النص المفهرس

صفحات 201-220

جهل ٧ - ٨
الجهل بالتحريم مسقط للإِثم والحكم في
الظاهر :
٧ - الجهل بالتحريم مسقط للإِثم والحكم في
الظاهر لمن يخفى عليه لقرب عهده بالإِسلام
ونحوه، فإن علمه وجهل المرتب علیه لم یعذر.
ولهذا لوجهل تحريم الكلام في الصلاة عذر،
ولو علم التحريم وجهل الإِبطال بطلت. وإن
علم أن جنس الكلام يحرم ولم يعلم أن التنحنح
والمقدار الذي نطق به محرّم فمعذور في الأصح .
وقد ذكر الزركشي هنا تنبيهين :
أحدهما : أن هذا لا يختص بحقوق الله.
تعالى، بل يجري في حقوق الآدميين، ففي
تعليق القاضي حسين: لو أن رجلا قتل رجلا
وادعی الجهل بتحريم القتل وكان مثله يخفى
عليه ذلك يقبل قوله في إسقاط القصاص وعليه
الدية مغلظة، قال الزركشي : وفيما قاله
(القاضي) نظر قوي .
الثاني : أن إعذار الجاهل من باب التخفيف
لا من حيث جهله .
ولهذا قال الشافعي : لو عذر الجاهل لأجل
جهله لكان الجهل خيرا من العلم، إذ كان يحط
عن العبد أعباء التكليف، ويريح قلبه من
ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله
بالحكم بعد التبلیغ والتمکین، (١) ﴿لئلا يكون
للناس على الله حجة بعد الرسل﴾.(١)
قال القاضي حسين : كل مسألة تدق
ويغمض معرفتها هل يعذر فيها العامي؟
وجهان: أصحهما: نعم. (٢)
الجهل بمعنى اللفظ مسقط لحكمه :
٨ - إذا نطق الأعجمي بكلمة كفر، أو إيمان أو
طلاق أو إعتاق أوبيع أوشراء أو نحوه، ولا
يعرف معناه لا يؤاخذ بشيء منه، لأنه لم يلتزم
بمقتضاه، ولم يقصد إليه .
وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه
العبارة بلفظ أعجمي لا يعرف معناه، فإنه لا
يؤاخذ. نعم. لو قال الأعجمي : أردت به ما
یراد عند أهله فوجهان: أصحهما: كذلك، لأنه
لم يرده، فإن الإِرادة لا تتوجه إلا إلى معلوم أو
مظنون. لأنه إذا لم يعرف معنى اللفظ لم يصح
قصده .
ولو نطق العربي بكلمات عربية لكنه لا
يعرف معانيها في الشرع، مثل قوله لزوجته :
أنت طالق للسنة أوللبدعة، وهو جاهل بمعنى
اللفظ، أو نطق بلفظ الخلع أو النكاح، ففي
القواعد للشيخ عز الدين بن عبدالسلام أنه لا
يؤاخذ بشىء، إذ لا شعور له بمدلوله حتى
يقصده باللفظ. قال: وكثيرا ما يخالع الجهال
(١) المنثور ١٥/٢ - ١٧
(١) سورة النساء/ ١٦٥
(٢) المنثور ٢ /١٤
- ٢٠١ -

جهل ٩ - ١١
من الذين لا يعرفون مدلول لفظ الخلع
ويحكمون بصحته للجهل بهذه القاعدة. (١)
من علم تحريم شيء وجهل ما يترتب عليه:
٩ - كل من علم تحريم شيء وجهل ما يترتب
علیه لم یفده ذلك، کمن علم تحریم الزنى
والخمر وجهل وجوب الحد يحد بالاتفاق، لأنه
كان حقه الامتناع، وكذا لو علم تحريم القتل
وجهل وجوب القصاص يجب القصاص، أو
علم تحريم الكلام في الصلاة، وجهل كونه
مبطلا يبطل، أو علم تحريم الطيب على المحرم
وجهل وجوب الفدية تجب. (٢)
الجهل عذر في المنهيات في حقوق الله تعالى:
١٠ - الجهل عذر في حق الله تعالى في المنهيات
دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن
الحكم لما تكلم في الصلاة، (٣) ولم يؤمر
بالإِعادة لجهله بالنهي. وحديث يعلى بن
أمية: حيث أمر ◌ّ أعرابيا بنزع الجبة عنه وهو
محرم، ولم يأمره بالفدية لجهله . (٤)
(١) قواعد الأحكام العزبن عبد السلام ٢/ ١٠٢ والمنثور
للزركشي ١٣/٢ - ١٤
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٠١
(٣) حديث معاوية بن الحكم. أخرجه مسلم (٣٨١/١ - ط
الحلبي).
(٤) حديث يعلى بن أمية. أخرجه البخاري (الفتح ٣٩٣/٣ -
ط السلفية) ومسلم (٢/ ٨٣٦ - ط الحلبي)
واحتج به الشافعي على أن من وطىء في
الإِحرام جاهلا فلا فدیة علیه. والفرق بينهما من
جهة المعنى أن المقصود من المأمورات إقامة
مصالحها. وذلك لا يحصل إلا بفعلها،
والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانا
للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون
بالتعمد لارتكابها، ومع الجهل لم يقصد المكلف
ارتکاب المنهي، فعذر بالجهل فيه.
أما في حقوق الآ دمیین فقد لا يعذر، كما لو
ضرب مريضا جهل مرضه ضربا يقتل المريض
يجب القصاص في الأصح. بخلاف مالوحبس
من به جوع وعطش ولم يعلم بحاله مدة لا يموت
فيها الشبعان عند الحبس فلا قصاص.
وكأن الفرق أن أمارات المرض لا تخفى
بخلاف الجوع . (١)
أحكام الجهل :
للجهل أحكام خاصة في الفقه الإِسلامي
نجملها فيما يلي:
جهل المرأة عادتها :
١١ - المرأة إذا جهلت عادتها لنسيان أو جنون
ونحوهما (وهي المتحيرة) سميت بذلك لتحيرها
في أمرها، وهي المستحاضة غير المميزة. لها
(١) المنثور للزركشي ١٩/٢ - ٢١
- ٢٠٢ -

جهل ١٢ - ١٥
ثلاثة أحوال، لأنها إما أن تكون ناسية للقدر
والوقت، أوللقدر دون الوقت، أوبالعكس.(١)
وفي ذلك خلاف وتفصيل يذكره الفقهاء في
(حيض).
الجهل بوقت الصلاة :
١٢ - من جهل الوقت لعارض كغیم، أو حبس
وعدم ثقة يخبره به عن علم، اجتهد جوازا إن
قدر على اليقين بالصبر أو الخروج ورؤية
الشمس مثلا، وإلا فوجوبا بورد من قرآن،
ودرس، ومطالعة وصلاة وغير ذلك. (٢)
وتفصيله في: (صلاة).
الجهل بالنجاسة في الصلاة :
١٣ - ذهب الجمهور إلی أن من صلی حاملا
نجاسة غير معفو عنها ولا يعلمها تبطل صلاته
وعليه قضاؤها لقوله تعالى: ﴿وثيابك
فطهر﴾ . (٣)
وذهب المالكية إلى أن الطهارة من الخبث
ليست شرطا في الصحة إلا حال الذّكر والقدرة
(١) الفتاوى الهندية ٣٦/١ -٣٧ والخرشي ٢٠٦/١، والمغني
١٩٧/١ -١٩٨ ط دار الفكر، والمقنع ٩١/١، ومغني
المحتاج ١١٦/١ - ١١٧
(٢) مغني المحتاج ١٢٧/١، وكشاف القناع ٣١٦/١،
والدسوقي ٢٢٧/١، والمغني ٣٨٩/١
(٣) سورة المدثر/ ٤
على المشهور. (١) وتفصيله في مصطلح:
(صلاة).
الجهل بالمطهر وساتر العورة :
١٤ - إذا اختلط ماء طاهر بآخر نجس، ولم يعلم
الطاهر منهما، هل يجتهد ويتحرى ويتطهر
ويصلي أم يصلي بالتيمم؟ في ذلك خلاف
وتفصيل ينظر في مصطلحي : (ماء وصلاة).
ومثله إذا اشتبهت علیه ثياب طاهرة بأخری
نجسة لم يجد غیرها، ولن يجد مايطهرها به
واحتاج إلى الصلاة فيجب عليه الاجتهاد
والتحري عند الجمهور، ويصلي بما غلب على.
ظنه طهارته. وتفصيله في مصطلح : (صلاة).
وينظر مصطلح اشتباه من الموسوعة ف/١٣
ج٤ ص٢٩٤
الجهل بالقبلة :
١٥ - لا خلاف بين الفقهاء في أن استقبال القبلة
من شروط صحة الصلاة لقوله تعالى : ﴿فول
وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا
وجوهكم شطره﴾(٢) ومن جهل القبلة يسأل من
يعلمها، فإذا تعذر السؤال اجتهد. (٣)
(١) ابن عابدين ١/ ٣٧٣، ومغني المحتاج ١٨٨/١ - ١٩٤.
والخرشي ١/ ٢٣٧، والمغني ١/ ١٠٩، والمقنع ١٢٦/١
(٢) سورة البقرة/ ١٤٤
(٣) الموسوعة ٤/ ٧٠ وما بعدها و٢٩٦ - ٢٩٧
- ٢٠٣ -

جهل ١٦ - ١٩
على تفصيل ينظر في مصطلحي :
(استقبال، واشتباه).
الجهل بالفاتحة :
١٦ - من جهل الفاتحة بأن لم يمكنه معرفتها
لعدم معلم أومصحف أونحوذلك، أتى في
الصلاة ببدلها من القرآن الكريم، فإن لم يعلم
شيئا من القرآن، أتی بالذکر بلسان عربي، لما
روی أبوداود وغيره أن رجلا قال: یارسول الله :
إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني
ما يجزيني عنه. فقال: ((قل: سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر،
ولا حول ولا قوة إلا بالله)).(١)
ولا يجزىء بالأعجمية عند الجمهور،
ويجزىء عند أبي حنيفة، (٢)
وتفصيله في مصطلح : (صلاة).
الجهل بوجوب الصلاة :
١٧ - لا خلاف بين الفقهاء في أن تارك الصلاة
(١) حديث: ((قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،
والله أكبر). أخرجه أبو داود (١/ ٥٢١ - تحقيق عزت عبيد
دعاس) من حديث عبدالله بن أبي أوفى. وأعله النسائي
والنووي بضعف راو فيه كما في التلخيص لابن حجر
(١/ ٢٣٦ ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) الفتاى الهندية ١/ ٦٩، والخرشي ١/ ٢٧٠، ومغني المحتاج
١٥٩/١، والمغني ٢٨٨/١ - ٢٨٩، والمقنع ١٤٣/١ -
١٤٤
إن جحدها وهو عالم بوجوبها یکفر، إلا إذا کان
جاهلا بوجوبها کان کان قریب عهد بالإِسلام،
أو نشأ في بادية، أو جزيرة بعيدة عن العلماء. (١)
وتفصيله في: (ردة، صلاة).
الجهل بمبطلات الصلاة :
١٨ - اختلف الفقهاء هل يعذر من يجهل
مبطلات الصلاة، فذهب الحنفية والمالكية إلى
أن التكلم في الصلاة يبطلها عالما كان المتكلم أو
جاهلا .
وذهب الشافعية إلى أنه إذا تكلم قليلا
جاهلا بتحريم الكلام في الصلاة لا تبطل
صلاته إن قرب عهده بالإِسلام، أو نشأ بعيدا
عن العلماء، بخلاف من بعد إسلامه وقرب من
العلماء لتقصيره بترك العلم. (٢)
وتفصيله في مصطلح : (صلاة).
قضاء الفوائت المجهولة :
١٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من عليه
فوائت لا يدري عددها وترکها لعذر وجب عليه
أن يقضي حتى يتقين براءة ذمته من الفروض.
(١) ابن عابدين ١/ ٦١٤ ط الحلبي، والقوانين الفقهية
ص٣٤، ومغني المحتاج ٣٢٧/١، وكشاف القناع ٢٢٧/١
(٢) ابن عابدين ٤٢٣/١، والقوانين الفقهية ص٣٩، ومغني
المحتاج ١٩٤/١ - ١٩٥
- ٢٠٤ -

جهل ٢٠ - ٢٥
وذهب الحنفية إلى أنه يعمل بأکبررأيه، فإن
لم يكن له رأى يقضي حتى يتيقن أنه لم يبق عليه
شيء. (١) وأما من ترك لغير عذر ففيه خلاف
وتفصيل ينظر في مصطلح (قضاء الفوائت).
الجهل بوقت الصوم :
٢٠ - لو اشتبه رمضان على أسير ومحبوس
ونحوهما، صام وجوبا شهرا بالاجتهاد، كما في
اجتهاده للصلاة في القبلة ونحوها، وذلك بأمارة
کخریف، أو حر، أو برد، فلو صام بغير اجتهاد
فوافق رمضان لم يجزئه لتردده في النية، (انظر:
اشتباه ف / ١٥ ج٤ ص٢٩٦ وصوم).
جماع الصائم في رمضان جاهلا بالتحريم:
٢١ - لا كفارة على الصائم الجاهل بتحريم
الجماع في نهار رمضان إذا جامع (٢) على خلاف
بين الفقهاء.
وتفصيله في مصطلح (صوم، كفارة).
جماع محرم جاهلا بالتحريم :
٢٢ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٢٤٣، والقوانين
الفقهية ص٥٠، ومغني المحتاج ١٢٧/١، وكشاف القناع
٢٦١/١
(٢) حاشية العدوي على شرح أبي الحسن ١/ ٤٠٠ -٤٠١،
ومغني المحتاج ٤٢٧/١، وكشاف القناع ٢/ ٣٢٤.
والحنابلة) إلى أن الجماع في حالة الإِحرام جناية
يجب فيها الجزاء، سواء في ذلك العالم والجاهل
وغيرهما .
وذهب الشافعية إلى أن الجاهل إذا كان
قریب عهد بالإِسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن
العلماء لا يفسد إحرامه بالجماع ونحو ذلك.
وقد سبق ذلك في مصطلح (إحرام ف ١٧٠
ج٢ ص ١٩٠).(١)
الجهل لا يعفي من ضمان المتلفات:
٢٣ - اتفق الفقهاء على أن الجهل بكون المال
المتلف مال الغیرلا یعفیه من الضمان. وتفصيله
في مصطلح (ضمان).
الحجر على الطبيب الجاهل :
٢٤ - صرح الحنفية بالحجر على المفتي الماجن
والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس. والطبيب
الجاهل: هو من يسقي الناس دواء مهلكا، وإذا
قوي عليهم المرض لا يقدر على إزالة
ضرره. (٢) وتفصيله في مصطلح : (حجر).
طلاق من جهل معنى الطلاق :
٢٥ - لا يقع طلاق من يجهل معنى اللفظ الدال
على الطلاق.
(١) الموسوعة الفقهية ١/ ٢٢٢ وما بعدها، والقوانين الفقهية
ص٢١٨
(٢) ابن عابدين ٩٣/٥، والزيلعي ١٩٣/٥
- ٢٠٥ -

جهل ٢٦ - ٣١
قال في المغني: إن قال الأعجمي لامرأته
أنت طالق ولا یفهم معناه لم تطلق، لأنه ليس
بمختار للطلاق فلم يقع طلاقه کالمکره. (١)
وتفصيله في: (طلاق).
الجهل بتحريم الزنى :
٢٦ ۔ یعذر الجاهل بتحریم الزنى إن كان قريب
عهد بالإِسلام، أونشأ في بادية بعيدة عن العلماء
أو كان مجنونا فأفاق وزنى قبل أن يعلم
الأحكام، وعند المالكية قولان. (٢)
وتفصيله في مصطلح: (حدود، زنی).
الجهل بتحريم السرقة :
٢٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن يد السارق
تقطع ۔ بشرطه - سواء كان عالما بالتحريم أم
جاهلا وذهب الشافعية إلى أن يد السارق
الجاهل لا تقطع. (٣)
وتفصيله في: (سرقة).
الجهل بتحريم الخمر :
٢٨ - اتفق الفقهاء على أن من شرب الخمر وهو
(١) المغني ١٣٥/٧
(٢) القوانين الفقهية ص٢٣٢، والفتاوى الهندية ١٤٧/٢،
والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٠، والمغني مع الشرح
الكبير ١٠/ ١٥٦
(٣) البدائع ٦٧/٧، والقوانين الفقهية ص ٢٣٥، والأشباه
والنظائر للسيوطي ص ٢٠٠
يجهل أنها خمر لا يحد، أما إذا شرب الخمر وهو
يعلم أنها خمر لكنه ادعى الجهل بالتحريم ففيه
خلاف بين الفقهاء. (١) ينظر تفصيله في
(حدود، سکر).
تولية الجاهل بالأحكام الشرعية القضاء:
٢٩ - الأصل فيمن يولى القضاء أن يكون عالما
بالأحكام الشرعية، ويجوز تولية غيره القضاء
عند الضرورة بأن لم يوجد العالم. (٢)
وهناك تفصيل ينظر في مصطلح : (قضاء).
الجهل بالبيعة للإِمام الأول :
٣٠ - إذا عقدت البيعة الإِمامين وجهل السابق
منهما بطل العقد فيهما عند الشافعية. وللإِمام
أحمد روايتان. وقد سبق في مصطلح (الإِمامة
الكبرى، وبيعة).
التلفظ بكلمة الكفر مع الجهل :
٣١ - قال الحموي: إن من تلفظ بلفظ الكفر
عن اعتقاد لاشك أنه یکفر، وإن لم يعتقد أنها
(١) الفتاوى الهندية ١٥٩/٢، والقوانين الفقهية ص٢٣٧،
والأشباه للسيوطي ص ٢٠٠، وكشاف القناع ١١٨/٦.
(٢) ابن عابدين ٣٠٥/٤ -٣٠٦، ومواهب الجليل ٨٨/٦،
٨٩، والقوانين الفقهية ص١٩٥، والقليوبي وعميرة
٢٩٦/٤، ومغني المحتاج ٣٧٥/٤، وكشاف القناع
٢٩٥/٦
- ٢٠٦ -

جهل ٣١
لفظ الكفر إلا أنه أتى به عن اختیار فیکفر عند
عامة العلماء، ولا يعذر بالجهل. وقال بعضهم:
لا يكفر، والجهل عذر وبه يفتى، لأن المفتي
مأمور أن يميل إلى القول الذي لا يوجب
التكفير، ولو لم يكن الجهل عذرا لحكم على
الجهال أنهم كفار لأنهم لا يعرفون ألفاظ الكفر،
ولو عرفوا لم يتكلموا، قال بعض الفضلاء: وهو
حسن لطيف.
وروي أن امرأة في زمن محمد بن الحسن قيل
لها: إن الله يعذب اليهود والنصارى يوم
القيامة، قالت: لا يفعل الله بهم ذلك فإنهم
عباده، فسئل محمد بن الحسن عن ذلك فقال:
ماكفرت فإنها جاهلة، فعلّموها حتى
علمت. (١)
وقال في مغني المحتاج: يكفر من نسب الأمة
إلى الضلال، أو الصحابة إلى الكفر، أو أنكر
إعجاز القرآن أو غيّرٌ شيئا منه، أو أنكر الدلالة
على الله في خلق السماوات والأرض بأن قال:
ليس في خلقهما دلالة عليه تعالى، أو أنكر بعث
الله الموتى من قبورهم بأن يجمع أجزاءهم
الأصلية ويعيد الأرواح إليها، أو أنكر الجنة أو
النار، أو الحساب أو الثواب أو العقاب أو أقرّ بها
لكن قال: المراد بها غير معانيها، أوقال: إني
دخلت الجنة وأكلت من ثمارها وعانقت حورها،
(١) الحموي على الأشباه ٢/ ١٣٩
أو قال: الأئمة أفضل من الأنبياء، هذا إن علم
ما قاله لا إن جهل ذلك لقرب إسلامه، أو بعده
عن المسلمين فلا يكفر لعذره.(١)
وتفصيله في مصطلح : (ردة).
122
ورد
(١) مغني المحتاج ١٣٦/٤
- ٢٠٧ -

جهة ١ - ٤
جهة
التعريف :
١ - الجهة والوجهة لغة، واصطلاحا: الموضع
الذي تتوجه إليه وتقصده. ومن ذلك قولهم ضل
وجهة أمره، أي قصده، وقلت كذا على جهة
الوجوب وفعلت ذلك على جهة العدل، والقبلة
جهة، فالجهة كل مكان استقبلته وأخذت
فیه .(١)
الألفاظ ذات الصلة :
الحيز :
٢ - معنى الحيز في اللغة - كما جاء في المصباح -
الناحية كالحوز ويجمع على أحياز والقياس
أحواز، وأحياز الدار نواحيها ومرافقها. وجاء في
المغرب أن الحوز معناه الجمع ومراد الفقهاء به
بعض النواحي كالبيت من الدار مثلا. (٢)
الحکم الإجمالي ومواطن البحث:
ذكر الفقهاء لفظ الجهة وما يتعلق به من
الأحكام في عدد من المواطن نجملها فيما يلي:
(١) اللسان والصحاح والمصباح مادة: (وجه).
(٢) المصباح والمغرب مادة: (حوز).
أ - استقبال القبلة في الصلاة:
٣ - من شروط صحة الصلاة استقبال القبلة
عند أداء الصلاة للقادر على ذلك.
لقوله تعالى : ﴿قد نرى تقلب وجهك في
السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر
. المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم
شطره﴾ . (١)
وتفصيل القول في ذلك ينظر في بحث
(استقبال، قبلة).
ب - ترك استقبال واستدبار القبلة عند قضاء
الحاجة :
٤ - ذهب الحنفية إلى كراهة استقبال القبلة
واستدبارها عند قضاء الحاجة سواء أكان ذلك
في المباني أم في الصحراء، لأن جهة القبلة
أشرف الجهات، إلا أن أبا حنيفة قال: إن
الاستدبار لا بأس به لأنه غير مستقبل للقبلة .
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز
ذلك في المباني إلا أن الشافعية ذكروا أن على
الشخص أن يترك ذلك أدبا إلا أنه لا يحرم.
وألحق المالكية بالمباني مراحيض السطوح،
وفضاء المنازل، وفضاء المدن عند وجود الساتر.
وأما الاستقبال والاستدبار في الصحراء بلا
ساتر فهو حرام اتفاقا، وأما عند وجود الساتر
(١) سورة البقرة / ١٤٤
- ٢٠٨ -

جهة ٥ - ٦
فذهب الحنابلة والمالكية في قول إلى الجواز،
وذهب المالكية في قول آخر إلی عدمه. (١) وانظر
للتفصيل بحث: (قضاء الحاجة).
ج - اختلاف القابض والدافع في الجهة :
٥ - يرجع الحكم في هذه المسألة إلى قاعدة
فقهية ذكرها الزركشي في المنثوروهي إذا اختلف
القابض والدافع في الجهة أي سبب الدفع
فالقول قول الدافع، ومن فروعها أنه لو كان
علیه دینان بأحدهما رهن ثم دفع المداين دراهم
وقال أقبضتها عن الدين الذي به الرهن وأنكره
القابض فالقول قول الدافع، وسواء اختلفا في
نيته أو في لفظه. والاعتبار في أداء الدين بقصد
المؤدي حتى لوظن المستحق أنه یودعه عنده
ونوی من هو علیه الدین برئت ذمته وصار
المدفوع ملكا للقابض. (٢)
٦ - ومن الفروع التي ذكرها الحنفية في اختلاف
القابض والدافع في الجهة أنه لوبعث لامرأته
شيئا فقالت هو هدية، وقال: هو من المهر،
(١) الاختيار ٣٧/١ - ط المعرفة، تبيين الحقائق ١٦٧/١ - ط
المعرفة وحاشية الدسوقي ١٠٨/١ - ط الفكر، جواهر
الإكليل ١٨/١ - ط المعرفة، الخرشي ١ / ١٤٦ - ط بولاق،
روضة الطالبين ٦٥/١ - ط المكتب الإسلامي، مطالب
أولي النهى ٧٢/١ - ط المكتب الإسلامي، كشاف القناع
٦٣/١ - ط النصر.
(٢) المنثور ١٤٥/١ - ط الأولى.
فالقول له في غير المهيأ للأكل، لأنه المملك
فكان أعرف بجهة التملیك، کما إذا قال
أودعتك هذا الشيء فقالت بل وهبته لي، وكذا
الظاهر يشهد له لأنه يسعى في إسقاط ما في ذمته
إلا في الطعام المهيأ للأكل كالشواء، واللحم
المطبوخ، والفواكه التي لا تبقى، فإن القول
قولها فيه استحسانا جریان العادة بإهدائها فكان
الظاهر شاهدا لها بخلاف ما إذا لم يكن مهيأ
للأكل كالعسل، والسمن، والجوز واللوز. (١)
وذكر المالكية في مسائل الرهن أن المرهون إذا
وجد في يد الراهن وادعى الراهن أنه دفع الدين
المرهون فیه واستلم الرهن من مرتهنه وأنكر ذلك
المرتهن وادعی سقوطه منه فإنه یقضی للراهن
بدفع الدین المرهون فیه للمرتهن إن طال الزمان
كعشرة أيام وإلا فالقول للمرتهن. (٢)
وذکر الحنابلة في اختلاف الزوجين في قدر
الصداق، أو عينه، أو صفته، أو جنسه، أنه لو
دفع الزوج إليها ألفا، أو دفع إليها عرضا،
واختلفا في نیته، فقال: دفعته صداقا، وقالت:
هبة، فالقول قوله بلا يمين لأنه أعلم بنيته. وإن
اختلفا في لفظه فقالت: قد قلت لي: خذي هذا
(١) حاشية ابن عابدين ٣٦٣/٢ - ط المصرية، تببين الحقائق
١٥٨/٢ - ط بولاق، فتح القدير ٤٧٩/٢ - ط الأميرية.
(٢) جواهر الإكليل ٣٢٥/١، ٩٧/٢ - ط المعرفة.
وانظر ما قاله المالكية في تنازع الزوجين في قبض ما حل
من الصداق قبل البناء أو بعده: الدسوقي ٣٣٥/٢ -٣٣٦
- ط الفكر، الخرشي ٣/ ٣٠٠ ط بولاق.
- ٢٠٩ -

جهة ٧ - ٩
هبة أو هدیة، فأنكر ذلك وادعى أنه من المهر
فالقول قوله بيمينه لأنها تدعي علیه عقدا على
ملکه وهوینکره فأشبه مالو ادعت علیه بيع ملكه
لها. (١)
د - الوقف على جهة :
٧ - يجوز الوقف على جهة لا تنقطع اتفاقا،
كالوقف على الفقراء، وكلفظ صدقة موقوفة،
وکموقوفة لله تعالى، وکموقوفة على وجوه البر،
لأنه عبارة عن الصدقة، وأما الجهة التي تنقطع
فلا يجوز الوقف عليها عند أبي حنيفة ومحمد،
لأن حكم الوقف زوال الملك بغیر تمليك، وأنه
بالتأبيد كالعتق، ولهذا كان التوقيت مبطلا له
کالتوقيت في البيع .
وقال من عداهما من الفقهاء: إذا سمى فيه
جهة تنقطع جاز. واختلفوا في مآله إذا انقطعت
الجهة(٢) على تفصيل يذكر في مصطلح:
(وقف).
هـ - الجهة في الميراث:
٨ - تطلق الجهة في الميراث ويراد بها السبب من
(١) كشاف القناع ٥/ ١٥٤ - ١٥٥ - ط النصر، المغني ٦/ ٧١٠
- ط الرياض.
(٢) ابن عابدين ٣٦٦/٣ - ط المصرية، وجواهر الإكليل
٢٠٨/٢ - ط المعرفة، حاشية القليوبي ١٠١/٣ - ١٠٢ -
ط الحلبي، كشاف القناع ٢٥٢/٤ - ط النصر.
أسباب الإِرث، وهي القرابة، أو النكاح، أو
الولاء، واختلف في التوريث بجهة الإِسلام.
وتطلق الجهة ويراد بها الانتساب إلى نوع
من أنواع الإِرث، كجهة الفرض، أو جهة
التعصيب.
وتطلق الجهة ويراد بها الانتساب إلى جهة
من جهات العصوبة، وهي عند الحنابلة
والصاحبين من الحنفية ست: وهي البنوة، ثم
الأبوة، ثم الأخوة، ثم بنو الأخوة، ثم العمومة،
ثم الولاء.
وعند أبي حنيفة خمس بعدم الاعتداد بجهة
بني الأخوة.
وتطلق الجهة ويراد بها الانتساب إلى جهة
الأب أوجهة الأم. (١) وفي ذلك تفصيل ينظر في
(إرث).
و- الوصية لجهة :
٩ - تجوز الوصية لجهة مشروعة، كجهة
القربى، أو عمران المساجد مثلا، وأما جهة
المعصية فلا تجوز الوصية لها. (٢)
(١) شرح السراجية ص٧٠، والشرح الصغير ٤٨٢/٢ - ٤٨٤
- ط الحلبي، ومغني المحتاج ٤/٣ - ١٥ - ١٩ - ٢٩،
والمهذب ٣١/٢، وشرح منتهى الإرادات ٥٨١/٢
(٢) تبيين الحقائق ٢٠٥/٦ - ط بولاق، جواهر الإكليل
٣١٧/٢ - ط المعرفة حاشية القليوبي ١٥٧/٣ - ط
الحلبي، كشاف القناع ٣٦٤/٤ - ٣٦٥ - ط النصر.
- ٢١٠ -

جهة ١٠، جواب ١
ز - جهات التبعية في الإِسلام :
١٠ - جهات التبعية في الإِسلام اثنتان: أن
يسلم أحد أبوي الصغير، وتبعيته للدار بأن
سبي ولم يكن معه أحد من أبويه إذا أدخله
السابي إلى دار الإِسلام، وكذلك اللقيط في دار
الإِسلام یکون مسلما ولو كان ملتقطه ذميا.
وعند ابن القيم: اليتيم الذي مات أبواه
وکفله أحد المسلمین یتبع کافله وحاضنته في
الدین (ر: إسلام).
جواب
التعريف :
١ - الجواب: رديد الكلام، والفعل: أجاب
یجیب.
والإِجابة رجع الكلام، تقول: أجابه عن
سؤاله، وقد أجابه إجابة وإجابا وجوابا .
والإِجابة والاستجابة بمعنى، يقال:
استجاب الله دعاءه والاسم الجواب.
والجواب ما یکون ردا على سؤال، أودعاء،
أو دعوى، أو رسالة، أو اعتراض ونحو ذلك،
والجمع أجوبة وجوابات.
وجواب القول قد يتضمن تقريره نحو:
نعم، إذا كان جوابا لقوله: هل کان کذا
ونحوه، وقد يتضمن إبطاله، ولا یسمی جوابا
إلا بعد طلب.
ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن المعنى
اللغوي . (١)
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط،
والکلیات ١٧٢/٢
- ٢١١ -

جواب ٢ - ٦
الألفاظ ذات الصلة :
الإقرار :
٢ - الإقرار: الاعتراف بالشيء، والإِخبار بحق
لآخر، وإخبار عما سبق .
فالإقرار قد يكون جوابا إذا كان بعد طلب،
فبینہما عموم وخصوص وجهي .(١)
الرد :
٣ - الرد : صرف الشيء ورجعه، يقال رده عن
الأمر إذا صرفه عنه، ويقال سلم فرد عليه،
ورددت إليه جوابه، ورددت عليه الوديعة .
فالرد یکون جوابا إذا كان بعد طلب، (٢)
فالرد أعم من الجواب.
القبول :
٤ - قبول الشيء: أخذه، ويقال قبلت الشيء
إذا رضيته، وقبلت الخبر إذا صدقته .
ويأتي القبول في العقود جوابا على الإيجاب
كقول المشتري : اشتريت، جوابا لقول البائع :
بعتك. (٣)
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ونهاية المحتاج ٥/ ٦٤
والزيلعي ٢/٥
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، ونهاية المحتاج ٨/ ٤٧
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، والكليات ٢/ ١٧٢، ونهاية
المحتاج ٣٦٦/٣
الحكم التكليفي :
٥ - يختلف حکم الجواب باختلاف موضعه.
فقد یکون واجبا عینیا کجواب المدعی علیه عن
الدعوى الصحیحة. أو واجبا کفائیا کجواب
السلام على جماعة .
وقد یکون حراما کجواب المفتي إذا أفتی بما
لا یعرف.
وقد يكون مكروها كجواب قاضي الحاجة
على من سلم عليه .
ويجوز التوقف عن الإِجابة إن كان في الجواب
حرج كفعل النبي ◌َّر مع من سأله عن الحج :
أكل عام. (١)
أنواع الجواب :
٦ - الجواب یکون بالقول کـ (نعم) أو(لا) أو
بجملة تفيد المطلوب. وقد يكون بالكتابة،
وبالإِشارة من الأخرس، وقد يكون بالفعل. (٢)
(١) حديث سكوت النبي # أخرجه مسلم (٢ / ٩٧٥ - ط
الحلبي) من حديث أبي هريرة.
ونصه قال: خطبنا رسول الله ﴾ فقال: ((أيها الناس،
قد فرض الله علیکم الحج فحجوا)) فقال رجل : أکل عام یا
رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله آلچور:
((لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم)).
وانظر ابن عابدين ٤/ ٤٢٠ ونهاية المحتاج ٤٧/٨ - ٤٨
وقليوبي ٢١٥/٤ والفواكه الدواني ٢/ ٤٢٠ - ٤٢١ -
٤٢٢، والمغني ٢١٧/٣، والمنثور ٢١٦/٢، وأعلام
الموقعين ١٧٣/٤ والآداب الشرعية ٤١٨/١
(٢) المراجع السابقة والكليات للكفوي ١٧٢/٢
- ٢١٢ -

جواب ٧ - ٩
ما يتعلق بالجواب من أحكام :
أولا : عند الأصوليين :
دلالة الجواب على العموم أو الخصوص :
٧ - الجواب عن السؤال إما أن يستقل بنفسه،
أو لا يستقل.
فإن كان لا يستقل بنفسه بحيث لا يحصل
الابتداء به كـ (نعم) فهو تابع للسؤال في عمومه
وخصوصه .
وإن كان الجواب يستقل بنفسه بحیث لوورد
مبتدأ کان كلاما تاما ففي إفادته للعموم تفصيل
وخلاف يذكر في الملحق الأصولي. (١)
ثانيا : عند الفقهاء :
الأثر المترتب على الجواب :
٨ - قد يترتب على الجواب التزام بما تضمنه
الكلام السابق (أي السؤال) إذا تعين أنه
الجواب ووقع تصديقا للكلام السابق، لأنه
حينئذ يعتبر إقرارا واعترافا بما تضمنه الكلام
السابق، وذلك بناء على قاعدة (السؤال معاد
في الجواب) يعني أن ما قيل في السؤال المصدق
كأن المجيب المصدق قد أقر به.
ويتفق الفقهاء على أن ألفاظ (نعم ۔ أجل -
بلى .. ) تتعين جوابا وتصديقا لما تضمنه
السؤال، وتكون الإِجابة بهذه الألفاظ إقرارا
(١) إرشاد الفحول / ١٣٣، وفواتح الرحموت شرح مسلم
الثبوت ٢٨٩/١ - ٢٩٠ والمستصفى للغزالي ٥٨/٢ - ٦٠
واعترافا بما جاء فيه، لأن هذه الألفاظ من صيغ
الإقرار الصريحة، ولأن الجواب بها لا يستقل
بنفسه .
أما إذا كان الجواب غیر ذلك بأن کان مما
يستقل بنفسه ففيه احتمالات الإِخبار أو
الإِنشاء، ويرجع غالبا إلى النية أو إلى القرائن.
ومن هنا یختلف الفقهاء في اعتباره جوابا ملزما بما
تضمنه الكلام السابق أو غير ملزم .
ومن تطبيقات ذلك ما يأتي :
١ - في الإقرار :
٩ - أ - إذا قال رجل لآخر: لي عليك ألف درهم
ثمن مبيع، فقال: نعم يكون الجواب بنعم
تصديقا لما ادعى عليه، فهو إخبار بجميع ما
ادعاه المدعي، لأن كلمة نعم من صيغ الإِقرار
الصريحة، وقد خرجت جوابا، وجواب الكلام
إعادة له لغة، كأنه قال: لك علي ألف درهم
ثمن مبيع . (١)
ب - ومثل ذلك ما لوقال: أليس لي عندك
ألف؟ فقال: بلى، لأن بلی جواب عن سؤال
بأداة النفي .
جـ- ومن ذلك أيضا ما لو كان في يد رجل دابة
(١) البدائع ٧/ ٢٠٨ وشرح المادة/ ٦٦ من المجلة للأتاسي
١٧٧/١ وجواهر الإكليل ١٣٣/٢ والمهذب ٣٤٧/٢
والمغني ٢١٧/٥
- ٢١٣ -

جواب ١٠
فقال له رجل: استأجرها مني، أو ادفع إليّ
غلتها، فقال نعم. (١)
وإن كان الجواب مستقلا، كما لو قال رجل
لآخر: لي عليك ألفا فقال: اتَّزن، أوخذ،
فعند الحنفية والشافعية والحنابلة وابن عبدالحكم
من المالكية لا يعتبر إقرارا، لأنه يحتمل خذ
الجواب مني، أو اتزن إن كان ذلك على
غيري، وهو إقرار عند سحنون من المالكية .
وإن قال في جوابه: هي صحاح أو قال
خذها: أواتزنها، فعند الحنفية وهو أحد وجهین
عند الشافعية والحنابلة يكون إقرارا، لأن الهاء
كناية عن المذکور في الدعوى، وفي الوجه الثاني
عند الشافعية (وهو قول عامة الأصحاب
عندهم) والحنابلة لا يكون إقرارا لأن الصفة
ترجع إلى المدعى ولم يقر بوجوبه، ولأنه يجوز أن
يعطيه ما يدعيه من غير أن يكون واجبا عليه
فأمره بأخذها أولى أن لا يلزم منه الوجوب. (٢)
وانظر مصطلح (إقرار).
٢ - في الطلاق :
١٠ - أ - جاء في أشباه ابن نجيم: من قال:
امرأة زيد طالق وعبده حر وعليه المشي إلى
(١) شرح المجلة للأتاسي المادة/ ٦٦، والمغني ٢١٧/٥،
والمهذب ٣٤٧/٢
(٢) الهداية ٣/ ١٨١ - ١٨٢ والمهذب ٣٤٧/٢، والمغني
٢١٩/٥
بيت الله الحرام إن دخل هذه الدار، فقال زيد :
نعم، كان زيد حالفا بكله، لأن الجواب
يتضمن إعادة ما في السؤال. (١).
ومن قيل له : أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم،
طلقت امرأته وإن لم ينو، لأن نعم صريح في
الجواب، والجواب الصريح للفظ الصريح
صريح . (٢)
ب - وإن كان الجواب مستقلا كمن طلق امرأته
فقيل له: ما فعلت؟ فقال هي طالق، قال
الحنفية: تطلق واحدة في القضاء، لأن كلامه
انصرف إلى الإِخبار بقرينة الاستخبار، فالكلام
السابق معاد على وجه الإِخبار عنه.
وقال المالكية : إن نوى الإِخبار يلزمه طلقة
واحدة اتفاقا (أي في المذهب) وإن نوی إنشاء
الطلاق فيلزمه طلقتان اتفاقا، وإن لم ينو إخبارا
ولا إنشاء فقولان في لزوم الطلقة الثانية . (٣)
جـ - وإن كان الجواب إنشاء غير خارج عن
الكلام الأول، کان الأول معادا فیه، کما لو قال
لامرأته: أمرك بيدك ونوى الثلاث فطلقت
نفسها ثلاثا، أو قالت: طلقت نفسي، أو
اخترت نفسي ولم تذكر الثلاث فعند المالكية
(١) الأشباه لابن نجيم ص١٥٣
(٢) المغني ٧/ ١٣٩، وأشباه السيوطي / ١٥٧ والمهذب ٢/ ٨٢
(٣) شرح المجلة المادة/ ٦٦ الأتاسي ١٧٧/١، والدسوقي
٣٨٥/٢
- ٢١٤ -

جواب ١٠ - ١١
والشافعية والحنابلة يرجع إلى نيتها في بیان عدد
الطلقات إذا لم تبين العدد في قولها طلقت
نفسي .
أما عند الحنفية فيكون ثلاثا لأنه جواب
تفويض الثلاث فيكون ثلاثا. (١)
د - وقد لا يعتبر الكلام الثاني جوابا وإنما يعتبر
ابتداء .
ومثال ذلك لوقالت: طلقني واحدة بألف
فقال: أنت طالق ثلاثا، فعند المالكية والشافعية
والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة: هذا جواب
وزيادة، لأن في الثلاث ما يصلح جوابا
للواحدة، لأن الواحدة توجد في الثلاث فقد أتى
بما سألته وزيادة فيلزمها الألف، كأنه قال: أنت
طالق واحدة وواحدة وواحدة.
وقال أبو حنيفة : تقع الثلاث مجانا بغير
شيء، ووجهه أن الثلاث لا تصلح جوابا
للواحدة، فإذا قال ثلاثا فقد عدل عما سألته،
فصار مبتدئا بالطلاق، فتقع الثلاث بغير
شيء. (٢)
وقال الزركشي من الشافعية: لوقالت:
طلقني على ألف فأجابها، وأعاد ذكر المال لزم
(١) شرح المجلة المادة ٦٦ للأتاسي والكافي لابن عبدالبر
٥٩٠/٥٨٩/٢، والمهذب ٨٣/٢، والمغني ١٤٣/٧،
والمنثور في القواعد للزركشي ٢١٤/٢ - ٢١٥
(٢) المجلة للأناسي المادة/ ٦٦ وجواهر الإكليل ٣٣٦/١،
والمهذب ٢/ ٧٦، والمغني ٧٧/٧
المال. وكذا إن اقتصر على قوله: طلقتك فى
الأصح، كذا ينصرف إلى السؤال. وقيل: يقع
رجعيا ولا مال . (١)
ويرجع في تفصيل ذلك إلى أبوابه في کتب
الفقه (طلاق وإقرار).
الامتناع عن الجواب :
١١ - الجواب واجب على المدعى عليه في
الدعوى الصحيحة بشروطها عند طلب
القاضي ذلك منه.
فإن أقر لزمه ما أقربه، وإن أنکر طولب
المدعي بالبيئة، وإن امتنع عن الجواب، فقال:
لا أقر ولا أنكر، أوسكت عن الجواب، فعند
المالكية وأبي حنيفة والقاضي من الحنابلة يحبس
حتی یقر أو ینکر، فإن استمر حکم علیه لأن
امتناعه عن الجواب بعد إقرارا .
وعند الشافعية وأبي الخطاب من الحنابلة
وأحد أقوال المالكية يقول له القاضي إن أجبت
وإلا جعلتك ناكلا وحكمت عليك، ويكرر
ذلك علیه، فإن أجاب وإلا جعله ناكلا وحکم
علیه، لأنه ناكل عما توجه عليه الجواب فيه.
وقال الكاساني من الحنفية: الأشبه أنه
إنكار، وكذلك جاء في الاختيار من كتب
الحنفية . (١)
(١) المنثور ٢١٤/٢
(٢) ابن عابدين ٤/ ٤٢٠، والبدائع ٢٢٦/٦، والاختيار=
- ٢١٥ -

جواب ١١، جوار ١
ومما يتصل بذلك الإِثم المترتب على الامتناع
عن الجواب الواجب كجواب المفتي والشاهد،
فمن كتم ذلك ألجمه الله يوم القيامة بلجام من
نار، (١) والله تعالى يقول: ﴿ولا تكتموا الشهادة
ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾. (٢)
وفي ذلك تفصيل انظر: (فتوى، شهادة).
2222
= ١٠٩/٢، وتبصرة الحكام ١/ ١٢٩، وجواهر الإكليل
٢٢٦/٢ -٢٢٨، واللباب لابن رشد/ ٢٥٦، والمهذب
٣٠١/٢ -٣٠٤ وقليوبي ٣٣٨/٤، ونهاية المحتاج
٨/ ٢٤٩ وما بعدها والمغني ٩ / ٨٦ - ٩٠
(١) اعلام الموقعين ٤/ ١٥٧
(٢) سورة البقرة / ٢٨٣
جوار
التعريف :
١ - الجوار- بكسر الجيم - مصدر جاور، يقال
جاور جوارا ومجاورة أيضا. ومن معاني الجوار
المساكنة والملاصقة، والاعتكاف في المسجد،
والعهد والأمان .
ومن الجوار الجار، ويطلق على معانٍ، منها:
المجاور في المسكن، والشريك في العقار أو
التجارة، والزوج والزوجة، والحليف،
والناصر.
وقال الشافعي : کل من قارب بدنه بدن
صاحبه قيل له جار.
وقال الراغب : الجار: من يقرب مسكنه
منك، وهو من الأسماء المتضايفة، فإن الجار
لا یکون جارا لغيره إلا وذلك الغیر جارله،
كالأخ والصديق.(١)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعني
اللغوي: وهو الملاصقة في السكن أو نحوه
كالبستان والحانوت.
(١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: (جور).
- ٢١٦ -

جوار ٢ - ٣
الأحكام المتعلقة بالجوار :
أ - حد الجوار :
٢ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن حد الجوار
أربعون دارا من كل جانب. (١) مستدلين
بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ◌َّ
قال: ((حق الجار أربعون دارا هكذا وهكذا
وهكذا))(٢)
وذهب المالكية إلى أن الجار هو الملاصق من
جهة من الجهات أو المقابل له بينهما شارع ضيق
لا یفصلھما فاصل کبیر کسوق أو نهر متسع، أو
من يجمعهما مسجد أو مسجدان لطيفان
متقاربان، إلا إذا دل العرف على غير هذا
الحد .
وحملوا حديث: ((ألا إن أربعين دارا جار))
على التكرمة والاحترام، کكف الأذى، ودفع
الضرر، والبشر في الوجه والإِهداء. (٣)
وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أن الجارهو
الملاصق فقط، لأن الجار من المجاورة وهي
الملاصقة حقيقة. وقول أبي حنيفة وزفر هو
القياس.
(١) قليوبي وعميرة ١٦٨/٣، والمغني ١٢٤/٦، وكشاف
القناع ٤/ ٣٦٣
(٢) حديث أبي هريرة ((حق الجار أربعون دارا هكذا وهكذا
وهكذا)) أخرجه أبو يعلى عن شيخه محمد بن جامع العطار
وهو ضعيف. كذا في مجمع الزوائد (١٦٨/٨ - ط
القدسي).
(٣) الشرح الصغير ٤/ ٧٤٧
وذهب الصاحبان (أبويوسف ومحمد) إلى أن
الجار هو الملاصق وغيره ممن يجمعهم المسجد،
لأنهم يسمون جيرانا عرفا وشرعا، وقولهما
استحسان. ويؤيده قوله وَالت: ((لا صلاة لجار
المسجد إلا في المسجد))(١) وجاء تفسيره عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه موقوفا بمن
سمع النداء، وإذا كان المقصود بر الجيران
فاستحبابه شامل للملاصق وغيره، ولما كان
لابد من الاختلاط لتحقق معنى المجاورة كان
لابد من اتحاد المسجد لتحقق الاختلاط. (٢)
ب - حقوق الجوار :
٣ - جاءت النصوص الشرعية تحض على
احترام الجوار، ورعاية حق الجار. قال الله
عز وجل: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا
وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى
والمساكين والجارذي القربى والجار الجنب
والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت
أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا
فخورا﴾. (٣)
(١) حديث: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) أخرجه
البيهقي (٥٧/٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
أبي هريرة وضعف إسناده البيهقي.
(٢) البحر الرائق ٥٠٥/٨، والبناية ٤٩٧/١٠ -٤٩٨، وفتح
القدیر ٨/ ٤٧١
(٣) سورة النساء / ٣٦
وانظر تفسير الطبري ٥/ ٥٠ - ٥١ - طبعة مصورة عن=
- ٢١٧ -

جوار ٣
فالجار ذو القربى، هو الذي بينك وبينه
قرابة .
والجار الجنب: هو الذي لا قرابة بينك
وبينه .
أما السنة فمنها قوله : ((مازال جبريل
یوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)). (١)
وقوله صلوات الله وسلامه عليه: ((والله لا
يؤمن. والله لا يؤمن. والله لا يؤمن)). قيل :
من يارسول الله؟ قال: ((من لا يأمن جاره
بوائقه»(٢)
قال ابن بطال: في هذا الحدیث تأکید حق
الجار لقسمه مل # على ذلك، وتكريره اليمين
ثلاث مرات، وفيه نفي الإِيمان عمن يؤذي
جاره بالقول، أو بالفعل. ومراده الإِيمان
الكامل. ولا شك أن العاصي غير كامل
الإِيمان. (٣)
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من كان
= الطبعة الأولى سنة ١٣٢٩ هـ ـ نشر دار المعرفة - بيروت،
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨٣/٥ ط ٣ - سنة
١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧م - دار الكاتب العربي طبعة مصورة.
(١) حديث: ((مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه
سيورثه)) أخرجه البخاري (الفتح ٤٤١/١٠ - ط السلفية)
ومسلم (٤/ ٢٠٢٥ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) حديث: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن
.... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤٤٣/١٠ - ط السلفية)
من حديث أبي شريح. وبوائقه: أي غوائله وشروره.
(٣) فتح الباري ١٣/ ٥٢
يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)) . (١)
وقوله وَلـ: (( من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليكرم جاره))(٢)
هذا واسم (الجار) جاء في هذا المقام يشمل
المسلم، وغير المسلم، والعابد والفاسق،
والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب
والأجنبي، والأقرب دارا والأبعد، وله مراتب
بعضها أعلى من بعض.
قال أحمد : الجيران ثلاثة : جارله حق،
وهو الذمي الأجنبي له حق الجوار. وجارله
حقان: وهو المسلم الأجنبي له حق الجوار،
وحق الإِسلام. وجارله ثلاثة حقوق: وهو
المسلم القريب له حق الجوار وحق الإِسلام وحق
القرابة . (٣).
وأولى الجوار بالرعاية من كان أقربهم بابا.
وإلى هذا أشار البخاري حين قال: باب: حق
(١) حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره))
أخرجه البخاري (الفتح ٤٤٥/١٠ - ط السلفية) ومسلم
(٦٨/١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره))
أخرجه البخاري (الفتح ٤٤٥/١٠ - ط السلفية) من
حديث أبي شريح.
(٣) فتح الباري ٤٨/١٣ - ٤٩ وأعلام الموقعين لابن قيم
الجوزية ٢ / ١٢٤ تحقيق محيي الدين عبدالحميد - ط١ سنة
١٣٧٤هـ - ١٩٥٥م - مطبعة السعادة بمصر.
وفي نصه حدیث نقله الغزالي في الإحياء ٢/ ٢١٣ إلا أن
الحافظ العراقي صرح بضعفه.
- ٢١٨ -

جوار ٣ - ٤
الجوار في قرب الأبواب. وأدرج تحته حديث
عائشة رضي الله عنها. قالت: يارسول الله: إن
لي جارین فإلى أيهما أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما
منك بابا)» .(١)
ومن حقوق الجوار ما ذكره الغزالي في قوله :
لیس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال
الأذى، فإن الجار أيضا قد کف أذاه، فليس في
ذلك قضاء حق ولا یکفي احتمال الأدی بل لا بد
من الرفق، وإسداء الخير والمعروف .. ومنها:
أن يبدأ جاره بالسلام، ويعوده في المرض،
ويعزيه عند المصيبة، ويهنئه عند الفرح،
ويشاركه السرور بالنعمة، ويتجاوز عن زلاته،
ویغض بصره عن محارمه، ويحفظ علیه داره إن
غاب، ويتلطف بولده، ويرشده إلى ما يجهله
من أمردينه ودنياه .. هذا إلى جملة الحقوق
الثابتة لعامة المسلمين. (٢)
وقال ابن تيمية : إن المجاورة توجب لكل
من الحق ما لا يجب للأجنبي، وتحرم عليه
ما لا يحرم على الأجنبي. فيبيح الجوار الانتفاع
بملك الجار الخالي من ضرر الجار، ويحرم
الانتفاع پملك الجار إذا كان فيه إضرار. (٣)
(١) حديث عائشة: ((إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي .... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٢٢٠/٥ - ط السلفية).
(٢) الإحياء ٢١٣/٢
(٣) فتاوى ابن تيمية ١٧/٣
حفظ حرمة الجار :
٤ - المراد من هذا الحق حفظ حرمة الجار، وستر
عياله .. وذلك يكون بالجدار الساتر وبالنافذة
التي لا يطل منها الجار على حريم جاره.
أما الجدار الساتر، فإن لم يكن قائما بين
الملكين من قديم، وأراد أحدهما أن يبنيه
بالاشتراك مع الآخر ليحجز بين ملكيهما،
فامتنع الآخر لم يجبر عليه .
وإن أراد البناء وحده لم يكن له البناء إلا في
ملکه خاصة . لأنه لا يملك التصرف في ملك
جاره المختص به. وهذا كله لا يعلم فيه
خلاف. (١)
غير أن ابن تيمية سئل عن بستان مشترك
حصلت فيه القسمة، فأراد أحد الشريكين أن
ییني بینه وبین جاره جدارا، فامتنع أن يدعه
يبني، أو يقوم معه على البناء. فأجاب: يجبر
على ذلك، ويؤخذ الجدار من أرض كل منهما
بقدر حقه. (٢)
فإن كان الجدار قديما، فهدم، وأراد أحدهما
أن يبنيه، وأبى الآخر، فعند الحنفية أقوال ..
قال بعضهم: لا يجبر. وقال أبو الليث: في
زماننا يجبر. لأنه لابد أن يكون بينهما سترة.
وقيل: ينبغي أن یکون الجواب على تفصيل :
إن كان أصل الجدار يحتمل القسمة، ويمكن
(١) المغني ٤ / ٤٦٠
(٢) الفتاوى ١٣/٣٠
- ٢١٩ -

جوار ٤
لكل واحد منهما أن يبني في نصيبه سترة ..
لا يجبر الآبي على البناء. وإن كان أصل
الحائط لا يحتمل القسمة على هذا الوجه يؤمر
الآبي بالبناء.(١)
وعن مالك في ذلك روايتان : إحداهما:
لا يجبر الذي أبی منهما على البنيان، ويقال
لطالب البناء: استر على نفسك، وابن إن
شئت.
وله أن يقسم معه عرصة الحائط، ويبني فيها
لنفسه. والرواية الثانية: يؤمر بالبنيان، ويجبر
علیه. قال ابن عبدالحكم: وذلك أحب إلينا.
وإذا كان الجدار لأحدهما وهدمه إضرارا
بجاره، فإنه یقضی علیه بإعادته على ما كان
عليه، لأجل أن يسترعلى جاره. وإذا هدم
الجدار لإصلاحه أو انهدم بنفسه فلا يقضى
على صاحبه أن يعيده، ويقال للجار استر على
نفسك إن شئت. (٢)
ویری الشافعیة۔۔ في الجدید -أنه لیس
للشريك إجبار شريكه على عمارة الجدار ولو
بهدم الشریکین للمشترك لا ستهدام أو غيره لأن
الممتنع يتضرر بتكليفه العمارة، والضرر لا يزال
بالضرر.
(١) فتاوى قاضيخان ١٠٨/٣، والفتاوى الهندية ٤/ ١٠٠
(٢) الكافي ٢/ ٩٤٢، ومواهب الجليل ٥/ ١٥٠، والخرشي
٥٨/٦، ١٩٤، والتاج والإكليل ٥/ ١٥٠، والشرح الكبير
٣٦٨/٣، وحاشية الدسوقي ٣٦٨/٣
وقيل: إن القاضي يلاحظ أحوال
المتخاصمين فإن ظهر له أن الامتناع لغرض
صحيح أوشك في أمره لم يجبره، وإن علم أنه
عناد أجبره .
قال في الروضة: ويجري ذلك في النهر،
والقناة، والبئر المشتركة، واتخاذ سترة بين
سطحیھما .
ولو هدم الجدار المشترك أحد الشریکین بغیر
إذن الآخر لزمه أرش النقص لا إعادة البناء،
لأن الجدار ليس مثليا، وعليه نص الشافعي في
البويطي وإن نص في غيره على لزوم
الإِعادة.(١)
وذهب الحنابلة إلى أنه إن كان الجدار الذي
انهدم مشتركا وطالب أحدهما شریکه الموسر
ببنائه معه أجبر المطلوب على البناء معه. (٢)
وأما في السطح، فإن الحنفية قد ذهبوا إلى أن
من كان سطحه، وسطح جاره سواء، وفي
صعوده السطح يقع بصره في دار جاره، فللجار
أن يمنعه من الصعود ما لم يتخذ سترة. وإن كان
بصره لا يقع في دار جاره، ولكن يقع على
جیرانه إذا کانوا على السطح لا يمنع من ذلك.
قال الإِمام ناصر الدين : هذا نوع استحسان،
والقياس أن يمنع.
وقال الصدر الشهيد: إن المرتقي يخبرهم
(١) مغني المحتاج ٢/ ١٩٠
(٢) مطالب أولي النهى ٣٦٢/٣
- ٢٢٠ -