النص المفهرس

صفحات 141-160

حدود ٣٢ - ٣٣
بالبکر جلد مائة ونفي سنة)،(١) وروي ذلك
أيضا عن الخلفاء الراشدين، وبه قال ابن
مسعود، وابن عمر رضي الله عنهما، وإليه ذهب
عطاء وطاوس، والثوري، وابن أبي ليلى
والأوزاعي، وإسحاق وأبو ثور.
إلا أن المالكية يفرقون بين الرجل والمرأة،
فيقولون بتغريب الرجل دون المرأة، لأن المرأة
محتاجة إلى حفظ وصيانة، فلا يجوز تغريبها إلا
بمحرم، وهویفضي إلی تغریب من ليس بزان،
ونفي من لا ذنب له، ولأنها عورة، وفي نفيها
تضييع لها وتعريضها للفتنة، ولهذا نهيت عن
السفر مع غير محرم.
ویری الحنفية أن التغریب لیس واجبا،
وليس حدا كالجلد، وإنما هي عقوبة تعزيرية
يجوز للإمام أن يجمع بینه وبین الجلد إن رأى في
ذلك مصلحة، لأن عليا رضي الله عنه قال:
((حسبهما من الفتنة أن ينفيا)).
وعن ابن المسيب أن عمر رضي الله عنه
غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى
خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر
رضي الله عنه لا أغرب مسلما بعد هذا أبدا،
ولأن الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب،
(١) حديث: ((البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة)). أخرجه
مسلم (١٣١٦/٣ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن
الصامت.
فإيجاب التغريب زيادة على النص. (١) ويرجع
لتفصيل ذلك إلى موطنه من كتب الفقه.
و(ر: (زنى) و(تغريب).
د - القطع :
٣٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن السرقة موجبة
للقطع بالنص، والإجماع.
أما النص: فقوله تعالى: ﴿والسارق
والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا
من الله﴾ . (٢)
ولقوله : ((تقطع اليد في ربع دينار
فصاعدا)). (٣)
وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق
في الجملة، واختلفوا في محل القطع وموضعه
وغير ذلك(٤) والتفصيل في ((سرقة)).
وكذلك يقطع المحارب من خلاف إذا أخذ
(١) ابن عابدين ١٤٧/٣، والبدائع ٣٩/٧، وحاشية الزرقاني
٨٣/٨، والشرح الصغير ٤٥٧/٤، وبداية المجتهد
٤٣٦/٢، وروضة الطالبين ٨٧/١٠ وما بعدها، والمغني
١٦٦/٨ وما بعدها.
(٢) سورة المائدة / ٣٨.
(٣) حديث: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا)) أخرجه
البخاري (الفتح ٩٦/١٢ - ط السلفية) ومسلم (١٣١٢/٣
- ط الحلبي) من حديث عائشة واللفظ للبخاري.
(٤) البدائع ٧/ ٥٥، والقوانين الفقهية / ٣٥٢، وروضة
الطالبين ٨/ ٢٤٠، وكشاف القناع ٤/ ٤٧
- ١٤١ -

حدود ٣٤ - ٣٥
المال ولم يقتل عند الحنفية والشافعية والحنابلة وبه
قال ابن المنذر.
ويرى المالكية أن الإمام مخير في عقابه بأية
عقوبة جاءت بها آية المحاربة ماعدا النفي، فلا
تخيير فيه، (١) وينظر التفصيل في (حرابة).
هـ - القتل والصلب :
٣٤ - إذا قتل المحارب وأخذ المال فإنه يقتل
ويصلب، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل
من نحفظ عنه من أهل العلم، وروي أيضا عن
عمر، وبه قال سليمان بن موسى الزهري .
وإذا قتل ولم يأخذ المال فإنه يقتل
ولا يصلب، وفي رواية عن أحمد يصلب، لأنه
محارب يجب قتله، فيصلب كالذي أخذ
المال. (٢) وينظر التفصيل في (تصليب).
والقتل كذلك عقوبة حدية للردة بالنسبة
للرجل. والمرأة كالرجل عند جمهور الفقهاء،
لقوله {#ے «من بدل دينه فاقتلوه»(٣) روي ذلك
عن أبي بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما، وبه
قال الحسن، والزهري، والنخعي، ومکحول،
(١) البدائع ٩٣/٧، والقوانين الفقهية/ ٣٥٥، وبداية المجتهد
٤٥٥/٢، وروضة الطالبين ١٥٦/١٠، والمغني ٢٨٨/٨،
٢٩٣، ٢٩٤
(٢) المراجع السابقة.
(٣) حديث: ((من بدل دينه فاقتلوه)) أخرجه البخاري (الفتح
٢٦٧/١٢ - ط السلفية) من حديث عبدالله بن عباس.
وحماد، والليث، والأوزاعي وإسحاق.
ويرى الحنفية أن المرأة لا تقتل بالردة، بل
تجبر على الإِسلام بالحبس والضرب، لأن
الرسول * نهى عن قتل المرأة الكافرة. (١)
ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي، فلا تقتل
بالطارىء كالصبي . (٢)
وفي قتل البغاة، وهم المحاربون على
التأويل خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح:
(بغي). (٣)
شروط وجوب الحد :
٣٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الحد لا يجب
إلا على مكلف، وهو العاقل البالغ، لأنه إذا
سقط التكليف عن غير العاقل البالغ في
العبادات، وسقط الإِثم عنه في المعاصي، فالحد
المبني على الدرء بالشبهات أولى .
وأما الإِسلام فالأصل عند أبي حنيفة أن
الحدود تقام على الذميين ولا تقام على
(١) حديث : (( نهى عن قتل المرأة الكافرة». من ذلك ما ورد في
حديث عبدالله بن عمر: وجدت امرأة مقتولة في بعض
مغازي رسول الله #، فنهى رسول الله # عن قتل النساء
والصبيان. أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ١٤٨ - ط
السلفية).
(٢) البدائع ١٣٥/٧، وبداية المجتهد ٢/ ٤٥٩، ومواهب
الجليل ٦/ ٢٨١، ونهاية المحتاج ٢٩٩/٧، وروضة
الطالبین ١٠/ ٧٥
(٣) بداية المجتهد ٢/ ٤٥٨
- ١٤٢ -

حدود ٣٥
مستأمن، إلا حد القذف فيقام عليه باتفاق
فقهاء الحنفية. ولا يقام على الكافر حد الشرب
عندهم .
وفي حد الزنى تفصيل: قال أبوحنيفة: إذا
زنى الحربي (المستأمن) بذمية تحد الذمية
ولا يجد الحربي. وإذا زنى ذمي بمستأمنة يحد
الذمي ولا تحد المستأمنة.
:
وقال أبويوسف كلاهما يحدان.
وقال محمد في الصورة الأولى: لا تحد الذمية
أيضا لأن المرأة تابعة للرجل فامتناع الحد في حق
الأصل يوجب امتناعه في حق الفرع. (١)
وتفصیل کل حد في مصطلحه.
وذهب المالکیة إلی أن الکافریقام علیه حد
القذف والسرقة والقتل ولا يسقط عنه بإسلامه.
أما حد الزنی فإنه يؤدب فیه فقط ولا یقام
عليه الحد إلا إذا اغتصب امرأة مسلمة فإنه يقتل
لنقضه العهد. وكذلك لو ارتكب جريمة اللواط
فإنه يرجم. ولا حد عليه في شرب الخمر. (٢)
وقال الشافعية: يستوفى من الذمي ماثبت ولو
حد زنى أو قطع سرقة، ولا يحد بشرب خمر لقوة
أدلة حله في عقيدتهم. ولا يشترط في إحصان
الرجم أن يكون مسلما .
(١) ابن عابدين ٣/ ١٥٥، وحاشية الطحطاوي ٣٩٦/٢،
والبدائع ٧/ ٣٩، ٤٠
(٢) الدسوقي ٣١٤/٤، ٣٢١، والمواق ٢٩٤/٦، والفواكه
الدواني ٢٨٤/٢، والقوانين الفقهية/ ٣٤٦
ولا يقام على المستأمن حد الزنى على
المشهور عند الشافعية .
ويحد الكافر حد القذف ذميا كان أو
معاهدا. (١)
وتفصيل كل حد في مصطلحه.
وعند الحنابلة إذا رفع إلى الحاكم من أهل
الذمة من فعل محرما يوجب عقوبة مما هو محرم
عليهم في دينهم كالزنى والسرقة والقذف والقتل
فعلیه إقامة حده علیه لما روى ابن عمر أن
النبي ټ أتي بیهودیین فجرا بعد إحصانهما فأمر
بهما فرجما. (٢)
وإن کان یعتقد إباحته کشرب خمر لم يحد،
وإن تحاكم مسلم وذمي وجب الحكم بينهم بغير
خلاف. ويقطع الذمي بالسرقة. وكذلك
المستأمن. وقال ابن حامد: لا يقطع المستأمن.
وقد نص أحمد على أنه لا يقام حد الزنى
على المستأمن.
ودلیل وجوب القطع أنه حد یطالب به،
فوجب عليه كحد القذف. (٣)
ولا يجب الحد إلا على من علم التحریم،
وبهذا قال عامة أهل العلم، لقول عمر وعثمان
(١) قليوبي ٢٥٦/٣، و١٨٠/٤، والمهذب ٢٦٩/٢، ومغني
المحتاج ٢٥٦/٣، و١٤٧/٤
(٢) حديث ابن عمر: أتي رسول الله وُ ل# بيهوديين. أخرجه
البخاري (الفتح ١٢٨/١٢ - ط السلفية).
(٣) المغني ٢١٤/٨، ٢٦٨
- ١٤٣ -

حدود ٣٥ - ٣٦
وعلي رضي الله عنهم: لا حد إلا على من
علمه. فإن ادعى الزاني الجهل بالتحريم وكان
یحتمل أن يجهله کحديث العهد بالإِسلام، قبل
منه، لأنه يجوز أن یکون صادقا، وإن كان ممن
لا يخفی علیه کالمسلم الناشىء بین المسلمین، لم
يقبل منه، لأن تحريم الزنى لا يخفى على من هو
کذلك (کما أجمع أهل العلم على أنه لا حد
على مكرهة). وروي ذلك عن عمر رضي الله
عنه والزهري، وقتادة، والثوري لقوله تعالى :
﴿ولا تكرهوا فتیاتکم علی البغاء إن أردن تحصنا
لتبتغوا عرض الحياة الدنیا ومن یکرههن فإن الله
من بعد إكراههن غفور رحيم﴾.(١)
ولقوله وَلي: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ
والنسيان، وما استكرهوا عليه)). (٢)
وعن عبدالجبار بن وائل عن أبيه أن امرأة
استكرهت على عهد رسول الله(ێے، فدرا عنها
الحد)). (٣)
(١) سورة النور/ ٣٣
(٢) حديث: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما
استكرهوا عليه)). أخرجه ابن ماجه (٦٥٩/١ - ط الحلبي)
من حديث عبدالله بن عباس، وقال البوصيري: «إسناده
صحيح إن سلم من الانقطاع»، وذكر طرقها السخاوي في
المقاصد (ص٢٢٩ - ٢٣٠ - ط مكتبة الخانجي) ثم قال:
((مجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلا)).
(٣) حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه أن امرأة استكرهت
قدرأ عنها الحد. ذكره ابن قدامة في المغني (١٨٦/٨ -
ط الرياض) وعزاه إلى الأثرم.
وفي حد المكره على الزنى خلاف يرجع فيه
إلى مصطلح (إكراه)(١) و(ر: زنى) وهناك
شروط أخرى لوجوب كل حد فصل، الكلام
عليها في أبوابها .
ما يراعى في إقامة الحد:
يراعى في إقامة الحد أمور منها ما يعم الحدود
كلها، ومنها ما يخص البعض دون البعض :
ما يراعى في الحدود كلها :
الإمامة :
٣٦ - اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحد إلا
الإِمام أو نائبه، وذلك لمصلحة العباد، وهي
صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. والإِمام
قادر على الإقامة لشوكته، ومنعته، وانقياد
الرعية له قهرا وجبرا، كما أن تهمة الميل والمحاباة
والتواني عن الإقامة منتفية في حقه، فيقيمها
على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين،
ولأن النبي ﴿﴿ كان يقيم الحدود، وكذا
(١) ابن عابدين ١٤١/٣ وما بعدها، والبدائع ٧/ ٣٩
وما بعدها، ٦٧، ٩١، والفتاوى الهندية ١٤٣/٢، والتاج
والإكليل على مواهب الجليل ٦/ ٢٩١، ٢٩٤، والقوانين
الفقهية/ ٣٤٦، ٣٤٧، ٣٥١، ٣٥٣، وبداية المجتهد
٢/ ٤٤٠، وروضة الطالبين ٩٠/١٠، ٩٥، ١٤٢،
١٦٩، والمغني ١٨٥/٨، ١٨٧، وكشاف القناع ٧٨/٦،
٩٧.
- ١٤٤ -

حدود ٣٧ - ٣٨
خلفاؤه من بعده، وصرح الحنفية باشتراط
الإِمام أو نائبه لإقامة الحد. (١)
أهلية الشهادة عند الإقامة :
ءِ
٣٧ - لو بطلت أهلية الشهادة بالفسق أو الردة،
أو الجنون، أو العمى، أو الخرس، أوحد
القذف، أو غيرها بالنسبة لكلهم أو بعضهم
بحيث ينقص النصاب لا يقام الحد على
المشهود عليه، لأن اعتراض أسباب الجرح على
الشهادة عند إمضاء الحد بمنزلة اعتراضها عند
القضاء به، واعتراضها عند القضاء يبطل
· الشهادة، فكذا عند الإِمضاء في باب الحدود .
ر: (قذف).
هذا عند الحنفية والمالكية. ولم نعثر على قول
للشافعية والحنابلة في ذلك. (٢)
شروط تخص بعض الحدود :
البداية من الشهود في حد الرجم :
٣٨ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وهو
رواية عن أبي يوسف إلى أن الزنى إذا ثبت
(١) ابن عابدين ١٥٨/٣، والفتاوى الهندية ١٤٣/٢،
والبدائع ٥٧/٧، والتاج والإكليل على مواهب الجليل
٢٩٦/٦، ٢٩٧، وبداية المجتهد ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥،
وروضة الطالبين ٢٩٩/١٠، وکشاف القناع ٧٨/٦
(٢) البدائع ٥٩/٧، والمغني ٢٠٥/٩، والتبصرة ١/ ٢٦٠،
والدسوقي ٤ / ١٧٩
بالشهود، فالبدایة منهم لیست بشرط، ولکن
یستحب حضورهم، وابتداؤهم بالرجم، وهذا
لأن الرجم أحد نوعي الحد فيعتبر بالنوع الآخر
وهو الجلد، والبداية من الشهود ليست بشرط
فيه فكذا في الرجم.
ويرى أبوحنيفة ومحمد وهو إحدى الروايتين
عن أبي يوسف أن البداية من الشهود شرط في
حد الرجم، حتى لو امتنع الشهود عن ذلك، أو
ماتوا، أو غابوا كلهم أو بعضهم، لا يقام الرجم
على المشهود عليه، لما روي عن علي رضي الله
عنه أنه قال: يرجم الشهود أولا ، ثم الإِمام، ثم
الناس. وكلمة: ((ثم) للترتيب. وفي رواية أنه
قال: يا أيها الناس: إن الزنی زناءان: زنی سر
وزنى علانية، فزنى السر أن يشهد الشهود،
فيكون الشهود أول من يرمي، وزنى العلانية أن
يظهر الحبل أو الاعتراف، فيكون الإِمام أول
من يرمي)).
وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينقل
أنه أنكر عليه أحد فيكون إجماعا .
ولأن في اعتبار هذا الشرط احتياطا في درء
الحد، لأن الشهود إذا بدءوا بالرجم، ربما
استعظموا فعله، فيحملهم ذلك على الرجوع
عن الشهادة، فيسقط الحد عن المشهود عليه .
وإن ثبت الزنى بالاعتراف، فالخلاف في
- ١٤٥ -

حدود ٣٩ - ٤١
حضور الإِمام، والبداية منه کالخلاف في حضور
الشهود والبداية منهم.(١)
عدم خوف الهلاك من إقامة الجلد :
٣٩ - يشترط أن لا يكون في إقامة الجلد خوف
الهلاك .
لأن هذا النوع من الحدود شرع زاجرا
لا مهلكا، وفي الجلد في الحر الشديد، والبرد
الشديد، وجلد المريض، والنفساء خلاف
وتفصیل یرجع فيه إلى: ((زنی)) و((قذف)). (٢).
الدعوى في الحدود والشهادة بها:
٤٠ - الحدود - سوى حد القذف - لا تتوقف
على الدعوى لأنها لحق الله تعالى فتقبل
الشهادة فيها حسبة، وإنما شرطت الدعوى في
حد القذف وإن کان حق الله تعالی فیه غالبا
عند بعض الفقهاء، لأن المقذوف يطالب
القاذف دفعا للعار عن نفسه ظاهرا وغالبا
فيحصل ما هو المقصود من شرع الحد.
واختلفوا في السرقة، فذهب الحنفية
(١) البدائع ٥٨/٧، وابن عابدين ٣/ ١٤٥، ١٤٦، ومواهب
الجليل ٢٩٥/٦، والقوانين الفقهية ٣٤٥، وروضة
الطالبين ٩٩/١٠، والمغني ١٥٩/٨، ١٧٠، ١٧١، ٢١١
(٢) ابن عابدين ١٤٨/٣، والبدائع ٥٩/٧، وبداية المجتهد
٤٣٨/٢ ط دار المعرفة، والمغني ١٧٣/٨
والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يقطع حتى يدعيه
المالك، وقال المالکیة یقطع، وبه قال أبو بكر
وأبو ثور وابن المنذر، لعموم الآية، ولأن موجب
القطع قد ثبت.(١)
وأما الشهادة بالحدود سوى القذف فتجوز
بلا دعوى من غير خلاف بين الفقهاء، لشهادة
أبي بكرة، وأصحابه على المغيرة من غير تقدم
دعوى، ولشهادة الجارود وصاحبه على
قدامة بن مظعون بشرب الخمر، ولم يتقدمها
دعوى، ولأن الحق حق الله تعالى، فلم تفتقر
الشهادة به إلى تقدم دعوی کالعبادات. ولأن في
سائر الحقوق إنما تكون من المستحق، وهذا
لا حق فیه لأحد من الآدمیین فیدعیه. (٢)
التأخير في إقامة الحدود :
لا خلاف بين الفقهاء في أن الحد تجب إقامته
على الفور إلا اذا كان هناك عذر كالمرض
وما شابهه، والحمل، والسكر.
١ - إقامة الحد على المريض ومن شابهه:
٤١ - الصحيح الذي قطع به الجمهور هو أن
الرجم لا يؤخر للمرض لأن نفسه مستوفاة، فلا
(١) البدائع ٥٦/٧، وروضة الطالبين ١٤٤/١٠، والمغني
٢٠٨/٨، ٢١٧، ٢٨٤
(٢) البدائع ٧/ ٥٢، والمغني ٢٠٨/٨
- ١٤٦ -

حدود ٤١ - ٤٢
فرق بينه وبين الصحيح، وقيل: إن ثبت الحد
بالإِقرار أخر حتى يبرأ، لأنه ربما رجع في أثناء
الرمي، ومثل هذا الخلاف في مسألة الرجم في
شدة الحر أو البرد.
وإن كان الواجب الجلد أو القطع، فإن كان
المرض مما يرجى برؤه، فيرى الحنفية،
والمالكية، والشافعية تأخيره وهو قول الخرقي من
الحنابلة. وقال جمهور الحنابلة: يقام الحد
ولا يؤخر، كما قال أبو بكر في النفساء، وهذا
قول إسحاق وأبي ثور، لأن عمر رضي الله عنه
أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه،
ولأن ما أوجبه الله تعالى لا يؤخر بغير حجة .
وإن كان المرض مما لا يرجى برؤه، أو كان
الجاني ضعيف الخلقة لا يحتمل السياط، فهذا
يقام عليه الحد في الحال، إذ لا غاية تنتظر،
ولكن إذا کان الحد جلدا یضرب ضربا يؤمن
معه التلف، كالقضيب الصغير وشمراخ
النخل. فإن خيف عليه من ذلك قال الشافعية
والحنابلة: جمع ضغث فیه مائة شمراخ فضرب
به ضربة واحدة.
وفي الموضوع تفصيل يرجع فيه إلى مصطلح
(جلد). (١)
(١) ابن عابدين ٣/ ١٤٨، والتاج والإكليل على مواهب
الجليل ٢٩٦/٦، وبداية المجتهد ٤٣٨/٢، والقليوبي.
١٨٣/٤، وروضة الطالبين ١٠/ ٩٩، ١٠٠، ١٠١،
وكشاف القناع ٦/ ٨٢، ٨٦، والمغني ١٧٣/٨
٢ - إقامة الحد على الحبلى :
٤٢ - قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه
لا يقام الحد رجما كان أو غيره على حبلى ولو من
زنى حتى تضع، لئلا يتعدى إلى الحمل، لأنه
نفس محترمة لا جريمة منه .
ثم إن كان الحد رجما لم ترجم حتى تسقيه
اللبأ، ثم إذا سقته اللبأ، فإن كان له من
يرضعه، أو تكفل أحد برضاعه رجمت، وإلا
تركت حتى تفطمه ليزول عنه الضرر. لأن
النبي ◌ُلـ رجم الغامدية بعدما فطمت المولود،
وفي حديث آخر قال: ((لا نرجمها وندع ولدها
صغیرا لیس له من یرضعه، فقال له رجل من
الأنصار، إليّ رضاعه، فرجمها. (١)
وإن كان الحد جلدا، فتحد بعد الوضع
وانقطاع النفاس إذا كانت قوية يؤمن معه
تلفها، حدیث علي رضي الله عنه قال: ((إن أمة
لرسول الله وسلّ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا
هي حدیث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا
جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي وَّه
فقال: ((أحسنت)). (٢)
أما إن كانت في نفاسها أو ضعيفة يخاف
(١) حديث: الغامدية .... أخرجه مسلم (صحيح مسلم
١٣٢١/٣ -١٣٢٢ - ط الحلبي).
(٢) حديث: علي: إن أمة لرسول الله ملا زنت .... أخرجه
مسلم (٣/ ١٣٣٠ - ط الحلبي).
- ١٤٧ -

حدود ٤٣ - ٤٤
عليها، فالجمهور على أنه لا يقام عليها الحد
حتى تطهر وتقوى ليستوفى الحِد على وجه
الکمال من غیر خوف فواته . (١)
٣ - إقامة الحد على السكران :
٤٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن إقامة الحد
على السكران تؤخر حتى يصحو ليحصل .
المقصود من إقامة الحد، وهو الزجر، والردع،
لأن غيبوبة العقل أو غلبة النشوة والطرب تخفف
الألم. (٢)
إقامة الحدود في المساجد:
٤٤ - اتفق الفقهاء على أنه تحرم إقامة الحدود في
المساجد، لما روى حكيم بن حزام : أن
النبي ◌َّ نهى عن إقامة الحد في المساجد. (٣)
ولما روى ابن عباس أن رسول الله وض ال﴾ قال:
(١) ابن عابدين ١٤٨/٣، ومواهب الجليل ٦/ ٢٩٦،
والقليوبي ١٨٣/٤، وكشاف القناع ٨٢/٦، ٨٣، والمغني
١٧١/٨ ومابعدها .
(٢) ابن عابدين ١٦٣/٣، ١٦٤، ومواهب الجليل ٦/ ٣١٧،
والقليوبي ٢٠٤/٤، وروضة الطالبين ١٧٣/١٠، والمغني
١٧٣/٨، وكشاف القناع ٨٢/٦، ٨٣
(٣) حديث: ((نهى عن إقامة الحد في المساجد)) أخرجه
ابن ماجه (٨٦٧/٢ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص وأعل إسناده البوصيري. ویشهد له ما
بعده .
((لا تقام الحدود في المساجد))(١) ولأن تعظيم
المسجد واجب، وفي إقامة الحدود فيه ترك
تعظيمه . (٢)
ولا خلاف في إقامتها في الحرم على من
ارتكب سو الحد فيه، أما من ارتكبه خارج
الحرم ولجأ إليه فقد اختلف الفقهاء: فذهب
جمهور الفقهاء إلى أنه لا يستوفى فيه حد لقوله
تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾، (٣)
ولقوله : ((لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يسفك بها دما)) (٤) (أي مكة). وقالوا:
يقاطغ فلا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى
ويضيق عليه حتى يخرج فيستوفى منه الحد.
ويرى المالكية والشافعية أنه تستوفى الحدود
فيه، لما روى أنس أن النبي صل# دخل مكة
وعلى رأسه مغفر، فلما نزع المغفر، جاءه رجل
(١) حديث: ((لا تقام الحدود في المساجد)) أخرجه الترمذي
(٤ /١٩ - ط الحلبي) وابن ماجه (٨٦٧/٢ - ط الحلبي) من
حدیث عبدالله بن عباس، وفي إسناده ضعف كذلك، كما
في التلخيص لابن حجر (٧٧/٤ سط شركة الطباعة
الفنية)، وهو حسن لطرقه .
(٢) البدائع ٧/ ٦٠، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٢٣ ط مصطفى
البابي الحلبي، والشرح الصغير ٤/ ٢٠١، وروضة
الطالبين ١٠/ ١٧٣، وكشاف القناع ٦/ ٨٠
(٣) سورة آل عمران / ٩٧ .
(٤) حديث ((لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك
بها دما)) أخرجه البخاري (الفتح ١/ ١٩٧ - ط السلفية) من
حديث أبي شريح .
- ١٤٨ -

حدود ٤٥
فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال:
((اقتلوه)). (١)
ما يراعى عند استيفاء كل نوع من أنواع
الحدود :
أ - حد الرجم :
يراعى في استيفاء الرجم ما يلي:
٤٥ ۔ أن یکون الرجم في مكان واسع، لأنه
أمكن في رجمه، ولئلا يصيب بعضهم بعضا
ويحيطون بالمرجوم عند الشافعية والحنابلة، وقال
الحنفية: يصطفون كصفوف الصلاة لرجمه، كلما
رجم قوم تنحوا ورجم آخرون، وأن يكون
الرجم بحجارة معتدلة قدر ما يطيق الرامي
بدون تكلف، لا بكبيرة خشية التشويه أو
التذفيف (الإِجهاز عليه مرة واحدة) ولا بصغيرة
خشية التعذيب.
ويحفر للمرأة إلى صدرها، هذا عند الحنفية
والشافعية في قول: وهو أيضا قول لدى المالكية،
لكونه أسترلها، وجاز ترکه لسترها بثیابها .
ويرى المالكية في المشهور، والحنابلة في
المذهب، وهو قول آخر للشافعية: أنه لا يحفر لها
لأن أكثر الأحاديث على تركه .
(١) سبل السلام ٤/ ٥٤ط مصطفى البابي الحلبي، والمغني
٢٣٦/٨ - ٢٣٩ وحديث: ((أن النبي # دخل مكة وعلى
رأسه مغفر)) أخرجه البخاري (الفتح ١٦٥/٦ - ط السلفية)
ومسلم (٢ / ٩٩٠ - ط الحلبي).
والشافعية قول ثالث وهو الأصح عندهم:
أنه إن ثبت الحد بالإِقرار لم يحفر لها، وإن ثبت
بالبينة حفر لها إلى صدرها، وهو قول للمالكية
والحنابلة أيضا، قال أبو الخطاب: وهذا أصح
عندي. لما روى بريدة أن النبي ◌َّ: ((رجم
امرأة فحفر لها))(١) ولأنه أسترلها، ولا حاجة إلى
تمكينها من الهرب لكون الحد قد ثبت بالبينة فلا
يسقط بفعل من جهتها، بخلاف الثابت
بالإِقرار، فإنها تترك على حال لو أرادت الهرب
تمكنت منه، لأن رجوعها عن إقرارها مقبول.
وأما الرجل فلا يحفر له عند الجمهور وفي قول
للمالكية: يحفر للمشهود عليه دون المقر لأن
الرسول ومثله لم يحفر لماعز، قال أبوسعيد
رضي الله عنه: ((لما أمر رسول الله وَّ برجم
ماعز خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا له ولا
وثقنا، ولكن قام لنا)). (٢) ولأن الحفر له، ودفن
بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه، فوجب
أن لا تثبت. (٣)
(١) حديث: ((إن النبي (98 رجم امرأة فحفر لها ... )).
أخرجه مسلم (١٣٢٣/٣ - الحلبي) من حديث بريدة.
(٢) حديث أبي سعيد: (لما أمر رسول الله ◌َي برجم
ماعز ... )). أخرجه مسلم (٣/ ١٣٢٠ - ط الحلبي)
والبيهقي (٢٢١/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) واللفظ
للبيهقي.
(٣) ابن عابدين ١٤٧/٣، والبدائع ٥٩/٧، والدسوقي
٣٢٠/٤، والشرح الصغير ٤٥٥/٤، والقوانين الفقهية
/ ٣٤٨، ٣٤٩، والقليوبي ١٨٣/٤، وروضة الطالبين
٩٩/١٠، وكشاف القناع ٦/ ٨٤، والمغني ٨/ ١٥٩
- ١٤٩ -

حدود ٤٦ - ٤٨
وينظر تفاصيل الموضوع في مصطلح : (زنى)
و(رجم).
ب - الجلد :
يراعى في استيفائه مايلي :
٤٦ - أن يكون الضرب بسوط لا عقدة له،
ويكون حجمه بين القضيب والعصا، لرواية
أنس أنه كان يؤمر بالسوط، فتقطع ثمرته،
وثمرته: عقدة أطرافه، ثم يدق بین حجرين
حتی یلین، ثم يضرب به .
وأن يكون الضرب ضربا متوسطا، لقول علي
رضي الله تعالى عنه ((ضرب بين ضربين،
وسوط بين سوطين)) يعني وسطا. ولذلك فلا
يبدي الضارب إبطه في رفع يده، بحيث يظهر
إبطه، لأن ذلك مبالغة في الضرب.
« وأن يفرق الجلد على بدنه خلا رأسه،
ووجهه وفرجه، وصدره، وبطنه، وموضع
القتل، لأن جمعه على عضو واحد قد يفسده.
وليأخذ كل عضو منه حظه، ولئلا یشق الجلد،
أو يؤدي إلى القتل. وأيضا ضرب ما استثني قد
يؤدي إلى الهلاك حقيقة أو معنی بإفساد بعض
الحواس الظاهرة أو الباطنة، ولقول علي
رضي الله عنه: اضرب وأوجع، واتق الرأس
والوجه .
ولا يجوز تفريق الضرب على الأيام بأن
يضرب في كل يوم سوطا أو سوطين، لأنه لا
يحصل به الإِيلام.
ولا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يمد المحدود
ولا يربط ولا تشد يده.
واختلفوا في تجریده:
٤٧ - فذهب الحنفية والمالکیة إلى أنه ینزع ثياب
الرجل خلا إزاره ليستر عورته، وأما المرأة فلا
تنزع ثيابها إلا الفرو والحشو.
ويرى الشافعية والحنابلة أنه لا يجرد من
ثيابه، لقول ابن مسعود: ليس في دیننا مد، ولا
قيد ولا تجريد، بل يكون عليه غير ثياب الشتاء
كالقميص والقميصین، صيانة له عن التجريد،
وإن كان عليه فروة، أو جبة محشوة نزعت، لأنه
لو ترك علیه ذلك لم يبال بالضرب.
والرجل يضرب قائما، والمرأة جالسة، وتشد
عليها ثيابها، وتمسك يداها لئلا تنكشف، لقول
علي رضي الله عنه: تضرب المرأة جالسة،
والرجل قائما في الحدود، ولأن المرأة عورة وهذا
أسترلها.(١)
٤٨ - وأشد الجلد في الحدود جلد الزنى، فجلد
القذف، فجلد الشرب، لأن الله تعالى خص
الزنى بمزيد من التأكيد بقوله: ﴿ولا تأخذكم
بهما رأفة في دين الله﴾، (٢) ولأن مادونه أخف منه
(١) ابن عابدين ١٤٦/٣، ١٤٧، ١٤٨، والبدائع ٧ / ٦٠،
ومواهب الجليل ٣١٨/٦، ٣١٩، والشرح الصغير
٤/ ٥٠٢ وما بعدها، والقليوبي ٤/ ٢٠٤، وروضة
الطالبين ١٠/ ٩٩، ١٠٠، ١٧١، ١٧٢، ١٧٣
(٢) سورة النور/ ٢
- ١٥٠ -

حدود ٤٩ - ٥١
عددا، فلا يجوز أن يزيد في إیلامه ووجعه، لأن
ما کان أخف في عدده كان أخف في صفته،
ولأن جناية الزنى أعظم من جناية الشرب
والقذف: أما أنها أعظم من جناية القذف،
فلأن القذف نسبة إلى الزنى، فکان دون
حقيقة الزنى. وأما أنه أعظم من جناية الشرب
فلأن الجلد في الزنى ثبت بنص الكتاب العزيز،
ولا نص في الشرب، وإنما استخرجه الصحابة
الكرام بالاجتهاد، والاستدلال بالقذف فقالوا:
إذا سکر هذی، وإذا هذى افترى، وحد
المفتري ثمانون. (١)
ج - القطع :
٤٩ - تقطع یمین السارق من زنده وهو مفصل
الرسغ، وتحسم ولا تقطع في حروبرد شديدين،
لأن الحد زاجر لا متلف.
ويقطع بأسهل ما يمكن، فيجلس ويضبط،
لئلا يتحرك فيجني علی نفسه وتشد يده بحبل،
وتجر حتى يبين مفصل الكف من مفصل
الذراع، ثم یوضع بينهما سکین حاد، ويدق
فوقهما بقوة، ليقطع في مرة واحدة. وإن علم
قطع أسرع من هذا قطع به . (٢)
(١) البدائع ٧/ ٦٠، وكشاف القناع ٨١/٦، ونيل المآرب
٣٥٣/٢
(٢) ابن عابدين ٢٠٦/٣، ومواهب الجليل ٣٠٥/٦،
وروضة الطالبين ١٠/ ١٤٩ والمغني ٢٦١/٨
د - التغريب :
٥٠ - يغرب الزاني البكر - عند من يقول بذلك -
إلى مسافة القصر حولا كاملا(١) وفي تغريب
المرأة وكيفيته خلاف وتفصيل سبق إجماله فقرة
(٣٢).
وینظر تفصيله في (زنی وتغريب).
إقامة الحدود في ملأ من الناس :
٥١ - اتفق الفقهاء على أن الحدود تقام في ملأ
من الناس، لقوله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما
طائفة من المؤمنین﴾(٢) والنص وإن ورد في حد
الزنى لكنه يشمل سائر الحدود دلالة، لأن
المقصود من الحدود كلها واحد، وهو زجر
العامة، وذلك لا يحصل إلا أن تكون الإِقامة
على رأس العامة، لأن الحضور ينزجرون
بأنفسهم بالمعاينة، والغيّب ينزجرون بإخبار
الحضور، فيحصل الزجر للكل، وفيه منع
الجلاد من مجاوزة الحد الذي جعل له، ودفع
التهمة والميل.
وفي المراد بالطائفة في الآية خلاف قيل :
الطائفة أقلها واحد، وقيل: اثنان، وقيل:
ثلاثة، وقيل: أربعة، وقيل: خمسة، وقيل:
عشرة، وقيل: نفر. (٣).
(١) روضة الطالبين ٨٨/١٠، والمغني ١٦٩/٨
(٢) سورة النور/ ٢
(٣) البدائع ٧/ ٦١، والشرح الصغير / ٤٥٦، والقوانين=
- ١٥١ -

حدود ٥٢، حدیث النفس
وينظر تفصيل القائلين بها وأدلتهم في
(زنى).
آثار الحد :
٥٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحد إن كان
رجما يدفع المرجوم بعد قتله إلى أهله، فيصنعون
به ما يصنع بسائر الموتی، فیغسلونه، ویکفنونه،
ويصلون علیه، ويدفنونه، لما روي أن ماعزا لما
رجم قال عليه الصلاة والسلام: ((اصنعوا به ما
تصنعون بموتاكم)) (١) وصلى علي رضي الله عنه
على شراحة .
ولأنه مسلم لومات قبل الحد صلي عليه،
فیصلى عليه بعده كالسارق.
ويرى المالكية أن من قتله الإمام في حد لا
يصلي الإِمام عليه، لأن جابرا قال في حديث
ماعز: فرجم حتى مات، فقال له النبي وَل
خيرا ولم يصل عليه. (٢)
وإن كان جلدا فحكم المحدود وغيره سواء
= الفقهية/ ٢٤٩، ومواهب الجليل ٦/ ٢٥٩، وبداية
المجتهد ٤٣٨/٢، وروضة الطالبين ٩٩/١٠، والمغني
١٧٠/٨
(١) حديث: ((اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم)). أخرجه ابن
أبي شيبة كما في الدراية لابن حجر (٢ / ٩٧ - ط الفجالة)
من حدیث بريدة، وضعفه ابن حجر.
(٢) حديث جابر: ((فرجم -ماعز-حتى مات)). أخرجه
البخاري (الفتح ١٢٩/١٢ - ط السلفية). وأبو داود
(٤/ ٥٨٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس).
في سائر الأحكام من الشهادة وغيرها بشروطها
إلا المحدود في القذف خاصة في أداء الشهادة،
فإنه تبطل شهادته على التأبيد، وفي قبول
شهادته بعد التوبة خلاف وتفصیل ذکر في کتاب
الشهادات من كتب الفقه. (١) وينظر في
مصطلح : (قذف وشهادة).
حديث النفس
انظر : نية.
(١) البدائع ٦٣/٧، وروضة الطالبين ١٠٥/١٠، والمغني
١٨٨/٨
- ١٥٢ -

حرابة ١ - ٤
حرابة
التعريف :
١ - الحرابة من الحرب التي هي نقيض السلم:
يقال: حاربه محاربة، وحرابا، أو من الحرب.
بفتح الراء: وهو السلب.
يقال: حرب فلانا ماله أي سلبه فهو محروب
وحریب.(١)
والحرابة في الاصطلاح وتسمى قطع الطريق
عند أكثر الفقهاء هي البروز لأخذ مال، أو لقتل،
أو لإِرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة،
اعتمادا على القوة مع البعد عن الغوث. (٢)
وزاد المالكية محاولة الاعتداء على العرض
مغالبة .
وجاء في المدونة من كابر رجلا على ماله
بسلاح أو غيره في زقاق أو دخل على حريمه في
المصرحكم عليه بحكم الحرابة. (٣)
(١) تاج العروس، ولسان العرب.
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٩٠، وروض الطالب ٤/ ١٥٤،
والإِقناع لحل ألفاظ أبي شجاع ٢٣٨/٢، والمغني ٢٨٧/٨
(٣) جواهر الإكليل ٢/ ٢٩٤
الألفاظ ذات الصلة :
أ - البغي :
٢ - البغي في اللغة: الجور، والظلم، والعدول
عن الحق. (١)
وفي الاصطلاح الشرعي: هو الخروج عن
طاعة إمام أهل العدل بتأويل غير مقطوع
الفساد. (٢)
وفرق الإِمام مالك بين الحرابة والبغي بقوله:
«البغي یکون بالخروج على تأويل - غير قطعي
الفساد - والمحاربون خرجوا فسقا وخلوعا على
غير تأويل)). (٣)
ب - السرقة :
٣ - السرقة في اللغة: أخذ الشيء خفية. وفي
الاصطلاح: أخذه خفية ظلما في حرز مثله،
بشروط تذکر في بابها .
فالفرق أن الحرابة فيها مجاهرة ومكابرة
وسلاح.
جـ - النهب ، والاختلاس :
٤ - النهب لغة: الغلبة على المال. واصطلاحا:
أخذ الشيء علانية دون رضا .
(١) المصباح المنير ومطالب أولي النهى ٢٦٢/٦
(٢) نهاية المحتاج ٧/ ٤٠٢، وروض الطالب ١١١/٤
(٣) الزرقاني ١٩٢/٨
- ١٥٣ -

حرابة ٥ - ٧
والاختلاس: خطف الشيء بسرعة على
غفلة من صاحبه، مع الاعتماد على الهرب.
فالنهب والاختلاس كلاهما أخذ الشيء
علانية، والفرق بينهما هو: سرعة الأخذ في
الاختلاس بخلاف النهب فإن ذلك غير معتبر
فیه .(١)
أما الحرابة فهي الأخذ على سبيل المغالبة.
د - الغصب :
٥ - الغصب أخذ الشيء ظلما مع المجاهرة.
وشرعا: الاستيلاء على حق الغير بغير
حق .
وقيل: هو إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على
سبيل المجاهرة. (٢) فالغصب قد يكون بسلاح
أو بغير سلاح مع إمكان الغوث.
الحكم التكليفي :
٦ - الحرابة من الكبائر، وهي من الحدود باتفاق
الفقهاء، وسمى القرآن مرتكبيها: محاربين لله
ورسوله، وساعين في الأرض بالفساد، وغلظ
عقوبتها أشد التغليظ، فقال عز من قائل : ﴿إنما
جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في
(١) المصباح المنير وابن عابدين ١٩٩/٣ والزرقاني ٨/ ١٩٢
(٢) الإقناع لحل ألفاظ أبي شجاع ٢/ ٥٥، وبدائع الصنائع
١٤٢/٧
الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع
أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من
الأرض﴾(١) الخ.
ونفى الرسول ﴿ انتسابهم إلى الإِسلام
فقال في الحديث المتفق عليه: ((من حمل علينا
السلاح فليس منا)). (٢)
الأصل في جزاء الحرابة :
٧ - الأصل في بيان جزاء الحرابة قوله تعالى :
﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون
في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع
أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من
الأرض ... ﴾(٣) الخ.
وقد أجمع الفقهاء على مشروعية حد قاطع
الطريق كما سيأتي. وحديث العرنيين عن أبي
قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: قدم رهط
من عكل على النبي ﴿ كانوا في الصفة،
فاجتووا المدينة فقالوا: يا رسول الله أبغنا رِسْلاً،
فقال ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإيل رسول
الله وَل﴿، فأتوها فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى
صحوا وسمنوا وقتلوا الراعي واستاقوا الذود،
(١) سورة المائدة / ٣٣
(٢) حديث: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) أخرجه
البخاري (الفتح ٢٣/١٣ - ط السلفية) ومسلم (١/ ٩٨ -
ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر.
(٣) سورة المائدة / ٣٣
- ١٥٤ -

حرابة ٨ - ٩
فأتى النبي والر الصريخ، فبعث الطلب في
آثارهم، فما ترجل النهار حتى أتي بهم، فأمر
بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم
وأرجلهم وماحسمهم، ثم ألقوا في الحرة
يستسقون، فما سقوا حتى ماتوا)). وقال
أبو قلابة: سرقوا وقتلوا وحاربوا الله ورسوله. (١)
من يعتبر محاربا :
٨ - المحارب عند الجمهور: هو كل ملتزم
مكلف أخذ المال بقوة في البعد عن الغوث. (٢)
وللفقهاء تعريفات أخرى لا تخرج في
مفهومها عن هذا المعنى .
ولا بد من توافر شروط في المحاربين حتى
يحدوا حد الحرابة. وهذه الشروط في الجملة
هي :
أ - الالتزام .
ب - التكليف
جـ ـ وجود السلاح معهم.
د- البعد عن العمران.
هـ ـ الذكورة
و- المجاهرة.
ـ
(١) حديث العرنيين أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ١١١ - ط
السلفية). وانظر بداية المجتهد ٢/ ٤٩٠، وروض الطالب
١٥٤/٤، ومطالب أولي النهى ٦/ ٢٥١، والمغني
٢٨٦/٨، ٢٨٧
(٢) بدائع الصنائع ٩٥/٧، وروض الطالب ٤/ ١٥٤،
والمغني ٢٨٦/٨
ولم يتفق الفقهاء على هذه الشروط كلها،
بل بينهم في بعضها اختلاف بیانہ کما يلي :
أ - الالتزام :
٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يشترط في
المحارب: أن يكون ملتزما بأحكام الشريعة،
بأن يكون مسلما، أوذميا، أو مرتدا، فلا يجد
الحربي، ولا المعاهد، ولا المستأمن.(١)
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من
قبل أن تقدروا عليهم﴾(٢) وهؤلاء تقبل توبتهم
قبل القدرة، وبعدها، ولقوله تعالى : ﴿قل
للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾(٣)
ولخبر: ((الإسلام يجب ما كان قبله)). (٤) ولم
يلتزموا أحكام الشريعة، أما الذمي فقد التزم
أحكام الشريعة فله ما لنا، وعليه ما علينا.
وظاهر عبارة أكثر الشافعية أن الذمي حكمه
كحكم المسلم في أحكام الحرابة . وأما المستأمن
(١) ابن عابدين ١١٢/٣، وروض الطالب ٤/ ١٥٤،
وروضة الطالبين ١٥٤/١٠، وكشاف القناع ١٤٦/٦،
وبداية المجتهد ٢/ ٤٩١، والمدونة ٢٦٨/٦
(٢) سورة المائدة / ٣٤
(٣) سورة الأنفال / ٣٨
(٤) حديث: ((الإِسلام يجب ما كان قبله)) أخرجه أحمد
(٤ /١٩٩ - ط الميمنية) من حديث عمرو بن العاص.
وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٥١ - ط القدسي) وقال:
((رجاله ثقات)).
- ١٥٥ -
.

حرابة ١٠ - ١١
فقد وقع الخلاف بينهم في أنه یکون محاربا
أولا . (١)
ب - التكليف :
١٠ - لا خلاف بين الفقهاء في أن البلوغ والعقل
شرطان في عقوبة الحرابة لأنهما شرطا التكليف
الذي هو شرط في إقامة الحدود. (٢)
واختلفوا في حد من اشترك مع الصبي.
والمجنون في قطع الطريق، فذهب الجمهور إلى
أن الحد لا يسقط عنهم وعليهم الحد. وقالوا:
لأنها شبهة اختص بها واحد فلم يسقط الحد
عن الباقين. كما لو اشتركوا في الزنى بامرأة.
نص على ذلك الحنابلة، وهو مقتضى كلام
الشافعية والمالكية حيث نص الشافعية على أن
شريك الصبي يقتص منه، وحصروا مسقطات
الحد على قاطع الطريق في توبته قبل القدرة
عليه ولم يذكروا مسقطا آخر، ونصوا على أنه إذا
أمسك رجل هاربا وقتله صبي يقتل الممسك
عندهم. (٣) ومقتضى ذلك كله أن شريك
الصبي في قطع الطريق يحد.
وقال الحنفية : إذا كان في القطاع صبي أو
(١) روض الطالب ١٥٤/٤، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
٢/٨
(٢) المصادر السابقة .
(٣) مغني المحتاج ٨/٤، ٢١، ١٨٣، وشرح الزرقاني
١٠٩/٨، والمغني ٨/ ٢٩٨
مجنون أو ذورحم محرم من أحد المارة فلا حد
على أحد منهم، باشر العقلاء الفعل أم لم
يباشروا، وقالوا: لأنها جناية واحدة قامت
بالكل، فإن لم يقع فعل بعضهم موجبا للحد،
کان فعل الباقين بعض العلة فلم يثبت به
الحكم. وقال أبو يوسف: إذا باشر العقلاء
الفعل يحدون. (١)
جـ - الذكورة :
١١ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه
لا يشترط في المحارب الذكورة.
فلو اجتمع نسوة لهن قوة ومنعة فهن قاطعات
طريق ولا تأثير للأنوثة على الحرابة، فقد يكون
للمرأة من القوة والتدبيرما للرجل فيجري عليها
ما يجري على الرجل من أحكام الحرابة . (٢)
وقال الحنفية : يشترط في المحارب الذكورة:
فلا تحد المرأة وإن وليت القتال وأخذ المال،
لأن ركن الحرابة هو: الخروج على وجه المحاربة
والمغالبة ولا يتحقق ذلك في النساء عادة لرقة
قلوبهن وضعف بنيتهن، فلا يكن من أهل
الحرابة .
ولهذا لا يقتلن في دار الحرب، ولا يحد كذلك
(١) ابن عابدين ٢١٤/٣، وبدائع الصنائع ٧/ ٩١
(٢) روضة الطالبين ١٥٥/١٠، والمغني ٢٩٨/٨، وشرح
الزرقاني ٨ /١٠٩
- ١٥٦ -

حرابة ١٢ - ١٣
من يشاركهن في القطع من الرجال، عند
أبي حنيفة ومحمد. سواء باشروا الجريمة أم لم
يباشروا. وقال أبو يوسف: إذا باشرت المرأة
القتال وأخذ المال، يحد الرجال الذين
يشاركونها، لأن امتناع وجوب الحد على المرأة
ليس لعدم الأهلية، لأنها من أهل التكليف،
بل لعدم المحاربة عادة، وهذا لم يوجد في الرجال
الذين يشاركونها، فلا يمتنع وجوب الحد
عليهم . (١)
د - السلاح :
١٢ - اختلف الفقهاء في اشتراط السلاح في
المحارب.
فقال الحنفية والحنابلة: يشترط أن يكون مع
المحارب سلاح، والحجارة والعصي سلاح
((هنا)) فإن تعرضوا للناس بالعصي والأحجار
فهم محاربون. أما إذا لم يحملوا شيئا مما ذكر
فليسوا بمحاربین . (٢).
ولا يشترط المالكية والشافعية حمل السلاح
بل يكفي عندهم القهر والغلبة وأخذ المال ولو
باللكز والضرب بجمع الكف. (٣)
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٩١
(٢) ابن عابدين ٣/ ٢١٣، والمغني ٢٨٨/٨
(٣) المدونة الكبرى ٣٠٣/٦، وروضة الطالبين ١٠ / ١٥٦،
وروض الطالب ٤/ ١٥٤
هـ - البعد عن العمران :
١٣ - ذهب المالكية والشافعية وهو رأى أبي
یوسف من الحنفية وکثیر من أصحاب أحمد إلى
أنه لا يشترط البعد عن العمران وإنما يشترط
فقد الغوث .
ولفقد الغوث أسباب كثيرة، ولا ينحصر في
البعد عن العمران .
فقد يكون للبعد عن العمران أو السلطان.
وقد يكون لضعف أهل العمران، أو لضعف
السلطان .
فإن دخل قوم بيتا وشهروا السلاح ومنعوا
أهل البيت من الاستغاثة فهم قطاع طرق في
حقهم .(١)
واستدل الجمهور بعموم آية المحاربة، ولأن
ذلك إذا وجد في العمران والأمصار والقری کان
أعظم خوفا وأكثر ضررا، فكان أولى بحد
الحرابة . (٢)
وذهب الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة إلى
اشتراط البعد عن العمران. فإن حصل منهم
الإِرعاب وأخذ المال في القرى والأمصار فليسوا
بمحاربين، وقالوا: لأن الواجب يسمى حد
(١) نهاية المحتاج ٤/٨، وروض الطالب ٤/ ١٥٤
(٢) شرح الزرقاني ١٠٩/٨، ونهاية المحتاج ٤/٨، والمغني
٢٨٧/٨
- ١٥٧ -

حرابة ١٤ - ١٧
قطاع الطرق، وقطع الطريق إنما هو في
الصحراء، ولأن من في القرى والأمصار يلحقه
الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدین، ویکونون
مختلسین وهو ليس بقاطع، ولا حد عليه.(١)
و - المجاهرة :
١٤ - المجاهرة أن يأخذ قطاع الطريق المال جهرا
فإن أخذوه مختفين فهم سراق، وإن اختطفوا
وهربوا فهم منتهبون ولا قطع عليهم.
وکذلك إن خرج الواحد، والاثنان على آخر
قافلة، فاستلبوا منها شيئا، فليسوا بمحاربين
لأنهم لا يعتمدون على قوة ومنعة. وإن تعرضوا
لعدد يسير فقهروهم، فهم قطاع طرق. (٢)
حكم الردء :
١٥ - اختلف الفقهاء في حكم الردء أي المعين
للقاطع بجاهه أو بتکثیر السواد أو بتقديم أي
عون لهم ولم يباشر القطع، فذهب الحنفية
والمالكية والحنابلة إلی أن حكمه حكم المباشر،
لأنهم متمالئون وقطع الطريق يحصل بالكل،
ولأن من عادة القطاع أن يباشر البعض، ويدفع
عنهم البعض الآخر، فلو لم يلحق الردء بالمباشر
(١) ابن عابدين ٢١٤/٣، والمغني ٢٨٧/٨
(٢) روض الطالب ١٥٤/٤، ونهاية المحتاج ٤/٨، والمغني
٢٨٨/٨
في سبب وجوب الحد لأدی ذلك إلى انفتاح باب
قطع الطريق.(١)
وقال الشافعية: لا يحد الردء، وإنما يعزر
کسائر الجرائم التي لا حد فيها. (٢)
عقوبة المحاربين :
١٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أن عقوبة
المحارب حد من حدود الله لا تقبل الإِسقاط ولا
العفو مالم يتوبوا قبل القدرة عليهم.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿إنما جزاء
الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض
فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف أوينفوا من الأرض ذلك
لهم خزى في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم
إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا
أن الله غفور رحيم﴾. (٣)
١٧ - واختلف الفقهاء في هذه العقوبات: أهي
على التخيير أم على التنويع. فذهب الشافعية
والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أن ((أو)) في
الآية على ترتيب الأحكام، وتوزيعها على ما
يليق بها في الجنايات:
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٩١، وشرح الزرقاني ١١٠/٨، والمغني
٢٩٧/٨
(٢) روض الطالب ٤/ ١٥٤
(٣) سورة المائدة / ٣٣، ٣٤
- ١٥٨ -

حرابة ١٧
فمن قتل وأخذ المال، قتل وصلب. ومن
اقتصر على أخذ المال قطعت يده الیمنی ورجله
الیسری.
ومن أخاف الطريق، ولم يقتل، ولم يأخذ مالا
نفي من الأرض. (١)
والنفي في هذه الحالة عند الشافعية تعزير
ولیس حدا، فيجوز التعزیر بغيره ويجوز تركه إن
رأى الإِمام المصلحة في ذلك.
وقالوا: بهذا فسر ابن عباس الآية فقال:
المعنى: أن يقتلوا إن قتلوا. أو يصلبوا مع القتل
إن قتلوا وأخذوا المال. أو تقطع أيديهم وأرجلهم
من خلاف، إن اقتصروا على أخذ المال، أو
ينفوا من الأرض، إن أرعبوا، ولم يأخذوا شيئا ولم
يقتلوا، وحملوا كلمة ((أو) على التنويع لا
التخییر، كما في قوله تعالى : ﴿وقالوا کونوا هودا
أو نصارى﴾ أي قالت اليهود: کونوا هودا وقالت
النصارى: كونوا نصارى ولم يقع تخييرهم بين
اليهودية والنصرانية .
وقالوا أيضا: إنه لا يمكن إجراء الآية على
ظاهر التخيير في مطلق المحارب لأمرين:
الأول: أن الجزاء على قدر الجناية، يزداد
بزيادة الجناية، وينقص بنقصانها بمقتضى
(١) روض الطالب ١٥٥/٤، والمغني ٢٨٨/٨، وروضة
الطالبین ١٥٦/١٠ -١٥٧ ومطالب أولي النهى ٢٥٢/٦ -
٢٥٣، ونهاية المحتاج ٣/٨ ط - المكتبة الإسلامية.
العقل والسمع أيضا قال تعالى : ﴿وجزاء سيئة
سيئة مثلها﴾(١) فالتخيير في جزاء الجناية
القاصرة بما يشمل جزاء الجناية الكاملة، وفي
الجناية الكاملة بما يشمل جزاء الجناية القاصرة
خلاف المعهود في الشرع.
يزيد هذا إجماع الأمة على أن قطاع الطرق
إذا قتلوا وأخذوا المال، لا يكون جزاؤهم
المعقول النفي وحده، وهذا يدل على أنه لا
يمكن العمل بظاهر التخيير.
الثاني : أن التخيير الوارد في الأحكام
المختلفة بحرف التخيير إنما يجري على ظاهره
إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة
اليمين وكفارة جزاء الصيد، أما إذا كان السبب
مختلفا، فإنه يخرج التخيير عن ظاهره ويكون
الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه .
وقطع الطريق متنوع، وبين أنواعه تفاوت في
الجريمة، فقد يكون بأخذ المال فقط، وقد
يكون بالقتل لا غير، وقد يكون بالجمع بين
الأمرین، وقد یکون بالتخويف فحسب، فكان
سبب العقاب مختلفا. فتحمل الآية على بيان
حكم كل نوع فيقتلون ويصلبون إن قتلوا
.وأخذوا المال، وتقطع أيديهم وأرجلهم من
خلاف إن أخذوا المال لا غير، وينفون من
الأرض، إن أخافوا الطريق، ولم يقتلوا نفسا ولم
(١) سورة الشورى / ٤٠
- ١٥٩ -

حرابة ١٧
يأخذوا مالا. ويدل أيضا على ذلك: أن الله
سبحانه وتعالى : بدأ بالأغلظ فالأغلظ والمعهود
من القرآن فيما أريد به التخيير، البداءة بالأخف
ککفارة الیمین، وما أريد به الترتيب يبدأ فيه
بالأغلظ فالأغلظ ككفارة الظهار، والقتل.
وقال أبوحنيفة: إن أخذ قبل قتل نفس أو
أخذ شىء حبس بعد التعزير حتى يتوب، وهو
المراد بالنفي في الآية، وإن أخذ مالا معصوما
بمقدار النصاب قطعت یده ورجله من خلاف،
وإن قتل معصوما ولم يأخذ مالا قتل. أما إن قتل
النفس وأخذ المال، وهو المحارب الخاص
فالإِمام مخير في أمور ثلاثة: إن شاء قطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف ثم قتلهم، وإن شاء قتلهم
فقط، وإن شاء صلبهم، والمراد بالصلب هنا
طعنه وترکه حتی یموت ولا يترك أکثر من ثلاثة
أيام. ولا يجوز عنده إفراد القطع في هذه الحالة
بل لا بد من انضمام القتل أو الصلب إليه، لأن
الجناية قتل وأخذ مال، والقتل وحده فيه القتل،
وأخذ المال وحده فيه القطع، ففيهما مع الإِخافة
لا يعقل القطع وحده. وقال صاحباه في هذه
الصورة: يصلبون ويقتلون ولا يقطعون. (٢)
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٩٣ - ٩٤ وروض الطالب ٤/ ١٥٤،
ونهاية المحتاج ٢٧/٨، والمغني ٢٨٩/٨
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ٩٤، وابن عابدين ٢١٣/٣، والاختيار
١١٤/٤
وقال قوم من السلف: إن الآية تدل على
التخيير بين الجزاءات الأربعة.
فإذا خرجوا لقطع الطريق وقدر عليهم
الإِمام، خيربين أن يجري عليهم أي هذه
الأحكام إن رأى فيه المصلحة وإن لم يقتلوا ولم
يأخذوا مالا. وإلى هذا ذهب الإِمام مالك على
التفصيل التالي :
وهو إن قتل فلابد من قتله، إلا إن رأی
الإِمام أن في إبقائه مصلحة أعظم من قتله.(١)
وليس له تخيير في قطعه، ولا نفيه، وإنما
التخيير في قتله أو صلبه. وإن أخذ المال ولم يقتل
لا تخيير في نفيه، وإنما التخيير في قتله، أو
صلبه، أو قطعه من خلاف، وإن أخاف السبيل
فقط فالإِمام محیر بین قتله، أو صلبه، أو قطعه،
باعتبار المصلحة. هذا في حق الرجال.
أما المرأة فلا تصلب، ولا تنفى، وإنما
حدها: القطع من خلاف، أو القتل المجرد
واستدلوا بظاهر الآية، فإن الله تعالى ذكر هذه
العقوبات بكلمة ((أو)) وهي موضوعة للتخيير،
وهو مذهب سعيد بن المسيب ومجاهد، والحسن
وعطاء بن أبي رباح.
وقال ابن عباس: ما كان في القرآن ((أو)
فصاحبه بالخيار. (٢)
-
(١) هذا المنحى عند المالكية هو من باب السياسة الشرعية
وقواعد المذاهب الأخرى لا تأباه فيما نرى.
(٢) بداية المجتهد ٢/ ٤٩١ - ٤٩٢ وشرح الزرقاني =
- ١٦٠ -