النص المفهرس

صفحات 221-240

حريم ١٧ ، حسب ١
حريم الحرام، والواجب، والمكروه:
١٧ - حکم الحریم حکم ما هو حریم له، قال
الزركشي : الحريم يدخل في الواجب والمكروه،
فكل محرم له حريم يحيط به، والحريم هو المحيط
بالحرام كالفخذين: فإنهما حريم للعورة
الکبری.
وحريم الواجب، ما لا يتم الواجب إلا به،
وأما الإِباحة فلا حريم لها لسعتها، وعدم الحجر
فیھا. (١)
والأصل في ذلك قوله وَليفي: ((الحلال بين
والحرام بینّ وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير
من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه
وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام،
كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع
فیه».(٢)
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي / ١٢٥ ط دار الكتب العلمية،
والمنثور في القواعد ٤٦/٢
(٢) حديث: ((الحلال بين والحرام بين .... )) أخرجه
· البخاري (الفتح ١٢٦/١ - ط السلفية) ومسلم (١٢١٩/٣
- ١٢٢٠ - ط الحلبي) من حديث النعمان بن بشير، واللفظ
لمسلم.
حسب
التعريف :
١ - الحسب لغة : الكرم وهو الشرف الثابت في
الآباء، ويقال: الحسب في الأصل الشرف
بالآباء وبالأقارب، مأخوذ من الحساب لأنهم
كانوا إذا تفاخروا عدّوا مناقبهم ومآثر آبائهم
وقومهم وحسبوها فیحکم لمن زاد عدده على
غيره.
وقيل الحسب : هو الفعال الصالحة. قال
ابن السكيت: والحسب والكرم يكونان في
الرجل وإن لم يكن لآبائه شرف، والشرف
والمجد لا يكونان إلا بالآباء، ولهذا قيل:
الحسب: هو المال فجعل المال بمنزلة شرف
النفس أو الآباء.
وقال الأزهري : الحسب: الشرف الثابت
للشخص ولآبائه .
وفرق بعضهم بين الحسب والنسب. فجعل
النسب عدد الآباء والأمهات إلی حیث انتھی .
والحسب ، الفعال الحسنة مثل الشجاعة
والجود وحسن الخلق والوفاء. وغالب استعمال
- ٢٢١ -

حسب ٢
الفقهاء للحسب بالمعنى الأول وهو مآثر الآباء
والأجداد أي شرف النسب. (١)
الأحكام المتعلقة بالحسب :
٢ - اختلف الفقهاء في اعتبار الكفاءة في الحسب
في الزواج.
فذهب الجمهور من الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى اعتبار الكفاءة في الحسب - وهو
النسب - لقول عمر رضي الله عنه: لأمنعن
خروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء - قال
الراوي - قيل له: وما الأكفاء؟ قال: في
الأحساب. (٢)
وذهب المالكية إلى أن الكفاءة في الدين
وحده، وأن أهل الإِسلام كلهم أكفاء بعضهم
لبعضهم ولا اعتبار للحسب، لقوله تعالى :
﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾(٣) ولقول
النبي ◌َ له: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه
فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد
(١) لسان العرب، والمصباح مادة: حسب، عمدة القاري
شرح البخاري ٨٦/٢٠، والمغني لابن قدامة ٦/ ٤٨٢،
وجواهر الإكليل ٢٨٨/١
(٢) الأثر عن عمر رضي الله عنه ((لأمنعن خروج ذوات ... ))
أخرجه عبد الرزاق (٦/ ١٥٢ ط المجلس العلمي)
والبيهقي (٧/ ١٣٣ نشر دار المعرفة من طريق إبراهيم بن
محمد بن طلحة عن عمر بن الخطاب وإبراهيم هذا لم يدرك
عمر بن الخطاب. وباقي رجاله ثقات. انظر تهذيب الكمال
للمزي (١٧٢/٢ الناشر مؤسسة الرسالة).
(٣) سورة الحجرات/ ١٣
كبير)» وفي رواية: وفساد عريض: قالوا
يارسول الله: وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم
من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه)). (١) الحديث
وکرره ثلاث مرات.
ولأن الرسول ﴿ وصحابته رضي الله عنهم
کانوا یزوجون من هم دونهم في الحسب، فقد
روي أن النبي صلي: ((أمر فاطمة بنت قيس أن
تنكح أسامة بن زيد مولاه فنكحها بأمره))(٢)
وقدمه على أكفائها، كمعاوية وأبي جهم،
وزوج النبي * زيد بن حارثة ابنة عمته زينب
بنت جحش رضي الله عنهم جميعا.
وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب
وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما، وعمر بن
عبد العزيز ومحمد بن سيرين وحماد بن أبي
سليمان، وهو أحد القولين للشافعي. (٣).
وتفصيل ذلك في مصطلح (نكاح وكفاءة).
(١) حديث: ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه)).
أخرجه الترمذي (٣٨٦/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي
حاتم المزني. وقال: ((هذا حديث حسن غريب)).
(٢) حديث: ((أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة ... ))
أخرجه مسلم (٢٢٦١/٤ - ط الحلبي) من حديث فاطمة
بنت قیس.
(٣) البدائع ٣١٨/٢، والمغني لابن قدامة ٦/ ٤٨٢، وجواهر
الإكليل ٢٨٨/١، وروضة الطالبين ٧/ ٨٠، ونهاية
المحتاج ٦/ ٢٥٠.
- ٢٢٢ -

حسبة ١ - ٢
بأنها الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن
المنكر إذا ظهر فعله.(١)
حسبة
التعريف :
١٠ - الحسبة لغة: اسم من الاحتساب، ومن
معانيها الأجر وحسن التدبير والنظر، ومنه
قولهم: فلان حسن الحسبة في الأمر إذا كان
حسن التدبير له.
ومن معاني الاحتساب البدار إلى طلب
الأجر وتحصیلہ، وفي حديث عمر: أيها الناس
احتسبوا أعمالكم فإن من احتسب عمله کتب له
أجر عمله وأجر حسبته .
واسم الفاعل المحتسب أي طالب الأجر.
ومن معانيها الإِنکار یقال: احتسب علیه الأمر
إذا أنكره عليه .
والاختبار يقال: احتسبت فلانا أي اختبرت
ما عنده.(١)
والحسبة اصطلاحا: عرفها جمهور الفقهاء
(١) لسان العرب ٣١٤/١ -٣١٧، والقاموس المحيط،
والصحاح مادة: (حسب)، وإتحاف السادة المتقين بشرح
إحياء علوم الدين ٧/ ١٤
الألفاظ ذات الصلة :
أولا : القضاء :
٢ - القضاء هو الإِخبار عن حكم شرعي على
سبيل الإِلزام، (٢) وهو باب من أبواب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر(٣) كما إن الحسبة
كذلك قاعدتها وأصلها الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر. (٤)
وقد فرق العلماء بين الولا یتین فرقا يتحدد به
معالم كل ولاية قال الماوردي: فأما ما بينها وبين
القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من
وجهين، ومقصورة عنه من وجهين، وزائدة عليه
من وجهين :
فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء:
فأحدهما : جواز الاستعداء إليه وسماعه
دعوى المستعدي على المستعدی علیه من
حقوق الآدميين، وليس في عموم الدعاوى.
والوجه الثاني: أن له إلزام المدعى عليه
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٤٠، ولأبي يعلى
ص٢٦٦، ومعالم القربة ص٧، ونهاية الرتبة في طلب
الحسبة ص٦، ولابن بسام ص١٠
(٢) معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام
للطرابلسي ص٦
(٣) أدب القاضي للماوردي ١/ ١٣٥
(٤) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص٢٣٧
- ٢٢٣ -

حسبة ٢ - ٣
للخروج من الحق الذي عليه وليس على
العموم في كل الحقوق، وإنما هوخاص في
الحقوق التي جازله سماع الدعوى فيها إذا
وجبت باعتراف وإقرار مع الإِمكان واليسار،
فيلزم المقر الموسر الخروج منها ودفعها إلى
مستحقها، لأن في تأخيره لها منكرا هو منصوب
لازالته .
وأما الوجهان في قصورها عن أحكام القضاء
فأحدهما: قصورها عن سماع عموم الدعاوى
الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوى في
العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات.
والوجه الثاني: أنها مقصورة على الحقوق
المعترف بها، فأما ما تداخله جحد وإنکار فلا
يجوز له النظر فيها.
وأما الوجهان في زيادتها على أحكام
القضاء :
فأحدهما : أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض
بتصفح ما یأمر به من المعروف وینهی عنه من
المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد، ولیس
للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم
يجوز له سماع الدعوى منه.
والثاني : أن الحسبة موضوعة للرهبة فلا
یکون خروج المحتسب إليها بالغلظة تجورا
فيها. والقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة
والوقار أخص.(١)
ثانيا : المظالم :
٣ - ولاية المظالم قود المتظالمين إلى التناصف
بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة.
وقد بين الماوردي الصلة بين الحسبة وبين المظالم
فقال: بينهما شبه مؤتلف وفرق مختلف، فأما
الشبه الجامع بينهما فمن وجهين:
فأحدهما : أن موضوعهما على الرهبة
المختصة بقوة السلطنة.
والثاني : جواز التعرض فیھما لأسباب
المصالح، والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر.
وأما الفرق بينهما فمن وجهين:
أحدهما : أن النظر في المظالم موضوع لما عجز
عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما رفه
عنه القضاة، ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى
ورتبة الحسبة أخفض، وجاز لوالي المظالم أن يوقع
إلى القضاة والمحتسب، ولم يجز للقاضي أن
يوقع إلى والي المظالم، وجازله أن يوقع إلى
المحتسب، ولم يجز للمحتسب أن یوقع إلی واحد
منهما.
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٤١، ٢٤٢، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص٢٨٥، ٢٨٦، وتحفة الناظر وغنية
الذاكر ص١٧٨، ١٧٩، وتبصرة الحكام لابن فرحون.
١٩/١، والمعيار ١٠١/١٠
- ٢٢٤ -
.

حسبة ٤ - ٥
والثاني: أنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ولا
يجوز ذلك للمحتسب. (١)
ثالثا : الإفتاء :
٤ - الإِفتاء تبليغ عن الله ورسوله، والمفتي هو
المتمكن من درك أحكام الوقائع على يسر من
غير معاناة تعلم، ويتعين على المفتي فتوى من
استفتاه إن لم يكن بالموضع الذي هو فيه مفت
سواه(٢) لقوله تعالى: ﴿إِن الذین یکتمون ما
أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس
في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم
اللاعنون﴾(٣) وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وإذ
أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبیننه للناس
ولا تكتمونه﴾(٤) الآية، هذا ميثاق أخذه الله
على أهل العلم، فمن علم علما فليعلمه،
وإياكم وكتمان العلم فإنها هلكة، ولا يتكلفن
الرجل مالا یعلم فیخرج من دین الله ویکون من
المتكلفين. (٥) ولما روي عن جابر بن عبدالله
رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَليقول: ((من
سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من
نار» . (٦)
(١) المصادر السابقة .
(٢) كتاب الفقيه والمتفقه ٢/ ١٨١، ١٨٢
(٣) سورة البقرة / ١٥٩
(٤) سورة آل عمران / ١٨٧
(٥) كتاب الفقيه والمتفقه ٢/ ١٨٢،١٨١
(٦) حديث: ((من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة=
وعلى هذا يكون بين الإِفتاء وبين الحسبة
معنى جامع هو التبليغ عن الله ورسوله،
والكشف عن الحق، وإرشاد المستعلم الجاهل،
فالإفتاء باب من أبواب الحسبة ودونها في وسائل
ء
الكشف والإِبانة لأنه لا يتعدى التعريف بالحكم
والاحتساب يكون التعريف أولى مراتبه.
رابعا : الشهادة :
٥ - الشهادة في الاصطلاح هي إخبار الشاهد
الحاكم إخبارا ناشئا عن علم لا عن ظن أو
شك، وعرفها بعضهم بأنها إخبار بما حصل فيه
الترافع وقصد به القضاء وبت الحكم. (١).
وهي مشروعة بقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا
تبايعتم﴾(٢) ولها حالتان حالة تحمل وحالة أداء،
وحكم تحملها الوجوب على جهة الوجوب
الكفائي إن وجد غيره، وإلا تعين لقوله تعالى :
﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ (٣) وأما الأداء ففرض
=.... )) أخرجه ابن ماجه (١/ ٩٧ - ط الحلبي) من
حديث أنس بن مالك، وضعفه البوصيري، ولكن له
شاهد من حديث عبدالله بن عمروبن العاص أخرجه
الحاكم (١٠٢/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه
ووافقه الذهبي.
(١) بدائع الصنائع ٩/ ٤٠٦٠، وحاشية الدسوقي على الشرح
الكبير ٤/ ١٦٤، ١٦٥ والفواكه الدواني ٢/ ٣٠٣، وتبصرة
الحكام ٢٠٤/٢، والفروق ٥،٤/١، ونهاية المحتاج
٣٠٤/٨٠، والمغني ١٠/ ٢١٥
(٢) سورة البقرة / ٢٨٢
(٣) سورة الطلاق / ٢
- ٢٢٥ -

حسبة ٦
عين لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما
دُعُوا﴾(١) ويجب المبادرة إلى أدائها في حقوق الله
التي يستدام فيها التحريم حسبة. أما ما لا
يستدام فيه التحريم كالحدود والسرقة وشرب
الخمر والقذف فهو مخيربين أن يشهد حسبة لله
تعالى وبين أن یستر، لأن كل واحد منهما أمر
مندوب إليه(٢) قال عليه الصلاة والسلام: ((من
ستر على مسلم ستره الله في الدنيا
والآخرة». (٣)
· وقد ندبه الشارع إلی کل واحد منهما إن شاء
اختار جهة الحسبة فأقامها لله تعالى، وإن شاء
اختار جهة الستر فيستر على أخيه المسلم .
فتكون الشهادة مرتبة من مراتب الحسبة،
ووسيلة من وسائل تغيير المنكر.
مشروعية الحسبة :
٦ - شرعت الحسبة طريقا للإرشاد والهداية
والتوجيه إلى ما فيه الخيرومنع الضرر. وقد
حبب الله إلى عباده الخير وأمرهم بأن يدعوا
إليه، وكره إليهم المنكر والفسوق والعصيان
(١) سورة البقرة / ٢٨٢
(٢) بدائع الصنائع ٩/ ٤٠٦١، درر الحكام شرح غرر
الأحكام ٢/ ١٩٠، وحاشية رد المحتار ٤/ ٤٠٩، وحاشية
الدسوقي ١٧٤/٤، ١٧٥، ونهاية المحتاج ٣١٥/٨،
والزواجر ٢٧/٢، والمغني لابن قدامة ٢١٥/١٠
(٣) حديث: ((من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة)»
أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٧٤ - ط الحلبي).
ونهاهم عنه، كما أمرهم بمنع غيرهم من
اقترافه، وأمرهم بالتعاون على البر
والتقوى، فقال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر
والتقوى، ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان﴾(١)
وقال جل شأنه: ﴿ولتكن منكم أمة يَدْعُون
إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
وأولئك هم المفلحون﴾(٢)
ووصف المؤمنين والمؤمنات بها، وقرنها
بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله، مع
تقديمها في الذكر في قوله تعالى : ﴿والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة
ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك
سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم﴾(٣)
ووصف المنافقين بکونهم عاملين على خلاف
ذلك في قوله تعالى ﴿المنافقون والمنافقات
بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن
المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن
المنافقين هم الفاسقون﴾ (٤)
وذم من تركها وجعل تركها سببا لِلَّعْنة في قوله
تعالى ﴿لُعَن الذين كفروا من بني إسرائيل على
لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عَصَوا
(١) سورة المائدة / ٢
(٢) سورة آل عمران / ١٤
(٣) سورة التوبة / ٧١
(٤) سورة التوبة / ٦٧
- ٢٢٦ -

حسبة ٦
وكانوا يعتدون، کانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
لَبِئْس ما كانوا يفعلون﴾(١)
وجعل تركها من خطوات الشيطان وشيعته
في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا
خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان
فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾(٢)
وفضل من يقوم بها من الأمم على غيرهم في
قوله تعالى : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾(٣)
وامتدح من يقوم بها من الأمم على غيرهم
في قوله تعالى: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة
يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون
يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات
وأولئك من الصالحين﴾ (٤)
وجعل القيام بها سببا للنجاة في قوله تعالى :
﴿فلما نَسُوا ما ذُگِّرُوا به أنجینا الذین ینهون عن
السوء وأخذناالذين ظلموا بعذاب بئیس بما كانوا
يفسقون﴾(٥)
وإلى ذلك كله جاء في القرآن أنها شرعة
فرضت على غيرنا من الأمم وذلك في قوله
(١) سورة المائدة / ٧٨، ٧٩
(٢) سورة النور / ٢١
(٣) سورة آل عمران / ١١٠
(٤) سورة آل عمران / ١١٤،١١٣
(٥) سورة الأعراف / ١٦٥
تعالى: ﴿يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه
عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من
عزم الأمور﴾(١) وقوله تعالى: ﴿إن الذين.
يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق
ويقتلون الذين يأمرون بالقِسْط من الناس
فبشرهم بعذاب أليم﴾(٢)
ذلك بعض ما يدل على شرعها من الكتاب
الحكيم.
ولقد سلكت السنة في دلالتها على ذلك
مسلك الكتاب من الأمربها، والتشديد على
التهاون فیھا، روی مسلم من حديث طارق بن
شهاب عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ێے
قال: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم
يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك
أضعف الإِيمان)). (٣)
وجاء في التحذير من تركها ما رواه ابن
مسعود قال: قال رسول الله وَ له: ((لتأمرن
بالمعروف ولتنهون عن المنکر ولتأخذن على يدي
الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا)) . (٤)
(١) سورة لقمان / ١٧
(٢) سورة آل عمران / ٢١
(٣) حديث: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن .... ))
أخرجه مسلم (٦٩/١ - ط الحلبي).
(٤) حديث: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ... ))
أخرجه أبوداود (٥٠٨/٤ - تحقیق عزت عبید دعاس) عن
أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه مرفوعا به، وقال
المنذري عن أبي عبيدة إنه لم يسمع من أبيه.
كذا في الترغيب والترهيب (٢٢٩/٣ - ط الحلبي).
- ٢٢٧ -

حسبة ٧
الحكم التكليفي :
٧ - الحسبة واجبة في الجملة من حيث هي
لا بالنظر إلى متعلقها إذ أنها قد تتعلق بواجب
يؤمر به، أومندوب يطلب عمله، أو حرام ينهى
عنه، فإذا تعلقت بواجب أو حرام فوجوبها حينئذ
على القادر عليها ظاهر، وإذا تعلقت بمندوب
أو بمکروه فلا تكون حينئذ واجبة، بل تكون
أمرا مستحبا مندوبا إليه تبعا لمتعلقها، إذ
الغرض منها الطاعة والامتثال، والامتثال في
ذلك ليس واجبا بل أمرا مستحبا، فتكون
الوسیلة إلیه کذلك أمرا مستحبا. وقد يترتب
عليها من المفسدة ما يجعل الإِقدام عليها داخلا
في المحظور المنهي عنه فتكون حراما. (١)
وقد استدل العلماء على وجوب الحسبة في
الجملة من حيث هي بالأدلة التي وردت جملة
وتفصيلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
قال ابن القيم: والمقصود أن الحكم بين الناس
في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى هو
المعروف بولاية الحسبة. وقاعدته وأصله: الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بعث الله به
رسله وأنزل به کتبه. (٢)
(١) نصباب الاحتساب ١٨٩، ٢١٥، والفروق ٢٥٨/٤،
والفواكه الدواني ٢/ ٣٩٤، ومعالم القربة في أحكام الحسبة
٢٢، والزواجر عن اقتراف الكبائر ١٦٨/٢، الآداب
الشرعية ١/ ١٩٤
(٢) الطرق الحكمية ٢٣٧
ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ثبت بالكتاب والسنة والإجماع قال الجصاص:
وقد ذكر الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر في مواضع من كتابه، وبينه
رسول الله # في أخبار متواترة، وأجمع السلف
وفقهاء الأمصار على وجوبه. (١)
وقال النووي : وقد تطابق على وجوب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة
وإجماع الأمة، وهو أيضا من النصيحة التي هي
الدين. (٢)
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحسبة فرض
على الكفاية، (٣) وقد تكون فرض عين في
الحالات الآتية، وفي حق طائفة مخصوصة كما
يلي :
الأولى : الأئمة والولاة ومن ينتدبهم أو
يستنيبهم ولي الأمر عنه، لأن هؤلاء متمكنون
بالولاية ووجوب الطاعة. قال الله تعالى :
﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣١٥/٢
(٢) شرح النووي على مسلم ٢٢/٢، والفواكه الدواني
٣٩٣/٢
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣١٥/٢، أحكام القرآن لابن
العربي ٢٩٢/١، وأحكام القرآن لإلكيا اهراسي ٢/ ٦٢،
وشرح النووي على مسلم ٢٣/٢، والطرق الحكمية
٢٣٧، قواعد الأحكام ١/ ٥٠، وجمع الجوامع بشرح
الجلال المحلي وحاشية ١٨٥/١، ١٨٦، والآداب الشرعية
١٨١/١، غذاء الألباب ١٨٨/١
- ٢٢٨ -

حسبة ٧
وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾(١)
فإن من أنواع القيام بذلك ما يدعو إلى
الاستيلاء، وإقامة الحدود والعقوبات مما
لا يفعله إلا الولاة والحكام، فلا عذر لمن قصر
منهم عند الله تعالى، لأنه إذا أهمل الولاة
والحكام القيام بذلك فجدیر ألا يقدر عليه من
هو دونهم من رعيتهم، فيوشك أن تضيع
حرمات الدين ويستباح حمى الشرع
والمسلمين. (٢)
الثانية : من يكون في موضع لا يعلم
بالمعروف والمنكر إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته
غيره كالزوج والأب، وكذلك كل من علم أنه
يقبل منه ويؤتمر بأمره، أو عرف من نفسه
صلاحية النظر والاستقلال بالجدال، أو عرف
ذلك منه، فإنه يتعين عليه الأمر والنهي . (٣)
الثالثة : أن الحسبة قد تجب على غير
المنصوب لها بحسب عقد آخر، وعلى المنصوب
لها تجب ابتداء، كما إذا رأى المودع سارقا يسرق
(١) سورة الحج / ٤١
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤٠، ٢٤١، وتحفة الناظر
وغنية الذاكر ٤، ٢٤، وتفسير القرطبي ١٦٥/٤، ونصاب
الاحتساب ٢٤، ١٨٩، غرائب القرآن ورغائب الفرقان
٢٨/٤، والآداب الشرعية ١/ ١٨٢، والطرق الحكمية
٢٣٧
(٣) شرح النووي على مسلم ٢٣/٢، والزواجر عن اقتراف
الكبائر ١٧٠/٢، والآداب الشرعية ١٧٤/١، وغذاء
الألباب ١/ ١٨١، نصاب الاحتساب ١٩٠، وأحكام
القرآن لابن العربي ٢٩٢/١
الوديعة فلم يمنعه وهو يقدر على منعه، وكذلك
إذا صال فحل على مسلم فإنه يلزمه أن يدفعه
عنه وإن أدی إلی قتله، سواء كان القاتل هو أو
الذي صال عليه الفحل، أو معينا له من الخلق
ولا ضمان، لأن دفعه فرض يلزم جميع المسلمين
فناب عنهم فیه .(١)
الحالة الرابعة : الإِنكار بالقلب فرض عين
على كل مكلف ولا يسقط أصلا، إذ هو كراهة
المعصية وهو واجب على كل مكلف. وقال
الإِمام أحمد: إن ترك الإِنكار بالقلب كفر
حدیث «وهو أضعف الإيمان» الذي يدل على
وجوب إنكار المنكر بحسب الإِمكان والقدرة
علیه، فالإِنکار بالقلب لا بد منه فمن لم ينكر
قلبه المنكر دل على ذهاب الإِيمان من قلبه. (٢)
وقد استدل الجمهور على أنها فرض كفاية
لقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى
الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
وأولئك هم المفلحون). (٣)
ووجه الاستدلال أن الخطاب موجه إلى
الكل مع إسناد الدعوة إلى البعض بما يحقق
(١) نصاب الاحتساب ٢٥، وأحكام القرآن لابن العربي
٢٩٣/١، وأحكام القرآن لإلكيا الهراسي ٢/ ٦٢
(٢) الفواكه الدواني ٣٩٤/٢، والزواجر ٢/ ١٧٠،
وغذاء الألباب ١٩٤/١، ١٩٥، نصاب الاحتساب
١٨٣،١٨٠
(٣) سورة آل عمران / ١٠٤
- ٢٢٩ -

حسبة ٧
معنى فرضيتها على الكفاية، وأنها واجبة على
الكل، لكن بحيث إن أقامها البعض سقطت
عن الباقين، ولو أخل بها الكل أثموا جميعا.
ولأنها من عظائم الأمور وعزائمها التي لا
يتولاها إلا العلماء العالمون بأحكام الشريعة،
ومراتب الاحتساب، فإن من لا يعلمها يوشك
أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف، ويغلظ في
مقام اللين، ويلين في مقام الغلظة، وينكر على
من لا يزيده الإِنكار إلا التمادي والإصرار. (١)
ويكون الاحتساب حراما في حالتين:
الأولى : في حق الجاهل بالمعروف والمنكر
الذي لا يميز موضوع أحدهما من الآخر فهذا
يحرم في حقه، لأنه قد يأمر بالمنكر وينهى عن
المعروف.
والثانية: أن يؤدي إنكار المنكر إلى منكر
أعظم منه مثل أن ینهی عن شرب الخمر فيؤدي
نهيه عن ذلك إلى قتل النفس فهذا يحرم في
حقه. (٢)
ويكون الاحتساب مكروها إذا أدى إلى
الوقوع في المكروه. (٣)
(١) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ٢/ ٦٧
(٢) الناظر وغنية الذاكر ٤، ٦، والفروق ٢٥٧/٤، وانظر
أيضا أدرار الشروق، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم
الدين ٢٧/٧، والآداب الشرعية ١٨٥/١، وغذاء
الألباب ١/ ١٩١
(٣) الإِحياء ٢/ ٤٢٨، وشرح الإِحياء المسمى إتحاف السادة
المتقين ٥٣،٥٢/٧
ويكون الاحتساب مندوبا في حالتين:
الأولى : إذا ترك المندوب أو فعل المكروه فإن
الاحتساب فيهما مستحب أومندوب إليه
واستثني من هذه الحالة وجوب الأمر بصلاة
العيد وإن كانت سنة، لأنها من الشعار الظاهر
فيلزم المحتسب الأمر بها وإن لم تكن واجبة. (١)
وحملوا كون الأمر في المستحب مستحبا على
غير المحتسب، وقالوا: إن الإِمام إذا أمر بنحو
صلاة الاستسقاء أو صومه صار واجبا، ولو أمر به
بعض الآحاد لم يصر واجبا. (٢)
والثانية : إذا سقط وجوب الاحتساب، كما
إذا خاف على نفسه ويئس من السلامة وأدى
الإنكار إلى تلفها. (٣)
ويكون حكم الاحتساب التوقف إذا تساوت
المصلحة والمفسدة، لأن تحقيق المصلحة ودرء
المفسدة أمر مطلوب في الأمر والنهي، فإذا
اجتمعت المصالح والمفاسد، فإن أمكن تحصيل
المصالح ودرء المفاسد فعل ذلك امتثالا لأمر الله
تعالى لقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾(٤) وإن
(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١٦٨/٢، والآداب الشرعية
١٩٤/١، والفواكه الدواني ٣٩٤/٢
(٢) الزواجر ١٦٨/٢، وحاشية رد المحتار ١٧٢/٢، والآداب
الشرعية ١٨٢/١، ١٨٣
(٣) قواعد الأحكام ١/ ١١٠، ١١١، الفروق ٤/ ٢٥٧،
٢٥٨، نصاب الاحتساب ١٩٠، تحفة الناظر ٦، كشف
الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ٣١٧/٢
(٤) سورة التغابن / ١٦
- ٢٣٠ -
١
١

حسبة ٧ - ٨
تعذر الدرء درئت المفسدة ولو فاتت المصلحة قال
تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما
إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من
نفعهما﴾(١) حرم الخمر والميسر لأن مفسدتهما أکبر
من نفعهما. (٢) وإذا اجتمعت المفاسد المحضة،
فإن أمكن درؤها درئت، وإن تعذر درء الجميع
دریء الأفسد فالأفسد، والأردل فالأرذل، وإن
تساوت فقد یتوقف، وقد یتخیر، وقد يختلف
التساوي والتفاوت. (٣)
ويقول ابن تيمية : وجماع ذلك داخل في
القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح
والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت،
فإنه يجب ترجیح الراجح منها فيما إذا ازدحمت
المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان
متضمنا لتحصیل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر
في المعارض له، فإن کان الذي یفوت من
المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا
به، بل یکون محرما إذا كانت مفسدته أکثر من
مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد
هو بميزان الشريعة فمتى قدر لإِنسان على اتباع
النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة
الأشباه والنظائر، وعلى هذا إذا كان الشخص
أو الطائفة جامعین بین معروف ومنکر بحیث لا
(١) سورة البقرة / ٢١٩
(٢) قواعد الأحكام ١/ ٩٨
(٣) قواعد الأحكام ٩٣/١
يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعا، أو
یترکوهما جمیعا لم يجز أن یؤمروا بمعروف ولا أن
ینهوا عن منكر، بل ينظر، فإن كان المعروف أكثر
أمربه، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر ولم ينه
عن منکر یستلزم تفویت معروف أعظم منه، بل
يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله
والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال
فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهي عنه
وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف،
ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر
الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله
ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم
يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر، وتارة
يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمرولا نهي .
وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له
الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية،
وإذا تركها كان عاصيا، فترك الأمر الواجب
معصية، وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية
وهذا باب واسع .(١)
حكمة مشروعية الحسبة :
٨ - ما برح الناس - في مختلف العصور- في
حاجة إلى من يعلمهم إذا جهلوا، ويذكرهم إذا .
نسوا، ويجادلهم إذا ضلوا، ويكف بأسهم إذا
أضلوا، وإذا سهل تعليم الجاهل، وتذكير
(١) الحسبة لابن تيمية ٧٧ - ٧٩
- ٢٣١ -

حسبة ٨
الناسي، فإن جدال الضال وكف بأس المضل
لا يستطيعهما إلا ذو بصيرة وحكمة وبيان.
ولمنع هذا شرعت الديانات، وقامت النبوات
وظهرت الرسالات آمرة بالمعروف، وناهية عن
المنكر، ليكون الأمن والسلام، والاستقرار
والنظام، وصلاح العباد والنجاة من العذاب.
قال تعالی : ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجینا الذین
ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب
بئیس بما كانوا يفسقون﴾. (١).
ومن هذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر سبيل النبيين والمرسلين، وطريق المرشدين
الصادقين، ومنهاج الهادين الصالحين، وكان
أمرا متبعا وشريعة ضرورية ومذهبا واجبا، سواء
في ذلك أسميت باسم ((الحسبة)» أو باسم آخر
كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد صارت
بسببها هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس قال
تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون
. (٢)
بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه خطب
الناس فقال: ((ياأيها الناس إنكم تقرءون هذه
الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم
لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾(٣) فتضعونها
(١) سورة الأعراف / ١٦٥
(٢) سورة آل عمران / ١١٠
(٣) سورة المائدة / ١٠٥
في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله وله
يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيروه
أوشك الله أن يعمهم بعقابه)).(١)
وفي سنن أبي داود من حديث العرس بن
عميرة الكندي رضي الله عنه قال: قال
رسول اللّه ◌َ له: ((إذا عملت الخطيئة في الأرض
كان من شهدها فكرهها (وفي رواية - فأنكرها)
کان کمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضیها
کان کمن شهدها». (٢)
لأجل ذلك عهد الشارع الحكيم إلى الأمة
أن تقوم طائفة منها على الدعوة إلى الخير
وإسداء النصح للأفراد والجماعات، ولا تخلص
من عهدتها حتى تؤديها طائفة على النحو الذي
هو أبلغ أثرا في استجابة الدعوة وامتثال الأوامر
واجتناب النواهي .
والحسبة ولاية شرعية، ووظيفة دينية تلي في
المرتبة وظيفة القضاء، إذ أن ولايات رفع المظالم
عن الناس على العموم على ثلاث مراتب:
أسماها وأقواها ولاية المظالم، وتليها ولاية
(١) حديث: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه
أوشك ... )) أخرجه أحمد (٥/١ - ط اليمنية) وصححه
ابن حبان (١/ ٢٦٢ - الإحسان ط دار الكتب العلمية ..
(٢) حديث: ((إذا عملت الخطيئة في الأرض كان ... ))
أخرجه أبوداود (٥١٥/٤ - تحقیق عزت عبيد دعاس)،
وضعف إسناده شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود
(٥٠١/١١ - نشر السلفية بالمدينة المنورة).
١
- ٢٣٢ -

حسبة ٩
القضاء، وتليها ولاية الحسبة . (١)
والحسبة من الخطط الدينية الشرعية كالصلاة
والفتيا والقضاء والجهاد، وقد جمع بعض العلماء
الولايات الشرعية في عشرين ولاية، أعلاها
الخلافة العامة، والبقية كلها مندرجة تحتها،
وهي الأصل الجامع لها، وكلها متفرعة عنها،
وداخلة فيها، لعموم نظر الإِمام في سائر أحوال
الأمة الدينية والدنيوية، وتنفيذ أحكام الشرع
فيها على العموم، وقد عني الأئمة بولاية الحسبة
عناية كبيرة، ووضعوا فيها المؤلفات مفصلين
أحكامها ومراتبها، وأركانها، وشرائطها،
وتأصيل مسائلها، ووضع القواعد في
مهماتها . (٢)
أنواع الحسبة :
٩ - ولاية الحسبة نوعان :
ولاية أصلية مستحدثة من الشارع، وهي
الولاية التي اقتضاها التكليف بها لتثبت لكل من
طلبت منه .
وولاية مستمدة وهي الولاية التي يستمدها
(١) الحسبة لابن تيمية ١٠، ١١، والطرق الحكمية ٢٣٩،
والأحكام السلطانية للماوردي ٢٤١، ٢٤٢، والحاوي
للفتاوي ٢٤٨/١، وأحكام القرآن لابن العربي ١٦٢٩ -
١٦٣٣
(٢) غياث الأمم في التياث الظلم ١٤٦، ١٧٦، ١٧٧،
ومقدمة ابن خلدون ٢/ ٥٦٥، وأحكام القرآن لابن
العربي ٤/ ١٦٢٩ - ١٦٣٣
من عهد إليه في ذلك من الخليفة أو الأميروهو
المحتسب، وعلى ذلك فإنه يجمع بين الولايتين،
لأنه مكلف بها شخصيا من جهة الشارع
ومكلف بها كذلك من قبل من له الأمر. أما
غيره من الناس فليس له من ذلك إلا الولاية
التي أضفاها الشارع عليه وهي الولاية
الأصلية، وهذه الولاية كما تتضمن الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه الطلب
مباشرة تتضمن كذلك القيام بما يؤدي إلى
اجتناب المنكر، لا على وجه الطلب بل على
وجه الادعاء والاستعداء، وذلك یکون بالتقدم
إلى القاضي بالدعوى وبالشهادة لدیه، أو
باستعداء المحتسب، وتسمى الدعوى لدى
القاضي بطلب الحكم بإزالة المنكر دعوى
حسبة، ولا تكون إلا فيما هو حق لله، وعندئذ
یکون مدعیا بالحق وشاهدا به في وقت واحد.(١)
ويطلق الفقهاء على من يقوم بالاحتساب
دون انتداب لها من الإِمام أو نائبه المتطوع، أما
من انتدبه الإِمام وعهد إليه النظر في أحوال
الرعية والكشف عن أمورهم ومصالحهم فهو
المحتسب. (٢)
(١) حاشية رد المحتار ٤/ ٤٠٩، والأشباه والنظائر لابن نجيم
٢٤٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١٦٤/٤،
١٦٥، والطرق الحكمية ٢٣٦، ٢٣٩، ونهاية المحتاج
٢٨٩/٨، ٢٩٠، والمغني لابن قدامة ١٠/ ٢٨٠، ٢٨١
(٢) معالم القربة في أحكام الحسبة ص٧
- ٢٣٣ -

حسبة ٩ - ١١
والفرق بينهما من عدة أوجه كما بينه الماوردي
وغيره وهي :
الأول : أن قيام المحتسب بالولاية صارمن
الحقوق التي لا يسوغ أن يشتغل عنها بغيرها
وقيام المتطوع بها من نوافل عمله يجوز أن يشتغل
عنها بغيرها .
الثاني : أنه منصوب للاستعداء فيما يجب
إنكاره، وليس المتطوع منصوبا للاستعداء.
الثالث : أن على المحتسب بالولاية إجابة
من استعداه وليس على المتطوع إجابته.
الرابع : أن عليه أن يبحث عن المنكرات
الظاهرة ليصل إلى إنكارها ويفحص عما ترك
من المعروف الظاهر لیأمر بإقامته، ولیس على
غيره من المتطوعة بحث ولا فحص.
الخامس : أن له أن يتخذ على الإِنكار
أعوانا، لأنه عمل هو له منصوب وإليه مندوب
لیکون علیه أقدر، وليس للمتطوع أن یندب
لذلك أعوانا .
السادس : أن له أن يعزر في المنكرات
الظاهرة ولا يتجاوز إلى الحدود، وليس
للمتطوع أن يعزر على منكر.
السابع : أن له أن یرتزق علی حسبته من
بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على
إنکار منکر.
الثامن : أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف
دون الشرع كالمقاعد في الأسواق، وإخراج
الأجنحة فيقر وينكر من ذلك ما أداه إليه
اجتهاده، وليس هذا للمتطوع. (١)
أركان الحسبة :
١٠ - ذكر الإِمام الغزالي أنها أربعة:
المحتسب ، والمحتسب عليه، والمحتسب
فيه، ونفس الاحتساب. (٢)
ولكل رکن من هذه الأرکان حدود وأحكام
وشروط تخصه :
الركن الأول : المحتسب وهو من نصبه
الإِمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية والكشف
عن أمورهم ومصالحهم، وتصفح أحوال السوق
في معاملاتهم، واعتبار موازینهم وغشهم،
ومراعاة ما يسري عليه أمورهم، واستتابة
المخالفين، وتحذيرهم بالعقوبة، وتعزيرهم على
حسب ما يليق من التعزير على قدر الجناية . (٣)
شروط المحتسب :
١١ - اشترط الفقهاء في صاحب هذه الولاية
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤٠، ٢٤١، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ٢٨٤، ٢٨٥، وتحفة الناظر وغنية
الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر ١٧٨، نصاب
الاحتساب ٢٤، ١٨٩ - ١٩١، ونهاية الأرب ٢٩٢/٦،
٢٩٣
(٢) إحياء علوم الدين ٣٩٨/٢، وشرحه المسمى إتحاف السادة
المتقين ٧/ ١٤
(٣) معالم القربة في أحكام الحسبة ٧، نهاية الرتبة في طلب
الحسبة لابن بسام المحتسب ص١٤
- ٢٣٤ -
.

حسبة ١٢ - ١٣
شروطا حتى يتحقق المقصود منها، وهذه
الشروط هي :
أولا : الإِسلام :
الإِسلام شرط لصحة الاحتساب لما فيه من
السلطنة وعز التحكيم، فخرج الكافر لأنه ذليل
لا يستحق عز التحكيم على المسلمين قال
تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين
سبيلا﴾(١) ولأن في الأمر والنهي نصرة للدين فلا
یکون من أهلها من هو جاحد لأصل الدين. (٢)
الشرط الثاني : التكليف (البلوغ والعقل):
١٢ - التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة وشرطه
القدرة على فهم الخطاب، وصلاحية المكلف
لصدور الفعل منه على الوجه المطلوب شرعا،
ودعامته العقل الذي هو أداة الفهم، وقد جعله
الله تعالی أصلا للدین وللدنيا فأوجب التکلیف
بكماله.
فالتكليف شرط لوجوب الاحتساب وتولي
ولايتها، أما مجرد الأمر والنهي فإن الصبي غير
مخاطب ولا يلزمه فعل ذلك، أما إمكان الفعل
وجوازه في حقه فلا يستدعي إلا العقل فإذا عقل
القربة وعرف المناكر وطريق التغيير فتبرع به كان
(١) سورة النساء / ١٤١
(٢) معالم القربة ٨، إحياء علوم الدين ٣٩٨/٢
منه صحیحا سائغا، فله إنكار المنكر، وله أن
يريق الخمر، ويكسر الملاهي، وإذا فعل ذلك
نال به ثوابا، ولم یکن لأحد منعه من حیث أنه
ليس بمكلف فإن هذه قربة وهو من أهلها
كالصلاة والإِمامة وسائر القربات، وليس حكمه
حکم الولایات حتی یشترط فيه التكليف،
ولذلك جاز لآحاد الناس فعله وهو من جملتهم،
وإن كان فيه نوع ولاية وسلطنة، ولكنها تستفاد
بمجرد الإِيمان كقتل المحارب، وإبطال أسبابه،
وسلب أسلحته فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث
لا يستضر به، فالمنع من الفسق كالمنع من
الكفر.(١)
الشرط الثالث : العلم
١٣ - العلم الذي يشترط تحققه في المحتسب
على ضربين:
الضرب الأول : أن يكون عارفا بأحكام
الشريعة ليعلم ما يأمر به وینهى عنه، فإن
الجاهل بها ربما استحسن ما قبحه الشرع
وارتكب المحذور وهو غير ملم بالعلم به. (٢)
ولكن لا يشترط فيه بلوغ مرتبة الاجتهاد
الشرعي على رأي جمهور الفقهاء بل يكتفى فيه
(١) تيسير التحرير ٢٤٨/٢، وأدب القاضي للماوردي
١/ ٢٧٥، وأدب الدنيا والدين ١٩، وإحياء علوم الدين
٣٩٨/٢، وتحفة الناظر ص٧، ومعالم القربة ص٧
(٢) تحفة الناظر ص٧، ومعالم القربة ص٨، الفروق ٤/ ٥٥
- ٢٣٥ _

حسبة ١٣ - ١٤
أن يكون من أهل الاجتهاد العرفي. والفرق
بينهما أن الاجتهاد العرفي ما ثبت حکمه بالعرف
لقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف). (١).
والاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصل ثبت
حكمه بالشرع.
وذهب أبو سعيد الاصطخري من الشافعية
إلى اشتراط الاجتهاد الشرعي في المحتسب
ليجتهد برأيه فيما اختلف فيه. ويظهر أثر
الخلاف في أن من اشترط فيه بلوغه مرتبة
الاجتهاد في المسائل الشرعية أجازله أن يحمل
الناس على رأيه في المسائل المختلف فيها، أما
من لم يشترط ذلك فقد ذهب إلى عدم جواز
حمل الناس على رأيه. (٢)
ولا ينكر المحتسب إلا مجمعا على إنكاره أو
ما يرى الفاعل تحريمه، أما ما عدا ذلك فإنكاره
يكون على سبيل الندب على وجه النصيحة
والخروج من الخلاف إن لم يقع في خلاف آخر
وترك سنة ثابتة لاتفاق العلماء على استحباب
الخروج من الخلاف. (٣)
(١) سورة الأعراف / ١٩٩
(٢) تحفة الناظر ص٧، ومعالم القربة ص٨، والزواجر
١٦٨/٢، ١٦٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص٤١،
وشرح النووي على مسلم ٢/ ٢٤
(٣) الزواجر ١٦٩/٢، وإحياء علوم الدين ٢/ ٤٠٩،
والآداب الشرعية ١٨٢/١، ١٩١، غذاء الألباب
١٩٠/١، والفروق ٢٥٧/٤
ولا يأمر ولا ينهى في دقائق الأمور إلا العلماء،
وکذلك ما اختص علمه بهم دون العامة لجهلهم
بها. فالعامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في
الجليات المعلومة كالصوم والصلاة والزنى
وشرب الخمر ونحوه، أما ما يعلم كونه معصية
بالإضافة إلى ما يطيف به من الأنقال ويفتقر
إلی اجتهاد، فالعامي إن خاض فیه کان ما
يفسده أكثر مما يصلحه . (١)
الضرب الثاني : أن يعلم صفة التغيير بأن
يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنکر مزیل له
وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع. (٢)
الشرط الرابع : العدالة :
١٤ - العدالة هيئة راسخة في النفس تمنع من
اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة، أو
مباح يخل بالمروءة(٣) وقال الجصاص: أصلها
الإِيمان بالله واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق الله
عز وجل في الواجبات والمسنونات وصدق
اللهجة والأمانة . (٤) .
والعدل من يكون مجتنبا عن الكبائر
(١) تحفة الناظر وغنية الذاكر ٤، والآداب الشرعية ١٧٤/١،
١٧٥، وإحياء علوم الدين ٢/ ٤٠٩، والفروق ٤/ ٢٥٥،
وقواعد الأحكام ٥٨/١
(٢) المصادر السابقة .
(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ٣٨٤، والمستصفى للغزالي
١٠٠/١
(٤) أحكام القرآن ٢٣٣/٢
- ٢٣٦ -

حسبة ١٤
ولا یکون مصرا على الصغائر، ویکون صلاحه
أکثر من فساده، وصوابه أکثر من خطئه،
ويستعمل الصدق ديانة ومروءة ويجتنب الكذب
ديانة ومروءة .
ولم يشترط. جمهور الفقهاء تحقق العدالة في
المحتسب إذا كان متطوعا غير صاحب ولاية،
واشترطوها في صاحب الولاية إلا عند الضرورة
لما سيأتي : (١)
أما وجه عدم اشتراطها في الأول، فلأن
الأدلة تشمل البروالفاجر، وإن ترك الإِنسان
لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا غيرها،
فمن ترك الصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم
وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر
المعروف ولم ينته عن سائر المنكر، فإن فرض الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه، وأن
الرسول * أجرى فرض الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر مجرى سائر الفروض في لزوم القيام به
مع التقصير في بعض الواجبات. (٢) في قوله {آل}.
((مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن
المنكر وإن لم تجتنبوه كله)). (٣)
(١) شرح أدب القاضي للصدر الشهيد ٣/ ٨
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٣٢٠/٢
(٣) حديث: ((مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به ... )) أورده
الهيثمي في المجمع (٢٧٧/٧ - ط القدسي)، وقال: ((رواه
الطبراني في الصغير والأوسط من طريق عبدالسلام بن
عبدالقدوس بن حبيب عن أبيه، وهما ضعيفان)).
وقال أبو عبد الله العقباني التلمساني
المالكي : اختلف في العدالة هل هي شرط في
صفة المغير (المحتسب) أولا .
فاعتبر قوم شرطيتها، ورأوا أن الفاسق
لا يغير، وأبى من اعتبارها آخرون، وذلك
الصحیح المشهور عند أهل العلم، لأن ذلك من
الشروط الواجبة على الشخص في رقبته
كالصلاة فلا يسقطه الفسق، كما لا يسقط
وجوب الصلاة بتعلق التكليف بأمر الشرع.
قال عليه الصلاة والسلام: ((من رأى منكم
منكرا فليغيره)» وليس كونه فاسقا أو ممن يفعل
ذلك المنكر بعينه يخرجه عن خطاب التغيير لأن
طريق الفرضية متغاير.
وقال ابن العربي المالكي : وليس من شرطه
أن يكون عدلا عند أهل السنة، لأن العدالة
محصورة في قليل من الخلق، والنهي عن المنكر
عام في جمیع الناس. (١)
وقال الإِمام الغزالي : الحق أن للفاسق أن
يحتسب، وبرهانه أن تقول: هل يشترط في
الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن
المعاصي كلها؟ فإن شرط ذلك فهو خرق
للإجماع، ثم حسم لباب الاحتساب، إذ
لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم، وأن
(١) تحفة الناظر وغنية الذاكر ٨، أحكام القرآن لابن العربي
٢٦٦/١، ٢٩٢، الجامع لأحكام القرآن ١/ ٤٧
- ٢٣٧ -

حسبة ١٤
جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر
والفاجر، وشارب الخمر، وظالم الأيتام، ولم
يمنعوا من الغزولا في عصر رسول الله له
ولا بعده، وأن الحسبة تكون بالقول والفعل نحو
إراقة الخمر، وكسر الملاهي وغيرها، فإذا منع
الفاسق من الحسبة بالقول لما فيه من مخالفة قوله
عمله فإنه لا يمنع من الحسبة بالفعل، لأن المراد
منه القهر، وتمام القهر أن يكون بالفعل والحجة
جمیعا وإن کان فاسقا. فإن قهر بالفعل فقد قهر
بالحجة، وأن الحسبة القهرية لا يشترط فيها
ذلك، فلا حرج على الفاسق في إراقة الخمر
وكسر الملاهي إذا قدر. (١)
وکما إذا أخبر ولي الدم الفاسق بالعفوعن
القصاص فله أن يدفع من أراد القصاص من
الجاني ولو بالقتل إذا لم يصدقه بعفو ولي الدم
دفعا لمفسدة القتل بغير حق . (٢).
أما من اشترطها في حالة التطوع
والاحتساب، فقد استدل بالنكير الوارد على
من يأمر بما لا يفعله، مثل قوله تعالى :
﴿أتأمرون الناس بالبروتنسون أنفسكم﴾(٣)
وقوله تعالى: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا
تفعلون﴾(٤)
(١) إحياء علوم الدين ٣٩٩/٢ - ٤٠١
(٢) الفروق ٤/ ٢٥٦، ٢٥٧
(٣) سورة البقرة/ ٤٤
(٤) سورة الصف/ ٢
وقوله تعالى : فیما أخبر به عن نبيه شعیب
علیه السلام لما نهی قومه عن بخس الموازين
ونقص المكاييل: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما
أنهاكم عنه﴾(١) وبما روي عن النبي ◌َّ:
((مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض
شفاههم بمقاريض من نار قلت: ما هؤلاء؟
قال: هؤلاء خطباء أمتك من أهل الدنيا، كانوا
يأمرون الناس بالبروينسون أنفسهم وهم يتلون
الكتاب أفلا يعقلون))(٢)
أما وجه الاشتراط في صاحب الولاية، فلأنه
كما قال صاحب تحفة الناظر: إن ولاية الحسبة
من أشرف الولايات في الإِسلام قدرا، وأعظمها
في هذه الملة مكانة وفخرا، فلابد أن يكون
متوليها متوفرة فيه شروط الولاية، فلا يصح أن
يليها إلا من طالت يده في الكمالات وبرز في
الخير وأحرز أوصافه المرضية، ولا تنعقد لمن لم
تتوفر فيه الشروط، لأن من شرف منزلة من
تولاها أن يحتسب على أئمة المساجد وعلى
قضاة المسلمين . (٣)
ولأن سبيل عقد الولاية الشرعية أنه لا يصح
لمن قام بها وصف فسق وفقد عدالة، إذ العدالة
مشترطة في سائر الولايات الشرعية، كالإمامة
١
(١) سورة هود/ ٨٨
(٢) حديث: ((مررت ليلة أسري بي ... )) أخرجه أحمد
(١٨٠/٣ - ط الميمنية) وهو صحيح لطرقه.
(٣) تحفة الناظر ١٧٦
- ٢٣٨ -

حسبة ١٤ - ١٥
الکبری فما دونها، لأن من انعقدت له الولاية في
القيام بحق من الحقوق المهمة في الدین صار
مفوضا له فيما قدّم إليه النيابة عن المسلمين،
فلابد أن يكون أمينا أي أمين، ولا أمانة مع من
لم يقم به وصف العدالة .(١)
ولهذا اشترطها في والي الحسبة جمهور
الفقهاء(٢) وأغفل اشتراطها الشيرازي وابن
بسام(٣) وأدار المحققون من العلماء حكمها كابن
عبدالسلام، وابن تيمية على رعاية المصلحة
ودفع المفسدة، ورفع المشقة، وأورد ابن
عبدالسلام قاعدة عامة في تعذر العدالة في
الولايات سواء أكانت عامة أم خاصة بتولية
أقلهم فسوقا . (٤)
- ولابن تيمية كلام طويل في هذا الشأن
خلاصته: أنه يستعمل الأصلح الموجود وقد لا
يكون في موجوده من هو صالح لتلك الولاية
فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب
بحسبه . (٥)
أما تفاصيل أحكام الولاية ففي مصطلح
ولاية .
(١) تحفة الناظر وغنية الذاكر ١٧٧
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤١، الأحكام السلطانية
لأبي يعلى ٢٨٥، معالم القربة٧
(٣) لكل منهما كتاب يحمل اسم ونهاية الرتبة في طلب الحسبة -
مطبوعان .
(٤) قواعد الأحكام ١/ ٨٦، ٨٧
(٥) السياسة الشرعية ١٦ - ١٩، وانظر ٢٢ - ٢٥
الشرط الخامس : القدرة :
١٥ - قال ابن العربي: وأما القدرة فهي أصل
وتکون منه في النفس، وتکون في البدن إن
احتاج إلى النهي عنه بیده، فإن خاف على
نفسه الضرب، أو القتل من تغييره، فإن رجا
زواله جاز عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا
الغرر، وإن لم يرج فأي فائدة فیه. ثم قال: إن
النية إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي.
وعنده أن تخليص الآدمي أوجب من تخليص
حق الله تعالى. (١)
وللإِمام الغزالي تفصيل فيما تسقط به الحسبة
وجوبا غير العجز الحسي، وهو أن يلحقه من
الاحتساب مكروه، أو يعلم أن احتسابه لا
يفيد، وعنده أن المكروه هو ضد المطلوب،
ومطالب الإِنسان ترجع إلى أربعة أمور: هي
العلم والصحة، والثروة، والجاه، وكل واحدة
من هذه الأربعة يطلبها الإِنسان لنفسه ولأقاربه
المختصين به، والمكروه من هذه الأربعة أمران
أحدهما: زوال ما هو حاصل موجودا .
والآخر امتناع ماهو منتظر مفقود، ثم يستطرد
في بيان ما يعد مؤثرا في إسقاط الحسبة ومالا يعد
منها(٢) على ماسنذكره بعد.
والحق أن الاستطاعة شرط في الاحتساب،
(١) أحكام القرآن ١/ ٢٦٦، ٢٦٧
(٢) إحياء علوم الدين ٤٠٧/٢ - ٤١٢
- ٢٣٩ -

حسبة ١٥ - ١٦
كما أنها شرط في جميع التكاليف الشرعية، وهي
متحققة بأصحاب الولايات من الأئمة،
والولاة، والقضاة، وسائر الحكام، فإنهم
متمكنون بعلو اليد وامتثال الأمر، ووجوب
الطاعة، وانبساط الولاية يدل عليه قوله سبحانه
وتعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا
الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن
المنكر﴾ .(١)
فإن من أنواع القيام بذلك ما يدعو إلى
إقامة الحدود والعقوبات مما لا يفعله إلا الولاة
والحاكم فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى،
لأنه إذا أهمل هؤلاء القيام بذلك فجدير ألا
يقدر علیه من هو دونهم من رعیتهم، فیوشك أن
تضيع حرمات الدين ويستباح حمى الشرع
والمسلمين. (٢)
ولما كانت ولاية الحسبة من الولايات الشرعية
وهي من وظائف الإِمام وتفویضه إلى غيره من
قبيل الاستنابة، ويقوم بها نيابة عنه(٣) وطبيعتها
تقوم على الرهبة، واستطالة الحماة، وسلاطة
السلطنة، واتخاذ الأعوان، كان القيام بالحسبة
في حقه من فرائض الأعيان التي لا تسقط عنه
بحال، بخلاف الآحاد فإنه لا تلزمهم الحسبة
(١) سورة الحج/ ٤١
(٢) تحفة الناظر ص ٤
(٣) الحاوي للفتاوى ٢٤٨/١
إلا مع القدرة والسلامة، فمن علم أو غلب
على ظنه أنه يصله مكروه في بدنه بالضرب، أو
في ماله بالاستهلاك، أو في جاهه بالاستخفاف
به بوجه يقدح في مروءته أو علم أن حسبته لا
تفيد سقط عنه الوجوب، أما إذا غلب على ظنه
أنه لا يصاب بأذى فيما ذكر فلا يسقط عنه
الوجوب وكذلك إذا احتمل الأمران. (١)
وإذا سقط الوجوب هل يحسن الإِنكار
ويكون أفضل من تركه، أم أن الترك أفضل؟
من الفقهاء من قال بالأول لقوله تعالى :
﴿واصبر على ما أصابك﴾(٢) ومنهم من قال
الترك أفضل لقوله تعالى : ﴿ولا تلقوا بأیدیکم
إلى التهلكة﴾(٣) لكن ذهب ابن رشد إلى
وجوب الترك مع تيقن الأذى لا سقوط الوجوب
وبقاء الاستحباب فتلك طريقة عزالدين بن
عبدالسلام وعين ما قاله الغزالي . (٤)
الشرط السادس : الإِذن من الإِمام :
١٦ - اشترط فريق من العلماء في المحتسب أن
یکون مأذونا من جهة الإِمام أو الوالي، وقالوا:
ليس للآحاد من الرعية الحسبة، والجمهور على
(١) الإِحياء ٢ / ٤٠٩، الآداب الشرعية ١٧٤/١ - ١٧٨،
تحفة الناظر ص٤ - ٧.
(٢) سورة لقمان/ ١٧ .
(٣) سورة البقرة/ ١٩٥
(٤) تحفة الناظر ٦، الآداب الشرعية ١/ ١٨٠
- ٢٤٠ -