتة أو
نحو ذلك، مما يجب على صاحبه نقله وأراد
استحلافه على ذلك، فإنه يحلفه على السبب
بالله ما فعلت هذا، لأنه ليس في التحلیف هنا
ضرر بالمدعى عليه، إذ بعدما ثبت هذا الحق
للمدعي وهو استحقاق رفع هذه الأشياء عن
أرضه، لا يتضرر بسقوطه بسبب من الأسباب،
فإنه لو أذن له في الابتداء أن يضع الخشبة على
حائطه أو يلقي الميتة في أرضه، كان ذلك إعارة
منه، فمتی بدا له كان له أن يطالبه برفعه، وإن
باع منه ذلك لا يجوز، لأن هذا بيع الحق وبيع
الحق لا يجوز. أ. هـ. أي فهذه الأفعال الحسية
كالأسباب التي لا ترتفع برافع نحو دعوى العبد
المسلم العتق على مولاه، فالتحليف على
السبب لا يضر المدعى عليه.(١)
حق التحليف :
٧ - إذا حلف المدعى عليه بطلب الخصم قبل
أن يكلفه الحاكم فلا تعتبريمينه، ويلزم أن
يحلف من قبل الحاكم مرة أخرى.
والجمهور على أنه لا يجوز للقاضي
استحلاف المدعى عليه إلا بعد طلب اليمين
من المدعي لأنه حق له، فلا يستوفيه من غير
إذنه .
ولا يعتد بتحليف قاض قبل مطالبة المدعي ،
لأنها يمين قبل وقتها، للمدعي أن يطالب
بإعادتها. (٢)
واستثنى الحنفية خمسة مواطن :
الأول: إذا ادعى أحد من التركة حقًا
بالإِجماع.
(١) شرح المجلة للأتاسي ٥/ ٤٢٠
(٢) بدائع الصنائع ٢٢٤/٦، المهذب للشيرازي ٢/ ٣٠٠
- ٨٢ -

خَلِف ٨
الثاني: إذا استحق أحد المال.
الثالث: لو أراد مشتررد مبیع لعيبه.
الرابع: تحليف الحاكم الشفيع عند الحكم
له بالشفعة بأنه لم يبطل شفعته .
والخامس: المرأة، إذا طلبت فرض نفقة
على زوجها الغائب. (١)
(ر: إثبات - فقرة (١٧)، (٢٢).
النية في التحليف :
٨ - ذهب الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة)
إلى أن اليمين على نية الحالف إذا كان مظلوما،
وإن كان ظالما فعلى نية المستحلف، لحديث
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله له: ((يمينك على ما يصدقك به
صاحبك». (٢)
إذ المقصود هو الترهيب وردع الحالف عن
جحوده خوفا من الیمین الغموس. (٣)
وقال الغزالي: وينظر في اليمين إلى نية
القاضي وعقيدته، فلا يصح تورية الحالف
ولا قوله إن شاء الله بحيث لا يسمع
القاضي. (٤)
(١) شرح مجلة الأحكام العدلية للأتاسي ٥/ ٤١٠
(٢) حديث : ((يمينك على ما يصدقك به صاحبك)).
أخرجه مسلم (٣/ ١٢٧٤ - ط الحلبي).
(٣) بدائع الصنائع ٣/ ٢٠ والدسوقي ١٣٨/٢ و١٣٩، مغني
المحتاج ٤/ ٤٧٥، المغني لابن قدامة ٧٢٧/٨ .
(٤) انظر القوانين الفقهية ص ٢٠٢، والدسوقي ١٣٨/٢،
والوجيز ٢٦٥/٢ .
وأتى ابن قدامة(١) بمثال للحالف مظلوما
وهي واقعة حصلت للصحابي سويد
ابن حنظلة رضي الله عنه. قال سوید: خرجنا
نريد رسول اللّه ◌َ# ومعنا وائل بن حجر فأخذه
عدوله فتحرج القوم أن يحلفوا، فحلفت أنه
أخي. فخلي سبيله، فأتينا رسول الله لآ
فذكرت ذلك له فقال: أنت أبرهم وأصدقهم
المسلم أخو المسلم)). (٢)
قال ابن قدامة والحال الثالثة: لم يكن ظالما
ولا مظلوما قال: فظاهر كلام أحمد أنه له تأويله
وأورد عن أنس رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى
النبي ◌َّ فقال يارسول الله احملني فقال: ((إني
حاملك على ولد الناقة فقال: يارسول الله
ما أصنع بولد الناقة فقال رسول الله بخير ((وهل
تلد الإِبل إلا النوق)). (٣)
وقال المالكية - عدا ابن القاسم - : اليمين
على نية المستحلف، وقال ابن القاسم: هي
على نية الحالف فينفعه الاستثناء فلا تلزمه
كفارة ولکن يحرم ذلك عليه .
(١) المغني ٨ / ٧٢٨.
(٢) حديث سويد بن حنظلة: خرجنا نريد
رسول الله ﴾ .. )) أخرجه ابن ماجه (٦٨٥/١ - ط
الحلبي) وأبو داود (٣/ ٥٧٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس).
(٣) حديث: ((إني حاملك على ولد الناقة ... )). أخرجه
الترمذي (٣٥٧/٤ - الحلبي)، وقال: ((حديث حسن
صحیح)).
- ٨٣ -

خلف ٨، حِلْف ١ - ٢
وانظر التفصيل في بحث (أیمان(١) ف/ ١٥٣
فما بعدها).
وقد توسع ابن قدامة في ذلك فلينظر في
موضعه . (٢)
جِلْف
التعريف :
١ - الحِلْف لغة العهد، وقد حالف فلان فلانا
إذا عاهده وعاقده. فهو حليفه، وتحالفوا أي
تعاهدوا، وفي حديث أنس: ((حالف
رسول الله ◌َ لل بين قريش والأنصار في داري أي
آخی بینهم)». (١)
وقال ابن الأثير: أصل الحلف المعاقدة
والمعاهدة على التناصر والتساعد والاتفاق،
وقال ابن سيده: سمي الحلف حلفا لأنه
لا یعقد إلا بالحلف، أي يؤكد بالأيمان . (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - المؤاخاة، والموالاة :
٢ - قال القرطبي : معنى المؤاخاة أن يتعاقد
الرجلان على التناصر والمواساة والتوارث حتى
(١) الموسوعة الفقهية ٣٠٦/٧
.
(٢) المغني ٧٢٨/٨ - ٧٢٩. وكشاف القناع ٣٣٨/٦
(١) حديث أنس: ((حالف رسول الله ێ بین قریش
والأنصار)). أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٤٧٢ - ط
السلفية) ومسلم (٤ /١٩٦٠ - ط الحلبي).
(٢) لسان العرب، وشرح السراجية بحاشية الفناري ص٥٤
نشر فرج الله الكردي.
- ٨٤ -

جِلْف ٣-٥
يصيرا کالأخوين نسبا، وقد يسمى ذلك
حلفا. (١) وإذا تحالفا على ذلك كان كل منهما
مولى للآخر بالموالاة (وانظر: ولاء).
ب - المهادنة :
٣ - المهادنة: المصالحة بعد الحرب.
ج - الأمان :
٤ - الأمان لغة السلامة، واصطلاحا: رفع
استباحة دم الحربي ورقّه وماله حین قتاله، أو
العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإِسلام. (٢)
الأحلاف في الجاهلية :
٥ - كانت الأحلاف تعقد في الجاهلية بین فرد
وقبيلة، أو بین فرد وفرد، أو بین قبيلة وقبيلة.
فمما كان بين القبائل حلف المطيبين من
قريش. قال ابن إسحاق وغيره: وهم عبد
مناف، وأسد، وزهرة، وتيم رهط أبي بكر
رضي الله عنه. سموا بذلك لما أرادت بنو عبد
مناف أخذ ما في يدي عبد الدار من الحجابة
والرفادة واللواء والسقاية، وأبت بنو عبدالدار،
فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا
فوضعوها لأحلافهم المذكورين في المسجد
الحرام عند الكعبة، ثم غمسوا أيديهم فيها
(١) شرح الأبي على صحيح مسلم ٦/ ٣٥٤
(٢) الحطاب ٣/ ٣٦٠، شرح السير ٢٨٣/١، مغني المحتاج
٢٣٦/٤.
وتعاقدوا ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا
لليمين فسموا المطيبين. وتعاقدت بنو عبد الدار
وحلفاؤها وهم جمع وسهم ومخزوم وعدي بن
کعب رهط عمر بن الخطاب رضي الله عنه على
ما أرادوا من ذلك الأمر، فسمّوا الأحلاف.
فكان يقال لأبي بكر أنه (مطيّبي) ولعمر أنه
(أحلافي). (١).
وذكر ابن إسحاق أيضا أنه كان في قريش
حلف آخر هو حلف الفضول، وقد شهده
رسول الله ﴿ه بنفسه قبل البعثة، وكان سنّه إذ
ذاك قريبا من عشرين عاما، وقد قال فيه بعد
ذلك: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان
حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به
في الإِسلام لأجبت. (٢) زاد في بعض الروايات:
تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها، وألا يعز
ظالم مظوما)) ومعنى لأجبت أي لنصرت المظلوم
إذا دعا به .
(١) لسان العرب - حلف، والروض الأنف شرح سيرة ابن
هشام ١/ ١٥٣ بيروت، دار المعرفة، بالتصوير عن طبعة
القاهرة .
(٢) حديث: ((لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا)).
أخرجه البيهقي في سننه (٣٦٧/٦ - ط دائرة المعارف
العثمانية) من حديث طلحة بن عبدالله بن عوف مرسلا.
وورد من حديث عبدالرحمن بن عوف: ((شهدت حلف
المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم
وأني أنكثه)). أخرجه أحمد (١/ ١٩٠ - ط اليمنية) وأورده
الهيثمي في المجمع (١٧٢/٨ - ط القدس) وقال: (رجاله
رجال الصحيح).
- ٨٥ -

حِلْف ٥ -٦
والبطون التي تحالفت هذا الحلف من قريش
هم بنوهاشم، وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد
العزّى، وبنوزهرة، وبنوتيم بن مرة، ومن بني
تيم عبد الله بن جدعان الذي عقد الحلف في
داره، تعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة
مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر
الناس إلا قاموا معه على من ظلمه حتى ترد
عليه مظلمته. (١)
وأما بين الأفراد فقد كان أهل الجاهلية یعاقد
الرجل منهم الآخر فیقول: «دمي دمك،
وهدمي هدمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك،
وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي
وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك)) فإذا قبل
الآخر نفذ بينهما هذا التحالف. وكان المتحالفان
يتناصران في كل شيء، فيمنع الرجل حليفه
وإن كان ظالما، ويقوم دونه، ويدفع عنه بکل
ممكن، حتى يمنع الحقوق وينتصر به الظالم في
الظلم والفساد والعناد. (٢)
والتحالف بين الأفراد على نوعين: فقد
یکون الالتزام من طرف واحد، بأن يلتجىء
رجل قد ترك عشيرته، أولا عشيرة له، إلى
(١) الروض الأنف ١/ ١٥٥، وقد جعل صاحب لسان العرب
الحلفين المذکورین حلفا واحدا، أخذ ذلك من نهاية ابن
الأثير، وفي بعض الروايات أن الحديث المذكور قاله
النبي ◌َّ في حلف المطيبين.
(٢) شرح الأبي على صحيح مسلم ٦/ ٣٥٥
رجل ذي منعة فيحالفه ليحميه ویتحمل عنه
جرائره، دون التزام من قبل الضعيف بالنصرة أو
العقل (الدية)، وقد كان هذا في الجاهلية
واستمر في الإِسلام، فکان الأعجمي یوالي في
العرب، وقد يكون الإِلتزام من الطرفين بأن
ينصر كل منهما الآخر ويرثه ويعقل عنه. (١) ..
الأحكام المتعلقة بالحلف :
أولا : التحالف بين مسلم ومسلم :
٦ - لا يعرف خلاف بين الفقهاء في أن التحالف
بين أفراد المسلمين إذا كان على أن ينصر كل من
الطرفين الآخر على الخير والشر، وعلى الحق
والباطل، أو على أن يرث كل منهما الآخردون
ذوي قرابته، فإن ذلك الحلف یکون باطلا،
ووجه ذلك أنه لا يجوز التناصر على الباطل،
ولا على ما حرمه الله تعالى، لقول الله تعالى:
﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على
الإِثم والعدوان﴾(٢) ولقول النبي مثل: ((انصر
أخاك ظالما أو مظلوما)» قالوا يارسول الله، هذا
ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما، قال:
(«تأخذ فوق يديه))(٣) قال الجصاص: ((کان
حلف الجاهلية أن يعاقده فيقول: دمي دمك
(١) ابن عابدين ٧٨/٥ ط بولاق ١٢٤٩ هـ.
(٢) سورة المائدة/ ٢
(٣) حديث: ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)). أخرجه البخاري
(الفتح ٩٨/٥ - ط السلفية).
- ٨٦ -

حلف ٧ - ٨
وهدمي هدمك وترثني وأرثك، وكان في هذا
الحلف أشياء قد حظرها الإِسلام، وهو أنه
یشرط أن يحامي عنه ويبذل دمه دونه وهدم
ما يهدمه فينصره على الحق والباطل، وقد
أبطلت الشريعة هذا الحلف، وأوجبت معونة
المظلوم على الظالم حتى ينتصف منه)). (١)
وكذا ورد في الميراث الآيات الكريمة التي
حددت نصيب كل وارث، وقد قال تعالى في
آيات المواريث: ﴿فريضة من الله إن الله كان
علیما حكيما﴾(٢) فمن جعل ميراثه لمن والاه
وعاقده دون من جعل الله تعالى لهم الميراث،
ناقض حكم الله تعالى بذلك، فبطل عقده،
وحکم الله تعالی نافذ.
٧ - أما التحالف على الخير والنصرة على الحق
وعلی العقل والتوارث لمن لا وارث له. فقد ورد
أن النبي ◌ِّ له قال في غزوة الفتح: ((لا حلف في
الإِسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده
الإِسلام إلا شدة)) وفي رواية ((ولكن تمسكوا
بحلف الجاهلية)) وفي رواية ((لا حلف في
الإِسلام وحلف الجاهلية مشدود» وفي رواية
الطبري: ((فوا بحلف فإنه لا يزيده الإِسلام إلا
شدة ولا تحدثوا حلفا في الإِسلام)). (٣)
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ١٨٧ لبنان، دار الكتاب
العربي، وانظر المغني ٦/ ٣٨١ ط ثالثة.
(٢) سورة النساء/ ١١
(٣) فتح البساري ٤/ ٤٧٣ والطبري ٢٨٤/٨ وحديث : =
وقد اختلف العلماء في ذلك.
٨ - أ - فذهب الحنفية إلى أنه لا بأس أن يحالف
مسلم مسلما حتى بعد ورود هذا الحديث على
العقل والميراث - ولا يرث إلا على الوجه الذي
يأتي بيانه - وعلى النصرة والنصيحة والرفادة
وغير ذلك من أنواع التعاون.
وقالوا إن المراد بالحديث المذكور: نفي
الحلف على الأمور التي كانوا يتعاقدون عليها في
الجاهلية وحظرها الإِسلام، وهي أن ينصره
على الحق والباطل ويرثه دون ذوي رحمه(١)
واستدلوا لذلك بالأدلة المتقدمة وبقول
النبي ◌َّل: ((مولى القوم منهم وابن أختهم منهم
وحلیفهم منهم)) .(٢)
وقالوا: إن ذلك مذهب عمر، وعلي، وابن
مسعود رضي الله عنهم.
ثم عند الحنفية قد تكون الموالاة من الجانبين
أو من جانب واحد، ولو والی صبي عاقل بإذن
ولیه صح، أو والی العبد بإذن سيده آخر يصح
كذلك، ويكون وكيلا عن سيده بعقد الموالاة،
= ((لا حلف في الإِسلام، وأيما حلف ... )). أخرجه مسلم
(٤/ ١٩٦١ - ط الحلبي) من حديث جبير بن مطعم.
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢/ ١٨٧ والمبسوط ٨١/٨
(٢) حديث: ((مولى القوم منهم وابن أختهم منهم وحليفهم
منهم)). أخرجه أحمد (٣٤٠/٤ - ط اليمنية) من حديث
رفاعه بن رافع وإسناده صحيح .
- ٨٧ -

جِلْف ٩
ولمن والى رجلا أن ينقل ولاءه إلى غيره إن لم
یعقل عنه أو عن ولده، ولو عقل عنه بیت المال
فولاؤه للمسلمين فلا ينتقل عن ولائهم إلى
ولاء خاص، ولابد في عقد الموالاة أن يشترط
العقل (أي تحمل الدية) والإِرث. (١)
وفي شرح السراجية : بل مجرد العقد كاف
بأن يقول واليتك، ويقول الآخر قبلت، فينعقد
العقد ويرث القابل، وهذا إجمال ينظر تفصيله
في مصطلح : (ولاء).
وقد أورد الطحاوي في (شروطه) صيغة لعقد
الموالاة مستوفية للشروط المعتبرة فيه عند
الحنفية . (٢)
٩ - ب - وذهب جمهور الفقهاء إلى الأخذ بظاهر
هذا الحديث من أن أحلاف الجاهلية يستمر
التناصر بها حتى بعد هذا الحديث، لكن
لا يكون إلا تناصرا على الحق والتعاون على
الخير، ولا تقتضي ميراثا لکون التوارث بها
منسوخا، لكن الأحلاف التي عقدت في
الإِسلام، أو تعقد من بعد ورود الحديث
منقوضة، لكون هذا الحديث ناسخا الإِجازة
التحالف التي عمل بها في أول الإِسلام فقد
(١) حاشية ابن عابدين ٧٨/٥ - ٧٩ وشرح السراجية بحاشية
الفناري ص٥٤
(٢) الشروط الصغير للطحاوي ٨١٢،٨١١/٢ ط وزارة
الأوقاف العراقية .
أمروا أن لا ينشئوا بعد ذلك معاقدة كما عبر
ابن کثیر.(١)
ووجهه أن الإِسلام وحد بين المسلمين، فهو
بمعنى تحالف شامل لكل المسلمين يقتضي
التناصر والتعاون بينهم على من قصد بعضهم
بظلم، لقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾(٢)
وقوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء
بعض﴾(٣).
وقول النبي قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان
یشد بعضه بعضا»(٤) وقوله: ((لا يؤمن أحدكم
حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))(٥) وقوله:
((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله
ولا يحقره)). (٦) وقوله: ((المسلمون تتكافأ
دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم
أقصاهم، وهم يد على من سواهم)). (٧)
(١) فتاوى ابن تيمية ٩٦/٣٥ وفتح الباري ٤٧٤/٤، والنهاية
في غريب الحديث - حلف. وتفسير ابن كثير ١/ ٤٩٧،
والمبسوط السرخسي ٨/ ٨١
(٢) سورة الحجرات/ ١٠
(٣) سورة التوبة/ ٧١
(٤) حديث: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)).
أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٥٠ - ط السلفية) ومسلم
(٤ / ١٩٩٩ - ط الحلبي) من حديث أبي موسى.
(٥) حديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١/ ٥٧ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٦٧ - ط
الحلبي) من حديث أنس.
(٦) حديث: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله
ولا يحقره)). أخرجه مسلم (٤ /١٩٨٦ - ط الحلبي) من
حديث أبي هريرة.
(٧) حديث: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم=
- ٨٨ -

جِلْف ٩ - ١٠
فمن كان قائما بواجب الإِيمان كان أخالكل
مؤمن، ووجب على كل مؤمن أن يقوم
بحقوقه، وإن لم يجر بینهما عقد خاص، فإن الله
ورسوله قد عقدا الأخوة بينهما بقوله تعالى :
﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وقول النبي يتلقى: («وددت
أني قد رأيت إخواني))(١) ومن لم يكن خارجا عن
حقوق الإِيمان وجب أن يعامل بموجب ذلك،
فیحمد علی حسناته ویوالی علیھا وینهی عن
سيآته ويعاقب عليها ... كفساق أهل الملة إذ
هم مستحقون للثواب والعقاب، وللموالاة
والمعاداة . (٢)
قالوا: وأما استمرار العمل بأحلاف الجاهلية
في التناصر فیؤيده في الحدیث السابق ذكره أن
النبي ◌ُ ﴾ قال: «لقد شهدت في دار عبدالله بن
جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو
أدعى به في الإِسلام لأجبت)) أي لنصرت
المستنصر به، وفي رواية ((شهدت حلف المطيبين
وأنا غلام مع عمومتي فما أحب أن لي حمر النعم
وأني أنكثه)). (٣)
= أدناهم)). أخرجه أبو داود (١٨٣/٣ - ١٨٥ تحقيق عزت
عبيد دعاس) من حديث عبدالله بن عمرو، وإسناده
حسن.
(١) حديث: ((وددت أنا قد رأينا إخواننا ... )) أخرجه مسلم
(٢١٨/١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) توجيه هذا القول من فتاوى ابن تيمية ٩٣/٣٥
(٣) حديث: لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان .... ))
تقدم تخريجه ف/ ٢
واختلف أصحاب هذا القول في الوقت
الذي هو الحد الفاصل بين ما هو من أحلاف
الجاهلية، فيبطل منه ما يخالف حكم الإِسلام،
ويبقى ما عداه على حاله، فيستمر حکمه في
الإِسلام، وبين ما هو من أحلاف الإِسلام
فينقض. فقال ابن عباس: ما كان قبل نزول
الآية - يعني ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى
ببعض﴾(١) - فهو جاهلي، وما بعدها إسلامي،
وعن علي: ما كان قبل نزول (لإيلاف
قريش)(٢) جاهلي، وما بعدها إسلامي، وعن
عثمان: ما كان قبل الهجرة فهو جاهلي وما بعدها
إسلامي. وعن عمر: كل حلف كان قبل
الحديبية فهو مشدود وكل حلف بعدها منقوض.
قال ابن حجر: وأظن قول عمر أقواها. (٣) أي
لما ثبت أن النبي وليس آخى بينهم في المدينة وذلك
ينفي القولين الثاني والثالث.
١٠ - وذهب آخرون إلى أنه لا بأس أن يعقد
حلف بين مسلم ومسلم على التناصر على
الحق والنصيحة والتعاون على الخير حتى وإن
كان ذلك بعد ورود الحديث المتقدم، ولا توارث
به. قال النووي: «المؤاخاة في الإِسلام،
والمحالفة على طاعة الله، والتناصر في الدين،
(١) سورة الأنفال/ ٧٥
(٢) سورة قريش / ١
(٣) فتح الباري: كتاب الكفالة (ب٢) ٤ /٤٧٤
- ٨٩ -

حِلْف ١١
والتعاون على البروالتقوى وإقامة الحق، هذا
باق لم ینسخ)) قال وهذا معنى قولهچ# في هذه
الأحاديث: ((وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده
الإِسلام إلا شدة)) وأما قوله حل: ((لا حلف في
الإِسلام)) فالمراد به حلف التوارث والحلف على
ما منع الشرع منه. (١)
أطوار التوارث بالحلف في الإِسلام:
١١ - لا تختلف كلمة المفسرين وغيرهم من
العلماء في أن التوارث بالحلف كان معمولا به
أولا في الإِسلام، وقد آخى النبي ◌ّلة بين
المهاجرين والأنصار فكان لكل رجل من
المهاجرين أخ من الأنصار، (٢) وتوارثوا بذلك،
فكان الأنصاري إذا مات يرثه أخوه المهاجري،
وقد ورد في ذلك أحادیث منها :
١ - ما روى البخاري والطبري عن ابن عباس
قال في قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾(٣)
قال: ورثة ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾. (٤)
(١) شرح صحيح مسلم للنووي ٨٢/١٦ القاهرة، المطبعة
المصرية .
(٢) فآخى بين أبي بكر وخارجة بن زيد، وبين عمر وعتبان بن
مالك، وبين عثمان وأوس بن مالك (شرح الأبى على
مسلم ٦/ ٣٥٥) وبين سعد بن الربيع وعبدالرحمن بن
عوف، وبين الزبير وكعب بن مالك (أحكام القرآن لابن
العربي ١٤٩٧/٣).
(٣) سورة النساء / ٣٣
(٤) سورة النساء/ ٣٣
قال: كان المهاجرون لما قدموا على النبي ◌َل
ورث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة
التي آخى النبي ◌َّ بينهم، فلما نزلت ﴿ولكل
جعلنا موالي﴾ نسخت. ثم قال ﴿والذین
عقدت أيمانكم) إلا النصر والرفادة والنصيحة،
وقد ذهب الميراث .(١)
ونقل الطبري عن الحسن وعكرمة ((كان
الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث
أحدهما الآخر، فنسخ ذلك))(٢) وعاقد أبو بكر
رضي الله عنه مولی فورثه. (٣)
ولا تختلف كلمة العلماء في أن التوارث على
هذه الصفة منسوخ، واختلفوا في الناسخ، فقال
بعضهم: الناسخ قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام
بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (٤)
وقيل: بل التي في آخر الأنفال. (٥)
وقيل : بل قوله تعالى : ﴿ولكل جعلنا موالي
مما ترك الوالدان والأقربون﴾ أي یرثون كل
المال، وقوله: ﴿والذين عقدت أيمانكم فأتوهم
(١) الطبري ٢٧٨/٨، وفتح الباري ٤ / ٤٧٢، ٢٤٧/٨ نشر
المكتبة السلفية .
(٢) الطبري ٢٧٤/٨ نشر دار المعارف بمصر، فتح الباري
٨ / ٢٤٩
(٣) الطبري ٢٧٥/٨، وفتح الباري ٢٤٩/٨، وأحكام القرآن
للجصاص ١٨٥/٢
(٤) سورة الأحزاب/ ٦
(٥) أحكام القرآن للجصاص ١٨٦/٢، تفسير القرطبي
٥/ ١٦٦ نشر دار الكتب المصرية .
- ٩٠ -

چِلْف ١١ - ١٢
نصيبهم﴾ أي من النصيحة والنصر، دون
الميراث، وهذا قول الطبري .
وقيل: حصل النسخ على مرحلتين، فنسخ
الأول بقوله تبارك وتعالى : ﴿ولكل جعلنا
موالي﴾ أي ورثة يرثون، والمولى هنا هو القريب
كالأخ وابن العم، مما ترك الوالدان والأقربون،
والذین عقدت أيمانكم .
وقرىء: ﴿عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم
إن الله كان على كل شيء شهيدا) فقد
نسخت انفراد الحليف لكل المال، وجمعت بين
الفريقين، فجعلت المال للأقارب، وأمرت
بإعطاء الحليف نصيبا، فكانوا يعطونه
السدس، قوله: ﴿إن الله كان على كل شيء
شهيدا﴾ أي قد شهد معاقدتكم إياهم والله
يجب الوفاء. قاله القرطبي .
قال قتادة: ((كان الرجل يعاقد الرجل في
الجاهلية، فلما جاء الإِسلام أمروا أن يؤتوهم
نصيبهم وهو السدس، ثم نسخ بالميراث،
فقال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ .
قال ابن حجر: وروي من طرق شتی عن
جماعة من العلماء مثل ذلك، وهذا هو المعتمد .
قال: وينزل حديث ابن عباس على هذا. ثم
نسخ هذا بآية سورة الأحزاب. وخصّ الميراث
بالعصبة، وبقى للمعاقد النصر والإِرفاد
وغيرهما. قال وعلى هذا يتنزل بقية الآثار، لكن
ابن عباس لم يتعرض لذكر الناسخ الثاني. (١).
التوارث بالحلف :
١٢ - اختلف الفقهاء في إرث الحليف من حليفه
فذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة)
إلى أن ميراث الحليف منسوخ أصلا، فلا
توارث بالحلف، وإنما الميراث برحم أونكاح أو
ولاء. فإن لم يكن أحد من هؤلاء فتركته
للمسلمين أي فتكون لبيت المال.
وذهب الحنفية والحكم وحماد وهو رواية عن
أحمد: إلى أن إرث الحلیف باق، قالوا: يرث
الحليف كل المال، لكن بعد سائر الورثة، فإن لم
يكن له قريب ولا وارث بنكاح ولا مولی عتاقة
فميراثه لحليفه، فإن لم يكن فلبيت المال. ونقل
الجصاص نحو ذلك عن عمر بن الخطاب وابن
مسعود رضي الله عنهما وعن الحسن البصري
وإبراهيم والزهري. واستدلوا على ذلك بأمور
منها :
أ - قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى
ببعض﴾ فإن ((أولى)) صيغة تفضيل تثبت أصل
الميراث للحليف، لكن تجعل القريب أولى
منه. قال الجصاص: جعلت الآية ذوي
(١) فتح الباري ٢٤٨/٨، ٢٤٩، وتفسير القرطبي ١٦٦/٥،
والطبري ٢٦٩/٨، ٢٧٥، ٢٧٦، وابن كثير ٤٨٩/١.
- ٩١ -

جِلْف ١٢ - ١٣
الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فنسخ ميراثهم
في حال وجود القرابات، وهو باق لهم إذا فقد
الأقرباء، على الأصل الذي كان عليه، فمتى
فقدوا وجب ميراث الحليف بقضية الآية، إذ
کانت إنما نقلت ما كان للحلفاء إلى ذوي
الأرحام إذا وجدوا، فإذا لم يوجدوا فليس في
القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخها (١) ا. هـ.
ب - روى مسلم من حديث جابربن عبد الله
أنه قال: كتب النبي ◌ّ على كل بطن عقوله.
ثم كتب: أنه لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى
رجل مسلم بغير إذنه . (٢)
فأجازت أن يتحول الرجل عن موالاة قوم
إلى موالاة غيرهم بإذنهم، فهذا في مولى
التعاقد، لأن ولاء العتاقة لا يتحول، (٣) لما في
الحديث: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)). (٤)
جــ ما روى تميم الداري أنه قال: سألت
رسول اللّه ◌َله: ما السنة في الرجل من أهل
(١) أحكام القرآن للجصاص ١٨٦/٢، والمغني لابن قدامة
٦/ ٣٨١ ط ثالثة، وأحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٩٧
و٤١٤/١ ط عيسى الحلبي، وتفسير ابن كثير ١/ ٤١٤
و٤٩٠ ط عيسى الحلبي، وفتاوى ابن تيمية ١١ / ٩٩ ۔
١٠١ طبع الرياض.
(٢) حديث جابر بن عبدالله قال: كتب النبي ◌ّ على كل بطن
عقوله. ثم كتب: أنه لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى رجل
مسلم بغير إذنه. أخرجه مسلم (٢ / ١١٤٦ - ط الحلبي).
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١٨٦/٢ .
(٤) حديث: ((الولاء لحمة كلحمة النسب ... )). أخرجه
الحاكم (٤/ ٣٤١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من =
الشرك يسلم على يدي رجل من المسلمين؟
فقال رسول الله ◌َ لل: هو أولى الناس بمحياه
ومماته))(١) يعني محياه في تحمل العقل عنه ومماته في
الإِرث عنه(٢) ولمعرفة كيفية التوارث بالحلف
ينظر مصطلح (إرث).
د -ما روي أن معاوية رضي الله عنه كان قد
عاقد رجلا یسمی زید بن احتات، فمات فحاز
معاوية رضي الله عنه ميراثه.
هـ ـ واستدلوا بالقياس على الوصية لغير
وارث، قالوا: إن وصى لغير وارث بجميع
ماله، فمات ولم يكن له وارث، جازت الوصية،
فكذا هذا.
وانظر لتمام القول في حكم التوارث بالحلف
مصطلح (إرث - ٥٢).
أحكام الحليف في غير التوارث :
١٣ - ذهب أبو حنيفة إلى أن للحليف تزويج
= حديث عبدالله بن عمر، وأعله الذهبي، ولكن له شاهد
من حديث علي بن أبي طالب عند البيهقي (١٠/ ٢٩٤ - ط
دائرة المعارف العثمانية) يتقوى به .
(١) حديث تميم الداري أنه قال: سألت رسول الله وسلم :
ما السنة في الرجل من أهل الشرك يسلم على يدي رجل
من المسلمين؟ فقال رسول الله يلي: هو أولى الناس بمحياه
ومماته)) أخرجه الترمذي (٤٢٧/٤ - ط الحلبي) وقال:
((ليس بمتصل)). وكذا أطال ابن حجر في إعلاله في الفتح
(٤٦/١٢ - ط السلفية).
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١٨٧/٢، والمغني ٦/ ٣٨١،
والمبسوط السرخسي ٨/ ٨١٠، وشرح السراجية للجرجاني
بحاشية الفناري ص٥٤
: - ٩٢ -

حِلْف ١٤
المرأة، فهو أحد أوليائها. لكن ترتيبه في ذلك
بعد جميع العصبات وذوي الأرحام، وهو أولى
من القاضي والسلطان. وقال محمد بن الحسن :
لا ولاية في التزويج لذوي الأرحام ولا لمولی
الموالاة وهو الحليف. واختلف النقل عن أبي
يوسف فقيل: قوله كقول أبي حنيفة، وقيل :
کقول محمد. (١)
وليس للحليف عند غير الحنفية في ولاية
التزويج مدخل.
وقال الحنفية في أولوية الصلاة على الميت:
إن الأولياء فيها على الترتيب المذكور في
النكاح، وهذا يقتضي أن للحليف ولاية فيها
على ما ذكر في النكاح من الترتيب. (٢)
وقال الجمهور: لا عقل بالحلف.
وأما الحنفية فقد قالوا: إن الرجل وعشيرته
يعقلون عن مولاه بالولاء، وإذا عقل عنه لزمه
الولاء فلا ينتقل عنه بعد إلا برضاه. (٣) ولزوم
العقل عن مولى الموالاة منقول أيضا عن
مجاهد . (٤) (وانظر: عاقلة).
ثانيا : التحالف بين طائفتين من المسلمين :
١٤ - يرد هنا الخلاف المتقدم في محالفة الفرد
(١) فتح القدير على الهداية ٣/ ١٨١ - ١٨٢ والعناية بهامشه ط
دار إحياء التراث العربي.
(٢) فتح القدير على الهداية ٢/ ٨٢ - ٨٣ والعناية بهامشه ط دار
إحياء التراث العربي.
(٣) الدر المختار ٧٩/٥، ٤١٢ بهامش حاشية ابن عابدين.
(٤) الطبري ٢٧٨/٨، والمغني ٣٨١/٦
للفرد، غير أن لا توارث هنا ولا تعاقل، وإنما
يثبت بالحلف عند من أجازه مجرد التناصر على
الحق ودفع الظلم.
ويستدل المجیزون لمثل هذا التحالف بما ورد
في حديث أنس عند البخاري: ((حالف
النبي ◌ُّ بين قريش والأنصار في داري مرتين)).
وقالوا: إن قول النبي وَلّر ((لا حلف في
الإِسلام)) المراد به ما كان على طريقة أهل
الجاهلية من الإِعانة بالحلف في الحق والباطل .
قال ابن الأثير: ((أصل الحلف المعاقدة
والمعاهدة على التساعد والتعاضد والاتفاق، فما
كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال
والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في
الإِسلام، وماكان منه في الجاهلية على نصر
المظلوم وصلة الأرحام، كحلف المطيبين
وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه النبي (ێّ :
((وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإِسلام إلا
شدة)) يريد: من المعاقدة على الخير ونصرة
الحق. وبذلك يجتمع الحديثان. وهذا هو
الحلف الذي يقتضيه الإِسلام .(١)
وتقدم النقل عن النووي بمثل ذلك
(ف / ١٠).
وأما الذين خالفوا في جواز ذلك وهم
الأكثرون فقد احتجوا بظاهر الحديث ((لا حلف
(١) النهاية لابن الأثير - حلف، ولسان العرب - حلف.
- ٩٣ -

چلْف ١٤، حلق ١
في الإِسلام)» وبأن الإِسلام جعل المسلمين يدا
واحدة وأوجب على كل مسلم نصرة أخيه
المسلم، والقيام على الباغي حتى يرجع إلى
الحق، كما تقدم توجيهه عن ابن تيمية
(ف/٩).
حلق
التعريف :
١ - الحلق في اللغة إزالة الشعر. يقال حلق
رأسه، أي: أزال شعره.
ومن معانيه أيضا: الحلقوم وهو مساغ الطعام
والشراب في المريء.(١)
ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة الحلق عن
هذين المعنيين.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستحداد :
٢ - الاستحداد حلق العانة. وسمي استحدادا
لاستعمال الحديدة وهي الموسى. (٢) فالاستحداد
نوع من الحلق.
ب - النتف :
٣ - النتف لغة نزع الشعر والريش ونحوه. (٣)
(١) لسان العرب مادة ((حلق)).
(٢) الصحاح في اللغة والعلوم، ولسان العرب المحيط مادة
((حدد)). ونيل الأوطار ١٣٣/١ ط دار الجيل.
(٣) المصباح المنير ولسان العرب مادة ((نتف)).
- ٩٤ -

حلق ٤
ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة النتف عن
هذا المعنى اللغوي.
والوجه المشترك بين الحلق والنتف: أن كلا
منهما إزالة للشعر إلا أن الحلق بالموسی ونحوه،
والنتف بنزعه من جذوره.
أحكام الحلق بالمعنى الأول (حلق الشعر):
حلق الرأس :
٤ - اختلف الفقهاء في حلق الرأس :
فذهب الحنفية إلى أن السنّة في شعر الرأس
بالنسبة للرجل، إما الفرق أو الحلق، وذكر
الطحاوي أن الحلق سنّة . (١)
وذهب المالكية كما جاء في الفواكه الدواني
إلى أن حلق شعر الرأس بدعة غير محرمة،
لأنه وسّ لم يحلق رأسه إلا في التحلل من الحج،
قال القرطبي : كره مالك حلق الرأس لغير
المتحلل من الإِحرام، وقال الأجهوري : إن
القول بجواز حلقه ولو لغير المتعمم أولى بالاتباع
فهو من البدع الحسنة حيث لم يفعله لهوی نفسه
وإلا كره أو حرم. (٢)
وصرح ابن العربي من المالكية بأن الشعر
على الرأس زينة، وحلقه بدعة، ويجوز أن يتخذ
جمة وهي ما أحاط بمنابت الشعر، ووفرة وهو
(١) ابن عابدين ٢٦١/٥ ط دار إحياء التراث العربي.
(٢) الفواكه الدواني ٢/ ٤٠١
ما زاد على ذلك إلى شحمة الأذنين، وأن يكون
أطول من ذلك.(١)
ويرى الشافعية أنه لا بأس بحلق جميع
الرأس لمن أراد التنظيف. (٢)
واختلفت الرواية عن أحمد في حلق الرأس :
فعنه أنه مكروه، لما روي عن النبي ◌َّ ر أنه قال
في الخوارج: ((سيماهم التحليق))(٣) فجعله
علامة لهم.
وروي عنه أنه لا یکره ذلك، لكن تركه
أفضل، قال حنبل: كنت أنا وأبي نحلق رءوسنا
في حياة أبي عبد الله، فيرانا ونحن نحلق فلا
ينهانا . (٤)
واتفق الفقهاء على أنه يكره الفزع، وهو أن
يحلق بعض الرأس دون بعض.
وقيل: أن يحلق مواضع متفرقة منه. (٥) لما
روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن
رسول اللهټ ﴾ رأی غلاما قد حلق بعض رأسه،
(١) القوانين الفقهية / ٤٣٥ ط دار الكتاب العربي.
(٢) أسنى المطالب ١ /٥٥١ ط المكتبة الإسلامية.
(٣) حديث: ((سيماهم التحليق)) يعني الخوارج. أخرجه
البخاري (الفتح ٥٣٥/١٣ -٥٣٦ - ط السلفية) من
حديث أبي سعيد الخدري.
(٤) المغني ١ / ٨٩، ٩٠ ط الرياض،. ونيل الأوطار
١٥٣/١، ١٥٤، ١٥٥، ط دار الجيل.
(٥) ابن عابدين ٥/ ٢٦١، والقوانين الفقهية / ٤٣٥، والجمل
٢٦٧/٥ ط دار إحياء التراث العربي، وأسنى المطالب
٥٥١/١، والمغني ١ / ٨٩، ٩٠.
- ٩٥ -

حلق ٤ - ٥
وترك بعضه فنهى عن ذلك)). وفي لفظ قال:
احلقه کله أو دعْه کله. (١) وفي رواية عنه أن
النبي ◌َّ ((نهى عن القزع)).(٢)
هذا بالنسبة للرجل، أما المرأة فلا يجوز لها
حلق رأسها من غير ضرورة عند الحنفية
والمالكية لقول أبي موسى : ((برىء
رسول الله وَل من الصالقة، (٣) والحالقة))(٤)
وروي أن النبي ◌ِّل نهى أن تحلق المرأة
رأسها، (٥) قال الحسن: هي مثلة.
وأما إذا كان حلق المرأة شعر رأسها لعذر أو
وجع فلا بأس به عند الحنفية والحنابلة. ویری
الشافعية والحنابلة الكراهة. (٦) قال الأثرم:
(١) حديث ابن عمر: «أن رسول الله ټ رأي غلاما قد حلق
بعض ... )). رواه مسلم: (١٦٧٥/٣ - ط الحلبي)، إلا
أنه لم يذكر لفظه، وذكره النسائي (٦/ ١٣٠ - ط المكتبة
التجارية بمصر).
(٢) حديث: أن النبي ◌َّ((نهى عن القزع ... )). أخرجه
البخاري (الفتح ٣٦٤/١٠ ط السلفية). ومسلم
(١٦٧٥/٣ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر.
(٣) الصالقة: من صلقت المرأة إذا صاحت مولولة (المعجم
الوسيط).
(٤) حديث أبي موسى: ((برىء رسول الله ( من الصالقة
والحالقة)). أخرجه البخاري (الفتح ١٦٥/٣ - السلفية).
(٥) حديث أن النبي ◌ُ﴾ ((نهى أن تحلق المرأة رأسها)). أخرجه
الترمذي (٢٤٨/٣ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي
طالب، ثم حكم عليه بالاضطراب.
(٦) ابن عابدين ١٨٢/٢ و٢٦١/٥، والأشباه والنظائر لابن
نجيم / ٣٨٤ ط دار الفكر بدمشق، والقوانين
الفقهية/ ٤٣٥، والفواكه الدواني ٢/ ٤٠١، والجمل
٢٦٦/٥، والمغني ١/ ٩٠
سمعت أبا عبدالله يسأل عن المرأة تعجز عن
شعرها وعن معالجته، وتقع فيه الدواب، قال:
إذا كان لضرورة فأرجو أن لا يكون به بأس. (١)
وأما حلق القفا - وهو مؤخر العنق - فقد
صرح الحنابلة بأنه يكره لمن لم يحلق رأسه، ولم
يحتج إليه لحجامة أو غيرها.
قال المروزي: سألت أبا عبدالله عن حلق
القفا فقال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه
بقوم فهو منهم، وقال: لا بأس أن يحلق قفاه
وقت الحجامة. (٢)
حلق رأس المولود :
٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يستحب حلق
رأس المولود في اليوم السابع، ویتصدق بوزن
الشعر ورقا (فضة) ثم اختلفوا في حلق شعر
المولود الأنثى، فذهب المالكية والشافعية إلى أنه
لا فرق في ذلك بین الذكر والأنثى، لما روي، أن
فاطمة بنت رسول الله # وزنت شعر الحسن
والحسين وزينب وأم كلثوم، وتصدقت بزنة ذلك
فضة . (٣)
(١) الفتاوى الخانية بهامش الهندية ٣/ ٤٠٩، والمغني ١/ ٩٠،
وكشاف القناع ٧٨/١.
(٢) المغني ١ / ٨٠، ٩٠
(٣) حديث أن فاطمة بنت رسول الله مح * ((وزنت شعر الحسن
والحسين)). أخرجه مالك في الموطأ (٥٠١/٢ - ط الحلبي)
وعنه أبوداود في المراسيل (ص٢٧٩ - ط مؤسسة الرسالة)
من حديث محمد بن علي بن الحسين مرسلا .
- ٩٦ -

حلق ٦ - ٧
ولأن هذا حلق فيه مصلحة من حيث
التصدق، ومن حيث حسن الشعر بعده، وعلة
الكراهة من تشويه الخلق غير موجودة هنا .
وأما الحنابلة فيرون عدم حلق شعر المولود
الأنثى لحديث سمرة بن جندب مرفوعا: ((كل
غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع،
ويحلق رأسه))(١) وعن أبي هريرة مثله.
ولقول النبي عليه لفاطمة لما ولدت الحسن:
«احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضة على
المساكين والأوفاض))(٢) يعني أهل الصفة. (٣)
أما الحنفية فذهبوا إلى أن حلق شعر المولود
في سابع الولادة مباح لا سنة ولا واجب. (٤)
حلق الشارب :
٦ - ذهب الحنفية إلى أن حلق الشارب سنة
وقصه أحسن، وقال الطحاوي : حلقه أحسن
(١) حديث: ((كل غلام رهينة بعقيقته)). أخرجه أبو داود
(٢٥٩/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (١٠١/٣
- ط الحلبي) وقال: ((حسن صحيح)).
(٢) حديث: ((احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضة
على ... )). أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٠، ٣٩٢ - ط الميمنية)
من حديث ابن رافع بإسنادين يقوي أحدهما الآخر.
(٣) مواهب الجليل ٢٥٦/٣، ٢٥٧ ط دار الفكر، والقوانين
الفقهية/ ١٩٢ ط دار الكتاب العربي، والجمل ٢٦٦/٥،
ومطالب أولي النهى ٢/ ٤٨٩، ٤٩٠.
(٤) الفتاوى البزازية على هامش الفتاوى الهندية ٦/ ٣٧١ ط
المطبعة الأميرية ببولاق.
من القص، لقوله وقال: ((أحفوا الشوارب،
واعفوا اللحى)). (١) والإِحفاء: الاستئصال،
وهو قول لدى الشافعية.
ويرى الغزالي من الشافعية أنه بدعة. وهو
رواية عند الحنفية أيضا. (٢)
ويرى المالكية أن الشارب لا يحلق، بل
يقص. (٣)
وذهب الشافعية إلى كراهة حلق الشارب
واستحباب قصه عند الحاجة حتی یبین طرف
الشفة بیانا ظاهرا .
وعند الحنابلة یسن حف الشارب أو قص
طرفه، والحف أولى نصا، وفسروا الحف
بالاستقصاء أي المبالغة في القصّ.)(٤) وتفصيله
في مصطلح (شارب)
وأما حلق اللحية فمنهي عنه، وفيه خلاف
ينظر في مصطلح (لحية).
حلق شعر المحرم :
٧ - يحظر على المحرم حلق رأسه أورأس محرم
(١) حديث: ((احفوا الشوارب واعفوا اللحى)). أخرجه مسلم
(٢٢٢/١ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(٢) ابن عابدين ٥/ ٢٦١، والاختيار ١٦٧/٤ ط دار المعرفة،
وأسنى المطالب ١/ ٥٥٠، ٥٥١، والجمل ٢٦٧/٥
(٣) القوانين الفقهية/ ٤٣٥
(٤) الإختيار ١٦٧/٤، والقوانين الفقهية/ ٤٣٥، والجمل
٢٦٧/٥، والأنصاري على هامش أسنى المطالب
٥٥١/١، وشرح منتهى الإرادات ٤١/١
- ٩٧ -

حلق ٨ - ٩
غيره، ما لم يفرغ الحالق والمحلوق له من أداء
نسکهما. وكذا لو حلق له غيره حلالا أو مجرما
يحظر عليه تمكينه من ذلك. (١)
وفي الموضوع خلاف وتفصيل ينظر في
مصطلح ((إحرام)).
الحلق للتحلل من الإِحرام :
٨ - يرى الحنفية والمالكية والشافعية في أظهر
القولين والحنابلة على ظاهر المذهب أن الحلق أو
التقصير نسك في الحج والعمرة، فلا يحصل
التحلل في العمرة والتحلل الأكبر في الحج إلا
مع الحلق . (٢)
وقال الشافعية في أحد القولين - وهو خلاف
الأظهر - وأحمد في قول: إن الحلق أو التقصير
ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور كان
محرما عليه بالإِحرام فأطلق فيه عند الحل،
کاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام،
وهذا ما حكاه القاضي عياض عن عطاء
وأبي ثور وأبي يوسف أيضا.
فعلى هذا الاتجاه لا شيء على تارك الحلق
ويحصل التحلل بدونه . (٣)
هذا ولا تؤمر المرأة بالحلق بل تقصر لما ورد
(١) الموسوعة الفقهية مصطلح ((إحرام)).
(٢) المغني ٣/ ٤٣٥ وروضة الطالبين ١٠١/٣ وبدائع الصنائع
٢/ ١٤٠ والشرح الصغير ٤ /٥٩
(٣) المغني ٣/ ٤٣٥، والمجموع ٢٠٨/٨ وروضة الطالبين.
١٠٢،١٠١/٣.
عن النبي وَل أنه قال: ((ليس على النساء حلق
وإنما عليهن التقصير)). (١) وروى علي رضي الله
عنه أن النبي ◌َّ- ((نهى المرأة أن تحلق رأسها))(٢)
ولأن الحلق للتحلل في حق النساء بدعة وفيه
مثلة، ولهذا لم تفعله واحدة من نساء
رسول الله الر . (٣)
مقدار الواجب حلقه للتحلل :
٩ - لا خلاف بين الفقهاء في أفضلية حلق جميع
الرأس على التقصير لقوله عز وجل : ﴿محلقين
رءوسكم ومقصرين﴾(٤) والرأس اسم للجميع،
وكذا روي أن رسول الله وَلل حلق جميع
رأسه . (٥)
وإنما اختلفوا في أقل ما يجزىء من الحلق :
(١) حديث: ((ليس على النساء حلق وإنما عليهن التقصير)).
أخرجه أبو داود (٢ / ٥٠٢ - تحقیق عزت عبید دعاس)،
وحسنه ابن حجر في التلخيص (٢٦١/٢ - ط شركة
الطباعة الفنية).
(٢) حديث علي رضي الله عنه قال: نهى رسول الله لي أن تحلق
المرأة رأسها)). أخرجه الترمذي (٢٤٨/٣ - ط الحلبي)
وقال : حديث علي فيه اضطراب.
(٣) بدائع الصنائع ١٤١/٢ وروضة الطالبين ١٠١/٣
والمجموع ٨/ ٢١٠، والمغني لابن قدامة ٤٣٩/٣ والشرح
الصغير ٦٠/٢
(٤) سورة الفتح / ٢٧
(٥) بدائع الصنائع ١٤١/٢، وروضة الطالبين ١٠١/٣،
والمجموع ١٩٣/٨، ١٩٩، والمغني ٤٣٥/٣
وحديث ((أن رسول الله ﴾ حلق جميع رأسه)). أخرجه
مسلم (٢/ ٩٤٧ - ط الحلبي) من حديث أنس.
- ٩٨ -

حلق ١٠
فذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا يجزىء
حلق بعض الرأس، لأن النبي وال حلق جميع
رأسه فكان تفسيرا لمطلق الأمر بالحلق. فوجب
الرجوع إليه. (١)
ويرى الحنفية أن من حلق أقل من ربع
الرأس لم يجزه، وإن حلق ربع الرأس أجزأه
ويكره. أما الجواز فلأن ربع الرأس يقوم مقام
كله في القرب المتعلقة بالرأس كمسح ربع
الرأس في باب الوضوء.
وأما الكراهة فلأن المسنون هو حلق جميع
الرأس وترك المسنون مكروه. (٢)
وقال الشافعية: أقل ما يجزىء ثلاث شعرات
حلقا أو تقصيرا من شعر الرأس.
وقال النووي : فتجزیء الثلاث بلا خلاف
عندنا ولا يجزىء أقل منها. وحكى إمام الحرمين
ومن تابعه وجها أنه يجزىء شعرة واحدة. قال
النووي وهو غلط . (٣)
المفاضلة بين الحلق والتقصير للتحلل :
١٠ - قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن
التقصير يجزىء في حق من لم يوجد منه معنی
(١) الشرح الصغير ٢/ ٦٠ وحاشية العدوي على شرح
الرسالة ٤٧٩/١ نشر دار المعرفة ومطالب أولي النهى
٤٢٥/٢
(٢) بدائع الصنائع ١٤١/٢ ومراقي الفلاح ص٤٠١
(٣) المجموع ١٩٩/٨ - ٢٠٠ وروضة الطالبين ١٠١/٣
يقتضي وجوب الحلق علیه . (١) كما أجمعوا على
أن الحلق أفضل من التقصير في حق الرجل،
لأن النبي وَ لّ قال: ((اللهم ارحم المحلقين.
قالوا: والمقصرين يارسول الله. قال: اللهم
ارّحم المحلقين. قالوا: والمقصرين
يارسول الله. قال: اللهم ارحم المحلقين
والمقصرين)). (٢) فقد دعا النبي وَلّ للمحلقين
ثلاثا وللمقصرين مرة، ولأن ذكر المحلقين في
القرآن قبل المقصرين، ولأن الحلق أكمل في
قضاء التفث، وفي التقصير بعض تقصیر فأشبه
الاغتسال مع الوضوء. (٣)
وأما النساء فليس عليهن الحلق بالإِجماع
وإنما عليهن التقصير (٤) كما تقدم .
(١) المغني ٣/ ٣٣٤
وحلق متعذر التقصير لقلته أو ذي تلبید أو ضفر أو عقص
متعين. بهذا قال المالكية وأحمد وعزاه ابن قدامة أيضا إلى
النخعي والشافعي وإسحاق.
(حاشية العدوي على شرح الرسالة ١/ ٤٧٩ والشرح
الصغير مع حاشية الصاوي عليه ٢/ ٥٩ والمغني ٤٣٥/٣).
(٢) حديث: ((اللهم ارحم المحلقين ... )). أخرجه البخاري
(الفتح ٣/ ٥٦١ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(٣) المغني ٣/ ٤٣٥، والمجموع ٨/ ١٩٩، ٢٠٩، وروضة
الطالبين ١٠١/٣ وبدائع الصنائع ٢/ ١٤٠، والجوهرة
النيرة ١٩٥/١ وحاشية العدوي على شرح الرسالة
٤٧٩/١
(٤) المجموع ٢١٠/٨، وبدائع الصنائع ٢/ ١٤١ والمغني لابن
قدامة ٣/ ٤٣٩ والشرح الصغير ٦٠/٢
- ٩٩ -

حلق ١١ - ١٢
هذا وللتفصيل في آداب الحلق للتحلل
وزمانه ومكانه، وحکم تأخیره عن زمانه
ومكانه، تنظر أبواب الحج من كتب الفقه
ومصطلحات (إحرام، إحصار، تحلل،
وتحليق) .
حلق العانة والإِبط :
١١ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يستحب حلق
العانة بالنسبة للرجل، لأنه من الفطرة، كما جاء
في الحديث: ((الفطرة خمس))، (١)، وذكر منها
الاستحداد وهو حلق العانة.
وأما المرأة فيستحب لها النتف عند
الجمهور. (٢) وتفصيل ذلك في مصطلح
(استحداد).
وأما حلق شعر الإِبط فجائز لمن شق عليه
النتف، والأفضل فيه النتف. (٣)
حلق شعر سائر الجسد :
١٢ - يرى جمهور الفقهاء أنه لونبتت للمرأة لحية
أو شارب أو عنفقة كان لها إزالتها بالحلق . (٤)
(١) حديث: ((الفطرة خمس)). أخرجه مسلم (٢٢٢/١ - ط
الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) ابن عابدين ٢٦١/٥، والأشباه والنظائر لابن نجيم
/ ٣٨٤، والقوانين الفقهية/ ٤٣٥، والجمل ٢٦٧/٥،
وأسنى المطالب ١/ ٥٥٠، ٥٥١، والمغني ٨٦/١، ٨٧.
(٣) المراجع السابقة، ونيل الأوطار ١/ ١٣٤.
(٤) المجموع ٢٩٠/١، ٣٧٨ وابن عابدين ٢٣٩/٥=
وذهب المالكية إلى أنه يجب عليها إزالتها . (١)
وقال ابن جرير: لا يجوز للمرأة حلق لحيتها
ولا عنفقتها ولا شاربها، ولا تغيير شيء من
خلقتها بزيادة ولا نقص منه، قصدت به التزين
الزوج أو غيره، لأنها في جميع ذلك مغيرة
خلق الله ومتعدیة علی ما نهی عنه.(٢)
وأما حلق شعر سائر الجسد کشعر اليدين
والرجلين فقد صرح المالكية بوجوبه في حق
النساء وقالوا: يجب عليها إزالة ما في إزالته جمال
لها ولو شعر اللحية إن نبتت لها لحية، ويجب
عليهن إبقاء ما في إبقائه جمال لها فيحرم عليها
حلق شعرها . (٣)
وأما حلق شعر الجسد في حق الرجال فمباح
عند المالكية، وقيل: سنة، والمراد بالجسد
ما عدا الرأس. (٤)
وذهب الحنفية إلى أنه لا يحلق الرجل شعر
حلقه، وعن أبي يوسف لا بأس بذلك. وفي
حلق شعر الصدر والظهر ترك الأدب. (٥)
= والآداب الشرعية ٣٥٥/٣، والمغني ٩٤/١ وكشاف
القناع ٨٢/١ والروض المربع ١/ ١٦٥
(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٤٠٩/٢ نشر دار
المعرفة .
(٢) صحيح مسلم بشرح الأبي ٤٠٧/٥ نشر دار الكتب
العلمية .
(٣) العدوي على شرح الرسالة ٤٠٩/٢ والثمر الداني
ص.٥٠
(٤) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢/ ٤٠٩
(٥) الفتاوى الهندية ٣٥٨/٥
- ١٠٠ -