النص المفهرس
صفحات 241-260
حائل ٨، حاجب ١ سماع الإِمام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل أحدهما . (١) واتفقوا على عدم صحة الاقتداء إذا حال بين الإِمام والمقتدي نهر كبير تجري فيه السفن، ومثله الطريق الذي يمكن أن تجري فيه عجلة عند أكثر الفقهاء. (٢) وتفصيله في مصطلح : (اقتداء ج٦ ص٢٣ ، ٢٤). حاجب التعريف : ١ - الحاجب في اللغة: من الحجب أي: المنع، يقال: حجبه أي: منعته عن الدخول أو الوصول، وكل شيء منع شيئا فقد حجبه، ومنه حجب الإِخوة الأم عن الثلث إلى السدس، وحجب الابن الأخ. وقيل للبواب: حاجب لأنه يمنع من الدخول، ومنه حاجب الأمير والقاضي وغيرهما . والحاجبان: العظمان اللذان فوق العينين بلحمهما وشعرهما، سميا بذلك لكونهما کالحاجبین للعین في الذبّ عنهما. وقيل: الحاجب: الشعر النابت على العظم، سمي بذلك لأنه يحجب عن العين شعاع الشمس.(١) ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . (١) الفتاوى الهندية ٨٧/١، ومراقي الفلاح ص ١٦٠، والدسوقي ٣٣٦/١، ومغني المحتاج ١/ ٢٥٠، والإنصاف ٢٩٥/٢ - ٢٩٧ (٢) ابن عابدين ٣٩٣/١، والدسوقي ٣٣٦/١، ومغني المحتاج ٢٤٩/١، وكشاف القناع ٢٩٢/١ (١) المصباح المنير، القاموس المحيط، لسان العرب، المفردات في غريب القرآن مادة: (حجب). - ٢٤١ - حاجب ٢ - ٥ الألفاظ ذات الصلة : البواب والنقيب : ٢ - عقد الشيخ أبو يحيى زكريا الأنصاري صلة ومقارنة بين الحاجب وبين كل من البواب والنقيب فقال: الحاجب : من يدخل على القاضي للاستئذان . والبواب : من يقعد بالباب للإِحراز. والنقيب : من وظيفته ترتيب الخصوم والإِعلام بمنازل الناس. (١) الحكم التكليفي : بحث الفقهاء حكم الحاجب في مواطن منها : أولا : غسل الحاجب في الوضوء .: ٣ - اتفق الفقهاء على أنه يجب في الوضوء غسل الحاجب الخفيف .. شعرا ومنبتا بإيصال الماء إلى البشرة إن كانت تظهر تحت الشعر عند المواجهة، لأن الذي لا يستره شعر يشبه مالا شعر عليه، ويجب غسل الشعر تبعا للمحل، ولأنه لا حرج في غسل منبت شعر الحاجب في هذه الحالة لخفة الشعر. ٤ - واختلفوا فيما يجب غسله في الوضوء من الحاجب الكثيف : فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (١) لسان العرب، أسنى المطالب ٢٩٧/٤ - ٢٩٨ إلى أنه لا يجب في الوضوء غسل أصول شعر الحاجبين إذا كانا كثیفین ويكتفى بغسل ظاهر الشعر، لأنهما وإن کانا داخلین في حد الوجه إلا أن في إيجاب غسل أصول شعرهما حرجا، ولأن محل الفرض استتربحائل وصار بحال لا يواجه الناظر إليه فسقط الفرض عنه وتحول إلى الحائل. لكن جمهور الفقهاء اختلفوا في حكم تخليل شعر الحاجبين أو غسل باطنه في هذه الحالة : فقال الحنفية: يسن تخليل الشعر الكثيف بالحاجبين في الوضوء لغير المحرم، أما المحرم فيكره له ذلك لئلا يسقط الشعر. وقال المالكية - في المعتمد عندهم - يكره التخليل . وقال الحنابلة : يسن غسل باطن شعر الحاجبين إذا كان كثيفا في الوضوء .. خروجا من خلاف من أوجبه . وذهب الشافعية إلى أنه يجب في الوضوء غسل الحاجبين شعرا وبشرا، أي ظاهرا وباطنا، وإن كان كثيفا لندرة كثافته فألحق بالغالب وهو الشعر الخفيف. (١) ثانيا - صلاة العاجز إيماء بالحاجب: ٥ - اتفق الفقهاء على أن من أركان الصلاة (١) رد المحتار ١/ ٦١، وشرح الزرقاني ١/ ٥٦، ونهاية المحتاج ١/ ١٥٤، وكشاف القناع ٩٦/١ - ٩٧ - ٢٤٢ - حاجب ٦ القيام والركوع والسجود، وأنه لا تصح الصلاة المفروضة إلا بهذه الأركان - وغيرها - للقادر عليها، وأنه إذا عجز المصلي عن القيام يصلي قاعدا بركوع وسجود. فإن عجز عن الركوع والسجود يصلي قاعدا بالإِيماء، فإن عجز عن القعود يستلقي ويومىء إيماء لأن سقوط أي من الأركان لمكان العذر فيتقدر بقدر العذر، والإيماء المتفق عليه بين الفقهاء هو تحريك الرأس. ٦ - وقد اختلفوا فيمن عجز عن الإِيماء بتحريك رأسه، واختلافهم هنا يحسن معه إيراد كل مذهب على حدة. المعتمد عند الحنفية أن المصلي لو عجز عن الإِيماء وهو تحريك الرأس فلا شيء عليه، لما روي عن ابن عباس عن النبي ◌َّ قال: ((يصلي المريض قائما، فإن نالته مشقة صلی جالسا، فإن نالته مشقة صلی نائما یومیء برأسه، فإن نالته مشقة سبح)). (١) أخبر النبي وَلّر أنه معذور عند الله تعالى في هذه الحالة، فلو كان عليه الإِيماء بغير تحريك الرأس كالحاجب لما كان معذورا، ولأن الإيماء (١) حديث: ((ابن عباس عن النبي (8) قال: ((يصلي المريض قائما، فإن نالته مشقة صلى جالسا، فإن نالته مشقة صلى نائما يومىء برأسه، فإن نالته مشقة سبح)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٤٩ - ط القدسي) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وقال: لم يروه عن ابن جريج إلا حلس بن محمد الضبعي. قلت: ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات . أ. هـ. ليس بصلاة حقيقية، ولهذا لا يجوز التنفل به في حالة الاختيار، ولو كان صلاة لجاز كما لوتنفل قاعدا إلا أنه أقيم مقام الصلاة بالشرع، والشرع ورد بالإِيماء بالرأس فلا يقام غيره مقامه . وقال زفر: لوعجز عن الإِيماء بتحريك الرأس يومىء بالحاجبين أولا، فإن عجز فبالعینین، فإن عجز فبقلبه، لأن الصلاة فرض دائم لا يسقط إلا بالعجز، فما عجز عنه يسقط وما قدر عليه يلزمه بقدره، فإذا قدر بالحاجبين كان الإِيماء بهما أولى لأنهما أقرب إلى الرأس، فإن عجز يومىء بعينيه لأنهما من الأعضاء الظاهرة، وجميع البدن ذوحظ من هذه العبادة فكذا العينان، فإن عجز فبالقلب لأنه في الجملة ذوحظ من هذه العبادة وهو النية، ألا ترى أن النية شرط صحتها، فعند العجز تنتقل إليه . وقال الحسن بن زياد: یومیء بعينيه وحاجبيه ولا يومىء بقلبه، لأن أركان الصلاة تؤدى بالأعضاء الظاهرة، أما الباطنة فلاحظ لها من أركانها بل لهاحظ من الشرط وهو النية، وهي قائمة أيضا عند الإِيماء فلا يؤدى به الأركان والشرط جميعا. (١) وقال المازري من المالكية: مقتضى المذهب أنه إن لم يقدر إلا على النية مع قدرته على (١) بدائع الصنائع ١٠٥/١ - ١٠٧ - ٢٤٣ - حاجب ٧ - ٩ الإِيماء بطرفه أو حاجبه فإنه يفعل مايقدر عليه وجوبا ويكون مصليا بذلك، وإن لم يقدر إلا على النية وجبت. وقال الشافعية: إن عجز المكلف عن أركان الصلاة بهيئتها الأصلية أوما برأسه، والسجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن الإِيماء برأسه فبطرفه، ومن لازمه الإيماء بجفنه وحاجبه، وظاهر كلامهم أنه لا يجب هنا إيماء للسجود أخفض وهو متجه . وقال الحنابلة: إن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما برأسه ما أمكنه، ويكون سجوده أخفض من رکوعه، فإن عجز أوما بطرفه ونوی بقلبه، وظاهر كلام جماعة لا يلزمه، وصوبه في الفروع . (١) ولم نقف على نص لهم في الإِيماء بالحاجب. ثالثا : الأخذ من شعر الحاجب : ٧ - اختلف الفقهاء في حكم الأخذ من شعر الحاجبين للرجل والمرأة وينظر الخلاف في ذلك وتفصيله في مصطلح : (تنمص). رابعا : الجناية على الحاجب : ٨ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن في الجناية على شعر الحاجب إذا لم ينبت الدية، وفي أحد (١) جواهر الإكليل ١/ ٥٧، ونهاية المحتاج ١ / ٤٥٠، وكشاف القناع ٤٩٩/١، والمغني ١٤٨/٢ - ١٤٩ الحاجبين نصف الدية، قالوا: لأن في هذه الجناية إتلافا للجمال على الكمال وإتلافا للمنفعة أيضا، لأن الحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه . ولا فرق عندهم في هذا الحكم بين كون الحاجب كثيفا أو خفيفا، جميلا أوقبيحا، أوكونه من صغير أو كبير، لأن سائر مافيه الدية من الأعضاء لا يفترق فيه الحال بذلك. وقالوا: إنما تجب الدية في الحاجبين بذهابهما على وجه لا يرجى عودهما بإتلاف منبت الشعر، فإن رجي عودهما في مدة انتظر إليها، فإن عاد الشعر قبل أخذ الدية لم تجب، وإن عاد بعد أخذها ردت. ولا قصاص عندهم في شعر الحاجب، لأن إتلافه یکون بالجنایة علی محله ۔ منبته - وهو غیر معلوم المقدار فلا تمكن المساواة فيه، فلا يجب فيه القصاص. وذهب المالكية والشافعية إلى أن في الجناية على شعر الحاجب إن لم ينبت حكومة، وأن الشعور لا قود فيها قطعا، وتجب الحكومة فيما شأنه الزينة منها، فإن نبت الشعر وعاد لهیئته فلا شيء فيه إلا الأدب في العمد. (١) خامسا : اتخاذ القاضي أو الأمير حاجبا : ٩ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يجوز للأمير (١) فتح القدير ٣٠٩/٨، والمغني ١٠/٨ - ١١، والمدونة ٣١٦/٦، والزرقاني ٨/ ٤١، وقليوبي ٤ / ١٤٤ - ٢٤٤ - حاجب ٩ والقاضي اتخاذ حاجب، والمرجع في ذلك الشرع، فقد حجب للنبيّ ﴾ أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وكان لأبي بكر الصديق رضي الله تعالی عنه حاجب هو سدیف مولاه، وكان لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه حمران، وكان لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قنبر مولاه، وقد قال النبي ولاير: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)). (١) وقال ابن عرفة: يسوغ للقاضي اتخاذمن يقوم بین یدیه لصرف أمره ونهيه، وكف أذى الناس عنه، وكف بعضهم عن بعض. وقال أصبغ: حق على الإِمام أن يوسع على القاضي في رزقه، ويجعل له قوما يقومون بأمره، ويدفعون الناس عنه، إذ لابد له من أعوان يكونون حوله يزجرون من ينبغي زجره من المتخاصمين. (٢) وقال الشافعية والحنابلة: ينبغي للحاكم والقاضي أن لا يتخذ حاجبا يحجب الناس عن (١) حديث: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)). أخرجه الترمذي (٤٤/٥ - ط الحلبي) والحاكم (٩٦/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث العرباض بن سارية، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (٢) مسائل الإِمام أحمد رواية النيسابوري ٢/ ١٤٩، مطالب أولي النهى ٦/ ٨٥ وروضة القضاة وطريق النجاة للسمناني ١١٨/١ -١١٩، جواهر الإكليل ٢٢٣/٢، مواهب الجليل ٦/ ١١٤ الوصول إليه، لما روى أبومريم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ ليم يقول: ((من ولاء الله عز وجل شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره».(١) ولأن حاجب القاضي ربما قدم المتأخر وأخر المتقدم لغرض له، وربما كسرهم بحجبهم والاستئذان لهم، ولا بأس عندهم باتخاذ حاجب في غير مجلس القضاء، وفي حال الزحمة وکثرة الناس. وقال القاضي أبوالطيب الطبري من الشافعية: يستحب للقاضي أن يتخذ حاجبا يقوم على رأسه إذا قعد للقضاء ليقدم الخصوم ويؤخرهم، وأضاف ابن أبي الدم الحموي الشافعي: وهذا هو الصحيح ولاسيما في زمننا هذا، مع فساد العوام، فإنه متى كان للحاكم حاجب رتب الخصوم، وقدم من حضر أولا على من تأخر، ومنعهم من المخاصمة على التقدم والتأخر، وزجر الظالم منهم، وأخذ بيد المظلوم، وفيه أبهة عظيمة للحاكم ... وكلام الشافعي رضي الله عنه - وغيره: أنه لا ينبغي أن يتخذ حاجبا - محمول على ما إذا قصد بالحاجب (١) حديث: ((من ولاه الله عز وجل شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره)) أخرجه أبوداود (٣٥٧/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٤ / ٩٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي - ٢٤٥ - حاجب ١٠ - ١١ الاحتجاب عن الناس والاكتفاء به، أوحالة الخوف من ارتشاء الحاجب. (١) شروط الحاجب وآدابه : ١٠ - قال القاضي الماوردي: يشترط في الحاجب ثلاثة شروط مستحقة وهي : العدالة والعفة والأمانة، وخمسة مستحبة وهي : أن يكون حسن المنظر، وجميل المخبر، وعارفا بمقادير الناس، وبعيدا عن الهوى، ومعتدل الأخلاق بين الشراسة واللين. (٢) وفصل السمناني فقال: ينبغي أن يختار القاضي من الحجبة من لا يتجهم الخصوم ولا يختص بعضهم دون بعض بالوصول، وتكون له معرفة بأوقات ما يجوز أن يستأذن فيها بالحضور لمن يقصد القاضي، ويعرف من جاء خصما، أو زائرا، أو طالبا لرفده، أوسائلا، أومستفتیا له في الحكم والشرع، ويوعز إليه القاضي في بسط الوجه ولين الكنف ورفع المؤونة وحسن اللفظ، وكف الأذية والسرعة في أمره بإدخال كل إنسان مع خصمه إذا أذن بدخوله من غير تأخير لأحد منهما عن صاحبه بأوجزبيان، ويسهل لهما السبيل، وإذا كان الداخل رجلا له قدر ولا (١) روضة الطالبين ١٣٩/١١، ونهاية المحتاج ٢٤١/٨، أدب القضاء لابن أبي الدم ٦٠ - ٦١، والمغني ٩/ ٤٩، وكشاف القناع ٣١٣/٦، والمهذب ٢٩٣/٢ (٢) أدب القضاء ص٦١ نقلا عن أدب القاضي للماوردي ٢٠٤/١ خصومة له مع أحد، وإنما أتى لزيارة القاضي، فينبغي للحاجب أن يتقدم بين يديه ويستقبله قبل دخوله على القاضي ويدخل بين يديه ينبه على موضعه ومكانه. وينبغي أن يكون دخول الحاجب على القاضي قبل جميع الناس ليعرف من حضر علی الباب ثم یأذن لمن يريد الدخول عليه والحديث معه . وأضاف السمناني: وينبغي أن يتفقد القاضي من على بابه من أصحابه وأعوانه ومن يجري مجراهم، ويمنعهم من المآكل الردية، ويقوم منهم من يجب تقويمه، ويبعد منهم من كان معروفا بالفساد والخيانة، لأن عيبهم راجع إليه وفعلهم عار عليه، وإذا اطلع منهم على الفساد والخيانة ولم ینکر ذلك شارکھم في الإِثم، وربما كان ذلك مما يوجب فسقه إذا أقرهم عليه مع قدرته على إنكاره وإزالته، لأنهم أعوان الشرع والدين، فيجب عليهم أن يكونوا أعرف بالشرع وأقوم بالدين. (١) سادسا : الحاجب في الميراث : ١١ - الحاجب في الميراث: هو المانع لمن تأهل للمیراث (بأن قام به سببه) من الإِرث بالكلية أو من أوفر حظيه لوجوده (أي المانع)، وانظر مصطلح : (حجب). (١) روضة القضاة وطريق النجاة للسمناني ١١٩/١ - ١٢٤ - ٢٤٦ - حاجة ١ - ٣ حاجة التعريف : ١ - الحاجة تطلق على الافتقار، وعلى ما يفتقر إليه . (١). واصطلاحا هي - كما عرفها الشاطبي - ما يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المصلحة، فإذا لم تراع دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة. (٢) ويعتبرها الأصوليون مرتبة من مراتب المصلحة، وهي وسط بين الضروري والتحسيني. (٣) والفقهاء كثيرا ما يستعملون الحاجة بالمعنى الأعم وهو ما يشمل الضرورة، ويطلقون الضرورة مرادا بها الحاجة التي هي أدنى من الضرورة . (١) لسان العرب، وتاج العروس، والكليات للكفوي مادة: (حوج). (٢) الموافقات للشاطبي ٢/ ١٠ - ١١ (٣) فواتح الرحموت ٢٦٢/٢، وإرشاد الفحول / ٢١٦، والمستصفى ٢٨٩/١، وجمع الجوامع ٢٨١/٢ الألفاظ ذات الصلة : أ - الضرورة : ٢ - الضرورة لغة من الضر خلاف النفع، قال الأزهري: كل ما كان سوء حال وفقر وشدة في بدن فهو ضر بالضم، وما كان ضد النفع فهو بفتحها . (١) وعرفها الجرجاني بأنها النازل مما لا مدفع له. (٢) وهي عند الأصولیین: الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا وهي حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال. بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين. (٣) والفرق بين الحاجة والضرورة، أن الحاجة وإن كانت حالة جهد ومشقة فهي دون الضرورة ومرتبتها أدنى منها ولا يتأتى بفقدها الهلاك. ب - التحسين : ٣ - التحسين لغة : التزيين. والتحسين باعتبار ملاءمة الطبع كقولنا: ريح الورد حسن، أو باعتباره صفة كمال، كقولنا : العلم حسن، فمصدره العقل بلا خلاف . (١) المصباح المنير، والصحاح، والقاموس مادة: (ضرر). (٢) التعريفات للجرجاني. (٣) الموافقات ٨/٢ - ١١ والمستصفى ٢٨٧/١ - ٢٤٧ - حاجة ٤ - ٦ والتحسين باعتبار الثواب الشرعي فيه خلاف بين المعتزلة القائلين بأن العقل يستقل بإدراك الحسن والقبح، والأشاعرة القائلين بأن مصدره الشرع، والماتريدية القائلين بأن العقل يستقل بإدراك حسن وقبح بعض الأفعال، ولا يلزم أن يأتي الشرع على وفق إدراكنا كحالة خفیت على عقولنا . (١) والتحسينات كمقصد من مقاصد الشريعة هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق والصفات. (٢) أو هي ما لا تدعو إليها ضرورة ولا حاجة ولكن تقع موقع التحسين والتيسير ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات. (٣) وعلى ذلك تكون التحسينات رتبة أدنى من رتبة الحاجيات. وينظر تفصيل هذا في مصطلح (تحسين) وفي الملحق الأصولي. جـ - الاستصلاح : ٤ - المصالح المرسلة ما لا يشهد لها أصل من الشارع لا بالاعتبار ولا بالإلغاء . (٤) (١) كشف الأسرار ٤/ ٢٣٠، طبع دار سعادات باسطنبول، وشرح الكوكب المنير ٣٠٢/١ (٢) الموافقات ٢/ ١١ . (٣) المستصفى ١/ ٢٨٦ - ٢٩٠، والأحكام للآمدي ٣/ ٤٩ (٤) جمع الجوامع ٢/ ٢٨٤، والأحكام للآمدي ٣/ ١٣٨، وإرشاد الفحول / ٢١٨ وتنقسم إلى ضروري وحاجي وتحسيني . وهي بذلك أعم من الحاجة . د - الرخصة : ٥ - الرخصة هي ما استبیح بعذر مع قيام الدليل المحرم، أوهي مابني على أعذار العباد. (١) وبذلك يظهر أن الرخصة أثر للحاجة. الاحتجاج بها : ٦ - الحاجة مرتبة وسط بين مراتب المصلحة، وفي الاحتجاج بها خلاف بين الأصوليين. قال الغزالي في المستصفى: إن وقعت المصلحة في محل الحاجة فلا يجوز الحكم بمجردها إن لم تعتضد بأصل، إلا أنها تجري مجری الضرورات، فلا بعد أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد . ومثل ذلك في روضة الناظر. ومن هنا قول بعض الحنفية: إن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة إذا عمت. وما مشى عليه الغزالي هو أحد أقوال ذكرها أبو إسحاق الشاطبي في الاعتصام، وعزا هذا القول إلى القاضي وطائفة من الأصوليين . والقول الثاني: هو اعتبار ذلك، وبناء الأحكام عليه على الإطلاق، وهو للإِمام مالك، قال القرافي في الذخيرة: هي حجة عند الإِمام مالك بدليل أن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل مصالح العباد عملا بالاستقراء فمهما (١) التعريفات للجرجاني. - ٢٤٨ - حاجة ٧ وجدت مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع . والقول الثالث: هو اعتبار ذلك بشرط قربه من معاني الأصول الثابتة وهو للشافعي ومعظم الحنفية، وهذا ما حكاه الإِمام الجويني. (١) والتفصيل في الملحق الأصولي. مراعاة الحاجة مقصد من مقاصد الشريعة : ٧ - الحاجة مفتقر إليها من حيث التوسعة والتيسير ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج. واليسر ودفع المشقة والحرج في الأحكام الشرعية من مبادىء الشريعة . يقول الشاطبي: إن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشاق والإِعنات فيه. (٢) والتكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم. ومصالح الدنيا والآخرة ثلاثة أقسام كل قسم منها في منازل متفاوتة. أما مصالح الدنيا فتنقسم إلى الضرورات والحاجات والتتمات والتكميلات فأقل المجزىء من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح وغیرها ضروري. وما كان من ذلك في أعلى المراتب کالمآكل الطيبات والملابس الناعمات (١) المستصفى ٢٩٣/١ - ٢٩٤، وروضة الناظر / ٨٧، والذخيرة / ١٤٢ - ١٤٣، وهامش الفروق ٤/ ٧٠ - ٧١ - ٧٢ - ٧٣، والاعتصام ٩٥/٢ - ٩٦ . (٢) الموافقات ٢/ ١٢١ - ١٢٢ والقصور الواسعات فهو من التتمات والتكميلات. وما توسط بينهما فهو من الحاجات. وأما مصالح الآخرة ففعل الواجبات واجتناب المحرومات ضروري، وفعل السنن المؤكدات من الحاجات، وما عدا ذلك من المندوبات فهي من التتمات والتكميلات. والحاجيات وإن كانت أدنى رتبة من الضروريات باعتبار أن الضروريات هي الأصل إلا أن الحاجيات مكملة لها، والمحافظة عليها وسيلة للمحافظة على الضروريات. كما أن ترك الحاجيات يؤدي في النهاية إلى ترك الضروريات، لأن المتجرىء على الإِخلال بالأخف معرض للتجرؤ على ما سواه، فالمتجرىء على الإِخلال بالحاجيات يتجرأ على الإِخلال بالضروريات. ولذلك قصد الشارع المحافظة على هذه القواعد الثلاث (الضرورية، والحاجية، والتحسينية) وهي مسألة لا يرتاب في ثبوتها شرعا أحد ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع وأن اعتبارها مقصود للشرع، ودليل ذلك استقراء الشريعة، والنظر في أدلتها الكلية والجزئية، وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة . (١) (١) الموافقات ٨/٢ - ١١، ١٣ - ١٦، ٣٧، ٤٩ وقواعد الأحكام ٢/ ٦٠ - ٦١ - ٢٤٩ - حاجة ٨ - ٩ ماتجري فيه الحاجة : ٨ - الحاجة تراعى في العبادات، والعادات، والمعاملات، والجنايات. ففي العبادات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر. وفي العادات كإياحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأکلا ومشربا ومسکنا ومركبا وما أشبه ذلك . وفي المعاملات كالقراض، والمساقاة، والسلم، وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات، كثمرة الشجر ومال العبد. وفي اجنایات کالحكم باللوث،(١) والتدمية، والقسامة، (٢) وضرب الدية على العاقلة، وتضمين الصناع وما أشبه ذلك. (٣) تنوع الحاجة : تتنوع الحاجة باعتبارات مختلفة ومن ذلك: اعتبار العموم والخصوص : ٩ - الحاجة قد تكون عامة بمعنى أن الناس (١) اللوث: هو قرينة لصدق المدعي وهو ولي الدم. (٢) القسامة: عرفها الجرجاني بأنها أيمان تقسم على المتهمين في الدم، فإذا أقسموها سقط عنهم القصاص ووجبت عليهم الدية . وعند الشافعية أيمان يحلفها أولياء الدم، لإثبات القتل على المدعى عليهم. (٣) الموافقات ٢/ ١١ جميعا يحتاجون إليها فيما يمس مصالحهم العامة كالحاجة إلى الزراعة والصناعة والتجارة والسياسة العادلة والحكم الصالح. ومن أجل ذلك شرعت عقود البيع والإِجارة والمضاربة والمساقاة والكفالة والحوالة والصلح وغيرها من العقود. وهي في الغالب ماشرع في الأصل لعذر ثم صار مباحا ولو لم تكن هناك حاجة، ففي القرض مثلا يجوز للإنسان أن يقترض وإن لم تكن به حاجة إلى الاقتراض، وفي المساقاة يجوز له أن يساقي على حائطه وإن كان قادرا على عمله بنفسه أو بالاستئجار عليه وهكذا. (١) كما أن تخلف القليل من جزئیات بعض العقود لا يخرج كليات العقود عن الحاجية. ففي فواتح الرحموت مثل للحاجيات بعقود البيع والإِجارة والمضاربة والمساقاة، ثم قال: إلا قليلا من جزئيات بعض العقود فإنها تكون من الضرورية مثل استئجار المرضعة للطفل مثلا إذا لو لم يشرع تلف نفس الولد فوصل إلى ضرورة حفظ النفس، وكذا شراء مقدار القوت واللباس يتقى به من الحر والبرد، لكن لقلتها لا تخرج كليات العقود عن الحاجية . (٢) وقد تكون الحاجة خاصة بمعنى أن يحتاج (١) أشباه السيوطي / ٩٧ ط عيسى الحلبي، وهامش الفروق ١٣٨/٢ - ١٣٩ - ١٤١ (٢) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٢٦٢/٢ - ٢٥٠ - حاجة ١٠ - ١٢ إليها فرد أو أفراد محصورون، وذلك مثل الحاجة إلى تضبيب الإِناء بالفضة، ومثل الحاجة إلى الأكل من الغنيمة في دار الحرب، والحاجة إلى لبس الحرير للرجل لمرض كالجرب والحكة، وإباحة تحلية آلات الحرب غيظا للمشركين والتبختر بين الصفين في الحرب. (١) ١٠ - وتختلف الحاجة من شخص إلى شخص فما يكون حاجة لشخص قد لا يكون حاجة لغيره، فالخادم قد يكون حاجة لشخص فقير كأن يكون من أهل البيوتات لا يتعاطى خدمة نفسه بيده فيفرض على من عليه نفقته أن يأتي له بخادم أما الشخص العادي الذي يخدم نفسه فليس في حاجة إلى الخادم. (٢) باعتبار الأعصار والأمصار والقرون والأحوال : ١١ - قال القرافي في الفرق الثاني والخمسين والمائتين: يندب إقامة هيئات للأئمة والقضاة وولاة الأمور بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمان الصحابة رضي الله عنهم معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسابق الهجرة، ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالهيئة والزي فيتعين تفخيم الصور حتى تحصل المصالح . (١) أشباه السيوطي/ ٩٨، والمنثور في القواعد ٢٥/٢ - ٢٦ (٢) ابن عابدين ٢/ ٦٨٢، وانظر نهاية المحتاج ٦/ ١٥٩ وقد كان عمر رضي الله عنه يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم لعلمه بأن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس ولم يحترموه وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النظام، ولذلك لما قدم الشام ووجد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قد اتخذ الحجاب وأرخى الحجاب واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية وسلك مايسلكه الملوك فسأله عن ذلك فقال: إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا، فقال له: لا امرك ولا أنهاك، ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه . فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والقرون والأحوال، فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما، وربما وجبت في بعض الأحوال. (١) باعتبار الحكم الشرعي : ١٢ - من المعلوم أن الأحكام الشرعية شرعت للتسهيل على العباد إلا أن منها ما شرع من الأصل مراعى فيه المصلحة وحاجة الناس فيباح ولو لغير حاجة، وذلك كالقرض والحوالة والوصية والشركة والعارية وغيرها . (١) الفروق للقرافي ٢٠٣/٤ - ٢٥١ - حاجة ١٣ ومنها ماشرع لما يوجد من الأعذار ولذلك لا يباح إلا عند وجود السبب كالفطر في الصيام بسبب السفر، فلا يباح الفطر لغير المسافر إلا إذا كان هناك سبب آخر وهكذا.(١) شروط الحاجة : للعمل بمقتضى الحاجة شروط تتلخص فيما يلي: ١ - ألا يعود اعتبارها على الأصل بالإِبطال: ١٣ - الضروريات أعلى رتب المقاصد، وتعتبر أصلا لما عداها من الحاجيات والتحسینیات التي تعتبر مكملة للأصل . ومن شرط اعتبار الأدنى ألا يعود على الأصل بالإِبطال. يقول الشاطبي : كل تكملة فلها۔من حيث هي تكملة -شرط، وهو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بالإِبطال، وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها لا یصح اشتراطها عند ذلك لوجهین: أحدهما : أن في إبطال الأصل إبطال التكملة، لأن التكملة مع ما كملته كالصفة مع الموصوف، فإذا كان اعتبار الصفة يؤدي إلى ارتفاع الموصوف لزم من ذلك ارتفاع الصفة أيضا، فاعتبار هذه التكملة على هذا الوجه (١) شرح المجلة للأتاسي ٤٨/١ - ٤٩ مؤد إلی عدم اعتبارها، وهذا محال لا يتصور، وإذا لم يتصور لم تعتبر التكملة، واعتبر الأصل من غیر مزید . والثاني : أنا لو قدرنا تقديرا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية لکان تحصیل الأصلية أولی بالاعتبار فيجب أن تترجح على التكميلية، لأن حفظ المصلحة یکون بالأصل، وغایة التکمیلیة أنها کالمساعد لما کملته فإذا عارضته فلا تعتبر. وبیان ذلك أن حفظ المهجة مهم كلي، وحفظ المروءات مستحسن، فحرمت النجاسات حفظا للمروءات، فإن دعت الضرورة إلى إحياء المهجة بتناول النجس كان تناوله أولى . وكذلك أصل البيع ضروري، ومنع الغرر والجهالة مكمل، فلو اشترط نفي الغرر جملة لانحسم باب البيع، وكذلك الإِجارة ضرورية أو حاجية، واشتراط وجود العوضين في المعاوضات من باب التكميلات، ولما كان ذلك ممكنا في بيع الأعيان من غير عسر منع من بيع المعدوم إلا في السلم. وذلك في الإِجارات ممتنع، فاشتراط وجود المنافع فيها وحضورها یسد باب المعاملة بها، والإِجارة محتاج إليها فجازت وإن لم يحضر العوض أو لم يوجد، ومثله جار في الاطلاع على العورات للمداواة وغيرها . وكذلك الجهاد مع ولاة الجور قال العلماء - ٢٥٢ - حاجة ١٤ بجوازه، قال مالك: لو ترك ذلك لکان ضررا على المسلمين، فالجهاد ضروري، والوالي فيه ضروري، والعدالة فيه (أي في الوالي) مكملة للضرورة، والمكمل إذا عاد على الأصل بالإِبطال لم يعتبر، ولذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجور عن النبي وَ لفر حيث قال: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، بِرا كان أو فاجرا)).(١) وكذلك الصلاة خلف ولاة السوء. قال الشاطبي : وأشياء كثيرة من هذا القبيل في الشريعة تفوق الحصر كلها جاء على هذا الأسلوب. (٢) ٢ - أن تكون الحاجة قائمة لا منتظرة: ١٤ - للأخذ بمقتضى الحاجة من الترخص يشترط أن يكون سبب الحاجة موجودا فعلا وليس منتظرا، واعتبار وجود الحاجة شرطا للأخذ بمقتضاها إنما هو فیما شرع من الرخص لما يوجد من أعذار، أما ما شرع أصلا للتيسير والتسهيل على العباد مراعاة لحاجاتهم كعقود الإِجارة والقراض والقرض والمساقاة فلا ينطبق (١) حديث: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان .... )) أخرجه أبوداود (٣/ ٤٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والدارقطني (٢ / ٥٦ - ط دار المحاسن) عن مكحول عن أبي هريرة، وأعله الدارقطني بالانقطاع بين مکحول وأبي هريرة. (٢) الموافقات ١٣/٢ - ١٤ - ١٥ - ١٦ عليها هذا الشرط. (١) وتظهر هذه القاعدة بوضوح في الفروع الفقهية المبنية على الرخص ومن أمثلة ذلك: أ - السفر من الأعذار التي تبيح قصر الصلاة والفطر للصائم. إلا أنه لا يجوز قصر الصلاة إلا إذا بدأ المسافر بالسفر فعلا . يقول ابن قدامة: ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت قريته ويجعلها وراء ظهره، وبهذا قال مالك والشافعي والأوزاعي وأبوثور وحكي ذلك عن جماعة من التابعين لقول الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس علیکم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾(٢) ولا يكون ضاربا في الأرض حتى نخرج، وقد روي عن النبي 18 أنه كان يبتدىء القصر إذا خرج من المدينة، قال أنس: صليت مع النبي ◌َّ الظهر بالمدينة أربعا (أي مقيما) وبذي الحليفة ركعتين(٣) (أي مسافرا)، متفق عليه. وقال ابن قدامة أيضا: من نوى السفر في رمضان لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره يعني أنه يجاوزها ويخرج من بین بنيانها، ولا يوصف بكونه مسافرا حتى يخرج من البلد ومهما (١) هامش الفروق ١٣٩/٢، والموافقات ٣٠٣/١ (٢) سورة النساء/ ١٠١ (٣) المغني ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠ وحديث أنس قال: ((صليت مع النبي﴿ الظهر ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢/ ٥٦٩ - ط السلفية) ومسلم (٤٨٠/١ - ط الحلبي). - ٢٥٣ - حاجة ١٤ - ١٥ کان في البلد فله أحكام الحاضرين ولذلك لا يقصر الصلاة . (١) وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في أبوابه . ب - عدم وجود الماء للوضوء يبيح رخصة التيمم لكن يشترط دخول وقت الصلاة فلا يتيمم الفريضة إلا بعد دخول وقتها خلافا للوضوء إذ يجوز قبل دخول وقت الصلاة. (٢) وينظر تفصيل ذلك في موضعه . ج - قال القليوبي : لو كانت الحاجة غير ناجزة فهل يجوز الأخذ لما عساه يطرأ؟ الظاهر لا، كاقتناء الكلب لما عساه يكون من الزرع، ونحوه . (٣) د - في الفواكه الدواني: وقع الخلاف بين العلماء في الأكل مما يمر عليه الإِنسان في الطريق من نحو الفول والفواكه ولبن الغنم بغير إذن المالك، ومحصله الجواز للمحتاج من غير خلاف وأما غير المحتاج فقيل: بالجواز وقيل: بعدمه . قال النفراوي: الظاهر من تلك الأقوال المنع، (٤) لعموم قول النبي تليفون: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفسه». (٥) (١) المغني ٣/ ١٠١، ومنح الجليل ٤٠٩/١ (٢) الشرح الصغير ١/ ٧٤ ط الحلبي، والمغني ٢٣٦/١ (٣) قليوبي ١٤٢/٢ (٤) الفواكه الدواني ٢/ ٣٧٥ (٥) حديث: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفسه». أخرجه الدارقطني (٢٦/٣ - ط دار المحاسن) من = هـ ـ في الفروق للقرافي : الغيبة محرمة لقوله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا﴾، (١) واستثني من الغيبة صور، منها: النصيحة، لقول النبي 1 لفاطمة بنت قيس حين شاورته لما خطبها معاوية وأبوجهم: ((أما أبوجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له)). (٢) فذكر عيبين فيهما مما يكرهانه لوسمعاه، فذلك لمصلحة النصيحة، ويشترط في هذا القسم أن تكون الحاجة ماسة لذلك احترازا من ذكر عيوب الناس مطلقا فهذا حرام بل لا يجوز إلا عند مسيس الحاجة. (٣) ٣ - ألا يكون الأخذ بمقتضى الحاجة مخالفا لقصد الشارع : ١٥ - قال الشاطبي : قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع، والشريعة موضوعة لمصالح العباد، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في = حديث أبي حرة الرقاشي، وفي إسناده مقال. وقد أورد ابن حجر في التلخيص شواهد تقويه. (التلخيص الحبير ٤٦/٣ - ٤٧ - ط شركة الطباعة الفنية). (١) سورة الحجرات/ ١٢ (٢) حديث: ((أما أبوجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية ... )) أخرجه مسلم (٢/ ١١١٤ - ط الحلبي). (٣) الفروق ٢٠٥/٤ - ٢٠٦، والفواكه الدواني ٢/ ٣٧٠، ٣٩٠ - ٢٥٤ - حاجة ١٥ أفعاله، وألا يقصد خلاف ما قصد الشارع. (١) وقال الشاطبي أيضا: فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فهذا هو المطلوب، وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع. (٢) أهـ. وعلى ذلك لا يجوز مخالفة ما ورد به الشرع في العقود التي أبيحت للحاجة تيسيرا وتسهيلا لمصالح الناس. ومن ذلك النكاح فالمقصد الأصلي منه التناسل، ويلي ذلك طلب السكن والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال، والتحفظ من الوقوع في المحظور، فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح، ونواقض هذه الأمور مضادة لمقاصد الشارع، كما إذا نكحها ليحلها لمن طلقها ثلاثا، وكنكاح المتعة، وكل نكاح على هذا السبيل. (٣) وفي بعض ذلك خلاف يرجع إليه في مصطلح: (نكاح). ومن ذلك الإجارة فإنها شرعت لحاجة الناس فيجب اجتناب ما نهى عنه الشرع ولذلك لا يجوز الاستئجار على النوح والغناء والزمر وكل ما منفعته محرمة . (٤) والقرض شرع لحاجة الناس ومصلحة (١) الموافقات ٣٣١/٢ (٢) الموافقات ٣٨٥/٢ (٣) الموافقات ٣٩٦/٢ - ٣٩٧، والمغني ٦ / ٦٤٤ - ٦٤٦ (٤) المغني ٥/ ٥٥٠، وهامش الفروق ٨/٤ المعروف للعباد، ومتى خرج عن باب المعروف امتنع، إما لتحصيل منفعة المقرض، أو لتردده بين الثمن والسلف لعدم تعين المعروف مع تعين المحذور وهو مخالفة القواعد.(١) والمقصود بشرعية الزكاة رفع رذيلة الشح وتحقيق مصلحة إرفاق المساكين، فمن وهب في آخر الحول ماله هربا من وجوب الزكاة علیه ثم إذا كان في حول آخر أو قبل ذلك استوهبه فهذا العمل تقوية لوصف الشح وإمداد له ورفع لمصلحة إرفاق المساكين، فصورة هذه الهبة ليست هي الهبة التي ندب الشرع إليها، لأن الهبة إرفاق وإحسان للموهوب له وتوسيع عليه غنيا كان أو فقيرا، وهذه الهبة تنافي قصد الشارع في رفع الشح عن النفوس، والإِحسان إلى عباد الله والقصد غير الشرعي هادم للقصد الشرعي .(٢) كذلك لا يجوز أن يتحيل الإِنسان لإيجاد سبب يترخص بمقتضاه، كمن أنشأ سفرا ليقصر الصلاة أو أنشأ سفرا في رمضان ليأكل في النهار، أو كان له مال يقدر على الحج به فوهبه كيلا يجب عليه الحج، وكالهروب من الزكاة بجمع المتفرق أو تفريق المتجمع، وكالزوجة التي ترضع جارية الزوج أو الضرة لتحرم عليه، (١) الفروق ٢/٤، وهامش الفروق ٤/ ٤ (٢) الموافقات ٣٨٥/٢ - ٣٨٦ - ٢٥٥ - حاجة ١٦ - ١٧ أو إثبات حق لا يثبت كالوصية للوارث في قالب الإقرار بالدين. (١) وفي أصل هذه القاعدة ومابني عليها من فروع خلاف وتفصیل في مواضعه وفي بحث: (حيلة). الحاجة تنزل منزلة الضرورة : ١٦ - من القواعد الفقهية التي ذكرها ابن نجيم والسيوطي، والزركشي - وهي في مجلة الأحكام - أن الحاجة العامة أو الخاصة تنزل منزلة الضرورة. ومعنى كون الحاجة عامة أن الناس جميعا يحتاجون إليها فيما يمس مصالحهم العامة من تجارة وزراعة وصناعة وسياسة عادلة وحكم صالح. ومعنی کون الحاجة خاصة أن يحتاج إليها فرد أو أفراد محصورون أو طائفة خاصة کأرباب حرفة معينة . والمراد بتنزيلها منزلة الضرورة أنها تؤثر في الأحكام فتبيح المحظور وتجیز ترك الواجب وغیر ذلك، مما يستثنى من القواعد الأصلية. ١٧ - أ- والحاجة العامة كالإِجارة والجعالة والحوالة وغيرها، قال الزركشي نقلا عن إمام الحرمين: إن عقد الكتابة والجعالة والإِجارة ونحوها جرت علی حاجات خاصة تکاد تعم، (١) الموافقات ٣٧٩/٢ - ٣٨٠ والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة، فتغلب فيها الضرورة الحقيقية. ومنها مشروعية الإِجارة مع أنها وردت على منافع معدومة، يعني أن الشرع كما اعتنى بدفع ضرورة الشخص الواحد فکیف لا يعتني به مع حاجة الجماعة، ولو منعت الجماعة مما تدعو الحاجة إليه لنال آحاد الجماعة ضرورة تزيد على ضرورة الشخص الواحد فهي بالرعاية أولى . ومنها ضمان الدرك جوز على خلاف القیاس، إذ البائع إذا باع ملك نفسه لیس ما أخذه من الثمن دینا علیه حتی یضمن، ولکن جوز لا حتیاج الناس إلى معاملة من لا يعرفونه، لأنه لا يؤمن خروج المبيع مستحقا. ومنها مسألة العلج (الکافر) الذي يدل على قلعة الكفار بجارية منها يصح للحاجة، مع أن الجعل المعين يجب أن يكون معلوما مقدورا على تسلیمه مملوكا وهو مفقود هنا. (١) والصلح إنقاص للحق ویترتب علیه أخذ مال الغيربدون وجه مشروع وهو جائز لأنا إذا أجمعنا على بذل المال بغير حق في فداء الأسرى والمخالعة والظلمة والمحاربين والشعراء فكذلك ههنا لدرء الخصومة . (٢) وذكر ابن القيم أنه يباح من ربا الفضل ما (١) أشباه ابن نجيم / ٩١ - ٩٢، وأشباه السيوطي / ٩٧ والمنثور ٢٤/٢ - ٢٥ (٢) هامش الفروق ٨/٤ - ٢٥٦ - حاجة ١٨ - ١٩ تدعو إليه الحاجة كالعرايا (وهي بيع الرطب بالتمر) فهذا البيع في الحقيقة مشتمل على الربا، لأن الرطب والتمر من جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر قطعا بلينه، فهو أزيد أجزاء من الآخر زيادة لا يمكن فصلها وتمييزها، ولا یمکن جعل الرطب مساويا للتمر عند کمال نضجه، فالمساواة مظنونة وليست متيقنة، فلا يجوز قياسا بيع أحدهما بالآخر، لكن جاءت السنة النبوية مبیحة له للحاجة،(١) روی البخاري ومسلم عن زيد بن ثابت أن رسول الله * رخص في العرايا أن تباع بخرصها کیلا.(٢) هذه بعض أمثلة للحاجة العامة. ١٨ - ب - ومن أمثلة الحاجة الخاصة ما يأتي: ذكر الزركشي من تطبيقات قاعدة (الحاجة الخاصة تبيح المحظور): الأكل من طعام الكفار في دار الحرب، فإنه جائز للغانمين رخصة للحاجة ولا يشترط أن لا يكون معه طعام آخر بل یأخذ قدر کفایته وإن کان معه غيره. ومن ذلك لبس الحرير لحاجة الجرب والحكة وسکت الفقهاء عن اشتراط وجود ما يغني عنه من دواء أولبس كما في التداوي بالنجاسة . (١) أعلام الموقعين ٢/ ١٥٩ (٢) حديث: ((رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا)) أخرجه البخاري (الفتح ٤ /٣٩٠ - ط السلفية) ومسلم (١١٦٩/٣ - ط الحلبي) من حديث زيد بن ثابت. وذكر العزبن عبد السلام في قواعده أنه لا يجوز اقتناء الكلاب إلا لحاجة ماسة كحفظ الزرع والمواشي واكتساب الصيود. (١) وغير ذلك كثير من المسائل التي ذكرها الفقهاء . أسباب الحاجة : ١٩ - الإِنسان محتاج إلى ما يحقق مصالحه الدينية والدنيوية دون حرج ومشقة وكل ما يلحق الإِنسان من مشقة وحرج لعدم تحقق المصلحة يعتبر من أسباب الحاجة. ولذلك يقول الشاطبي : الحاجيات مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب . (٢) ويمكن تقسيم أسباب الحاجة أوحالات الحاجة إلى قسمين: الأول : أسباب مصلحية في الأصل تتعلق بالمصالح العامة للناس في حياتهم الدينية والدنيوية. وهذه المصالح هي ما شرع لها ما يناسبها ويحققها كالبيع والإِجارة وسائر العقود وكذلك أحكام الجنايات والقصاص والضمان وغيرها . (٣) والإنسان مكلف بعبادة الله سبحانه وتعالى (١) المنثور في القواعد ٢٥/٢ - ٢٦، وقواعد الأحكام ١٣٩/٢ (٢) الموافقات ٢/ ١٠، وجمع الجوامع ٢٨١/٢ (٣) الموافقات ١/ ٣٠٠، وهامش الفروق ٢/ ١٤١ - ٢٥٧ - حاجة ٢٠ ما دامت حياته، ولا تتم حياته إلا بدفع ضروراته وحاجاته من المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من المنافع، ولا يتأتى ذلك إلا بإباحة التصرفات الدافعة للضرورات والحاجات. وفي قواعد الأحكام امتن الله سبحانه وتعالى على عباده بما أباحه من البيع والشراء، وبما جوزه من الإِجارات والجعالات والوكالات تحصيلا للمنافع التي لا تحصى كثرة. (١) الثاني : أسباب هي أعذار طارئة . قال السيوطي وابن نجيم: أسباب التخفيف في العبادات وغيرها سبعة ، وهي : السفر، والمرض، والإِكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، والنقص. وفي تفصيل هذه الأسباب يرجع إلى مصطلح: (تيسير: ج١٤ ص٢١١ من الموسوعة). الحاجة تقدر بقدرها : ٢٠ - ما شرع من الحاجيات الكلية تيسيرا وتسهيلا لمصالح الناس له صفة الدوام والاستمرار، يستفيد منه المحتاج وغير المحتاج كالقرض، والقراض، والمساقاة، وغير ذلك ولا يدخل تحت قاعدة (الحاجة تقدر بقدرها). أما ما شرع من الأحكام تخفيفا وترخيصا (١) قواعد الأحكام ١/ ٢٠٠ - ٢٠١ و٦٩/٢، والتبصرة لابن فرحون بهامش فتح العلي ١/ ١٣٣ بسبب الأعذار الطارئة فهو الذي يباح بالقدر الذي تندفع به الحاجة، وتزول الإِباحة بزوال الحاجة . (١) ومن أمثلة ذلك : أ - إذا عم الحرام قطرا بحیث لا يوجد فيه حلال إلا نادرا فإنه يجوز للإنسان أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات، لأنه لو وقف عليها لأدى إلى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإِسلام ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام. قال إمام الحرمين الجويني: ولا يتبسط في هذه الأموال كما يتبسط في المال الحلال، بل يقتصر على قدر الحاجة دون أكل الطيبات ونحوها مما هو کالتتمات. (٢) ب - نظر الشهود للمرأة لتحمل الشهادات ونظر الأطباء لحاجة المداواة والنظر إلى المرغوب في نكاحها قبل العقد علیھا إن کانت ممن ترجى إجابتها، والنظر لإقامة شعائر الدين كالختان وإقامة الحد على الزناة. كل ذلك جائز للحاجة، ويحرم النظر فيما زاد على الحاجة. (٣) (١) الموافقات ١/ ٣٠٠ -٣٠٣ وهامش الفروق ١٣٩/٢، وقواعد الأحكام ٤/٢، ١٤١ (٢) المنثور ٢/ ٣١٧، وقواعد الأحكام ٢/ ١٥٩ - ١٦٠ (٣) قواعد الأحكام ١٤٠/٤ - ١٤١، وقليوبي ٢١٢/٣، والفواكه الدواني ٢/ ٤١٠، وأشباه ابن نجيم/ ٨٦ - ٢٥٨ _ حاجة ٢١ - ٢٢ الحاجات غير المحدودة لا تترتب في الذمة : ٢١ - الحقوق من الحاجات غير المحدودة لازمة للإنسان ومطالب بها، غير أنها لا تترتب في ذمته وذلك لما يأتي : أنها لو ترتبت في ذمته لكانت محدودة معلومة، إذ المجهول لا يترتب في الذمة ولا يعقل نسبته إلیھا، فلا يصح أن يترتب دینا . ومثاله الصدقات المطلقة، وسد الخلات، ودفع حاجات المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وإنقاذ الغرقى ... فإذا قال الشارع: أطعموا القانع والمعتر، أوقال: اکسوا العاري، أو: أنفقوا في سبيل الله، فمعنى ذلك طلب رفع الحاجة في كل واقعة بحسبها من غير تعيين مقدار، فإذا تعینت حاجة تبین مقدار ما يحتاج إليه فيها بالنظر لا بالنص، فإذا تعين جائع فالمخاطب مأمور بإطعامه وسد خلته بمقتضى ذلك الإطلاق، فإن أطعمه مالا يرفع عنه الجوع فالطلب باق علیه مالم يفعل من ذلك ما هو کاف ورافع للحاجة التي من أجلها أمر ابتداء، والذي هو كاف يختلف باختلاف الساعات والحالات في ذلك المعين. (١) تقديم الحوائج بعضها على بعض: ٢٢ - إذا اجتمعت الحوائج وأمكن تحصيلها حصلت، وذلك مثل المستحقين من الزكاة إذا أمكن إيفاء حاجة الجميع، فإن تعذر إيفاء حاجة الجميع قدم الأشد حاجة على غيره . ولذلك لا يجوز أن يتصدق الإِنسان بصدقة تطوع وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته أو نفقة عياله. (١) لما روى أبوهريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي چ﴾ فقال: عندي دینار، قال: ((أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على ولدك، قال: عندي آخر قال: أنفقه على أهلك، قال: عندي آخر قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أعلم به». (٢) وقال ابن قدامة في إخراج الزكاة: يستحب أن يبدأ بالأقرب فالأقرب إلا أن يكون منهم من هو أشد حاجة فيقدمه، ولو كان غير القرابة أحوج أعطاه، فإن تساووا قدم من هو أقرب إليه، ثم من كان أقرب في الجوار وأكثر دينا. (٣) ويقول العزبن عبدالسلام في قواعده: النفقات التي ليست من العبادات المفتقرات إلى النيات فيقدم المرء نفسه على نفقة آبائه وأولاده وزوجاته، ويقدم نفقة زوجاته على نفقة آبائه وأولاده، لأنها من تتمة حاجاته. (١) المهذب ١٨٢/١ (٢) حديث أبي هريرة: ((أن رجلا أتى النبي ◌َّ فقال: عندي ... )) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥١ - ط الحلبي). والحاكم (٤١٥/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. (٣) المغني ٢/ ٦٨٩، وقواعد الأحكام / ٥٨ (١) الموافقات ١٥٧/١ - ٢٥٩ - حاجة ٢٣ - ٢٤ وإذا اجتمع مضطران فإن كان معه مايدفع ضرورتهما لزمه الجمع بين دفع الضرورتين تحصيلا للمصلحتين، وإن وجد ما يدفع ضرورة أحدهما، فإن تساويا في الضرورة والقرابة والجوار والصلاح احتمل أن يتخير بينهما، واحتمل أن يقسمه عليهما، وإن كان أحدهما أولى مثل أن يكون والدا، أو والدة ، أو قريبا، أوزوجة، أو إماما مقسطا، أو حاكما عدلا، قدم الفاضل على المفضول. (١) أثر الحاجة : ٢٣ - من المقرر أن من مقاصد الشريعة تحقيق مصالح الناس تيسيرا لهم ودفعا للحرج والمشقة عنهم . والحاجيات مفتقر إليها من حيث التوسعة والتيسير ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج غالبا. لذلك نجد أثر الحاجة في كثير من الأحكام الشرعية . ويمكن إجمال أثر الحاجة فيما يلي: أولا : الاستثناء من القواعد الشرعية (مخالفة القیاس): ٢٤ - تظهر مخالفة القياس في كثير من العقود التي شرعت لمصالح العباد ودفع حوائجهم. ومن ذلك عقد الإِجارة، فإنه جوز على خلاف القياس. (٢) (١) قواعد الأحكام ١/ ٥٨ - ٥٩ (٢) بدائع الصنائع ١٧٣/٤ - ١٧٤ والقياس في المضاربة عدم الجواز لأنها استئجار بأجر مجهول بل بأجر معدوم ولعمل مجهول لكن ترك القياس، لأن الناس يحتاجون إلى عقد المضاربة، لأن الإِنسان قد يكون له مال لكنه لا يهتدي إلى التجارة، وقد يهتدي إلى التجارة لكنه لا مال له، فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين والله سبحانه وتعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع حوائجهم .(١) ومن ذلك شرط الخيار فإنه مخالف للقياس لكن ترك اعتبار القياس لحاجة الناس. (٢) ويقول القرافي: اعلم أن قاعدة القرض خولفت فيها ثلاث قواعد شرعية، قاعدة الربا إن كان في الربويات كالنقدين والطعام، وقاعدة المزابنة وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه إن كان في الحيوان ونحوه من غير المثليات، وقاعدة بيع ماليس عندك في المثليات. وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف للعباد. (٣) وفي قواعد الأحكام للعزبن عبد السلام: اعلم أن الله تعالى شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة تجمع كل قاعدة منها علة واحدة ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة، أو مفسدة تربو على المصلحة، (١) البدائع ٦/ ٧٩ (٢) البدائع ٤/ ١٧٩ (٣) الفروق ٢/٤ - ٢٦٠ -