النص المفهرس

صفحات 141-160

جهاد ٢٣
وقد نقل عن مالك كراهيته الشديدة للقتال
على جعل.
وإن لم يوجد شيء في بيت المال لا يكره
الجعل للضرورة، وهو دفع الضرر الأعلى - أي
تعدي شر الكفار إلى المسلمین - بالأدنى وهو
الجعل قال ابن عابدين: فيلتزم الضرر الخاص
لدفع الضرر العام.
إلا أن المالكية يشترطون في جواز الجعل أن
تكون الخرجة واحدة، كأن يقول الجاعل
للخارج عنه: أجاعلك بكذا على أن تخرج
بدلا عني في هذه السنة، أما لو تعاقد معه على
أنه كلما حصل الخروج للجهاد خرج نائبا عنه
فلا يجوز لقوة الغرر، فالمراد بالخرجة المرة من
الخروج.
وکذلك من قدر على الجهاد بنفسه وماله
لزمه، ولا ينبغي له أخذ الجعل. وإذا قال
القاعد للغازي، خذ هذا المال لتغزوبه عني لا
يجوز، لأنه استئجار على الجهاد، بخلاف
قوله: فاغز به .(١)
ویری الشافعية أنه لا يجاهد أحد عن أحد
بعوض أو غير عوض، لأنه إذا حضر القتال
تعین علیه الفرض في حق نفسه فلا یؤدیه عن
غيره .
ولا يصح من الإِمام أو غيره استئجار مسلم
(١) ابن عابدين ٢٢٢/٣، والمدونة ٣/ ٣١، ٤٤
للجهاد، لأنه يقع عن المباشر عن نفسه دون
غيره .
وما يأخذه المجاهدون من الديوان من
الفيء، وما يأخذه المتطوع من الزكاة إعانة لا
أجرة .
ومن أكره على الغزولا أجرة له إن تعین
علیه، وإلا استحقها من خروجه إلى حضوره
الواقعة . (١)
أما الحنابلة فقد قال الخرقي : إذا استأجر
الأمير قوما يغزون مع المسلمين لمنافعهم لم يسهم
لهم وأعطوا ما استؤجروا به. قال ابن قدامة:
نص أحمد على هذا في رواية جماعة، فقال في
رواية عبد الله وحنبل: في الإِمام يستأجر قوما
يدخل بهم بلاد العدولا يسهم لهم، ويوفي لهم
بما استؤجروا عليه، وقال القاضي : هذا محمول
على استئجار من لا يجب عليه الجهاد كالعبيد
والكفار.
أما الرجال المسلمون الأحرار فلا يصح
استئجارهم على الجهاد، لأن الغزويتعين
بحضور الغزو على من كان من أهله، فإذا تعين
عليه الفرض لم يجز أن يفعله عن غيره، كمن
عليه حجة الإِسلام لا يجوز أن يحج عن غيره.
ثم قال ابن قدامة: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد
(٢) روضة الطالبين ١٠/ ٢٤٠، ٢٤١، ونهاية المحتاج
٦٢/٨، ٦٣، والمهذب ٢٢٧/٢
- ١٤١ -

جهاد ٢٣
والخرقي على ظاهره في صحة الاستئجار على
الغزو لمن لم یتعین علیه، لما روى أبوداود بإسناده
عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله وَ لإنه قال:
((للغازي أجره وللجاعل أجره)). (١) وروى
سعيد بن منصور عن جبير بن نفير قال: قال
رسول الله * ((مثل الذين يغزون من أمتي
ويأخذون اجعل، ویتقوون به على عدوهم،
مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها))(٢)
ولأنه أمر لا يختص فاعله أن یکون من أهل
القربة فصح الاستئجار عليه كبناء المساجد، أو
لم یتعین علیه الجهاد فصح أن يؤجر نفسه علیه
کالعبد، ویفارق الحج حیث أنه ليس بفرض
عين، وأن الحاجة داعية إليه، وفي المنع من أخذ
الجعل علیه تعطیل له ومنع له مما فیه للمسلمين
نفع وبهم إليه حاجة، فينبغي أن يجوز بخلاف
الحج. (٣).
(١) حديث: ((للغازي أجره وللجاعل أجره)). أخرجه أبو
داود (٣/ ٣٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث
عبدالله بن عمرو وحسنه السيوطي كما في فيض القدير
(٢٩١/٥ - ط المكتبة التجارية).
(٢) حديث: ((مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون
الجعل ... )) أخرجه أبو داود في مراسيله كما في تحفة
الأشراف للمزي (١٥٥/١٣ - ط الدار القيمة) من حديث
سعيد بن جبير مرسلا، وعزاه كذلك المتقي الهندي إلى أبي
نعيم والبيهقي عن جبير. کذا في كنز العمال (٣٣٦/٤ - ط
الرسالة).
(٣) المغني ٨/ ٤٦٧
وأما الاستفادة من الجعل عند من قال به في
غير الجهاد، فقد صرح الحنفية بأنه يجوز
للغازي أن يترك بعض الجعل لنفقة عياله، لأنه
لا يتهيأ له الخروج إلا به. (١) وقال الحنابلة: لا
یترك لأهله منه شيئا، لأنه ليس بملكه إلا أن
يصل إلی رأس مغزاه فیکون کماله، فیبعث إلى
عياله منه، ولا يتصرف فيه قبل الخروج لئلا
يتخلف عن الغزو، فلا يكون مستحقا لما
أنفقه، إلا أن يشتري منه سلاحا أو آلة
للغزو. (٢)
ومن أعطي شيئا من المال يستعين به في غزوة
بعينها فما فضل بعدها فهوله، کما صرح به
الحنابلة، وإليه ذهب عطاء ومجاهد، وسعيد بن
المسيب، وكان ابن عمر إذا أعطى شيئا في الغزو
يقول لصاحبه: إذا بلغت وادي القرى فشأنك
به. ولأنه أعطاه على سبيل المعاونة والنفقة، لا
على سبيل الإِجارة، فكان الفاضل له، وإن
أعطاه شيئا لينفقه في الغزومطلقا، ففضل منه
فضل، أنفقه في غزوة أخرى، لأنه أعطاه
الجميع لينفقه في جهة قربة فلزمه إنفاق الجميع
فيها. (٣)
(١) ابن عابدين ٢٢٢/٣
(٢) المغني ٨/ ٣٧٠
(٣) المرجع السابق
- ١٤٢ -

جهاد ٢٤
الدعوة قبل القتال :
٢٤ - اتفق الفقهاء على أنه إذا دخل المسلمون
دار الحرب فحاصروا مدينة أو حصنا دعوا الكفار
إلى الإِسلام، لقول ابن عباس رضي الله عنه
((ما قاتل النبي ◌ّير قوما حتى دعاهم إلى
الإِسلام)) فإن أجابوا كفوا عن قتالهم لحصول
المقصود، وقد قال رَله: ((أمرت أن أقاتل الناس
حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا
رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة،
فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا
بحق الإِسلام، وحسابهم على الله)).(١)
وإن امتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية، وهذا
في حق من تقبل منه الجزية، وأما من لا تقبل منه
كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب فلا فائدة في
دعوتهم إلى قبول الجزية. وهذا في حق من لم
تبلغه الرسالة لقطع حجتهم، لأنه لا يلزمهم
الإِسلام قبل العلم، والدليل عليه قوله عز
وجل: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾،
ولا يجوز قتالهم على ما لا يلزمهم، ولحديث
بريدة: ((كان النبي ◌ّر إذا بعث أميرا على
جيش أو سرية أمره بتقوى الله تعالى في خاصة
نفسه وبمن معه من المسلمين، وقال: إذا لقيت
(١) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٧٥/١ - ط السلفية) ومسلم (٥٣/١ - ط الحلبي)
من حديث عبدالله بن عمر.
عدوك من المشرکین فادعھم إلی ثلاث خصال
فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم :
ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فاقبل منهم
وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم
إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا
ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على
المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم
أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم
حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون
لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع
المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم
أجابوك فاقبل منهم وکف عنهم، فإن هم أبوا
فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل
حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة
نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن
اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن
تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم، أهون من أن
تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل
حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا
تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على
حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله
فیھم)) .(١)
(١) حديث: ((كان إذا بعث أميرا على جيش أو سرية ... ))
أخرجه مسلم (١٣٥٧/٣ - ١٣٥٨ - ط الحلبي).
وانظر : الاختيار ١١٨/٤ وفتح القدير ١٩٥/٥ وما=
- ١٤٣ -

جهاد ٢٤
ولقوله وَله في وصية أمراء الأجناد: فادعهم
إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ولأنهم بالدعوة
یعلمون أنا نقاتلهم علی الدین لا علی سلب
الأموال وسبي الذراري، فلعلهم يجيبون فنُكْفی
مؤنة القتال. (١)
قال المالكية: ودعوة الكفار وجوبا إلى
الإِسلام تستمر ثلاثة أيام في كل يوم مرة، فإذا
دعوا أول الثالث قوتلوا في أول الرابع بعد
دعوتهم فيه لأداء الجزية وامتناعهم، ولا تجب
دعوتهم للإِسلام لا في بقية الثالث، ولا في أول
الرابع. ثم إن أبوا قبول الإِسلام دعوا إلى أداء
الجزية مرة واحدة في أول اليوم الرابع إجمالا ، إلا
أن يسألوا عن تفصيلها بمحل یؤمن فيه غدرهم
لكونهم تنالهم فيه أحكامنا، وإلا بأن لم يجيبوا أو
أجابوا ولكن بمحل لا تنالهم أحكامنا فيه، ولم
يرتحلوا لبلادنا قوتلوا وقتلوا. (٢) ولوقاتلهم
المسلمون قبل الدعوة أثموا للنهي، ولا يضمن
المسلمون شيئا مما أتلفوه من الدماء والأموال عند
= بعدها وحاشية رد المحتار ٣/ ٢٢٢، وحاشية الدسوقي
١٧٦/٢، وجواهر الإكليل ٢٥٢/١، والمهذب ٢٣١/٢،
وكشاف القناع ٣/ ٤٠، والمغني ٨/ ٣٦١.
(١) حديث: ((وصية النبي ◌َّ لأمراء الأجناد)) سبق تخريجه
بهذا المعنى آنفا ف/ ٢٤
وانظر : شرح فتح القدير ١٩٥/٥ وما بعدها، وحاشية
رد المحتار ٢٢٣/٣
(٢) حاشية الدسوقي ٢/ ١٧٦ وجواهر الإكليل ١/ ٢٥٢
الحنفية مع الإِثم، وهذا لعدم العاصم وهو
الدين، أو الإِحراز بالدار، فصار كقتل النسوان
والصبيان. (١)
هذا في حق من لم تبلغه الدعوة من عبدة
الأوثان وغيرهم، وكذلك إن وجد من أهل
الكتاب من لم تبلغه الدعوة دعوا قبل القتال.
أما من بلغته الدعوة من أهل الكتاب
والمجوس، فإنه لا تجب دعوتهم، لأن الدعوة قد
انتشرت وعمت، فلم يبق منهم من لم تبلغه
الدعوة إلا نادر بعید .
ذكر ابن عابدين نقلا عن الفتح : أن المدار
على غلبة الظن بأن هؤلاء لم تبلغهم
الدعوة . (٢)
قال أحمد: إن الدعوة قد بلغت وانتشرت،
ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف
الترك على هذه الصفة لم يجز قتالهم قبل
الدعوة، (٣) وذلك لما روى بريدة أن رسول
الله ◌َ لّ قال: ((إذا لقيت عدوك من المشركين
فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال ... (٤)
الحديث)).
وقال مالك: أما من قارب الدروب فالدعوة
(١) السرخسي ١٠/ ٣٠، وابن عابدين ٢٢٣/٣
(٢) ابن عابدين ٣/ ٢٢٣
(٣) المغني ٣٦٢/٨
(٤) المدونة ٢/٣
وحديث : ((إذا لقيت عدوك ... )) تقدم تخريجه آنفا
ف/ ٢٤
- ١٤٤ -

جهاد ٢٤
مطروحة لعلمهم بما يدعون إليه، وما هم عليه
من البغض والعداوة للدين وأهله، ومن طول
معارضتهم للجيوش ومحاربتهم لهم، فلتطلب
غرتهم. ولا تحدث لهم الدعوة إلا تحذيرا وأخذ
عدة لمحاربة المسلمين، ومنعا لما رجاه المسلمون
من الظهور عليهم.
قال مالك: إذا عاجلك أهل الحرب عن أن
تدعوهم فقاتلهم، وسئل عن قوم أتوا إلى قوم في
ديارهم فأرادوا قتلهم وأخذ أموالهم. قال
مالك: ناشدوهم بالله فإن أبوا وإلا فالسيف. (١)
وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بابتغاء عورة
العدوليلا ونهارا، لأن دعوة الإِسلام قد
بلغتهم، وقد كان رسول الله ێ بعث إلى خيبر
فقتلوا أميرهم ابن أبي الحقيق غيلة، (٢) وكذلك
يفعل بقوم إن جلست بأرضك أتوك، وإن سرت
إليهم قاتلوك.
وروى ابن وهب عن ربيعة أنه قال: إن
كان عدولم تبلغه الدعوة ولا أمر النبوة، فإنهم
يدعون ويعرض عليهم الإِسلام، وتسير إليهم
الأمثال، وتضرب لهم العبر، ويتلى عليهم
القرآن، حتى إذا بلغ العذر في دعائهم وأبوا
طلبت عورتهم، والتمست غفلتهم، وكان
(١) المدونة ٣/٣
(٢) حديث: (( بعث إلى خيبر فقتلوا أميرهم ابن أبي الحقيق))
أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٣٤٠ - ط السلفية) من حديث
البراء بن عازب .
الدعاء فيمن أعذر إليهم في ذلك بعد
الإِعذار تحذيرا لهم، وفي هذا ضرر على
المسلمين . (١)
قال ابن قدامة من الحنابلة: إن وجوب
الدعوة قبل القتال يحتمل أنه كان في بدء الأمر
قبل انتشار الدعوة وظهور الإِسلام، فأما اليوم
فقد انتشرت الدعوة، فاستغني بذلك عن
الدعاء عند القتال.
قال أحمد: كان النبي ◌َّه يدعو إلى الإِسلام
قبل أن يحارب، حتى أظهر الله الدين وعلا
الإِسلام، ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، قد
بلغت الدعوة كل أحد، فالروم قد بلغتهم
الدعوة وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة
في أول الإِسلام. ولكن إذا دعي من بلغتهم
الدعوة فلا بأس . (٢)
ويستحب ذلك مبالغة في الإنذار لما روى
سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَير لعلي يوم
خيبر: ((انفذ على رسلك حتى تنزل
بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام))، (٣) إلا إذا
تضمنت دعوتهم ضررا ولو بغلبة الظن كأن
يستعدوا أو يتحصنوا فلا يفعل.
(١) المدونة ٣/ ٣، ٤
(٢) المغني٨/ ٣٦١
(٣) حديث: (( أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم،
ثم .... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤٧٦/٧ - ط السلفية).
- ١٤٥ -

جهاد ٢٥ - ٢٦
ولكن دعوتهم ليست واجبة، لأنه صح أن
النبي و 18 أغار على بني المصطلق وهم
غارون، (١) والغارة لا تكون بدعوة. (٢)
وقيد ابن القيم وجوب الدعوة لمن لم تبلغه،
واستحبابها لمن بلغته بما إذا قصدهم المسلمون،
أما إذا كان الكفار قاصدين المسلمين بالقتال
فللمسلمين قتالهم من غير دعوة دفعا عن
نفوسهم وحريمهم. (٣)
الأمان فى حال القتال :
٢٥ - الأصل أن إعطاء الأمان للكفار من الإِمام
أو آحاد المسلمين أو طلبه مباح، وقد يكون
حراما أو مکروها إذا کان یؤدي إلى ضرر أو
إخلال بواجب أو مندوب .
وحكم الأمان ثبوت الأمن للكفرة عن القتل
والسبي، وغنم أموالهم، فيحرم بوجود الأمان
قتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، واغتنام
أموالهم . (٤)
(١) حديث: ((أغار على بني المصطلق وهم غارون)). أخرجه
البخاري (الفتح ٥/ ١٧٠ - ط السلفية) ومسلم (١٣٥٦/٣
- ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
(٢) شرح فتح القدير ١٩٥/٥ وحاشية رد المحتار ٢٢٣/٣،
والمهذب ٢/ ٢٣١
(٣) كشاف القناع ٤١/٣
(٤) البدائع ١٠٧/٧، والشرح الصغير ٢٨٨/٢، وروضة
الطالبين ٢٨١/١٠ والمغني مع الشرح الكبير ٤٣٢/١٠
وتفصيل ذلك في مصطلحي: (أمان)
و(مستأمن).
الاستعانة بغير المسلمين على قتال العدو:
٢٦ - اختلف الفقهاء في جواز الاستعانة بغير
· المسلمين على قتال العدو: فذهب الحنفية
والحنابلة في الصحيح من المذهب والشافعية
ماعدا ابن المنذر، وابن حبيب من المالكية، وهو
رواية عن الإِمام مالك إلى جواز الاستعانة بغير
المسلم عند الحاجة .
وصرح الشافعية والحنابلة بأنه يشترط أن
يعرف الإِمام حسن رأيهم من المسلمين، ويأمن
خيانتهم، وصرح الشافعية أن يكثر المسلمون
بحيث لوخان المستعان بهم وانضموا إلى الذين
يغزونهم، أمكنهم مقاومتهم جميعا.
وشرط الماوردي: أن يخالفوا معتقد العدو.
وعند المالكية - ما عدا ابن حبيب - وجماعة
من أهل العلم منهم ابن المنذر، والجوزجاني: لا
تجوز الاستعانة بمشرك. (١)
وتفصيل الاستعانة بغير المسلمين قد سبق
ذكره في: (استعانة) وفي: (أهل الكتاب).
أما استئجار الكافر للجهاد فقد صرح
(١) ابن عابدين ٢٣٥/٣، والمبسوط ٣٣/١٠، وفتح القدير
٢٤٢/٥، ٢٤٣ والخطاب ٣٥٢/٣، والمدونة ٤٠/٣،
ومغني المحتاج ٢٢١/٤، وروضة الطالبين ٢٣٩/١٠،
والمغني ٨/ ٤١٤، وكشاف القناع ٤٨/٣
- ١٤٦ -

جهاد ٢٧ - ٢٨
الشافعية بأنه يصح استئجارذمي، ومستأمن،
ومعاهد، بل حربي للجهاد من قبل الإِمام،
حیث تجوز الاستعانة به من خمس الخمس دون
غيره أي من الغنيمة، لأن الجهاد لا يقع عنه فلا
يأخذ من الغنيمة، ولأنه يحتمل في معاقدة الكفار
مالا يحتمل في معاقدة المسلمين، وليس لغير
الإِمام ذلك، لا حتیاج الجهاد إلی مزید من نظر
واجتهاد. (١)
محرمات الجهاد ومکر وهاته :
أ - القتال في الأشهر الحرم :
٢٧ - الأشهر الحرم هي رجب، وذو القعدة، وذو
الحجة، ومحرم.
وکان البدء بالقتال في هذه الأشهر في أول
الإِسلام محرما بقوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور
عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله﴾، (٢) وقوله
تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه،
قل قتال فيه کبیر﴾.(٣)
وأما بعد ذلك فذهب جمهور الفقهاء إلى أن
بدء القتال في الأشهر الحرم منسوخ کما نص عليه
أحمد، وناسخه قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين
(١) نهاية المحتاج ٦٢/٨، ٦٣ وما بعدها.
(٢) سورة التوبة/ ٣٦
(٣) سورة البقرة/ ٢١٧
حيث وجدتموهم﴾(١) وبغزوه ◌َل* الطائف في
ذي القعدة.
والقول الآخر: أنه لا يزال محرما، ودليله
حديث جابر ((كان النبي وسي# لا يغزوفي الشهر
الحرام إلا أن يغزى، فإذا حضره أقام حتى
ينسلخ)). (٢)
وأما القتال في الشهر الحرام دفعا فيجوز
إجماعا من غير خلاف. (٣)
ب - منع إخراج المصحف وكتب الشرع في
الجهاد:
٢٨ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز السفر
بالمصحف إلی دار الحرب، والغزوبه، کما روی
ابن عمر، قال: قال رسول الله قوله: ((لا
تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله
العدو»، (٤) ولأن إخراج ذلك يؤدي إلى وقوعه
في يد العدو، وفي ذلك تعریض لاستخفافهم به
(١) سورة التوبة/ ٥
(٢) حديث: لم يكن رسول الله﴿ يغزو في الشهر ... ))
أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ٣٠٠ - ط دار
المعارف)، وإسناده صحيح .
(٣) المبسوط ٢/١٠، ٣، ونهاية المحتاج ٤٥/٨، وروضة
الطالبين ٢٠٤/١٠، وكشاف القناع ٣٧/٣
(٤) حديث: ((لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله
العدو». أخرجه مسلم (٣/ ١٤٩١ - ط الحلبي) من حديث
عبدالله بن عمر.
- ١٤٧ -

جهاد ٢٩
وهو حرام، فما أدى إليه فهو حرام. ولكن لا
يكره عند الحنفية إخراج المصحف في جيش
يؤمن عليه، وأقله عند الإِمام أربعمائة، وقال
ابن الحمام: ينبغي أن يكون العسكر العظيم اثني
عشر ألفا، لقوله وَليقول: ((لن تغلب اثنا عشر
ألفا من قلة)). (١)
وصرح المالكية بأنه يحرم السفر بالمصحف
لأرضهم ولو مع جیش کبیر، وقاس بعض
الفقهاء على المصحف كتب الفقه
والحديث. (٢)
وإذا دخل مسلم إليهم بأمان جاز حمل
المصحف معه إذا کانوا یوفون بالعهد، لأن
الظاهر عدم تعرضهم له .
فإذا لم یکن أمان، فإنه يحرم إرسال المصحف
إليهم ولو طلبوه لیتدبروه خشية إهانتهم له، ولا
ينطبق هذا على الكتاب الذي فيه الآية
ونحوها . (٣)
جـ ـ من لا يجوز قتله في الجهاد:
٢٩ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز في الجهاد
(١) حديث: ((لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة)). أخرجه
أبوداود (٨٢/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم
(٤٤٣/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
عبدالله بن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) ابن عابدين ٢٢٣/٣، ٢٢٤، والمبسوط ٢٩/١٠،
وحاشية الدسوقي ١٧٨/٢، والمغني ١٤٩/١، ٣٦٧/٨
(٣) ابن عابدين ٢٢٤/٣، والدسوقي ١٧٨/٢
قتل النساء، والصبيان، والمجانين، والخنثى
المشكل، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه:
((أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول
الله وَالر مقتولة، فنهى عن قتل النساء
والصبيان)). (١)
وكذلك لا يجوز قتل الشيوخ عند جمهور
الفقهاء، وبه قال مجاهد، لما روي أن النبي (وَّل
قال: ((لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا
امرأة))، (٢) ولما روي عن ابن عباس في قوله
تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾(٣) يقول: ((لا تقتلوا
النساء والصبيان، والشيخ الكبير» وروي مثله
عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ولأنه ليس
من أهل القتال فلا يقتل كالمرأة، وقد أومأ
النبي وَي9 إلى هذه العلة في المرأة التي وجدت
مقتولة في بعض مغازيه، فقال: ((ما كانت هذه
لتقاتل)). (٤)
(١) حديث: ((نهى عن قتل النساء والصبيان)). أخرجه
البخاري (الفتح ١٤٨/٦ - ط السلفية) ومسلم (٣/ ١٣٦٤
- ط الحلبي).
(٢) حديث: ((لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا ولا امرأة)).
أخرجه أبو داود (٨٦/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من
حديث أنس بن مالك، وإسناده حسن لغيره.
(٣) البقرة / ١٩٠
(٤) حديث: ((ما كانت هذه لتقاتل ... )) أخرجه أبو داود
(١٢٢/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١٢٢/٢ -
ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث رباح بن ربيع،
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
- ١٤٨ -

جهاد ٢٩
وقال الشافعية في الأظهر وابن المنذر: يجوز
قتل الشيوخ، لعموم قوله تعالى: ﴿فاقتلوا
المشركين)، (١) ولقول النبي وقال: ((اقتلوا شيوخ
المشركين واستحيوا شرخهم)). (٢) ولأنهم أحرار
مکلفون فجاز قتلهم کغيرهم. والخلاف في قتل
الزمن والأعمى ومن في معناهما کیابس الشق،
ومقطوع اليمنى، أو المقطوع من خلاف،
کالخلاف في الشيخ . (٣)
ولا يقتل الراهب في صومعته، ولا أهل
الكنائس الذين لا يخالطون الناس، فإن خالطوا
قتلوا كالقسيس، ولا سائح في الجبال لا يخالط
الناس.
والذي يجن ويفيق، يقتل في حال إفاقته وإن
لم يقاتل. (٤).
وصرح الحنابلة بأن المريض يقتل إذا كان ممن
لو كان صحيحا قاتل، لأنه بمنزلة الإِجهاز على
الجریح، إلا أن يكون مأيوسا من برئه، فيكون
(١) سورة التوبة / ٥
(٢) حديث: ((اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم))
أخرجه الترمذي (٤ /١٤٥ - ط الحلبي) من حديث سمرة
ابن جندب، وفي سنده انقطاع بین سمرة والراوي عنه.
(٣) البدائع ٧/ ١٠١، وابن عابدين ٢٢٤/٣، ٢٢٥،
وحاشية الدسوقي ١٧٦/٢، ونهاية المحتاج ٦٤/٨،
والمغني ٨/ ٤٧٧
(٤) ابن عابدين ٢٢٥/٣، والبدائع ١٠١/٧
بمنزلة الزمن لا يقتل، لأنه لا يخاف منه أن
يصير إلى حال يقاتل فيها .
وكذلك الفلاح الذي لا يقاتل، وبه قال
الأوزاعي لقول ابن عمر رضي الله عنهما: ((اتقوا
الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم
الحرب)).
وعند الشافعية يقتل، لدخوله في عموم
المشركين.(١)
وصرح بعض الفقهاء بأنه لا يجوز قتل رسول
الكفار. (٢)
ويجوز قتل من قاتل ممن ذكرنا ولو امرأة، لأن
النبي * قتل يوم قريظة امرأة طرحت الرحا
على خلاد بن سويد فقتلته. (٣)
قال ابن قدامة: ولا نعلم في ذلك خلافا،
وبه قال الأوزاعي، والثوري والليث، لقول ابن
عباس: مر النبي ◌ّليه بامرأة مقتولة يوم الخندق،
فقال: من قتل هذه؟ قال رجل : أنا يارسول
الله. قال: ولِم ؟ قال: نازعتني قائم سيفي .
قال: فسکت. (٤)
(١) المغني ٨/ ٤٧٨، ٤٧٩
(٢) روضة الطالبين ٢٤٤/١٠، ونهاية المحتاج ٨/ ٦٤
(٣) حديث: ((أن النبي ﴿﴿ قتل يوم قريظة ... )) أخرجه ابن
إسحاق في المغازي کما في السيرة النبوية لابن کثیر (٢٤٢/٣
- نشر دار إحياء التراث).
(٤) حديث: ((من قتل هذه ؟)) أخرجه أبوداود في المراسيل كما
في التلخيص الحبير (١٠٢/٤ - ط شركة الطباعة الفنية).
- ١٤٩ -

جهاد ٣٠
ولأن النبي ◌ّ﴾ وقف على امرأة مقتولة
فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» وهذا يدل على
أنه إنما نهى عن قتل المرأة إذا لم تقاتل.(١)
وكذلك يقتل کل من هؤلاء إذا كان ملكا،
أو ذا رأي یعین في الحرب، لأن دريد بن الصمة
قتل یوم حنین وهو شیخ لا قتال فیه، وكانوا
خرجوا به یتیمنون به ویستعینون برأیه، فلم
ينكر النبي ◌َ ل قتله، (٢) ولأن الرأي من أعظم
المعونة في الحرب .
أما الأخرس والأصم، وأقطع الید الیسری،
أو إحدى الرجلین فیقتل، لأنه يمكن أن يقاتل
راكبا . (٣)
ولوقتل من لا يحل قتله ممن ذكر، فعليه
التوبة والاستغفار فقط كسائر المعاصي، ولا
شيء عليه من دية ولا كفارة، لأن دم الكافرلا
يتقوم إلا بالأمان، ولم يوجد. (٤) وينظر تفصيل
ذلك في: (جزیة).
د - قتل القريب :
٣٠ - اختلفت آراء الفقهاء في قتل القريب أثناء
المحاربة مع الكفار:
(١) حديث: ((ما كانت هذه لتقاتل)) تقدم تخريجه آنفا.
(٢) حديث: ((مقتل دريد بن الصمة)) أخرجه البخاري (الفتح
٧/ ٤١ - ط السلفية) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٣) ابن عابدين ٢٢٤/٣ ومابعدها، وفتح القدير ٢٠١/٥
وما بعدها، والمدونة ٦/٣، والدسوقي ١٧٦/٢
(٤) المراجع السابقة.
فذهب الحنفية إلى أنه لا يحل للفرع أن يبدأ
بقتل أصله المشرك، بل يشغله بالمحاربة، لقوله
تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾،(١)
ولأنه يجب عليه إحياؤه بالإِنفاق عليه فيناقضه
الإطلاق في إفنائه، فإن أدركه امتنع علیه حتى
يقتله غيره ، لأن المقصود يحصل بغيره من غير
اقتحامه المأثم. وأما إن قصد الأب قتله بحیث
لا یمکنه دفعه إلا بقتله فلا بأس به، لأن
مقصوده الدفع وهو يجوز مطلقا، ولأنه لو شهر
الأب المسلم سیفه علی ابنه، ولا یمکنه دفعه
إلا بقتله، يقتله، فهذا أولى. (٢)
وصرح الشافعية بأنه یکره تنزيها لغازٍ أن يقتل
قريبه، لأن فيه نوعا من قطع الرحم، وقتل
قريب محرم أشد كراهة، لأنه ول منع أبا بكر من
قتل ابنه عبدالرحمن يوم أحد. إلا أن يسمعه
يسب الله تعالى، أويذكره أو يذكر رسول
الله ل أونبيا من الأنبياء بسوء، (٣) فإذا سمع
ذلك أو علمه منه فلا كراهة حينئذ في قتله تقدیما
لحق الله تعالى وحق أنبيائه. وإليه مال الحنفية
(١) سورة لقمان/ ١٥
(٢) البدائع ٧/ ١٠١، وفتح القدير ٢٠٣/٥، وابن عابدين
٢٢٥/٣
(٣) حديث: ((منع أبا بكر من قتل ابنه عبدالرحمن)) أخرجه
البيهقي في السنن (١٨٦/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من
حديث أبي الزناد وأعله ابن حجر في التلخيص (٤/ ١٠١ -
ط شركة الطباعة الفنية) بضعف الواقدي راويه .
- ١٥٠ -

جهاد ٣١
أيضا، لأن أبا عبيدة قتل أباه، وقال لرسول
اللّه وَلجه: سمعته يسبك ولم ينكره عليه.(١)
هـ - الغدر، والغلول، والمثلة:
٣١ - صرح جمهور الفقهاء بأنه يحرم في الجهاد
الغدر والغلول، والتمثيل بالقتلى، لقوله صلاته:
((لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا)). (٢)
والغلول في الجهاد الخيانة في المغنم بأن يخفي
ما وقع في يده، فلا يحل لأحد أن يأخذ لنفسه مما
غنم شيئا، خيطا فما فوقه، بل يضمه إلى
المغانم .
وأما ما يحتاج إليه من الطعام وعلف الدواب
والسلاح، فهو جائز عند الحاجة. (٣) وفي المسألة
تفصيل ينظر في (غنيمة) و(غلول).
والغدر : الخيانة ونقض العهد.
وكل ذلك محرم لقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين
(١) ابن عابدين ٢٢٥/٣، ٢٢٦، ونهاية المحتاج ٨/ ٦٤
وما بعدها، والمهذب ٢٣٣/٢، وروضة الطالبين
١٠/ ٢٤٣
وحديث: ((مقالة أبي عبيدة: سمعته يسبك»
أخرجه أبوداود في المراسیل کما في التلخيص لابن حجر
(١٠٢/٤ - ط شركة الطباعة الفنية) من حديث مالك بن
عمیر مرسلا.
(٢) حديث: ((لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا)) أخرجه مسلم
(١٣٥٧/٣ - ط الحلبي) من حديث بريدة.
(٣) ابن عابدين ٢٢٤/٣، وجواهر الإكليل ١/ ٢٥٤،
٢٥٥، وحاشية الدسوقي ١٧٩/٢، والمغني ٨/ ٤٩٤
آمنوا أوفوا بالعقود﴾،(١) وقوله تعالى: ﴿إلا
الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوکم شيئا
ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم
إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين)، (٢) لكن إن
نقض الكفار العهد جاز قتالهم من غير نبذ
إلیھم، أما إن بدت من الكفار أمارات نقض
العهد جاز نبذ العهد إليهم لقوله تعالى :
﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم
على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ (٣) وفي
المسألة تفصيل (٤) ينظر في مصطلحات:
(عهد) و(معاهدة) و(أمان).
أما المثلة فهي العقوبة الشنيعة من مثل قطع
الأنف، والأذن، ونحو ذلك، وهي ما كانت
ابتداء على غير جزاء، ولكن لو أن شخصا
جنى على قوم جنايات في أعضاء متعددة،
فاقتص منه، لما کان التشويه الذي حصل له من
المثلة .
وحاصل هذا أن المثلة بمن مثَّلَ جزاءًا، ثابت
وفيه خلاف وتفصيل، والمثلة بمن استحق القتل
لا عن مثلة لا تحل. وتأسیسا علی ذلك فإنه لا
بأس بحمل رأس المشرك لو فيه غيظهم وفیه
فراغ قلوبنا باندفاع شره.
(١) سورة المائدة / ١
(٢) سورة التوبة / ٤
(٣) سورة الأنفال / ٥٨
(٤) المغني ٥١٦/١٠ - ٥٢٢ - ط المنار الأولى.
- ١٥١ -

جهاد ٣٢ - ٣٣
واختلف الفقهاء في حمل رؤوس قتلى الكفار
من بلد إلى آخر بين مجيز ومحرم، ينظر تفصيله في
مصطلح: (مثلة). (١)
و - تحريق العدو بالنار، وتغريقه بالماء، ورميه
بالمنجنيق :
٣٢ - قال ابن قدامة: إذا قدر على العدوفلا
يجوز تحريقه بالنار بغير خلاف، لحديث أبي
هريرة أنه قال: بعثنا رسول الله وكلير في بعث
فقال: «إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار.
ثم قال رسول الله وَلفر حين أردنا الخروج: ((إني
أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا
يعذب بها إلا الله، فإن وجد تموهما
فاقتلوهما)). (٢)
فأما رميهم قبل أخذهم بالنار، فإن أمكن
أخذهم بدونها لم يجز رميهم بها، لأنهم في معنى
المقدور عليه، وأما عند العجز عنهم بغيرها
فجائز في قول أكثر أهل العلم، وبه قال
الثوري، والأوزاعي، والحنابلة، وكذلك لا
يجوز عندهم تغريق العدو بالماء، إذا قدر عليهم
بغيره. (٣)
(١) ابن عابدين ٢٢٥/٣، وجواهر الإكليل ٢٥٤/١،
وحاشية الدسوقي ١٧٩/٢، وروضة الطالبين ١٠/ ٢٥٠،
والمغني ٨/ ٤٩٤
(٢) حديث: ((بعثنا رسول الله ﴿ في بعث ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١٤٩/٦ - ط السلفية).
(٣) المغني ٤٤٨/٨، ٤٤٩
٣٣ - وأما حصار القلاع : فقال الحنفية
والشافعية: يجوز حصار الكفار في البلاد
والقلاع، وإرسال الماء علیهم، وقطعه عنهم،
ورميهم بنار ومنجنيق وغيرهما. لقوله تعالى :
﴿وخذوهم واحصروهم﴾(١) ولأنه ◌َّ حاصر
أهل الطائف، ورماهم بالمنجنیق . (٢) وقیس به
ما في معناه مما يعم به الهلاك، ووافق أحمد الحنفية
والشافعية في جواز رميهم بالمنجنيق مع الحاجة
وعدمها. (٣)
وبه قال الثوري والأوزاعي وابن المنذر.
وفصل المالكية القول فقالوا: يقاتل العدو
بالحصن بغير تحريق وتغريق إذا كانوا مع
مسلمين، أوذرية أو نساء، ولم يخف على
المسلمين، ويرمون بالمنجنيق، ولو مع ذرية، أو
نساء، أو مسلمين. (٤)
وذهب الحنابلة إلى أنه إن قدر عليهم بغير
الغرق لم يجز إذا تضمن ذلك إتلاف النساء
والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا، وإن لم يقدر
عليهم إلا به جاز. (٥)
(١) سورة التوبة / ٥
(٢) حديث: ((حاصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق ... ))
ذكره ابن إسحاق في المغازي كما في السيرة لابن كثير
(٦٥٨/٣ - نشر دار إحياء التراث العربي).
(٣) ابن عابدين ٣/ ٢٢٣، وفتح القدير ١٩٧/٥، ونهاية
المحتاج ٦٤/٨، ومغني المحتاج ٢٢٣/٤، والمغني
٨/ ٤٤٨، ٤٤٩
(٤) حاشية الدسوقي ٢/ ١٧٧، وجواهر الإكليل ٢٥٣/١
(٥) المغني ٤٤٨/٨
- ١٥٢ -

جهاد ٣٣
وإذا حاصر الإِمام حصنا لزمته مصابرته، ولا
ينصرف عنه إلا في إحدى الحالات الآتية:
١ - أن يسلموا فيحرزوا بالإِسلام دماءهم
وأموالهم، لقول النبي وَلي ((أمرت أن أقاتل
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)). (١)
٢ - أن يبذلوا مالا على الموادعة، فيجوز قبوله
منهم، سواء أعطوه جملة، أو جعلوه خراجا
مستمرا يؤخذ منهم كل عام، فإن كانوا ممن
تقبل منهم الجزية فبذلوها لزمه قبولها، لقوله
تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون﴾ .(٢)
وإن بذلوا مالا على غيروجه الجزية فرأى
المصلحة في قبوله قبله، ولا يلزمه قبوله إذا لم ير
المصلحة في ذلك. (٣)
٣ - أن يفتحه.
٤ - أن يرى المصلحة في الانصراف عنه، إما
لضرر الإِقامة، وإما لليأس منه، وإما لمصلحة
ینتهزها، تفوت بإقامته، فینصرف عنه، لما
روي أن النبي وسيم حاصر أهل الطائف فلم ينل
منهم شيئا، فقال: ((إنا قافلون إن شاء الله
تعالى غدا ... )). (٤)
(١) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس ... )) تقدم تخريجه ف/ ٥
(٢) سورة التوبة / ٢٩
(٣) المراجع السابقة.
(٤) حديث: ((إنا قافلون إن شاء الله ... )) أخرجه=
٥ -أن ینرلوا علی حکم حاكم، فیجوز، ما
روي عن النبي ◌َّ﴾ ((أنه لما حاصر بني قريظة
رضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ
فأجابهم إلى ذلك)).(١)
قال ابن قدامة : ويشترط أن يكون الحاكم
حرا مسلما عاقلا بالغاذكرا عدلا فقيها كما
يشترط في حاكم المسلمين، ويجوز أن يكون
أعمى، لأن عدم البصر لا يضرهنا، لأن
المقصود رأيه ومعرفة المصلحة، ولا يضر عدم
البصر فيه، بخلاف القضاء، فإنه لا يستغني
عن البصر ليعرف المدعي من المدعى عليه،
والشاهد من المشهود له والمشهود عليه، والمقر له
من المقر، ويعتبر من الفقه ههنا مايتعلق بهذا
الحکم مما يجوز فيه ويعتبر له ونحوذلك، ولا
يعتبر فقهه في جميع الأحكام التي لا تعلق لها
بهذا. ولهذا حكم سعد بن معاذ ولم يثبت أنه
کان عاما بجمیع الأحکام. وإذا حکموا رجلین
جاز، ویکون الحکم ما اتفقا علیه، وإن جعلوا
الحكم إلى رجل يعينه الإِمام جاز، لأنه لا يختار
إلا من يصلح، وإن نزلوا علی حکم رجل منهم
أو جعلوا التعیین إليهم لم يجز، لأنهم ربما اختاروا
= البخاري (الفتح ٤٤/٨ - ط السلفية) من حديث عبدالله
ابن عمر.
(١) حديث: ((أمر بني قريظة أن ينزلوا على حكم سعد بن
معاذ» أخرجه البخاري (٤١١/٧ - ط السلفية) من
حديث أبي سعيد الخدري.
- ١٥٣ -

جهاد ٣٤
من لا يصلح، وإن عينوا رجلا يصلح فرضيه
الإِمام جاز، لأن بني قريظة رضوا بحكم سعد
ابن معاذ وعينوه فرضيه النبي صل وأجاز حكمه
وقال: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله)). (١)
وإن مات من اتفقوا عليه فاتفقوا على غيره
ممن يصلح قام مقامه، وإن لم يتفقوا على من
يقوم مقامه، أو طلبوا حكما لا يصلح، ردوا إلى
مأمنهم، وكانوا على الحصار حتى يتفقوا،
وكذلك إن رضوا باثنين فمات أحدهما فاتفقوا
على من يقوم مقامه جاز، وإلا ردوا إلى
مأمنهم، وكذلك إن رضوا بتحكيم من لم تجتمع
الشرائط فيه ووافقهم الإِمام عليه. ثم بان أنه لا
يصلح لم یحکم، ویردون إلی مامنهم کما کانوا.
٣٤ - وأما صفة الحكم: فإن حكم أن تقتل
مقاتلتهم، وتسبی درارےہم نفذ حكمه، لأن
سعد بن معاذ حكم في بني قريظة بذلك، فقال
النبي : ((لقد حكمت فيهم بحكم الله
تعالى من فوق سبعة أرقعة))(٢) وإن حكم بالمن
على المقاتلة وسبي الذرية، فقال القاضي يلزم
حكمه، وهو مذهب الشافعي، لأن الحكم إليه
(١) شطر من الحديث السابق، وتقدم تخريجه آنفا.
(٢) حديث: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق
سبعة ... )) أخرجه ابن إسحاق من مرسل علقمة بن
وقاص كما في الفتح لابن حجر (٤١٢/٧ - ط السلفية)
وأصله في صحيح البخاري (الفتح ٧/ ٤١١ - ط السلفية).
فيما يرى المصلحة فيه، فكان له المن كالإِمام في
الأسير.
واختار أبوالخطاب أن حکمه لا يلزم، لأن
عليه أن يحكم بما فيه الحظ، ولاحظ للمسلمين
في المن، وإن حكم بالمن على الذرية، فينبغي
أن لا يجوز، لأن الإِمام لا يملك المن على
الذرية إذا سبوا فكذلك الحاكم، ويحتمل الجواز
لأن هؤلاء لم يتعين السبي فيهم بخلاف من
سبي فإنه يصير رقيقا بنفس السبي، وإن حكم
عليهم بالفداء جاز، لأن الإِمام يخير في الأسرى
بين القتل، والفداء، والاسترقاق، والمن،
فكذلك الحاكم، وإن حكم عليهم بإعطاء
الجزية لم يلزم حكمه، لأن عقد الذمة عقد
معاوضة فلا يثبت إلا بالتراضي، ولذلك لا
يملك الإِمام إجبار الأسير على إعطاء الجزية،
وإن حكم بالقتل والسبي جاز للإِمام المن على
بعضهم، لأن ثابت بن قيس سأل في الزبيربن
باطا من قريظة ومالهِ رسولَ الله # فأجابه .
ويخالف مال الغنيمة إذا جازه المسلمون، لأن
ملكهم استقرعليه، وإن أسلموا قبل الحكم
عليهم عصموا دماءهم وأموالهم، لأنهم أسلموا
وهم أحرار، وأموالهم لهم فلم يجز استرقاقهم،
بخلاف الأسیر، فإن الأسیر قد ثبتت اليد عليه
كما تثبت على الذرية، ولذلك جاز استرقاقه.
وإن أسلموا بعد الحکم علیھم نظرت، فإن كان
قد حكم عليهم بالقتل سقط لأن من أسلم فقد
- ١٥٤ -

جهاد ٣٥
عصم دمه ولم يجز استرقاقهم، لأنهم أسلموا قبل
استرقاقهم، قال أبوالخطاب: ويحتمل جواز
استرقاقهم. کما لو أسلموا بعد الأسر، ویکون
المال على ما حكم فيه، وإن حكم بأن المال
للمسلمين كان غنيمة، لأنهم أخذوه بالقهر
والحصر. (١)
ز - إتلاف الأموال :
٣٥ - إذا استعد الكفار أو تحصنوا لقتال
المسلمين، فإننا نستعين بالله ونحاربهم لنظفر
بهم، وإن أدى ذلك إلى إتلاف أموالهم، إلا إذا
غلب على الظن الظفربهم من غير إتلاف
لأموالهم فیکره فعل ذلك، لأنه إفساد في غیر
محل الحاجة، وما أبيح إلا لها، لأن المقصود كسر
شوكتهم، وإلحاق الغيظ بهم، فإذا غلب على
الظن حصول ذلك بدون إتلاف، وأنه یصیرلنا
لا نتلفه. (٢)
وأما قطع شجرهم وزرعهم، فإن الشجر
والزرع ينقسم ثلاثة أقسام :
أحدها: ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذي
يقرب من حصونهم ويمنع من قتالهم، أو
يستترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه
لتوسعة طريق أو غيره، أو يكونون يفعلون ذلك
(١) المغني ٨/ ٤٨٠، ٤٨١
(٢) ابن عابدين ٢٢٣/٣
بنا فيفعل بهم ذلك. لينتهوا، فهذا يجوز بغير
خلاف .
الثاني : ما يتضرر المسلمون بقطعه لكونهم
ينتفعون ببقائه لعلوفتهم، أویستظلون به، أو
یأکلون من ثمره، فهذا محرم قطعه، لما فيه من
الإِضرار بالمسلمين.
الثالث: ما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه
بالمسلمين، ولا نفع سوى غيظ الكفار والإِضرار
بهم، ففيه روايتان عند الحنابلة :
إحداهما: يجوز، وبهذا قال مالك والشافعي
وغيرهما، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن
رسول الله * حرق نخل بني النضير، (١) وقد
قال الله تعالى : ﴿ماقطعتم من لينة أو تركتموها
قائمة على أصولها فبإذن الله، وليخزي
الفاسقين﴾ . (٢)
والثانية : لا يجوز. (٣) لما روي عن ابن
مسعود رضي الله عنه أنه قدم علیه ابن أخيه من
غزوة غزاها، فقال: لعلك حرقت حرثا؟ قال :
نعم، قال: لعلك غرقت نخلا؟ قال: نعم،
(١) حديث: ((حرق نخل بني النضير)) أخرجه البخاري (الفتح
٦٢٩/٨ - ط السلفية) من حديث عبدالله بن عمر.
(٢) سورة الحشر / ٥
(٣) ابن عابدين ٢٢٣/٣، ومغني المحتاج ٢٢٦/٤، والمغني
٨/ ٤٥١، ٤٥٣، ٤٥٤، وكشاف القناع ٤٨/٣، ٤٩
- ١٥٥ -

جهاد ٣٥ - ٣٦
قال: لعلك قتلت صبيا؟ قال: نعم، قال:
لتكن غزوتك كفافا. (١)
ولأن في ذلك إتلافا محضا، فلم يجز كعقر
الحيوان، وبهذا قال الأوزاعي والليث، وأبوثور.
وأما الحيوانات فلا خلاف في أنه يجوز قتلها
حالة الحرب، لأن قتل بهائمھم یتوصل به إلى
قتلهم وهزيمتهم، وصرح المالكية بأن الأرجح
وجوب حرق الحيوانات بعد قتلها إن استحلوا
أكل الميتة في دینهم، وقيل: إن كانوا يرجعون
إليها قبل فسادها، وجب التحريق، وإلا لم
يجب، لأن المقصود عدم انتفاعهم به وقد
حصل. (٢)
وأما في غير حالة الحرب: فذهب الحنفية
والمالكية إلى أنه يجوز عقر دوابهم، لأن فيه غيظا
لهم وإضعافا لقوتهم، فأشبه قتلها حال قتالهم.
ويرى الشافعية والحنابلة أنه لا يجوز ذلك
مطلقا، لنهيه 8* عن قتل الحيوان صبرا، (٣)
(١) أثر ابن مسعود. أخرجه سعيد بن منصور في سننه (القسم
الثاني من المجلد الثالث/ ص٢٥٧ ط علمي پریس).
(٢) حاشية الدسوقي ٢/ ١٨١، والمغني ٨/ ٤٥١ - ٤٥٢،
وفتح القدير ١٩٧/٥
(٣) حديث: ((نهى رسول الله ﴿﴿ أن يقتل شيء من الدواب
صبرا)) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٥٠ - ط الحلبي) من حديث
جابر بن عبدالله.
ولقول الصديق ليزيد بن أبي سفيان وهو
یوصیه: ولا تعقرن شجرا مثمرا، ولا دابة عجماء
ولا شاة إلا لمأكلة.
ولأنه إفساد يدخل في عموم قوله تعالى :
﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها،
ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب
الفساد﴾. (١)
ويجوز عقر الحيوانات للأكل إن كانت الحاجة
داعية إلى ذلك، لأن الحاجة تبيح مال
المعصوم، فمال الكافر أولى، وإن لم تكن الحاجة
داعية إليه نظرنا: فإن كان الحيوان لا يراد إلا
للأكل كالدجاج، والحمام، وسائر الطير،
والصید، فحكمه حكم الطعام، لأنه لا يراد
لغير الأكل، وتقل قيمته، فأشبه الطعام، وإن
كان مما يحتاج إليه في القتال لم يبح ذبحه إلا
للأكل. (٢)
٣٦ - وفي تغريق النحل وتحريقه اختلف الفقهاء
على أقوال:
ذهب الشافعية والحنابلة وعامة أهل العلم
منهم الأوزاعي والليث، إلى أنه لا يجوز تغريق
النحل وتحريقه، لما روي عن أبي بكر الصديق
رضي الله عنه أنه قال لیزید بن أبي سفيان وهو
يوصيه: ولا تحرق نحلا ولا تغرقنه. (٣)
(١) سورة البقرة / ٢٠٥
(٢) المغني ٨/ ٤٥١ ومابعدها.
(٣) المغني ٨/ ٤٥١
- ١٥٦ -

جهاد ٣٧ - ٣٨
ولأنه إفساد فيدخل في عموم قوله تعالى :
﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك
الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾.(١)
ولأنه حيوان ذو روح، فلم يجز قتله لغيظ
المشركين .
ومقتضی مذهب الحنفية إباحته، لأن فيه
غيظا لهم، وإضعافا فأشبه قتل بهائمهم حال
قتالهم. (٢)
وفصل المالکیة القول فیه، فقالوا : إن قصد
بإتلافها أخذ عسلھا کان إتلافها جائزا قلت أو
كثرت اتفاقا، وإن لم يقصد أخذ عسلها، فإن
قلت کره إتلافها، وإن کثر فيجوز في رواية مع
الكراهة، وفي رواية لا يجوز، وإنما جاز في حال
الكثرة لما فيه من النكاية لهم. (٣)
ح - الفرار من الزحف :
٣٧ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يجب الثبات
في الجهاد، ويحرم الفرار منه، لقوله تعالى :
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا
فلا تولوهم الأدبار .... ﴾. (٤) وقال الله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة
(١) سورة البقرة / ٢٠٥
(٢) ابن عابدين ٢٢٣/٣
(٣) حاشية الدسوقي ٢/ ١٨١
(٤) سورة الأنفال / ١٥
الله كثيرا لعلكم
واذكروا
فاثبتوا
تفلحون﴾ . (١)
وقد عد رسول الله مر الفرار من الزحف من
السبع الموبقات بقوله: ((اجتنبوا السبع
الموبقات)) ثم ذكر منها: ((التولي يوم
الزحف)». (٢)
ثم اختلفوا في تفصيل ذلك:
٣٨ - فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه
يحرم الفرار، ويجب الثبات بشرطين:
أحدهما: أن يكون الكفارلا يزيدون على
ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار،
لقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن
فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا
مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن
الله والله مع الصابرين﴾. (٣)
والآية وإن كانت بلفظ الخبر فهو أمر، بدلیل
قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ ولو كان
خبرا على حقيقته لم يكن ردنا من غلبة الواحد
للعشرة إلى غلبة الاثنين تخفيفا. ولأن خبر الله
(١) سورة الأنفال / ٤٥
(٢) ابن عابدين ٢٢٤/٣، والبدائع ٩٩/٧ وحاشية الدسوقي
١٧٨/٢، والمهذب ٣٢٢/٢، ونهاية المحتاج ٦٥/٢،
والمغني ٨/ ٤٨٤، وكشاف القناع ٤٥/٣، ٤٦
وحديث: ((اجتنبوا السبع الموبقات ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٩٣/٥ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٩٢ -
ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) سورة الأنفال / ٦٦
- ١٥٧ -

جهاد ٣٨
تعالی صدق لا یقع بخلاف مخبره، وقد علم أن
الظفر والغلبة لا يحصل للمسلمين في كل موطن
یکون العدو فیه ضعف المسلمین فما دون، فعلم
أنه أمر وفرض، ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية لا
في كتاب ولا سنة، فوجب الحكم بها. قال ابن
عباس: نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون
صابرون يغلبوا مائتين﴾ فشق ذلك على
المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من
عشرة، ثم جاء تخفيف فقال: ﴿الآن خفف الله
عنكم ... ﴾، فلما خفف الله عنهم من العدد
نقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد. وقد
قال ابن عباس: من فرمن اثنین فقد فر، ومن فر
من ثلاثة فما فر، ويلزم المسلمين الثبات وإن
ظنوا التلف، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا
إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار،
.﴾.
ومن يولهم يومئذ دبره .
قال المالكية : وهوما ذكره ابن عابدين نقلا
عن الخانية: إن بلغ المسلمون اثني عشر ألفا
حرم الفرار ولو كثر الكفار جدا مالم تختلف
كلمتهم، فإنه إذا اختلفت كلمتهم جاز الفرار
مطلقا ولو بلغوا اثني عشر ألفا. (٢) واستدلوا
بقوله 18: ((لن يغلب اثنا عشر ألفا من
قلة)) . (٣)
(١) سورة الأنفال / ١٥
(٢) ابن عابدين ٢٢٤/٣، وحاشية الدسوقي ١٧٨/٢
(٣) حديث: ((لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة)) تقدم تخريجه
ف/ ٣١
الشرط الثاني لوجوب الثبات: أن لا يقصد
بفراره التحيز إلى فئة ولا التحرف لقتال، فإن
قصد أحد هذين فالفرار مباح له، لقوله تعالى :
﴿ ... إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى
فئة﴾ .(١)
ومعنى التحرف للقتال أن ينحاز إلى موضع
يكون القتال فيه أمكن مثل أن ينحاز من مواجهة
الشمس أو الریح إلی استدبارهما، أو من نزلة
إلى علو، أومن معطشة إلى موضع ماء، أو يفر
بین أیدیهم لتنتقض صفوفهم، أو تنفرد خیلھم
من رجالتهم، أولیجد فيهم فرصة، أوليستند
إلى جبل ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل
الحرب .
وأما التحيز إلى فئة فهو أن يصير إلى فئة من
المسلمين ليكون معهم فيقوى بهم على
عدوهم، وسواء أبعدت المسافة أم قربت، فإن
كانت الحرب بخراسان والفئة بالحجاز جاز
التحيز إليها، لأن ابن عمرروى أن النبي ◌َّ-
قال للذين فروا إلى المدينة وهو فيها: ((أنتم
العكارون، أنا فئة المسلمین))(٢) وكانوا بمكان
بعيد عنه. وفيه دليل على أن المتحيز إلى فئة
(١) سورة الأنفال / ١٦
(٢) حديث: ((أنتم العكارون، أنا فئة المسلمين)) أخرجه
أبوداود (١٠٧/٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .. ونوه
المناوي بضعف أحد رواته في فيض القدير (٣/ ٤٤ - ط
المكتبة التجارية).
- ١٥٨ -

جهاد ٣٩
عكار، وليس بفرار من الزحف، فلا يلحقه
الوعيد. (١)
قال الدسوقي : وقيل: إن التحيز إلى فئة
يكون إذا قرب المنحاز إليه بأن يكون انحيازه
إلى فئة خرج معها، أما لوخرجوا من بلد
والأمیر مقیم في بلدة فلا يجوز لأحد الفرار حتى
ينحاز إليه، وأمير الجيش لا يجوز له الفرار ولو
على سبيل التحيز ولو أدى لهلاك نفسه وبقاء
الجيش من غير أمير، مالم يعلم أن جميع الجيش
یفر عند هلاکه. (٢)
قلة العدد مع احتمال الظفر :
٣٩ - إذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين
فغلب على ظن المسلمين الظفر، فالأولى لهم
الثبات لما في ذلك من المصلحة، وإن انصرفوا
جاز، لأنهم لا يأمنون العطب والحكم معلق
على مظنته، وهو كونهم أقل من نصف
عددهم، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من
النصف وإن غلب على ظنهم الهلاك فيه.
ويحتمل أن يلزمهم الثبات إن غلب على
ظنهم الظفر لما فيه من المصلحة. (٣)
فإن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا لمثليهم
هلکوا ففيه وجهان :
(١) البدائع ٩٩/٧، ونهاية المحتاج ٦٦/٨، والمهذب
٢٣٢/٢، والمغني ٨/ ٤٨٥، وكشاف القناع ٤٦/٣
(٢) حاشية الدسوقي ١٧٨/٢
(٣) المغني ٨ / ٤٨٦، وكشاف القناع ٤٧/٣
أحدهما : أن لهم أن يولوا لقوله عز وجل :
﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. (١)
والثاني : أنه ليس لهم أن يولوا وهو الصحيح
لقوله عز وجل: ﴿إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾(٢) ولأن
المجاهد إنما يقاتل على إحدى الحسنيين
الشهادة أو الفوز بالغنيمة مع الأجر. قال
تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله
فيقتلون ويقتلون﴾. (٣)
وقد قال محمد بن الحسن: لا بأس بالانهزام
إذا أتى المسلم من العدوما لا يطيقه، ولا بأس
بالصبر أيضا بخلاف مايقوله بعض الناس من
أنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، بل في هذا تحقيق
بذل النفس في سبيل الله .
وقال الحصکفي : فإن علم أنه إذا حارب
قتل وإن لم يحارب أسر لم يلزمه القتال. (٤)
فإذا غلب على ظنهم الهلاك في الإِقامة
والانصراف، فالأولى لهم الثبات، لينالوا درجة
الشهداء المقبلين على القتال محتسبين فيكونون
أفضل من المولين، ولأنه يجوز أن يغلبوا أيضا فإن
الله تعالى يقول: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة
(١) سورة البقرة / ١٩٥
(٢) سورة الأنفال / ٤٥
(٣) سورة التوبة / ١١١
وانظر: المهذب ٢٣٢/٢ ونهاية المحتاج ٨/ ٦٢
(٤) شرح السير الكبير ٨٨/١، والدر المختار بحاشية ابن
عابدین ٢٢٢/٣
- ١٥٩ -

جهاد ٣٩ - ٤٠
كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ .(١)
قال الشافعية: إلا أنه يحرم الانصراف لمائة
بطل عن مائتين وواحد ضعفاء، ويجوز انصراف
مائة ضعفاء عن مائة وتسعة وتسعين أبطالا في
الأصح اعتبارا بالمعنى، بناء على أنه يجوز أن
يستنبط من النص على حرمة الانصراف من
الصف معنی یخصصه، لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا
لهم، وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف،
ومن ثم لم يختص الخلاف بزيادة الواحد ونقصه،
ولا براكب وماش، بل الضابط أن يكون في
المسلمين من القوة مايغلب على الظن أنهم
يقاومون الزائد على مثليهم ويرجون الظفر
بهم، أومن الضعف مالا يقاومونهم، وحيث
جاز الانصراف فإن غلب الهلاك بلا نكاية
للكفار وجب الانصراف، وإن غلب الهلاك
على حصول النكاية لهم يستحب
الانصراف. (٢)
وذهب الحنفية إلى أن الحكم في هذا الباب
لغالب الرأي، وأكبر الظن دون العدد. فإن
غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم
الثبات، وإن كانوا أقل عددا منهم، وإن كان
غالب ظنهم أنهم یغلبون فلا بأس أن ینحازوا
إلى المسلمين ليستعينوا بهم، وإن كانوا أكثر
عددا من الكفرة. وكذا الواحد من الغزاة، ليس
(١) سورة البقرة / ٢٤٩
(٢) نهاية المحتاج ٨/ ٦٦، ٦٧
معه سلاح مع اثنین منهم معهما سلاح أو مع
واحد منهم من الکفرة ومعه سلاح، لا بأس أن
یولي دبره متحیزا إلی فئة.
قال محمد بن الحسن : ويكره للواحد القوي
أن يفر من الكافرين، ويكره للمائة الفرار من
المائتين، ولا بأس أن يفر الواحد من الثلاثة،
والمائة من ثلاثمائة . (١)
تحصن أهل البلد من العدو :
٤٠ - إن جاء العدو بلدا فقد صرح الشافعية
والحنابلة بأن لأهله التحصن منهم، وإن كانوا
أكثر من نصفهم ليلحقهم مدد أو قوة، ولا یکون
ذلك تولیا ولا فرارا، إنما التولي بعد لقاء العدو،
وإن لقوهم خارج الحصن فلهم التحيز إلى
الحصن، لأنه بمنزلة التحرف للقتال أو التحيز
إلى فئة.
وإن غزوا فذهبت دوابهم، فليس ذلك عذرا
في الفرار، لأن القتال ممكن للرجالة، وإن تحيزوا
إلى جبل ليقاتلوا فيه رجالة فلا بأس، لأنه
تحرف للقتال، وإن ذهب سلاحهم فتحيزوا إلى
مكان يمكنهم القتال فيه بالحجارة والتستر
بالشجر ونحوه، أو لهم في التحيز إليه فائدة،
جاز. (٢)
(١) البدائع ٩٨/٧، ٩٩، وابن عابدين ٢٢٤/٣
(٢) المهذب ٢٣٣/٢، وروضة الطالبين ٢٤٩/١٠، ونهاية
المحتاج ٦٥/٨، والمغني ٨ /٤٨٦
- ١٦٠ -