النص المفهرس

صفحات 121-140

حدث ١٧ - ١٨
أكل لحم الجزور :
١٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أكل لحم
الجزور لا ينقض الوضوء كأكل سائر الأطعمة لما
روى ابن عباس عن النبي ◌َلو قال: ((الوضوء
مما يخرج وليس مما يدخل)) (١) ولما روى جابر قال:
(كان آخر الأمرين من رسول الله ولا ير ترك
الوضوء مما مسته النار)(٢) ولأنه مأکول أشبه سائر
المأكولات في عدم النقض، والأمر بالوضوء فيه
محمول على الاستحباب أو الوضوء اللغوي وهو
غسل اليدين. (٣)
وصرح الحنابلة - وهو أحد قولي الشافعي -
بأن أكل لحم الإِبل ينقض الوضوء على كل
حال نيئا ومطبوخا، عالما كان الآكل أو
جاهلًا. (٤) لقوله عليه الصلاة والسلام:
((توضئوا من لحوم الإِبل ولا تتوضئوا من لحوم
الغنم)) . (٥)
(١) حديث: ((الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل ... )) أخرجه
الدارقطني (١/ ١٥١ - ط دار المحاسن) وقال ابن حجر:
((فيه الفضل بن المختار وهو ضعيف جدا)» التلخيص
(١١٨/١ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) حديث: ((كان آخر الأمرين من رسول الله و لو ترك الوضوء
مما مسته النار» أخرجه أبوداود (١٣٣/١ - تحقيق عزت عبيد
دعاس) وصححه ابن خزيمة (١٢٨/١ - ط المكتب
الإِسلامي).
(٣) بداية المتجهد ١/ ٤٠، وجواهر الإكليل ٢١/١، والمغني
١٨٩/١
(٤) كشاف القناع ١/ ١٣٠، والمغني ١٨٧/١ - ١٩٠
(٥) حديث: ((توضئوا من لحوم الإِبل ولا تتوضئوا من لحوم=
وقالوا: إن وجوب الوضوء من أكل لحم
الجزور تعدي لا يعقل معناه فلا يتعدى إلى
غيره، فلا يجب الوضوء بشرب لبنها، ومرق
لحمها، وأكل كبدها وطحالها وسنامها وجلدها
وکرشها ونحوه. (١)
غسل الميت :
١٨ - ذهب جمهور الفقهاء وهو قول بعض
الحنابلة: إلى عدم وجوب الوضوء بتغسيل
المیت، لأن الوجوب یکون من الشرع، ولم يرد
في هذا نص فبقي على الأصل. ولأنه غسل
آدمي فأشبه غسل الحي، وما روي عن أحمد في
هذا محمول على الاستحباب.(٢)
ويرى أكثر الحنابلة أن من غسل الميت أو
بعضه ولو في قميص يجب عليه الوضوء سواء
أکان المغسول صغیرا ام کبیرا، ذکرا أم أنثى،
مسلما أم كافرا. لما روي عن ابن عمر
الغنم» أخرجه أبوداود (٢٨/١ - تحقيق عزت عبيد
دعاس) من حديث البراء بن عازب أنه قال: سئل رسول
الله ◌َ عن الوضوء من لحوم الإِبل فقال: ((توضئوا منها))
وسئل عن لحوم الغنم فقال: ((لا توضئوا منها)) وأخرجه
كذلك ابن خزيمة (٢٢/١ - ط المكتب الإسلامي) وقال:
((لم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح
من جهة النقل لعدالة ناقلیه».
(١) نفس المراجع.
(٢) بداية المجتهد ١/ ١٤٠، والمغني ١/ ١٩١، ١٩٢،
وكشاف القناع ١٢٩/١، ١٣٠، والإنصاف ٢١٥/١
- ١٢١ -

حدث ١٩ - ٢٠
وابن عباس رضي الله عنهم أنهما كانا يأمران
غاسل الميت بالوضوء، ولأن الغالب فيه أنه
لا يسلم أن تقع يده على فرج الميت فتقام
مظنة ذلك مقام حقيقته كما أقيم النوم مقام
الحدث.(١)
الردة :
١٩ - الردة - وهي الإتيان بما يخرج من الإِسلام
بعد تقرره- حدث حکمي تنقض الوضوء عند
الحنابلة وهو المشهور عند المالكية، فالمرتد إذا عاد
إلى الإِسلام ورجع إلى دين الحق فليس له
الصلاة حتی یتوضأ وإن كان متوضئا قبل ردته
ولم ينقض وضوءه بأسباب أخرى. لقوله تعالى :
﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن
أشركت ليحبطن عملك﴾(٢) والطهارة عمل.
ونقل عن ابن القاسم من المالكية استحباب
الوضوء في هذه الحالة .
ولم يعد الحنفية والشافعية الردة من أسباب
الحدث فلا ينقض الوضوء بها عندهم لقوله
تعالى: ﴿ومن یرتدد منکم عن دينه فيمت وهو
كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا
(١) نفس المراجع.
(٢) سورة الزمر / ٦٥
والآخرة﴾(١) فشرط الموت بعد الردة لحبوط
العمل - كما قال ابن قدامة . (٢)
وتفصيله في مصطلح : (ردة).
الشك في الحدث : (٣)
٢٠ - ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى أن الشك لا يجب به الوضوء. فلو
أيقن بالطهارة (أي علم سبقها) وشك في
عروض الحدث بعدها فهو على الطهارة، ومن
. أيقن بالحدث وشك في الطهارة فهو على
الحدث، لأن اليقين لا يزول بالشك، والأصل
في ذلك ما ورد عن النبي ◌َّ قال: ((إذا وجد
أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه
شيء أم لم يخرج فلا يخرجن من المسجد حتى
يسمع صوتا أو يجد ريحا)). (٤)
ولو تيقنهما ولم يعلم الآخر منهما، مثل من تيقن
(١) سورة البقرة/ ٢١٧
(٢) جواهر الإكليل ٢١/١، والخطاب ٢٩٩/١، ٣٠٠،
ونهاية المحتاج ١٥/١، والقوانين الفقهية ص(٢٢)،
والمغني ١/ ١٧٦، ١٧٧
(٣) الشك هو التردد باستواء أو رجحان. وقيل: هو ما استوى
طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى
أحدهما فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، وإذا
طرحه الآخر فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين (القليوبي
٣٧/١، والتعريفات للجرجاني).
(٤) حديث: ((إذا وجد أحدكم في بطنه ... )) تقدم تخريجه
(ف٧).
- ١٢٢ -

حدث ٢٠
أنه كان في وقت الظهر متطهرا مرة ومحدثا أخری
ولا یعلم أيهما کان لاحقا یأخذ بضد ماقبلهما عند
الحنابلة وهو الأصح عند الشافعية، وذكره بعض
الحنفیة، وعلى ذلك فإن کان قبلهما محدثا فهو
الآن متطهر لأنه تيقن الطهارة وشك في تأخر
الحدث عنها والأصل عدم تأخره، وإن كان
قبلهما متطهرا فهو الآن محدث، لأنه تیقن
الحدث وشك في تأخر الطهارة عنه، والأصل
عدم تأخرها، فإن لم يعلم ماقبلهما لزمه الوضوء
لتعارض الاحتمالین من غير مرجح . (١)
والوجه الثاني عند الشافعية لا ينظر إلى
ماقبلهما ويلزمه الوضوء. (٢)
والمشهور عند الحنفية أنه لو تيقنهما وشك في
السابق فهو متطهر. (٣)
أما المالكية فقد صرحوا بنقض الوضوء بشك
في حدث بعد طهر علم، فإن أيقن بالوضوء ثم
شك فلم يدر آأحدث بعد الوضوء أم لا فليعد
وضوءه إلا أن يكون الشك مستنکحا. (٤) قال
الحطاب: هذا إذا شك قبل الصلاة، أما إذا
(١) ابن عابدين ١٠٢/١، والبدائع ٣٣/١، وحاشية
القليوبي ٣٧/١، ٣٨، والمغني ١٩٦/١، ١٩٧، ومغني
المحتاج ٣٩/١.
(٢) القليوبي ٣٨/١
(٣) ابن عابدين ١/ ١٠٢
(٤) الشك المستنكح هو الذي يأتي كل يوم ولو مرة (جواهر
الإكليل ١/ ٢١).
صلی ثم شك هل أحدث أم لا ففيه قولان.
وذكر في التاج والإكليل أن من شك أثناء
صلاته هل هو على وضوء أم لا فتمادى على
صلاته وهو على شكه ذلك، فلما فرغ من
صلاته استیقن أنه على وضوئه فإن صلاته
مجزئة، لأنه دخل في الصلاة بطهارة متيقنة، فلا
يؤثر فيها الشك الطارىء. أما إذا طرأ عليه
الشك في طهارته قبل دخوله في الصلاة فوجب
ألا يدخل في الصلاة إلا على طهارة متيقنة.
وينتقض الوضوء عندهم أيضا بشك في السابق
من الوضوء والحدث سواء كانا محققين أو
مظنونين أو مشکوکین أو أحدهما محققا أو مظنونا
والآخر مشكوكا أو أحدهما محققا والآخر
مظنونا . (١)
وقال في البدائع : لوشك في بعض وضوئه
- وهو أول ما شك - غسل الموضع الذي شك
فیه لأنه علی یقین من الحدث فيه، وإن صار
الشك في مثله عادة له بأن يعرض له كثيرا لم
يلتفت إليه، لأنه من باب الوسوسة فيجب
قطعها. (٢) لقول النبي رَلي: ((إن الشيطان يأتي
أحدكم فینفخ بین الیتْه فیقول أحدثت أحدثت
(١) مواهب الجليل للحطاب مع التاج والإكليل ١/ ٣٠٠،
وجواهر الإكليل ١/ ٢١
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ٣٣/١، ١٠١
- ١٢٣ -

حدث ٢١ - ٢٣
فلا ینصرف حتی یسمع صوتا أو يجد ریجا)). (١)
والتفصيل في مصطلح (شك) و(وسوسة).
حكم الحدث :
٢١ - الحدث إما أن يكون أكبر فيوجب
الغسل، أو أصغر فيوجب الوضوء فقط، أما
أحكام الحدث الأكبر وأسبابه من الجنابة
والحيض والنفاس فينظر تفصيله في مصطلحاتها
ومصطلح: (غسل).
وفيما يأتي أحكام الحدث الأصغر :
أولا : ما لا يجوز بالحدث الأصغر:
أ - الصلاة :
٢٢ - يحرم بالمحدث (حيث لا عذر) الصلاة
بأنواعها بالإجماع لحدیث الصحیحین: ((لا يقبل
الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتی یتوضأ))(٢)
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاة لمن
(١) حديث: «إن الشیطان یأتي أحدكم فینفخ بین إلیتیه)»
أخرجه البيهقي في الخلافیات عن الشافعي أنه قال: قال
رسول الله #1: فذكره، بغير إسناد دون قوله: ((فيقول:
أحدثت أحدثت))، كذا قال ابن حجر في التلخيص
(١٢٨/١ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) حدیث: (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى
يتوضأ، أخرجه البخاري (الفتح ٣٢٩/١٢ - ط السلفية)
ومسلم (١/ ٢٠٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة،
واللفظ للبخاري.
لا وضوء له))(١) وقوله ◌َله: ((لا تقبل صلاة بغير
طهور))(٢) وهو يعم الفرض والنفل، ومنها صلاة
الجنازة باتفاق الفقهاء.
وفي معنى الصلاة سجدتا التلاوة والشكر
وخطبة الجمعة عند بعض الفقهاء، وحكي عن
الشعبي وابن جرير الطبري جواز الصلاة على
الجنائز بغير وضوء ولا تيمم. (٣) وإذا كان هناك
عذر کمن قطعت يداه ورجلاه وبوجهه جراحة ۔
كما ذكره الحنفية أو لم يجد ماء ولا ترابا مع ضيق
الوقت كما قال الشافعية - صلى وجوبا بعير
طهارة(٤) وتفصيله في مصطلح (فقد الطهورين)
هذا إذا كان محدثا قبل دخوله في الصلاة.
٢٣ - أما إذا طرأ عليه الحدث وهو في الصلاة،
فجمهور الفقهاء، وهم المالكية والشافعية وهو
الصحيح عند الحنابلة يرون بطلان الصلاة،
(١) حديث: ((لا صلاة لمن لا وضوء له)) أخرجه أبوداود
(١/ ٧٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي
هريرة. وفي إسناده ضعف، ولكن له شواهد ذكرها ابن
حجر في التلخيص (٧٢/١ - ٧٥ - ط شركة الطباعة الفنية)
وقال: ((مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له
أصلا)).
(٢) حديث: ((لا تقبل صلاة بغير طهور)) أخرجه مسلم
(٢٠٤/١ - ط الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر.
(٣) بدائع الصنائع ٣٤،٣٣/١، وجواهر الإكليل على متن
خليل ٢١/١، ومغني المحتاج ٣٦/١، وكشاف القناع
١٣٤/١، والمغني ١٤٣/١ - ١٥١
(٤) ابن عابدين ٥١٢/١، ومغني المحتاج ٣٦/١
- ١٢٤ -

حدث ٢٣
غلبة كان الحدث أو نسيانا، سواء أكان المصلي
فذا أم مأموما أم إماما، لكن لا يسري بطلان
صلاة الإِمام على صلاة المأمومين عند من
يجيزون الاستخلاف كما سيأتي في الفقرة
التالية. وعلى ذلك فمن سبقه الحدث في
الصلاة تبطل صلاته ويلزمه استئنافها، لما روى
علي بن طلق قال: قال رسول الله صلقال: ((إذا فسا
أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد
الصلاة))(١) ولأنه فقد شرطا من شروط الصلاة
في أثنائها علی وجه لا يعود إلا بعد زمن طويل
وعمل کثیر ففسدت صلاته.
وقال الحنفية : إن سبق المصلي حدث توضأ
وبنى لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من أصابه
قيء أورعاف أو قلس أو مذي، فلينصرف،
فليتوضأ ثم ليين على صلاته وهو في ذلك
لا یتکلم)»(٢) لأن البلوی فیما سبق فلا یلحق به
ما يتعمده. والاستئناف أفضل تحرزا عن شبهة
الخلاف .
(١) حديث: ((إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ
وليعد الصلاة)) أخرجه أبوداود (١/ ١٤١ - ١٤٢ - تحقيق
عزت عبيد دعاس)، وأعله ابن القطان بجهالة راوٍ فيه،
كذا في التلخيص لابن حجر (٢٧٤/١ - ط شركة الطباعة
الفنية).
(٢) حديث: ((من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي،
فلينصرف، فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا
يتكلم)). تقدم تخريجه (ف ١٠).
وقد فصل الكاساني ذلك فقال: إذا سبقه
الحدث ثم تكلم أو أحدث متعمدا أو ضحك أو
قهقه أو أكل أو شرب أو نحوذلك لا يجوزله
البناء لأن هذه الأفعال منافية للصلاة في الأصل
فلا يسقط اعتبار المنافي إلا لضرورة ولا ضرورة،
وكذا إذا جن أو أغمي عليه أو أجنب لأنه
لا يكثر وقوعه فكان للبناء منه بد وكذا لو أدى
ركنا من أركان الصلاة مع الحدث أو مكث بقدر
ما یتمکن فیه من أداء رکن لأنه عمل کثیر لیس
من أعمال الصلاة وله منه بد، وكذا لو استقى
من البئر وهو لا يحتاج إليه ولو مشى إلى الوضوء
فاغترف الماء من الإِناء أو استقى من البئروهو
محتاج إليه فتوضأ جازله البناء لأن الوضوء أمر
لابد للبناء منه والمشي والاغتراف والاستقاء عند
الحاجة من ضرورات الوضوء، ولو افتتح الصلاة
بالوضوء ثم سبقه الحدث فلم يجد ماء تيمم
وبنى لأن ابتداء الصلاة بالتيمم عند فقد الماء
جائز فالبناء أولى، وفي بيان كيفية البناء قال
الكاساني: المصلي لا يخلو إما إن كان منفردا أو
مقتديا أو إماما .
فإن كان منفردا فانصرف وتوضأ فهو بالخيار
إن شاء أتم صلاته في الموضع الذي توضأ فيه
وإن شاء عاد إلى الموضع الذي افتتح الصلاة
فيه، لأنه إذا أتم الصلاة حيث هو فقد سلمت
صلاته عن المشي لكنه صلى صلاة واحدة في
مكانين، وإن عاد إلى مصلاة فقد أدى جميع
- ١٢٥ -

حدث ٢٤ - ٢٥
الصلاة في مكان واحد لكن مع زيادة مشي
فاستوی الوجهان فیخیر، وإن کان مقتدیا
فانصرف وتوضأ فإن لم يفرغ من الصلاة فعليه
أن يعود لأنه في حكم المقتدي بعد ولو لم يعد وأتم
بقية صلاته في بيته لا يجزيه. ثم إذا عاد ينبغي
أن يشتغل أولا بقضاء ما سبق به في حال تشاغله
بالوضوء، لأنه لاحق فكأنه خلف الإِمام فيقوم
مقدار قيام الإِمام من غير قراءة، ومقدار ركوعه
وسجوده، ولا يضره إن زاد أو نقص، ولو تابع
إمامه أولا ثم اشتغل بقضاء ما سبق به بعد
تسلیم الإِمام جازت صلاته خلافا لزفر، وإن
كان إماما يستخلف ثم يتوضأ ويبني على
صلاته، والأمر في موضع البناء وکیفیته على نحو
ما سبق في المقتدي، لأنه بالاستخلاف تحولت
الإِمامة إلى الثاني وصار هو كواحد من المقتدين
به. (١)
استخلاف الإِمام في حالة الحدث :
٢٤ - للإِمام إذا سبقه الحدث أن يستخلف من
يتم بهم الصلاة عند جمهور الفقهاء من الحنفية
والمالكية، وهو الأظهر عند الشافعية ورواية عند
الحنابلة، لأن عمر رضي الله عنه لما طعن أخذ
بيد عبدالرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم
(١) البدائع للكاساني ١/ ٢٢٠، ٢٢٤، وانظر حاشية ابن
عابدين ٤٠٣/١، فتح القدير ٢٦٨/١، والفتاوى الهندية
٩٥/١
الصلاة، وكان ذلك بمحضر الصحابة وغيرهم
ولم ينكره منكر فكان إجماعا، ومثله عند الشافعية
ما لوتعمد الحدث أو أبطل الصلاة. (١)
وفي مقابل الأظهر عند الشافعية والرواية
الثانية للحنابلة لا يجوز الاستخلاف قال
الشافعية: لأنها صلاة واحدة فلا تصح بإمامين
معا، وقال الحنابلة: لأنه فقد شرط صحة
الصلاة فتبطل صلاة المأمومین ببطلان صلاته
كما لو تعمد الحدث. (٢)
ولجواز الاستخلاف شروط وتفصيل ينظر في
مصطلح (استخلاف).
ب - الطواف :
٢٥ - جمهور الفقهاء على عدم جواز الطواف
للمحدث، سواء أكان الطواف فرضا أم واجبا
أم نفلا، في نسك أم في غيره ، ويعتبرون
الطهارة شرطا لصحة الطواف، لأنه في حكم
الصلاة لقوله : ((الطواف حول البيت مثل
الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه
فلا يتكلمن إلا بخير)). (٣) والحنفية في الصحيح
(١) تبيين الحقائق للزيلعي ١٤٥/١، وجواهر الإكليل
٦٤/١، ونهاية المحتاج ٣٣٦/٢، ٣٣٧، والمغني ٢٠٢/٢
(٢) نهاية المحتاج ٣٣٦/٢، ٣٣٧، والمغني ٢٠٣/٢
ومابعدها .
(٣) حديث: ((الطواف حول البيت مثل الصلاة، ألا أنكم =
- ١٢٦ -
١

حدث ٢٦ - ٢٨
عندهم عدوا الطهارة في الطواف من الواجبات،
وبعض الحنفية وهو قول عند الحنابلة على أنها
من السنن. (١)
قال في البدائع : فإن طاف محدثا جاز مع
النقصان، لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة،
ومعلوم أنه ليس بصلاة حقيقة، فلكونه طوافا
حقيقة يحكم بالجواز، ولكونه شبيها بالصلاة
يحكم بالكراهة. (٢)
وتفصيله في مصطلح (طواف).
جـ - مس المصحف :
٢٦ - لا يجوز للمحدث مس المصحف کله أو
بعضه عند فقهاء المذاهب الأربعة، لقوله
تعالى: ((لا يمسه إلا المطهرون))(٣) ولقوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا تمس القرآن إلا وأنت
طاهر»(٤) واتفقوا على جواز تلاوته لمن کان محدثا
= تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا یتکلمن إلا بخير»
أخرجه الترمذي (٢٨٤/٣ - ط الحلبي) من حديث عبدالله
ابن عباس، وصحح ابن حجر بعض طرقه، كما في
التلخيص (١/ ١٣٠ - ط شركة الطباعة الفنية).
(١) بدائع الصنائع للكاساني ٣٤/١، وحاشية ابن عابدين
٦٠/١، ١٤٩/٢، وجواهر الإكليل ٢١/١، ١٧٣،
ومغني المحتاج ٣٦/١، والمغني ٣/ ٣٧٧، وكشاف القناع
١٣٥/١
(٢) البدائع ٣٤/١
(٣) سورة الواقعة / ٧٩
(٤) حديث: ((قال لحكيم بن حزام: لا تمس القرآن إلا
وأنت طاهر)) أخرجه الحاكم (٤٨٥/٣ - ط دائرة=
حدثا أصغر بغير لمس.
واستثنى بعضهم من المنع مسه في حالات
خاصة كما إذا كان بحائل أو عود طاهرين أو في
وعائه وعلاقته، أولمعلم ومتعلم لغرض
التعلیم، أو کان حمله في حال الحدث غير
مقصود، کان کان في صندوق ضمن الأمتعة،
ويكون القصد حمل الأمتعة وفي داخلها قرآن .
ولتفصيل كل هذه المسائل مع آراء الفقهاء
راجع مصطلح (مصحف).
٢٧ - ويجوزمس وحمل كتب التفسيرورسائل
فيها قرآن في حالة الحدث إذا كان التفسير أكثر
من القرآن عند جمهور الفقهاء. (١) أما إذا كان
القرآن أكثر أو مساويا للتفسير أويكون القرآن
مكتوبا على الدراهم والدنانير ففي مسه
للمحدث تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح
(مصحف).
٢٨ - هذا، وما يحرم على المحدث حدثا أصغر
يحرم على المحدث حدثا أكبر (الجنب والحائض
والنفساء) بطريق الأولى، لأن الحدث الأكبر
أغلظ من الحدث الأصغر.
= المعارف العثمانیه) من حديث حكيم بن حزام، وحسن
الحازمي إسناده كما في التلخيص لابن حجر (١٣١/١ - ط
شركة الطباعة الفنية).
(١) بدائع الصنائع ٣٣/١، ٣٤، وابن عابدين ١١٦/١،
وجواهر الإكليل ٢١/١، ومغني المحتاج ٣٧/١، وكشاف
القناع ١٣٥/١
- ١٢٧ -

حدث ٢٩
وزيادة على ذلك يحرم على المحدث حدثا
أكبرما يأتي :
١ - تلاوة القرآن الكريم بقصد التلاوة. (ر:
تلاوة) .
٢ - الاعتكاف: كما فصل في مصطلح
(اعتكاف).
٣ - المكث في المسجد باتفاق الفقهاء. أما دخول
المسجد عبورا أو مجتازا، فأجازه الشافعية
والحنابلة ومنعه الحنفية والمالكية إلا لضرورة. (١)
لقوله : ((إن المستجد لا يحل لجنب
(٢)
ولا حائض)).
وتفصيله في مصطلح : (مسجد).
ويحرم بالحيض والنفاس علاوة على ذلك
الصيام. (ر: حيض، ونفاس).
ثانیا ۔ ما يرفع به الحدث :
٢٩ - يرفع الحدث الأكبر بالغسل، والأصغر
بالغسل وبالوضوء باتفاق الفقهاء. وينظر
تفصيلهما في مصطلحي : (غسل، ووضوء).
أما التيمم فهو بدل من الغسل والوضوء،
(١) حاشية ابن عابدين ١١٥/١، ١١٦، وجواهر الإكليل
٢٣/١، وحاشية القليوبي ٦٤/١، ٦٥، والمغني لابن
قدامة ١ / ١٤٤، ١٤٥
(٢) حديث: ((إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض)) أخرجه
ابن ماجه (٢١٢/١ - ط الحلبي) من حديث أم سلمة،
وقال البوصيري: ((إسناده ضعيف)).
وجمهور الفقهاء على أنه بدل ضروري لا يرفع
الحندث لكنه يباح للمتیمم الصلاة به ونحوها
للضرورة مع قيام الحدث حقيقة . (١)
وقال الحنفية: إن التيمم بدل مطلق للوضوء
والغسل، فيرفع الحدث إلى وقت وجود الماء،
فيجوز به ما يجوز بالوضوء والغسل مطلقا . (٢)
وتفصيله في مصطلح : (تيمم).
(١) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ١٥٤/١، ومغني
المحتاج ٩٧/١، ١٠٥، وكشاف القناع ١/ ١٦١، ١٩٩
(٢) تبيين الحقائق للزيلعي ٤٢/١، وبدائع الصنائع ١/ ٥٤
- ١٢٨ -

حد الحرابة، حد الردة، حد الزنى، حد السكر، حد القذف، حدود ١
حد الحرابة
انظر: حرابة .
حد الردة
انظر: ردة .
حد الزنى
انظر: زنى .
حد السكر
انظر: سكر.
حد القذف
حدود
التعريف :
١ - الحدود جمع حد، وهو في اللغة المنع، ومنه
سمي کل من البواب والسجان حدادا، لمنع
الأول من الدخول، والثاني من الخروج.
وسمي المعرف للماهية حدا، لمنعه من الدخول
والخروج. وحدود الله تعالى محارمه، لقوله
تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾. (١)
والحد في الاصطلاح: عقوبة مقدرة وجبت
حقالله تعالى، وعرفه الشافعية والحنابلة بأنه
عقوبة مقدرة على ذنب وجبت حقا لله تعالى كما
في الزنى، أو اجتمع فيها حق الله وحق العبد
کالقذف فلیس منه التعزیر لعدم تقدیره، ولا
القصاص لأنه حق خالص لآدمي. وعند بعض
الفقهاء: هو عقوبة مقدرة بتقدير الشارع،
فيدخل القصاص.
ويطلق لفظ الحد على جرائم الحدود مجازا،
فیقال: ارتکب الجاني حدا، ويقصد أنه ارتكب
جريمة ذات عقوبة مقدرة شرعا. (٢)
انظر: قذف.
(١) سورة البقرة/ ١٨٧
(٢) مختار الصحاح مادة: (حدد) والتعريفات للجرجاني، =
- ١٢٩ -

حدود ٢ - ٥
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القصاص :
٢ - القصاص لغة المماثلة، واصطلاحا: أن يوقع
على الجاني مثل ما جنى كالنفس بالنفس
والجرح بالجرح. (١) ومنه قوله تعالى : ﴿ولکم في
القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ (٢) وقوله تعالى
﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر
بالحر﴾.(٣)
فالقصاص غير الحد لأنه عقوبة مقدرة
وجبت حقا للعباد.
ب - التعزير :
٣ - أصله من العزر وهو في اللغة بمعنى الرد
والمنع، وذلك لأنه يمنع من معاودة القبيح،
ويطلق أيضا على التفخيم والتعظيم، ومنه
ابن عابدين ٣/ ١٤٠ ط دار إحياء التراث العربي،
والطحطاوي ٣٨٨/٢ط دار المعرفة، وكشاف القناع
٧٧/٦ط عالم الكتب، ونيل المآرب ٢/ ٢٥٠، والاختيار
٤ /٧٩ط دار المعرفة، وحاشية الزرقاني ١١٥/٨ط دار
الفكر، وبداية المجتهد ٢/ ٣٣٠، والوجيز ١٦٤/٢، ونيل
الأوطار ٧/ ٢٥٠ط الجيل، وسبل السلام ٢/٤ط المكتبة
التجارية الكبرى، وفتح القدير ١١٣/٤، والبدائع
٥٦/٧، وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير ٤٢٧/٢
(١) مختار الصحاح مادة: (قص) والتعريفات للجرجاني،
والاختیار ٤/ ٧٩ و٢٤/٥
(٢) سورة البقرة / ١٧٩
(٣) سورة البقرة / ١٧٨
قوله تعالى ﴿وتعزروه وتوقروه﴾،(١) فھو من
الأضداد. (٢)
وشرعا: تأديب دون الحد، فالتعزير في
بعض إطلاقاته اللغوية حد. وأما في الشرع
فلیس بحد، لأنه ليس بمقدر. (٣)
ج - العقوبة :
٤ - العقوبة من عاقبت اللص معاقبة وعقابا،
والاسم العقوبة، وهي الألم الذي يلحق
الإنسان مستحقا على الجناية، ويكون
بالضرب، أو القطع، أو الرجم، أو القتل،
سمي بها لأنها تتلو الذنب من تعقبه إذا تبعه،
فالعقوبة أعم من الحدود . (٤)
د - الجناية :
٥ - الجناية لغة: اسم لما يكتسب من الشر،
وشرعا: اسم لفعل محرم وقع على مال أو
نفس. (٥) فبين الجناية والحد على الإطلاق
(١) سورة الفتح / ٩
(٢) المصباح المنير ومختار الصحاح مادة: (عزر) وابن عابدين
١٧٧/٣ والطحطاوي ٢/ ٤١٠
(٣) الاختيار ٧٩/٤، والطحطاوي ٢/ ٤١٠، وشرح الزرقاني
١١٥/٨
(٤) ابن عابدين ٣/ ١٤٠، والطحطاوي ٣٨٨/٢، والمصباح
المنير مادة: (عقب)
(٥) ابن عابدين ٣٣٩/٥
- ١٣٠ -
١

حدود ٦ - ٧
المجازي عموم وخصوص من وجه إذ کل حد
جناية وليس كل جناية حدا، وأما على الإطلاق
الأول فبينهما تباین .
الحكم التكليفي :
٦ - إقامة الحدود فرض على ولي الأمرودليل
ذلك الكتاب والسنة والإجماع، والمعقول.
أما الكتاب فمنه قوله تعالى في الزنى :
﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة
جلدة﴾ . (١)
وفي السرقة ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديهما جزاء بما كسبا﴾(٢) الآية وفي حد
القذف: ﴿والذین یرمون المحصنات ثم لم يأتوا
بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا
لهم شهادة أبدا .... ﴾(٣) وفي قطع الطريق:
﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله،
ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا﴾
الآ ية . (٤)
وأما السنة: فحديث ماعز والغامدية،
والعسيف(٥) وغيرها من الأحاديث المشهورة.
(١) سورة النور / ٢
(٢) سورة المائدة / ٣٨
(٣) سورة النور / ٤
(٤) سورة المائدة / ٣٣
(٥) حديث ماعز والغامدية أخرجه مسلمٍ (صحيح مسلم
١٣٢١/٣ -١٣٢٢) ط الحلبي.
وقد وقع الإِجماع على وجوب إقامة الحدود.
وأما المعقول: فهو أن الطباع البشرية،
والشهوة النفسانية مائلة إلى قضاء الشهوة،
واقتناص الملاذ، وتحصيل مقصودها ومحبوبها من
الشرب والزنى والتشفي بالقتل وأخذ مال
الغير، والاستطالة على الغير بالشتم
والضرب، فاقتضت الحكمة شرع هذه الحدود
حسما لهذا الفساد، وزجرا عن ارتكابه، ليبقى
العالم على نظم الاستقامة، فإن إخلاء العالم
عن إقامة الزاجر یؤدي إلی انحرافه، وفيه من
الفساد ما لا يخفى . (١)
ولذا قال صاحب الهداية: والمقصد الأصلي
من شرعه الانزجار عما يتضرر به العباد. (٢)
أنواع الحدود :
٧ - اتفق الفقهاء على أن ما يطبق على جريمة
كل من الزنى والقذف، والسكر، والسرقة،
وقطع الطريق يعتبر حدا، واختلفوا فيما وراء
ذلك .
فذهب الحنفية إلى أنها ستة، وذلك بإضافة
حد الشرب للخمر خاصة. ويرى المالكية أن
الحدود سبعة، فيضيفون إلى المتفق عليه الردة
والبغي، في حين يعتبر بعض الشافعية
(١) ابن عابدين ٣/ ١٤٠، والاختيار ٧٩/٤، والطحطاوي
٣٨٨/١، والفتاوى الهندية ١٤٣/٢
(٢) فتح القدير ٣/٥ ط دار إحياء التراث العربي.
- ١٣١ -

حدود ٨ - ١٠
القصاص أيضا من الحدود، حيث قالوا:
الحدود ثمانية وعدوه بينها. واعتبر المالكية
والشافعية قتل تارك الصلاة عمدا من
الحدود. (١)
أوجه الخلاف بين الحد والقصاص:
٨ - أ- يرى جمهور الفقهاء أن الإِمام لا يقضي
بعلمه في الحدود بخلاف القصاص.
ب - لا تورث الحدود في الجملة، وأما
القصاص فیورث. وفي حد القذف خلاف ينظر
في (القذف).
جـ ـ لا يصح العفو في الحدود في الجملة
بخلاف القصاص.
د - التقادم لا يمنع من الشهادة بالقتل في
القصاص بخلاف الحدود عند بعض الفقهاء،
سوى حد القذف.
هـ - يثبت القصاص بالإِشارة والكتابة من
الأخرس بخلاف الحدود.
و - لا تجوز الشفاعة في الحدود، وتجوز في
القصاص.
(١) ابن عابدين ٣/ ١٤٠، والطحطاوي ٣٨٨/٢، والشرح
الصغير ٤٢٥/٤ط دار المعارف، والتاج والإكليل على
مواهب الجليل ٢٧٦/٦، و٣١٩، والمنثور في القواعد
٣٩/٢ وما بعدها، وكشاف القناع ٦/ ٧٧، ٨٩، ١٠٤،
١١٦، ١٢٨، ١٤٩، والمغني ١٥٦/٨ وما بعدها، وتبصرة
الحكام ٢/ ١٣٥ ط دار الكتب العلمية والقليوبي ٢٠١/٤
ز- لا تتوقف الحدود - ما عدا حد القذف-
على الدعوى بخلاف القصاص.
ح - يجوز الرجوع عن الإِقرار في الحدود ولا
تجوز في القصاص.
ومرد ذلك كله أن الحدود حق الله تعالی
بخلاف القصاص، فإنه حق للعبد،
والتفصيل في أبواب الحدود من كتب
الفقه، (١) و(ر: قصاص).
أوجه الخلاف بین التعزير والحدود :
٩ - يختلف التعزير عن الحدود في أمور يرجع
إليها في مصطلح : (تعزير).
تداخل الحدود :
١٠ - اتفق الفقهاء على أن ما يوجب الحد من
الزنى والسرقة، والقذف (إذا وقع على شخص
واحد) وشرب الخمر إذا تكرر قبل إقامة الحد،
أجزأ حد واحد بغیرخلاف، وبه قال عطاء
والزهري، وإسحاق، وأبوثور وابن المنذر.
أما إذا وقع القذف على أكثر من واحد ففيه
خلاف وتفصيل، ينظر في مصطلح : (قذف).
والأصل قاعدة : إذا اجتمع أمران من جنس
واحد، ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في
الآخر غالبا، وعلى هذا فیکتفی بحد واحد
(١) ابن عابدين ٣٥٣/٥، والأشباه والنظائر لابن نجيم
١٤٥، ١٧٤، والفتاوى الهندية ١٦٧/٢
- ١٣٢ -

حدود ١١ - ١٢
لجنايات اتحد جنسها بخلاف ما اختلف
جنسها، لأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر
وأنه يحصل بحد واحد.
وإن أقيم علیه الحد، ثم حدثت منه جناية
أخرى ففيها حدها، لعموم النصوص ولوجود
الموجب، ولما روي أن رسول الله وَ ل# سئل عن
الأمة تزني قبل أن تحصن قال: ((إن زنت
فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت
فاجلدوها)).(١)
ولأن تداخل الحدود إنما یکون مع اجتماعها،
وهذا الحد الثاني وجب بعد سقوط الأول
باستیفائه .(٢)
وفي حالة اجتماع الحدود المختلفة كما لوزنی،
وسرق وشرب الخمر، أو اجتماعها مع القصاص
والتعزير خلاف وتفصيل يرجع إليه في
مصطلح : (تداخل) و(تعزير).
عدم جواز الشفاعة في الحدود :
١١ - لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أنه لا تجوز
(١) حديث: ((إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم
... )) أخرجه مسلم (١٣٢٩/٣ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة.
(٢) ابن عابدين ١٧٢/٣، ١٧٦، والبدائع ٧/ ٥٥، ٥٦،
والأشباه والنظائر لابن نجيم ١٤٧، ١٤٨، والقوانين
الفقهية ٢٣٤، والتاج والإكليل على مواهب الجليل
٣١٣/٦، ٣١٤، وروضة الطالبين ١٦٦/١٠، والمغني
٢١٣/٨، ونيل المارب ٢/ ٣٥٤
الشفاعة في الحدود بعد وصولها للحاكم،
والثبوت عنده، لأنه طلب ترك الواجب، لأن
النبي و لا أنكر على أسامة بن زيد حين شفع في
المخزومية التي سرقت، فقال: ((أتشفع في حد
من حدود الله تعالى)). (١) وقال ابن عمر رضي
الله تعالی عنهما: من حالت شفاعته دون حد
من حدود الله تعالى فقد ضاد الله في خلقه. (٢)
وأما قبل الوصول إليه، فعند جمهور الفقهاء
تجوز الشفاعة عند الرافع له إلى الحاكم ليطلقه،
لأن وجوب الحد قبل ذلك لم یثبت. فالوجوب لا
يثبت بمجرد الفعل.
وقال مالك: إن عرف بشرّ وفساد فلا أحب
أن يشفع له أحد، ولكن يترك ليقام عليه
الحد. (٣)
أثر التوبة على الحدود :
١٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أن حد قطاع
الطريق والردة يسقطان بالتوبة إذا تحققت توبة
(١) حديث: ((أتشفع في حد من حدود الله)) أخرجه البخاري
(الفتح ١٢ /٨٧ - ط السلفية) من حديث عائشة.
(٢) أثر ابن عمر: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله))
أخرجه ابن أبي شيبة (٤٦٦/٩ - ط الدار السلفية -
بمپی).
(٣) ابن عابدين ٣/ ١٤٠، والطحطاوي ٣٨٨/٢، والشرح
الصغير ٤٨٩/٤، والقوانين الفقهية ٣٤٩، ٣٥٤،
ومواهب الجليل ٦/ ٣٢٠، وروضة الطالبين ٩٥/١٠،
والمغني ٨/ ٢٨١، ٢٨٢
- ١٣٣ -

حدود ١٣ - ١٤
القاطع قبل القدرة عليه، وكذلك حد ترك
الصلاة عند من اعتبره حدا، وذلك لقول الله
تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا
علیهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ .(١)
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن بقية الحدود
بعد رفعها إلى الحاكم لا تسقط بالتوبة، أما قبل
ذلك: فذهب الحنفية والشافعية في مقابل
الأظهر، والحنابلة في رواية إلى أن الحد يسقط
بالتوبة .
وذهب المالكية والشافعية في الأظهر،
والحنابلة في رواية أخرى إلى أنه لا يسقط بالتوبة
ولو كان قبل الرفع إلى الإِمام. لئلا يتخذ ذلك
ذريعة إلى إسقاط الحدود والزواجر. (٢)
سقوط الحدود بالشبهة :
١٣ - أجمع الفقهاء على أن الحدود تدرأ
بالشبهات. والشبهة ما يشبه الثابت ولیس
بثابت، سواء كانت في الفاعل: كمن وطىء
امرأة ظنها حليلته. أو في المحل: بأن يكون
للواطىء فيها ملك أو شبهة ملك كالأمة
المشتركة. أو في الطريق: بأن یکون حراما عند
(١) سورة المائدة / ٣٤
(٢) ابن عابدين ٣/ ١٤٠، والطحطاوي ٢/ ٣٨١، والشرح
الصغير ٤٨٩/٤، والقوانين الفقهية ٣٥٤، وروضة
الطالبين ٩٧/١٠، والمنثور في القواعد ٤٢٥/١، ٤٢٦،
والمغني ٢٩٦/٨، ٢٩٧
قوم، حلالا عند آخر. وفي الموضوع تفصيل
يرجع إلى ((شبهة)).
والأصل في ذلك قوله وَلفيه: ((ادرءوا الحدود
بالشبهات))(١) وفي حديث عائشة رضي الله
تعالى عنها: ((أدرءوا الحدود عن المسلمين ما
استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن
الإِمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في
العقوبة)). (٢) والحديث المروي في ذلك متفق
عليه، وتلقته الأمة بالقبول. (٣)
سقوط الحدود بالرجوع عن الإِقرار:
١٤ - إذا ثبتت الحدود بالإِقرار، فلا خلاف بين
جمهور الفقهاء في أنها تسقط بالرجوع، إذا كان
الحد حقا لله تعالى .
والحدود تندریء بالشبهات، لما روي أن
ماعزا لما أقربين يدي رسول الله و # بالزنى،
(١) حديث: ((ادرءوا الحدود بالشبهات)) أخرجه السمعاني كما
في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص ٣٠ - ط السعادة) ونقل
عن ابن حجر أنه قال: ((في سنده من لا يعرف)).
(٢) حديث: ((ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ... ))
أخرجه الترمذي (٣٣/٤ - ط الحلبي) من حديث عائشة،
وضعفه ابن حجر في التلخيص (٤ /٥٦ - ط شركة الطباعة
الفنية).
(٣) ابن عابدين ١٤٩/٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم
١٤٢، والقوانين الفقهية ٣٤٧، والأشباه والنظائر
للسيوطي ١٢٢، والمنثور في القواعد ٢٢٥/٢، وروضة
الطالبين ٩٢/١٠، ٩٣، وكشاف القناع ٦/ ٩٦
- ١٣٤ -

حدود ١٥ - ١٧
لقنه الرجوع، (١) فلو لم يكن محتملا للسقوط
بالرجوع ما کان للتلقین فائدة. ولأنه یورث
الشبهة ،والرجوع عن الإِقرار قد یکون نصا، وقد
یکون دلالة، بأن یأخذ الناس في رجمه، فیھرب
ولا يرجع، أويأخذ الجلاد في الجلد فيهرب، ولا
يرجع، فلا يتعرض له، لأن الهرب في هذه
الحالة دلالة الرجوع.
واستثنوا حد القذف، فإنه لا يسقط
بالرجوع، لأنه حق العبد، وهو لا يحتمل
السقوط بالرجوع بعد ماثبت كالقصاص.
وإذا ثبت الحد بالبينة أو الحمل في الزنى -
عند من يقول به - لم يسقط بالرجوع. (٢)
ويسقط الحد برجوع الشهود كلهم أو
بعضهم إذا كان الباقي أقل من النصاب بعد
القضاء، قبل الإِمضاء. وتفصيل ذلك في
((كتاب الشهادات)) من كتب الفقه.
سقوط الحدود بموت الشهود:
١٥ - يسقط حد الرجم خاصة بموت الشهود -
(١) حدیث ماعز
أخرجه مسلم (٣/ ١٣١٩ - ط الحلبي) من حديث جابر بن
· سمرة.
(٢) ابن عابدين ٣/ ١٤٠، والبدائع ٦١/٧، ٦٢، والتاج
والإكليل على مواهب الجليل ٦/ ٢٩٤، والشرح الصغير
٤/ ٤٥٣، ٤٥٤، والقوانين الفقهية ص٣٤٩، وروضة
الطالبين ٩٧/١٠، ٩٨، والمنثور في القواعد ٤٠/٢،
والمغني ٨/ ١٩٧، ١٩٨
عند من يشترطون لإقامة الحد البداية بالشهود
وهم الحنفية - لأن بالموت قد فاتت البداية على
وجه لا يتصور عوده، فسقط الحد ضرورة. (١)
سقوط الحدود بالتكذيب وغيره :
١٦ - تكذيب المزني بها للمقربالزنى قبل إقامة
الحد عليه، وتكذيب المقذوف شهوده على
القذف، وهي البينة بأن يقول: شهودي زور،
وادعاء النكاح والمهر قبل إقامة حد الزنى تعتبر
من مسقطات الحدود عند الحنفية، وقد فصلت
في أبوابها.(٢) و(ر: زنى، قذف).
عدم إرث الحدود :
١٧ - لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أن الحدود
لا تورث، وکذا لا یؤخذ عنها عوض، ولا صلح
فيها ولا عفو، لأنها حق الشرع.
واستثنى الشافعية حد القذف، لأن الغالب
فیه عندهم حق العبد فيورث ويصح العفو عنه.
والحنابلة مع الشافعية في جواز العفو عن حد
القذف.
واختلفت الروايات عن مالك في ذلك:
فقال في رواية: له العفو مالم يبلغ الإِمام، فإن
بلغه فلا عفو، وفي رواية أخرى عنه: قال: له
(١) البدائع ٧/ ٦١، ٦٢، وابن عابدين ١٤٥/٣
(٢) البدائع ٧/ ٦١
- ١٣٥ -

حدود ١٨ - ٢١
العفو مطلقا، بلغ ذلك الإِمام أو لم يبلغ . (١)
وتفصيل ذلك في (قذف).
التلف بسبب الحد :
١٨ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الحدود إذا أتي
بها على الوجه المشروع من غير زيادة أنه لا
يضمن من تلف بها، وذلك لأنه فعلها بأمر الله
وأمر رسوله، فلا يؤاخذ به، ولأنه نائب عن الله
تعالى، ومأمور بإقامة الحد، وفعل المأمور لا
يتقيد بشرط السلامة. وإن زاد على الحد فتلف
وجب الضمان بغير خلاف. (٢)
الحدود كفارات للذنوب :
١٩ - يرى جمهور الفقهاء أن الحد المقدر في ذنب
كفارة لذلك الذنب، وعند الحنفية، الحد غير
مطهر، بل المطهر التوبة، فإذا حد ولم يتب يبقى
عليه إثم المعصية عندهم، (٣) كما قال الله تعالى
(١) ابن عابدين ٣/ ١٧٣، والقوانين الفقهية ٣٥٠، وروضة
الطالبين ١٠٦/١٠، ١٠٧، والمغني ٨/ ٢١٧ ط الرياض،
وكشاف القناع ٦/ ١٠٤
(٢) ابن عابدين ١٨٩/٣، والحطاب ٣٢١/٦، والقوانين
الفقهية ٣٣٠، وروضة الطالبين ١٠١/١٠، ١٠٢،
وكشاف القناع ٦/ ٨٣، والمغني ٣١١/٨
(٣) البابرتي المطبوع مع فتح القدير ٣/٥ط دار إحياء التراث
العربي، وحاشية البجيرمي ٤/ ١٤٠ ط مصطفى البابي
الحلبي، وفتح الباري ١٢ / ٨٤
في حد قطاع الطريق: ﴿ذلك لهم خزي في
الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾. (١)
الإثبات في الحدود:
٢٠ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الحدود تثبت
بالبينة أو الإِقرار عند استجماع شرائطهما،
واختلفوا فيما وراء ذلك كعلم الإِمام وقرينة
الحبل وغيرهما :
أولا - البيئة وشروطها في الحدود:
تنقسم شروط البينة إلى قسمين:
١ - ما يعم الحدود كلها:
٢١ - وهي الذكورة عند الأئمة الأربعة، فلا
تقبل شهادة النساء في الحدود. والأصالة عند
الحنفية وهو الراجح عند الشافعية والمذهب لدی
الحنابلة، فلا تقبل الشهادة على الشهادة، ولا
كتاب القاضي إلى القاضي، لتمكن زيادة
شبهة فيها، والحدود تدرأ بالشبهات.
ويرى المالكية والشافعية في قول عدم
اشتراط الأصالة، وهذا إذا تعذر أداء الشهادة
من الشاهد الأول لمرض أو غيبة أو موت. (٢)
وتفصيل ذلك في مصطلح : (شهادة).
(١) سورة المائدة / ٣٣
(٢) ابن عابدين ١٤٢/٣، والبدائع ٤٦/٧، ٤٧، والشرح
الصغير ٤٥٤/٤، والقوانين الفقهية ٣٠٦، ومواهب
الجليل ٦/ ١٧٩، وبداية المجتهد ٢ / ٤٦٤ وشرح=
- ١٣٦ -

حدود ٢٢ - ٢٤
٢ - ما تختص به بعض الحدود:
أ - عدد الأربعة :
٢٢ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط في حد الزنى
أن لا يقل عدد الشهود عن أربعة لقوله تعالى :
﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم
فاستشهدوا عليهن أربعة منکم﴾. (١).
وقال سعد بن عبادة لرسول الله (چور : يا
رسول الله: إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله
حتى آتي بأربعة شهداء؟، قال: ((نعم)). (٢)
ب - اتحاد المجلس :
٢٣ - ذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة)
إلى أنه لا بد أن يكون الشهود مجتمعین في مجلس
واحد عند أداء الشهادة، فإن جاءوا متفرقين
یشهدون واحدا بعد واحد، لا تقبل شهادتهم،
ويحدون وإن كثروا.
ويرى الشافعية أنه لا يشترط ذلك
لقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة
الزرقاني ٧/ ١٩٥ وروضة الطالبين ٩٥/١٠، ٩٧
والمغني ١٩٨/٨، ٢٠٦/٩، ٢٠٧ ونيل المآرب ٣٥٨/٢
(١) سورة النساء / ١٥
(٢) مقالة ((سعد بن عبادة)). أخرجها مسلم (١١٣٥/٢ - ط
الحلبي) من حديث أبي هريرة وانظر: ابن عابدين
١٤٢/٣، والشرح الصغير ٢٦٥/٤، وبداية المجتهد
٤٦٤/٢، وروضة الطالبين ٩٧/١٠، ونيل المآرب
٣٥٨/٢
شهداء .... ﴾(١) ولم يذكر المجالس، وإليه
ذهب ابن المنذر والبتي. (٢)
ج - عدم التقادم :
٢٤ - يرى المالكية والشافعية والحنابلة: أن
الشهود لو شهدوا بزنی قدیم، وجب الحد،
لعموم الآية. ولأن التأخير يجوز أن يكون لعذر
أو غيبة، والحد لا يسقط بمطلق الاحتمال، فإنه
لوسقط بكل احتمال لم يجب حد أصلا. (٣)
وذهب الحنفية إلى أن عدم التقادم في البينة
شرط، وذلك في حد الزنى والسرقة وشرب
الخمر، ولیس بشرط في حد القذف، وذكر ابن
أبي موسى أنه مذهب لأحمد.
ووجه ذلك: أن الشاهد إذا عاین الجريمة
فهو مخير بين أداء الشهادة حسبة لله تعالى :
﴿وأقيموا الشهادة لله﴾(٤) وبين السترعلى أخيه
المسلم لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من ستر
مسلما ستره الله يوم القيامة))(٥)
(١) سورة النور / ١٣
(٢) ابن عابدين ١٤٢/٣، والبدائع ٤٨/٧، والشرح الصغير
٤ /٢٦٥، وروضة الطالبين ٩٨/١٠، والمغني ٨/ ٢٠٠،
ونيل المآرب ٣٥٨/٢
(٣) الشرح الصغير ٢٤٩/٤، والقوانين الفقهية ٣٥٤،
وروضة الطالبين ٩٨/١٠، والمغني ٢٠٧/٨
(٤) سورة الطلاق / ٢
(٥) حديث: ((من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)) .=
- ١٣٧ -

حدود ٢٥ - ٢٦
فلما لم يشهد على فور المعاينة دل ذلك على
اختیار جهة الستر، فإذا شهد بعد ذلك دل علی
أن الضغينة حملته على ذلك، فلا تقبل
شهادته، لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه
أنه قال: ((أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا
عند حضرته، فإنما شهدوا عن ضغن،
ولا شهادة لهم، ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد،
فيكون إجماعا. ولأن التأخير والحالة هذه یورث
تهمة، ولا شهادة للمتهم. (١)
وهناك تفصيلات وشروط فيها خلاف ینظر
في (شهادة) و(زنى).
ثانيا - الإِقرار :
٢٥ - شروط الإقرار في الحدود قسمان:
شروط تعم الحدود كلها: وهي البلوغ
والعقل والنطق، فلا يصح إقرار الصبي، لأن
سبب وجوب الحد لا بد أن يكون جناية، وفعل
الصبي لا يوصف بكونه جناية .
وكذلك لابد أن يكون الإقرار بالخطاب
والعبارة دون الكتاب والإِشارة، لأن الشرع
علق وجوب الحد بالبيان المتناهي، ولذلك لو أقر
· = أخرجه مسلم (١٩٩٦/٤ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن عمر.
(١) البدائع ٧/ ٤٦، والمغني ٨/ ٢٠٧
بالوطء الحرام لا يقام عليه الحد مالم يصرح
بالزنی . (١)
ويقبل إقرار الأخرس بالإشارة المفهمة عند
الحنابلة والشافعية ولا تقبل عند الحنفية والمالكية
وهو احتمال للخرقي من الحنابلة وتفصيله في:
(إقرار).
شروط تخص بعض الحدود منها:
أ- تكرار الإقرار :
٢٦ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن
يقر الزاني أو الزانية أربع مرات، وبهذا قال
الحكم وابن أبي ليلى وإسحاق.
ويرى المالكية والشافعية أن تكرار الإِقرار
لیس بشرط، ويكتفى بإقراره مرة واحدة، وبه
قال الحسن وحماد وأبوثور والطبري وابن المنذر
وجماعة. لأن الإقرار إنما صارحجة في الشرع
لرجحان جانب الصدق فيه على جانب
الكذب، وهذا المعنى عند التكرار والتوحيد
سواء، ولأن الرسول و # قال: ((اغديا أنيس
إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))(٢) فعلق
الرجم على مجرد الاعتراف.
(١) البدائع ٤٩/٧، ٥٠، والقوانين الفقهية / ٣٤٩، وروضة
الطالبين ٩٥/١٠، والمغني ١٩١/٨، ١٩٨
(٢) حديث: ((اغد ياأنيس إلى امرأة هذا ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١٦٠/١٢ - ط السلفية) ومسلم
(١٣٢٤/٣ - ١٣٢٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة
وزید بن خالد الجهني.
- ١٣٨ -

حدود ٢٧ - ٢٩
واستدل الحنفية والحنابلة بما روي أن ماعزا
جاء إلى النبي # فأقر بالزنى، فأعرض عنه
النبي و 18 بوجهه الكريم إلى الأربع، (١) فلو
كان الإِقرار مرة موجبا للحد لما أخره إلى
الأربع. (٢)
ب - اشتراط عدد المجالس :
٢٧ - اختلف في اشتراط عدد مجالس الإِقرار
عند من اشترط تكراره، وکون الإِقرار بين يدي
الإِمام، وكون الزاني والمزني بها ممن يقدر على
دعوى الشبهة، وكون الزاني ممن يتصور منه
وجود الزنى، وفي ذلك تفصيل ذکر في کل حدّ
من الحدود وفي مصطلح: (إقرار). (٣)
أثر علم الإِمام أو نائبه في الحدود:
٢٨ - ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية
(١) حدیث ماعز. سبق تخريجه ف١٤
(٢) ابن عابدين ١٤٣/٣، ١٤٤، والبدائع ٤٩/٧، ومواهب
الجليل ٢٩٤/٦، والتاج والإكليل على مواهب الجليل
٢٩٤/٦، والشرح الصغير ٤٥٣/٤، والقوانين
الفقهية/ ٣٤٩، وشرح الزرقاني ٨/ ٨١ ط دار الفكر،
وبداية المجتهد ٢/ ٤٣٨، ٤٣٩ ط دار المعرفة، وروضة
الطالبين ٩٥/١٠، ١٤٣، والقليوبي ١٨١/٤، والمغني
٨/ ١٩١، ١٩٢، وسبل السلام ٤/ ٥ ط المكتبة التجارية
الکبری.
(٣) البدائع ٧/ ٥٠، ٥١، وروضة الطالبين ٩٥/١٠، والمغني
٢٠٧/٨، ٢٠٨، ٢٨٠
في قول: إلى أنه ليس للإِمام أو نائبه إقامة الحد
بعلمه، لقوله تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن
أربعة منكم﴾(١) وقال أيضا: ﴿فإذا لم يأتوا
بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾(٢) وبه
قال أبوبكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
وقال الشافعية في قول آخر: له إقامته
بعلمه، وهو قول أبي ثور. لأنه إذا جازت له
إقامته بالبينة والاعتراف الذي لا يفيد إلا
الظن، فما يفيد العلم هو أولى. (٣)
مدى ثبوت الحدود بالقرائن :
٢٩ - تختلف القرائن المعتبرة في الحدود - عند من
یقول بها ۔ من حد لآخر.
فالقرينة المعتبرة في الزنى : هي ظهور الحمل
في امرأة غير متزوجة أولا يعرف لها زوج.
والقرينة في الشرب: الرائحة، والقيء،
والسكر، ووجود الخمر عند المتهم، وفي السرقة
وجود المال المسروق عند المتهم، ووجود أثر
للمتهم في موضع السرقة وغيرذلك، وفي کل
اختلف الفقهاء على أقوال فصلت في
مواطنها، (٤) وتنظر في كل حد من الحدود وفي
مصطلح : (قرينة).
(١) سورة النساء/ ١٥
(٢) سورة النور/ ١٣
(٣) ابن عابدين ٣٥٣/٥، وكشاف القناع ٦/ ٨٠، والمغني
٢١٠/٨
(٤) التاج والإكليل على مواهب الجليل ٢٩٦/٦، والشرح=
- ١٣٩ -

حدود ٣٠ - ٣٢
أنواع الحدود :
الحدود الشرعية هي :
أ - الرجم :
٣٠ - الرجم ثابت بالنص والإجماع والمعقول،
ولا خلاف بين الفقهاء في أنه يجب على الزاني
إذا كان محصنا، (١) وتفصيل ذلك في مصطلح :
(زنى ورجم).
ب - الجلد :
٣١ - اتفق الفقهاء على أن عقوبة الزاني البكر
مائة جلدة، لقوله تعالى: ﴿والزانية والزاني
فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾.(٢)
واختلفوا في الجمع بين الرجم والجلد في
عقوبة الزاني المحصن، فذهب جمهور الفقهاء
إلى أن الجلد لا يجتمع مع الرجم، لأن
النبي 18 رجم ماعزا والغامدية وغيرهما، ولم يرد
أنه جلد واحدا منهم، ولأن الحد إنما وضع
للزجر، ولا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم،
واختار هذا من الحنابلة أبوإسحاق الجوزجاني
وأبوبكر الأثرم.
= الصغير ٤٥٤/٤، والقوانين الفقهية/ ٣٥٣، والمغني
٨/ ٢١٠، ٢١١، ٢٧٨، ٣٠٩
(١) ابن عابدين ١٤٥/٣، ١٤٦، والبدائع ٣٩/٧ وما
بعدها، وشرح الزرقاني ٨٢/٨، وروضة الطالبين
٨٦/١٠، والمغني ٨/ ١٦١
(٢) سورة النور/ ٢
ويرى الحنابلة في رواية أن الجلد يجتمع مع
الرجم وبه قال الحسن البصري وإسحاق،
فيجلد الزاني المحصن أولا ، ثم يرجم،
واستدلوا بحديث عبادة قال مسلم: ((الثيب
بالثیب جلد مائة والرجم». (١) وبفعل علي رضي
الله عنه، وهو أنه جلد شراحة يوم الخميس ثم
رچمها یوم الجمعة، ثم قال جلدتها بكتاب الله،
ورجمتها بسنة رسول الله رَ﴾. وبه قال ابن
عباس وأبيّ بن كعب، وأبو ذر، وإليه ذهب
إسحاق وابن المنذر.
وكذلك اتفقوا على أن الجلد عقوبة القذف
والشرب، ثم اختلفوا في مقداره في الشرب
وینظر تفصيله في أبوابه من كتب الفقه، (٢) و(ر:
(قذف)، و(شرب).
ج - التغريب :
٣٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجتمع مع
الجلد تغريب الزاني البكر، فالتغريب عندهم
يعتبر حدا كالجلد، لقول النبي ويلي: ((البكر
(١) حديث عبادة: ((الثيب بالثيب جلد مائة والرجم)).
أخرجه مسلم (١٣١٦/٣ - ط الحلبي).
(٢) ابن عابدين ١٤٥/٣، ١٤٦، والبدائع ٣٩/٧ وما
بعدها، والشرح الصغير ٤٥٥/٤، وبداية المجتهد
٤٣٥/٢، وشرح الزرقاني ٨/ ٨٢، ٨٣، وروضة الطالبين
٨٦/١٠، والمغني ١٦٠/٨، ١٦١، ١٨٦، ١٨٧
- ١٤٠ -