النص المفهرس
صفحات 241-260
تیسیر ٥٤
وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن
كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد
استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع
في الحرام))(١) وقوله: ((دع مايريبك إلى مالا
يريبك))(٢) فالورع بترك الشبهات مطلوب
شرعا، لكن مادام خارج دائرة العسر والحرج،
فإن كان في التورع حرج على المكلف ومشقة
غير معتادة سقط، كما يسقط الحرام للضرورة .
غير أنه مما ينبغي بيانه أن مایکون فیه حرج
ومشقة غير معتادة بالنسبة لغالب الناس قد
يكون معتادا عند بعضهم، ومن هنا تميز أهل
شدة الورع من هذه الأمة، لأنهم ماكان يشق
عليهم ترك الشبهات. (٣)
ثالثا : تيسير المكلف على غيره :
٥٤ - المؤمن مطالب شرعا بالتيسير على إخوانه
المؤمنين ممن بينه وبينهم علاقة ومعاملة، حيث
يمكنه التيسير، ولا يخالف حكما شرعيا.
(١) حديث: «إن الحلال بين والحرام بین، وبينهما مشتبهات لا
يعلمهن كثير من الناس ... )). أخرجه البخاري (فتح
الباري ١٢٦/١ ط. السلفية)، ومسلم (١٢١٩/٣ -
١٢٢٠ ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم .
(٢) حديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). أخرجه أحمد
(٢٠٠/١ ط. المكتب الإسلامي)، والترمذي (٢٥١٨/٤
ط مصطفی الحلبي). وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) جامع العلوم والحكم ص٦٨، ٦٩، ١٠٤
قال الله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به
شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى
والمساكين والجارذي القربى والجار الجنب
والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت
أيمانكم﴾(١) ومن الإِحسان المأمور به التيسير فيما
یمکن التیسیر فیه. وقال النبي ◌ُّ: ((من نفس
عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه
كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما
ستر اللّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن يسر على
معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في
عون العبد ماكان العبد في عون أخيه)). (٢)
وقد ندب النبي ◌ُّ إلى الرفق في تناول
الأمور ومعاملة المسلمين فقال: ((إذا أراد الله
بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق))(٣) وقال:
((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع
من شيء إلا شانه))(٤) وقال: ((من يحرم الرفق
(١) سورة النساء/ ٢٦
(٢) حديث : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا
نفس الله عنه ... )) أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤ ط. عيسى
الحلبي).
(٣) حديث: ((إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم
الرفق ... )) أخرجه أحمد (٦/ ٧١ ط. المكتب الإسلامي)
قال الهيثمي: ((ورجال أحمد رجال الصحيح)) (مجمع
الزوائد ١٩/٨ ط دار الكتاب العربي) وصححه أيضا
المناوي (فيض القدير ٢٦٣/١ ط المكتبة التجارية).
(٤) حديث: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، =
- ٢٤١ -
تيسير ٥٥
يحرم الخير كله)). (١)
ويظهر هذا الأصل في أبواب من الفقه منها
مايلي :
تخفيف الإِمام في الصلاة :
٥٥ - أورد الشارع الحكيم التخفيف في بعض
أركان الصلاة، مراعاة لأحوال الناس، وتيسيرا
لهم، فقد أمر مَثّل الأئمة بالتخفيف في الصلاة
وعدم تطويل قراءتها، وهو أمر استحباب،
وذلك لاختلاف أحوال المأمومين، لأن فيهم
الضعيف، والمريض، والعاجز. (٢)
فلا يطول الإِمام الصلاة لئلا يشق على من
خلفه، وذلك لحديث: ((إذا صلى أحدكم
بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف،
والسقيم، والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه،
فليطول ماشاء)). (٣) وروى ابن مسعود
رضي الله عنه ((أن رجلا قال: والله يا رسول الله
إني لأتأخر عن صلاة الغداة من اجل فلان، مما
يطيل بنا، فما رأيت رسول الله و185 في موعظة
أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال: إن منكم
= ولا ينزع من شيء إلا شانه)). أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٣
- ٢٠٠٤ ط. عيسى الحلبي).
(١) حديث : ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)) أخرجه مسلم
(٢٠٠٣/٤ ط عيسى الحلبي).
(٢) تحفة الأحوذي. ٢/ ٣٧
(٣) حديث: ((إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن
فيهم ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٩٩/٢
ط . السلفية).
منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، فإن
فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة)). (١)
وسببہ أن أبيّ بن كعب، كان يصلي بأهل
قباء، فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلام
من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها،
انفلت من صلاته، فغضب أبيّ، فأتى
النبي ◌َّه* يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أبياً
فغضب النبي ◌ُ ◌ّ حتى عرف الغضب في
وجهه، ثم قال: إن منكم منفرين فأيكم
ماصلی بالناس فلیتجوز فإن فيهم الضعيف،
والكبير، وذا الحاجة))(٢) ونحوه حديث معاذ
المعروف .
والمراد بالتخفيف أن يقتصر على أدنى
الكمال، فيأتي بالواجبات، والسنن، ولا يقتصر
على الأقل ولا يستوفي الأكمل. وإن كان
المأمومون محصورين ورضوا بتطويله الصلاة
جاز، وعليه يحمل تطويل النبي ( 18 في بعض ما
أثر عنه . (٣)
(١) حديث: ((إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى
بالناس ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢/ ١٩٧،
١٩٨ ط. السلفية)، ومسلم (١/ ٣٤٠ ط. عيسى الحلبي)
من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(٢) حديث: ((ان منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس
فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة)). أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٩٧/٢ - ١٩٨ ط. السلفية)،
ومسلم (١/ ٣٤٠ ط. عيسى الحلبي) من حديث أبي
مسعود الأنصاري.
(٣) حديث: ((تطويل النبي 2 18 - في بعض ما أثر =
- ٢٤٢ -
تیسیر ٥٦
ويشرع له أيضا التخفيف لنازلة تستدعي
ذلك، لما في الحديث أن النبي و ليس قال: ((إني
لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع
بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق
علی أمه)). (١)
:
والتخفيف للأئمة أمر مجمع عليه، مندوب
عند العلماء. (٢) وفيه تفصيل ينظر في مصطلح:
(إمامة).
وكذلك ينبغي للإِمام أن يراعي عدم
التطويل في خطبة الجمعة لما في الحديث ((إن
طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه
فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة)). (٣)
تيسير الإِمام، والولاة، والعمال، على الرعية،
والرفق بهم :
٥٦ - ينبغي لمن ولي أمر غيره من الناس بحيث
ينفذ عليهم أمره ويلزمهم طاعته أن لا يشق
عليهم فيما يكلفهم مشقة تغلبهم، وذلك
= عنه ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٤٦/٢ ط .
السلفية).
(١) حديث: ((إني لأقوم في الصلاة ... )) أخرجه البخاري
(٢٠١/٢ ط. السلفية)، ومسلم (٣٤٣/١ ط. عيسى
الحلبي) واللفظ للبخاري هو عنده من حديث أبي قتادة،
وعند مسلم من حديث أنس.
(٢) نيل الأوطار ٣/ ١٣٧
(٣) المغني لابن قدامة ٣٠٨/٢
وحديث: ((إن طول صلاة الرجل ... )) أخرجه مسلم
(٢ /٥٩٤ ط. عيسى الحلبي).
ليمكنهم طاعته ومواصلة الأمتثال له، ولئلا
يخرجوا عن ذلك إلى المعصية فيضطر هو إلى
استخدام العقوبة. وقد قال النبي بَّ ((اللهم
من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق
عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم
فارفق به)). (١)
وإذا كان في من تحت يده الضعيف والصغير
والمرأة خصهم بمزيد من الرفق، وقد كان
النبي صل18 في مسير له، فحدا الحادي، فقال
رسول الله وَله: ((ياأنجشة ويحك بالقوارير))(٢)
يعني النساء .
وعلى أمير الجيش أن يرفق بمن معه في
المسير. وقد ذكر الماوردي أن الواجب على
الأمير في المسير سبعة حقوق: أولها: الرفق بهم
في المسير الذي يقدر عليه أضعفهم، وتحفظ به
قوة أقواهم، ولا يجد السير فيهلك الضعيف،
ويستفرغ جلد القوي. وروي عن النبي ◌ِ﴾
أنه قال: ((المضعف أمير الركب))(٣) يريد أن من
(١) حديث: ((اللهم من ولى من أمر أمتي شيئا فشق عليهم،
فاشقق عليه ومن ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق
به)). أخرجه مسلم (١٤٥٨/٣ ط. عيسى الحلبي).
(٢) حديث: (( يا أنجشة ويحك بالقوارير ... )). أخرجه
البخاري (فتح الباري ٥٩٣/١٠ ط السلفية)، ومسلم
(١٨١١/٤ - ١٨١٢ ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث: ((المضعف أمير الركب). لم نعثر عليه بهذا اللفظ
ولكن ورد بلفظ (اقتد بأضعفهم، واتخذ =
- ٢٤٣ -
تیسیر ٥٧ - ٥٨
ضعفت دابته كان على القوم أن يسيروا بسيره.
وذكر مثل ذلك في أمير الحج . (١)
تيسير المعلمين، والدعاة على المدعوين،
والرفق بهم :
٥٧ - يستحب لمن يتولى التعليم أو الدعوة أن
يرفق بمن معه، ويأخذهم باللين لا بالعنف.
ولا يأتي بما ينفرهم عن الحق، بل ينتقل بهم مما
يعرفون إلى مالا يعرفون، بلطف ويسر،
ولا يشق عليهم. قال النووي: ((ينبغي أن
يكون باذلا وسعه في تفهيمهم، وتقريب الفائدة
إلى أذهانهم، حريصا على هدايتهم، ويفهم
كل واحد بحسب فهمه وحفظه، فلا يعطيه مالا
يحتمله، ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة،
ويخاطب كل واحد على قدر درجته، وبحسب
فهمه وهمته)» .
ويستأنس لذلك بقول موسى للخضر:
﴿هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت
رشدا﴾(٢) ثم قال: (لا تؤاخذني بما نسيت
= مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا). أخرجه أبو داود
(٣٦٣/١ ط عزت عبيد الدعاس) وله شاهد عند الترمذي
(٤٠٩/١ - ٤١٠ ط عيسى الحلبي) وقال: حسن صحيح.
وأخرجه الحاكم (٢٠١/١ ط دار الكتاب العربي). وقال
صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(١) الأحكام السلطانية ص٣٥، ١٠٨
(٢) سورة الكهف/ ٦٦
ولا ترهقني من أمري عسرا)(١) وقد أرسل
النبي # أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل
إلى اليمن، وكان فيما أوصاهما به أن قال: ((بشرا
ويسرا وعلما ولا تنفرا))(٢) وقال أنس: قال
النبي وَر: ((يسروا ولا تعسروا وسكنوا
ولا تنفروا)). (٣)
التيسير في الفتيا :
٥٨ - على المفتي أن يراعي أحوال السائلين،
فمن غلب عليه التحرج والتشدد، وأن يحمل
نفسه مايرهقها، يفتي بما فيه الترجية،
والترغيب، والترخيص، ويخبر بما فيه سعة،
وأنه يجزئه القليل من العمل إن كان خالصا
صوابا. ومن غلب عليه التهاون، والتساهل،
والانحلال من الدین یفتي بما فيه الترهيب،
والتخويف، والزجر، فعل الطبيب بمن
انحرفت به العلة عن حال الاستواء. (٤) وكل
ذلك من غير أن يبدل المفتي حكما شرعيا من
تلقاء نفسه، بل تكون فتياه طبقا لمقتضى الأدلة
الشرعية وأصول الفتيا، كما هو مبين في علم
(١) سورة الكهف/ ٧٣
(٢) حديث: ((بشرا ويسرا وعلما ولا تنفرا ... )) أخرجه
البيهقي (٢٩٤/٨ ط دار المعرفة) وأصله في الصحيحين.
(٣) حديث: ((يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا)) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٥٢٤/١٠ ط السلفية)، ومسلم
(١٣٥٩/٣ ط عيسى الحلبي).
(٤) الموافقات للشاطبي ١٦٦/٢ - ١٦٨
- ٢٤٤ -
تیسیر ٥٨ - ٥٩
أصول الفقه. وقال النووي: ((إن رأى المفتي
المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ، وهو مما
لا یعتقد ظاهره، وله فیه تأویل، جازذلك،
زجرا للعامة، ولمن قل دينه ومروءته.(١)
- فإن لم تكن الفتيا بمقتضى الدليل، بل
أفتاه بما فيه الرخصة عن غير ثقة، فيكون
الترخيص تشهيا وجريا مع الهوى، وهو ممنوع
وليس اختلاف العلماء دليلا على جواز الأمر
على الوجوه المختلف فيها .
قال الشاطبي : الفقیه لا يحل له أن يتخير
بعض الأقوال بمجرد التشهي والأغراض من
غير اجتهاد، ولا أن يفتي به أحدا. والمقلد في
اختلاف الأقوال عليه مثل ما على المفتي. (٢)
- هذا ومن ناحية أخرى ليس للمفتي أن يفتي
بما فيه حرج وشدة على المستفتي مادام يجد له
مخرجا شرعيا صحيحا. قال الجصاص في
أحكامه عند قول الله تعالى: ﴿مايريد الله
ليجعل عليكم من حرج﴾(٣) قال: لما كان
الحرج الضيق، ونفى الله عن نفسه إرادة الحرج
بنا، ساغ الاستدلال بظاهره في نفي الضيق
(١) المجموع للنووي ١ / ٥٠ نشر منير الدمشقي
(٢) الموافقات ٤/ ١٤٠، ١٤١، والفتاوى الكبرى الفقهية
لابن حجر ٤ /٣٠٤، والأحكام للقرافي ص٢٧١، وفتاوى
ابن تيمية ٢٢٠/٢٠، ٢٢١، وشرح الاقناع للبهوتي
٣٠٧/٦
(٣) سورة المائدة/٦
وإثبات التوسعة في كل ما اختلف فيه من أحكام
السمعيات، فيكون القائل بما يوجب الحرج
والضيق محجوجا بظاهر الآية، وقال سفيان
الثوري: ((إنما العلم عند الرخصة عن ثقة فأما
التشديد فيحسنه كل أحد)). (١)
- أما من كان من المستفتين جاريا على التوسط،
فإن فتياه تكون على التوسط من غير إفراط
ولا تسهيل. والتوسط هو الأصل في الشريعة كما
تقدم .
التيسير في الحقوق المالية :
المهر والنفقة :
٥٩ - أرشد الله تعالى إلى تسهيل أمر التزويج
ولو كان الخاطب فقيرا، إن كان صالحا، فقال
تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من
عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه من
فضله﴾(٢) وقال النبي ◌ّ ((إن من يمن المرأة
تيسير خطبتها، وتيسير صداقها))(٣) وروي
عنه وَلّ أنه قال: ((إن من أعظم النساء بركة
أيسرهن مؤنة))(٤) وقال عمر بن الخطاب
(١) أحكام القرآن ٢/ ٣٩١، وصفة الفتوى لابن حمدان.
(٢) سورة النور/ ٣٢
(٣) حديث: ((إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير
صداقها ... )) أخرجه أحمد (٧٧/٦ ط المكتب
الإِسلامي)، والحاكم (٢/ ١٨١ ط دار الكتاب العربي).
قال: ((حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي)).
(٤) حديث: ((إن من أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة)) . =
- ٢٤٥ -
تیسیر ٦٠
رضي الله عنه: (لا تغالوا في صداق النساء،
فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة
كان أولاكم بها رسول اللّه وَّ)) فتقليل الصداق
سنة .
وكذا أرشد الله تعالى إلى العشرة بين
الزوجين بالمعروف، وأداء كل منهما ما عليه من
الحق للآخر، مع ترك الشح بحقه هو، لتتيسر
الحياة بينهما، قال تعالى : ﴿وإن امرأة خافت من
بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن
يصلحا بينهما صلحا، والصلح خير وأحضرت
الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما
تعملون خبيرا﴾ .(١)
هذا في حال قيام الزوجية، وكذا بعد
انفصامها، لقول الله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن
من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة
فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي
بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى
ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون
بصير ﴾.(٢)
التيسير في مطالبة المدين :
٦٠ - أذنت الشريعة لصاحب الحق في المطالبة
= أخرجه البيهقي (٧/ ٢٣٥ ط دار المعرفة)، والحاكم
(١٧٨/٢ ط دار الكتاب العربي) وقال: ((صحيح على
شرط مسلم))، ووافقه الذهبي.
(١) سورة النساء/ ١٢٨
(٢) سورة البقرة/ ٢٣٧
بحقه الذي عند صاحبه، وجعلت له التشدد
في المطالبة إن کان المدین مماطلا، بأن کان واجدا
ممتنعا من الأداء، لقول النبي وَله: ((لي الواجد
يحل عرضه وعقوبته)). (١)
أما إن كان من عنده الحق في ضيق من الأداء
في الحال، بأن کان ماله غائبا، أو كان محتاجا
إلى تناول الطعام، أو الشراب، أو نحوهما،
ويؤخره ذلك عن أداء المال. فقد ندب الشرع
الدائن إلى التيسير عليه، أما إن تبين أنه معسر
لا يجد مايؤدي، فإن الإِنظار واجب لقول الله
تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى
ميسرة﴾(٢) وقول النبي وصله: ((تلقت الملائكة
روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من
الخیر شیئا؟ قال: لا. قالوا: تذكر قال: كنت
أداين الناس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر
(٣) قال: قال الله
ويتجاوزوا عن الموسر.
عز وجل: ((تجوزوا عنه)). وفي الحديث:
((رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى،
وإذا اقتضى)) (٤) حتى لو كان الدين إنما نشأ عن
(١) حديث: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)). أخرجه أحمد
(٢٢٢/٤ ط. المكتب الإسلامي) وأبو داود (٤ / ٤٥ - ٤٦
ط عزت عبيد الدعاس) وعلقه البخاري (فتح الباري
٦٢/٥ ط السلفية) وحسن إسناده ابن حجر.
(٢) سورة البقرة/ ٢٨٠
(٣) حديث: ((تلقت الملائكة روح رجل ... )) أخرجه مسلم
(١١٩٤/٣) من حديث حذيفة رضي الله عنه .
(٤) حديث: ((رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا =
- ٢٤٦ -
تيسير ٦١ - ٦٢
ظلم وعدوان، لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم
القصاص في القتلى ... ) إلى قوله: ﴿فمن
عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء
إليه بإحسان﴾. (١)
فقوله تعالى: ﴿فاتباع بالمعروف﴾ أمربأن
تكون المطالبة على الوجه الذي بين. ويراجع
التفصيل في مصطلح: (إعسار).
مياسرة الشريك والصاحب :
٦١ - أمر الله تعالى بالإِحسان إلى الصاحب
بالجنب، وهو كل من جمعك به السفر، أو
العمل، أو نحوهما. ومن الإِحسان إليه عدم
المشقة علیه، ومعاونته إن احتاج إلی ذلك. قال
ربيعة بن أبي عبدالرحمن: المروءة في السفر بذل
الزاد، وقلة الخلاف، وكثرة المزاح في غير
مساخط الله . (٢)
وروي عن النبي لر في شأن الجهاد ((فأما
من ابتغى وجه الله، وأطاع الإِمام، وأنفق
الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد،
فإن نومه ونبهه أجر کله)). (٣) وياسر الشريك:
من المياسرة بمعنى المساهلة، أي ساهل الرفيق
وعامله باليسر.
= اشترى وإذا اقتضى)) أخرجه البخاري (فتح الباري
(٣٠٤/٤ ط السلفية).
(١) سورة البقرة/ ١٧٨
(٢) تفسير القرطبي ١٨٩/٥
(٣) حديث: ((فأما من ابتغى وجه الله - وأطاع الإِمام . =
التيسير على الأجراء :
٦٢ - ينبغي التخفيف عن العمال في أوقات
الأكل، والشرب، والصلاة، وقضاء الحاجات،
لأنها مستثنى شرعا عن وقت العمل، لمسيس
الحاجة إليها، وكذا من استؤ جر سنة، أوشهرا،
أو جمعة، خرجت هذه الأوقات عن
الاستحقاق، فإن ذلك لو منع لأدى إلى ضرر
عظيم، فلذا خفف عن الأجراء. ولا يجوز لرب
العمل تكلیف الأجیر عملا لا يطبقه، وهو ما
يحصل له به ضرر لا يحتمل عادة. (١) ولقول
النبي صل في الرقيق: ((لا تكلفوهم ما يغلبهم
فإن كلفتموهم فأعينوهم)). (٢)
= وأنفق الكريمة ... )) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٠ ط عزت
عبيد الدعاس) والنسائي (٤٩/٦ ط الكتاب العربي)،
والحاكم (٨٥/٢ ط دار الكتاب العربي) وقال: حديث
صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
(١) قواعد الأحكام العز بن عبد السلام ١٤٥/١، ١٨٥
(٢) حديث: (( لا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتوهم
فأعينوهم)). أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٨٤ ط
السلفية)، ومسلم (١٢٨٢/٣ - ١٢٨٣ ط عيسى
الحلبي).
- ٢٤٧ -
...
تیمم ١ - ٢
وعرفه الحنابلة : بأنه مسح الوجه والیدین
بتراب طهور على وجه مخصوص. (١)
تیمم
التعريف :
١ - التيمم لغة: القصد والتوخي والتعمد.
یقال: تیممه بالرمح تقصده وتوخاه وتعمده دون
من سواه، (١) ومثله: تأممه. ومنه قوله تعالى :
﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾. (٢)
وفي الاصطلاح : عرفه الحنفية بأنه مسح
الوجه واليدين عن صعيد مطهر، والقصد شرط
له، لأنه النية، فهو قصد صعید مطهر واستعماله
بصفة مخصوصة لإقامة القربة .
وعرفه المالكية: بأنه طهارة ترابية تشتمل على
مسح الوجه واليدين بنية .
وعرفه الشافعية: بأنه إيصال التراب إلى
الوجه واليدين بدلا عن الوضوء أو الغسل، أو
بدلا عن عضو من أعضائهما بشرائط مخصوصة .
(١) تاج العروس ولسان العرب والمصباح المنير والمعجم
الوسيط مادة: ((يمم)) والزاهر ص٥٢
(٢) سورة البقرة / ٢٦٧
مشروعية التيمم :
٢ - يجوز التيمم في السفر والحضر(٢) بشرطهما كما
سيأتي، وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة
والإِجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ((وإن كنتم
مرضى أو على سفر أوجاء أحد منكم من
الغائط أولا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا
صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأیدیکم،
إن الله كان عفوا غفورا﴾. (٣)
وقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا
صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم
منه﴾ (٤)
وأما السنة فحديث أبي أمامة رضي الله عنه
أن رسول الله وسلم قال: ((جعلت لي الأرض
مسجدا وطهورا))(٥) أي: له رُل﴾ ولأمته.
(١) ابن عابدين ١٥٣/١ - ١٥٤ والحطاب ٣٢٥/١، ٣٤٥،
ومغني المحتاج ٨٧/١، وكشاف القناع ١٦٠/١ط
الرياض.
(٢) البدائع ٤٥/١ وابن عابدين ١/ ١٥٢ ومابعدها، ومراقي
الفلاح ص١٩، والصاوي على الشرح الصغير ١/ ٦٧
وما بعدها، ومغني المحتاج ١/ ٨٧، وكشاف القناع ١/١
(٣) سورة النساء / ٤٣
(٤) سورة المائدة / ٦
(٥) حديث: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) شطر =
- ٢٤٨ -
تیمم ٣ - ٥
وقد أجمع المسلمون على أن التيمم مشروع
بدلا عن الوضوء والغسل في أحوال خاصة . (١)
٣ - وسبب نزول آية التيمم هو ما وقع لعائشة
رضي الله عنها في غزوة بني المصطلق والمسماة
غزوة (المريسيع) لما أضلت عقدها. فبعث
النبي وَليّ في طلبه فحانت الصلاة وليس مع
المسلمين ماء، فأغلظ أبو بكر رضي الله عنه
على عائشة وقال: ((حبست رسول الله وليه -
والمسلمين على غير ماء)) فنزلت آية التيمم،
فجاء أسيد بن حضير رضي الله عنه فجعل
يقول: ما أكثر بركتكم ياآل أبي بكر. (٢)
اختصاص هذه الأمة بالتيمم :
٤ - التيمم من الخصائص التي اختص الله بها
هذه الأمة، (٣) فعن جابر رضي الله عنه أن
رسول الله وسلم قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن
أحد قبلي. نصرت بالرعب مسيرة شهر،
وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل
من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي
الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة،
= من حديث جابر بن عبدالله. أخرجه البخاري
(٤٣٦/١ط السلفية) ومسلم (٣٧٠/١ - ٣٧١ط
الحلبي).
(١) كشاف القناع ١/ ١٦٠، ومغني المحتاج ٨٧/١
(٢) حديث: ((سبب نزول آية التيمم)) أخرجه البخاري (الفتح
٤٣١/١ - ط السلفية) ومسلم (٢٧٩/١ - ط الحلبي).
(٣) ابن عابدين ١٥٣/١ - ١٥٤، وكشاف القناع ١/ ١٦٠
وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى
الناس عامة)). (١)
وهذا الحديث الشريف مصداق قول الله
تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج
(٢)
ولكن يريد ليطهركم
التيمم رخصة :
٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن التيمم رخصة
للمسافر والمريض، وقال الحنابلة وبعض
الشافعية إنه عزيمة .
واختلف المالكية في التيمم للمسافر، فظاهر
قول الرسالة: إنه عزيمة، وفي مختصر
ابن جماعة: إنه رخصة، وقال التادلي: والحق
عندي أنه عزيمة في حق العادم للماء، رخصة في
حق الواجد العاجز عن استعماله.
ثم إن وجه الترخيص هو في أداة التطهير إذ
اكتفى بالصعيد الذي هو ملّوث، وهو أيضا في
محل التطهير لاقتصاره على شطر أعضاء
الوضوء.
ومن ثمرة الخلاف: ما لوتيمم في سفر
معصية لفقد الماء فإن قلنا رخصة وجب القضاء
وإلا لم يجب. (٣)
(١) حديث: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي)). أخرجه
البخاري (الفتح ١/ ٤٣٦ - ط السلفية) ومسلم (١/ ٣٧٠ -
٣٧١ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبدالله.
(٢) سورة المائدة / ٦
(٣) الشلبي على تبيين الحقائق ٣٦/١، والحطاب ٣٢٥/١،
ومغني المحتاج ١/ ٨٧، وكشاف القناع ١/ ١٦١
- ٢٤٩ -
تيمم ٦ - ٩
شروط وجوب التيمم :
٦ - يشترط لوجوب التيمم مايلي :
أ - البلوغ، فلا يجب التيمم على الصبي
لأنه غير مكلف .
ب - القدرة على استعمال الصعيد .
جـ ـ وجود الحدث الناقض. أما من كان
على طهارة بالماء فلا يجب عليه التيمم.
أما الوقت فإنه شرط لوجوب الأداء عند
البعض لا لأصل الوجوب، ومن ثم فلا يجب
التيمم إلا إذا دخل الوقت عندهم. فيكون
الوجوب موسعا في أوله ومضيقا إذا ضاق
الوقت.
هذا وللتيمم شروط وجوب وصحة معا
وهي :
أ - الإِسلام: فلا يجب التيمم على الكافر
لأنه غير مخاطب، ولا يصح منه لأنه ليس أهلا
للنية .
ب - انقطاع دم الحيض والنفاس.
جـ - العقل .
د- وجود الصعید الطهور.
فإن فاقد الصعيد الطهور لا يجب عليه
·التيمم ولا يصح منه بغيره حتى ولو كان طاهرا
فقط، كالأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت،
فإنها تكون طاهرة تصح الصلاة عليها، ولا
تکون مطهرة فلا يصح التیمم بها.
ثم إن الإِسلام والعقل والبلوغ ووجود
الحدث الناقض للطهارة، وانقطاع دم الحيض
والنفاس، شروط تنظر في مصطلحي (وضوء،
وغسل) لأن التيمم بدل عنهما. (١) وسيأتي
تفصيل بقية الشروط .
أركان التيمم :
٧ - للتيمم أركان أو فرائض، والركن ما توقف
عليه وجود الشيء، وکان جزءا من حقيقته،
وبناء على هذا قالوا: للتيمم ركنان هما :
الضربتان، واستيعاب الوجه واليدين إلى
المرفقين بالمسح فقط.
واختلفوا في النية هل هي ركن أم شرط؟
أ - النية :
٨ - ذهب الجمهور إلى أن النية عند مسح الوجه
فرض، وذهب بعض الحنفية وبعض الحنابلة
إلى أنها شرط .
ما ينويه بالتيمم :
٩ - قال الحنفية: يشترط لصحة نية التيمم
الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد أمور
ثلاثة: إمانية الطهارة من الحدث، أو استباحة
الصلاة، أونية عبادة مقصودة لا تصح بدون
طهارة كالصلاة، أو سجدة التلاوة، أو صلاة
الجنازة عند فقد الماء.
(١) ابن عابدين ١٥٤/١، ١٥٩، ١٦٨، والشرح الصغير
١/ ١٥٤، ١٥٧ - ١٥٨، ومغني المحتاج ٩٦/١، ١٠٥ -
١٠٦، والمغني ٢٤٧/١ - ٢٤٩، وكشاف القناع ١٧٢/١
- ٢٥٠ -
تيمم ٩
وأما عند وجوده إذا خاف فوتها فإنها تجوز به
الصلاة على جنازة أخرى إذا لم يكن بينهما
فاصل. فإن نوى التيمم فقط من غير ملاحظة
استباحة الصلاة، أورفع الحدث القائم به، لم
تصح الصلاة بهذا التیمم، کما إذا نوی ما ليس
بعبادة أصلا كدخول المسجد، ومس
المصحف، أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها،
كالأذان، والإقامة، أو نوى عبادة مقصودة تصح
بدون طهارة كالتيمم لقراءة القرآن، أوللسلام،
أوردّهِ من المحدث حدثا أصغر، فإن تيمم
الجنب لقراءة القرآن صح له أن يصلي به سائر
الصلوات، وأما تعيين الحدث أو الجنابة فلا
يشترط عندهم، ويصح التيمم بإطلاق النية،
ويصح أيضا بنية رفع الحدث، لأن التيمم رافع
له کالوضوء .
ويشترط عندهم لصحة النية: الإِسلام،
والتمييز، والعلم بما ينويه، ليعرف حقيقة
, المنوي .
وعند المالكية ينوي بالتيمم استباحة الصلاة
أو فرض التيمم، ووجب عليه، ملاحظة
الحدث الأکبر إن کان عليه بأن ينوي استباحة
الصلاة من الحدث الأكبر، فإن لم يلاحظه بأن
نسيه أولم يعتقد أنه عليه لم يجزه وأعاد تيممه،
هذا إذا لم ینو فرض التیمم، أما إذا نوی فرض
التيمم فيجزيه عن الأكبر والأصغر وإن لم
يلاحظ، ولا يصلى فرض عند المالكية بتيمم نواه
لغيره.
قال في المقدمات: ولا صلاة بتيمم نواه
لغيرها.
وذهب الشافعية إلى إنه ينوي استباحة
الصلاة ونحوها مما تفتقر استباحته إلى طهارة.
كطواف، وحمل مصحف، وسجود تلاوة، ولو
تيمم بنية الاستباحة ظانا أن حدثه أصغر فبان
أکبر أو عکسه صح، لأن موجبهما واحد، وإن
تعمد لم يصح في الأصح لتلاعبه. فلو أجنب في
سفره ونسي ، وكان يتيمم وقتا، ويتوضأ وقتا،
أعاد صلاة الوضوء فقط .
ولا تكفي عند الشافعية نية رفع الحدث
الأصغر، أو الأكبر، أو الطهارة عن أحدهما،
لأن التيمم لا يرفعه لبطلانه بزوال مقتضيه،
ولقوله {وَ لعمروبن العاص وقد تيمم عن
الجنابة من شدة البرد: ((يا عمرو صليت
بأصحابك وأنت جنب؟(١)
قال الرملي: وشمل کلامه (النووي) مالو
كان مع التيمم غسل بعض الأعضاء، وإن قال
بعضهم : إنه یرفعه حينئذ .
ولو نوى فرض التيمم، أو فرض الطّهر، أو
التيمم المفروض، أو الطهارة عن الحدث أو
الجنابة لم يكف في الأصح لأن التيمم ليس
مقصودا في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة،
(١) حديث: ((ياعمر وصليت بأصحابك وأنت جنب؟)). رواه
البخاري تعليقا (فتح الباري ١/ ٤٥٤ - ط السلفية)
ووصله أبوداود (٢٣٨/١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقواه
ابن حجر في الفتح (١ / ٤٥٤).
- ٢٥١ -
تيمم ٩ - ١٠
٠٠٠٠٠
٠٠
٠٠٠
.:.
فلا يجعل مقصودا، بخلاف الوضوء.
والقول الثاني عندهم: يكفي كالوضوء.
ويجب قرن النية بنقل الصعيد الحاصل بالضرب
إلى الوجه، لأنه أول الأركان، وكذا يجب
استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على
الصحيح. فلوزالت النية قبل المسح لم يكف،
لأن النقل وإن كان ركنا فهو غير مقصود في
نفسه .
وينوي عند الحنابلة استباحة مالا يباح إلا
بالتیمم، ويجب تعیین النية لما تیمم له کصلاة،
أو طواف، أو مس مصحف من حدث أصغر أو
أکبر أو نجاسة علی بدنه، لأن التیمم لا يرفع
الحدث وإنما يبيح الصلاة، فلابد من تعيين النية
تقوية لضعفه .
وصفة التعيين: أن ينوي استباحة صلاة
الظهر مثلا من الجنابة إن كان جنبا، أومن
الحدث إن كان محدثا، أومنهما إن كان جنبا
محدثا، وما أشبه ذلك .
وإن تيمم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر،
لأنهما طهارتان فلم تؤد إحداهما بنية الأخرى.
ولا يصح التيمم بنية رفع حدث لأن التيمم
لا يرفع الحدث عند الحنابلة كالمالكية
والشافعية، (١) لحديث أبي ذر: ((فإذا وجدت
(١) البدائع ٤٥/١، واللباب ٣٧/١، والشرح الكبير مع
الدسوقي ٥٤/١، ومغني المحتاج ٩٧/١ - ٩٨، ٢٧٨،
والمغني ٢٥/٤.٢٥١/١
الماء فأمسه جلدك)). (٢)
نية التيمم لصلاة النفل وغيره :
١٠ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من نوى
بتیممه فرضا ونفلا صلى به الفرض والنفل،
وإن نوی فرضا ولم یعین فیأتي بأي فرض شاء،
وإن عین فرضا جازله فعل فرض واحد غيره،
وإن نوى الفرض استباح مثله وما دونه من
النوافل، وذلك لأن النفل أخف، ونية الفرض
تتضمنه .
أما إذا نوى نفلا أو أطلق النية كأن نوى
استباحة الصلاة بلا تعيين فرض أو نفل لم يصل
إلا نفلا، لأن الفرض أصل والنفل تابع فلا
يجعل المتبوع تابعا، وكما إذا أحرم بالصلاة مطلقا
بغیر تعیین فإن صلاته تنعقد نفلا .
والمالكية كالشافعية والحنابلة إلا أنهم صرحوا
بوجوب نية الحدث الأكبر إن كان عليه حال نية
استباحة الصلاة، فان لم يلاحظه بأن نسيه أو لم
يعتقد أن الحدث الأكبر عليه لم يجزه وأعاد أبدا .
ويندب عند المالكية نية الحدث الأصغر إذا
نوى استباحة الصلاة، أو استباحة مامنعه
الحدث، لكن لو نوی فرض التيمم فلا تندب
نية الأصغر ولا الأكبر، لأن نية الفرض تجزىء
عن كل ذلك .
(٢) حديث: ((فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك)). أخرجه
أبوداود (٢٣٧/١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي
(٢١٢/١ - ط الحلبي) ولفظه: ((فإذا وجد الماء فليمسه
بشرته، فإن ذلك خير)) وقال الترمذي: حسن صحيح.
- ٢٥٢ -
تيمم ١١
وإذا تيمم لقراءة قرآن ونحو ذلك لا يجوز
للمتیمم أن يصلى به.
وذهب الحنفية إلى جواز صلاة الفرض
والنفل سواء نوى بتيممه الفرض أو النفل، لأن
التيمم بدل مطلق عن الماء، وهورافع للحدث
أيضا عندهم. (١)
ب - مسح الوجه واليدين :
١١ - اتفق الفقهاء على أن من أركان التيمم
مسح الوجه واليدين، لقوله تعالى : ﴿فامسحوا
بوجوهكم وأيديكم منه﴾. (٢)
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن مسح الوجه
فرض، ومسح اليدين فرض آخر. لكن ذهب
المالكية إلى أن الفرض الأول هو الضربة
الأولى، والفرض الثاني هو تعميم مسح الوجه
والیدین.
وذهب الحنفية والشافعية إلى أن المطلوب في
اليدين هو مسحهما إلى المرفقين على وجه
الاستيعاب كالوضوء. لقيام التيمم مقام الوضوء
فيحمل التيمم على الوضوء ويقاس عليه .
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الفرض
مسح اليدين في التيمم إلى الكوعين، ومن
(١) ابن عابدين ١٦٣/١ والبدائع ٥٥/١ ومابعدها،
والدسوقي ١/ ١٥٤، ومغني المحتاج ٩٨/١، وشرح
المنهاج بحاشية القليوبي (٩٠/١)، وكشاف القناع
١/ ١٧٣ - ١٧٤
(٢) سورة المائدة / ٦
· الكوعين إلى المرفقين سنة، لحديث عمار بن
ياسر: ((أن النبي ◌َّ أمره بالتيمم للوجه
والکفین)» .
فقد ورد عن عبدالرحمن بن أبزى قال: جاء
رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت
فلم أصب الماء. فقال عمار بن ياسر لعمر بن
الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما
أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت،
فذكرت للنبي 8 فقال النبي ◌َلّ: كان يكفيك
هكذا، فضرب النبي ێچ بكفیه الأرض ونفخ
فیھما، ثم مسح بهما وجهه وکفیه .(١)
ثم إن المفروض عند الحنفية والشافعية
ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين، وذهب
المالكية والحنابلة إلى أن الضربة الأولى فرض،
والثانية سنة. وسبب اختلاف الفقهاء في هذا هو
أن آية التيمم مجملة، والأحاديث الواردة
متعارضة، فحديث عمار المتقدم فيه ضربة
واحدة للوجه والكفين، وهناك أحاديث تصرح
بالضربتين كحديث ابن عمر: ((التيمم
ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين)). (٢)
وروى أبو داود: «أنه صلى الله عليه وسلم تيمم
(١) حديث: عبد الرحمن بن أبزى: (( .... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤٤٣/١ - ط السلفية) ومسلم (٢٨٠/١ - ٢٨١ ط
الحلبي).
(٢) حديث: ((التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين))
أخرجه الدارقطني (١ / ١٨٠ ط دار المحاسن) =
- ٢٥٣ -
تیمم ١٢ - ١٣
بضربتين مسح بإحداهما وجهه وبالأخرى
ذراعيه . (١)
واتفق الفقهاء على إزالة الحائل عن وصول
التراب إلى العضو الممسوح كنزع خاتم ونحوه
بخلاف الوضوء. وذلك لأن التراب کثیف لیس
له سريان الماء وسيلانه. ومحل الوجوب عند
الشافعية في الضربة الثانية ويستحب في
الأولى، ويجب النزع عند المسح لا عند نقل
التراب. وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب
تخليل الأصابع بباطن الكف أو الأصابع كي يتم
المسح.
والتخليل عند الشافعية والحنابلة مندوب
احتياطا. وأما إيصال التراب إلى منابت الشعر
الخفيف فليس بواجب عندهم جميعا لمافيه من
العسر بخلاف الوضوء. (٢)
جـ - الترتيب :
١٢ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الترتيب في
= من حديث عبدالله بن عمر مرفوعا، وصوب وقفه، ونقل
مقالة ابن حجر في التلخيص (١٥٩/١ - ط شركة الطباعة
الفنية) ثم أعله كذلك براوٍ ضعيف.
(١) حديث: إنه مشر تيمم بضربتين، مسح بإحداهما وجهه
وبالأخرى ذراعيه.)) أخرجه أبوداود (١ / ٢٣٤ - تحقيق
عزت عبيد دعاس) من حديث عبدالله بن عمر وضعفه
ابن حجر في التلخيص (١٥١/١ - ط شركة الطباعة
الفنية).
(٢) ابن عابدين ١٥٨/١، ومغني المحتاج ٩٩/١، وكشاف
القناع ١٧٤/١ والشرح الصغير مع حاشيته ١٥١/١
ومابعدها .
التيمم بين الوجه واليدين ليس بواجب بل
مستحب، لأن الفرض الأصلي المسح، وإيصال
التراب وسيلة إليه فلا يجب الترتيب في الفعل
الذي يتم به المسح.
وذهب الشافعية إلى أن الترتيب فرض
کالوضوء .
وذهب الحنابلة إلى أن الترتيب فرض
عندهم في غير حدث أكبر، أما التيمم لحدث
أکبر ونجاسة ببدن فلا یعتبر فيه ترتیب. (١)
د - الموالاة :
١٣ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الموالاة في
التيمم سنة كما في الوضوء، وكذا تسن الموالاة
بين التيمم والصلاة .
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الموالاة في
التيمم عن الحدث الأصغر فرض، وأما عن
الحدث الأكبر فهي فرض عند المالكية دون
الحنابلة .
وزاد المالكية وجوب الموالاة بين التيمم وبين
ما يفعل له من صلاة ونحوها. (٢)
(١) ابن عابدين ١٥٤/١، والشرح الصغير بحاشيته
١٥٥/١، ومغني المحتاج ٩٩/١، وكشاف القناع ١٧٥/١
(٢) المراجع السابقة .
- ٢٥٤ -
تيمم ١٤ - ١٦
الأعذار التي يشرع بسببها التيمم :
١٤ - المبيح للتيمم في الحقيقة شيء واحد. وهو
العجز عن استعمال الماء، والعجز، إما لفقد الماء
وإما لعدم القدرة على استعماله مع وجوده:
أولا : فقد الماء :
أ - فقد الماء للمسافر :
١٥ - إذا فقد المسافر الماء بأن لم يجده أصلا، أو
وجد ماء لا يكفي للطهارة حسا جاز له التيمم،
لكن يجب عند الشافعية والحنابلة أن يستعمل ما
تيسر له منه في بعض أعضاء الطهارة ثم يتيمم
عن الباقي(١) لقوله وَله: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا
منه ما استطعتم))(٢) ويكون فقد الماء شرعا
للمسافر بأن خاف الطريق إلى الماء، أوكان
بعيدا عنه فلا يكلف المسافر حينئذ بطلبه .
ويشترط عند الشافعية والحنابلة لمن ظن
وجود الماء أوشك في وجوده (ومثله عند الشافعية
ما لو توهم وجوده) أن يطلبه فيما قرب منه لا فيما
بعد .
(١) مغني المحتاج ١/ ٨٧
(٢) حديث: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). أخرجه
البخاري (الفتح ٢٥١/١٣ - ط السلفية) ومسلم
(٩٧٥/٢، ١٨٣٠/٤ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة، واللفظ لمسلم في الموضع الأول.
حد البعد عن الماء :
١٦ - اختلف الفقهاء في حد البعد عن الماء
الذي يبيح التيمم :
فذهب الحنفية إلى أنه ميل(١) وهو يساوي
أربعة آلاف ذراع.
وحدده المالكية بميلين، والشافعية بأربعمائة
ذراع، وهو حد الغوث وهو مقدار غلوة (رمية
سهم)، وذلك في حالة توهمه للماء أو ظنه أو شكّه
فيه، فإن لم يجد ماء تيمم، وكذلك الحكم عند
الحنفية فأوجبوا طلب الماء إلى أربعمائة خطوة إن
ظن قربه من الماء مع الأمن.
وذهب الشافعية إلى أنه إن تيقن فقد الماء
حوله تيمم بلا طلب، أما إذا تيقن وجود الماء
حوله طلبه في حد القرب (وهو ستة آلاف خطوة)
ولا يطلب الماء عند الشافعية سواء في حد القرب
أو الغوث إلا إذا أمن على نفسه وماله وانقطاعه
عن الرفقة .
وقال المالكية: إذا تيقن أوظن الماء طلبه لأقل
من ميلين، ويطلبه عند الحنابلة فيما قرب منه
عادة . (٢)
(١) الميل بالمقاييس العصرية يعادل ١٦٨٠ مترا (المقادير
الشرعية والأحكام الفقهية المتعلقة بها للكردي ص ٣٠٠).
(٢) (البدائع ٤٦/١ - ٤٩، وابن عابدين ١٥٥/١ وما بعدها.
والدسوقي ١٤٩/١ وما بعدها، ومغني المحتاج ١ / ٨٧ -
٩٥، وكشاف القناع ١٦٢/١ ومابعدها والأنصاف
٢٧٣/١
- ٢٥٥ -
تيمم ١٧ - ١٩
٠٠٠
هذا فيما إذا لم يجد الماء، أما إذا وجد الماء عند
غيره أو نسیه في رحله فهل يجب عليه شراؤه أو
قبول هبته؟
الشراء :
١٧ - يجب على واجد الماء عند غيره أن يشتريه
إذا وجده بثمن المثل أو بغبن یسیر، وكان ماعنده
من المال فاضلا عن حاجته .
فإن لم يجده إلا بغبن فاحش أولم يكن معه
ثمن الماء تيمم .
وزاد المالكية والقاضي من الحنابلة أنه إن لم
یکن له مال اشتراه في ذمته إن کان غنیا في بلده
أو يرجو الوفاء ببيع شيء، أو اقتضاء دین، أو
نحو ذلك، وقالوا أيضا بوجوب اقتراض الماء أو
ثمنه إذا كان يرجو وفاءه. (١)
الهبة :
١٨ - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية
والحنابلة - وهو الأصح عند الشافعية إلى أنه لو
وهب له ماء أو أعير دلوا وجب عليه القبول، أما
لو وهب ثمنه فلا يجب قبوله بالاتفاق لعظم
المنة . (٢)
(١) ابن عابدين ١/ ١٦٧، والشرح الصغير ١٨٨/١، والجمل
٢٠٢/١ - ٢٠٤، والمغني ١/ ٢٤٠، وكشاف القناع
١/ ١٦٥
(٢) المراجع السابقة .
ب - فقد الماء للمقيم :
١٩ - إذا فقد المقيم الماء وتيمم فهل يعيد صلاته
أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء:
فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة)
إلى أنه لا يعيد، لأن الشرط هو عدم الماء فأينما
تحقق جاز التيمم .
ويعيد عند المالكية المقصّر في طلب الماء ندبا
في الوقت، وصحت صلاته إن لم يعد، كواجد
الماء الذي طلبه طلباً لا يشق عليه بقربه بعد
صلاته لتقصيره، أو وجد الماء في رحله بعد
طلبه. أما خارج الوقت فلا يعيد، وقد اختلف
المالكية في تيمم الصحيح الحاضر الفاقد للماء
لصلاة الجمعة إذا خشي فواتها بطلب الماء،
ففي المشهور من المذهب لا يتيمم لها فإن فعل لم
يجزه، لأن الواجب عليه أن يصلي الظهر،
وخلاف المشهور يتيمم لها ولا يدعها وهو أظهر
مدركا من المشهور.
أما إذا كان فرض التيمم لعدم الماء بالمرة
فيصليها بالتيمم ولا يدعها، ويصلي الظهر وهو
ظاهر نقل الحطاب عن ابن يونس، ولا خلاف
في هذا عند المالكية .
وكذا عند المالكية لا يتيمم الحاضر الصحيح
الفاقد للماء لجنازة إلا إذا تعينت عليه بأن لم
يوجد غيره من متوضيء أو مريض أو مسافر.
ولا يتيمم لنفل استقلالا، ولا وترا إلا تبعا
لفرض بشرط أن يتصل النفل بالفرض حقيقة أو
- ٢٥٦ -
تيمم ١٩ - ٢٠
حكما، فلا يضر الفصل اليسير. (١)
وعند الشافعية قال النووي في المجموع :
مذهبنا أنه لا يجوز لعادم الماء التيمم إلا بعد
طلبه. ثم قال: وهذا هو مذهب العراقيين
وبعض الخراسانيين. وقال جماعات من
الخراسانيين: إن تحقق عدم الماء حواليه لم يلزمه
الطلب، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي
وغيرهما إذ اختاره الرویاني، ومنهم من ذكر فيه
وجهين: قال الرافعي : أصح الوجهين في هذه
الصورة أنه لا يجب الطلب.
وقال الخطيب الشربيني: إن تيقن المسافر أو
المقيم فقد الماء تيمم بلا طلب، لأن طلب
ما علم عدمه عبث، وقيل: لابدمن الطلب لأنه
لا يقال لمن لم يطلب لم يجد.
ثم قال : وإن توهمه أي جوزه تجوزا راجحا
وهو الظن، أو مرجوحا وهو الوهم، أومستويا وهو
الشك، طلبه بعد دخول الوقت وجوبا، لأن
التيمم طهارة ضرورة، ولا ضرورة مع
الإمكان .
ومثل ذلك قاله القليوبي وغيره من متأخري
الشافعية . (٢)
(١) ابن عابدين ١٥٥/١، وكشاف القناع ١٦٢/١، ومغني
المحتاج ١٠٦/١ - ١٠٧، وكفاية الأخيار ١/ ١١٧،
والدسوقي ١٥٩/١، والشرح الصغير ١٤٤/١ - ١٤٥
(٢) المجموع ٢٤٩/٢، ومغني المحتاج ٨٧/١، والقليوبي
١/ ٧٧
نسيان الماء :
٢٠ - لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى فإن
تذكره قطع صلاته وأعادها إجماعا، أما إذا أتم
صلاته ثم تذکر الماء فإنه يقضي صلاته عند
الشافعية في الأظهر، والحنابلة سواء في الوقت أو
خارجه .
وذهب المالكية إلى أنه إذا تذكر في الوقت
أعاد صلاته، أو خارج الوقت فلا يقضي .
وسبب القضاء تقصيره في الوقوف على الماء
الموجود عنده، فكان كما لو ترك ستر العورة
وصلی عریانا، وکان في رحله ثوب نسیه .
وذهب الحنفية إلى أنه لا يقضي لأن العجز
عن استعمال الماء قد تحقق بسبب الجهالة
والنسيان، فيجوز التيمم كما لو حصل العجز
بسب البعد أو المرض أو عدم الدلو والرشاء.
وذهب أبویوسف من الحنفية إلى أنه یعید إذا
كان هو الواضع للماء في الرحل أو غيره بعلمه
سواء كان بأمره أو بغير أمره، أما لو كان الواضع
للماء غيره وبلا علمه فلا إعادة اتفاقا عندهم.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أضل
رحله في رحال وطلبه بإمعان فلم يجده فلا إعادة
عليه فإن لم يمعن في الطلب قضى لتقصيره. (١)
(١) البدائع ١/ ٤٩، وابن عابدين ١٦٦/١، والشرح الصغير
١٩٢/١، والجمل ٢٠٤/١، ومغني المحتاج ١ / ٩١،
وكشاف القناع ١٦٩/١
- ٢٥٧ -
تیمم ٢١ - ٢٢
ثانيا : عدم القدرة على استعمال الماء:
٢١ - يجب على من وجد الماء أن يستعمله في
عبادة وجبت عليه لا تصح إلا بالطهارة،
ولا يجوز العدول عن ذلك إلى التيمم إلا إذا
عدمت قدرته على استعمال الماء، ويتحقق ذلك
بالمرض، أو خوف المرض من البرد ونحوه، أو
العجز عن استعماله .
أ - المرض :
اتفق الفقهاء على جواز التيمم للمريض إذا
تیقن التلف، وکذلك عند الأکثرین إذا خاف
من استعمال الماء للوضوء أو الغسل على نفسه،
أو عضوه هلاكه، أو زيادة مرضه، أو تأخر برئه،
ويعرف ذلك بالعادة أو بإخبار طبيب حاذق
مسلم عدل، واكتفى بعض الحنفية بأن يكون
مستورا أي غير ظاهر الفسق، وصرح الشافعية
في الأظهر - والحنابلة زيادة على ماتقدم -
خوف حدوث الشین الفاحش .
وقيده الشافعية بما يكون في عضو ظاهر، لأنه
یشوه الخلقة ویدوم ضرره، والمراد بالظاهر عند
الشافعية مايبدو عند المهنة غالبا كالوجه
واليدين .
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المريض
الذي لا يقدر على الحركة ولا يجد من يستعين
به یتیمم کعادم الماء ولا یعید.
وقال الحنفية: فإن وجد من یوضئه ولو بأجر
المثل وعنده مال لا يتيمم في ظاهر المذهب. (١)
ب- خوف المرض من البرد ونحوه :
٢٢ - ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التيمم في
السفر والحضر (خلافا لأبي يوسف ومحمد في
الحضر) لمن خاف من استعمال الماء في شدة البرد
هلاکا، أو حدوث مرض، أو زيادته، أوبطء برء
إذا لم يجد مايسخن به الماء، أو لم يجد أجرة
الحمام، أوما يدفئه، سواء في الحدث الأكبر أو
الأصغر، لإقرار النبي وس عمرو بن العاص
رضي الله عنه على تيممه خوف البرد وصلاته
بالناس إماما ولم يأمره بالإِعادة.
وذهب الحنفية إلى أن جواز التيمم للبرد
خاص بالجنب، لأن المحدث لا يجوز له التيمم
للبرد في الصحيح خلافا لبعض المشايخ إلا إذا
تحقق الضرر من الوضوء فیجوز التیمم حينئذ.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المتيمم للبرد.
على الخلاف السابق - لا يعيد صلاته .
وذهب الشافعية إلى أنه يعيد صلاته في
الأظهر إن كان مسافرا، والثاني: لا يعيد لحديث
عمرو بن العاص رضي الله عنه، أما إذا تيمم
المقيم للبرد فالمشهور كما قال الرافعي القطع
(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٦٢ وابن عابدين
١٥٦/١، والدسوقي ١٤٩/١، ومغني المحتاج ٩٢/١ -
٩٣، ١٠٦، والجمل ٢٠٦/١ - ٢٠٧، والمغني ٢٧٣/١،
وكشاف القناع ١٦٢/١ - ١٦٥
- ٢٥٨ -
تیمم ٢٣ - ٢٥
بوجوب الإعادة، وقال النووي : إن جمهور
الشافعية قطعوا به. (١)
جـ - العجز عن استعمال الماء:
٢٣ - يتيمم العاجز الذي لا قدرة له على
استعمال الماء ولا يعيد كالمكره، والمحبوس،
والمربوط بقرب الماء، والخائف من حيوان، أو
إنسان في السفر والحضر، لأنه عادم للماء حكما،
وقد قال رسول الله وَله: ((إن الصعيد الطيب
طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا
وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير)). (٢)
واستثنى الحنفية مما تقدم المكره على ترك
الوضوء فإنه یتیمم ويعيد صلاته. (٣)
د - الحاجة إلى الماء :
٢٤ - یتیمم ولا یعید من اعتقد أو ظن أنه يحتاج
الماء الذي معه ولو في المستقبل، لنحو عطش
إنسان معصوم الدم، أو حيوان محترم شرعا - ولو
(١) ابن عابدين ١/ ١٥٦، والزرقاني ١١٥/١، والدسوقي
١٤٩/١، ومغني المحتاج ٩٣/١، ١٠٧، وكشاف القناع
١٦٣/١
(٢) حديث: ((إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد
الماء عشر سنين)). أخرجه الترمذي (٢١٢/١ - ط الحلبي)
والحاكم (١٧٦/١ - ١٧٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) من
حديث أبي ذر وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٦٢، والدسوقي
١٤٨/١، ومغني المحتاج ١٠٦/١ - ١٠٧، والمغني
٢٣٥/١، والإنصاف ١/ ٢٨١، وكفاية الأخيار ١١٧/١
كلب صيد أوجراسة - عطشا مؤديا إلى الهلاك
أو شدة الأذى، وذلك صونا للروح عن التلف،
بخلاف الحربي، والمرتد، والكلب غير المأذون
فيه، فإنه لا یتیمم بل يتوضأ بالماء الذي معه
لعدم حرمة هؤلاء.
وسواء أكانت الحاجة للماء للشرب، أم
العجن، أم الطبخ.
ومن قبيل الاحتياج للماء إزالة النجاسة غير
المعفو عنها به، سواء أكانت على البدن أم
الثوب، وخصها الشافعية بالبدن، فإن كانت
على الثوب توضأ بالماء وصلى عريانا إن لم يجد
ساترا ولا إعادة عليه. (١)
التيمم للنجاسة :
٢٥ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إن كانت
على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء،
أو خوف الضرر باستعماله تيمم لها وصلى،
وعليه القضاء عند الشافعية، وهو رواية
للحنابلة .
والمذهب عند الحنابلة أنه لا قضاء عليه،
واستدلوا بعموم الحديث السابق ذكره (الصعيد
الطيب طهور المسلم)
(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٦٢ - ٦٣،
ومغني المحتاج ١٠٦/١، وحاشية الصاوي مع الشرح
الصغير ١/ ١٨٠ وما بعدها، والمغني ٢٧٣/١، وكشاف
القناع ١/ ١٦١، ١٦٣ - ١٦٤
- ٢٥٩ -
تیمم ٢٦
ونقل ابن قدامة عن أكثر الفقهاء أن من على
بدنه نجاسة وعجز عن غسلها یصلی بحسب
حاله بلا تيمم ولا يعيد. (١)
ما يجوز به التيمم :
٢٦ - اتفق الفقهاء على جواز التيمم بالصعيد
الطاهر، وهو شرط عند الجمهور، فرض عند
المالكية . (٢)
قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا
طيبا﴾.(٣)
وقد اختلفوا في المراد بالصعيد هل هو وجه
الأرض أو التراب المنبت؟ أما جواز المسح على
التراب المنبت فبالإِجماع، وأما غيره مما على
وجه الأرض، فقد اختلف الفقهاء فیه، فذهب
المالكية وأبو حنيفة ومحمد إلى أن المراد بالصعيد
وجه الأرض، فيجوز عندهم التيمم بكل ماهو
من جنس الأرض، لأن الصعيد مشتق من
الصعود وهو العلو، وهذا لا يوجب الاختصاص
(١) نفس المراجع.
(٢) البدائع ٥٣/١ وما بعدها، واللباب ٣٧/١، وفتح القدير
٨٨/١، وابن عابدين ١٥٩/١ وما بعدها، والطحطاوي
على مراقي الفلاح ص٦٤، والشرح الصغير مع حاشية
الصاوي ١٥٤/١ ط الحلبي، والدسوقي ١٥٥/١
وما بعدها، ومغني المحتاج ٩٦/١ ومابعدها، والمغني
٢٤٧/١ - ٢٤٩، وكشاف القناع ١٧٢/١، والبجيرمي
على الخطيب ٢٥٢/١، وغاية المنتهى ١/ ٦١
(٣) سورة المائدة / ٦
بالتراب، بل يعم كل ماصعد على الأرض من
أجزائها. والدليل عليه قوله وصلة: ((عليكم
بالأرض)) (١) من غير فصل، وقوله عليه الصلاة
والسلام: ((جعلت لي الأرض مسجدا
وطهورا))(٢) واسم الأرض يتناول جميع أنواعها .
والطيب عندهم هو الطاهر، وهو الأليق هنا،
لأنه شرع مطهرا، والتطهير لا يقع إلا بالطاهر،
مع أن معنى الطهارة صار مرادا بالإِجماع حتى
لا يجوز التيمم بالصعيد النجس.
وقد اختلفوا في بعض مايجوز به التیمم،
فذهب المالكية إلى إنه يجوز التيمم بالتراب -
وهو الأفضل من غیره عند وجوده۔۔ والرمل،
والحصى، والجص الذي لم يحرق بالنار، فإن
أحرق أو طبخ لم يجز التيمم به .
ويجوز التيمم بالمعادن مادامت في مواضعها
ولم تنقل من محلها إذا لم تكن من أحد النقدين
- الذهب أو الفضة - أو من الجواهر كاللؤلؤ،
فلا يتيمم على المعادن من شب، وملح،
وحديد، ورصاص، وقصدير، وكحل، إن
نقلت من محلها وصارت أموالا في أيدي الناس.
(١) حديث: ((عليكم بالأرض ... )) أخرجه البيهقي
(٢١٧/١ - ط دائرة المعارف العثمانية)، ثم نوه البيهقي
بضعف أحد ر واته .
(٢) حديث: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) تقدم تخريجه
ف/ ٢
- ٢٦٠ -