النص المفهرس

صفحات 221-240

تیسیر ٢٤
الموضع الذي شرع له الرفق والأخذ من العمل
بمالا يحصل مللا، حسبما نبه عليه النبي ◌َّ في
نهيه عن الوصال، وعن التنطع والتكلف. (١)
وقال: ((خذوا من الأعمال ماتطيقون فإن الله لن
يمل حتى تملوا))(٢) وقال: ((القصد القصد
تبلغوا)(٣) وقال: ((إن المنبت لا أرضا قطع ولا
ظهرا أبقى)). (٤)
الدرجة الرابعة :
٢٤ - المشقة التي في المقدور علیه، وليس فيه من
التأثير في تعب النفس خروج عن المعتاد في
الأعمال العادية، ولكن نفس التكليف به زيادة
على ماجرت به العادات قبل التكليف. ففيه
مشقة على النفس من هذه الجهة، ولذلك
(١) الموافقات ١٢٠/٢
(٢) حديث: ((خذوا من الاعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل
حتی تملوا)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٢١٣/٤ - ط
السلفية)، ومسلم (٨١١/٢ ط عيسى الحلبي). واللفظ
له.
(٣) حديث: ((القصد القصد تبلغوا)) أخرجه البخاري (فتح
الباري ٢٩٤/١١ - ط السلفية).
(٤) حديث: ((إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)). قال
الهيثمي : رواه البزار وفيه يحيى بن المتوكل أبو عقيل وهو
كذاب مجمع الزوائد ٦٢/١ - ط مكتبة المقدس). وضعفه
العجلوني في كشف الخفاء (٢٨٤/٢ - ط مؤسسة
الرسالة).
وقال : (( وهذا كالحديث الآخر الذي أخرجه البخاري
وغيره عن أبي هريرة ((إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين
أحد إلا غلبه)).
أطلق عليه لفظ ((التكليف)) وهو في اللغة يقتضي
معنى المشقة، لأن العرب تقول ((كلفته تكليفا))
إذا حملته أمرا يشق عليه وأمرته به، وتقول:
((تكلفت الشيء)) إذا تحملته على مشقة. فمثل
هذا یسمی مشقة من هذا الوجه، لأنه دخول في
أعمال زائدة على ماتقتضيه الحياة الدنيا. وأقل
مافيه في الأعمال الدينية إخراج المكلف عما تهواه
نفسه، ومخالفة الهوی فيه مشقة ما.
ولكن الشريعة جاءت لإِخراج المكلف من
اتباع هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو
عبد لله اضطرارا. (١)
وهذا النوع لازم لكل تكليف، إذ لا تخلو منه
التكاليف الشرعية. والمشقة التي فيه - وإن
سمیت مشقة من حیث اللغة - إلا أنها لا تسمى
في العادة المستمرة مشقة، كما لا يسمى في العادة
مشقة طلب المعاش بالحرف وسائر الصنائع، بل
أهل العقول، وأصحاب العادات يعدون
المنقطع عنه كسلان، ويذمونه بذلك، فكذلك
المعتاد في التكاليف الشرعية . (٢)
فقد تبين بهذا أن الدرجة الأولى لا تكليف
بها أصلا، فالشريعة لا تكلف العباد بما ليس
مقدورا لهم أصلا، وكذلك الدرجة الثانية،
فالمشقات الفادحة كقتل الإِنسان نفسه، أو قطع
عضو من أعضائه لا تكليف بها في هذه
(١) الموافقات ٢/ ١٢١، ١٥٣
(٢) الموافقات ١٢٣/٢
- ٢٢١ -

تیسیر ٢٥ - ٢٦
الشريعة، وإن حصل التكليف بها فيما قبلها من
الشرائع .
وأما الدرجة الثالثة فهي موضع النظر،
وتفصيل ابن عبدالسلام يقتضي أنه يجوز
التكليف بأدناها، أو أوسطها دون أعلاها، وإنه
إن حصل التكلیف بما مشقته معتادة، فحصل
فيه خروج عن المعتاد، جاء فيه التخفيف، كما
يأتي .
وأما الدرجة الرابعة، من المشقات المعتادة في
الأعمال فلا تمنع التكليف.
غير أنه لابد من النظر في بيان معنى الاعتياد
فيه، إذ قد يكون في التكليف شدة، وهو مع
ذلك واقع في حيز هذه الدرجة الرابعة، وتفصيل
ذلك يأتي في الملحق الأصولي .
مواضع المشقة الواردة في الشريعة :
اليسر وإن كان هو الصبغة العامة للشريعة
الإِسلامية، وهو الأصل في أحكامها، إلا أن
فيها أحكاما فيها نوع من المشقة لدواع تقتضي
ذلك، منها :
٢٥ - أولا : أن تكون المصلحة التي ترجى من
ذلك الفعل المحكوم فيه مصلحة عظيمة
لا يمكن تحصيلها إلا بتعرض البعض
للمشاق، كإنقاذ الغرقى والحرقى والهدمی، فإن
الذي يتصدى لذلك قد يتعرض لأخطار
جسيمة، وكذلك درء المفاسد العظيمة التي
لا يمكن درؤها إلا بتعرض البعض للمشاق،
كالجهاد لدفع المعتدين على الديار،
والأعراض، والحقوق، فكل ذلك يعرض حياة
القائم به للأخطار، ومع ذلك فهو مطلوب شرعا
لقوله تعالى : ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا
بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾(١) وقوله:
﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن
تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾(٢) وما ورد أن عبادة
ابن الصامت قال: ((بايعنا رسول الله و الله على
السمع والطاعة، في منشطنا، ومكرهنا،
وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا)). (٣)
٢٦ - ثانيا : حالات من الاحتياط فيها نوع من
العسر، والغرض منه غالبا اطمئنان المكلف إلى
خروجه من عهدة التكليف بيقين.
ومن ذلك أن يتذكر أنه نسي صلاة من يوم
لا يدري، أي الخمس هي، فعليه أن يصلي
الخمس، أو فاتته صلاة لا يدري أهي الظهر أم
العصر، فیقضیهما، وإذا تعارض دلیلان أحدهما
يقتضي التحريم والآخر يقتضي الإِباحة،
يغلب التحريم مع أن الإِباحة أيسر، ولو
(١) سورة التوبة / ٤١
(٢) سورة البقرة/ ٢١٦
(٣) حديث: بايعنا رسول اللّه وهو على السمع والطاعة في
منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا)). أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٩٢/١٣ ط. السلفية، ومسلم
(٣/ ١٤٧٠ ط. عيسى الحلبي). من حديث عبادة بن
الصامت .
- ٢٢٢ -

تیسیر ٢٧ - ٢٨
اشتبهت محرم بأجنبيات محصورات لم تحل أي
واحدة منهن، أو اشتبهت ميتة بمذكاة لم يجز
تناول شيء منهما .
لكن إن وصل الأمر بالاحتياط إلى العسر
والحرج، فالأكثرون على تغليب قاعدة رفع
الحرج،. فلو كان النسوة اللاتي اختلطت بهن
مَخْرَمُهُ غير محصورات بأن اختلطت بنساء قرية
كبيرة، فله النكاح منهن، ولو اختلط حمام مملوك
بحمام مباح لا ينحصر جاز له الصيد، ولو اختلط
في البلد حرام لا ينحصر لم يحرم الشراء منه، بل
يجوز الأخذ منه، إلا أن يقترن به علامة على أنه
من الحرام . (١)
وربما غلب البعض قاعدة الاحتياط على
قاعدة رفع الحرج في بعض الصور.
من شرع له التيسير :
٢٧ - التيسير في الشريعة الإسلامية إنما هو
للمؤمنين المتقين .
أما الكافر فله التشديد والتضييق والتغليظ
بسبب کفره بالله وجحدہ لنعمته وحقه، ولرفضه
الدخول تحت أحكام الله. قال الله تعالى
﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على
الكفار رحماء بينهم﴾(٢) وقال تعالى: ﴿يا أيها
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٠٥ - ١٠٧ ط مصطفى
الحلبي.
(٢) سورة الفتح / ٢٩
النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم
ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾.(١)
ولذلك شرع قتال الكفار وإدخالهم تحت
الجزية والصغار. فإن دخل الكافر في الذمة وترك
المحاربة، أو دخل مستأمنا، حصل له في
الشريعة أنواع من التيسير، كالمحافظة عليه،
ومنع ظلمه في النفس أو المال، وإقراره على
ما يجوز في دينه. وانظر مصطلح (أهل الذمة)
و(جهاد). وأما الفاسق والمعتدي والظالم من
أهل الإِسلام فله من التشديد بحسب فسقه
وعدوانه وظلمه بقدر الذنب الذي جناه، وله من
التیسیر بحسب إسلامه وإيمانه. فمن التشديد
على الفاسق إقامة الحد على الزاني برچمه حتى
الموت إن كان محصنا، وهي من أعسر أنواع
القتل وأشدها، وبجلده مائة جلدة إن لم يكن
محصنا. ومنها قطع يد السارق، وقتل قاطع
الطريق، أو صلبه، أو تقطيع يده ورجله من
خلاف، أو نفيه من الأرض. والتفصيل في
الحدود . (٢)
مواضع اليسر في الأحكام الشرعية:
٢٨ - الأحكام التكليفية خمسة: الإِباحة،
والندب، والكراهة، والإِيجاب، والتحريم.
(١) سورة التوبة/ ٧٣
(٢) قواعد الأحكام ٢٠٦/١ - ٢٠٨، والمغني لابن قدامة
١٨٢/٨ الطبعة الثالثة .
- ٢٢٣ -

تیسیر ٢٨
فأما المباحات فلا مشقة فيها من جهة الشرع،
لأن الخيار في فعلها أو تركها إلى المكلف،
والشارع لم يدع فيما يتعلق بها إلى فعل أو ترك.
وأما المندوبات والمكروهات فنظرا إلى عدم
استلزام فعلها أو تركها لعقوبة يعلم أن للمكلف
فيها خيارا كذلك، وإن حث الشارع على فعل
المندوب وترك المكروه لتحصيل الأجر، إلا أن
ذلك إذا شق على المكلف فينبغي له أن يترك
المندوب أويفعل المكروه رفقا بنفسه کما یأتي في
النوع الثالث.
هذا بالإضافة إلى أن الفعل المكلف به في
المندوبات في الشريعة ليس فيه مشقة لذاته، بل
الذي ندب الشارع إلی فعله من صلاة، أو
صوم، أو اعتكاف، أو غير ذلك ليس فيه شيء
يخرج عن المعتاد في المشقات، وكذا ما كره لنا
فعله ليس في تركه مشقة خارجة عن العادة.
وإنما يتصور أن تكون المشقة فيما ألزم
الله تعالى بفعله من الواجبات، أو ألزم بتركه
من المحرمات، فإنها بالإِلزام وفرض العقوبة
الدنيوية، أو الأخروية، أو كليهما على المخالف
لا یکون للمکلف فیھما خیار.
فأما باب المحرمات فإن التیسیر فیه واضح،
فإن الشارع الحكيم برحمته ضيق باب التحريم
جدا، حتى إن محرمات الأطعمة يوردها القرآن
غالبا على سبيل الحصر، كما في قوله تعالى :
﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما
أُهل لغير اللّه به﴾(١) فالأصل في المطعومات
ونحوها الإِباحة، والتحريم استثناء، ثم إنه
تعالى لم يحرم ما يشق الامتناع عنه كالماء أو الهواء
أو اللباس أو المسكن. وإنما انصب التحريم
على أشياء معينة مما لا يشق تركه. وتلك
المحرمات إنما حرمها لما فيها من الأضرار على
صحة الإِنسان، أو على تصرفاته كما في تحريم
الخمر، ولم يحرم إلا شيئا متمحضا للضرر، أو
ضرره أغلب من نفعه. وهذا الذي قد يكون فيه
نفع يكون في الحلال عوض عنه. ثم إن اضطر
الإِنسان إلى المحرم يسر الله عليه، كما يأتي بيانه
في الشعبة الثانية .
وأما الفرائض والواجبات فلم يكلفنا الله
تعالى فيها مافيه مشقة خارجة عن المعتاد،
ولا ترك العباد من غير تكليف، بل كانت
الشريعة في هذا الأمر جارية على الطريق
الوسط الأعدل: لا تميل إلى فرض مافيه مشقة
تبهظ المكلف أو تقعده عن العمل في الحال أو
المآل، أو تدخل عليه الخلل في نفسه أو عقله أو
ماله .
ومن جهة أخرى : ما تركت الشريعة
الإِنسان دون تكليف يحصل به الابتلاء، فإنه لم
يخلق عبثا ولم يترك سدی، بل كلفته بتکالیف
تقتضي فيه غاية التوسط والاعتدال، كتكاليف
الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج،
والجهاد. (٢)
(١) سورة النحل / ١١٥
(٢) الموافقات للشاطبي ٢/ ١٦٣
- ٢٢٤ -

تیسیر ٢٨
وهذا لا یناقض الیسر، فإن الیسر یناقضه
العسر، أما الوسط فهو داخل في الیسر، إذ
لا عسر فیه .
والوسط - كما قال الشاطبي - هو معظم
الشريعة، فهي وسط بين التشديد والتخفيف.
فمعظمها محمول على التوسط، لا على مطلق
التخفيف ولا على مطلق التشديد. (١)
فالصلاة مثلا: خمس مرات کل یوم، كل
صلاة منها ركعات معدودة، لا تتضمن فعلا
شاقا، بل ما فيها من القيام، والقراءة،
والركوع، والسجود، والأذكار كلها أمور ميسرة،
حتى أنه لم يفترض من القراءة فيها إلا القليل،
ولا من الأذكار إلا القليل، وتعلمها وحفظها أمر
ميسور. ولكن قد تأتي المشقة في الصلاة من
جهة المحافظة على إقامتها على الوجه الأمثل
ومن جهة الاستمرار والدوام عليها، مع مخالفتها
في بعض الأوقات لراحة البدن، وللانطلاق مع
الأعمال وهوى النفوس، لكن ذلك ليس بمشقة
في الحقيقة عند أهل التقوى. قال الله تعالى،
﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا
على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم
وأنهم إليه راجعون﴾ . (٢)
والزكاة عبادة مالية تفرض على المسلم في
ماله مرة كل عام، وذلك ميسور غير معسور، ولم
(١) الموافقات ٤/ ٢٥٩، ٢٦٠
(٢) سورة البقرة/ ٤٥
تفرض إلا في الأموال النامية أو القابلة للنماء دون
ما لا يقبل ذلك من المساكن والأثاث
والممتلكات التي هي للاستعمال الخاص، كما
قال النبي ◌ُّ: ((ليس على المؤمن في عبده
ولا فرسه صدقة)». (١) وفرضت بنسب يسيرة
تتفاوت غالبا تبعا للجهد المبذول.
فالخمس في الرکاز، لأن الجهد فیه یسیر جدا
مع عظم ما يحصل به، والعشر في الخارج من
الأرض إن كانت بعلا، ونصف العشر إن
سقيت بالنضح، وربع العشر في الأموال
الناضة، ومثل ذلك أو أقل منه في السائمة،
حتى إن الغنم التي تبلغ (٤٠٠) إلى (٤٩٩)
شاة، فيها في كل مائة شاة واحدة وذلك واحد
بالمائة أو أقل، بالإِضافة إلى ما في فريضة الزكاة
من أنواع التيسير التي تعلم بتتبع أحكامها في
كتب الشريعة .
وهكذا غير الصلاة والزكاة من فرائض
الإِسلام تعرف أوجه ما فيها من اليسر، وأنها
أفعال، وأقوال، وتكاليف موضوعة على قدر
طاقة البشر دون مبالغة ولا تشدید .
أما الأحكام التي تضمنتها الشريعة لتسهيل
هذه الأفعال المكلف بها والخروج عن عهدتها
فهي كثيرة منها :
(١) حديث: ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٢٦/٣ ط. السلفية)،
ومسلم (٦٧٥/٢ - ٦٧٦ ط عيسى الحلبي). واللفظ له
وهو من حديث أبي هريرة.
- ٢٢٥ -

تیسیر ٢٩ - ٣٠
التوسیع في الواجبات من حیث الزمان،
كصلوات الفرائض، فإن فعلها لا يستغرق إلا
جزءا يسيرا من وقتها، فيكون لدى المكلف
الفرصة لأدائها في الوقت الذي لا يشق عليه
ومنها ما يجب على التراخي .
ومنها التخيير في الأداء بين أمور متعددة، فهو
أيسر من أداء شيء واحد بعينه .
ومن التيسير أيضا ما يقبل التداخل من
الواجبات، فمن ذلك العمرة تدخل في الحج لمن
قرن.(١)
ومواضع اليسر في الشريعة أكثر من أن
تحصر، وما ذكر إنما هو على سبيل التمثيل
لا الحصر. وينظر: (تخيير، وتداخل،
وتراخى).
الشعبة الثانية : اليسر التخفيفي :
٢٩ - والمراد به أن يرد التكليف العام بما مشقته
في الأصل معتادة، ولکن یستثنى من ذلك على
سبيل التخفيف بعض الصور التي فيها مشقة
فوق المعتاد.
حكم الأخذ بالتخفيفات الشرعية :
٣٠ - التثقيل الذي يعتري المكلف في عباداته أو
معاملاته، يقابله تخفيف من قبل الشرع.
والتخفيف حكم طارىء على الأصل، روعي
في تشريعه ضرورات العباد وأعذارهم، فكان
ذلك فسحة لهم في مقابلة التضييق، بحصول
الجواز للفعل أو الترك.
(١) قواعد الأحكام ٢٦/١ وما بعدها و٢٠٦/١ - ٢١١
والتخفيف قد يوجب الشارع على المكلف
الأخذ به، وقد يجعله مندوبا في حقه، وقد يجعل
الأخذ به خلاف الأولى كالجمع بين الصلوات،
وقد يبيحه له، فله أن يأخذ به أو يتركه على
السواء .
ومن التخفيف الذي یندب الأخذ به، قصر
الصلاة في السفر، لقوله تعالى : ﴿وإذا ضربتم
في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من
الصلاة﴾(١) وبعض الفقهاء يوجب القصر على
المسافر. ويندب الإِفطار في السفر والمرض لقوله
تعالى ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر
فعدة من أيام أخر﴾.(٢)
ومن التخفيف الذي هو مكروه، أو خلاف
الأولى، الفطر في حق المسافر إذا لم يجهده
الصوم، وكذا القصر والفطر في سفر المعصية،
والجمع بين الصلاتين، ومنه التيمم لمن وجد
الماء يباع بأكثر من ثمن المثل وهو قادر على
الثمن. وفي بعض هذه الصور خلاف في
حكمها، فيرجع إليها في أبوابها .
ومن التخفيف المباح ما رخص فيه من
أحكام المعاملات كبيع السلم، فإن الشارع قد
رخص فيه على خلاف الأصل، إذ الأصل
منعه، لكن رخص فيه تخفيفا على الناس في
معاملاتهم، وكذا المساقاة، والقراض، وبيع
(١) سورة النساء/ ١٠١
(٢) سورة البقرة/ ١٨٤
- ٢٢٦ -

تیسیر ٣١ - ٣٢
العرايا . (١)
أسباب التخفيف :
٣١ - للتخفيف أسباب بنيت على الأعذار.
وقد رخص الشارع لأصحابها بالتخفيف عنهم :
في العبادات، والمعاملات، والبيوع، والحدود
وغيرها .
فكل ما تعسر أمره، وشق على المكلف
وضعه، يسرته الشريعة بالتخفيف، وضبطه
الفقهاء بالقواعد المحكمة.
ومن أهم هذه الأعذار التي جعلت سببا
للتخفيف عن العباد: المرض، والسفر،
والإِكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم
البلوى.
السبب الأول : المرض :
٣٢ - المريض هو الذي خرج بدنه عن حد
الاعتدال والاعتياد، (٢) فيضعف عن القيام
بالمطلوب منه .
وقد خصت الشريعة المريض بحظ وافر من
التخفيف، لأن المرض مظنة للعجز. فخفف
عنه الشارع الحكيم في حالة عجزه عن الوضوء،
أو خوفه على نفسه من استعمال الماء، أو خوفه
(١) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢، والمحصول في
علم الأصول للرازي ١٥٤/١/١، والحاصل من
المحصول للأرموي ص٣٢ والتمهيد للأسنوي ص١٢،
وروضة الناظر ص٣٢، وتنقيح الفصول للقرافي ص٨٥،
وغاية الوصول شرح لب الأصول للأنصاري ص١٨ .
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢١٦/٥
زيادة المرض، وكل ما كان الماء سببا في الهلاك أو
تأخر شفائه، أو زيادة المرض، رخص له في ترك
الوضوء تخفيفا، والانتقال إلى التيمم،
يقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على
سفر أوجاء أحد منكم من الغائط، أولا مستم
النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ (١)
كما خفف عنه غسل العضو المجبر، إلى
المسح على الجبيرة، موقوتا بالبرء. وخفف عنه
في حالة عجزه عن القيام للصلاة، في أدائها
قاعدا، أو مضطجعا، أو مومئا، أو ما يتناسب
مع عجزه الذي سببه المرض، يقول النبي زَلّ ـ
لمن أصابه المرض: ((صل قائما، فإن لم تستطع
فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب)) . (٢)
وخفف عن المريض بالإِذن له في التخلف عن
الجمعة والجماعة. وخفف عنه بإجازة التداوي
بالنجاسات، وإباحة نظر الطبيب للعورة ولو
للسوأتین .
وخفف أيضا عن المريض في حالة عجزه عن
الصيام، بإباحة الفطر، وقضاء مافاته، بقوله
تعالى: ﴿ومن كان مريضا أو على سفر فعدة
(١) سورة النساء/ ٤٣
وانظر : الجامع لأحكام القرآن ٢١٤/٥، والمغني لابن
قدامة ٢٣٣/١، وبدائع الصنائع ١٨٧/١، والمجموع
شرح المهذب ٢/ ٢٨٨ .
(٢) حديث: ((صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا ... )). أخرجه
البخاري (فتح البساري ٢/ ٥٨٧٠ ط. السلفية). من
حدیث عمران بن حصین .
- ٢٢٧ -

تيسير ٣٢ - ٣٣
من أيام أخر﴾ (١)
وخفف عن الشيخ الهرم، فخصه بجواز
إخراج الفدية بدلا عن الصيام الذي عجز عن
أدائه، يقول الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه
فدية طعام مسكين﴾(٢)
وأجيز للمريض الخروج من معتكفه.
وخفف الشرع عن المريض أيضا بعض
الأحكام المتعلقة بمناسك الحج، فأجاز له
التحلل عند الإِحصار، مع ذبح هدي، فإن
کان اشترط فلا هدي عليه .
وأجاز له الاستنابة في رمي الجمار، وأباح له
فعل محظورات الإِحرام، من لبس القميص
ونحوه، کما أباح له حلق رأسه إن کان به جراحة
أو قمل واحتاج إلى الحلق، وعليه الفدية،
يقول الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به
أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو
نسك﴾ . (٣)
وقد جعل الله سبحانه وتعالى المرض سببا في
التخفيف عن المريض يوم الحساب، وذلك
بتکفیر ذنوبه، بما يصيبه في الدنيا، وما يلحقه
من ألم، أوهم، أوغم.
يقول النبي ◌ّية: ((ما يصيب المسلم من
نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن،
(١) سورة البقرة / ١٨٥
(٢) سورة البقرة / ١٨٤
(٣) سورة البقرة / ١٩٦
وانظر: المغني مع الشرح الكبير ٢٣٩/١، ومغني
المحتاج ٨٧/١
ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا
كفر الله بها من خطاياه))(١)
هذا بعض من كل ، مما ورد في التخفيف عن
المريض في العبادات.
وهناك تخفیفات أخرى وردت في حق
المريض في غير العبادات، يضيق المقام عن
ذكرها. (٢)
والاستحاضة، والسلس، من قبيل المرض،
ولهما تخفيفاتهما المعروفة .
السبب الثاني : السفر :
٣٣ - السفر سبب للتخفيف لما فيه من مشقة،
ولحاجة المسافر إلى التقلب في حاجاته، وقضاء
مآربه من سفره، ولذا شرع التخفيف عن
المسافر في العبادات.
قال السيوطي نقلا عن النووي : ورخص
السفر ثمان: فمنها القصر لقوله تعالى : ﴿وإذا
ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن
تقصروا من الصلاة﴾. (٣)
وما روي عن أنس رضي الله عنه قال:
((خرجنا مع رسول اللّه وَسئل إلى مكة فصلى
(١) حديث: ((مايصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم
ولا حزن ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠٢/١٠ -
ط السلفية).
والنصب: التعب، والوصب: دوام الوجع ولز ومه،
والغم: مايضيق على القلب.
انظر: النهاية لابن الأثير ٦٢/٥، ١٩٠
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٧٧
(٣) سورة النساء / ١٠١
- ٢٢٨ -

تیسیر ٣٤ - ٣٥
رکعتین حتى رجع)). (١)
ومنها : رخصة الفطر في رمضان لقوله
تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر
فعدة من أيام أخر﴾(٢)
وما روي عن أنس ، قال: (( كنا نسافر مع
النبي 18 فلم يعب الصائم على المفطر،
ولا المفطر على الصائم)). (٣)
ومنها : المسح على الخفين ثلاثة أيام
بلياليها .
وقد اشترط الفقهاء للسفر المجوز للتخفيف
شروطا منها - عند الجمهور خلافا للحنفية -(٤)
أن يكون السفر مشروعا - ولو مباحا - كالسفر
للحج، وصلة الرحم، والتجارة لئلا يكون
التخفيف إعانة للعاصي على معصيته. (٥)
السبب الثالث : الإكراه :
٣٤ - الإِكراه هو حمل الغير على أمرلا يرضاه
(١) فتح القدير ٤٠٣/٢، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
للدردير ٣٥٨/١، ومغني المحتاج ٢٦٣/١، والكافي لابن
قدامة ١٩٦/١، وحديث: ((خرجنا مع رسول الله وَلال إلى
مكة فصلى ركعتين حتى رجع ... )) أخرجه البخاري
(فتح الباري ٢ / ٥٦١ - ط السلفية)
(٢) سورة البقرة / ١٨٤
(٣) حديث: ((كنا نسافر مع النبي ◌َّر فلم يعب الصائم على
المفطر ولا المفطر على الصائم)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٨٦/٤ - ط السلفية).
ومسلم (٢/ ٧٨٧ - ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري وهو
من حديث أنس.
(٤) شرح الأشباه والنظائر للحموي ١/ ١٠٦
(٥) الفروق للقرافي ٣٣/٢ - ٣٤، الفرق ٥٨
وذلك بتهديده بالقتل، أو بقطع طرف، أو
نحوهما، إن لم يفعل ما يطلب منه (وانظر
مصطلح إكراه)، وقد عد الشارع الإِكراه بغير
حق عذرا من الأعذار المخففة، التي تسقط بها
المؤاخذة في الدنيا والآخرة، فتخفف عن المكره
ما ينتج عما أكره عليه من آثار دنيوية، أو
أخروية، بحدوده. (١)
وشبيه بمسألة الإكراه مسألة التقية فإن التقية
أن يرتكب المحرم عند الخوف من مكروه دون أن
يوجه إليه إكراه معين، أو يترك الواجب لأجل
ذلك. (٢) ولها ضوابط فيما يحل بها (ر: تقية).
السبب الرابع : النسيان :
٣٥ - النسيان هو عدم استحضار الإِنسان ماكان
يعلمه، بدون نظر وتفكير، مع علمه بأمور
كثيرة. (٣) وقد جعلته الشريعة عذرا وسببا مخففا
في حقوق الله تعالى من بعض الوجوه لقوله
تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو
أخطأنا﴾. (٤) فالله سبحانه رفع عنا إثم الغفلة
والنسيان، والخطأ غير المقصود. ففي أحكام
(١) المبسوط السرخسي ٢٤/ ٣٩ وما بعدها، والأم ٢ / ٢١٠،
والمهذب ٧٨/٢، والمغني ٢٦١/٨، وكشف الأسرار
٣٨٣/٤، والأشباه والنظائر ص٢٢٨
(٢) فتاوى ابن تيمية ٢١٧/١٩
(٣) مسلم الثبوت ١/ ١٧٠
(٤) سورة البقرة / ٢٨٦
- ٢٢٩ -

تيسير ٣٦
الآخرة يعذر الناسي ويرفع عنه الإِثم مطلقا. (١)
فالنسيان - كما نص عليه السيوطي -: مسقط
للإِثم مطلقا. وذلك تخفيف من اللّه سبحانه
وتعالى .
ويقول رسول اللّه وَالله: ((تجاوز اللّه عن أمتي
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). (٢)
أما النسيان فيما يتعلق بحقوق العباد فلا
يعد عذرا مخففا، لأن حق الله مبناه على
المسامحة، وحقوق العباد مبناها على المشاحة
والمطالبة، فلا يكون النسيان عذرا فيها. (٣)
السبب الخامس : الجهل :
٣٦ - الجهل عدم العلم بالأحكام الشرعية أو
بأسبابها .
والجهل عذر مخفف في أحكام الآخرة اتفاقا،
فلا إثم على من فعل المحرم أو ترك الواجب
جاهلا، لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى
نبعث رسولا﴾ (٤)
أما في الحكم فكما تقدم في النسيان، إن وقع
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٠٦
(٢) الأشباه والنظائر ص٢٠٦
وحديث: ((تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه .... )) أخرجه ابن ماجه (٦٥٩/١ - ط
عيسى الحلبي). والحاكم (١٩٨/٢ - ط دار الكتاب
العربي) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه). ووافقه الذهبي.
(٣) الموافقات للشاطبي ١٠٣/١، وتيسير التحرير ٤٢٦/٢
(٤) سورة الإسراء / ١٥
الجهل في حقوق اللّه تعالى، وكان بترك مأمور لم
يسقط بل يجب تداركه، ولا يحصل الثواب
المترتب عليه بغير تدارك، أووقع في فعل منهي
عنه ليس من باب الإِتلاف فلا شيء فيه، أو فيه
إتلاف لم يسقط الضمان، كما في قتل صيد الحرم
أو قطع شجره. وإن كان الجهل في فعل مافيه
عقوبة كان شبهة في إسقاطها، ولا يؤثر الجهل
في إسقاط حقوق العباد.
وليس كل أحد يقبل منه دعوى الجهل
بالحكم الشرعي، والقاعدة في ذلك أن من
جهل تحريم شيء مما يشترك في العلم به غالب
المسلمين لم يقبل، مالم يكن قريب عهد
بالإِسلام، أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل
ذلك، كتحريم الزنى، والسرقة، وشرب الخمر
والكلام في الصلاة، والأكل في الصوم .
وقد یکون الجهل فيما يخفی حکمه على
المسلم العامي دون العالم، فتقبل فيه دعوى
الجهل من الأول دون الثاني، ككون القدر الذي
أتى به من الكلام مفسدا للصلاة، أوكون
النوع الذي دخل جوفه مفسدا للصوم،
فالأصح فيما صرح به الشافعية عدم البطلان.
ولا تقبل دعوى الجهل بالأخذ بالشفعة من
قديم الإِسلام لاشتهاره، وتقبل في نفي الولد
لأنه لا يعرفه إلا الخواص. (١)
وكل من علم تحريم شيء وجهل مايترتب
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٠، ٢٠١
- ٢٣٠ -

تیسیر ٣٧ - ٣٨
عليه لم يفده ذلك، كمن علم تحريم الزنى
والخمر وجهل وجوب الحد، فإنه يحد بالاتفاق،
وكمن علم تحريم الطيب في الإِحرام وجهل
وجوب الفدية فيه، فتجب الفدية. (١)
السبب السادس: الخطأ :
٣٧ - الخطأ إما أن يكون في الفعل أو في القصد.
فكل من أخطأ في فعله: كمن يرمي صيدا
فیصیب إنسانا، أو في قصده: کمن يرمي
شخصا يظنه غير معصوم الدم، فتبين أنه
معصوم. وكمن اجتهد في التعرف على القبلة
فأداه اجتهاده إلى جهة معينة، فتبين أنها
خلافها. والخطأ بنوعية من الأسباب المخففة فيما
يتعلق بحقوق الله تعالی لقوله تعالى: ﴿ولیس
عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت
قلوبكم﴾. (٢)
وقال رسول اللّه وقال: ((تجاوز الله عن أمتي
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). (٣)
وليس الخطأ مسقطا حقوق العباد، فلو أتلف
مال غيره خطأ فعلیه ضمانه.
وإنما يعتبر مخففا في الجنايات، دارئاً
للحدود، فيخفف عن القاتل خطأ من
القصاص إلى الدية، ويدرأ الحد عن الواطىء
غير زوجته خطأ .
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٠١
(٢) سورة الأحزاب / ٥
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٣٥٤
أما حقوق اللّه فيسقط الإثم، وقد تسقط
مطالبة الشارع بإعادة العبادة مرة أخرى.
هذا وإن قواعد التخفيف المذكورة في أبواب
النسيان والجهل والخطأ هي قواعد غالبية يقع
فيها کثیر من الاستثناءات، وقد حاول بعض
أصحاب كتب الأشباه والنظائر، وكتب القواعد
الفقهية، حصرها فيرجع إليها هناك. (١) وانظر
أيضا (نسيان. جهل. خطأ).
السبب السابع : العسر وعموم البلوى :
٣٨ - يدخل فيه الأعذار الغالبة التي تكثر البلوى
بها وتعم في الناس، دون ما کان منہا نادرا،
وذلك أن الشرع فرق في الأعذار بين غالبها
ونادرها، فعفا عن غالبها لما في اجتنابه من المشقة
الغالبة. وإنما تكون غالبة لتكررها، وكثرتها
وشيوعها في الناس، بخلاف ما كان منها نادرا
فالأکثر أنه يؤ اخذ به، ولا یکون عذرا لانتفاء
المشقة غالبا، فإن كان فيه عسر كمشقة الاحتراز
عما لا يدركه الطرف من رشاش البول فيعفى
عنه أيضا. ومثل الشيخ عزالدين بن عبدالسلام
بمن أتی بمحظور الصلاة نسیانا، فإنه إن قصر
زمانه يعفى عنه اتفاقا لعموم البلوى، وإن طال
زمانه ففيه مذهبان: أحدهما: يعفى عنه لأنه لم
ينتهك الحرمة، والآخر: لا يعفى عنه لأنه
نادر. (٢)
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٥٤١
(٢) قواعد الأحكام ٣/٢
- ٢٣١ -

تیسیر ٣٨ - ٣٩
وأصل ذلك في باب الحيض، فإنه يسقط
الصلاة حتى لا تجب ولا يجب قضاؤها،
لتكررها كل شهر، بخلاف قضاء ما تفطره من
رمضان، فيجب لأنه في السنة مرة . (١) وأيضا
قول النبي ◌َّر في الهرة («إنها ليست بنجس إنها
من الطوافين عليكم))(٢) فقد علل طهارتها بكثرة
طوافها أي لعسر الاحتراز عنها لكثرة ملابستها
لثياب الناس وآنيتهم، مع كونها تأكل الفأر
والميتة. وما روي أن أم سلمة قالت للنبي وحآثار :
إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟
قال: ((يطهره ما بعده))(٣) وقال: ((إذا أتى
أحدكم المسجد فلينظر في نعليه فإن وجد فيهما
أذى أو قذرا فليمسحه وليصل فيهما)). (٤)
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٧٨
(٢) حديث: ((إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم))
أخرجه أبوداود (١/ ١٦٠ ط عزت عبيد دعاس) والنسائى
(٥٥/١ ط مكتب المطبوعات الإِسلامية) والترمذي
(١٥٣/١ ط مصطفى الحلبي) وقال: حديث حسن
صحیح. ووافقه أحمد شاكر.
(٣) حديث: ((إني امرأة أطيل ذيلى وأمشي في المكان القذر؟
قال: ((يطهره ما بعده)). أخرجه أبوداود (٢٩٦/١ - ط
عزت عبيد الدعاس). والترمذي (٢٦٦/١ - ط مصطفى
الحلبي). وصححه الترمذي وأحمد شاكر).
(٤) حديث: ((إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن
وجد .... )) أخرجه أبوداود (٤٢٦/١ - ط عزت عبيد
دعاس) والبيهقي (٤٣١/٢ - ط دار المعرفة) والحاكم
(١/ ٢٦٠ - ط دار الكتاب العربي) وقال: صحيح على
شرط مسلم ووافقه الذهبي) من حديث أبي سعيد
الخدري.
والتخفيف بالعسر وعموم البلوى يدخل في
كثير من أبواب الشريعة. وللتفصيل ينظرما
جمعه السيوطي وغيره في الأشباه والنظائر من
الفروع الفقهية .
ومن ذلك في المعاملات: بيع الرمان والبيض
ونحوهما في القشر، وبيع الموصوف في الذمة وهو
السلم، مع النهي عن بيع الغرر، والاكتفاء
برؤية ظاهر الصبرة، وأنموذج المتماثل. (١)
السبب الثامن : النقص :
٣٩ - إن الإنسان إن كانت قدراته ناقصة يعسر
عليه أن يتحمل مثل ما يحمله غيره من أهل
الكمال، فاقتضت الحكمة التخفيف.
فمن ذلك عدم تكليف الصبي .
ومنه عدم تكليف الأرقاء بكثير مما يجب على
الأحرار، كالجمعة، وتنصيف الحدود والعدد. (٢)
ومنه التخفيفات الواردة في شأن النساء. فإن
الشريعة خففت عنهن بعض الأحكام، فرفعت
عنهن كثيرا مما ألزم به الرجال من أحكام. ومن
ذلك الجماعة، والجمعة، وأباحت بعض ما حرم
على الرجل كلبس الحرير والذهب.
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٧٨ - ٨٠، وشرح الأشباه
لابن نجيم، وابن عابدين ٢٠٦/١، ٢١٠، ٢١٥،
وإغاثة اللهفان ١/ ١٥٠، والشرح الصغير على خليل
٧٢/١ - ٧٥
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٨٢
- ٢٣٢ -

تیسیر ٤٠ - ٤٢
السبب التاسع : الوسوسة :
٤٠ - الموسوس هو من يشك في العبادة ويكثر منه
الشك فيها حتى يشك أنه لم يفعل الشيء وهو
قد فعله. والشك في الأصل موجب للعود لما
شك في تركه، کمن رفع رأسه وشك هل رکی ام
لا ، فإن عليه الركوع، لأن الأصل عدم ما شك
فیه، ولیبن علی الیقین. (١) ومن شك أنه صلى
ثلاثا أو أربعا جعلها ثلاثا وأتى بواحدة ويسجد
للسهو. لكن إن كان موسوسا فلا يلتفت
للوسواس لأنه يقع في الحرج، والحرج منفي في
الشريعة، بل يمضي على ما غلب في نفسه .
تخفيفا عنه وقطعا للوسواس. (٢) قال ابن تيمية:
والاحتياط حسن مالم يفض بصاحبه إلى مخالفة
السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك
هذا الاحتياط. (٣)
السبب العاشر : الترغيب في الدخول في
الإِسلام وحداثة الدخول فيه :
٤١ - وهذا سبب من أسباب التيسير يعلم بتتبع
أبواب الفقه، ومما شرع له من ذلك أن الداخل
في الإِسلام يعذر بالجهل بالتحريم، ويكون
ذلك شبهة تمنع ثبوت الحدود كما تقدم في السبب
الخامس .
ومنه سقوط العبادات وسائر حقوق الله
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٥٥
(٢) المغني ٥٠١/١، ٥٠٢/٢
(٣) إغاثة اللفهان من مصايد الشيطان لابن القيم ١٨٣/١
تعالى السابقة على الإِسلام، فلا يطالب
بقضائها: حتى على قول من يرى أن الكفار
مخاطبون بفروع الشريعة، ترغيبا لهم في
الإسلام، ولئلا تكون مشقة القضاء حائلا بينهم
وبين الإِسلام. (١)
ومنه إعطاء الزكاة للكافر الذي يرجى
إسلامه ترغیبا له في الإِسلام لتمیل إلیه نفسه،
وإعطاء من أسلم حديثا إذا كان في إعطائه قوة
للإِسلام، أو ترغيب لنظرائه ليسلموا. (٢)
ومنه توريث الكافر من قريبه المسلم إن أسلم
الكافر قبل قسمة التركة، على قول عند
الحنابلة انفردوا به، ترغيبا له في الدخول في
الإِسلام. (٣)
المشاق الموجبة للتيسير :
٤٢ - المشاق على قسمين : مشاق لا ينفك عنها
التكليف غالبا كمشقة البرد في الوضوء
والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول
النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج
والجهاد عنها غالبا، ومشقة ألم الحدود كرجم
الزناة، وقتل الجناة، وقتال البغاة، فلا أثر لهذا
النوع من المشقات في إسقاط حق الله الواجب،
في كل الأوقات، أي: لأن الله تعالى فرضه
(١) الفروق للقرافي ١٨٤/٣، ١٨٥
(٢) المغني ٦/ ٤٢٨
(٣) المغني ٦/ ٣٠٠
- ٢٣٣ -

تیسیر ٤٢
على ما فيه من المشقة لمصالح يعلمها، فيكون
إسقاطها دائما لما فيها من المشقات الملازمة إلغاء
لما اعتبره الشارع.
والقسم الثاني : مشاق ينفك عنها التكليف
غالبا، فما لا يطاق منها اقتضى التخفيف
بالإِسقاط أو غيره اتفاقا كما تقدم، وإلا فإن
كانت عظيمة فادحة كالخوف على النفس، أو
الأعضاء، فهي موجبة للتخفيف، لأن حفظ
النفوس، والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى
من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات يفوت
بها أمثالها، وإن كانت المشقة خفيفة کأدنى وجع
في أصبع، أو سوء مزاج خفيف، فهذا لا أثرله،
ولا يترخص به، لأن تحصيل مصالح العبادات
أولى من دفع مثل هذه المفسدة التي لا أثرلها،
والمشقة المتوسطة بين هاتين الدرجتين ما دنا منها
من المرتبة العليا أوجب التخفيف، أو من الدنيا
لم یوجبه، کحمی خفيفة، وما تردد بينهما، فهو
مما يختلف فيه غالبا. ولا ضبط لهذه المراتب إلا
بالتقريب. (١)
قال عز الدين بن عبد السلام : وتختلف
المشاق باختلاف العبادات في اهتمام الشرع. فما
اشتد اهتمامه به شرط في تخفيفه المشاق الشديدة
أو العامة، وما لم يهتم به خففه بالمشاق الخفيفة،
(١) قواعد الأحكام لابن عبدالسلام ٨/٢، وأشباه السيوطي
ص ٨٠، وأشباه ابن نجيم بحاشية الحموي ١/ ١١٦
وقد تخفف مشاقه مع شرفه وعلو مرتبته لتكرر
مشاقه كيلا يؤدي إلى المشاق العامة الكثيرة
الوقوع . (١)
ومن هنا جاءت القاعدة الفقهية المشهورة
(المشقة تجلب التيسير) وهي من أمهات قواعد
الفقه الإِسلامي، يحتاج إليها المجتهد والمفتي
کثیرا .
وقد قال السيوطي : يرجع إلى هذه القاعدة
غالب أبواب الفقه. (٢)
ومثلها قاعدة ( إن الأمر إذا ضاق اتسع)
والمراد بالاتساع الترخص عن اتباع الأقيسة
وطرد القواعد في آحاد الصور، وذلك عند
الضيق وهو الحرج والمشقة. (٣)
غير أن هاتين القاعدتين مقيدتان بقاعدة
أخرى هي أن (الميسور لا يسقط بالمعسور)
ودليلها قول النبي ◌َّ: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا
منه ما استطعتم)). (٤) قال الجويني: ((هذه
القاعدة من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى
ما أقيمت أصول الشريعة)). ووجهها أن العسر
(١) قواعد الأحكام ٨/٢ - ١٤
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٠
(٣) الحموي على الأشباه ١/ ١١٧
(٤) حديث: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٢٥١/١٣ - ط السلفية). ومسلم
(٤ / ١٨٣٠ - ط عيسى الحلبي).
- ٢٣٤ -

تيسير ٤٣ - ٤٤
هو سبب التخفيف، فإن كان البعض ميسورا لم
یکن للتخفيف فيه موضع .
ومن فروعها : إذا كان مقطوع بعض
الأطراف غسل الباقي جزما، والقادر على ستر
بعض عورته دون بعض ستر القدر الممكن،
والقادر على بعض الفاتحة دون بعض یأتي بما
قدر عليه، ومن وجد ماء لا يكفي لكل طهارته
استعمله، ومن وجد بعض صاع في الفطرة
أخرجه. وهي قاعدة غالبية، فإنه يخرج عنها
فروع منها: واجد بعض الرقبة في الكفارة
لا يعتقها، بل ينتقل إلى البدل، ومنها: القادر
علی صوم بعض یوم دون کله لا يلزمه إمساكه،
وإذا وجد الشفيع بعض الثمن لا يأخذ قسطه
من الشقص . (١)
تعارض قاعدة رفع الحرج والنص :
٤٣ - ذكر هذه القاعدة ابن نجيم في أشباهه.
ونقل عن السرخسي قوله: ((إنما تعتبر البلوى في
موضع لا نص فيه بخلافه، فأما مع وجود النص
فلا يعتد به)). ثم قال ابن نجيم: ولذا قال
أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله بحرمة رعي حشيش
الحرم وقطعه إلا الإِذخر.
ومن فروعها أيضا قول ابن نجيم: قال
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥٩، ١٦٠ .
أبو حنيفة: بتغليظ نجاسة الأرواث لقول
النبي ـ في الروثة: ((إنها ركس))(١) أي
نجس، ولا اعتبار عنده بالبلوى في موضع
النص.(٢)
وليست هذه القاعدة متفقا عليها، ولذا
خالف في الفرع الأول أبو يوسف، فأجازرعي
حشيش الحرم، للحرج في الامتناع منه. وهو
مذهب عطاء والشافعية والحنابلة. قال
ابن قدامة : يجوز رعیه، لأن الهدي كانت تدخل
الحرم فتكثر فيه، فلم ينقل أنه كانت تسد
أفواهها، ولأن بهم حاجة إلى ذلك، أشبه قطع
الإِذخر. (٣)
أنواع التخفيف والتيسير :
٤٤ - أورد الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من
أنواع التخفيفات الواردة في الشريعة ستة
أنواع: (٤) ثم زاد عليها غيره: فالستة هي :
النوع الأول : تخفيف الإِسقاط، فيسقط
الفعل عن المكلف، كإسقاط الجمعة عن
أصحاب الأعذار، والحج عن غير المستطيع،
والجهاد عن الأعمى والأعرج ومقطوع اليد،
وكإسقاط الصلاة عن الحائض والنفساء.
(١) حديث: ((هذا ركس ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري
٢٥٦/١ - ط السلفية).
(٢) الأشباه بحاشية الحموي ١/ ١١٧
(٣) المغني ٣٥١/٣
(٤) قواعد الأحكام ٦/٢
- ٢٣٥ -

تيسير ٤٤ - ٤٦
٦
النوع الثاني : تخفيف تنقيص ، كقصر الصلاة
للمسافر والاكتفاء بركعتين لدفع مشقة السفر،
وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال
الصلوات عن الحد الأدنى المجزىء لغير
المريض، كتنقيص الركوع والسجود إلى الحد
المقدور عليه .
النوع الثالث : تخفيف إبدال، كإجازة
الشارع للمريض إبدال الغسل والوضوء
بالتيمم، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، أو
الاضطجاع، وإبدال الصيام للشيخ الفاني
بالإِطعام، وإبدال بعض واجبات الحج أو
العمرة بالكفارات عند قيام الأعذار.
النوع الرابع : تخفيف تقديم، كإجازة جمع
التقديم في الصلاة للمسافر والحاج، وإجازة
تعجيل تقديم الزكاة عن الحول لداع، وتقديم
زكاة الفطر في رمضان قبل يوم العيد بيوم أو
بيومين، وأجاز البعض تقديمها لأكثر من ذلك.
النوع الخامس : تخفيف تأخير، كإجازة
الجمع تأخيرا لوجود عذر يجعل أداءه في وقته
شاقا على المكلف، وتأخير صيام رمضان
للمريض والمسافر، فقد خفف عنهما بالفطر، مع
قيام السبب الموجب للصوم، المحرم للفطر،
وتأخير الصلاة في حق النائم والناسي .
النوع السادس : تخفيف ترخيص ، وهوما
استبيح من المحظورات عند الضرورة، أو عند
الحاجة، كإباحة التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره
بإجراء قول الكفر على لسانه، وأكل الميتة
للمضطر لخوف الهلاك على نفسه من الجوع،
وشرب الخمر لإزالة الغصة. وإجازة الصلاة
للمستجمر مع بقية النجو. (١)
قال السيوطي : وأضاف العلائي سابعا،
وهو تخفيف التغيير، كتغيير نظم الصلاة في
الخوف . (٢)
٤٥ - ولما كان التخفيف واردا في العبادات
بأنواعها، والمعاملات، والحدود، وغيرها مما
اشتملت عليه أبواب الفقه، فمن الصعب جمع
هذه الأمور المخففة كلها من أبوابها المختلفة .
فنورد أمثلة منها .
التخفيف في النجاسات :
٤٦ - أوجب الشارع الحكيم على المسلم
الطهارة من النجاسات في الثوب، والبدن،
والبقعة، عند القيام إلى الصلاة، وأن يكون
طعامه وشرابه طاهرا. وهذا هو الأصل، ولكن
بعض صور النجاسات استثنيت من هذا
الأصل لعموم البلوى بها، وصعوبة التحرز
منها، والتخفيف وارد على ما يصيب الإِنسان
(١) انظر قواعد الأحكام لابن عبد السلام ٢/ ٦، والأشباه
والنظائر للسيوطي ص٨٢، وفتح الغفار لابن نجيم ٢/ ٧٠
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٨٢، وشرح أشباه ابن نجيم
١١٧/١
- ٢٣٦ -

تیسیر ٤٧ - ٤٨
منها، بحيث لو أوجب عليه غسلها، لوقع
الناس في حرج وضيق. (١) وتفصيل ذلك في
مصطلحي (نجاسة وطهارة).
التخفيف في ستر العورة :
٤٧ - ستر العورة عن النظر بما لا يصف البشرة
واجب.
واختلف الفقهاء في كونه شرطا لصحة
الصلاة: فقال أبو حنيفة والشافعي بشرطيته .
وقال بعض المالكية: إن سترها ليس بشرط
لصحة الصلاة، وقيل: إنها شرط مع الذكر دون
السهو.
٠
وقال التميمي من الحنابلة : إن بدت عورته
وقتا، واستترت وقتا، فلا إعادة عليه. (٢)
والعريان الذي لا يجد ما يستر عورته،
خفف عنه، فإذا وجد جلدا طاهرا، أو ورقا
يمكنه خصفه عليه، أو حشيشا يمكنه أن يربطه
فيستتر به، جاز له ذلك، وصحت الصلاة بما
ذکر، فإذا وجد ثوبا نجسا جاز له الصلاة فيه،
ولا يصلي عريانا، على خلاف في ذلك. (٣)
فإذا لم يجد إلا ما يستر بعض العورة، ستر
(١) القليوبي على شرح المنهاج ٦٨/١، القاهرة، عيسى
الحلبي
(٢) فتح القدير ١/ ٢٦٠، وبداية المجتهد ١/ ٩٩، والمجموع
١٧٥/٣ والمغني ١/ ٥٧٧ - ٥٨٠، ونيل الأوطار ٧٣/٢
(٣) المغني ٥٩٣/١، ٥٩٤
السوأتين، لأنهما أفحش، وسترهما آكد. فإن
كان لا يكفي إلا أحدهما ستر أيهما شاء - على
خلاف في أيهما أولى بالستر. والعري عذر في
ترك الجماعة، غير مانع لصحة الصلاة،
والانفراد حال العري أفضل من الجماعة .
وإن انكشف من المرأة أقل من ربع شعرها أو
ربع فخذها، أوربع بطنها، لم تبطل صلاتها،
تخفيفا عند بعض الفقهاء. (١)
وانظر تفصيل ذلك في مصطلح (عورة).
التيسير في المعاملات :
٤٨ - للمعاملات نصيب من التخفيف كما
للعبادات والحدود.
فقد خففت الشريعة ويسرت المعاملات،
فشرعت: خيار المجلس دفعا للضرر بين
المتبايعين .
وشرعت خيار الشرط للمشتري دفعا للندم .
وشرعت الرد بالعيب دفعا لما يلحق المشتري من
الضرر، إذا بان بالشيء المشترى عيب، ولم
يرض عنه المشتري .
وكذا خففت الشريعة في العقود الجائزة، فلم
تلزم بها أحد طرفي العقد، إذ أن لزومها شاق،
فتكون سببا لعدم تعاطيها . (٢)
(١) المجموع ١٨٧/٣، والمغني لابن قدامة ٥٩٥/١، ٥٩٦،
٦٠١، ٦٠٢، وحاشية الدسوقي ٢٢١/١
(٢) المغني ٣ / ٥٦٣، ٥٨٦ - ٥٩٢
- ٢٣٧ -

تیسیر ٤٩ - ٥١
التيسير في إقامة الحدود :
٤٩ - يندب تلقين من أقر بموجب الحد الرجوع
عنه، إما بالتعريض، وإما بأوضح منه، ليدرأ
عنه الحد،(١) وذلك مثل ما فعل النبي ◌َّيل مع
ماعز حيث قال له: ((لعلك قبلت، أو غمزت،
أو نظرت)). (٢)
وقد جعل الله سبحانه وتعالى التوبة والتكفير
عن الذنوب رفعا للضيق والحرج، وماحيا
للشعور بالذنب والخطيئة .
ومن درء الحدود بالشبهة أن من زفت إليه غیر
زوجته فوطئها ظنا أنها زوجته، فلا حد علیه،
ولا یکون آثما، لثبوت عذره، وإنما عليه مايتعلق
بحقوق العباد، وهو هنا مهر المثل .
وتفصيل ذلك في مصطلح: (حدود).
تخفيف الدية :
٥٠ - الجاني المخطىء خفف عنه الشارع بإيجاب
الدية بدل القصاص، ثم جعلها على العاقلة،
وعاقلة الجاني ذكرا كان أو أنثى : ذكور عصبته
نسبا، كالآباء، والأبناء، والأخوة لغير أم
وبنوهم، والأعمام، والمعتق.
وذلك لما روی عمرو بن شعيب عن أبيه عن
(١) جامع الأصول لابن الأثير ٣/ ٥٩٧، ٥٩٨
(٢) حديث: ((لعلك قبلت ... )). أخرجه البخاري
(١٢ /١٣٥ ط السلفية) وأبوداود (٥٧٩/٤ - ٥٨٠ ط
عزت عبيد الدعاس).
جده: ((أن رسول الله وَ ل قضى أن يعقل عن
المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثون منها إلا
مافضل عن ورثها)). (١)
وكما خفف عن الجاني بتحميل الدية
العاقلة، خفف عن العاقلة، فجعل الشارع دية
شبه العمد مؤ جلة في ثلاث سنین ـ تخفيفا
عليهم - في آخر كل سنة ثلثها، إن كان الواجب
دية كاملة، كدية النفس، على ما ورد في قول
عمر وعلي رضي الله عنهما ولا مخالف لهما.
وخفف أيضا عن العاقلة: فمن مات منها
قبل الحول أو افتقر أوجن لم يلزمه شيء. (٢)
وتفصيل ذلك في مصطلح (دية).
النوع الثالث: تيسير المكلف على نفسه وعلى
غيره :
أولا : تيسير المكلف على نفسه في العبادات:
٥١ - أرشد النبي وله إلى أن يأخذ الإِنسان
نفسه في النوافل وما فيه تخيير من الفرائض،
(١) بداية المجتهد ٣٧٧/٢، والمغني ٧ /٢٦٧، ٧٧٦،
وكشاف القناع ٦/ ٥٩ - ٦٣
وحديث: ((قضى أن يعقل ... )) أخرجه أبوداود
(٤ /٦٩١ - ٦٩٤ ط عزت عبيد الدعاس) والنسائي
(٤٣/٨ ط مكتب المطبوعات الإِسلامية) وابن ماجة
(٨٤٤/٢ ط عيسى الحلبي).
وأحمد (٤٣/١٢ ط دار المعارف) وقال أحمد شاكر إسناده
صحیح).
(٢) المغني ٢٦٧/٧ - ٢٧١، وكشاف القناع ٦/ ٦٤
- ٢٣٨ -

تیسیر ٥١
كالصيام في السفر، بالميسور، فقال: ((عليكم
ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل حتى
تملوا))(١) وقال: ((إن هذا الدين متين فأوغل فيه
برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن
المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى))(٢) وقال:
«سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحدا
الجنة عمله قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال:
ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)»(٣) ونهی عن
الوصال في الصوم لما فيه من المشقة. وقال:
((لا تشددوا فیشدد الله علیکم، فإن قوما شددوا
فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع
﴿رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾. (٤)
(١) حديث: ((عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل
حتى تملوا)). أخرجه البخاري (٣٦/٣ ط. السلفية).
(٢) حديث: ((إن هذا الدين ... )). سبق تخريجه هامش
(٦٠).
(٣) حديث: ((سددوا وقاربوا وابشروا، فإنه لا يدخل أحدا
الجنة عمله، قالوا ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن
يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)). أخرجه البخاري (فتح الباري
٢٩٤/١١ ط - السلفية)، ومسلم (٤ / ٢١٧٠، ٢١٧١
ط. عيسى الحلبي).
(٤) سورة الحديد/ ٢٧
وحديث: (( نهى عن الوصال في الصوم لما فيه من المشقة.
وقال: ((لا تشددوا فيشدد الله ... )). أخرجه أبو داود
(٢٠٩/٥ ط عزت عبيد الدعاس). وفي سنده سعيد بن
عبدالرحمن بن أبي العجار قال الحافظ في التقريب (مقبول)
تقريب التهذيب ص٢٣٨ ط. دار الرشيد).
وليس معنى اليسر في هذا الباب ترك العمل
والتكاسل عنه، فإن الله تعالى مدح عباده
المتقين بقوله: ﴿إنهم كانوا قبل ذلك محسنين.
كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وبالأسحارهم
يستغفرون﴾(١) ولكن المعنى أن لا يحمل نفسه
ما يشق عليها، بل يتعبد ماشاء ما دام نشيطا
لذلك، فإن نشأت مشقة خارجة عن المعتاد
أراح نفسه، ففي الحديث ((أن النبي ◌َّ دخل
المسجد، وحبل مربوط بين ساريتين، فقال: ما
هذا؟ قالوا: حبل لزينب، تصلي فإذا كسلت أو
فترت أمسكت به. فقال ◌َ: حلوه، ليصل
أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد)). (٢)
وفي حديث آخر أنه مَ ◌ّ كان في سفر فرأى
زحاما ورجلا قد ظلل علیه. فسأل عنه فقالوا:
صائم. فقال: ((ليس من البر الصوم في
السفر))(٣) فسر بأن المراد من بلغ منه الجهد إلى
مثل هذه الحال ولم يفطر. وأرشد # إلى أن
تحصيل أجر النوافل بفعل القليل منها مع
المحافظة على ما يفعله العبد منها والدوام عليه
(١) سورة الذاريات / ١٧ -١٩
(٢) حديث: ((حلوه، ليصل أحدكم نشاطه ... )). أخرجه
البخاري (فتح الباري ٣/ ٣٦ ط السلفية).
(٣) حديث: ((ليس من البر الصوم في السفر)). أخرجه
البخاري (فتح الباري ١٨٣/٤ ط السلفية)، ومسلم
(٧٨٦/٢ ط عيسى الحلبي).
- ٢٣٩ -

تیسیر ٥٢ - ٥٣
أفضل من التشديد على النفس حينا والتراخي
حينا آخر، فقال: ((أحب الأعمال إلى الله أدومها
وإن قل)). (١)
ثانيا : تيسير الإِنسان على نفسه في شئون
الدنیا :
٥٢ - ليس للإنسان أن يضيق على نفسه في
شئون حياته، ولا ينبغي أن يظن أن التضييق
عليها من الزهد، أو أنه يقربه إلى الله، بل إذا
أخذ المال من حله وأنفق علی نفسه في الحلال،
في مأكل أو مشرب أومسكن فإنه يؤجر على
ذلك إذا كان بقدر الحاجة، کما يؤ جر إن زاد
عليه بقصد التّقَوِّي على طاعة الله مالم يخرج
إلى حد السرف والترف.
قال الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي
أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين
آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾، (٢)
وفي الحديث: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها،
فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك
شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك
(١) الموافقات ١٣٦/٢، ١٣٧
وحديث ((أحب الأعمال .... )) أخرجه البخاري (فتح
الباري ٣١٥/١٠ ط. السلفية)، ومسلم (٥٤١/١ ط عيسى
الحلبي) من حديث عائشة.
(٢) سورة الأعراف/ ٣٢
شيء فهكذا وهكذا)).(١)
وكذلك في غیر المال، وقد قال سلمان
الفارسي لأبي الدرداء رضي الله عنهما: ((إن
لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا،
ولنفسك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه))
فأخبر أبوالدرداء بذلك النبي و لغير فقال:
((صدق سلمان))(٢) وفي الحديث أيضا ((من فقه
الرجل رفقه في معيشته)). (٣)
مشقة الورع واجتناب الشبهات :
٥٣ - من الناس من يشق على نفسه تورعا
وإتقاء للشبهات والتزاما لجانب التقوى، قال
الشاطبي: (ولا كلام في أن الورع شديد في
نفسه، كما أنه لا إشكال في أن التزام جانب
التقوى شديد)(٤) وفي الحديث: ((إن الحلال بين
(١) حديث: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء
فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذی قرابتك، فإن
فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا)). أخرجه مسلم
(٢٩٢/٢ - ٢٩٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: صدق سلمان)). أخرجه البخاري (فتح الباري
١٠/ ٥٣٤ ط السلفية).
(٣) حديث: ((من فقه الرجل رفقه في معيشته)). أخرجه أحمد
(١٩٤/٥ ط المكتب الإسلامي) وابن عدي في الكامل
(١١٩٧/٣ ط دار الفكر وضعفه. وقال الهيثمي: وفيه
أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، (مجمع الزوائد ٤/ ٧٤
ط دار الكتاب العربي)، وضعفه المناوي في فيض القدير
(١٦/٦ ط المكتبة التجارية).
(٤) الموافقات ١٠٦/١، وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم
١٨٣/١
- ٢٤٠ -