النص المفهرس

صفحات 161-180

توسل ١٣
تعالى بالنبي # في غير كلمة «بحق)» وذلك
کالتوسل بقوله: ((بنبیك))، أو ((بجاہ نبیك)» أو
غير ذلك. إلا ما ورد عن أبي حنيفة - في رواية
أبي يوسف - قوله: ((لا ينبغي لأحد أن
يدعو الله إلا به)).
القول الثالث في التوسل بالنبي بَيّ بعد وفاته :
١٣ - ذهب تقي الدين بن تيمية وبعض الحنابلة
من المتأخرين إلى أن التوسل بذات النبي وَصِير
لا يجوز، وأما التوسل بغير الذات فقد قال
ابن تيمية: ولفظ التوسل قد يراد به ثلاثة أمور.
أمران متفق عليهما بين المسلمين :
أحدهما: هو أصل الإِيمان والإِسلام، وهو
التوسل بالإِيمان به مهله وبطاعته .
والثاني: دعاؤه وشفاعته ◌َل # (أي في حال
حیاته) وهذا أيضا نافع یتوسل به من دعا له
وشفع فيه باتفاق المسلمين .
ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنیین فهو
کافر مرتد یستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا .
ولكن التوسل بالإِيمان به وبطاعته هو أصل
الدين، وهذا معلوم بالاضطرار من دين
الإِسلام للخاصة والعامة، فمن أنكر هذا
المعنى فكفره ظاهر للخاصة والعامة.
وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك
فمن أنكره فهو كافر أيضا، لكن هذا أخفى من
الأول، فمن أنکره عن جهل عرف ذلك، فإن
أصر على إنكاره فهو مرتد .
أما دعاؤه وشفاعته في الدنیا فلم ینکره أحد
من أهل القبلة، وأما الشفاعة يوم القيامة
فمذهب أهل السنة والجماعة وهم الصحابة
والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين
الأربعة وغيرهم أن له شفاعات خاصة وعامة .
وأما التوسل بالنبي رس# والتوجه به في كلام
الصحابة فیر یدون به التوسل بدعائه وشفاعته .
والتوسل به في عرف کثیر من المتأخرین یراد
به الإِقسام به والسؤال به، کما یقسمون بغيره
من الأنبياء والصالحين ومن يعتقد فيه الصلاح.
وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنیان
صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى
ثالث لم ترد به سنة.
ومن المعنى الجائز قول عمربن الخطاب:
((اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا
فتسقينا وإنا نتوسل اليك بعم نبينا فاسْقِنا)) أي :
بدعائه وشفاعته .
وقوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾(١)
أي : القربة إليه بطاعته، وطاعة رسوله طاعته .
قال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد
أطاع الله﴾(٢) فهذا التوسل الأول هو أصل
الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.
وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما قال عمر -
(١) سورة المائدة / ٣٥
(٢) سورة النساء / ٨
- ١٦١ -

توسل ١٣
فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن
التوسل به (أي بعد وفاته) إلى التوسل بعمه
العباس، ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا
أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن
التوسل به إلى التوسل بالعباس، علم أن ما
يفعل في حياته قد تعذر بموته . بخلاف التوسل
الذي هو الإِيمان به، والطاعة له . فإنه مشروع
دائما .
والمعنى الثالث: التوسل به بمعنى الإِقسام
على الله بذاته، والسؤال بذاته، فهذا هو الذي
لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه،
لا في حیاته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غیر
قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية
المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في
أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عمن لیس
قوله حجة .
ثم يقول ابن تيمية : والحلف بالمخلوقات
حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة
وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد
حكي إجماع الصحابة على ذلك. وقيل : هو
مکروه کراهة تنزیه. والأول أصح. (١)
فالإِقسام بالنبي ◌َّ على الله - والسؤال
به بمعنى الإِقسام - هو من هذا الجنس. (٢)
ويذهب ابن تيمية إلى أن التوسل بلفظ
((أسألك بنبيك محمد)) يجوز إذا كان على تقدير
مضاف، فیقول في ذلك: «فإن قيل : إذا كان
التوسل بالإِيمان به ومحبته وطاعته على وجهين:
تارة يتوسل بذلك إلى ثواب الله وجنته (وهذا
أعظم الوسائل) وتارة يتوسل بذلك في الدعاء -
كما ذكرتم نظائره - فيحمل قول القائل: أسألك
بنبيك محمد على أنه أراد: إني أسألك بإيماني به
وبمحبته، وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته ونحو
ذلك، وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع. قيل :
من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا
نزاع، وإذا حمل على هذا المعنى لكلام من
توسل بالنبي وير بعد مماته من السلف، كما نقل
عن بعض الصحابة والتابعين، وعن الإِمام أحمد
وغیره، کان هذا حسنا، وحينئذ فلا یکون في
المسألة نزاع، ولكن كثير من العوام يطلقون هذا
اللفظ، ولا يريدون هذا المعنى، فهؤلاء الذين
أنكر عليهم من أنكر، وهذا كما أن الصحابة
كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائه
وشفاعته وهذا جائز بلا نزاع .
ثم يقول: والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه
وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن
يسأل الله تعالى بمخلوق لا بحق الأنبياء
ولا غير ذلك - يتضمن شيئين كما تقدم :
أحدهما: الإِقسام على الله سبحانه وتعالى
به، وهذا منهي عنه عند جماهير العلماء كما
(١) الموسوعة الفقهية بالكويت ٢٦٣/٧ وما بعدها.
(٢) قاعدة جليلة ص٥١
- ١٦٢ -

توسل ١٣
تقدم، كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة
والمشاعر باتفاق الفقهاء.
والثاني: السؤال به فهذا يجوزه طائفة من
الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف،
وهو موجود في دعاء کثیر من الناس، لكن
ما روي عن النبي ټ في ذلك كله ضعيف بل
موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن
لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى الذي علمه أن
يقول: أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي
الرحمة))(١) وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه،
فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي وَّ
وشفاعته، وهو طلب من النبي وَّر الدعاء، وقد
أمره النبي و سيل أن يقول: ((اللهم شفعه في))
ولهذا رد الله عليه بصره لما دعاله النبي وَّر،
وكان ذلك يعد من آيات النبي وَالر. ولو توسل
غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي ◌َّة
بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله. (٢)
وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين
دون الإِقسام بهم، لأن بين السؤال والإِقسام
فرقا، فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب
يناسب الإِجابة، والمقسم أعلى من هذا، فإنه
طالب مؤكد طلبه بالقسم، والمقسم لا يقسم
إلا على من يرى أنه يبر قسمه، فإبرار القسم
خاص ببعض العباد، وأما إجابة السائلين
(١) حديث الأعمى سبق تخريجه ف/ ٨
(٢) قاعدة جليلة ص٦٣
فعام، فإن اللّه يجيب دعوة المضطر ودعوة
المظلوم، وإن كان كافرا، وفي الصحيح عن
النبي # أنه قال: ((ما من مسلم يدعو بدعوة
ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها
إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن
يدخرها له في الآخرة مثلها، وإما أن يصرف عنه
من السوء مثلها قالوا: إذاً نكثر، قال:
((الله أكثر)). (١)
وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم -
وهو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم أنه
لا يجوز - ليس في المعروف من مذهب مالك ما
يناقض ذلك، فمن نقل عن مذهب مالك أنه
جوز التوسل به بمعنى الإِقسام أو السؤال به
فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه.
ثم يقول: ولم يقل أحد من أهل العلم: إنه
يسأل الله تعالى في ذلك لا بنبي ولا بغير نبي .
وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال
الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام
من أئمة المسلمين - غير مالك - كالشافعي
وأحمد وغيرهما فقد كذب علیهم. (٢)
ثم يقرر ابن تيمية إن هذه المسألة خلافية وأن
التكفير فيها حرام وإثم.
(١) حديث: ((مامن مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ... ))
أخرجه أحمد (١٨/٣ ط الميمنية) والحاكم (٤٩٣/١ - ط
دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي
(٢) قاعدة جليلة ص٦٤ - ٦٦
- ١٦٣ -

توسل ١٤، توسعة ١ - ٢
ويقول بعد ذكر الخلاف في المسألة: ولم يقل
أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر،
ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية ليست
أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار
ما علم من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام
المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك. بل المكفر
بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة
والتعزير مايستحقه أمثاله من المفترين على
الدين، لاسيما مع قول النبي ◌ّ: ((أيما رجل
قال لأخيه: ياكافر فقد باء به أحدهما)). (١)
رابعا : التوسل بالصالحين من غير النبي :
١٤ - لا يخرج حكم التوسل بالصالحين من غير
النبي عما سبق من الخلاف في التوسل
بە آل . (٢)
(١) مجموعة فتاوى ابن تيمية ١/ ١٠٦
وحديث: ((أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء به
أحدهما؟ أخرجه البخاري (الفتح ٥١٤/١٠ - ط السلفية)
ومسلم (١/ ٧٩ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
(٢) وفاء الوفاء ٤/ ١٣٧٥ والمدخل ٢٤٩/١ وتفسير روح
المعاني ١٢٨/٦، وتحفة الأحوذي ٣٤/١٠ وتحفة الذاكرين
للشوكاني (٣٧).
توسعة
التعريف :
١ - التوسعة والتوسيع: لغة: مصدر وسع
الشيء أي جعله واسعا، وهي ضد التضييق،
ووسع اللّه عليه في الرزق أغناه. (١)
والتوسعة في الرزق أو النفقة والبسط بمعنى
واحد، وفي المصباح المنير، والبسطة: السعة،
وبسط الله الرزق: كثره ووسعه، و(كل
البسط)(٢) كناية عن الإِسراف والتبذير. (٣)
والتوسعة غير الإِسراف.
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن ذلك.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإسراف والتبذير :
٢ - الإسراف في اللغة: التبذير والإِغفال
والخطأ، وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به
أمر الله فهو سرف وإسراف.
-
(١) القاموس مادة: ((وسع)).
(٢) سورة الإسراء/ ٢٩
(٣) المصباح المنير.
- ١٦٤ -

توسعة ٣ - ٥
وفي معنى التبذير قال الشافعي رضي الله
عنه: التبذير: إنفاق المال في غير حقه.
ولا تبذير في عمل الخير، وهذا قول
الجمهور. (١)
وقال السدي: ((ولا تسرفوا)) ولا تعطوا
أموالكم فتقعدوا فقراء.
فالتوسعة غير الإِسراف، لأن التوسعة محمودة
لعدم تجاوز الحد الشرعي في قدر الإِنفاق.
ب - القصد والاقتصاد :
٣ - من معاني القصد والاقتصاد التوسط بين
الإِسراف وبين التقتير، (٢) وهو أن تكون النفقة
على قدر الحاجة .
جـ - التقتير والإِقتار :
٤ - التقتير والإِقتار وهو أن يكون الإِنفاق أقل
من الحاجة. قال تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم
يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾(٣)
الحكم التكليفي :
٥ - التوسعة في إنفاق المسلم على نفسه وعلى
عياله سنة لقوله تعالى : ﴿قل من حرم زينة الله
(١) القرطبي ٢٤٧/١٠، ٢٤٨ ط كتاب الشعب.
(٢) لسان العرب.
(٣) سورة الفرقان / ٦٧
التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾(١)
ولقوله وَله: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته
على عبده))(٢) ولقوله وَله: ((فإن الله إذا أنعم
على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه)). (٣)
ويشترط فيها أن تكون في غير سرف
ولا مخيلة. لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا
ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾(٤) ولقولهێ} :
((كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف
ولا مخيلة)). (٥)
ويشترط في التوسعة في الصدقة أن تكون
عن ظهر غنى. لما روي عن كعب بن مالك
((فقلت يارسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من
مالي صدقة إلى الله ورسوله وليه فقال
رسول اللهژلل :«أمسك عليك بعض مالك فهو
خير لك)). (٦)
(١) سورة الأعراف/ ٣٢
(٢) حديث: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))
أخرجه الترمذي (١٢٤/٥ - ط مصطفى الحلبي) وقال:
هذا حديث حسن.
(٣) حديث: ((فإن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر
نعمته عليه)) أخرجه أحمد (٤٧٣/٣ - ٤٧٤ط المكتب
الإِسلامي)، والترمذي (١٢٤/٥ ط مصطفى الحلبي)
بنحوه وقال: هذا حديث حسن.
(٤) سورة الأعراف/ ٣١
(٥) حديث: ((كلوا واشربوا وألبسوا وتصدقوا في غير إسراف
ولا مخيلة)) أخرجه أحمد في المسند (٢٢٢/١٠ ط دار المعارف
وصحح إسناده أحمد شاكر).
(٦) حديث: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)) أخرجه
البخاري (٢٩٤/٣ ط السلفية).
- ١٦٥ -

توسعة ٦
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله محلل: ((اليد العليا خير من اليد
السفلى وابدأ بمن تعول وخيرالصدقة ما كان
عن ظهر غنى)).(١)
١
الأوقات التي يتأكد فيها التوسعة :
أ - التوسعة في العيدين والجمعة :
٦ - تتأكد مشروعية التوسعة على العيال في أيام
الأعياد بأنواع ما يحصل به لهم بسط النفس
وترويح البدن من كلف العبادة، كما أن إظهار
السرور في الأعياد شعار هذا الدين، واللعب
والزفن في أيام العيدين مباح، في المسجد وغيره،
إذا كان على النحو الوارد في حديث عائشة
رضي الله عنها في لعب الحبشة بالسلاح.
ويستحب أن يتنظف المرء ويلبس أحسن ما
يجد ويتطيب ويتسوك. (٢)
وذلك لما روي عن عائشة قالت دخل عليَّ
رسول الله # وعندي جاريتان تغنيان بغناء
بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه،
وجاء أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند
النبيِ مََّ، فأقبل عليه رسول الله له فقال:
(١) حديث: ((اليد العليا خير ... )). أخرجه البخاري
(٢٩٤/٣ ط السلفية).
(٢) فتح الباري ١١٦/٥، والمحلى ٩٢/٥، والمغني ٢/ ٣٧٠،
والأم ١/ ٢٠٦
دعهما. فلما غفل غمزتهما فخرجتا. (١) وفي رواية
هشام ((ياأبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عیدنا)»،
وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق
والحراب، فإما سألت النبي وَله، وإما قال:
تشتهين تنظرين؟ قلت: نعم ، فأقامني وراءه
خدي على خده وهو يقول: دونكم يابني أرفدة
حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم. قال:
فاذهبي . (٢)
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وجد
عمر حلة من استبرق تباع في السوق فأخذها،
فأتى بها رسول الله وسلم فقال: يارسول الله إبتع
هذه فتجمل بها للعيد والوفد، فقال: إنما هذه
لباس من لا خلاق له . (٣) قال في المغني: وهذا
يدل على أن التجمل عندهم في هذه المواضع
کان مشهورا . (٤)
(١) حديث: ((دعهم)) فلما غفل غمزتهما فخرجتا. وفي رواية
هشام ((يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا)) الرواية
الأولى أخرجها البخاري (٢/ ٤٤٠ ط السلفية) والرواية
الثانية أخرجها البخاري كذلك في (٤٤٥/٢ ط السلفية)،
وأخرجها مسلم (٢ /٦٠٧، ٦٠٨، ٦٠٩ ط عيسى
الحلبي).
(٢) فتح الباري ١١٤/٥ والحديث: ((دونكم يابني أرفده))
أخرجه البخاري (٢ / ٤٤٠ ط السلفية) ومسلم (٤٠٩/٢
ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث: ((إنما هذه لباس من لا خلاق له)) أخرجه البخاري
(٤٣٩/٢ط السلفية).
(٤) المغني ٢/ ٣٧٠
- ١٦٦ -

توسعة ٦ - ٧
وقال الشوكاني: ووجه الاستدلال بهذا
الحديث على مشروعية التجمل للعيد
تقريره 18 لعمر على أصل التجمل للعيد وقصر
الإِنكار على من لبس مثل تلك الحلة لكونها
کانت حریرا. (١)
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده
رضي الله عنهم أن النبي پڑ كان يلبس برد
حبرة في كل عيد. (٢)
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال
رسول الله وسلم: ((ما على أحدكم إن وجد أن
يتخذ ثوبین لیوم الجمعة سوى ثوبي مهنته))(٣)
وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون
الطيب والزينة في كل عيد، والإِمام بذلك
أحق، لأنه المنظور إليه من بينهم إلا أن المعتكف
يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه
أثر العبادة والنسك. وقال أحمد في رواية
(١) نيل الأوطار ٣/ ٢٨٤
(٢) حديث: ((كان يلبس برد حبرة في كل عيد)) أخرجه
الشافعي في كتابه الأم (٢٣٣/١ ط دار المعرفة) ومن طريقه
البيهقي (٣/ ٢٨٠ ط دار المعرفة) ورواه علي بن الحسين
مرسلا (انظر جامع التحصيل (ص: ٢٩٤ط الدار
العربية).
(٣) حديث: ((ما على أحدكم إن وجد أن يتخذ ثوبين ليوم
الجمعة سوى ثوبي مهنته)) أخرجه أبوداود (١/ ٦٥٠ط
عزت عبيد الدعاس) وابن ماجة (٣٤٨/١ ط عيسى
الحلبي)، وابن حبان (١٩٤/٤ ط دار الكتب العلمية)
وقال البوصيري : هذا إسناد صحيح رجالهثقات .الزوائد
(١٣١/١ ط الدار العربية) وهو من حديث عائشة.
المروذي : طاوس كان يأمر بزينة الثياب، وعطاء
قال : هو يوم التخشع واستحسنهما جميعا، وذكر
استحباب خروجه في ثياب اعتكافه في غير هذا
الموضع . (١)
ومن التوسعة في العيدين، الأضحية في عيد
الأضحى، وصدقة الفطر في عيد الفطر.
ب - التوسعة في رمضان :
٧ - تستحب التوسعة في رمضان في غير سرف
ولا مخيلة، لما روي عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: ((كان رسول الله و لل أجود الناس
بالخير ، وكان أجود مایکون حين يلقاه جبريل،
وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في
رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي واعليّ
القرآن،فإذا لقیه جبريل عليه السلام كان أجود
بالخير من الريح المرسلة))(٢).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قيل
يارسول الله: فأي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة
رمضان. (٣) قال في المجموع: قال أصحابنا:
(١) المغني ٢/ ٣٧٠
(٢) حديث: ((كان رسول الله و لل أجود الناس بالخير وكان
أجود ... )) أخرجه البخاري (١/ ٣٠ ط السلفية).
(٣) حديث: ((قيل: يارسول الله: فأي الصدقة أفضل قال :
((صدقة في رمضان)). أخرجه الترمذي (٥٢/٣ ط مصطفى
الحلبي) وقال: هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى
ليس عندهم بذاك القوى.
- ١٦٧ -

توسعة ٨ - ٩
والجود والإِفضال مستحب في شهر رمضان، وفي
العشر الأواخر أفضل اقتداء برسول الله وله
وبالسلف، ولأنه شهر شريف فالحسنة فيه
أفضل من غيره، ولأن الناس يشتغلون فيه
بصيامهم ، وزيادة طاعتهم عن المكاسب،
فيحتاجون فيه إلى المواساة. (١)
جـ ـ التوسعة في عاشوراء:
٨ - قال بعض الفقهاء تستحب التوسعة على
العيال والأهل في عاشوراء، (٢) واستدلوا بما
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول اللّه ◌َلّم قال: «من وسع على أهله في يوم
عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته)). (٣)
وقال ابن تيمية في كتابه ((اقتضاء الصراط
المستقیم مخالفة أصحاب الجحيم»: وقد روي
في التوسعة على العيال آثار معروفة: أعلى ما
فيها حديث ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه
قال: ((من وسع على أهله يوم عاشوراء
(١) فتح الباري ٨/ ٢٥١
(٢) الترغيب والترهيب الجزء ٧٧/٢، والمدخل لابن الحاج
٢٨٣/١ ومابعدها .
(٣) حديث: ((أبي سعيد: من وسع على أهله في يوم عاشوراء
أوسع الله عليه سائر سنته كلها)). أخرجه البيهقي في شعب
الإِيمان (المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ٣٩٤ط دار
الفكر قال الهيثمي ور واه الطبراني في الأوسط وفیه محمد بن
اسماعيل الجعفري قال أبو حاتم منكر الحديث: المجمع
١٨٨/٣ ط دار الكتاب العربي.
وسع الله عليه سائر سنته))(١) وهذا بلاغ منقطع
لا يعرف قائله، ثم قال: وتوسيع النفقات فيه
هو من البدع المحدثة . (٢)
د - التوسعة في ألوان الطعام والشراب :
٩ - أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو
نحيلة، فأما ما تدعو الحاجة إليه،وهوما سد
الجوعة ، وسكن الظمأ فمندوب إلیه عقلا وشرعا
لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس،
ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال لأنه
يضعف الجسد، ويميت النفس، ويضعف
العبادة، وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل،
وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر
ولا نصيب من زهد، لأن ما حرمها من فعل
الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم
أجرا. قال الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا
ولا تسرفوا﴾(٣)
وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على
قولين :
(١) حديث: عن عبدالله بن مسعود من وسع على أهله يوم
عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته. قال الهيثمي (رواه
الطبراني في الكبير وفيه الهيثم بن الشداخ وهو ضعيف
جدا، المجمع ١٨٩/٣ ط دار الكتاب العربي).
(٢) اقتضاء الطريق المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص ٣٠٠
(٣) سورة الأعراف / ٣١
- ١٦٨ -

توسعة ٩ - ١٠
فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ابن العربي :
وهو الصحيح. فإن قدر الشبع يختلف باختلاف
البلدان والأزمان والأسنان (الأعمار) والطعمان .
ثم قيل : في قلة الأکل منافع كثيرة: منها :أن يكون
الرجل أصح جسما، وأجود حفظا، وأزکی فهما،
وأقل نوما، وأخف نفسا. والكثرة في الأكل
والشرب تثقل المعدة، وتثبط الإنسان عن خدمة
ربه، والأخذ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدی
ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه من القيام بالواجب
علیه حرم علیه، وكان قد أسرف في مطعمه
ومشربه، روی أسد بن موسی من حديث
عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت ثریدا
بلحم سمين، فأتيت النبي ◌ٍَّ وأنا أتجشى،
فقال: ((أکفف علیك من جشائك أبا جحيفة ،
فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم يوم القيامة
جوعا))(١) فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى
فارق الدنیا، وکان إذا تغدی لا یتعشى ، وإذا
تعشی لا یتغدى. وروى مسلم عن ابن عمر
قال: سمعت رسول الله ﴾ ﴾ يقول: ((الكافر يأكل
في سبعة أمعاء والمؤمن یأکل في معی واحد))(٢)
(١) حديث: ((کف من جشائك فإن أكثر الناس في الدنيا شبعا
أكثرها يوم القيامة جوعا)) أخرجه الحاكم (٤/ ١٢١ ط دار
الکتاب العربي)، تكلم الذهبي في اثنین من رواته بأن
أحدهما كذاب والآخر هالك.
(٢) حديث: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي.
واحدة)) أخرجه مسلم (١٦٣١/٣ ط عيسى البابي).
والمراد بالمؤمن التام الإِيمان لأن من حسن
إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما
يصير إليه من أمر الموت وما بعده، فيمنعه
الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء
شهواته . (١)
کما ورد في حديث لأبي أمامة رفعه «من كثر
تفکره قل طعمه، ومن قل تفکره کثر طعمه وقسا
قلبه)). (٢)
وقال في الفتح تعليقا على حديث ابن عمر:
ولا يلزم من هذا اطراده في حق كل مؤمن
وكافر، فقد یکون في المؤمنین من یأکل کثیرا إما
بحسب العادة، وإما لعرض يعرض له من
مرض باطن أو لغير ذلك.
١٠ - وقد اختلف في ترك الطيبات والإِعراض
عن اللذات، فقال قوم: ليس ذلك من
القربات، والفعل والترك يستوي في المباحات.
وقال آخرون : ليس قربة في ذاته وإنما هو سبيل
إلى الزهد في الدنيا، وقصر الأمل فيها، وترك
التكلف لأجلها، وذلك مندوب إليه، والمندوب
قربة، ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قوله: لوشئنا لاتخذنا صلاء، وصلائق،
وصنابا، ولكني سمعت الله عز وجل يذم أقواما.
(١) القرطبي ٧/ ١٩٤
(٢) حديث: ((من کثر تفکره قل طعمه ومن قل تفکرہ کثر
طعمه وقسا قلبه)) لم نعثر عليه في المصادر التي بين أيدينا من
کتب الحدیث.
- ١٦٩ -

توسعة ١٠
فقال: ﴿أذهبتم طيباتکم في حیاتکم الدنيا﴾(١)
ويروى صرائق بالراء وهما جميعا الجرادق،
والصلائق جمع صليقة وهي اللحم المشوي،
والصلاء بكسر الصاد والمد الشواء، والصناب
الخردل بالزبيب، وفرق آخرون بين حضور ذلك
كله بكلفة وبغير كلفة، قال أبو الحسن علي بن
الفضل المقدسي وهو الصحيح إن شاء الله
عز وجل، فإنه لم ينقل عن النبي وقيل أنه امتنع
عن طعام من أجل طيبه قط بل كان يأكل
الحلوى والعسل، (٢) والبطيخ والرطب، وإنما
یکره التکلف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا
عن مهمات الآخرة. (٣)
قال القرطبي : وقد كره بعض الصوفية أكل
الطيبات، واحتج بقول عمر رضي الله عنه :
إياكم واللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر.
والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من
خشى منه إيثار التنعم في الدنيا والمداومة على
الشهوات، وشقاء النفس من اللذات، ونسيان
الآخرة، والإقبال على الدنیا، ولذلك كان عمر
يكتب إلى عماله: إياكم والتنعم وزي أهل
العجم، واخشوشنوا، ولم يرد رضي الله عنه
تحريم شيء أحله الله، ولا تحظير ما أباحه الله
(١) سورة الأحقاف / ٢٠
(٢) حديث: ((كان يحب الحلوى والعسل)) أخرجه البخاري
(فتح الباري ٩/ ٥٥٧ط السلفية).
(٣) القرطبي ٧/ ١٩١ وما بعدها.
تبارك اسمه، وقول الله أولى ما امتثل واعتمد
عليه: قال تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي
أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾(١) وقال
عليه الصلاة والسلام: ((سيد الإِدام في الدنيا
والآخرة اللحم))(٢) وقد روی هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة: ((أن النبي ◌ّليل كان يأكل البطيخ
بالرطب ویقول: نکسر حَرَّ هذا ببردهذا، وبرد
هذا بِحَرِّ هذا))(٣)
والطِّيخ لغة في البطيخ. وعن سعد بن أبي
وقاص قال: أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل
فنهاه النبي ◌ُّ ولو أجاز له ذلك لاختصينا. (٤)
(١) سورة الأعراف / ٣٢
(٢) الحديث: ((سيد الأدام في الدنيا والآخرة اللحم)) قال
الهيثمي: (رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن بليته
القطان ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم كلام لا
يضر ... ا. هـ. مجمع الزوائد ٣٥/٥ط. دار الكتاب
العربي) وله شاهد عن ابن ماجة (٢ /١٠٩ط عيسى
الحلبي) من حديث أبي الدرداء. وضعفه البوصيري في
الزوائد (١٧/٤ ط الدار العربية).
(٣) الحديث: ((كان يأكل البطيخ بالرطب ويقول: نكسر جر
هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا)) أخرجه أبو داود
(١٧٦/٤ ط عزت عبيد الدعاس)، والترمذي ٤ / ٢٨٠ط
مصطفى الحلبي) وحسنه. وكلاهما رواه من حديث
عائشة .
(٤) الحديث: ((أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه النبي صَ لّ،
ولو أجاز له ... )) أخرجه الدارمي (١٣٣/٢ط دار الكتب
العلمية) وأحمد (٢٦٨/٦ط المكتب الإسلامي) مطولا
واللفظ للأول. وقال الهيثمي (أسانيد أحمد رجالها ثقات.
المجمع ٣٠١/٤ط دار الكتاب العربي).
- ١٧٠ -

توسعة ١٠
قال القرطبي : قال علماؤنا: في قوله
تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات
ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب
المعتدين﴾(١) وما شابه هذه الآية والأحاديث
الواردة في معناها ردّ على غلاة الزاهدين، وعلى
أهل البطالة من المتصوفين، إذ كل فريق منهم
قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه، (٢) قال
الطبري: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم
شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من
طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على
نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقة،
ولذلك رد رسول الله وَلقر التبتل على ابن
مظعون(٣) فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما
أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في
فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به
رسول الله چ، وسنه لأمته واتبعه على منهاجه
الأئمة الراشدون، فإذا كان كذلك تبين خطأ
من آثر لبس الشعر والصوف على لباس القطن
والكتان إذا قدر علی لباس ذلك من حله، وآثر
أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغیره حذرا
من عارض الحاجة إلى النساء.
قال الطبري : فإن ظن ظان أن الخير في غير
(١) سورة المائدة/ ٨٧
(٢) القرطبي ٦/ ٢٥٩
(٣) حديث: ((رد رسول الله ( التبتل على ابن مظعون)) سبق
تخريجه .
الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة
على النفس، وصرف ما فضل بينهما من القيمة
إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ، وذلك أن
الأولى بالإِنسان صلاح نفسه وعونه لها على
طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم
الرديئة، لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي
جعلها الله سببا إلى طاعته .
وقد جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال:
لي جار لا يأكل الفالوذج فقال: ولم؟ قال:
لا يؤدي شكره، فقال الحسن: أفيشرب الماء
البارد؟ فقال: نعم، فقال: إن جارك جاهل،
فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته
عليه في الفالوذج. (١)
قال القرطبي : وما شهوة الأشياء اللّذة
ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع الشهية،
فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة.
فمنهم من يرى صرف النفس عنها وقهرها عن
اتباع شهواتها أحری لیذل قيادها ويهون عليه
عنادها، فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير
شهواته ومنقادا بانقيادها .
وقال آخرون: تمكين النفس من لذاتها أولى
لما فيه من ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها .
وقال آخرون: بل التوسط في ذلك أولى لأن
في عطائها ذلك مرة ومنعها أخرى جمعا بين
(١) القرطبي - سورة المائدة ٦/ ٢٥٩
- ١٧١ -

توسعة ١٠ - ١١
الأمرين، وذلك النصف من غير شين.
قال جابر: اشتھی أهلي لحما فاشتر یته لهم،
فمررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال
ماهذا ياجابر؟ فأخبرته، فقال: أو كلما اشتهى
أحدكم شيئا جعله في بطنه؟! أما يخشى أن
يكون من أهل هذه الآية: ﴿أذهبتم طيباتكم في
حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾(١)
قال ابن العربي : وهذا عتاب منه له على
التوسع بابتياع اللحم والخروج عن جلف الخبز
والماء، فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره
لها الطباع وتستمرئها العادة، فإذا فقدتها
استسهلت في تحصيلها بالشبهات، حتى تقع في
الحرام المحض بغلبة العادة، واستشراه الهوى
على النفس الأمارة بالسوء، فأخذ عمر الأمر من
أوله وحماه من ابتدائه کما يفعله مثله.
والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه أن
على المرء أن يأكل ما وجد طيبا كان أو قفارا (أي
بلا إدام)، ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة،
وقد كان النبي # يأكل الحلوى إذا قدر عليها
ویشرب العسل إذا اتفق له، ویأکل اللحم إذا
تیسر ولا یعتمده أصلا، ولا يجعله دیدنا،
ومعيشة النبي صل معلومة، وطريقة الصحابة
منقولة، فأما اليوم عند استيلاء الحرام، وفساد
الحطام، فالخلاص عسير، والله يهب الإِخلاص،
ويعين على الخلاص برحمته .
(١) سورة الأحقاف / ٢٠
وقيل: في معنى قوله تعالى: ﴿أذهبتم
طيباتكم﴾(١) الآية واقع على ترك الشكر
لا على تناول الطيبات المحللة، وهو حسن،
فإن تناول الطيب الحلال مأذون فيه، فإذا ترك
الشكر عليه، واستعان به على ما لا يحل له فقد
أذهبه. (٢)
هـ - التوسعة في اللباس :
١١ - يستحب لبس الثوب الحسن، والنعل
الحسن، وتخير اللباس الجميل، لما روي عن
ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال
رسول الله قال: ((لا يدخل الجنة من كان في
قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل
يجب أن یکون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال:
إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق،
وغمط الناس. (٣)
١
وعن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده
قال: قال رسول الله وَ ل: ((إن الله يحب أن يرى
أثر نعمته على عبده)). (٤)
قال الشوكاني : ولا شك أن لبس ما فيه جمال
زائد من الثياب يجذب بعض الطباع إلى الزهو
والخیلاء والکبر، وقد کان هدیہ گٹ۔۔ كما قال
(١) سورة الأحقاف / ٢٠
(٢) القرطبي ٢٠٢/١٦ - ٢٠٣
(٣) الحديث: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من
كبر)). أخرجه مسلم (٩٣/١ط عيسى الجلبي).
(٤) الحديث: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)).
سبق تخريجه ف/ ٥
- ١٧٢ -

توسعة ١١ - ١٢
الحافظ ابن القيم - أن يلبس ما تيسر من
اللباس، الصوف تارة، والقطن أخرى، والكتان
تارة، ولبس البرود اليمانية، والبرد الأخضر،
ولبس الجبة، والقباء، والقميص، إلى أن قال:
فالذين يمتنعون عما أباح اللّه من الملابس
والمطاعم والمناكح تزهدا وتعبدا بإزائهم طائفة
قابلوهم فلايلبسون إلا أشرف الثياب، ولم يأكلوا
إلا أطيب والين الطعام، وكلا الطائفتين هديه
مخالف لهدي النبي ◌َّر، ولهذا قال بعض
السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب
العالي والمنخفض، وفي السنن عن ابن عمر
يرفعه إلى النبي ◌َّة: ((من لبس ثوب شهرة في
الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب
فيه النار))(١) وهذا لأنه قصد به الاختيال والفخر
فعاقبه الله بنقيض ذلك. إلى آخر كلامه.(٢)
وقال ابن عابدين: إعلم أن الكسوة فيها
فرض: وهو مايستر العورة ويدفع الحر والبرد،
والأولى كونه من القطن، أو الكتان، أو الصوف
على وفاق السنة بأن يكون ذيله لنصف ساقه
(١) الحديث: ((من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب
مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه نارا)) أخرجه أبو داود
(٤ /٣١٤ط عزت عبيد الدعاس) وابن ماجة
(١١٩٢/٢ ط عيسى الحلبي) وحسنه البوصيري في الزوائد
(٤/ ٩٠ط الدار العربية).
(٢) نيل الأوطار ١١٢/٢، وزاد المعاد ٣٦/١، ٣٧
وکمه لرءوس أصابعه، وفمه قدر شبر، کما في
((النتف)) بين النفيس والخسيس إذ خير الأمور
أوساطها، وللنهي عن الشهرتين وهو ماكان في
نهاية النفاسة والخساسة .
ومستحب : وهو الزائد لأخذ الزينة وإظهار
نعمة الله تعالى. قال ◌َله: ((إن الله يحب أن
يرى أثر نعمته على عبده))، (١) ومباح: وهو
الثوب الجميل للتزين في الأعياد والجمع ومجامع
الناس لا في جميع الأوقات لأنه صلف وخيلاء،
وربما يغيظ المحتاجین فالتحرز عنه أولى ،
ومكروه: وهو اللبس للتكبر. ثم قال: وفي
الهندية عن السراجية: لبس الثياب الجميلة
مباح إذا لم يتكبر، وتفسيره: أن يكون معها كما
كان قبلها. (٢)
و - التوسعة في بناء المساجد :.
١٢ - حض الشارع على بناء المساجد. قال
تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾(٣) قال
مجاهد وعكرمة: تعلی وتبنى، ومنه قوله تعالى :
﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت
وإسماعيل﴾(٤) وروي عن عثمان بن عفان قال:
(١) الحديث: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)).
سبق تخريجه ف/ ٥
(٢) حاشية ابن عابدين ٦/ ٣٥١
(٣) سورة النور / ٣٦
(٤) سورة البقرة / ١٢٧
- ١٧٣ -

توسعة ١٣
سمعت رسول الله وسلم يقول: ((من بنى لله
مسجدا بنى الله له مثله في الجنة))(١) وفي هذا
المعنى أحاديث كثيرة تحض على بناء المساجد.
ز - تشیید المساجد وزخرفتها :
١٣ - قال البغوي : التشييد: رفع البناء
وتطويله. ومنه قوله تعالى: ﴿بروج مشيدة﴾(٢)
وهي التي طول بناؤها، وقيل المراد بالبروج
المشيدة، المخصصة، والزخرفة، الزينة. (٣)
وقد اختلف العلماء في الزخرفة، فكرهها
قوم، منهم الشافعية، بل قال الأذرعي : ينبغي
أن يحرم لما فيه من إضاعة المال لاسیما إن كان من
مال المسجد. وأباحها آخرون، فروی حماد بن
سلمة عن أيوب عن أبي قلابة وقتادة كلاهما عن
أنس: أن رسول الله وَل# قال: ((لا تقوم الساعة
حتى يتباهى الناس في المساجد))(٤) وقال أنس :
((يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا)).
(١) الحديث: ((من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة)).
أخرجه مسلم (١/ ٣٨٧ط عيسى الحلبي) وابن ماجة
(٢٤٣/١ ط عيسى الحلبي) واللفظ لابن ماجة وهو من
حدیث عثمان بن عفان .
(٢) سورة النساء/ ٧٨
(٣) المجموع ٢ / ١٨٠، ونيل الأوطار جزء ٢ / ١٥٠
(٤) الحديث: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد))
أخرجه أحمد (٣/ ١٣٤ ط المكتب الإسلامي) وأبو داود
(١٣٦١/١ ط عزت عبيد الدعاس وصححه السيوطي
وأقره المناوي (فيض القدير ٦/ ٤١٧ ط المكتبة التجارية).
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وعليه :
((ما أمرت بتشييد المساجد)) قال ابن عباس :
لنزخرفها كما زخرفت اليهود والنصارى» (١)
وقال أبوسعيد: كان سقف المسجد من
جريد النخل، وأمر عمر ببناء المسجد وقال:
أكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر
فتفتن الناس)).
قال ابن بطال: کأن عمر فهم ذلك من رد
النبي ◌ّ لخميصة إلى أبي جهم من أجل
الأعلام التي فيها وقال: إنها ألهتني عن
صلاتي.(٢)
واحتج من أباح ذلك بأن فيه تعظيم
المساجد، والله أمر بتعظيمها في قوله تعالى :
في بيوت أذن الله أن ترفع﴾(٣) يعني تعظم،
وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبي ◌َّ
(١) الحديث: ((ما أمرت بتشييد المساجد)) أخرجه أبو داود
(١/ ٣١٠ط عزت عبيد الدعاس) وابن حبان في صحيحه
(٧٠/٣ط دار الكتب العلمية، وحسنه عبدالقادر
الأرناؤوط (جامع الأصول ١١/ ٣٠٩ط مكتبة دار البيان).
(٢) حديث: ((اذهبوا ... )) رواه مسلم عن عائشة ولفظه.
قالت: ((قام رسول الله صل# يصلي في قميصة ذات أعلام
فنظر إلى علمها فلما قضى صلاته قال: إذهبوا بهذه الخميصة
إلى أبي جهم بن حذيفة وائتوني بأنبجائية فإنها ألهتني آنفا في
صلاتي)».
(٣) سورة النور / ٣٦
- ١٧٤ -

توسعة ١٤ - ١٥
بالساج وحسنه، وروي عن عمر بن عبدالعزيز
علية وبالغ في عمارته
أنه نقش مسجد النبي
وتزيينه، وذلك في زمن ولايته على المدينة المنورة
قبل خلافته، وذكر أن الوليد بن عبدالملك بن
مروان أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه
مثل خراج الشام ثلاث مرات، وروي أن
سليمان بن داود عليهما السلام بنى مسجد بيت
المقدس وبالغ في تزیینه .(١)
قال في الفتح: وأول من زخرف المساجد
الوليد بن عبدالملك بن مروان في أواخر عهد
الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن
إنكار ذلك خوفا من الفتنة، ورخص في ذلك
بعضهم وهو قول أبي حنيفة إذا وقع ذلك على
سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع الصرف على
ذلك من بيت المال، وقال ابن المنير: لما شيد
الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن نصنع ذلك
بالمساجد صونا لها عن الاستهانة . (٢)
ح - تطييب المساجد :
١٤ - تطييب المساجد مشروع عند الجمهور.
قال الزركشي : يستحب تجمير (٣) المسجد
بالبخور، وكان عبد الله بن المجمّر يحمّر المسجد
(١) القرطبي ١٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧
(٢) فتح الباري الجزء ٣/ ١٠٩، ونيل الأوطار ٢ / ١٥٠
(٣) تجمير المسجد/ تبخيره بالطيب.
إذا قعد عمر على المنبر، وأنكر مالك تجمير
المساجد، واستحب بعض السلف تخليق(١)
المساجد بالزعفران والطيب، وروي عنه وَڅچل
فعله، وقال الشعبي : هوسنة، وذكر ابن أبي
شيبة عن ابن أبي نجيح أن ابن الزبير لما بنى
الكعبة طلا حيطانها بالمسك. (٢)
ط ـ التوسعة في المسكن :
١٥ - أجاز بعض الفقهاء البناء الرفيع كالقصور
ونحوها، لقوله تعالى: ﴿واذكروا إذ جعلكم
خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون
من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا
آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾(٣)
ولقوله تعالى : ﴿قل من حرم زينة الله التي
أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾(٤) ذكر أن
ابنا لمحمد بن سيرين بنى دارا وأنفق فيها مالا
كثيرا، فذكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال:
ما أرى بأسا أن يبني الرجل بناء ينفعه. وروي
أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا أنعم الله
على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه))(٥)،
(١) تطييبها بالخلوق.
(٢) أعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ص٣٣٨
(٣) سورة الأعراف/ ٧٤
(٤) سورة الأعراف/ ٣٢
(٥) الحديث: ((إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر نعمته
علیه)). سبق تخريجه ف/ ٥
- ١٧٥ -

توسعة ١٥، توقف ١ - ٢
ومن آثار النعمة البناء الحسن والثياب الحسنة .
وكره ذلك آخرون منهم الحسن البصري
وغيره. (١)
توقف
rececer
EV9'SS
S
(١) تفسير القرطبي ٢٣٩/٧
التعريف :
١ - التوقف في اللغة: التلوم والتلبث
والتمكث. يقال: توقف عن الأمر إذا أمسك
عنه وامتنع وکف. وتوقف في الأمر تمکث وانتظر
ولم يمض فیه رأیا . (١)
واستعمل الفقهاء والأصوليون التوقف
بمعنى عدم إبداء قول في المسألة الاجتهادية
لعدم ظهور وجه الصواب فيها للمجتهد. (٢)
الحکم الإجمالي ومواطن البحث:
أولا : التوقف عند الأصوليين :
بحث الأصولیون التوقف في مسائل، منها :
أ - التوقف بعد نسخ الوجوب:
٢ - اتفق علماء الأصول على أنه إذا نسخ
الوجوب بنص دال على الجواز، كنسخ وجوب
صوم عاشوراء، أو دال على النهي عنه كنسخ
(١) المصباح المنير ولسان العرب، وتاج العروس ومتن اللغة
والمعجم الوسيط مادة: ((وقف)).
(٢) ابن عابدين ١٠٨/٣، ١٠٩، ومسلم الثبوت ١٠٣/١،
٢٦٧
- ١٧٦ -

توقف ٣ - ٤
التوجه إلى بيت المقدس، يعمل بمقتضى
النص الناسخ من الجواز أو التحريم :
واختلفوا فيما إذا نسخ الوجوب من غير إبانة
الجواز أو التحريم:
فقال الحنفیة: حکمه التوقف إلی قیام دلیل
آخر على الجواز أو التحريم، لأن دليل الجواز
المقارن للحرج في الترك - وهو معنى الوجوب -
زال بالنسخ، فلا يبقى دليل للجواز أو عدم
الجواز، فنتوقف إلى أن يقوم دليل على أحد
الأمرین.
وقال الشافعية: إذا نسخ الوجوب من غير
إيانة الجواز والتحريم بقي الجواز بالنص
المنسوخ، لأن الوجوب يتضمن الجواز، فإنه
جواز مع الحرج في الترك، والناسخ لا ينافيه،
فبقي على ما كان من الجواز وانتفى الحرج في
الترك.(١)
ب - التوقف عن العمل بالعام قبل البحث عن
المخصص:
٣ - قال بعض الأصوليين والفقهاء منهم
الحنفية: إنه يجوز العمل بالعام قبل البحث عن
المخصص، لأن العام قطعي الدلالة، فيستفاد
منه الحکم قطعا، ولا يتوقف على عدم احتمال
(١) مسلم الثبوت مع المستصفى ١٠٣/١، ١٠٤
المعارض، كما لا يتوقف حكم الخاص على
عدم احتمال النسخ والتأويل .
وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
حكم بالدية في الأصابع بمجرد العلم بكتاب
عمرو بن حزم رضي الله عنه، وترك القياس
والرأي، ولم يبحث عن المخصص. ولم ينقل عن
واحد من الصحابة قط التوقف في العام إلى
البحث عن المخصص، ولا إنكار واحد منهم
على من تمسك بالعام قبل البحث عن
المخصص .
وقال بعضهم بالتوقف عن العمل بالعام قبل
البحث عن المخصص، لأن كل عام يحتمل
التخصيص، ولا حجة مع الاحتمال المعارض.
هذا، وقد وفق بعضهم بين الرأيين فقال:
((إن العامي يلزمه العمل بعموم العام كما سمع،
وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه فيقف ساعة
لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الأشباه مع
کونه حجة للعمل به إن عمل، لكن يقف
احتياطا حتى لا يحتاج إلى نقض
ما أمضاه)).(١)
جـ ـ التوقف في أن الأمر للفور أو التراخي :
٤ - صرح بعض الأصوليين منهم الجويني بأن
(١) مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت بديل المستصفى
٢٦٧/١
- ١٧٧ -

توقف ٥ - ٧
الأمر المطلق مشترك بين الفور والتراخي فيتوقف
فيه إلى ظهور الدلائل، ومعنى التوقف أنا لا
ندري أن أول الوقت يتعين للامتثال فيأثم
بالتأخير، أويسوغ للمكلف أداء الواجب في
أول الوقت أو آخره فلا يأثم بالتأخير. (١)
وتفصيل هذه المسائل في الملحق الأصولي.
ثانيا : التوقف عند الفقهاء :
بحث الفقهاء التوقف في مسائل، منها:
أ - توقف الخصم عن جواب الدعوى أو عن
حلف اليمين :
٥ - إن توقف المدعى عليه عن جواب الدعوى
للتر وي أو عن حلف اليمين إذا توجهت علیه
لا يعتبر نكولا مالم يحكم القاضي بنكوله. (٢)
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (دعوى،
نكول).
ب - توقف القاضي عن الحكم :
٦ - صرح الفقهاء في باب الرجوع عن الشهادة
بأنه إذا رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم
(١) إرشاد الفحول ص ١٠٠، ١٠١، وشرح البدخشي مع
حاشية الأسنوي ٢ / ٤٤ - ٤٧
(٢) ابن عابدين ٤٢٤/٤، وتبصرة الحكام ٢٧٣/١، وبلغة
السالك ٣١٩/٤، ونهاية المحتاج ٣٣٦/٨، والمغني
٢٣٥/٩
امتنع الحكم بها، ولا تقبل لو أعادوها. (١) أما
إذا سألوا الحاكم أن يتوقف عن الحكم بشهادتهم
فیجب علیه التوقف، ثم إذا قالوا له: احكم فله
الحكم إن أعادوا الشهادة عند الحنابلة وبغير
إعادة لها عند الشافعية . (٢)
وذكر المالكية أنه إذا أشكل الحكم على
الحاكم فإنه يتوقف ولا يحكم، وكذلك إذا تبين
له الحق وهويرى أنه متى أوقع الحكم تفاقم
الأمر بين المتنازعين وعظم الأمر وخشيت
الفتنة . (٣)
وتفصيل هذه المسائل والخلاف فيها في
مصطلح: (دعوى، شهادة، قضاء).
جـ ــ توقف أثر العقد :
٧ - ذكر الفقهاء أن العقد قد یکون منعقدا لكن
يتوقف أثره على شيء آخر، كالقبض أو الإِجازة
أو غيرهما، فقد صرح الحنفية أن البيع الفاسد
- وهو ما يكون مشروعا بأصله لا بوصفه - بيع
حقيقة ومنعقد وإن توقف حکمه أي الملك على
القبض . (٤)
(١) ابن عابدين ٣٩٦/٤، وجواهر الإكليل ٢٤٥/٢، ٢٤٦،
والقليوبي ٣٣٢/٤، وكشاف القناع ٤٤٢/٦
(٢) القليوبي ٣٣٢/٤، ونهاية المحتاج ٣١٠/٨، وكشاف
القناع ٦/ ٤٤٢
(٣) التاج والإكليل بهامش الخطاب ٦/ ١٣٣
(٤) ابن عابدين ٤/٤، وتبيين الحقائق للزيلعي ٤٤/٤، وفتح
القدير ٤٣/١
- ١٧٨ -

توقف ٨، توقيت
والبيع الموقوف - وهو ماتعلق به حق الغير ،
كبيع الصبي وبيع الفضولي عقد صحیح يفيد
الحكم بلا توقف على القبض عند جمهور
الفقهاء (الحنفية والمالكية وفي رواية عند
الحنابلة)، لكنه موقوف على الإِجازة، (١) كما
فصل في مصطلح: (البيع الموقوف).
د - التوقف في الفتوى :
٨ - ذكر الفقهاء في آداب الفتوى أنه ينبغي
للمفتي أن يتأمل في المسألة تأملا شافيا، وإذا لم
یعرف حکمها یتوقف حتی یتبین له الصواب،
ويكون توقفه في المسألة السهلة التي لا يعلم
حكمها كالصعبة ليعتاده. (٢)
ولا يجوز التساهل في الفتوى، كأن يتسرع
ولا يتثبت في الفتوى قبل استيفاء حقها من النظر
والفكر. قال الحطاب: من عرف بالتساهل في
الفتوى لم يجز أن يستفتى، وربما يكون التساهل
بإسراعه وعدم تثبته، وقد يحمله على ذلك توهمه
أن السرعة براعة، والبطء عجز، ولأن يبطىء
ولا يخطىء أجمل به من أن يضل ويضل. (٣)
وقد روى النووي عن السلف وفضلاء
الخلف التوقف عن الفتيا في كثير من المسائل،
(١) البدائع ١٤٨/٥، والدسوقي ٣/ ١٠، ومغني المحتاج
١٥/٢، والمغني مع الشرح ٤/ ٢٧٤
(٢) المجموع للنووي ١/ ٤٨، ٤٩
(٣) مواهب الجليل للخطاب ٣٢/١
كما نقل عن الأئمة الأربعة ومن بعدهم من
الفقهاء أنهم توقفوا عن الإِجابة في مسائل
کثیرة .(١)
قال ابن عابدين: «وفي ذلك تنبیه لکل مفت
أن لا یستنکف من التوقف فیما لا وقوف له
عليه، إذ المجازفة افتراء على الله تعالى بتحريم
الحلال وضده)). (٢)
وتفصيله في مصطلح: (فتوى).
توقيت
انظر: تأقيت.
(١) المجموع للنووي ٤٨/١، ٤٩، ٥٠
(٢) ابن عابدين ١٠٨/١، ١٠٩، والمراجع السابقة.
- ١٧٩ -

توقيف ١ - ٣
توقيف
التعريف :
١ - التوقیف مصدر وقّف بالتشديد.
والتوقيف: الاطلاع على الشيء، يقال:
وقفته على ذنبه: أطلعته عليه، ووقفت القارىء
توقيفا: إذا أعلمته مواضع الوقوف.
وتوقيف الناس في الحج: وقوفهم بالمواقف.
والتوقيف كالنص (نص الشارع المتعلق
ببعض الأمور) يقال: أسماء الله توقيفية . (١)
ويستعمل التوقيف أيضا بمعنى منع
التصرف في الشيء.
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عما ورد في
اللغة . (٢)
الحكم التكليفي :
٢ - التوقيف في إثبات الأسماء والصفات الله
تعالی .
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، والمغرب
وترتيب القاموس المحيط والمعجم الوسيط مادة: ((وقف)).
(٢) المواقف ص٣٣٣، ومسلم الثبوت ٢/ ١١، وشرح جوهرة
التوحيد ص ٩٠ والتبصرة بهامش فتح العلي ١ / ١٧٩، والأم
٢٦٩/٥ - ٢٧١، والمهذب ٢٦/٢، والسراجية ص٣١٧
قال صاحب شرح جوهرة التوحيد: إختار
جمهور أهل السنة أن أسماء الله تعالى توقيفية،
وكذا صفاته، فلا تثبت له اسما ولا صفة إلا إذا
ورد بذلك توقيف من الشارع.
وذهبت المعتزلة إلى جواز إثبات ماكان الله
متصفا بمعناه ولم یوهم نقصا وإن لم يرد به توقيف
من الشارع، ومال إليه القاضي أبو بكر
الباقلاني. وتوقف فيه إمام الحرمین.
وفصل الغزالي فجوز إطلاق الصفة، وهي
مادل على معنى زائد على الذات، ومنع
إطلاق الاسم وهو مادل على نفس الذات.
والمختار مذهب الجمهور.
٣ - وفي المواقف في علم الكلام: تسميته تعالى
بالأسماء توقيفية أي يتوقف إطلاقها على الإِذن
فيه، وذلك للاحتياط احترازا عما يوهم باطلا
لعظم الخطر في ذلك.
والذي ورد به التوقيف في المشهور تسعة
وتسعون اسما . (١)
وقال ابن كثير: ليعلم أن الأسماء الحسنى
غير منحصرة في تسعة وتسعين، بدليل مارواه
الإِمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه عن رسول الله وسلم أنه قال: ((ما
أصاب أحداً همٌ ولا حزنٌقط. فقال: اللهم
(١) شرح جوهرة التوحيد ص ٨٩ - ٩٠ط دار الكتب العلمية،
والمواقف ص٣٣٣ط عالم الكتب.
- ١٨٠ -