النص المفهرس

صفحات 61-80

حكر ١٧ - ١٨
الوقف بأقل من أجرة المثل وبغبن فاحش یترتب
علیه فساد عقد الإِجارة. هذا، وإذا كانوا قد
اتفقوا على فساد العقد، فإنهم اختلفوا في
النتائج التي تترتب على ذلك، فقال الخصاف:
إن استغلها فعليه أجر المثل، لأن المتولي أبطل
بالتسمية ما زاد على المسمى إلى تمام أجر
المثل، وهولا يملكه، فیجب أجر المثل، كما لو
آجر من غير تسمية أجر. أما إذا لم يستغلها،
کالدار یقبضها ولا یسکنها، فهویری أنه لا أجر
عليه، لأن أجر المثل لا يلزمه في الإِجارة
الفاسدة، بل لابد من استعمال العين الموقوفة
المؤجرة، كي يجب أجر المثل عليه .
وقال صاحب الإِسعاف وابن عابدين: إن
الفتوى على أنه يجب أجر المثل على كل
حال.(١)
ويرى المالكية أن الناظر إذا أکری العین
الموقوفة بأقل من أجرة المثل ضمن تمام أجرة المثل
إن كان مليا، وإلا رجع على المستأجر، لأنه
مباشر. (٢).
وقال الحنابلة بصحة عقد الإجارة إذا آجر
الناظر العين الموقوفة بأقل من أجر المثل، حتى
إذا صاحب هذه الإِجارة غين فاحش، فعلى
الناظر ضمان النقص في الأجرة فيما لا يتغابن به
(١) الدر المختار ٣ / ٤٠١، والإسعاف ٦٩
(٢) حاشية العدوي على الخرشي ٧ / ٩٩
في العادة، إذا كان الناظر غير المستحق في
الوقف، أما إذا كان الناظر هو المستحق الوحيد
في الوقف فالظاهر أنه لا يضمن. (١)
زيادة أجرة المثل في أثناء المدة أو بعدها:
١٨ - يرى فقهاء الحنفية أنه إذا زادت أجرة مثل
عقار الوقف المستحكر زيادة فاحشة، فإن كانت
الزيادة بسبب البناء والعمارة التي أقامها
المستحکر فیها فلا تلزمه الزیادة، وإن كانت
زيادة أجرة الأرض من نفسها لكثرة رغبات
الناس في الصقع (أي الموقع) تلزمه الزيادة إتماما
لأجر المثل. فإن أبى استئجارها بذلك ينظر،
فإن كانت الأرض لورفعت منها العمارة
لا تستأجر بأكثر من الأجرة المقررة تترك في يد
المحتكر بذلك الأجر لعدم الضرر على
الجانبین. وإن كانت تستأجر بأکثر منها ولم يرض
بالزيادة يجبر على رفع بنائه. (٢) على مايأتي :
وهذا إن كانت زيادة المثل في أثناء مدة
الإِجارة، قال ابن عابدين: لأنه قد عرض في
أثناء المدة مايسوغ الفسخ وهو الزيادة العارضة
في الأجرة. أما إن فرغت المدة فإن لم يكن
للمستأجر في الأرض غراس أوبناء قائم فعلا،
(١) مطالب أولي النهى ٤ / ٣٤٠
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٩٩/٣، وقانون العدل والإنصاف
م٣٣٧، ٣٣٩،٣٣٨
- ٦١ -

حكر ١٨ - ١٩
فليس هو أحق بالإِجارة إذ لا یکون له حق
القرار. وإن کان له فيها بناء أو غراس فهو أولى
من غيره بأجرة المثل، فإن لم يرض أن يدفع أجرة
المثل يؤمر برفع البناء. (١)
وکل هذا إذا کان الحکر في أرض الوقف، أما
في الأراضي غير الموقوفة إذا زاد أجر المثل في مدة
العقد فللمستحکر أن يتمسك بالعقد ویرفض
الزيادة. ثم إن المالك أحق بعقاره بعد انتهاء
المدة والفرق أن المالك قد يرغب في سكنى عقاره
أو بيعه أو هبته بخلاف الوقف، فإن سبيله
التأجیر فالمستأجر الأول أولی . (٢).
والزيادة المعتبرة في الفسخ هي ما كانت من
غير متعنت، بل يشترط أن يكون له رغبة
صحيحة في الاستئجار بالزيادة. أما إن زاد
المتعنت فلا تقبل زيادته، قال في قانون العدل
والإِنصاف: عملا بالأمر السلطاني المطاع.
وإذا كان العقد بصيغة: (كل شهر بكذا)
صح في الشهر الأول ولا يصح في الثاني إلا
بالتلبس به، ویکون للناظر إذا انتھی کل شهر
فسخ الإِجارة إذا زاد أحد على المستأجر ولم يرض
المستأجر بالزيادة .
وإذا اختلف المستحكر والناظر فقال الناظر:
(١) ابن عابدين ٣/ ٣٩٩، والفتاوى البزازية بهامش الهندية
٢٦٨/٦
(٢) الفتاوى الخيرية ١٧٢/١، ١٨٠، والهندية ٥١٤/٤،
٥١٥
إن أجرة المثل قد زادت، وقال المستحكر: لم تزد
فالقول للمستحکر، وعلى الناظر إثبات الزيادة
بالبرهان .
ويؤخذ في ذلك عند محمد بقول رجلين
من أهل الخبرة والأمانة. ويكفي واحد عند
أبي حنيفة وأبي يوسف.
ولا تفسخ إجارة الوقف بصفة عامة بزيادة
أجرة المثل في المدة الأولى عند المالكية، وهو
الأصح عند الشافعية وهو مذهب الحنابلة . (١)
نقص أجرة المثل أثناء مدة الاحتكار :
١٩ - إذا نقصت أجرة المثل أثناء مدة الاحتكار لم
يجز فسخ العقد لمصلحة المحتكر حتى عند
الحنفية القائلين بفسخه للزيادة. لأن العقد
عقد إجارة لازم وفي الفسخ ضرر على
المستحقين. (٢)
وذكر الأذرعي من فقهاء الشافعية في معرض
رده على ابن الصلاح فيما لوطرأ تغيير على
أجرة المثل في أثناء المدة بسبب تغير الأحوال أن
(١) قانون العدل والإنصاف م٣٣٩، ٣٤٠، وتنقيح الفتاوى
الحامدية ١١٨/٢، ١٢٩، والخيرية ١٩٧/١، ٢١٣
والبحر الرائق ٢٥٧/٥، والشرواني ٢٩٤/٦، وابن
عابدين ٣/ ٣٩٩، وفتح العلي المالك ٢٣٩/٢، والخرشي
٩٩/٧، والدسوقي ٩٥/٤، وروضة الطالبين ٣٥٢/٥ ط
المكتب الإسلامي، ومطالب أولي النهى ٤/ ٣٤٠.
(٢) مرشد الحيران م٦٩٠، والدر وحاشية ابن عابدين ٣٩٨/٣
- ٦٢ -

حكر ٢٠ -٢٢
الذي يقع في النفس أنا ننظر إلى أجرة المثل التي
تنتهي إليها الرغبات حالة العقد في جميع المدة
المعقود عليها مع قطع النظر عما عساه
یتجدد.(١)
ملكية الغراس والبناء الذي يضعه المحتكر
والتصرف فيها :
٢٠ - البناء الذي يبنيه المحتكر والغراس الذي
يغرسه بإذن القاضي أو الناظر في الأرض
المحتكرة يكون ملكا خالصا له فيصح بيعه
للشريك وغيره، وله هبته والوصية به ويورث
عنه .
أما الأرض نفسها فرقبتها للوقف. وعلى
هذا لو أن الأرض المحکرة استملکت للمصلحة
العامة فلیس للمحتکر إلا التعويض عن بنائه أو
غراسه، أما ما يقابل رقبة الأرض فإنه يكون
للجهة الموقوف عليها .
وعند المالكية ما يفيد أن ما يبنيه المحتكر
یکون ملکا یباع ویورث لكنهم قالوا هذا إذا بين
الملكية، أما إن بين التحبيس أو لم يبين شيئا
فالبناء والغرس وقف على المشهور لا حق فيهما
لورثة الباني والغراس.
ويفهم مما ذكره الشافعية في استئجار الأرض
للبناء أو الغراس، أن البناء والغراس ملك
(١) تحفة المحتاج ٦/ ٢٩٤ ط صادر. مغني المحتاج ٣٩٥/٢ ط
الفكر، نهاية المحتاج ٤٠١/٥ ط المكتبة الإسلامية.
للمستأجر، والأرض ملك لصاحبها. وفي
المسألة تفصيل.
ويفهم من كلام الحنابلة أن الحكر - إذا
بيعت الأرض - يبقى للمحتكر، قال عثمان
النجدي: ((إذا بيعت الأرض المحتكرة أو ورثت
فالحكر على من انتقلت إليه في الأصح)). (١).
الشفعة فيما بني في الأرض المحتكرة :
٢١ - لا شفعة عند الحنفية والشافعية في
الكردار(٢) الذي في أرض الوقف المحتكرة لأنه
لا شفعة عندهم في البناء بدون الأرض، ولا في
الشجر بدون الأرض.
وعند المالكية يكون لمن اشترك في البناء في
أرض الوقف المحتكرة الأخذ بالشفعة. (٣)
وقف البناء من مالكه في أرض الوقف
المحتكرة :
٢٢ - الأصل عند الحنفية عدم جواز وقف البناء
(١) قانون العدل والإنصاف م٣٣٣، والدر المختار ٣٣٤/٣،
٣٩٧، وفتح العلي ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤، والروضة ٢١٤/٥ -
٢١٦، ط المكتب الإسلامي، وهداية الراغب ص٣٧٨،
ومطالب أولي النهى ٦٨٩/٣.
(٢) الكردار: (بالكسر) فارسي وهو مثل البناء والأشجار
والکبس إذا کبسه من تراب نقله من مکان کان یملکه.
المغرب ص٤٠٤
(٣) تنقيح الفتاوى الحامدية ١٦٦/٢، وقانون العدل
والإنصاف م٣٤٢، والبحر الرائق ٥/ ٢٢٠، وابن عابدين
١٣٨/٥، وفتح العلي المالك ٢٥٢/٢، والروضة ٧٠/٥
ط .المكتب الإسلامي، ومغني المحتاج ٢٩٦/٢، ونهاية
المحتاج ١٩٣/٥ - ١٩٤
- ٦٣ -

حکر ٢٢ - ٢٤
بدون وقف الأرض، كما لو كانت الأرض مملوكة
له ولم يقفها، أو مملوكة للغير. ولو كانت الأرض
موقوفة فوقف البناء الذي بناه فيها على جهة
أخرى غير الموقوفة عليها الأرض اختلفوا فيه،
ورجح ابن عابدين أن الأرض إن كانت مقررة
للاحتكار جاز وقف ما يبنيه المحتكربها، لأنه
لا مطالب بنقضه بخلاف المملوكة نص على
ذلك الخصاف. وقال صاحب الدر المختار:
الصحيح الصحة أي لكون ذلك أصبح
متعارفا . (١)
وإذا بنى في الأرض المحتكرة مسجدا جاز
عند الحنفية أيضا، قال ابن نجيم: والظاهر أن
الحكر على الواقف طيلة مدة الاحتكار، فإذا
انقضت المدة ينبغي أن يكون الحكر على بيت
المال.
ويصح عند المالكية والشافعية وقف البناء
الذي يبنيه المحتكر والغراس الذي يغرسه. فقد
ذكر النووي في الروضة أنه لو استأجر أرضا ليبني
فيها أويغرس، ففعل، ثم وقف البناء والغرس
صح على الأصح، ولو وقف هذا أرضه، وهذا
بناءه، صح بلا خلاف كما لو باعاه. (٢)
(١) ابن عابدين ٣/ ٣٩٠، ٣٩١، وقانون العدل والإنصاف
م٣٣٣، ومرشد الحيران م٥٩١، والإسعاف في أواخر باب
ما يجوز وقفه ص١٨
(٢) البحر الرائق ٥/ ٢٢٠، والدسوقي ٧٦/٤، والروضة
٣١٦/٥
موت المستحكر قبل أن يبني أو يغرس :
٢٣ - يرى الحنفية أنه إذا مات المستحكر قبل أن
يبني أو يغرس في الأرض المستحكرة انفسخت
الإِجارة، وليس لورثته البناء في الأرض أو
الغرس فيها إلا بإذن الناظر. (١)
ولم نجد لغير الحنفية تصريحا بحكم الحكر
خاصة .
انقضاء الحكر بهلاك البناء أو الأشجار:
٢٤ - إذا خرب البناء الذي بناه المحتكر في أرض
الوقف وزال عنها بالكلية، ينقضي حق المحتكر
في القرار فيها. وهذا إن كان بعد انقضاء مدة
الإِجارة، لا في المدة. وكذلك إن فنيت الأشجار
التي في الأرض الزراعية وذهب كردارها لا يكون
للمحتكر حق في الاستمرار في شغلها، إن
حصل ذلك بعد انقضاء مدة الإجارة . (٢)
(١) قانون العدل والإنصاف م٣٤١، وتنقيح الفتاوى الحامدية
١٣١/٢
(٢) قانون العدل والإنصاف م٣٣٨، وتنقيح الفتاوى الحامدية
١٣١/٢، وفتح العلي ٢/ ٢٥٢.
- ٦٤ -

حكم ١ - ٢
حكم
التعريف :
١ - الحكم لغة: القضاء. وأصل معناه: المنع،
یقال: حکمت علیه بكذا إذا منعته من خلافه
فلم يقدر على الخروج من ذلك، ويقال
حُكم الله أي قضاؤه بأمر والمنع من مخالفته. (١)
ولتعريف الحكم اصطلاحاً يقيّد بالشرعي،
تفريقاً له عن العقلي والعادي وغيرهما، فالحكم
الشرعي عند جمهور الأصوليين هو: خطاب
الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا
أو وضعاً. أما عند الفقهاء فهو: أثر خطاب الله
المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو
وضعاً، فالحكم عندهم هو الأثر أي الوجوب
ونحوه، ولیس الخطاب نفسه. (٢)
أنواع الحكم
٢ - ينقسم الحكم هنا إلى التكليفي والوضعي،
وبعضهم زاد التخييري، ويدل تعريف الحكم
(١) المصباح، والقاموس، والنهاية لابن الأثير مادة: ((حكم)).
(٢) مسلم الثبوت ٥٤/١، وجمع الجوامع ٣٥/١، وإرشاد
الفحول ٦، والتوضيح ١٤/١
على هذه الأنواع، فالمراد بالاقتضاء في تعريف
الحكم هو الطلب، ويسمى هذا النوع من أنواع
الحكم: الحكم التكليفي لما فيه من إلزام كلفة .
ويتناول كلّاً من طلب الفعل جازماً، وهو
الوجوب، أو غير جازم، وهو الندب، كما يتناول
طلب الترك جازماً، وهو التحريم، أو غير
جازم، وهو الكراهة.
والمراد بالتخيير - في التعريف - الإِباحة،
وهي أن لا يكون الشيء مطلوب الفعل أو
الترك.
وبأحكام الاقتضاء والتخيير تستكمل أقسام
الأحكام التكليفية الخمسة أو السبعة - على
ما سيأتي - وقصرها بعض الأصوليين -
كالآمدي - على ما يتعلق بطريق الاقتضاء،
وأفرد الإباحة باسم (الحكم التخيري) في حین
أن بعض الأصوليين يخرجون المندوب من الحكم
التكليفي لأنه ليس فيه إلزام بمشقة، قال
الآمدي: وهو أولى من المباح بالخروج من
الحكم التكليفي. وينظر مصطلح : (إباحة).
والمراد بالوضع - في تعريف الحكم .
خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سببا،
أو شرطا، أومانعا، أو صحيحا، أو فاسداً (أو
باطلاً على ما ذهب إليه الحنفية من التفرقة بين
الفاسد والباطل). (١)
(١) نهاية السول للأسنوي٧١/١، والتقرير والتحبير ١١١/٢،
وشرح المنار ٥٧٩
- ٦٥ -

حکم ٣ - ٤، حُكمان
وتفصيله في مصطلحي : (باطل )
و(بطلان).
أقسام الحكم التكليفي :
٣ - ينقسم الحكم التكليفي عند الجمهور إلى
خمسة أقسام هي : الفرض، والندب،
والإِباحة، والحرمة، والكراهة، وتزيد الأقسام
عند الحنفية قسمين آخرين هما (الوجوب) وهو
بين الفرض والندب و(الكراهة التحريمية) وهي
بين الحرمة والكراهة التنزيهية، فالفرض غير
الواجب عند الحنفية، أما الجمهور فیسوّون بین
الفرض والواجب.
هذا، ولبعض أقسام الحكم التكليفي
کالواجب تقسیمات كثيرة باعتبارات مختلفة،
أهمها تقسیمه بحسب وقت أدائه إلى مؤقت،
ومطلق، وبحسب المطالب بأدائه إلى عيني،
وكفائي، وبحسب المقدار المطلوب منه إلى
محدد، وغير محدد، وبحسب تعيين المطلوب إلى
معین ومخیر.
وتفصيل ذلك كله سبق في مصطلح :
(حق).
وكذلك تقسيمات البقية كالمندوب والمكروه
والمحرم وتنظر في مصطلحاتها، وفي الملحق
الأصولي. (١)
(١) إرشاد الفحول للشوكاني ٦ - ٧، والمستصفى ٦٥/١
(بهامش مسلم الثبوت).
أقسام الحكم الوضعي :
٤ - ينقسم الحكم الوضعي إلى أقسام كثيرة
أهمها: السبب، والشرط، والمانع، والرخصة،
أو العزيمة، والصحة، أو البطلان. وينظر
تفصيلها في مصطلحاتها، وفي الملحق
الأصولي .(١)
حُكمان
انظر : تحكيم
(١) المستصفى ٩٣/١ فما بعدها (بهامش مسلم الثبوت).
- ٦٦ -

حكمة ١ - ٤
﴿وآتاه الله الملك والحكمة﴾(١) ﴿وآتيناه الحكمة
(٢)
وفصل الخطاب
حكمة
التعريف :
١ - الحكمة في اللغة : العلم بحقائق الأشياء
على ماهي عليه في الوجود والعمل بمقتضاها،
وهي إذا أضيفت إلى الله يراد بها العلم بالأشياء
وإيجادها على غاية الإِحكام، وإذا أضيفت إلى
الإِنسان يراد بها معرفة الحق، وفعل الخيرات.
وتطلق على العلم، والفقه،(١) ورد في الأثر
الصحيح: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل
آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق،
ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها
ويعلمها)). (٢)
وجاءت الحكمة في القرآن بمعنى
النبوة، (٣)قال تعالى: في معرض الامتنان على
نبيه داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:
(١) تاج العروس.
(٢) حديث: لا حسد إلا في اثنتين ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١٦٥/١ - ط السلفية) ومسلم (٥٥٩/١ - ط
الحلبي) من حديث عبدالله بن مسعود.
(٣) مفردات القرآن للراغب مادة: (حكم).
الحكمة عند الأصوليين :
٢ - الحكمة عند الأصوليين مايترتب على ربط
الحكم بعلته، أو بسببه من جلب مصلحة أو
دفع مضرة، أو تقليلها، وتطلق أيضا على
الوصف المناسب لشرع الحكم.(٣)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - السبب :
٣ - السبب هو الوصف الظاهر المنضبط المعرف
(٤)
للحكم. (٤)
ب - المانع :
٤ - المانع هو مايلزم من وجوده عدم السبب أو
الحكم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
والتفصيل في الملحق الأصولي.
الحكم الإجمالي :
يتضح الحكم الإِجمالي للحكمة من المقارنة
بينها وبين العلة. فالفرق بين الحكمة والعلة أن
(١) سورة البقرة / ٢٥١
(٢) سورة ص/ ٢٠
(٣) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢٧٨/٢ بتصرف، مسلم
الثبوت ٢ / ٢٧٤
(٤) نهاية المحتاج ١ / ٩٤، وجمع الجوامع ١ / ٩٦
- ٦٧ -

٠٠
حكمة ٤، حكومة عدل ١
العلة هي الوصف الذي جعله الشارع مناطا
لثبوت الحكم حيث ربط الشارع به الحكم
وجودا وعدما على أنه مظنة لتحقيق المصلحة
المقصودة للشارع من شرع الحكم.
أما الحكمة، فهي المصلحة نفسها، لذلك
قد تتفاوت درجاتها في الانضباط، وقد تخفى فلا
تكون معلومة لنا أصلا. (١) لهذا اختلف
الأصوليون في جواز (ربط الحكم) بالحكمة،
فقال بعضهم: إذا وجدت الحكمة ظاهرة
منضبطة جازربط الحكم بها لعدم المانع لأنها
المناسب المؤثر حقيقة. وذهب البعض إلى أنه
لا يجوز ربط الحكم بها، وإن كانت ظاهرة
منضبطة، وينظر مصطلح (تعبدي)، والتفصيل
في الملحق الأصولي.
(١) المستصفى للغزالي ٣٣٢/٢، ومسلم الثبوت ٢٧٤/٢
حكومة عدل
التعريف :
١ - الحكومة في اللغة: مصدر الثلاثي (حكم)
واسم مصدر من (غير الثلاثي)، ومن معانيها رد
الظالم عن الظلم (١) قال الأزهري في تعليقه على
حديث: ((في أرش الجراحات الحكومة)). (٢)
معنی الحکومة في أرش الجراحات التي لیس
فيها دية معلومة أن يجرح الإِنسان في بدنه مما
يبقي شينه ولا يبطل العضو فيقتاس (يقدر)
الحاكم أرشه. (٣) ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا
اللفظ عن المعنى اللغوي، فقد أطلقوه على
الواجب الذي يقدره عدل في جنایة لیس فيها
مقدار معين من المال. (٤) قال ابن عاشر:
اتفقت الأنقال على أن المراد بالحكومة الاجتهاد
(١) متن اللغة مادة: (حكم).
(٢) حديث: ((في أرش الجراحات الحكومة)).
أورده ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (١/ ٤٢٠
ط الحلبي) ولم نر مسندا في أي مرجع آخر. والله أعلم.
(٣) لسان العرب مادة: (حكم).
(٤) أنيس الفقهاء ص٢٩٥، الزيلعي ٦/ ١٣٣، انظر فتح
القدير ٣١٤/٨
- ٦٨ -

حكومة عدل ٢ - ٤
وإعمال الفكر فيما يستحقه المجني عليه من
الجاني .(١)
وسبب التسمية أن استقرار الحكومة يتوقف
علی حکم حاكم أو محکم معتبر، ومن ثم لو
اجتهد فيه غیره لم یکن له أثر. (٢)
قال ابن عرفة: ألفاظ المدونة يأتي فيها تارة
لفظ الحكومة، وتارة لفظ الاجتهاد فيحتمل أن
يكونا مترادفين. (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الأرش :
٢ - الأرش هو المال الواجب في الجناية على
مادون النفس، وقد يطلق على بدل النفس وهو
الدية . (٤)
والأرش أعم من حكومة العدل لأنه يشمل
الواجب في جناية جاء فيها نص بسهم معین،
والواجب في جناية ليس فيها نص مقدر من
الشارع، فحكومة العدل هي نوع من الأرش.
ب - الدية :
٣ - الدية : هي بدل النفس لسقوط القصاص
(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٣٨١/٤، وانظر
البناني بهامش الزرقاني ٣٤/٨
(٢) مغني المحتاج ٤/ ٧٧، ونهاية المحتاج ٧/ ٣٢٥، وحاشية
إبراهيم على الأنوار لأعمال الأبرار ٤٢٦/٢
(٣) حاشية البناني بهامش الزرقاني ٣٤/٨، والتاج والإكليل
بهامش الحطاب ٢٨٥/٦
(٤) التعريفات للجرجاني وأنيس الفقهاء ص٢٩٥
بأسبابه، وقد يسمى أرش مادون النفس
بالدية . (١)
والفرق بين الدية وحكومة العدل، أن الدیة
تجب في الغالب بالجناية على النفس، أما
حكومة العدل فتجب بالاعتداء على مادون
النفس، كما أن الدية مقدرة شرعا، وحكومة
العدل غير مقدرة في الشرع ويترك أمر تقديرها
للحاكم.
الأحكام المتعلقة بحكومة العدل:
ما يجب فيه حكومة العدل :
٤ - الأصل أن ما لا قصاص فیه من الجنايات
علی مادون النفس وليس له أرش مقدر بنص أو
قياس ففيه الحكومة، لأن الأصل في الجناية
الواردة على محل معصوم اعتبارها بإيجاب الجابر
أو الزاجر ما أمكن. (٢)
قال الزيلعي عند الاستدلال على وجوب
حكومة العدل في الجنايات التي ليس فيها مقدار
معين من المال: لأن هذه (الجنايات) ليس فيها
أرش مقدر من جهة الشرع ولا يمكن إهدارها
فتجب فيها حكومة العدل وهو مأثور عن إبراهيم
(١) التعريفات للجرجاني.
(٢) بدائع الصنائع ٢٢٣/٧، وانظر تحفة الفقهاء ١٤٦/٣ -
١٤٧، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٤/ ٣٨١،
ومغني المحتاج ٤/ ٧٧، والمغني لابن قدامة ٥٤/٨ - ٥٦ ط
الرياض.
- ٦٩ -

حكومة عدل ٥ - ٧
النخعي، وعمر بن عبدالعزيز. (١).
هذا وقد أخرج الشافعية من الحكومة ما
عرفت نسبة أرشه إلى أرش مقدر في الشرع كأن
کان بقربه موضحة، (٢) أو جائفة(٣) فعندئذ
وجب الأكثر من قسطه والحكومة . (٤)
ويخرج من الحكومة ما كان في معنى الجرح
الذي فيه أرش مقدر مقيسا عليه كالأليتين
والثديين والحاجبين. (٥)
وللتفصيل في الجنايات التي تجب فيها حكومة
العدل (ر: جناية على ما دون النفس).
شروط حكومة العدل :
٥ - لم يذكر الفقهاء شروطا محدودة لوجوب
حكومة العدل إلا أنه أمكن بتتبع عباراتهم
استخلاص الشروط الآتية :
أ - ألا يكون للجناية أرش مقدر:
٦ - يشترط ألا يكون للجناية المراد تقديرها أرش
مقدر من قبل الشارع (٦) بناء عليه لا يجوز
(١) تبيين الحقائق ٦/ ١٣٣ وانظر تكملة البحر الرائق ٣٨٢/٨
(٢) الموضحة هي الشجة التي تبدي بياض العظم (ر: شجة).
(٣) الجائفة هى الطعنة التي تبلغ الجوف (ر. جائفة) ..
(٤) مغني المحتاج ٤/ ٧٧ نشر دار إحياء التراث العربي، ونهاية
المحتاج ٣٢٥/٧
(٥) المغني لابن قدامة ٥٦/٨
(٦) بدائع الصنائع ٣٢٣/٧، ومغني المحتاج ٤ / ٧٧، والمغني
٥٦/٨، والشرح الصغير ٣٨١/٤
الاجتهاد في تقدير أرش شجة، أو جراحة، أو
إزالة منفعة عضولها أرش مقدر في الشرع.
ب - ألا تبلغ الحكومة أرش العضو:
٧ - الحكومة التي تجب في جرح أصاب عضوا له
أرش مقدر كاليد والرجل لا يبلغ بها ذلك الأرش
المقدر، وهو قول أكثر أهل العلم. (١)
وعلة ذلك ألا تكون الجناية على العضو مع
بقائه مضمونة بما يضمن به العضو نفسه. (٢)
قال النووي : إن كانت الجناية على عضوله
أرش مقدر نظر: إن لم تبلغ الحكومة أرش ذلك
العضو وجبت بكمالها، وإن بلغته نقص الحاكم
شيئا منه بالاجتهاد. وبهذا يقول القاضي من
الحنابلة . (٣) بناء على هذا أن حكومة الأنملة
العليا يجرحها، أو يقلع ظفرها ينقص عن أرش
الأنملة .
والجناية على الأصبع وعلى الرأس لا تبلغ
حكومتها أرش الموضحة، وعلى البطن لا تبلغ
أرش الجائفة، وحكومة جرح الكف لا تبلغ دية
الأصابع الخمس، وكذا حكومة قطع الكف
(١) مغني المحتاج ٤/ ٧٧، وروضة الطالبين ٢٠٨/٩،
والأنوار لأعمال الأبرار ٤٢٦/٢، والمغني لابن قدامة ٨/ ٥٧
- ٥٨، والكافي لابن قدامة ٩٤/٤، والدسوقي ٢٧١/٤
(٢) مغني المحتاج ٤/ ٧٧
(٣) روضة الطالبين ٣٠٨/٩، ومغني المحتاج ٧٨/٤، والمغني
٥٨/٨
- ٧٠ -

. حكومة عدل ٨ - ١٠
التي لا أصبع عليها، وكذا حكم القدم.(١)
أما إذا كانت الجراحة على عضوليس له
أرش مقدر كالظهر والكتف والفخذ فيجوز أن
تبلغ حكومتها دیة عضو مقدر کالید والرجل وأن
تزيد عليه وإنما تنقص عن دية النفس. (٢)
ج - أن يكون التقويم بعد اندمال الجرح:
٨ - يشترط أن يقوم المجني عليه لمعرفة الحكومة
بعد اندمال الجرح وبرئه لا قبله، لأن الجرح قد
يسري إلی النفس أو إلى مايكون واجبه مقدرا،
فيكون ذلك هو الواجب لا الحكومة . (٣)
وصرح الحنفية والحنابلة بأنه يشترط أن يقوم
بتقدير أرش الجراحة ذوا عدل من أهل الخبرة
لأنه يفتقر إلى فرض الحر رقيقا بصفاته، وتعتبر
قیمته، ثم ينظر لمقدار النقص ويؤخذ بنسبته من
الدية، وهذا إنما يستقر بعد معرفة القيمة من
المقومين . (٤)
(١) روضة الطالبين ٣٠٨/٩، وانظر الأنوار لأعمال الأبرار
٤٢٦/٢
(٢) روضة الطالبين ٩/ ٣٠٩، والأنوار لأعمال الأبرار
٤٢٦/٢، ومغني المحتاج ٤/ ٧٨
(٣) الأنوار لأعمال الأبرار مع حواشيه ٤٢٦/٢، ومغني المحتاج
٧٨/٤، وروضة الطالبين ٣٠٩/٩، والمغني ٨/ ٥٩،
والزيلعي ١٣٨/٦، وابن عابدين ٣٨٦/٥، والتاج
والإكليل بهامش الخطاب ٢٥٨/٢ - ٢٥٩ والإفصاح لابن
هبيرة ص٣٨٣، وانظر رحمة الأمة في اختلاف الأئمة
ص٢٥٦
(٤) الكافي لابن قدامة ٤ /٩٤ نشر المكتب الإسلامي
قال الكاساني عند الكلام عن طريقة
الكرخي لتقدير حكومة العدل: تقرب هذه
الجناية إلى أقرب جناية لها أرش مقدر فينظر ذوا
عدل من أطباء الجراحات کم مقدار هذه ههنا
في قلة الجراحات وکثرتها بالجزر والظن فيأخذ
القاضي بقولهما، ويحكم من الأرش بمقداره من
أرش الجراحة المقدرة . (١)
د - أن يحكم القاضي أو المحكم بالحكومة:
٩ - يشترط أن يحكم بالحكومة القاضي أو
المحکم بشرطه - وهو کونه مجتهدا أو مقلدا عند
الضرورة - بناء على تقدير ذوي عدل من أطباء
الجراحات، حتى لو وقعت الحكومة باجتهاد غیر
القاضي أو المحكم لم تعتبر. (٢)
كيفية تقدير حكومة العدل :
١٠ - يرى جمهور الفقهاء أنه لابد لمعرفة حكومة
العدل أن يتم تقويم المجني عليه بتقويم العبيد
کما في تقویم سائر المتلفات، فیقوم المجني عليه
بصفاته التي هو عليها لو كان عبدا وینظر كم
نقصت الجناية من قيمته، فإن قوم بعشرة دون
سبـ
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٣٢٤، ٣٢٥
(٢) البجيرمي على شرح منهج الطلاب ٤/ ١٧٤، ونهاية
المحتاج ٧/ ٣٢٥، ومغني المحتاج ٤/ ٧٧، وحاشية إبراهيم
على الأنوار لأعمال الأبرار ٢/ ٤٢٦، وبدائع الصنائع
٣٢٤/٧، ٣٢٥ وانظر الشرح الصغير ٣٨١/٤
- ٧١ -

حكومة عدل ١٠
الجناية وبتسعة بعد الجناية فالتفاوت العشر
فيجب له على الجاني عشردية النفس. (١)
وذهب الشافعية في قول والكرخي من
الحنفية إلى تقريب هذه الجناية إلى أقرب
الجنايات التي ها أرش مقدر، فينظر ذوا عدل من
أطباء الجراحات كم مقدار هذه ههنا في قلة
الجراحات وكثرتها بالحزر والظن، فيأخذ
القاضي بقولهما ويحكم من الأرش بمقداره من
أرش الجراحة المقدرة. (٢)
واستدل لهذه الطريقة بالأثر المنقول عن علي
رضي الله عنه وهو ماروي أن رجلا قطع طرف
لسانه في زمن عليّ رضي الله عنه فأمره أن يقرأ
(ألف، ب، ت، ث ... ) فكلما قرأ حرفا أسقط
من الدية بقدر ذلك ومالم يقرأه أوجب الدية
بحساب ذلك. (٣)
فإنه اعتبر حكومة العدل في الذي قطع طرف
لسانه بهذا الاعتبار ولم يعتبر بالعبيد. (٤)
(١) روضة الطالبين ٧/ ٣٠٨، والمغني لابن قدامة ٥٦/٨،
والكافي لابن قدامة ٩٤/٤، وتحفة الفقهاء ١٤٨/٣،
وبدائع الصنائع ٧/ ٣٢٤، والفتاوى الهندية ٦/ ٢٩،
والزرقاني ٣٤/٨، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة
ص٢٥٦ ط الحلبي.
(٢) بدائع الصنائع ٣٢٤/٧ - ٣٢٥، ونهاية المحتاج ٣٢٥/٧،
ومغني المحتاج ٤/ ٧٧
(٣) تكملة البحر الرائق ٣٧٦/٨، ٣٨٢، وبدائع الصنائع
٧/ ٣٢٥
(٤) العناية بهامش فتح القدير ٨/ ٣١٤ط الأميرية، ودرر
الحكام في شرح غرر الأحكام ١٠٦/٢
ونقل عن عمر بن عبدالعزيز ومجاهد مثل
ذلك.(١)
ونقل الحصكفي عن الخلاصة: إنما يستقيم
قول الکرخي لو كانت الجناية في وجه ورأس
فحينئذ يفتى به، ولو في غيرهما أو تعسر على
المفتي يفتي بقول الطحاوي - وهو قول الجمهور-
مطلقا لأنه أیسر. (٢)
وقال الصدر الشهيد: ينظر المفتي في هذا،
إن أمكنه الفتوى بالثاني - وهو قول الكرخي -
بأن كانت الجناية في الرأس والوجه يفتي بالثاني.
وإن لم يتيسر عليه ذلك يفتي بالقول الأول - وهو
قول الجمهور - لأنه أيسر. وكان المرغیناني يفتي
به.(٣)
ومحل الخلاف بين الفريقين إذا كانت الجناية
على عضوله أرش مقدر فإن كانت على الصدر
أو الفخذ أو نحو ذلك مما لا مقدر فيه اعتبرت
الحكومة من دية النفس قطعا. (٤)
وذكر بعض الحنفية قولا ثالثا في كيفية تقدير
الحكومة، فقد قال في المحيط: والأصح أنه ينظر
كم مقدار هذه الشجة من أقل شجة لها أرش
مقدر، فإن كان مقداره مثل نصف شجة لها
(١) المحلى ٧/ ٥٣٧ط الإِمام.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٧٣/٥، وانظر الجوهرة النيرة
٢١٩/٢ ط ملتان - باكستان.
(٣) تكملة البحر الرائق ٣٨٢/٨ وغنية ذوي الأحكام في بغية
درر الحكام للشرنبلالي ٢/ ١٠٦
(٤) مغني المحتاج ٧٧/٤، ونهاية المحتاج ٣٢٥/٧ - ٣٢٦
- ٧٢ -

حكومة عدل ١٠
أرش، أوثلثها، وجب نصف أو ثلث أرش تلك
الشجة، وإن كان ربعا فربع.
ویری الشرنبلالي أن هذا القول ليس قولا
ثالثا، والأشبه أن يكون هذا تفسيرا لقول
الکرخي .(١)
وقيل : تقدر الجناية بمقدار ما يحتاج إليه
المجني عليه من النفقة وأجرة الطبيب إلى أن
يبرأ، وبهذا قال الفقهاء السبعة. (٢)
قال القهستاني: هذا كله إذا بقي للجراحة
أثر وإلا فعندهما لا شيء علیه، وعند محمد
يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبرأ، وعن أبي يوسف
حكومة العدل في الألم. (٣)
ويرى جمهور المالكية أن ما بریء من
الجراحات على غيرشين - مما دون الموضحة مما
لم يقدر فيه الشارع شيئا - فإنه لا شيء فيه على
الجاني من عقل وتعزير وأجرة طبيب. (٤)
واستحسن ابن عرفة - فيما إذا لم يكن في الجرح
شيء مقدر - القول بأن على الجاني أجرة
الطبيب وثمن الدواء سواء أبرىء على شين
(١) غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام ٢ / ١٠٦
(٢) الدر المختار ٣٧٣/٥، والجوهرة النيرة ٢١٩/٢ ط
باكستان، الحطاب والمواق ٦/ ٢٥٩
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٧٣/٥
(٤) الفواكه الدواني ٢/ ٢٦٣، وكفاية الطالب الرباني ٢٧٩/٢
نشر دار المعرفة، ويراد بأجرة الطبيب ما يشمل ثمن الدواء
كما في حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢٧٩/٢
أم لا مع الحكومة في الأول. (١) أما ما قدر
الشارع فيه شيئا فالواجب المقدر، برىء على
شين أم لا. (٢) إلا موضحة الوجه والرأس فإنها
إذا برئت على شين فقد اختلفوا في الواجب فيها
على ثلاثة اتجاهات:
الأول : دفع ديتها وما حصل بالشين، وهذا
هو المشهور عند المالكية .
الثاني: دفع ديتها ولا يزاد عليها مطلقا،
وهذا ما يقول به أشهب، وهو مقابل المشهور.
الثالث: الزيادة على الدية إذا كان أمرا
منکرا، أما إذا كان شيئا يسيرا فلا يزاد عليها .
وهذا ما رواه نافع عن مالك: (٣)
(١) الشرح الصغير ٣٨١/٤
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢/ ٢٧٩، والفواكه
الدواني ٢٦٣/٢
(٣) حاشية العدوي على الخرشي ٣٥/٨، ومنح الجليل
٤/ ٤٠٤، وانظر الخطاب ٢٥٩/٦، والشرح الصغير
٣٨٣/٤
- ٧٣ -

حلال ١ - ٢
حلال
التعريف :
١ - الحلال لغة: نقيض الحرام ومثله الحل
والحلال والحليل، وهو من حل يحل حلا.
ویتعدی بالهمز والتضعيف فيقال أحله الله
وحلله. كما يقال هذا لك حل وحلال، ويقال
لضده حرم وحرام أي محرم . (١)
والحلال اصطلاحا: هو الجائز المأذون به
شرعا. وبهذا يشمل المندوب والمباح والمكروه
مطلقا عند الجمهور، وتنزيها عند الحنفية، من
حیث جواز الإِتیان بها وعدم امتناعه شرعا، مع
رجحان الفعل في المندوب، وتساوي الفعل
والترك في المباح، ورجحان الترك في المكروه.
والحلال متضمن في الواجب من حيث أن
الواجب مركب من جواز الفعل بمعنى رفع
الحرج مع المنع من الترك، فاللفظ الدال على
الوجوب يدل تضمنا على الجواز. فيكون
الحلال في مقابلة الحرام من حيث الإِذن في
الأول وعدم امتناعه شرعا، وعدم الإِذن في
الحرام وامتناعه شرعا.
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة ((حل)).
والوجوب متعلق بالحلال من حيث الجملة،
لأن المكلف مأمور شرعا بالتزام ما أحل الله
ومجانبة ما حرمه في شأنه کله.
وقد يطلق الفرض ويراد به الحل لغة، ومنه
قوله تعالى: ﴿ما كان على النبي من حرج فيما
فرض الله له﴾(١) أي أحل له.
ومما فرق به الحنفية بين المكروه تنزيها والمكروه
تحريما، أن الأول ما كان للحل أقرب، والثاني
ما كان إلى الحرام أقرب، أو ماثبت تحريمه
بدليل ظني. (٢)
من المسائل الأصولية المتعلقة بالحلال :
يتعلق بمصطلح حلال جملة من المسائل
الأصولية :
المسألة الأولى: هل الأصل في الأشياء - التي
لا نص فيها - الحل أو الحرمة؟
٢ - وهذه المسألة مما اختلف فيه :
فمختار أكثر الحنفية والشافعية أن الأصل
الحل، وعند بعض الحنفية أن الأصل التوقف،
وینسب لأبي حنيفة، وهو قول بعض أصحاب
الحديث أن الأصل الحرمة.
(١) سورة الأحزاب/٣٨
(٢) الإِبهاج شرح المنهاج ١٢٦/١، إرشاد الفحول ص٦،
المستصفى ١ /٧٤، مسلم الثبوت ١٠٣/١ - ١٠٤،
التلويح على التوضيح ١٢٥/٢ - ١٢٦، وغمز عيون
البصائر ٣٣٥/١
- ٧٤ -

حلال ٢
وسبب اختلافهم هو اختلافهم في حد
الحلال: فعند الشافعي ما لا دليل على
تحريمه، وعند أبي حنيفة ما دل دليل على
حله .
دلیل قول الجمهور قوله تعالى : ﴿قل
لا أجد فيها أوحي إلي محرما على طاعم
يطعمه﴾(١) وقوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في
الأرض جميعا﴾.(٢)
ومن الأحاديث: قوله وَله: ((ما أحل الله في
كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت
عنه فهو عافية فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم
يكن نسیا)). (٣)
وقوله وعَل: ((إن الله فرض فرائض فلا
تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهکوها، وحد
حدودا فلا تعتدوها، وسکت عن أشیاء من غير
نسيان فلا تبحثوا عنها)). (٤)
(١) سورة الأنعام/ ١٤٥
(٢) سورة البقرة/ ٢٩
(٣) حديث: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وماحرم ... ))
أخرجه الحاكم (٣٧٥/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من
حديث أبي الدرداء، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد
(١٧١/١ - ط القدسي) وعزاه إلى الطبراني والبزار وقال:
«إسناده حسن، ورجاله موثقون)).
(٤) حديث: ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم ... ))
أخرجه الدارقطني (٤/ ١٨٤ - ط دار المحاسن) من حديث
أبي ثعلبة الخشني، وأعله ابن رجب الحنبلي بالانقطاع في
سنده والاختلاف في رفعه ووقفه وتصويب وقفه. کذا في
جامع العلوم والحكم ص٢٦١ - ط الحلبي.
ودلیل قول بعض أصحاب الحديث وما
نسب لأبي حنيفة أن التصرف في ملك الغير
بغير إذنه لا يجوز، فيبقى الأصل على الحرمة
حتی یرد دلیل الحل.
ودليل من قال بالتوقف أن طريق ثبوت
الأحکام سمعي وعقلي، والأول غیر موجود،
وكذا الثاني، فلا يقطع بأحد الحكمين وهذا
یوجب التوقف.
ويظهر أثر الخلاف في الكثير من الفروع
الفقهية منها :
الحيوان المشكل أمره كالزرافة، والنبات
المجهول تسمیته، ومنها ما إذا لم يعرف حال النهر
هل هو مباح أو مملوك، ومنها ما لودخل برجه
حمام وشك هل هو مباح أو مملوك. وكذلك لو
شك في كبر الضبة(١) من الذهب أو الفضة. (٢)
ويراجع تفصيل هذه الفروع في مصطلحي
((أطعمة)) و((آنية)).
المسألة الثانية : إذا اجتمع الحلال والحرام غلب .
الحرام .
(١) الضبة: ما يشد به الإِناء المكسور.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٦٠، غمز عيون البصائر
٢٢٣/١ -٢٢٥، مسلم الثبوت ١/ ٤٩٠، ٤٥٠، أحكام
القرآن لابن العربي ١٣/١، نهاية السول للأسنوي
٣٥٢/٤ - ط عالم الكتب.
- ٧٥ -

حلال ٣
٣ - خص الشافعية الحلال في هذه القاعدة
بالمياح، أما الحنفية فهو عندهم شامل للمباح
والواجب. وعند الشافعية لو اختلط الواجب
بالمحرم روعي مقتضى الواجب ومن أمثلته
عندهم اختلاط موتى المسلمين بالكفار يجب
غسل الجميع والصلاة عليهم، وكذلك الهجرة
على المرأة من بلاد الكفار واجبة وإن كان سفرها
وحدها حراما، ونحوها.
وقد خرج الحنفية هذه الفروع على قاعدة
إذا تعارض المانع والمقتضي قدم المانع .
ودليل قاعدة - إذا اجتمع الحلال والحرام
غلب الحرام - أن في تغليب الحرام تقليلا للتغيير
في الأحكام، وبيانه أن المكلف إذا انتفع بشيء
قبل ورود الشرع بما يحرمه أو يبيحه فإنه
لا يعاقب بالانتفاع به لقوله تعالى : ﴿وما كنا
معذبين حتى نبعث رسولا﴾(١) وقوله سبحانه:
﴿خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾.(٢) فإذا ورد
ما يفيد التحريم فقد غير الأمر وهو عدم العقاب
على الانتفاع، ثم إذا ورد ما يفيد الإِباحة فقد
نسخ ذلك المحرم فيلزم هنا تغييران. وأما إذا
جعلنا المبيح هو المتقدم فيكون مؤكدا للإِباحة
الأصلية لا مغيرا لها، فإذا جاء المحرم كان
ناسخا للإِباحة ومغیرا لها، فيلزم منه تغییرواحد
ففيه تقليل للتغيير.
(١) سورة الإسراء/ ١٥
(٢) سورة البقرة/ ٢٩
وهذا الدليل يوافق الحنفية من أن الحلال
شامل للمباح والواجب.
أما الشافعية فقد استدلوا لهذه القاعدة بأن
ترجيح التحريم أحب، لأن فيه ترك مباح
لاجتناب محرم وذلك أولى وأحوط.
ومن أمثلة هذه القاعدة وتطبيقاتها :
تعارض حديث: ((لك من الحائض ما فوق
الإِزار))(١) مع حديث: ((اصنعوا كل شيء إلا
النكاح))(٢) فإن الأول يقتضي تحريم ما بين
السرة والركبة، والثاني يقتضي إباحة ما عدا
الوطء فیرجح التحریم احتياطا.
وكذلك لو اشتبهت محرم بأجنبيات
محصورات لم تحل.
وكذلك لو كانت الشجرة بعضها في الحل
وبعضها في الحرم حرم قطعها.
وغيرها من الأمثلة .
ويستثنى من هذه القاعدة صور منها :
إذا رمی سهما إلى طائر فجرحه ووقع على
الأرض فمات فإنه يحل، وإن أمكن إحالة الموت
على الوقوع على الأرض، لأن ذلك لابد منه
فعفي عنه.
(١) حديث: ((لك من الحائض ما فوق الإِزار)). أخرجه
أبو داود (١٤٥/١ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث
عبدالله بن سعد الأنصاري، وإسناده حسن.
(٢) حديث: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)). أخرجه مسلم
(٢٤٦/١ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
- ٧٦ -

خلال ٤
وينظر تفصيل ما تقدم في الملحق الأصولي في
المصطلحات ((حرام)) و((مباح)). وكما تقدم
جانب منه في مصطلح ((تحليل)) و((اشتباه)).
ومنها ما ذكر السيوطي من أن: معاملة من
أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه لا تحرم، ولكن
تكره.
ومنها: لو اعتلفت الشاة علفا حراما لم يحرم
لبنها ولحمها وإن كان تركه أورع. وغيرها من
الأمثلة . (١)
المسألة الثالثة : أسباب التحليل وأنواعه :
٤ - يحكم بالحل لسببين :
الأول : ذاتي، كالانتفاع بالبروالشعير
وسائر الأشياء المباحة .
الثاني : عرضي، كالبيع الصحيح والإِجارة
والهبة وسائر الأسباب المبيحة. والحلال بوصفه
القائم به قد يعرض له ما يقتضي تحریمه من
الأسباب المحرمة. أویعرض له ما لا يوصف
معه بالحل کالشبه. وهذا کان الحلال درجات
أعلاها ماكان خالصا من جميع الشبه
كالاغتراف من الأنهار العظام الخالية عن
الاختصاص، وأدناها ماقربت درجته الأخيرة
من الحرام المحض، کمال من لا کسب له إلا
المكوس المحرمة، وإن كان يحتمل أن يكون
بعض ما في يده حصل له من جهة حلال. (٢)
(١) غمز عيون البصائر ٣٣٥/١، الأشباه والنظائر للسيوطي
ص١٠٥، التلويح على التوضيح ١٠٧/٢، المجموع
المذهب في قواعد المذهب ٦٠٥/١
(٢) المجموع المذهب في قواعد المذهب ٦٨٦/١
- ٧٧ -

حَلِف ١ - ٣
النزاع في الدعاوى، وثبت بفعل النبي ◌َل#
بقوله: للمدعى عليه: ((احلف بالله الذي
لا إله إلا هو، ما له عندك شيء)). (١)
وقوله مَلّه للأشعث بن قيس: ((بينتك وإلا
فيمينه)). (٢)
حَلِف
التعريف :
١ - الحَلِف لغة اليمين: وأصلها العقد بالعزم
والنية . (١)
قال أبو هلال العسكري : والحلف من
قولك: سيف حليف أي : قاطع ماض. فإذا
قلت: حلف بالله، فكأنك قلت: قطع
المخاصمة بالله .
وقال ابن فارس: الحلف بمعنى اليمين
أصله من الحلف بمعنى الملازمة. وذلك أن
الإِنسان يلزمه الثبات على اليمين.
واصطلاحا: توكيد حكم بذكر معظم على
(٢)
وجه مخصوص .
حكمة التحليف ومشروعيته :
٢ - التحليف تكليف أحد الخصمين اليمين
ويجري التحليف للفصل في الخصومات وإنهاء
(١) لسان العرب في المادة ط بيروت.
(٢) الفروق في اللغة ص ٤٧ ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس
٩٨/٢ ومطالب أولي النهى ٦/ ٣٥٧ ومجلة الأحكام العدلية
م١٦٨١
صفة التحليف :
٣ - الحلف المنعقد هو القسم بالله تعالى أو
بصفاته، مثل: لا، ومقلب القلوب، وبالذي
رفع سبعا وبسط سبعا، وهذا مصداقا لقوله
تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشا
والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من
الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم
تعلمون﴾ .(٣).
وقد نهى النبي # عن الحلف بغير الله
بقوله: (٤) ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم،
(١) حديث: ((إحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما له ... )).
أخرجه أبوداود (٤ / ٤١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من
حدیث عبدالله بن عباس .
(٢) حديث: (( بينتك وإلا فيمينه)). أخرجه البيهقي
(١٧٨/١٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
الأشعث بن قيس، وأصله في البخاري (الفتح ٧٣/٥ - ط
السلفية) ومسلم (١٢٣/١ - ط الحلبي).
(٣) سورة البقرة/ ٢٢
(٤) شرح فتح القدير ٧/ ١٨٢، حاشية الدسوقي ١٢٩/٢،
مغني المحتاج للشربيني ٤٧٣/٤، المغني لابن قدامة
٧١٨/٨.
- ٧٨ -

خَلف ٤
من كان حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت)) وزاد
في رواية أخرى فقال عمر: فوالله ما حلفت بها
منذ سمعت رسول الله له نهى عنها ذاكرا
ولا آثرا)). (١)
(ر: أيمان - فقرة (١٧) وإثبات - فقرة (٢٣)
وإيلاء فقرة (١).
الحقوق التي يجري فيها التحليف :
٤ - الحقوق على ضربين :
أحدهما : حق لله تعالى .
والثاني : حق للعباد.
وحق الله على قسمين:
فالأول: الحدود ولا يجري التحليف فيها،
لأن المقصود من اليمين النكول، وهو لا يعدو أن
يكون بذلا أو إقرارا فيه شبهة، والحدود لا بذل
فيها ولا تقام بحجة فيها شبهة .
ولأنه لو رجع عن إقراره قبل منه وخلي سبيله
من غيريمين فلأن لا يستحلف مع الإِقرار أولى
ولأنه يستحب ستره، لقوله :# الهزال في قصة
ماعز: ((لو سترته بثوبك لكان خيرا لك)). (٢)
(١) حديث: ((ألا إن الله ينهاكم أن ... )) أخرجه بروايتيه
البخاري (الفتح ٥٣٠/١١ - ط السلفية) ومسلم
(١٢٦٦/٣ - ١٢٦٧ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((لو سترته بثوبك كان خيرا لك)). أخرجه
أبوداود (٥٤١/٤ - تحقيق عزت عبيد ذعاس) وإسناده
صحیح .
الثاني: الحقوق المالية كدعوى الساعي
الزكاة على رب المال، لأن ذلك عبادة فلا
يستحلف عليها كالصلاة، ولو ادعى عليه كفارة
يمين أو ظهار أو نذر صدقة أو غيرها فالقول قوله
في نفي ذلك من غيريمين، لأنه لا حق
للمدعي فيه ولا ولایة علیه، فإن تضمنت
الدعوى حقا لآدمي مثل سرقة يحلف المدعى
عليه لحق الآدمي دون حق الله عز وجل،
ویضمن .
وحقوق العباد تنقسم إلى قسمين:
أحدهما : ما هو مال أو المقصود منه مال،
فهذا تشرع فيه اليمين بلا خلاف بين أهل
العلم.
فإذا لم تكن بينة للمدعي حلف المدعى عليه
وبرىء، وقد ثبت هذا في قصة الحضرمي
والكندي اللذين اختلفا في الأرض.
الثاني: ما ليس بمال ولا المقصود منه مال
کحد قذف، وقود، وما يطلع عليه الرجال غالبا
كنكاح، وطلاق، ورجعة، وعتق، وإسلام،
وردة، وجرح، وتعدیل .
فعند أبي حنيفة والمالكية لا يستحلف فيها
لأن النكول عند أبي حنيفة بذل، وهذه المسائل
لا يصح فيها البذل، وعند الصاحبين النكول
إقرار فيه شبهة، وعليه يجري التحليف فيها
عندهما .
أما عند المالكية فكل دعوى لا تثبت إلا
- ٧٩ -

خَلِف ٤ - ٥
بعدلین لا یستحق فيها شيء إلا بشهادة رجلین
عدلين إذ لا فائدة في رد اليمين أو إثباتها، لأنه
إن حلفها لا يثبت المدعى به لتوقف ثبوتها على
العدلين إلا القسامة وجراح العمد، وفي بعضها
خلاف وهي المسماة عندهم بأحكام تثبت في
البدن ليست بمال ويطلع عليها الرجال غالبا .
وعند الشافعية، والحنابلة على أحد القولين
وهو المتبع عندهم، أنه يجري التحلیف لأنه عند
الشافعية الدعاوى التي تثبت برجلين أو رجل
وامرأتين تثبت برجل ويمين. (١)
واستدلوا بأن النبي ◌َّه ((قضى بهما في الحقوق
والأموال))(٢) ثم الأئمة من بعده.
والحنابلة على قولين: أحدهما: لا يستحلف
المدعى عليه ولا تعرض عليه اليمين قال أحمد
- رحمه الله -: لم أسمع من مضى جوزوا الأيمان
إلا في الأموال والعروض خاصة كما سلف.
الثاني: يستحلف في الطلاق والقصاص
والقذف. وقال الخرقي: إذا قال ارتجعتك
(١) البدائع ٢٢٧/٦، حاشية الدسوقي ٢٢٧/٤، الوجيز
للغزالي ٢/ ٢٦٥، المغني لابن قدامة ٢٣٧/٩، تبصرة
الحكام ١/ ١٦٩، جواهر الإكليل ٢٢٨/٢، شرح الروض
من أسنى المطالب ٤٠٢/٤، نهاية المحتاج ٢٩٥/٨ -
٢٩٦، روضة القضاة وطريق النجاة ص٢٨٣، المهذب
٣٠٢/٢.
(٢) حديث: ((قضى بالرجل واليمين ... )) عن ابن عباس أن
رسول الله ◌َ# قضى بيمين وشاهد. أخرجه مسلم
(١٣٣٧/٣ - ط الحلبي).
فقالت: انقضت عدتي قبل رجعتك فالقول
قولها مع یمینها .
قال ابن قدامة: فيتخرج من هذا أنه
يستحلف في كل حق لآدمي، لقول النبي مَآلات :
((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم
وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه)). (١)
وهذا عام في كل مدعى عليه، وهو ظاهر في
دعوى الدماء بذکرها في الدعوى مع عموم
الأحادیث، ولأنها دعوى صحيحة في حق
لآدمي، فجاز أن يحلف فيها المدعى عليه،
کدعوى المال. (٢)
أثر التحليف في الخصومة :
٥ - الجمهور على أن اليمين تفيد قطع الخصومة
في الحال لا البراءة من الحق. والمالكية اعتدوا
بالحلف وقالوا: تكون اليمين كافية في إسقاط
الخصومة وفي منع إقامة البینة بعد ذلك، إلا إذا
كان للمدعي عذر في عدم الإِتيان بالبينة وذلك
کنسیان حین تحلیفه خصمه. (٣)
وللتفصيل (ر: إثبات) فقرة (٢٨).
(١) حديث: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء
قوم)). أخرجه البخاري (الفتح ٢١٣/٨ - ط السلفية)
ومسلم (١٣٣٦/٣ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن
عباس واللفظ لمسلم.
. (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/ ١٥٠، المغني لابن
قدامة ٩/ ٢٣٨.
(٣) بدائع الصنائع ٢٢٩/٦، نهاية المحتاج ٣٣٥/٨، كشاف
القناع ٤/ ٢٨٥
- ٨٠ -